خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الروحانيات

ماهو المعنى الكامن وراء الحياة ؟ وكيف يحسن الإنسان من علاقته بربه ؟

جحا، بين بَله الطرفة و حنكة المتصوفة

1483439123517

 

يعد الملّا  (نصر الدين) أو (جحا) شخصية كلاسيكية من إبداع الدراويش بغية تجميدهم في لحظة واحدة مواقف بحاجة إلى حالات ذهنية معتمة معينة إلى الضوء، وتشكل حكايات (جحا) إحدى أغرب المآثر في تاريخ الميتافزيقيا، تمر معظمها على أنها  “نُكت” ولكنها غير ذلك منطوية على العديد من مستويات العمق و الحكمة تمضي بوعي المتصوف خطوة أبعد على طريق الإدراك .


يجهل الناس إلى أين يتجهون طلبًا للإستنارة، ونتيجة لذلك فلا غرابة هناك إذا ارتبطوا بأي معتقد أو انغمسوا في كافة أنواع النظريات، و رسخ في يقينهم أنهم يملكون القدرة على التمييز بين الصدق و الزور، و(جحا) عَلم هذا الدرس بطرق عدة منها:

أحد الجيران وجد (جحا) راكعًا على ركبتيه يبحث عن شيء ما
– ماذا ضاع منك يا (ملا)؟
رد (جحا):
– مفتاحي.
بعد عدة دقائق من البحث، سأله الجار:
– أين سقط منك؟
– في البيت.
– إذًا فلماذا – بحق السماء – لا تبحث عنه هناك؟
– النور هنا أكثر!

هذه هي إحدى أشهر حكاياته ويستخدمها كثير من الصوفيين في تعليقهم على أولئك الذين يسعون وراء مصادر غريبة بحثًا عن الإستنارة.


يعد الحشد التدريجي للوعي إحدى خصائص المنهج الصوفي الذي ينتهجه (جحا) فتعد ومضة التنوير الحدسية التي تأتي بها حكاياته ماهي بصفة جزئية إلا استنارة صغرى في حد ذاتها و ليست تجربة ذهنية، لكنها أيضًا حجر عبور نحو إعادة بناء إدراك باطني في ذهن مأسور أخضعته دون رحمة لتشريط أنساق التدريب التي تفرضها الحياة المادية و مع ذلك فما زال طوع المرء أن يتلقى نكت (جحا) بعد فصلها من عباراتها التكنيكية عن قيمتها الفكاهية و في هذه الحالات قد تفقد كثيرًا من تأثيرها، مثالًا على ذلك :

أخذ (جحا) ذات يوم حملًا  مع الملح إلى السوق، فعبر حماره خلال جدول من الماء فذاب الملح و عند وصول الجحش للضفة الأخرى استبد به المرح فالحِمل خف عن ظهره، لكن الغضب ملك فؤاد (جحا) وفي اليوم التالي ملأ ” جحا ” ظهر حماره بالصوف ، فكاد أن يغرق بعدما تشبع الصوف بالماء، و هنا صاح (جحا) بلذة إنتصار:
– هيه! هذا درس لك، عندما تظن أنك سوف تكسب شيئًا في كل مرة تتخذ فيها طريق الماء.

في الحكاية الأصلية نجد أن مصطلحين تكنيكيين تم إستخدامهما: الملح و الصوف
فكلمة “ملح” تعتبر مرادفة لـ“الصالح و الحكمة” و الحمار هنا يرمز للانسان وخلال التخلص من الصالح العام يشعر المرء بالارتياح بعد ان انزاح ماكان يثقل كاهله، لكن ذلك يؤدي لفقدان غذائه فـ(جحا) عجز عن بيع أي ملح وشراء العلف، أما كلمة “صوف” تنطوي بطبيعة الحال على كلمة “صوفي” وفي الرحلة الثانية يجد الحمار كاهله ينوء تحت عبء أثقل، فهكذا يريد المعلم (جحا) وقد زاد الوزن على امتداد الطريق للسوق فكانت النتيجة النهائية أحسن بعد أن باع (جحا) الصوف مبلل وصار أثقل و قبض ثمن أعلى مما كان ليأتيه من بيع الصوف جاف.


تكشف إحدى حكايات (جحا) أيضًا عن كيفية توصل الصوفي للنتائج الصحيحة خلال آلية خصوصية “منهج مغلوط، بالنسبة إلى غير المتأهلين”، وهو الأمر الذي يفسر كثيرًا مما يبدو غرائب من جانب الصوفيين:

مثل رجلان أمام (جحا) عندما كان يعمل قاضيًا. و قال أحدهما:
– هذا الرجل عض أذني، و أطلب منه تعويضًا مناسبًا.
رد الآخر:
– هو الذي قضمها بنفسه!

قام (جحا) بتأجيل القضية و انسحب إلى غرفة المداولة فقضى نصف ساعة يحاول قضم أذنه بنفسه ولم ينجح إلا في السقوط على الأرض مرة تلو سابقتها مما أدى لجرح جبهته، فعاد لقاعة المحكمة و أصدر حكمه:

– افحصوا الرجل الذي قُضمت أذنه، فإذا وجدتم أن جبهته مجروحة أشد من جروحي، يكون هو من فعلها بنفسه، وبذلك تكون القضية مرفوضة وإلا يكون الرجل الآخر هو من فعلها و عندئذ يحصل المعضوض على تعويض قدره ثلاث قطع من الفضة.

توصل هنا (جحا) لقرار صحيح بوسائل غير منطقية، فنجده تبنى دور الأحمق “درب الملامة عند الصوفي” ونجده مصورًا بشكل متطرف طريقة تفكير البشري العادي.


نفت الصوفية الافتراض الذي يقول بأن مجرد كون المرء لا يزال على قيد البقاء فإنه ذلك يُمكنه من الإدراك، فقد يكون المرء حي من الناحية الإكلينيكية و لكنه ميت من الناحية الإدراكية، ولن يُمكّنه المنطق و لا الفلسفة من بلوغ الإدراك، كما تصوره لنا القصة الآتية :

كان (جحا) يفكر بصوت عالِ:
– كيف يتأتى لي أن أعرف ما إذا كنت حيًا أم ميتًا؟
فقالت له زوجته:
– لا تكن مغفلًا ، لو كنت ميتًا لكانت أطرافك باردة.
و بعد ذلك بقليل تصادف أن كان (جحا) يسير في غابة بمنتصف الشتاء، فتذكر أن يديه و قدميه باردة و فكّر:
– أنا الآن بكل تأكيد ميّت، فصار علي أن أتوقف عن العمل لأن الجثث لا تعمل.
و لما لم يكن في وسع الجثث أن تسير فلقد توقف عن المشي و تمدد على العشب، و سرعان ما ظهرت ذئاب شرعت بمهاجمة حماره الذي كان قد قيده في إحدى الأشجار، و هنا قال (جحا) من وضعه المستلقي:
– نعم، واصلوا ما أنتم فيه منتهزين فرصة موت صاحبه! وآه لو كنت على قيد الحياة، لم أكن لأسمح لكم بأخذ راحتكم على هذا النحو مع حماري!


إذا بدت هذه نكتة و حسب لشخص ما ، فإن هذا الشخص يكشف عن حاجته إلى المزيد من العمل الذاتي ، يصوره (جحا) كاريكاتوريًا في الحوار الآتي :

سأل رجل غبي (جحا):
– ماذا يفعلون بالقمر عندما يشيخ؟
جاء الجواب مناسبًا:
– إنهم يقسِّمون كل قمر إلى أربعين نجمة!

فالأشخاص الذين يسعون لتحقيق الوصول الباطني يتوقعون ذلك بشروطهم هم و من هنا يستبعدون أنفسهم من الأمر قبل بدأه.


لما كانت الصوفية هي التناغم مع الحقيقة الحقيقية أي غير المزيفة، فليس في وسع أحد ‏أن يجعلها ‏تشبه شبهًا كبيرًا ما نأخذ على أنه حقيقة، ‏ولكنه في حقيقة الأمر ‏ليس سوى حكم أكثر بدائية و قصير المدى، ‏وعلى سبيل المثال ترانا نميل ‏إلى النظر ‏إلى الأحداث من منظور أحادي الجانب، كما نفترض – دون أي مبرر – ‏إن الأحداث تقع كما لو كانت تقع في فراغ.
‏ولكن الحقيقة الواقعة أن كل الاحداث ترتبط بكل الأحداث الأخرى ولا يحدث إلا عندما نكون على استعداد لمعايشة علاقاتنا المتبادلة ‏مع كل مجمل منظومة الحياة، ‏أن يكون في وسعنا أن نقدر التجربة الباطنية حق قدرها، وإذا ما نظرت إلى أي تصرف يصدر عنك وعن أي شخص آخر فلا سوف تكتشف أن هناك واحدًا ‏من دوافع عديدة ممكن تقف وراءه، ‏وأنه من المستحيل أن يكون عملًا منعزلًا ؛ ‏إذ يترتب عليه عواقب معينة، كثير منها لم تكن لتتوقعه بحال من الأحوال، ولم يكن بالتأكيد ف طوعك ان تضعه ضمن خططك.
‏وتؤكد نكتة أخرى تروً عن (جحا) هذه الدائرية الأساسية إلى الحقيقة و التفاعلات غير المنظورة بصفة عامة التي تحدث:

‏ذات يوم كان (جحا) يمشي في طريق صحراوي مهجور، وبينما كان الليل يرخى سدوله لمح طابورًا من الفرسان قادمًا نحوه، ‏وبدأ خياله ‏في العمل فخاف أن يكونوا قادمين إلى سرقته أو تجنيد في السلك العسكري واستبد به الخوف حتى قفز على سور قريب وسرعان ما وجد نفسه في جبانة، ‏اما المسافرون الآخرون اللذين كانوا خاليي البال من مثل تلك الأفكار التي طرأت على ذهن (جحا) فاستبد بهم حب الاستطلاع وجدّوا في أثره.
وعندما عثروا عليه ممدًا على الأرض بلا حرام، سأله أحدهم:
– ‏هل لنا أن نساعدك؟ من الذي جاء بك إلى هنا؟
رد (جحا) بعد أن أدرك غلطته :
– ‏الأمر أعقد مما تفترضون فأنا هنا بسبببكم و أنتم هنا بسببي!


بينما كان (جحا) يرمم سطح بيته ذات يوم ناداه شخص ما طالبًا منه أن ينزل إليه في عرض الشارع ، فما كان من (جحا) إلا أن استجاب، و سأله عما يريد فقال:
– بعض النقود.
– ‏لماذا لم تقل لي ذلك وأنا على السطح؟
– إنني أخجل أن أشحذ.
– اصعد معي إلى السطح.
و عندما بلغا السطح انخرط (جحا) من فوره في تركيب البلاط مرة أخرى، كح الرجل في يده فما كان (جحا) إلا أن قال، دون أن يرفع عينيه إليه:
– ليس عندي نقود أسلّفها لك.
– كان بوسعك أن تقول لي ذلك دون أن تجعلني اصعد معك إلى هنا.
– إذن، كيف كنت ستعوضني عن إنزالك لي من على السطح إلى الشارع؟

كثيرة كثرة فائقة هي الأشياء التي تتضح للصوفي في نفس اللحظة مما لا يستطيع الشخص المتوسط إدراكها، فهي أعمال تعتمد على القوى فوق الحسية و هذه الأعمال بالنسبة للصوفي ليست أكثر إعجاز من أي أعمال تعتمد على الحواس العادية بالنسبة إلى العوام، أما كيف تعمل على وجه التحديد فليس بوسعنا أن نصفه، و لكن نستطيع أن نسوق قياسًا متناظرًا إلى هذا الحد أو ذاك.

هيجل و التصوف الاسلامي

هيجل

جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770 — 1831)، فيلسوف ألماني وُلد في المنطقة الجنوبية الغربيةِ من ألمانيا. يعتبر (هيغل) أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

يستعرض لنا  الدكتورة (محمدي رياحي رشيدة)  في كتاب (هيجل و الشرق) نظرة (هيجل) عن التصوف الإسلامي الذي يراه مختلفًا عن التصوف المسيحي، بل متناقضاً معه من خلال المبدأ الجوهري .
فالتصوف يعرف بأنه:

حيوية داخلية للشعور العميق للروح التي تقتصر أساساً على إبطال المرئي.

(هيجل) يرفض بصورة واضحة مفهوم الوحدة الخاصة الصوفية، مسيحية كانت أم إسلامية، وهي وجهة نظر تكون فيها وحدة الله والعالم اللامتناهي والمتناهي موجودة إلا في الفكر لأنه بصفته ظاهرة، فالعالم لا يمتلك أية حقيقة فعلية ولا أي تحديد .
ولهذا السبب، فالفكر الصوفي الإسلامي، يتمثل لـ(هيجل) كنوع من الحلولية الروحية للانعكاس الذي هو:

إنتاج الفكر المتبصر الذي يمتد في كل الاشياء الطبيعية، والذي سيصور وجود الله ليس كشمولية حقيقية للفكر، وإنما ككلية بمعنى في كل الموجودات الخاصة.

هذه الكلية تتمثل في جوهرها كنفي للمتناهي؛

فكل ماهو متناهي محدد و منفي.

الفلسفة الصوفية الاسلامية بالنسبة لـ(هيجل) تتميز ككونية مشابهة لفلسفة الإيليين او السبينوزوية.
فهذه الفلسفات كما يقول:

تطابق لله مع العالم، أساليب للتصورات الشرقية، أستطيع أن أقول بأن المطلق يبرز كنوع محض كلي، الذي يسكن لا في الأجناس و لا في الموجودات، لكن بالطريقة التي يدركن فيها أية حقيقة فعلية.

ويقول أيضًا:

إن الخطأ المشترك لهذه الأساليب، التصورات والأنساق، هو عدم بلوغها مرحلة تحديد الجوهر كموضوع و كروح.

الفهم المتأمل الذي هو أسلوب الفكر الصوفي، يرتقي اتجاه التحديد الحقيقي الخاص بالفلسفة.
فبالنسبة لـ(هيجل):

صعوبة القضية، تكمن في الشكل الذي يأخذه التأمل، لأن هذا التأمل الذي يسمونه غير مدرك،

بالنسبة للذين لا يريدون معرفة أي شيء عن الله.

الفلسفة الصوفية هي محددة من طرف (هيجل) كفلسفة جوهرية، فلسفة لا تستطيع التعبير عن وحدة اللامتناهي والمتناهي لله وللعالم إلا من خلال النفي، أو الإلغاء المطلق للمتناهي و للعالم، مثل هكذا فلسفة تعد سلبية مطلقًا في نظر (هيجل) الذي لم يتعرف على الفلسفة الصوفية الا تحت شكل صوفية شعرية.

النسخة الداخلية متكافئة مع الحضور الإلهي إذن الانسان هو الكلي مطلقًا، إنه الحقيقة، مجمع كل الكائنات الازلية و الفانية.

إشكالية المفهوم الهيجلي لا تكمن فقط في توثيقه، و لكن بنسقه الفلسفي أيضًا. وخاصة ما تعلق منها بمفهومه للصوفية لتأسيس برهنته الميتافيزيقية الصوفية، لا سيما تلك المرتبطة بـ(جلال الدين الرومي).
أما بالنسبة لـ(جلال الدين الرومي) وللصوفية عامة:

الإنسان هو في نفس الوقت كائن، حي وتاريخي، وهو جزء من الكائن الإلهي هو شعاع من نوره.

فالحياة الحقيقية هي الحركة التي من خلالها، وحسب (الرومي):

الجزء ينضم إلى الكل الشعاع، النور.

هذا ما قاله (الرومي) في هذا النص الذي يؤرخ له بستة قرون قبل (هيجل):

الخالق يخرج الانسان من الوضع الحيواني ليدخله في الوضع الانساني، وهكذا يمر الانسان من نظام للطبيعة إلى آخره، إلى أن يصبح حكيمًا، عالمًا وقويًا مثلما هو عليه الآن.

هناك أكثر من فكرة استوقفت (هيجل) طويلاً في أشعار (الرومي)، منها:

هذا الوعي للواحد في أجمل صفاته و سموه […] وحدة النفس مع الواحد،

هذه الوحدة الروحية التي هي الحب في وقت واحد، هذه الوحدة الروحية،

تسمو فوق كل ماهو محدود ومألوف ترتقي بالطبيعي، إلى مستوى الروحي،

حيث ينتفي ويذوب كل ما هو خارجي، كل ما هو خارجي،

كل ما هو عابر في المعطي الطبيعي المباشر،

و كل ما هو حسي أو روحي بالمعنى الدنيوي.

ويتساءل (هيجل) في ملاحظته عن (جلال الدين الرومي):

من ذا الذي يرى في هذا الشعر المتعالي عن كل ما هو خارجي و حسي، التصور السطحي عما يسمونه بالحلولية، ومن ذا الذي بالأحرى، يقصر الإلهي على ما هو خارجي و حسي.

فالحلولية الحقة التي يدافع عنها (هيجل) تتلخص “في أن الإلهي، كوحدة و ككل، لا يدركه الوعي إلا بعد اختفاء جميع الأشياء الجزئية التي يتجلى فيها حضوره”.

يذكر (هيجل) كلا من (جلال الدين الرومي)، و(حافظ الشيرازي) بأجمل العبارات:

إن الحب الإلهي الذي يستغرق الانسان بكليته، بحيث لا يرى في أي جهة من الجهات الا الواحد الذي يرد إليه كل ما يقع تحت الحواس، إن هذا الحب يشكل المركز الذي لا يكف عن أن يتسع و يشع في كل الاتجاهات.

و أخيرًا لا يجد (هيجل) بُدًا من المقارنة بين شعر الشرقيين و شعر الغربيين فيقول:

لا شك ان الحياة الرومانتيكية للعواطف عند العرب تتضمن مطابقة مماثلة “مع الحياة الخارجية“، ولكنها حزينة كئيبة تنقصها الحرية، وتبقى متقوقعة على نفسها، مغرقة في الذاتية، مما يجعلها أنانية ضعيفة .. أما عند الشرقيين، وخاصة الفرس المسلمين، فهذه الداخلية هي داخلية حرة و سعيدة.

الإرادة والقدر عند لايبنتز

غوتفريد فيلهيلم لايبنتز (1646 – 1716). هو فيلسوف وعالم طبيعة وعالم رياضيات ودبلوماسي ومكتبي ومحام ألماني الجنسية. يتميز بنظرة تفاؤلية مهتم بالرياضيات والفلسفة مما أدى لخلق أسلوبه الخاص في الجمع بينهما
فبحث للفلسفة عن قوانين مشابهة لقوانين المعادلات الرياضية إلى جانب اهتمامه بعلم الكيمياء، نراه دبلوماسياً أيضاً وقد قام بمحاولة إقناع ملك فرنسا لويس الرابع عشر بفتح مصر، وهدفه من ذلك أن تنشغل فرنسا عن ألمانيا وتحول قوتها إلى الخارج وكان قد فشل بمهمته تلك.
تحدث في (المونادولوجيا) أو لفظ (مونادة) والتي يعني بها ان العالم بأسره مكون من مونادات مماثلة للتي نجدها بواسطة التجربة الباطنية والتي منها “الإدراك” و”النزوع” تلك التجربة لديه غير قابلة للتجزئة وهي بمثابة ذرة غير جسمية و “الأنا” لديه هي ان يفكر و يحس ويريد وجميع ذلك ما هو الا تفسير للفظ “مونادة”، (لايبنتز) قام بتفسير تفاصيل كثيرة عن وحدة المونادة بواسطة نظريته في “التناسق السابق” والذي يفخر بها كثيراً ووقع مؤلفاته بإسم (صاحب التناسق السابق) واحدى تلك التفسيرات كان رداً على (مالبرانش) الذي يعيد أفعال الله بسن قوانينه لنفسه فيحدث بمقتضاها الادراكات بالنفس ولا يفعل ذلك بالاعجاز فيجيب عليه (لايبنتز):
إن الله ليس بساعاتي عاجز مثل ما تصوره (مالبرانش)، بل إنه ساعاتي مجيد: هناك طريقة سهلة لصنع ساعتين تشيران دائماً إلى الزمن نفسه، وذلك بأن يضبطهما ضبطاً كاملاً ويجعلهما تبدآن في وقت واحد ويترك آلاتهما تفعل وحدها.
ومن هنا يتضح لنا ان (لايبنتز) ذو مذهب لاهوتي قائل بكمال الله مما ينتج عن ذلك نظرته التفاؤلية ومقولته الشهيرة:
كل شيء يسير نحول الأفضل، في هذا الكون الموجود على أكمل وجه.
وفي ذلك دليل صريح على مدى تفاؤله.
نرى (لايبنتز) يتحدث أيضاً عن القدر فيقول فيها:
القدر على أشكال ثلاثة: القدر المحمدي (الإسلامي) والقدر الرواقي والقدر المسيحي.
يفصلهم كالتالي:
القدر المحمدي هو قدر كسول، فمثلاً إذا رأى المؤمن منزله يحترق، يقول في نفسه: “إنه مكتوب لمنزلي أن لا يحترق أو أن يحترق حتى آخره فنترك ماهو مكتوب يتحقق ولننتظر”. ولذلك لا يقوم بأية محاولة لإخماد النار، ويخضع قانطاً لأمر الله.
القدر الرواقي بخلاف ذلك: يقول الرواقي إنه مكتوب لمنزلي أن يحترق بأكمله أو أن يحترق بعضه وبما أني أجهل ماهو مكتوب فأني أقذف النار بالماء، واذا اشتدت النار علي بعد ذلك فما علي الا ان اخضع للأمر.
وفي القدر المسيحي يتساءل المؤمن اولاً عما هو موافق لارادة الله المباشرة وقد كون المؤمن فكرة عن هذه الارادة على ضوء المبادئ الخلقية العقلية والمنزلة فيعمل مثل ما يعتقد أن الله يريده أن يعمله ومهما تكن النتيجة بعد ذلك فعليه أن يخضع مثل الرواقي لأنه لم يتمكن من أن يمنع مالم يستطع منعه ثم يحمد الله على كل حال ويهلّل لما حصل.
يميل أخيراً (لايبنتز) للقدر المسيحي ويقول:
ان إلهنا إله طيب، ولنكن مطمئنين من جهته وكل شيء سينتهي على ما يرام للأبرياء وأسوء حال للأشقياء.
هديل الشيخي

غاندي يعزو نجاته إلى العناية الربانية

موهانداس كرمشاند غاندي، (1869-1948) سياسي بارز وزعيم روحي للهند خلال حركة استقلال الهند، المعروف بلقب (المهاتما غاندي)، صاحب مبدأ اللاعنف. في كتابه (قصة تجاربي مع الحقيقة)، من ترجمة (منير البعلبكي). تحدث غير مره عن العناية الربانية أو الرحمة الإلهية كطوق نجاة في مواقف عدة فيقول :

يعتبرالإنسان الذي خلص من ارتكاب إثم جسدي إنساناً منقذاً. ولقد أنقذت بهذا المعنى ليس غير. إن ثمة بعض الأعمال التي يكون الهروب منها نعمة سماوية على الهارب وعلى أولئك المحيطين به أيضاً. وما إن يستعد المرء وعيه للحق حتى يشكر الرحمة الإلهية على الهروب. كما نعلم أن الإنسان كثيراً ما يخضع للإغراء مهما قاوم ذلك الإغراء، نعلم أيضاً أن العناية الربانية كثيراً ما تتدخل وتنقذه على الرغم منه. أما كيف يحدث هذا كله، وإلى أي حد يعتبر الإنسان حراً وإلى أي حد يعتبر ابن الظروف، وإلى أي مدى تتصرف الإرادة الحرة وأين يبرز القدر إلى المسرح. أما هذا كله فلغز، ولسوف يظل لغزاً .

يعتقد (غاندي) أن الإنسان: إذا كان غير مؤمن فانه يعزو نجاته إلى المصادفة. وإذا كان مؤمناً فانه يقول أن الله قد أنجاه.

ويقول في مناسبة أخرى:

ولم أعرف، آنذاك، جوهر الدين أو الله، وكيف تعمل الذات الإلهية في داخلنا. كل ما في الأمر إني  فهمت على نحو غامض أن الله قد أنقذني في تلك المناسبة. والحق أنه أنقذني من التجارب كلها. وأنا أدري أن لقولي:أنقذني اللهمعنى أعمق عندي اليوم، ومع ذلك فأنا أشعر أني لما أستوعب كامل معناها، وإن الخبرة الأخصب تستطيع وحدها أن تمكنني من التحقيق بفهم أوفى. ولكن في التجارب التي واجهتني، في حياتي الروحية وكمحام، وفي إدارة المؤسسات، وفي دنيا السياسة، أستطيع أن أقول إن الله قد أنقذني. فحين ينقطع الرجاء كله، وحين يعجز المسعفون وتعز السلوىأجد أن العون يهرع إلى بطريقة ما، ومن مكان لست أدريه. إن الابتهال، والتعبد، والصلاة، ليست خرافة، أنها أعمال أكثر واقعية من أعمال الأكل، والشرب، والقعود، والمشي. وليس من المبالغة أن تقول أنها هي وحدها الحقيقة، وكل ما عداها غير حقيقي.

في تلاقي الدين بالفلسفة، نديم الجسر يكتب

الشيخ نديم الجسر (1897 – 1980)، رجل دين وسياسي لبناني، ينحدر من أسرة مصرية الأصل، في كتابه (قصة الإيمان: بين الفلسفة والعلم والقرآن) ينقل قصة (حيران بن الأضعف) مع شيخه الموزون في عزلته الواقعة في مسجد مبني عند ضريح الأمام البخاري رضي الله عنه.

يقول حيران بن الاضعف:

لما كنت اطلب العلم في جامعة بيشاور كانت النفس الطلعة مشوقة، بفطرتها، إلى المعرفة : تستشرف كل غيب، وتشرئب إلى كل مجهول، فتبحث عن أصل كل شيء، وكهنه، وسببه وعلته، وسره وحكمته، فكان دأبي وديدني أن اسأل الشيوخ والرفاق عن هذا العالم، ما هو، ومتى خلق، ومم خلق، ومن الذي خلقه، وكيف خلقه ؟ فلا أقابل على هذه الأسئلة إلا بالزجر، ولا أجاب عليها إلا بالسخر، فيقول المشايخ عني : هذا ليس بطالب علم ولا دين .. إن هو إلا متفلسف سخيف.

ثم يقول كيف زاده هذا التهكم و الزجر إصرارا وشكاً:

وزادني هذا التهكم إصرارا وشكاً، حتى وقر في نفسي أن الحقائق التي انشدها، لا تدرك ولا تعلم، إلا من طريق الفلسفة، وان العقل والدين لا يجتمعان، ولو لا ذلك ما نفر مشايخي من الفلسفة، ولا تهربوا من الخوض معي، وفي كل جدل عقلي، حول سر الوجود، فأهملت دروس الدين، وأخذت ابحث عن كتب الفلسفة.

وتلا ذلك أن تم طرده من الجامعة و محاولة والده نصحه بترك الفلسفة والانصراف إلى علم الدين حتى ينتهي منه ثم ينكب على الفلسفة انكباباً صحيحا يقول حيران عن والده:

وقال لي في آخر حديثه: يا (حيران) لقد مرت في مثل الذي أنت فيه، فمالت نفسي إلي الفلسفة وأوغلت في الشك والحيرة لكن استأذنا الأكبر العارف بالله  الشيخ (أبو النور الموزون السمرقندي)، الذي كان فقيهاً كبيراً، وعالماً جليلاً، وفيلسوفاً عظيماً، نصحني، يومئذ، بمثل ما أنصحك به اليوم وقال لي: “إن الفلسفة بحر، على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر والزيغ  في سواحله وشطآنه، والأمان والإيمان في لججه وأعماقه”

دله والده على مكان الشيخ (الموزون)، دون أن يعلم أنه دله على طريق الفرار من الجامعة، رحل (حيران) إلى سمرقند حيث مال (الموزون)  في شيخوخته، إلى الزهد والانقطاع لله، في مسجد مبني عند ضريح الأمام البخاري رضي الله عنه. فيقص كيف كان لقاءه فيه فيقول:

وفي الصباح الباكر حملت جونة الشيخ، وأمر كبير القرية، رجلا، أن يدلني على البستان الذي يسرح الشيخ فيه. فسار بي حتى أوصلني إلى المسجد، ثم دلني على البستان، وعلى المكان الذي جرت عادته أن يضع فيه الطعام، فدنوت من سياج  البستان، ووضعت الجونة في مكانها و ثم علقت بحرفها ورقة صغيرة كتبت فيها هذه الكلمات:

ما ..؟ ومن ..؟ ومم..؟

وكيف …؟ وأين …؟ ومتى…؟

توارى (حيران) خلف  الشجرة متشابكة الأغصان، انتظر حتى دنا الشيخ من السياج واقبل نحو الجونة، فلما تناولها وقعت عيناه على الورقة، وقرأ ما فيها، يقص (حيران) كيف تأثر الشيخ بما في هذه الورقة فيقول:

اخذ يتلفت يمنه ويسره، ثم ترنح وسقط مغشياً عليه. فعودت نحوه، وفعلت كل ما أمكن حتى أنعشه. فلما أفاق من غشيته، فتح عينيه، ونظر إلي نظرة طويلة ثم تمتم قائلاً: لا تخف ساعدني على النهوض، فساعدته حتى دخلت به البستان، فجلس على حرف الساقية، فغسل وجهه، واستسلم إلى  السكون، وهو مغمض العينين. وبعد صمت طويل سمعته يقول، بصوت بحة الباكي: لا حول ولا قوة إلا بالله، يكررها ثلاثا .. ثم التفت إلى وقال: يا بني. لقد أزعجتني، وأفسدت علي لذة استغراقي في ذلي وانكساري إلى لله، وذكرتني بشر ما كانت تعانيه النفس من غصص الحيرة والشك .. سامحك الله . من أنت يا ولدي ؟ 

 قلت: أنا حيران بن عبد لله الأضعف، تلميذك البنجابي القديم.

قال: أهلا بك. كيف حال أبيك ؟ قلت: بخير.

قال: أراك وقعت في مثل ما وقع فيه أبوك من قبل ؟

قلت: نعم، وهو الذي دلني عليك وأرشدني إليك يا مولاي.

فنظر إلي الشيخ نظرة طويلة، ثم حول وجهه إلى الماء وأطال النظر فيه، واغرورقت عيناه بالدموع، ثم قال: وراحمتاه لكم يا شباب هذا الجيل. انتم المخضرمون بين مدرسة الإيمان عن طريق النقل، ومدرسة الإيمان عن طريق العقل. تلوكون قشوراً من الدين، وقشوراً من الفلسفة، فيقوم في عقولكم، أن الإيمان والفلسفة لا يجتمعان، وأن العقل والدين لا يأتلفان، وأن الفلسفة سبيل الإلحاد. وما هي كذالك يا والدي، بل هي سبيل لأيمان با لله، من طريق العقل. 

 طلب منه الشيخ أن يحضر له فراش لينام في المسجد، ودفتر كبير، ليكتب فيه، وخصص الليل لدرس والنهار لعزلته في الانقطاع لله.

وفيما يخص الأسئلة التي كتبها (حيران) على الورقة يقول الشيخ:

أسئلتك هذه. هي التي شغلت عقول الفلاسفة، بل عقول الناس كافة، منذ بدأ الإنسان يفكر . والفلسفة هي التي تحاول أن تجد لها جواباً. أما أنها وجدت الجواب الصحيح، على كل سؤال، أو لم تجده، فهذا شيء سوف تعرفه أذا بلغت الغاية. فالفلسفة تريد أن تعرف يا (حيران)، حقيقة كل شيء وكنهه، وأصله، وغايته، ولا تكتفي بالظواهر بل تريد النفوذ إلى البواطن، ولا تكتفي بهذا العالم المحسوس، بل تريد أن تعرف ما وراءه، وما كان قبله، وتريد أن تعرف من الذي خلقه ومن أي شيء خلقه، ومتى خلقه، وتريد أن تعرف ما هو هذا الخالق وما كنه ذاته، وحقيقة صفاته، وما هو هذا الإنسان، وما حقيقته، وما هو عقله، وكيف يتم إدراكه، وما مبلغ هذا الإدراك من الصحة، وما هو الخير، وما هو الجمال، ولم كان الخير خيرا، والجميل جميلاً إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا تنتهي، سعياً وراء معرفة المبادئ الأولى لكل شيء . لذلك قالوا في تعريف الفلسفة: أنها النظر في حقيقة الأشياء، وقالوا: أنها علم المبادئ الأولى، وقالوا غير ذلك أما أنا، فاني أعرفها لك، بأنها محاولة العقل أدراك كنه جميع المبادئ الأولى، وسوف ترى أن كنت على حق في هذا التعريف.

وفي الفرق بين العلم والفلسفة يقول الشيخ:

أن العلم يكتفي بدرس ظواهر هذا الكون، ونظمه، ونواميسه، أما الفلسفة فتبحث في أصل الكون وعلته، وحقيقته. 

ويقول في جوهر الفلسفة:

فالفلسفة كانت وما زالت، في جوهرها، عبارة عن البحث عن الله.

ويرى أن الفلاسفة اليونان:

أخذوا يبحثون عن الإله الحق، الذي ليس كمثله شيء من حيث لا يشعرون.

وعن اجتماع الدين والفلسفة في قلب المؤمن يقول: أن نتاج الفلسفة الصحيح لا يتنافى أبداً مع الدين الحق، في إثبات وجود الله ووحدانيته، بل يؤيد هذا الإثبات الذي جاء به الوحي بالنظر العقلي الخالص. فهذا ما أرشد أليه الشيخ، وخبره بنفسه.

وفي إمكانية الجمع بين الفلسفة والدين والتقائهما في الحق ينقل عن (ابن مسكويه) هذا القول:

بأن الإنسان نفسه لا يزال يرتقي ويزداد ذكاء، وصحة في التفكير، وجودة في الحكم، حتى يبلغ الأفق الأعلى الذي يتعرض به لأحدى منزلتين؛ إما أن يديم النظر في الموجودات ليتناول حقائقها، فتلوح له الأمور الآلهية، وإما  أن تأتيه تلك الأمور من الله تعالى، من غير سعي منه. وصاحب المنزلة الأولى هو “الفيلسوف”، وصاحب المنزلة الثانية هو “النبي” الذي يتلقى فيضاً من الله تعالى. فإذا التقى من وصل من أسفل بالتفلسف، ومن تلقى من أعلى بالفيض، أتفق رأيهما وصدق أحدهما الآخر، بالضرورة، لاتفاقهما في تلك الحقائق .

وهو في ذلك إنما أراد التلاقي على الحق في شيء واحد الأيمان بوجود الله. وليس التساوي في القيمة والقدر والعلم والعصمة.

وفي كراهية العلماء السلفيون الذين يكرهون هذا التعمق الفلسفي في الاستدلال على وجود الله يقول:

أنهم كانوا على حق قبل أن تعم البلوى، فقد كان المسلمون في العصر الأول من الإسلام لا يعرفون هذا الجدل الفلسفي حول وجود الله وصفاته، وأما بعد أن ترجمت الفلسفة اليونانية، وخاض كثير من علماء المسلمين فيها و ألفوا، وانتشرت بين الناس شبه الفلاسفة واشتهرت وعمت البلوى، وانبرى كثير من علماء الدين على الرد، على تلك الشبه، فقد أصبح الخوض في الفلسفة أمراً لابد منه، بل أصبح الاطلاع عليها واجباً على علماء الدين بوجه أخص ليتمكنوا من حسن الدعوة إلى الإيمان بالله.

يقول (الغزالي): أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كهنه، رد في عماية. ولهذا رأى أن يطلع على آراء الفلاسفة الآلهيين اطلاعاً تاماً قبل أن يرد عليهم فوضع كتابه (مقاصد الفلاسفة)، ثم وضع كتبه الشهير (تهافت الفلاسفة).

وعن  الشبهات التي ترمي بعض فلاسفة المسلمين بزندقة  وتشكيك بإيمانهم فبشأن (الرازي)، و(الفاربي) و(ابن سينا) يقول:

أنهم من أعظم المؤمنين بالله، ومن أصدقهم برهانا على وجود الله، وكيف لا يكونون كذلك، وهم كغيرهم من فلاسفة المسلمين، قد جمعوا إلى أيمان الوحي الصادق، وإيمان العقل السليم، نورا على نور. ولكن هؤلاء أخذوا بترهات الأفلاطونية الحديثة وخيالاتها في مراتب الخلق و وسائطه، وأختلط عليهم الأمر فحسبوها من كلام (أرسطو)، وحال إجلالهم للمعلم الأول، دون تمحيصها، لذلك كان على من يكتب عن هؤلاء أن يمحص أقوالهم ويميز بين ما فيها من الحق النير والباطل المظلم، وهذا ما لم يفعله الذين كتبوا عنهم، أما عجزاً عن التميز، أو زهداً في نصرة الأيمان، أو كيداً للإيمان.

هل القران لم يترك شيئاً من العلوم إلا وأشار إليه؟ يقول الشيخ في ذلك:

كلا هؤلاء الذين يقولون ذلك ليسوا بعلماء ولا عقلاء ولا أذكياء، فالقران ليس بدائرة معارف علمية. ولا من مقاصده أرشاد الناس، إلى العلوم الكونية، من باب التعليم. ولكن ما ورد فيه من الآيات، التي تشير إلى حقائق كونية كشفها العلم. إنما ورد بقصد التنبيه إلى ما في خلق العالم من آثار الإرادة، والقدرة، والعلم والحكمة، والإتقان، والاتزان، الدالة على وجود الله، والنافية لتكوين بالمصادفة، ولم يقصد به تقرير العلوم الكونية لأن القران خاطب البشر بلغة البشر، والله أحكم من أن يخاطب الناس بأمور لا يعرفون أسمائها، فضلا عن أسرارها، ولكنه أشار إلى دلائل وجوده، وقدرته وإرادته، وعلمه، وحكمته، ببيان عجيب يفهمه، على ظاهره، البدوي الساذج في القرن السابع عشر. ويفهم أسراره رجل العلم في القرن العشرين.

خاتمة الكلام يقول (حيران):

وبعد أن قضيت في ضيافته شهراً كاملاً، استأذنته، في السفر، والعودة إلى بلادي، وذكرت له عذري، وارتباطي بالأمير فقال لي: يا أبا النور! هذه الأيام المعدودات التي سمعت بها الدروس لا تكفيك، ولكني أنصحك أن تكثر من قراءة الفلسفة، حتى لا تترك منها شياً، وتكثر من قراءة علوم الطبيعة، وتكثر من قراءة القران.

قلت: كيف أكثر من قراءة الفلسفة وهذا الشك ما أتاني  إلا منها ؟

قال: يا ولدي أبا النور ؛ أن الفلسفة بحر، على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر والزيغ في سواحله وشطآنه، والأمان والإيمان في لججه وأعماقه. فاقرأها يا أبا النور، بصبر وأناة، ولا تترك شيئاً مما قاله الفلاسفة عن وجود الله وأحاديته. ثم اجمع أقوالهم، وقارن بينها ووازن، ثم اجمع من القران كل الآيات الدالة على وجود الله، واقرأها بتدبر، على ضوء ما قرأت من الفلسفة والعلم. وارجع، في التوفيق بين العلم والدين، إلى تحكيم العقل. وسوف تجد نفسك، بعد ذلك، في أحضان الإيمان واليقين. وأكثر، يا أبا النور، من قراءة سورة الضحى وسورة الأنبياء. ولا تقنط من رحمة الله ولسوف يعطيك ربك فترضى. ولسوف يصلح بالك. ويهديك إلى طيب القول، وإلى صراط مستقيم.