خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الروحانيات

ماهو المعنى الكامن وراء الحياة ؟ وكيف يحسن الإنسان من علاقته بربه ؟

الأخلاق لدى علي عزت بيجوڤيتش

يوجد ملحدون على أخلاق .. لكن لايوجد إلحاد أخلاقي

بهذه العبارة يستفتح (علي عزّت) فصل الأخلاق من كتاب الاسلام بين الشرق والغرب، وبها نستهلّ بعرض مقتطفات من ذلك الفصل.

Begofitch

علي عزت بيجوفتش (1925-2003) أول رئيس جمهوري لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء حرب البوسنة والهرسك، هو ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، مؤلف لعدة كتب أهمها (الاسلام بين الشرق والغرب).

في بداية فصل الأخلاق يتحدّث ويؤكد على فكرة العالم الأخروي ، كي نجعل تضحية البطل انتصارًا ، فإذا لم يكن منتصرًا في العالم الأخروي فأين يكون منتصرا ؟

ثم بعد ذلك يتحدّث عن التدريب والتنشئة فيقول :
لاتوجد تدريبات أو قوانين ولاتأثيرات خارجية يمكن بها إصلاح الإنسان ، فلايمكن تدريب الإنسان كما يتدرّب الحيوان . ولذلك فإن كل تنشئة حقيقية ، هي في جوهرها تنشئة ذاتية وهي مناقضة للتدريب . إن التدريب حتى ولو كان يفرض السلوك الصحيح هو في أساسه لا أخلاقي ولا إنساني ، فهدف التنشئة الصحيحة ليس تغيير الانسان تغييرًا مباشرًا ، حيث أن هذا غير ممكن ، وإنما هي تحفّز فيه قوى جوانيّة لتحدث قرارا لصالح الخير عن طريق المثل الصالح والنصيحة والمشاهدة وغيرها .

وفي فقرة “الأخلاق والعقل” بيّن بعض النظريات الأخلاقية ، والتي تنهي جدلها المنطقي المعقّد بنتائج متناقضة ، كقول فولتير ( تضحية الإنسان بنفسه بوازع من مصلحته الذاتية )!

“إن العلم لا يعلّم الناس كيف يحيون ، ولا من شأنه أن يقدم لنا معايير قيمية ؛ لأن القيم التي تسمو بالحياة الحيوانية إلى مستوى الحياة الإنسانية ، تبقى مجهولة وغير مفهومة بدون الدين ، فالدين
مدخل إلى عالم آخر متفوّق على هذا العالم ، والأخلاق هي معناه.”

الأخلاق دائما مبدأ تقييد أو تحريم يناقض الغريزة الحيوانية في طبيعة الإنسان ، ليست الأخلاق كما عرّفها الرواقيّون: (الحياة في انسجام مع الطبيعة) ، بل صوت الطبيعة هو ما قاله نيتشه :
(تخلّص من الضمير ومن الشفقة والرحمة … تلك المشاعر التي تطغى على حياة الإنسان الباطنية .. اقهر الضعفاء واصعد فوق جثثهم)!
يمكن إقامة أخلاقيات المنفعة على أساس من العقل ولو على المستوى النظري , ولكن من المستحيل أن نقيم على العقل وفي غيبة الألوهية ، أخلاقيات غيرية لا أنانيّة ، أو أخلاقيات تقوم على التضحية كما ينبغي أن تكون الأخلاق .

نحن لا نعرف حالة واحدة خلال التاريخ الإنساني لمجتمع لاديني خالص ، ولا دولًا تربّت فيها أجيال بعد أجيال على نبذ الدين أو كراهية الدين ، لتعطينا إجابة مؤكدة على سؤال :
ما إذا كان هناك أخلاق بلا دين ، أو ما إذا كان ممكنا وجود ثقافة إلحادية ومجتمع ملحد؟

لقد غربت الشمس حقا ، ولكن الدفء الذي يشعّ في جوف الليل مصدره شمس النهار السابق ، إن الأخلاق دين مضى ، ولا سبيل لإقامة تعليم تام الإلحاد للإجيال ، إلا بخلق الشروط النفسية الملائمة ، وذلك من خلال التدمير الكامل والقضاء على جميع المواريث الروحية على مدى العصور ، لقد عاش الجنس البشري آلاف السنين تحت تأثير الأديان .
إن الجيل الراهن الذي هو لاديني اسميًّا ، بل حتى الملحدين من هذا الجيل لم ينشأوا على جهل بالدين وإنما على الأرجح في عداء له ، فهم وإن لم يقبلوا مبادئ المسيح في الحب والإخاء والمساواة باسم الله ، إلا أنهم لم يرفضوا هذه المبادئ أصلا ، وإنما بنوع من الوهم الغريب احتفظوا بهذه المبادئ باسم العلم .

عندما حاول الماديون بناء نظام أخلاقي ، اقترحوا اللجوء إلى ضمير الإنسان ، بدلا من الخوف من الله كحافز على استقامة السلوك ، فهل الضمير والوعي يعدّ بعض أجزاء هذا العالم الواقعي ؟ أليس الإيمان بالإنسان بدلا من الإيمان بالله هو شكل من أشكال الدين ولكنه أقل بدرجة ؟إن لجوء الماديين إلى الإنسان بدلا من الرجوع إلى الله يبدو غريبا في ضوء ما أكّده ماركس نفسه عندما قال : (إن الأمل في الإنسانية المجرّدة للإنسان وهْم لايقل عن الوهْم الديني الخالص) .
بغضّ النظر عن كل ماسبق ، يبقى أن السؤال الحقيقي هو :
هل باستطاعة الملحد أن يعظ باسم الأخلاق أو الإنسانية ، ويبقى على ما هو عليه في حدود مذهبه المادي ؟؟

 

ونختتم بإحدى إشراقاته:

“من الممكن أن نتصوّر رجل دين لا أخلاق له ، وبالعكس . لكن القرآن يذكر كثيرا الإيمان مع العمل الصالح ، بل في الآية التالية يوجّه نظرنا إلى أن الممارسة الأخلاقية قد تكون حافزا قويًّا على التدين (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) معنى الآية يقول : افعل الخير تصبح مؤمنا ، وفي هذه النقطة نرى إجابة على سؤال : كيف يمكن للإنسان أن يقوّي إيمانه ؟ والإجابة هي : إفعل الخير تجد الله أمامك.”

فخر الدين شيحو: أن تكون مقدمة في مخطوطة

fd2

فخر الدين شيحو، ولد بمدينة أوراخوفاتش بـ(جمهورية كوسوفو)، فنان وخطاط وشاعر متخصص في الأندراغوجيا (أساليب تعليم الراشدين)، بناء القدرات التدريب والتوجيه. منذ عشر سنوات وهو يباحث مستقل في التراث الروحاني العالمي والجماليات الكهنوتي. في كتابته الشعرية والنثرية نلحظ الأثر الصوفي والعرفاني بوضوح كما أن الحس التوجيهي وإن كان على خطاب منولوج ذاتي، هو من الملامح الظاهرة بنصوصه. وهنا ننقل لكم أحد نصوصه بترجمة حصرية لدى ساقية، والذي يقول فيه:

في ذلك اليوم عندما تطايرت حبوب لقاح الزعفران في الهواء

بخطوط متناغمة بشكل صارخ

عن ذلك السحيق الفسيح الذي يؤثر بمراهقتنا

يذكرنا بالماضي الخفي الثابت


إنه ذلك الذي يدلق “لا شيء”

سوى ما يشبه كأسا مليئا بالدموع


كان يسمى “المختار” بالتعيين

الذي تركه فارغ اليدين من شجرة الخمر

في الشمس


وجد سره في الضوء،

ولا حتى الظلام يمكنه أن يفضحه

كان القمر بدرا والأيام القادمة ستكون مشرقة،

تلك أهمية الوقت لذلك أقول انه يمتلك جاذبية ومساحة

دوره في الحديث بعد ترتيبات الأجندات المعروفة وغير المعروفة

يبدو هكذا: أنا فتحت المخطوطات التي أحملها في القلب

وتركت اثنتين في اليد اليسرى وأخريتان في اليمنى

لأنهم سيُكشف سرهم خلال “مركز العاصفة الهادئة”

يجب أن يتطابق الواقع مع نظام مسموع

وقوانينه الخاصة بالمراسلات يجب أن يظهر

“نظم مختلفة للحقيقة”

ما يجب أن تكشف عنه مع كلمات وصور

وأصوات واهتزازات يدلقها المرء على مر السنين

وسماها كهنوت


سمعته تقول: لا يوجد ما يمنعك

من أن تكون جيدا, أنه يحدث للعقبات

جد العوائق واقتلها بالابتسامة

لتصل المجد بالذهب

وجسد الحقيقة العاري بالعاج

إنه ينصح بحماسة: لا تستطيع نسيان

ما لقيت من إساءة.

ينبغي عليك، يجب عليك

أن تقوم به كما تطلبه الأساليب الروحية،

-الخوف، الحب والمعرفة-

تستطيع أيضا أن تتذكر الإحسان الذي قدم لك

ما يجب عليك هو أن تنسى الإساءة وتتذكر بعضها كدرس

حاول أيضا أن تتذكر كل ما لقيت من إحسان لتقدم للآخرين درسا

تزوج ثم أحب الأولاد لتضاعف صوت الدائرة

التي تغلفك بحب لا نهائي

ولأنك اعتدت أن تكون محبوبا من قبل والديك

وتصعب عليك الحياة بدون محبة الآخرين،

لذلك أنت تمزج الحب لمصلحتك

وتقرأ بنظام لترى استسلام روح توأم روحك

وتشعر بأنسك.

أنت تقرأ أيضا لتزيل ظلمة ستر الجهل

ولكن عندما ترغب بالتنوير, تتبع خطوات

أولئك الذين عبروا قبلك

وعندما ترى العلامات تسميها

بينما يضحك المسافر لأنك تسميهم

بمفرداتك وتظن أنك اكتشفت بعدا لم يتجرأ أحد أن

يخطو خطوة به أو يتجاوزه.

بينما في زمرة ذاتك تعطي الخطب البليغة موقفا وتمردا

حياتي كلها كانت معاناة لتكون لا شيء

أكثر من إنسان عادي

الآخر  يتحدث همسا بأصوات حياة ماضية

الآخر من الآخرين بعد صمت التوبات

عن مجموعة الذنوب

أرضية الغرور تعلن عن فرادة الحكمة التي أهديت له

وتحتفل بضجة جديرة بالثناء التي تقول:

أخيرا، أدركت أنني لأرضي الجميع وأجعلهم سعداء

عليك أن تنسى نفسك وكل سعادتك هناك

تتحرر روحيا، فترى شفاه الجنة مشبعة بالدم

والأنسجة الطلائية المشعة

حيث لا يوجد أي قرمزي يقارن بهذه الشفاه

وهي تقبل ضفائري وتخصِّب رحمي

الأم التي ينبغي أن أكونها لكل السلالة

يافع إلى الأبد: ذلك التجسد للمولود الأول

أينبغي لي أن أهب العالم ملكا عادلا وحكيما؟

محبوبا من الشعب والجماعة ومعشوقا من العظيم

لعلك تسطيع المشاهدة لكن اللمس سيكلفك كنزا

من مملكة خفية، الرغبة تصبح عناء دائما

للأطفال الشرهين. أتراه عمر أم إنسان

لم ينضج كفاية ليمسك بمعاناة الضيق تأتي بتدفق

لا يشفع لما تقدمه الأيام والأزمنة

بينما أقف جنبا إلى إلى جنب السمك الطائر

والفيلة العائمة.

نجاتها هو كل ما أعرضه عليك

النجاة التي تستطيع أن تلمسها

دون أن تدفع قرشا واحدا

 

جحا، بين بَله الطرفة و حنكة المتصوفة

1483439123517

 

يعد الملّا  (نصر الدين) أو (جحا) شخصية كلاسيكية من إبداع الدراويش بغية تجميدهم في لحظة واحدة مواقف بحاجة إلى حالات ذهنية معتمة معينة إلى الضوء، وتشكل حكايات (جحا) إحدى أغرب المآثر في تاريخ الميتافزيقيا، تمر معظمها على أنها  “نُكت” ولكنها غير ذلك منطوية على العديد من مستويات العمق و الحكمة تمضي بوعي المتصوف خطوة أبعد على طريق الإدراك .


يجهل الناس إلى أين يتجهون طلبًا للإستنارة، ونتيجة لذلك فلا غرابة هناك إذا ارتبطوا بأي معتقد أو انغمسوا في كافة أنواع النظريات، و رسخ في يقينهم أنهم يملكون القدرة على التمييز بين الصدق و الزور، و(جحا) عَلم هذا الدرس بطرق عدة منها:

أحد الجيران وجد (جحا) راكعًا على ركبتيه يبحث عن شيء ما
– ماذا ضاع منك يا (ملا)؟
رد (جحا):
– مفتاحي.
بعد عدة دقائق من البحث، سأله الجار:
– أين سقط منك؟
– في البيت.
– إذًا فلماذا – بحق السماء – لا تبحث عنه هناك؟
– النور هنا أكثر!

هذه هي إحدى أشهر حكاياته ويستخدمها كثير من الصوفيين في تعليقهم على أولئك الذين يسعون وراء مصادر غريبة بحثًا عن الإستنارة.


يعد الحشد التدريجي للوعي إحدى خصائص المنهج الصوفي الذي ينتهجه (جحا) فتعد ومضة التنوير الحدسية التي تأتي بها حكاياته ماهي بصفة جزئية إلا استنارة صغرى في حد ذاتها و ليست تجربة ذهنية، لكنها أيضًا حجر عبور نحو إعادة بناء إدراك باطني في ذهن مأسور أخضعته دون رحمة لتشريط أنساق التدريب التي تفرضها الحياة المادية و مع ذلك فما زال طوع المرء أن يتلقى نكت (جحا) بعد فصلها من عباراتها التكنيكية عن قيمتها الفكاهية و في هذه الحالات قد تفقد كثيرًا من تأثيرها، مثالًا على ذلك :

أخذ (جحا) ذات يوم حملًا  مع الملح إلى السوق، فعبر حماره خلال جدول من الماء فذاب الملح و عند وصول الجحش للضفة الأخرى استبد به المرح فالحِمل خف عن ظهره، لكن الغضب ملك فؤاد (جحا) وفي اليوم التالي ملأ ” جحا ” ظهر حماره بالصوف ، فكاد أن يغرق بعدما تشبع الصوف بالماء، و هنا صاح (جحا) بلذة إنتصار:
– هيه! هذا درس لك، عندما تظن أنك سوف تكسب شيئًا في كل مرة تتخذ فيها طريق الماء.

في الحكاية الأصلية نجد أن مصطلحين تكنيكيين تم إستخدامهما: الملح و الصوف
فكلمة “ملح” تعتبر مرادفة لـ“الصالح و الحكمة” و الحمار هنا يرمز للانسان وخلال التخلص من الصالح العام يشعر المرء بالارتياح بعد ان انزاح ماكان يثقل كاهله، لكن ذلك يؤدي لفقدان غذائه فـ(جحا) عجز عن بيع أي ملح وشراء العلف، أما كلمة “صوف” تنطوي بطبيعة الحال على كلمة “صوفي” وفي الرحلة الثانية يجد الحمار كاهله ينوء تحت عبء أثقل، فهكذا يريد المعلم (جحا) وقد زاد الوزن على امتداد الطريق للسوق فكانت النتيجة النهائية أحسن بعد أن باع (جحا) الصوف مبلل وصار أثقل و قبض ثمن أعلى مما كان ليأتيه من بيع الصوف جاف.


تكشف إحدى حكايات (جحا) أيضًا عن كيفية توصل الصوفي للنتائج الصحيحة خلال آلية خصوصية “منهج مغلوط، بالنسبة إلى غير المتأهلين”، وهو الأمر الذي يفسر كثيرًا مما يبدو غرائب من جانب الصوفيين:

مثل رجلان أمام (جحا) عندما كان يعمل قاضيًا. و قال أحدهما:
– هذا الرجل عض أذني، و أطلب منه تعويضًا مناسبًا.
رد الآخر:
– هو الذي قضمها بنفسه!

قام (جحا) بتأجيل القضية و انسحب إلى غرفة المداولة فقضى نصف ساعة يحاول قضم أذنه بنفسه ولم ينجح إلا في السقوط على الأرض مرة تلو سابقتها مما أدى لجرح جبهته، فعاد لقاعة المحكمة و أصدر حكمه:

– افحصوا الرجل الذي قُضمت أذنه، فإذا وجدتم أن جبهته مجروحة أشد من جروحي، يكون هو من فعلها بنفسه، وبذلك تكون القضية مرفوضة وإلا يكون الرجل الآخر هو من فعلها و عندئذ يحصل المعضوض على تعويض قدره ثلاث قطع من الفضة.

توصل هنا (جحا) لقرار صحيح بوسائل غير منطقية، فنجده تبنى دور الأحمق “درب الملامة عند الصوفي” ونجده مصورًا بشكل متطرف طريقة تفكير البشري العادي.


نفت الصوفية الافتراض الذي يقول بأن مجرد كون المرء لا يزال على قيد البقاء فإنه ذلك يُمكنه من الإدراك، فقد يكون المرء حي من الناحية الإكلينيكية و لكنه ميت من الناحية الإدراكية، ولن يُمكّنه المنطق و لا الفلسفة من بلوغ الإدراك، كما تصوره لنا القصة الآتية :

كان (جحا) يفكر بصوت عالِ:
– كيف يتأتى لي أن أعرف ما إذا كنت حيًا أم ميتًا؟
فقالت له زوجته:
– لا تكن مغفلًا ، لو كنت ميتًا لكانت أطرافك باردة.
و بعد ذلك بقليل تصادف أن كان (جحا) يسير في غابة بمنتصف الشتاء، فتذكر أن يديه و قدميه باردة و فكّر:
– أنا الآن بكل تأكيد ميّت، فصار علي أن أتوقف عن العمل لأن الجثث لا تعمل.
و لما لم يكن في وسع الجثث أن تسير فلقد توقف عن المشي و تمدد على العشب، و سرعان ما ظهرت ذئاب شرعت بمهاجمة حماره الذي كان قد قيده في إحدى الأشجار، و هنا قال (جحا) من وضعه المستلقي:
– نعم، واصلوا ما أنتم فيه منتهزين فرصة موت صاحبه! وآه لو كنت على قيد الحياة، لم أكن لأسمح لكم بأخذ راحتكم على هذا النحو مع حماري!


إذا بدت هذه نكتة و حسب لشخص ما ، فإن هذا الشخص يكشف عن حاجته إلى المزيد من العمل الذاتي ، يصوره (جحا) كاريكاتوريًا في الحوار الآتي :

سأل رجل غبي (جحا):
– ماذا يفعلون بالقمر عندما يشيخ؟
جاء الجواب مناسبًا:
– إنهم يقسِّمون كل قمر إلى أربعين نجمة!

فالأشخاص الذين يسعون لتحقيق الوصول الباطني يتوقعون ذلك بشروطهم هم و من هنا يستبعدون أنفسهم من الأمر قبل بدأه.


لما كانت الصوفية هي التناغم مع الحقيقة الحقيقية أي غير المزيفة، فليس في وسع أحد ‏أن يجعلها ‏تشبه شبهًا كبيرًا ما نأخذ على أنه حقيقة، ‏ولكنه في حقيقة الأمر ‏ليس سوى حكم أكثر بدائية و قصير المدى، ‏وعلى سبيل المثال ترانا نميل ‏إلى النظر ‏إلى الأحداث من منظور أحادي الجانب، كما نفترض – دون أي مبرر – ‏إن الأحداث تقع كما لو كانت تقع في فراغ.
‏ولكن الحقيقة الواقعة أن كل الاحداث ترتبط بكل الأحداث الأخرى ولا يحدث إلا عندما نكون على استعداد لمعايشة علاقاتنا المتبادلة ‏مع كل مجمل منظومة الحياة، ‏أن يكون في وسعنا أن نقدر التجربة الباطنية حق قدرها، وإذا ما نظرت إلى أي تصرف يصدر عنك وعن أي شخص آخر فلا سوف تكتشف أن هناك واحدًا ‏من دوافع عديدة ممكن تقف وراءه، ‏وأنه من المستحيل أن يكون عملًا منعزلًا ؛ ‏إذ يترتب عليه عواقب معينة، كثير منها لم تكن لتتوقعه بحال من الأحوال، ولم يكن بالتأكيد ف طوعك ان تضعه ضمن خططك.
‏وتؤكد نكتة أخرى تروً عن (جحا) هذه الدائرية الأساسية إلى الحقيقة و التفاعلات غير المنظورة بصفة عامة التي تحدث:

‏ذات يوم كان (جحا) يمشي في طريق صحراوي مهجور، وبينما كان الليل يرخى سدوله لمح طابورًا من الفرسان قادمًا نحوه، ‏وبدأ خياله ‏في العمل فخاف أن يكونوا قادمين إلى سرقته أو تجنيد في السلك العسكري واستبد به الخوف حتى قفز على سور قريب وسرعان ما وجد نفسه في جبانة، ‏اما المسافرون الآخرون اللذين كانوا خاليي البال من مثل تلك الأفكار التي طرأت على ذهن (جحا) فاستبد بهم حب الاستطلاع وجدّوا في أثره.
وعندما عثروا عليه ممدًا على الأرض بلا حرام، سأله أحدهم:
– ‏هل لنا أن نساعدك؟ من الذي جاء بك إلى هنا؟
رد (جحا) بعد أن أدرك غلطته :
– ‏الأمر أعقد مما تفترضون فأنا هنا بسبببكم و أنتم هنا بسببي!


بينما كان (جحا) يرمم سطح بيته ذات يوم ناداه شخص ما طالبًا منه أن ينزل إليه في عرض الشارع ، فما كان من (جحا) إلا أن استجاب، و سأله عما يريد فقال:
– بعض النقود.
– ‏لماذا لم تقل لي ذلك وأنا على السطح؟
– إنني أخجل أن أشحذ.
– اصعد معي إلى السطح.
و عندما بلغا السطح انخرط (جحا) من فوره في تركيب البلاط مرة أخرى، كح الرجل في يده فما كان (جحا) إلا أن قال، دون أن يرفع عينيه إليه:
– ليس عندي نقود أسلّفها لك.
– كان بوسعك أن تقول لي ذلك دون أن تجعلني اصعد معك إلى هنا.
– إذن، كيف كنت ستعوضني عن إنزالك لي من على السطح إلى الشارع؟

كثيرة كثرة فائقة هي الأشياء التي تتضح للصوفي في نفس اللحظة مما لا يستطيع الشخص المتوسط إدراكها، فهي أعمال تعتمد على القوى فوق الحسية و هذه الأعمال بالنسبة للصوفي ليست أكثر إعجاز من أي أعمال تعتمد على الحواس العادية بالنسبة إلى العوام، أما كيف تعمل على وجه التحديد فليس بوسعنا أن نصفه، و لكن نستطيع أن نسوق قياسًا متناظرًا إلى هذا الحد أو ذاك.

هيجل و التصوف الاسلامي

هيجل

جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770 — 1831)، فيلسوف ألماني وُلد في المنطقة الجنوبية الغربيةِ من ألمانيا. يعتبر (هيغل) أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

يستعرض لنا  الدكتورة (محمدي رياحي رشيدة)  في كتاب (هيجل و الشرق) نظرة (هيجل) عن التصوف الإسلامي الذي يراه مختلفًا عن التصوف المسيحي، بل متناقضاً معه من خلال المبدأ الجوهري .
فالتصوف يعرف بأنه:

حيوية داخلية للشعور العميق للروح التي تقتصر أساساً على إبطال المرئي.

(هيجل) يرفض بصورة واضحة مفهوم الوحدة الخاصة الصوفية، مسيحية كانت أم إسلامية، وهي وجهة نظر تكون فيها وحدة الله والعالم اللامتناهي والمتناهي موجودة إلا في الفكر لأنه بصفته ظاهرة، فالعالم لا يمتلك أية حقيقة فعلية ولا أي تحديد .
ولهذا السبب، فالفكر الصوفي الإسلامي، يتمثل لـ(هيجل) كنوع من الحلولية الروحية للانعكاس الذي هو:

إنتاج الفكر المتبصر الذي يمتد في كل الاشياء الطبيعية، والذي سيصور وجود الله ليس كشمولية حقيقية للفكر، وإنما ككلية بمعنى في كل الموجودات الخاصة.

هذه الكلية تتمثل في جوهرها كنفي للمتناهي؛

فكل ماهو متناهي محدد و منفي.

الفلسفة الصوفية الاسلامية بالنسبة لـ(هيجل) تتميز ككونية مشابهة لفلسفة الإيليين او السبينوزوية.
فهذه الفلسفات كما يقول:

تطابق لله مع العالم، أساليب للتصورات الشرقية، أستطيع أن أقول بأن المطلق يبرز كنوع محض كلي، الذي يسكن لا في الأجناس و لا في الموجودات، لكن بالطريقة التي يدركن فيها أية حقيقة فعلية.

ويقول أيضًا:

إن الخطأ المشترك لهذه الأساليب، التصورات والأنساق، هو عدم بلوغها مرحلة تحديد الجوهر كموضوع و كروح.

الفهم المتأمل الذي هو أسلوب الفكر الصوفي، يرتقي اتجاه التحديد الحقيقي الخاص بالفلسفة.
فبالنسبة لـ(هيجل):

صعوبة القضية، تكمن في الشكل الذي يأخذه التأمل، لأن هذا التأمل الذي يسمونه غير مدرك،

بالنسبة للذين لا يريدون معرفة أي شيء عن الله.

الفلسفة الصوفية هي محددة من طرف (هيجل) كفلسفة جوهرية، فلسفة لا تستطيع التعبير عن وحدة اللامتناهي والمتناهي لله وللعالم إلا من خلال النفي، أو الإلغاء المطلق للمتناهي و للعالم، مثل هكذا فلسفة تعد سلبية مطلقًا في نظر (هيجل) الذي لم يتعرف على الفلسفة الصوفية الا تحت شكل صوفية شعرية.

النسخة الداخلية متكافئة مع الحضور الإلهي إذن الانسان هو الكلي مطلقًا، إنه الحقيقة، مجمع كل الكائنات الازلية و الفانية.

إشكالية المفهوم الهيجلي لا تكمن فقط في توثيقه، و لكن بنسقه الفلسفي أيضًا. وخاصة ما تعلق منها بمفهومه للصوفية لتأسيس برهنته الميتافيزيقية الصوفية، لا سيما تلك المرتبطة بـ(جلال الدين الرومي).
أما بالنسبة لـ(جلال الدين الرومي) وللصوفية عامة:

الإنسان هو في نفس الوقت كائن، حي وتاريخي، وهو جزء من الكائن الإلهي هو شعاع من نوره.

فالحياة الحقيقية هي الحركة التي من خلالها، وحسب (الرومي):

الجزء ينضم إلى الكل الشعاع، النور.

هذا ما قاله (الرومي) في هذا النص الذي يؤرخ له بستة قرون قبل (هيجل):

الخالق يخرج الانسان من الوضع الحيواني ليدخله في الوضع الانساني، وهكذا يمر الانسان من نظام للطبيعة إلى آخره، إلى أن يصبح حكيمًا، عالمًا وقويًا مثلما هو عليه الآن.

هناك أكثر من فكرة استوقفت (هيجل) طويلاً في أشعار (الرومي)، منها:

هذا الوعي للواحد في أجمل صفاته و سموه […] وحدة النفس مع الواحد،

هذه الوحدة الروحية التي هي الحب في وقت واحد، هذه الوحدة الروحية،

تسمو فوق كل ماهو محدود ومألوف ترتقي بالطبيعي، إلى مستوى الروحي،

حيث ينتفي ويذوب كل ما هو خارجي، كل ما هو خارجي،

كل ما هو عابر في المعطي الطبيعي المباشر،

و كل ما هو حسي أو روحي بالمعنى الدنيوي.

ويتساءل (هيجل) في ملاحظته عن (جلال الدين الرومي):

من ذا الذي يرى في هذا الشعر المتعالي عن كل ما هو خارجي و حسي، التصور السطحي عما يسمونه بالحلولية، ومن ذا الذي بالأحرى، يقصر الإلهي على ما هو خارجي و حسي.

فالحلولية الحقة التي يدافع عنها (هيجل) تتلخص “في أن الإلهي، كوحدة و ككل، لا يدركه الوعي إلا بعد اختفاء جميع الأشياء الجزئية التي يتجلى فيها حضوره”.

يذكر (هيجل) كلا من (جلال الدين الرومي)، و(حافظ الشيرازي) بأجمل العبارات:

إن الحب الإلهي الذي يستغرق الانسان بكليته، بحيث لا يرى في أي جهة من الجهات الا الواحد الذي يرد إليه كل ما يقع تحت الحواس، إن هذا الحب يشكل المركز الذي لا يكف عن أن يتسع و يشع في كل الاتجاهات.

و أخيرًا لا يجد (هيجل) بُدًا من المقارنة بين شعر الشرقيين و شعر الغربيين فيقول:

لا شك ان الحياة الرومانتيكية للعواطف عند العرب تتضمن مطابقة مماثلة “مع الحياة الخارجية“، ولكنها حزينة كئيبة تنقصها الحرية، وتبقى متقوقعة على نفسها، مغرقة في الذاتية، مما يجعلها أنانية ضعيفة .. أما عند الشرقيين، وخاصة الفرس المسلمين، فهذه الداخلية هي داخلية حرة و سعيدة.

الإرادة والقدر عند لايبنتز

غوتفريد فيلهيلم لايبنتز (1646 – 1716). هو فيلسوف وعالم طبيعة وعالم رياضيات ودبلوماسي ومكتبي ومحام ألماني الجنسية. يتميز بنظرة تفاؤلية مهتم بالرياضيات والفلسفة مما أدى لخلق أسلوبه الخاص في الجمع بينهما
فبحث للفلسفة عن قوانين مشابهة لقوانين المعادلات الرياضية إلى جانب اهتمامه بعلم الكيمياء، نراه دبلوماسياً أيضاً وقد قام بمحاولة إقناع ملك فرنسا لويس الرابع عشر بفتح مصر، وهدفه من ذلك أن تنشغل فرنسا عن ألمانيا وتحول قوتها إلى الخارج وكان قد فشل بمهمته تلك.
تحدث في (المونادولوجيا) أو لفظ (مونادة) والتي يعني بها ان العالم بأسره مكون من مونادات مماثلة للتي نجدها بواسطة التجربة الباطنية والتي منها “الإدراك” و”النزوع” تلك التجربة لديه غير قابلة للتجزئة وهي بمثابة ذرة غير جسمية و “الأنا” لديه هي ان يفكر و يحس ويريد وجميع ذلك ما هو الا تفسير للفظ “مونادة”، (لايبنتز) قام بتفسير تفاصيل كثيرة عن وحدة المونادة بواسطة نظريته في “التناسق السابق” والذي يفخر بها كثيراً ووقع مؤلفاته بإسم (صاحب التناسق السابق) واحدى تلك التفسيرات كان رداً على (مالبرانش) الذي يعيد أفعال الله بسن قوانينه لنفسه فيحدث بمقتضاها الادراكات بالنفس ولا يفعل ذلك بالاعجاز فيجيب عليه (لايبنتز):
إن الله ليس بساعاتي عاجز مثل ما تصوره (مالبرانش)، بل إنه ساعاتي مجيد: هناك طريقة سهلة لصنع ساعتين تشيران دائماً إلى الزمن نفسه، وذلك بأن يضبطهما ضبطاً كاملاً ويجعلهما تبدآن في وقت واحد ويترك آلاتهما تفعل وحدها.
ومن هنا يتضح لنا ان (لايبنتز) ذو مذهب لاهوتي قائل بكمال الله مما ينتج عن ذلك نظرته التفاؤلية ومقولته الشهيرة:
كل شيء يسير نحول الأفضل، في هذا الكون الموجود على أكمل وجه.
وفي ذلك دليل صريح على مدى تفاؤله.
نرى (لايبنتز) يتحدث أيضاً عن القدر فيقول فيها:
القدر على أشكال ثلاثة: القدر المحمدي (الإسلامي) والقدر الرواقي والقدر المسيحي.
يفصلهم كالتالي:
القدر المحمدي هو قدر كسول، فمثلاً إذا رأى المؤمن منزله يحترق، يقول في نفسه: “إنه مكتوب لمنزلي أن لا يحترق أو أن يحترق حتى آخره فنترك ماهو مكتوب يتحقق ولننتظر”. ولذلك لا يقوم بأية محاولة لإخماد النار، ويخضع قانطاً لأمر الله.
القدر الرواقي بخلاف ذلك: يقول الرواقي إنه مكتوب لمنزلي أن يحترق بأكمله أو أن يحترق بعضه وبما أني أجهل ماهو مكتوب فأني أقذف النار بالماء، واذا اشتدت النار علي بعد ذلك فما علي الا ان اخضع للأمر.
وفي القدر المسيحي يتساءل المؤمن اولاً عما هو موافق لارادة الله المباشرة وقد كون المؤمن فكرة عن هذه الارادة على ضوء المبادئ الخلقية العقلية والمنزلة فيعمل مثل ما يعتقد أن الله يريده أن يعمله ومهما تكن النتيجة بعد ذلك فعليه أن يخضع مثل الرواقي لأنه لم يتمكن من أن يمنع مالم يستطع منعه ثم يحمد الله على كل حال ويهلّل لما حصل.
يميل أخيراً (لايبنتز) للقدر المسيحي ويقول:
ان إلهنا إله طيب، ولنكن مطمئنين من جهته وكل شيء سينتهي على ما يرام للأبرياء وأسوء حال للأشقياء.
هديل الشيخي