خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | السياسة

كيف ندير العالم بشكل أفضل ؟ ولماذا وصل العالم إلى حالة كئيبة كالتي نعيشها اليوم ؟ وهل هناك نماذج وأمثلة ملهمة ؟

جورج أوريل يشرح معنى الفاشية

 

جورج أورويل

ريك آرثر بلير (1903-1950)، الاسم الحقيقي لـ(جورج أورويل) ، وهو الاسم المستعار له والذي اشتهر به. هو صحافي وروائي بريطاني. عمله كان يشتهر بالوضوح والذكاء وخفة الدم والتحذير من غياب العدالة الاجتماعية ومعارضة الحكم الشمولي وإيمانه بالاشتراكية الديمقراطية. يعتبر القرن العشرين أفضل القرون التي أرّخت الثقافة الإنجليزية، كتب (أورويل) في النقد الأدبي والشعر الخيالي والصحافة الجدلية.

في مقالة له نشرتها (مجلة تريبيون) في عام 1944، حملت عنوان “ما هي الفاشية؟” يحاول (أورويل) أن يقوم بتبيين معالم هذا المفهوم، وشرح مدلولاته. وقد قام الأستاذ (أمير زكي) بترجمتها على مدونته الشخصية، ننقلها لكم هنا. يقول (أورويل) في مقالته:

من ضمن جملة الأسئلة غير المجاب عليها في زمننا، وربما يكون السؤال الأهم هو سؤال: “ما هي الفاشية؟

واحدة من منظمات الإستطلاع الإجتماعي في أمريكا سألت هذا السؤال مؤخرا لمائة شخص مختلف، وحصلوا على إجابات تنوعت ما بين “الديمقراطية البحتة” و”الشيطانية” البحتة. إن سألت شخص ذو تفكير عادي في بلدنا بأن يعرف الفاشية، سيجيب عادة بالإشارة إلى النظامين الألماني والإيطالي. ولكن هذا غير مرض على الإطلاق، لأنه حتى البلاد الفاشية الرئيسية تختلف عن بعضها البعض بشكل كبير في البناء والأيدولوجيا.

فليس من السهل على سبيل المثال أن تضع ألمانيا واليابان في نفس الإطار، وهذا يكون أصعب بالنسبة للبلاد الصغيرة التي يمكن وصفها بالفاشية. على سبيل المثال يُعتقَد عادة أن الفاشية مطبوعة على الميل للحرب؛ إنها تنمو في مناخ الحرب الهيستيري وتستطيع فقط أن تحل مشاكلها الاقتصادية بوسائل الإعداد للحرب والغزوات الخارجية. ولكن من الواضح أن هذا ليس صحيحا، قل، في البرتغال وديكتاتوريات أمريكا الجنوبية المختلفة. أو – كمثال آخر – أن معاداة السامية من المفترض أن تكون واحدة من العلامات المميزة للفاشية؛ ولكن بعض الحركات الفاشية ليس معادية للسامية. جدالات مثقفة، تتردد لمدة سنوات بلا توقف في المجلات الأمريكية، لم تكن قادرة على تحديد إن كانت الفاشية هي شكل من الرأسمالية. ولكن مع ذلك فعندما نطبق مصطلح “الفاشية” على ألمانيا أو اليابان أو إيطاليا موسوليني، فنحن نعلم بشكل كبير ما الذي نعنيه. ولكن في السياسة الداخلية فهذه الكلمة فقدت الأثر الأخير لمعناها. فلو ألقيت نظرة على الصحافة  ستجد أنه على الأغلب لا توجد مجموعة من الناس – في الحقيقة لا يوجد حزب سياسي أو مجموعة منظمة من أي نوع – لم تتهم بالفاشية في ظل العشر سنوات السابقة. أنا لا أتحدث عن الاستخدام الدقيق لمصطلح “الفاشية“. أنا أتحدث عما أراه في المطبوعات. أرى كلمات: “التعاطف مع الفاشية“، “عن الميل الفاشي“، أو فقط “الفاشية“، تطبق بجدية تامة على الجماعات التالية:

المحافظون: كل المحافظين، سواء كانوا مسالمين أو غير مسالمين، يتم اعتبارهم بأنهم في ذاتهم مؤيدين للفاشية. الحكم البريطاني في الهند والمستعمرات يتم اعتباره غير مختلف عن النازية. المنظمات التي يمكن ان يعتبرها المرء من النوع الوطني والتقليدي تصنف كفاشية متخفية أو “ذات ذهنية فاشية“. الأمثلة هي الكشافة، شرطة المتروبوليتان، المكتب الخامس[1]، رابطة المحاربين القدامى البريطانية. الجملة الأساسية هي: “المدارس العامة هي مساحات لتنشئة الفاشية“.

الاشتراكيون: المدافعون عن الرأسمالية بالطريقة القديمة (سير إرنست بِن[2] على سبيل المثال) أكد على أن الاشتراكية والفاشية هما نفس الشيء. الصحفيون الكاثوليكيون أكدوا على أن الاشتراكيين كانوا المتعاونين الأساسيين في البلاد التي احتلها النازي. نفس الاتهام ألقي من زاوية مختلفة من قبل الحزب الشيوعي أثناء الفترات المتطرفة يساريا. في الفترة ما بين 1930-1935 صحيفة “ذا ديلي ووركر”[3] عادة ما كانت تدعو حزب العمل بفاشيو العمل. هذا تم ترديده من قبل اليساريين المتطرفين كالأناركيين. بعض القوميين الهنود يعتبرون اتحادات التجارة البريطانية منظمات فاشية.

الشيوعيون: مدرسة لها اعتبارها في التفكير (أمثلتها: روشنينج[4]، بيتر دراكر[5]، جيمس برنهام[6]، ف. أ. فويجت[7]) ترفض أن تميز بين النظامين النازي والسوفيتي، وهم مقتنعون بأن كل الفاشيين والشيوعيين يستهدفون تقريبا نفس الشيء وحتى نفس الأشخاص إلى حد ما. قيادات “التايمز” (قبل الحرب) كانت تشير للاتحاد السوفيتى على أنه “دولة فاشية“. ومرة أخرى فمن زاوية مختلفة تردد هذا الرأي من قبل الأناركيين والتروتسكيين.

التروتسكيون: الشيوعيون يتهمون أداء التروتسكيين، على سبيل المثال منظمة تروتسكي الخاصة، بأنه تنظيم فاشي متخف لحساب النازيين. هذا كان مقتنعا به بشكل كبير أثناء فترة الجبهة الشعبية[8]. في مراحلهم المتطرفة يمينيا الشيوعيون مالوا لإلقاء نفس الاتهام إلى كل الفصائل اليسارية عنها: مثال: حزب الكومون ويلث[9] أو حزب العمل المستقل[10].

الكاثوليكيون: بعيدا عن مجموعهم، غالبا تعتبر الكنيسة الكاثوليكية مؤيدة للفاشية، على المستويين الموضوعي والذاتي.

مقاومو الحرب: السلاميون والآخرون الذين هم ضد الحرب كثيرا ما يتهمون ليس فقط بجعل الأمور أسهل بالنسبة للمحور، ولكن بكونهم متأثرين بالمشاعر المؤيدة للفاشية.

مؤيدو الحرب: مقاومو الحرب عادة ما يبنوا حجتهم على دعوى أن الإمبريالية البريطانية أسوأ من النازية، ويميلون لتطبيق مصطلح “الفاشية” على أي أحد يطمح للانتصار العسكري. داعمو “حكومة الشعب[11] مالوا للإعتقاد بأن الرغبة في مقاومة الغزو النازي هو علامة على التعاطف مع الفاشية. الدفاع الوطني[12] اتهم بأنه منظمة فاشية في الوقت الذي ظهر فيه. بالإضافة إلى ذلك فاليسار كله يميل لمساواة العسكرية بالفاشية. بوعي سياسي غالبا ما يشير العساكر لضباطهم بأنهم “ذوي عقلية فاشية” أو “فاشيون بطبعهم“. المدارس العسكرية، الالتزام بالأوامر، التحية للرؤساء كلها تعتبر متجهة نحو الفاشية. قبل الحرب كان التطوع في الجيش يعتبر علامة على الميول الفاشية. التجنيد الإجباري والجيش النظامي يتهم كلاهما بكونهما ظواهر فاشية.

القوميون: القومية تعرف عالميا أنها فاشية بطبعها، ولكن هذا يتم تطبيقه فقط على بعض الحركات القومية، وصادف أن يعترض عليها كاتب المقال. القومية العربية، القومية البولندية، القومية الفنلندية، حزب الكونجرس الهندي، الاتحاد الإسلامي، الصهيونية، الجيش الوطني الأيرلندي، كلها توصف بأنها فاشية ولكن ليس من قبل نفس الناس.

***

يبدو من ذلك أن استخدام كلمة “فاشية” غالبا ما يكون بلا معنى على الإطلاق. بالطبع في الحوارات تستخدم بشكل أكثر غرابة من المطبوعات. سمعت الكلمة مطبقة على الفلاحين، البقالين، حزب الائتمان الاجتماعي[13]، العقاب البدني، صيد الثعالب، مصارعة الثيران، لجنة 1922 [14]، لجنة 1941 [15]، كيبلنج، غاندي، شيانج كاي-شيك[16]، المثلية الجنسية، برنامج بريستلي[17]، بيوت الشباب، التنجيم، المرأة، الكلاب، ولا أعرف ما الأشياء الأخرى.

بالطبع تحت كل هذه الفوضي يوجد نوع من المعنى المدفون. ما يمكن أن نبدأ به أنه من الواضح أن هناك اختلافا كبيرا، بعضه سهل الإشارة إليه وبعضه من الصعب شرحه، بين الأنظمة التي يطلق عليها فاشية والأنظمة التي يطلق عليها ديمقراطية. ثانيا، إن كانت “الفاشية” تعني “التعاطف مع هتلر“، فبعض الاتهامات التي وضعتها تصير متطابقة مع ذلك بشكل كبير وواضح أكثر من البعض الآخر. ثالثا، حتى الناس الذي يلقون كلمة “فاشية” في كل اتجاه بدون حرص يضيفون فى كل الأحوال دلالة انفعالية إليها. هم يعنون بالفاشية غالبا، شيء قاسي، مجرد من الشرف، متعجرف، ظلامي، مضاد لليبرالية وللطبقة العاملة. باستثناء عدد صغير نسبيا من المتعاطفين مع الفاشية، فكل إنجليزي سيقبل بكلمة بلطجي كمرادف لفاشي. هذه الكلمة المهينة تقترب من أن تكون تعريفا.

ولكن الفاشية هي أيضا نظام سياسي واقتصادي. لماذا إذن لا نستطيع أن نجد معنى عام واضح ومقبول لها؟ للأسف فلن نحصل على واحد- ليس الآن على كل حال. معرفة “لماذا” سيأخذ وقتا طويلا، ولكن بشكل أساسي فذلك بسبب أنه من المستحيل أن نعرف الفاشية بشكل مرض بدون تقديم اعترافات لن يرغب في تقديمها الفاشيون أنفسهم ولا المحافظون ولا الاشتراكيون بمختلف ألوانهم. كل ما نستطيع فعله في هذه اللحظة هو أن نستخدم الكلمة بنوع من الحذر، ولا أن نختصرها في مستوى تبادل اللعنات كما يحدث عادة.

Continue Reading →

من ضحكة جاء العالم

يكاد العالم بأجمعه وبمختلف أزمنته يتفق على خفة دم المصريين، والنكتة لا تغيب شمسها عن مصر وتحضر على الدوام، شعاعها يتوهج بالظروف الصعبة قبل الأيام المستتبة يجسد ذلك المشهد ما رأيناه ولا زلنا في ثورة يناير سنة 2011 وعن الكم الهائل من الشعارات التي تحلت بالطابع الفكاهي، أو مواقف طريفة انتشرت في الاعلام عموماً من قبل الشعب الرحيب الصدر، ويسبق ذلك (أحمد فؤاد نجم) و(الشيخ إمام) الذي استعمل النكتة السياسية في غنائه.

بعد هزيمة حرب يونيو سنة 1967 والذي تم استلهامها من الشاعر (بديع خيري) و(سيد درويش) الذي قام بتوظيف فنه للقضية السياسية وحال الشعب المصري آنذاك بسلاح الدعابة أيضاً، لتأتي (موسوعة الفكر السياسي عبر العصور) تؤرخ لنا تأصيل هذه الميزة لدى الشعب المصري فيستوقفنا منها:

ولعل سخرية المصريين من السلطة الحاكمة واستهزائهم بها , أقوى وأوضح وسائل تعبيرهم عن معارضتهم لها وموقفهم السلبي منها، وهي وسيلة تبدو متجذرة تاريخياً في الروح المصرية ومنطقها الحضاري الاجتماعي، بل والديني أيضاً ويعلل بعض الباحثين ذلك باعتقاد المصريين القدماء، أن الضحك هو الذي خلق العالم. فحين أراد الإله الأكبر خلق العالم، أطلق ضحكة قوية فخلق أرجاء العالم السبع، وبضحكة أخرى خلق النور، وبالثالثة خلق الماء، وهكذا حتى خلق الروح بضحكته السابعة، فالضحك إذاً، ووفقاً لهذا المنطق، فعل خلق إيجابي، أي أنه قادر على الفعل، فلعل المصريين القدماء اعتقدوا ان سخريتهم من الحاكم وضحكهم عليه يمكن أن يكون له نفس مفعول الخلق الذي كان لضحكات الإله، فيخلعونه بسخريتهم، ويغيرونه ويتخلصون من شره بالضحك منه وعليه، فعارضوا السلطة بالتشهير الخفي الساخر والنكتة المبطنة ذات المضمون السياسي، واتقوا شرها وتجنبوا أذاها في ذات الوقت. وإذا كان المصريون القدماء قد ترددوا في تسجيل سخريتهم من فراعنتهم الذين كانوا بالنسبة لهم ملوكاً وآلهة مقدسين في آن واحد، فإنهم تجاوزا ذلك التردد في معارضتهم لحكامهم الأجانب، الذين سخروا منهم كلما أتيحت لهم فرصة لذلك، وقد لاحظ الرومان الأثر السلبي لسخرية المصريين من سلطتهم ومؤسساتهم، فمنعوا المحاميين المصريين من دخول محاكم الإسكندرية لسخريتهم من القضاء الروماني، وضمت البرديات المصرية القديمة بعض الرسوم الساخرة المنطوية على نقد للأوضاع السياسية والاجتماعية، حيث أظهرت تلك الرسوم الحيوانات وهي تتصرف نيابة عن البشر، فصورة الفئران وهي تهاجم قلعة القطط، ترميز لغزو الهكسوس “الفئران” لمصر “القطط” حيث كان القط حيواناً مصرياً مقدساً، وأحد رموز آلهتها وفراعنتها، وعبرت رسوم أخرى عن فساد الأوضاع عندما صورت الأشياء معكوسة كصورة القط وهو يرعى قطيع الإوز، والذئب يحرس الأغنام، والمعنى الساخر والمقلوب واضح في هذه الرسوم، وبذلك استبدل العقل والسلوك المصريين، المعارضة العملية المباشرة للسلطة والنشاط الفعلي الهادف إلى تغييرها وكل تفكير صريح بهذا الخصوص، بسلوك معارض غير مباشر، كان له وجهان إيجابي وسلبي، بما يتفق والحاجة لأحداث التغيير السياسي والمساهمة فيه من جهة، وتجنب أذى السلطة وعقابها من جهة ثاني.

وهذه إحدى أغاني (سيد درويش) التي جاءت بالنسق الفكاهي:

عن السياسة عند نعوم تشومسكي

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقابلة مع (نعوم تشومسكي) سألت اللسانية الفرنسية (ميتسو رونا) قائلة: “للمفارقة ، تبدو كتاباتك السياسية وتحليلاتك للأيديولوجيا الإمبرالية الأمريكية معروفة في فرنسا تمامًا كما في الولايات المتحدة، أكثر من منهجك الذي صنعته : النحو التوليدي. هذا يطرح سؤالاً: هل تعتقد أن هناك رابطًا بين نشاطاتك العلمية – دراسة اللغة – ونشاطاتك السياسية؟ في مناهج التحليل على سبيل المثال؟”

فكان جواب (تشومسكي) على ذلك:

إن كان هناك رابط، فهو بالأحرى على المستوى المجرَّد. أنا لا أملك مدخلاً لأي مناهج تحليل غير اعتيادية، والمعرفة الخاصة التي لدي والتي تتعلق باللغة ليس لها علاقة مباشرة بالموضوعات السياسية والاجتماعية. كل شيء كتبته عن هذه الموضوعات كان من الممكن أن يكتبه شخص آخر. لا توجد أي صلة مباشرة بين نشاطاتي السياسية، الكتابة وخلافه، والعمل المتعلق ببنية اللغة، على الرغم من أنهما بمعيار ما ربما مستخرجان من افتراضات شائعة محددة ومواقف متعلقة بالجوانب الأساسية من الطبيعة البشرية. التحليل النقدي في الساحل الأيدولوجية يبدو لي مسألة مستقيمة جدًا بالمقارنة مع المقاربة التي تتطلب مستوى من التجريد المفهومي. بالنسبة إلى تحليل الأيدولوجيا الذي يسيطر عليّ كثيرًا، يكفي بشكل عام أن يكون لديك القليل من انفتاح العقل، والذكاء العادي والتشكك الصحي.

على سبيل المثال خذ السؤال عن دور النخبة في مجتمع مثل مجتمعنا؛ هذه الطبقة الاجتماعية التي تضم المؤرخين والدارسين، الصحفيين، المعلقين السياسيين… إلخ، تأخذ على عاتقها تحليل صورة ما للواقع الاجتماعي وتقديمها. وهم بسبب تحليلاتهم وتفسيراتهم، يعملون وسطاء بين الحقائق الاجتماعية ومجموع البشر: إنهم يخلقون تبريرًا إيدولوجيًا للممارسة الاجتماعية. انظر إلى عمل المتخصصين في الشؤون المعاصرة وقارن تفسيرهم للأحداث، قارن ما يقولونه بعالم الحقيقة. ستجد عادة تشعبًا نسقيًا كبيرًا. بالتالي يمكنك أن تخطو خطوة أخرى وتحاول أن تفسر هذه التشعبات، واضعًا، في الاعتبار الموقف الطبقي للنخبة.

إن لمثل هذه هذا التحليل بعض الأهمية على ما أعتقد، ولكن المهمة ليست صعبة جدًا، والمشكلات التي تثار لا يبدو لي أنها تطرح الكثير من التحدي الفكري. بقليل من الدراسة والمتابعة، يمكن لأي أحد يرغب في تحرير نفسه من نسق الايدولوجيا المشتركة والبروباجندا أن يكون مستعدا فعليًا لأن يرى أحوال التشوه التي تطورها القطاعات المهيمنة من النخبة. كل الناس قادرين على فعل ذلك. إن كان هذا التحليل يمضي بشكل محدود، فهذا بسبب – وهو سبب شائع – أن التحليل الاجتماعي والسياسي أُنتج ليدافع عن المصالح الخاصة أكثر منه ليسرد الأحداث الحقيقية. بالضبط بسبب هذا الميل ، على المرء أن يحذر من الانطباع الذي يقول إن المثقفين المؤهلين بتدريب خاص هم وحدهم القادرون على مثل هذا العمل التحليلي، هذا الشيء خاطئ في كل الأحوال. في الحقيقة هذا ما تريد النخبة منا أن نظنه غالباً: إنهم يتظاهرون بأنهم في مجتمع غامض لا يمكن ان يدخله الناس البسطاء. ولكن هذه العلوم الاجتماعية بشكل عام ،وتحليل الشؤون المعاصرة بشكل خاص، يمكن أن تكون مفهومة لأي أحد يود أن يهتم بهذه المسائل. التعقيد والعمق والغموض المزعومين لهذه الاسئلة هي جزء من الوهم الذي يشيعه نسق التحكم الايدولوجي، الذي يستهدف جعل هذه الموضوعات تبدو بعيدة عن عموم الجماهير، وأن يقنعهم بعدم قدرتهم على تنظيم شؤونهم الخاصة أو فهم العالم الاجتماعي الذي يعيشون فيه دون معلمين ووسط. لهذا السبب وحده على المرء أن يكون حريصا على ألا يربط تحليل المسائل الاجتماعية بالموضوعات العلمية التي بدورها تتطلب تدريباً خاصاً ومعرفة بالتقنيات، وبهذا الإطار الفكري المرجعي الخاص ، قبل أن يتم العمل عليها بشكل جدي.

في تحليل المسائل الاجتماعية والسياسية يكفي أن تواجه الحقائق وأن تكون مستعداً لأن تتبع المسار العقلي للجدل. أنت تحتاج فقط الى الحس المشترك الديكارتي الموزع بتساوٍي… إن كان الأمر كذلك يمكنك أن تفهم الرغبة في النظر إلى الحقائق بذهن مفتوح ، وأن تضع افتراضات بسيطة تحت الاختبار، وأن تُتبع الحجج إلى نتائجها. ولكن وراء ذلك لا يتطلب الأمر معرفة سرية خاصة لاستكشاف هذه الأعماق غير الموجودة.

علي عزت بيجوفيتش، والهروب إلى الحرية

Begofitch

علي عزت بيجوفتش (1925-2003) أول رئيس جمهوري لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء حرب البوسنة والهرسك، هو ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، مؤلف لعدة كتب أهمها (الاسلام بين الشرق والغرب).

حين قضى (علي عزت) فترة حكمة في السجن كان يبدو مميتًا له ان تُحبس افكاره ايضًا وان يستسلم بعد كل السنين التي بقى يناضل فيها الى اخر رمق، لم يدع الامر يضعف رباطة جأشه او ان يحبط من عزيمة رجلٍ مثله، فهرب الى الحرية، الحرية التي لم يكن يعرفها كثيرًا منّا بل حقيقةً هي ما يجهلها أغلب الذين لم يذوقوا حلاوة النضال او لم يقاوموا عبودية الفكر حيث ينسلخ الإنسان من روحه وشخصيته … ويجعل من نفسه شخصًا تائها ضائعا ذليلا قد فرّط في أعظم نعمة وهبها المولى عز وجل له وميزه بها من بين سائر خلقه، انها حرية الفكر حين هرب (علي عزت) بفكرهِ خارج جدران السجن العالية وبعيدًا جداً عن انظار الحراسة المشددة، ورغم قدرته على الهرب الفكري يقول:

مع اسفي، لم يكن هروبًا حقيقًا، وكنت اودُّ لو كان كذلك .

الامر هنا يتعلق بهرب معين، كان ممكنًا في سجن فوتشا ذي الجدران العالية، والقضبان الفولاذية – وهو هروب الروح والفكر .

ولو أتيح لي فعلًا  الهرب لأعطيت الاولوية للهروب الجسدي قبل هذا الثاني.

كان (علي عزت) قد اعتقله الشيوعيون بعد الحرب، وحُكموا عليه بالسجن  لأنه كان معارضاً لنظام (جوزيف) وبقي منخرطاً في السياسة بعد قضاء العقوبة. وفي أبريل من عام 1983 حوكم (بيجوفيتش) مجددًا واثنا عشرة من النشطاء البوسنيين بسبب نشرهم مجموعة متنوعة من المبادئ الإسلامية عُدت على أنها جرائم، ووصفت على أنها نشاط معادٍ مستوحى من القومية الإسلامية، كما اتهم (بيجوفيتش) بمزيد من القضايا ومنها تنظيم زيارة إلى المؤتمر الاسلامي في ايران، وأدين كل الذين حوكموا، وحُكم على بيجوفيتش بالسجن أربعة عشر عاما .

يقول أيضًا في كتابه (هروبي الى الحرية):

لم أستطع الكلام ولكني استطعت التفكير وقررت ان استثمر هذه الامكانية حتى النهاية وأدرت منذ البداية بعض الحوارات داخل ذاتي عن كل شيء, وكل ما يخطر على البال.

وعلقت بذهني على الكتب المقروءة والاحداث في الخارج ,وبدأت بعدها بتدوين بعض الاشياء استراقًا في البداية، ثم تشجعت تمامًا، جلست وقرأت وكتبت.

وهكذا تجمع لدي ثلاثة عشر دفترًا صغيرًا، مكتوب بخط دقيق وغير مقروء قصدًا، حتى ان طابعتي “ميرسادا” تعبت كثيرًا وهي تقوم بنسخها .

وهذه مناسبة لكي اشكرها على الصبر في فك رموز شيفرتي للكلمات الخطرة مثل “الدين، الاسلام، الشيوعية، الحرية، الديموقراطية، السلطة” وما شابه، تم استبدالها في الملاحظات بكلمات اخرى كنت انا وحدي من يعرفها، واصبحت حتى بالنسبة لي خلال الاعوام التي خلت مفهومة بصعوبة وغريبة.

ويقول في موضع اخر عن كتابه هذا :

… اذا كان الادب هو هروبي الثقافي من الحرية، فإني هروبي العاطفي كان في تلك الرسائل، لست متأكدًا بأن اولادي يعرفون او انهم سيعرفون يومًا، ماذا عنت تلك الرسائل بالنسبة لي، كنت اشعر في اللحظات التي اقرؤها فيها انني لست انسانًا حرًا وحسب، وإنما كأنني انسان اهداه الله كل خيرات هذه الدنيا.

ولذا اخذت حريتي بان انشر في الفصل الاخير بعضها. وخُيّل لي أن بعض الكلمات تتحدث بوضوح عن ذلك الزمان، والظروف، وعن التفكيرات والمناخات، في عائلة سجين سياسي وطبعًا عن كاتبها.

الكواكبي مخاطبًا أسرى الاستبداد بلسان الرأفة والإرشاد

  • الكواكبي

عبدالرحمن الكواكبي (1848-1902)، مفكر ومصلح ولد في حلب شمال غرب سوريا، بدأ حياته في الصحافة داعياً للإصلاح والقومية العربية، تعرض للكثير من المتاعب من قبل الدولة العثمانية فسجن عدّة مرات، عاش شريداً يطوف العالم العربي داعياً إلى الحرية السياسية، العدالة الاجتماعية، وتجديد الدين.

اشتهر الكواكبي عن طريق كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) يشخص فيه ما يسميه بداء الاستبداد السياسي ويصف أقبح أنواعه: استبداد الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل حيث قال:

– خلق الله الإنسان حراً، قائده العقل .. فكفر .. وأبى إلا أن يكون عبداً، قائده الجهل !!

– تراكم الثروات المفرطة مولد للإستبداد، ومضر بأخلاق الأفراد ، إن المستبد فرد عاجز، لاحول له ولا قوة إلا بأعوانه، أعداء العدل وأنصار الجور.

– إن الإستبداد أصلٌ لكل فساد ولقد تمحص عندي أن أصل الداء هو: الإستبداد السياسي .. ودواؤه هو: الشورى الدستورية.

– قاتل الله الاستبداد، بل لعن الله الاستبداد، المانع من الترقي في الحياة، المنحط بالأمم إلى أسفل الدركات. ألا بعداً للظالمين.

لم يجد الكواكبي أسلوبا في مخاطبة من أسماهم بـ “أسراء الإستبداد” أنسب من خطابات اللوم الإرشادي فقال في مقدمة الفصل الثامن من كتابه بعنوان الإستبداد والترقي:

قد أجمع الحكماء على أن أهم مايجب عمله على الآخذين بيد الأمم، الذين فيهم نسبة مروءة وشرارة حمية، الذين يعرفون ماهي وظيفتهم بإزاء الإنسانية، الملتمسين لإخوانهم العافية، أن يسعوا في رفع الضغط عن العقول لينطلق سبيلها في النمو فتمزق غيوم الأوهام التي تمطر المخاوف، شأن الطبيب في اعتنائه أولاً بقوة جسم المريض، وأن يكون الإرشاد متناسباً مع الغفلة خفة وقوة: كالساهي ينبهه الصوت الخفيف، والنائم يحتاج إلى صوت أقوى، والغافل يلزمه صياح وزجر.

فالأشخاص من هذا النوع الأخير، يقتضي لإيقاظهم الآن بعد أن ناموا أجيالاً طويلة، أن يسقيهم النطاسي البارع مرا من الزواجر والقوارص علّهم يفيقون، وإلا فهم لا يفيقون، حتى يأتي القضاء من السماء: فتبرق السيوف وترعد المدافع وتمطر البنادق، فحينئذ يصحون ولكن صحوة الموت !

أراد من العقلاء أن يوقظوا قومهم ويرشدونهم إلى أنهم خلقوا لغير ماهم عليه من الصبر على الذل والسفالة، فيذكرونهم ويحركون قلوبهم ويناجونهم وينذرونهم.استهلّ خطاباته بهذه الكلمات:

ياقوم: ينازعني والله الشعور، هل موقفي هذا في جمع حي فأحييه بالسلام، أم أنا أخاطب أهل القبور فأحييهم بالرحمة؟! يا هؤلاء، لستم بأحياء عاملين، ولا أموات مستريحين، بل أنتم: في برزخ يسمى التنبت، ويصح تشبيهه بالنوم! يارباه: إني أرى أشباح أناس يشبهون ذوي الحياة، وهم في الحقيقة موتى لا يشعرون، بل هم موتى لأنهم لا يشعرون.
ياقوم: هداكم الله، إلى متى هذا الشقاء المديد والناس في نعيم مقيم، وعز كريم؟! أفلا تنظرون؟! وما هذا التأخر وقد سبقتكم الأقوام ألوف مراحل، حتى صار ما بعد ورائكم وراء ! أفلا تتبعون؟! وما هذا الانخفاض والناس في أوج الرفعة، أفلا تغارون؟! أناشدكم الله، هل طابت لكم طول غيبة الصواب عنكم؟! أم أنتم كأهل ذلك الكهف ناموا ألف عام ثم قاموا، وإذا بالدنيا غير الدنيا والناس غير الناس فأخذتهم الدهشة والتزموا السكون؟!

ياقوم: وقاكم الله من الشر، أنتم بعيدون عن مفاخر الإبداع وشرف القدرة، مبتلون بداء التقليد والتبعية في كل فكر وعمل، وبداء الحرص على على كل عتيق كأنكم خلقتم للماضي لا للحاضر: تشكون حاضركم وتسخطون عليه، ومن لي أن تدركوا أن حاضركم نتيجة ماضيكم؟َ ومع ذلك أراكم تقلدون أجدادكم في الوساوس والخرافات والأمور السافلات فقط، ولا تقلدونهم في محامدهم! أين الدين؟ أين التربية؟ أين الإحساس؟ أين الغيرة؟ أين الجسارة؟ أين الثبات؟ أين الرابطة؟ أين المنعة؟ أين الشهامة؟ أين النخوة؟ أين الفضيلة؟ أين المواساة؟ هل تسمعون أم أنتم صم لاهون؟!

ياقوم: عافكم الله، إلى متى هذا النوم، وإلى متى هذا التقلب على فراش البأس ووسادة اليأس؟ أنتم مفتحة عيونكم ولكنكم نيام، لكم أبصار ولكنكم لا تنظرون! وهكذا لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور! لكم سمع ولسان ولكنكم صم بكم، ولكم شبيه الحس ولكنكم لا تشعرون به ماهي اللذائذ حقاً؟ وماهي الآلام؟ ولكم رؤوس كبيرة ولكنها مشغولة بمزعجات الأوهام والأحلام، ،ولكم نفوس حقها أن تكون عزيزة، ولكنكم أنتم لا تعرفون لها قدراً ومقاماً !

ياقوم: قاتل الله الغباوة، فإنها تملأ القلوب رعباً من لاشيء، وخوفاً من كل شيء، وتفعم الرؤوس تشويشاً وسخافة. أليست هي الغباوة جعلتكم كأنكم قد مسكم الشيطان، فتخافون من ظلكم، وترهبون من قوتكم، وتجيشون منكم عليكم جيوشاً ليقتل بعضكم بعضا؟! تترامون على الموت خوف الموت، وتحبسون طول العمر فكركم في الدماغ ونطقكم في اللسان وإحساسكم في الوجدان خوفاً من أن يسجنكم الظالمون، وما يسجنون غير أرجلكم أياما، فما بالكم يا أحلاس النساء مع الذل تخافون أن تصيروا جلّاس الرجال في السجون؟!

يتابع قائلًا:

ياقوم: حماكم الله، قد جاءكم المستمتعون من كل حدبٍ ينسلون، فإن وجدوكم أيقاظاً عاملوكم كما يتعامل الجيران ويتجامل الأقران، وإن وجدوكم رقوداً لاتشعرون سلبوا أموالكم، وزاحموكم على أرضكم، وتحيلوا على تذليلكم، وأوثقوا ربطكم واتخذوكم أنعاماً، وعندئذ لو أردتم حراكا لا تقوون، بل تجدون القيود مشدودة والأبواب مسدودة لا نجاة ولا مخرج.
ياقوم: هون الله مصابكم، تشكون من الجهل ولا تنفقون على التعليم نصف ما تصرفون على التدخين، تشكون من الحكام، وهم اليوم منكم، فلا تسعون إلى إصلاحهم. تشكون فقد الرابطة، ولكم روابط من وجوه لاتفكرون في إحكامها.

تشكون الفقر ولا سبب له غير الكسل. هل ترجون الصلاح وأنتم يخادع بعضكم بعضا، ولا تخدعون إلا أنفسكم؟! ترضون بأدنى المعيشة عجزاً تسمونه قناعة، وتهملون شؤونكم تهاوناً تسمونه توكلا. تموهون عن جهلكم الأسباب بقضاء الله، وتدفعون عار المسببات بعطفها على القدر، ألا والله ماهذا شأن البشر !
ياقوم: سامحكم الله، لاتظلموا الأقدار وخافوا غيرة المنعم الجبار. ألم يخلقكم أكفاء أحرارا طلقاء لايثقلكم غير النور والنسيم فأبيتم إلا أن تحملوا على عواتقكم ظلم الضعفاء وقهر الأقوياء! لو شاء كبيركم أن يحمل صغيركم كرة الأرض لحنى له ظهره، ولو شاء أن يركبه لطأطأ له رأسه. ماذا استفدتم من هذا الخضوع والخشوع لغير الله؟ وماذا ترجون من تقبيل الأذيال والأعتاب وخفض الصوت ونكس الرأس؟ أليس منشأ هذا الصغار كله هو ضعف ثقتكم بأنفسكم، كأنكم عاجزون عن تحصيل ماتقوم به الحياة؟ وحسب الحياة لقيمات من نبات يقمن ضلع ابن آدم، وقد بذلها الخلاق لأضعف الحيوان، هذه الوحوش تجد فرائسها أينما حلت، وهذه الهوام لا تفقد قوتها، فما بال الرجل منك يضع نفسه مقتم الطفل الذي لا ينال من الكبير مراده إلا بالتذلل والبكاء، أو موضع الشيخ الفاني الذي لا ينال حاجته إلا بالتملق والدعاء؟

ياقوم: رفع الله عنكم المكروه، ماهذا التفاوت بين أفرادكم وقد خلقكم ربكم أكفاء في البنية، أكفاء في القوة، أكفاء في الطبيعة، أكفاء في الحاجات، لايفضل بعضكم بعضا الا بالفضيلة، لا ربوبية بينكم ولا عبودية. والله ليس بين صغيركم وكبيركم غير برزخ من الوهم، ولو درى الصغير بوهمه، العاجز بوهمه، مافي نفس الكبير المتأله من الخوف منه لزال الإشكال وقضي الأمر الذي فيه تشقون. يا أعزاء الخلقة جهلاء المقام، كان الناس في دور الهمجية، فكان دهاتهم بينهم آلهة وأنبياء، ثم ترقى الناس فهبط هؤلاء لمقام الجبابرة والأولياء، ثم زاد الرقي فانحط أولئك إلى مرتبة الحكام والحكماء، حتى صار الناس ناساً فزال العماء وانكشف الغطاء وبان أن الكل أكفاء. فأناشدكم الله في أي الأدوار أنتم؟ ألا تفكرون؟!

ياقوم: أنتم تعلمون إجماع أئمة مذاهبكم كلها على أن أنكر المنكرات، بعد الكفر، هو الظلم الذي فشا فيكم، ثم قتل النفس، ثم وثم . . . وقد أوضح العلماء أن تغيير المنكر بالقلب هو بغض المتلبس به بغضاً في الله. بناء عليه فمن يعامل الظالم أو الفاسق غير مضطر، أو يجامله ولو بالسلام، يكون خسر أضعف الإيمان، وما بعد الأضعف إلا العدم، أي فقد الإيمان، والعياذ بالله.

فأناشدكم الله يا مسلمين: ألا يغركم دين لاتعملون به، وإن كان خير دين، ولا تغرنكم أنفسكم بأنكم أمة خير أو خير أمة، وأنتم أنتم المتواكلون المقتصرون على شعار: لاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم. ونعم الشعار شعار المؤمنين، ولكن أين هم؟ إني لا أرى أمامي أمة تعرف حقاً معنى: لا إله إلا الله، بل أرى أمة خبلتها عبادة الظالمين!

وصف حالهم ، قبل حوالي مئة من السنين:

نحن ألفنا الأدب مع الكبير ولو داس رقابنا. ألفنا الثبات ثبات الأوتاد تحت المطارق، ألفنا الانقياد ولو إلى المهالك. ألفنا أن نعتبر التصاغر أدبا، والتذلل لطفا، والتملك فصاحة، واللكنة رزانة، وترك الحقوق سماحة، وقبول الإهانة تواضعا، والرضا بالظلم طاعة، ودعوى الاستحقاق غرورا، والبحث عن العموميات فضولا، ومد النظر إلى الغد أملا طويلا، والإقدام تهورا، والحمية حماقة، والشهامة شراسة، وحرية القول وقاحة، وحرية الفكر كفرا، وحب الوطن جنونا.

فهل تغير الحال اليوم؟ .. أوصى:

أما أنتم، حماكم الله من السوء، فنرجو لكم أن تنشئوا على غير ذلك، أن تنشئوا على التمسك بأصول الدين، دون أوهام المتفننين، فتعرفوا قدر نفوسكم في هذه الحياة فتكرموها، وتعرفوا قدر أرواحكم وأنها خالدة تثاب وتجزى، وتتبعوا سنن النبيين فلا تخافون غير الصانع الوازع العظيم. ونرجو لكم أن تبنوا قصور فخاركم على معالي الهمم ومكارم الشيم، لا على عظام نخرة. وأن تعلموا أنكم خلقتم أحرارا لتموتوا كراما، فاجهدوا أن تحيوا ذلكما اليومين حياة راضية، يتسنى فيها لكل منكم أن يكون سلطانا مستقلا في شؤونه، لا يحكمه غير الحق، ومدينا وفيا لقومه لا يضن عليهم عين أو عون، وولدا بارا لوطنه، لا يبخل عليه بجزء من فكره ووقته وماله، ومحبا للإنسانية يعمل على أن خير الناس أنفعهم للناس، يعلم أن الحياة هي العمل، ووباء العمل القنوط، والسعادة هي الأمل، ووباء الأمل التردد، ويفقه أن القضاء والقدر هما عند الله ما يعلمه ويمضيه، وهما عند الناس السعي والعمل، ويوقن أن كل أثر على ظهر الأرض هو من عمل إخوانه البشر، وكل عمل عظيم قد ابتدأ به فرد ثم تعاوره غيره إلى أن كمل، فلا يتخيل الإنسان في نفسه عجزا، ولا يتوقع إلا خيرا، وخير الخير للإنسان أن يعيش حرا مقداما أو يموت.