خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | السياسة

كيف ندير العالم بشكل أفضل ؟ ولماذا وصل العالم إلى حالة كئيبة كالتي نعيشها اليوم ؟ وهل هناك نماذج وأمثلة ملهمة ؟

تحليل الإعلام عند نعوم تشومسكي

أفرام نعوم تُشُومِسْكِي (1928 – الآن). هو أستاذ لسانيات وفيلسوف أمريكي، إضافة إلى أنه عالم إدراكي وعالم بالمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي. إلى جانب. صُوت له كـ“أبرز مثقفي العالم” في استطلاع للرأي عام 2005. يوصف (تشومسكي) أيضاً بأنه “أب علم اللسانيات الحديث”. اشتهر بنقده للسياسة الخارجية للولايات المتحدة ورأسمالية الدولة ووسائل الإعلام الإخبارية العامة.

في كتابه (السيطرة على الإعلام)، والذي ترجمته الأستاذة (أميمة عبد اللطيف)، يعرض (تشومسكي) الإعلام كآلة توظّفها الدولة لتوجيه آراء العامة بشكل رئيسي، ممهدةً بذلك أرضية أكثر مرونة لقبول وتبنّي القرارات والإجراءات التي سيتم اتباعها لاحقاً من الدولة في الإدارة.
يستهل (تشومسكي) كتابه بالتفريق بين مفهومي الديموقراطية الرئيسيين؛ فأحدهما نظرية كلاسيكية لا يتم تطبيقها نسبياً، والآخر مفهوم نظري له تطبيقاته العملية المتجذرة في التاريخ والاكثر شيوعاً.
يدفعنا الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في شؤون السياسة المعاصرة إلى طرح تساؤلات حول ماهية العالم والمجتمع الذي نرغب في العيش به، وعلى وجه الخصوص في أي صورة من الديموقراطية نريد لهذا المجتمع أن يكون ديموقراطياً. لنبدأ أولاً بطرح مفهومين أو تعريفين مختلفين للديموقراطية. المفهوم الأول يعتبر أن المجتمع الديموقراطي هو الذي يملك فيه العامة، الجمهور، الوسائل اللازمة للمشاركة الفعالة في إدارة شؤونهم، وأن تكون وسائل الإعلام منفتحة وحرة. إذا بحثت عن المعنى اللغوي لكلمة الديموقراطية قي القاموس، فستجد ذات التعريف. أما المفهوم الآخر للديموقراطية، فهو أن يُمنع العامة من إدارة شؤونهم وكذا من إدارة وسائل الإعلام التي يجب أن تظل تحت السيطرة المتشددة. وقد يبدو هذا مفهوماً مستهجناً أو شاذاً للديموقراطية، ولكن من المهم بمكان فهم أن ذلك هو المفهوم الحاكم. وفي واقع الأمر هو ليس فقط المفهوم المعمول به فعلياً لفترات طويلة ولكنه أيضاً له أساس من الناحية النظرية.
ويعرض تطبيق تاريخي المفهوم الثاني؛ وهو أول عملية دعائية حكومية “البروباغندا”في العصر الحديث، والتي تعمل في الوقت نفسه كوجه ديموقراطي؛ حيث تم مأسسة الإعلام كأداة فاعلة في توجيه العامة والتلاعب بهم، ودورها المهم في إعادة عجن وصياغة الآراء حسبما تقتضيه الحاجة؛ حاجة مؤسسة رجال الأعمال التي تملك القوة.
سأوضح كيف تطورت فكرة الديموقراطية وكيف نقدّم مشكلة وسائل الإعلام والتضليل المعلوماتي ضمن هذا السياق؟ لنبدأ أولاً بالإشارة إلى أول عملية دعائية حكومية في العصر الحديث، حيث كانت أثناء إدارة الرئيس (وودرو ويلسون) الذي انتخب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية في عام 1916م، وفق برنامج انتخابي بعنوان “سلام بدون نصر”، وكان ذلك في منتصف الحرب العالمية الأولى.
في تلك الأثناء كان المواطنون مسالمين لأقصى الدرجات، ولم يروا سبباً للانخراط والتورط في حرب أوروبية بالأساس. بينما كان على إدارة (ويلسون) التزامات تجاه الحرب، ومن ثم كان عليها فعل شيء ما حيال هذا الأمر. فقامت الإدارة بإنشاء لجنة للدعاية الحكومية أطلق عليها “لجنة كريل” وقد نجحت هذا اللجنة خلال ستة أشهر في تحويل المواطنين المسالمين إلى مواطنين تتملكهم الهيستيريا والتعطش للحرب، والرغبة في تدمير كل ما هو ألماني وخوض حرب وإنقاذ العالم!
كان هذا الأمر بمثابة إنجاز هائل، وقد أدى بدوره لإنجاز آخر؛ ذلك أنه بعد أن وضعت الحرب أوزارها، تم توظيف ذات التكتيك لإثارة هيستيريا ضد الرعب الشيوعي. كما كان يطلق عليه. وقد نجحت إلى حد كبير في تدمير الاتحادات العمالية والقضاء على بعض المشكلات الخطيرة، مثل حرية الصحافة وحرية الفكر السياسي، وكان هناك تأييد قوى من قبل وسائل الإعلام، وكذلك من قبل مؤسسة رجال الأعمال التي نظمت بل وشجعت جل هذا العمل، وكان بصفة عامة نجاحاً عظيماً.

تناول أيضاً (تشومسكي) واحدة من أشهر النظريات التي أسسها (ليپمان)، وهو عميد الصفحيين الأمريكيين وواحد من أهم محللي السياسة الخارجية ومنظري اللليبرالية، وهي نظرية “الثورة في فن الديموقراطية.

…كما وأن (ليپمان) كان منخرطاً في لجان الدعاية واعترف بإنجازاتها. وذكر ما أسماه بالثورة في فن الديموقراطية يمكن تطويعه لخدمة ما وصفه بتصنيع الإجماع؛ بمعنى جعل الرأي العام يوافق على أمور لا يرغبها بالأساس عن طريق استخدام وسائل دعائية. كما وأن (ليپمان) رأى بأن هذه فكر جيدة بل وضرورية. وكانت كذلك لأن-من وجهة نظره- المصالح العامة كفيلة تماماً بخداع الرأي العام، ويمكن فهمها وإدارتها فقط بواسطة “طبقة متخصصة” من الرجال المسؤولين الذين يتمتعون بدرجة من الذكاء تتيح لهم فهم وإدراك الأمور. هذه النظرية تؤكد أن نخبة صغيرة من مجتمع المفكرين الذي أشار إليه أصحاب (دبوى) من قبل – فقط بإمكانها فهم وإدراك ماهية المصالح العامة، ومن ثم تقرير الأمورالتي من شأنها أن تعنينا جميعاً، وأن يروا بأن هذه الأمور من شأنها أن تضلل الرأي العام. وجهة النظر تلك لست بجديدة، فهي تعود لمئات السنين، وهي كذلك وجهة نظر لينينية بحتة. وفي حقيقة الأمر هي مطابقة لمبدأ (لينين) القائل بأن طلائع المفكرين الثوريين لا بد وأن تستولي على السلطة عن طريق توظيف ثورات شعبية كإحدى الوسائل التي من شأنها أن تدفع بهم إلى سدة الحكم، ثم دفع الجماهير الغبية الدهماء باتجاه مستقبل غير قادرين أو مؤهلين لفهمه، أو وضع تصور له “لشدة غبائهم وعدم أهليتهم لفعل ذلك”.

ووفقاً لهذه النظرية يوضح مهام ووظائف كل طبقة تبعاً لمكانها في دائرة القرارات

وقد دعم (ليپمان) هذا التجاه بتقديم نظرية مفصلة عن الديمقراطية التقدمية، حيث يفتر بأنه في مناخ ديموقراطي سليم، يصنف المواطنين إلى طبقات. فهناك أولاً طبقة من المواطنين لا بد وأن تقوم بدور فعال في إدارة شؤون العامة، هذه هي الطبقة المتخصصة وهم الذين يحللون وينفذون ويصنعون القرارات ويديرون الأمور في النظم السياسية والاقتصادية والايدولوجية، وهي نسبة ضئيلة من السكان، وبطبيعة الحال فإن الشخص الذي من شأنه أن يضع تلك الأفكار لا بد وأن يكون عضواً في تلك المجموعة الصغيرة وهم يتناقشون عما يمكن فعله مع “تلك البقية الأخرى” “أولئك الأخرين”.وهؤلاء الآخرون هم من ليسوا في زمرة المجموعة الصغيرة، وهم الغالبية العظمى من السكان والذين يصفهم (ليپمان) بأنهم “القطيع الحائر أو الضال” ويقول بأننا يجب أن نحمي أنفسنا من وقع أقدام وزئير هذا القطيع. إذن هناك وظيفتان في النظم الديموقراطية: الوظيفة الأول منوط بها الطبقة المتخصصة، الرجال المسؤولون يقومون بالتفكير وفهم التخطيط لمصالح العامة، ثم هناك أيضاً القطيع الضال! بيد أنه وفق ذلك التحليل، فإن هذا القطيع أيضاً يتمتع بوظيفة ما في النظام الديموقراطي، تلك الوظيفة -حسب تصور (ليپمان)- تتمثل في كونهم مشاهدين وليسوا مشاركين في الفعل. هناك وظيفة أخرى بالإضافة لتلك المشاهدة من قبل القطيع؛ نظراً لأنه نظام ديموقراطي في التحليل النهائي، فمن وقت لآخر يُسمح لهذا القطيع بتأييد أحد أفراد الطبقة المتخصصة، بمعنى آخر يسمح لهم بالقول “نحن نريدك قائداً لنا” ذلك لأنها ديموقراطية وليست نظاماً شمولياً، وهذا ما يُطلق عليه “الانتخابات”، ولكن بعد أن يلقوا بثقلهم خلف عضو أو آخر، من الطبقة المتخصصة، ومن المفترض أن يعودوا أدراجهم على الفور ويصبحوا مشاهدين لا مشاركين للأفعال. هذا ما يجب أن يحدث في نظام ديموقراطي سليم!

أما عن العلاقات العامة فيقول:

العاملون في مجال العلاقات العامة ليسوا هناك للترفيه. هم يقومون بعمل جاد، ذلك أنهم يحاولون تلقين القيم الصحيحة –وفق رؤيتهم هم. بل في واقع الأمر لديهم تصور عما يجب أن تكون عليه الديموقراطية، حيث يجب أن تكون نظاماً يُسمح فيه للطبقة المتخصصة بالتدرب للعمل في خدمة السادة- أي أولئك الذين يملكون المجتمع- أما بقية المجتمع فيجب حرمانه من أي صورة من صور التنظيم، لأن التنظيم يثير المشاكل؛ حيث يجب أن يجلسوا بمفردهم أمام شاشات التلفزيون وأن يلقنوا رسالة مفادها أن القيمة الأساسية في الحياة هي أن يتوافر لديك أكبر كمية من السلع، أو أن تعيش مثل الطبقة الغنية المتوسطة التي تشاهدها، وأن تتبنى قيماً لطيفة مثل التناغم والهوية الأمريكية، هذا ما كل ما هنالك في الحياة.

وعن تشتيت العامة أو ما تم اعتباره سابقاً بالقطيع الضال عن قضايا ومشاكلية داخلية تمسّ حياتهم، فتم ابتكار تقنية يوجّه من خلالها انتباه العامة إلى فانتازيا من تأليف النخبة، التي تخطط و تنفذ:

بدلاً من الحديث عن الحرب الأخيرة فلنتحدث عن الحرب القادمة، لأنه أحياناً من المفيد أن تكون مستعداً بدلاً من أن تكون في حالة ردة الفعل، وهناك تطور متميز يحدث حالياً في الولايات المتحدة، وهي ليست أول دولة في العالم التي تمر بذلك، فهناك مشاكل محلية واقتصادية واجتماعية متزايدة، وربما في حقيقة الأمر ليست مشاكل وظغنما كوارث، ولا يوجد أحد في السلطة لديه حتى النية لعمل شيء ما حيال هذه المشاكل… وفي مثل هذه الظروف عليك أن تشتت القطيع الضال؛ لأنهم لو لاحظوا الأمر ربما لا يعجبهم بما أنهم هم الذين يعانون وربما أن مشاهداتهم لمباراة الدوري والمسلسلات القصيرة ليست بالأمر الكافي، عندئذ لا بد من إخافتهم من الأعداء.

العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، برأي حليم بركات

حليم بركات

حليم بركات (مواليد 1933) عالم اجتماع واستاذ جامعي وروائي سوري. له العديد من الدراسات والروايات والمقالات المنشورة.

في كتابه (غربة الكاتب العربي)، تطرّق إلى أنواع العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، أو المثقف والسلطة. فيقول مبتدئًا حديثه:

يمكننا، كما أرى، أن نميز العلاقات والمواقف التالية على الأقل:

(1) علاقة اللامبالاة: قد تسود في مجتمع ما علاقة اللا علاقة بين الكاتب والسلطة. في هذه الحالة لا تهتم السلطة بالكاتب، ولا يبدو أن الكاتب يقوم بمحاولات جادة لردم الهوة الفاصلة بينه وبين السلطة أو حتى لإقامة جسر بينه وبينها، فتقتصر علاقتهما على النواحي الثانوية وبطريقة غير مباشرة.

[…] يتمثل هذا النوع من العلاقة إلى حد بعيد بموقف الدولة اللبنانية من الكتابة ويتجاوب الكاتب اللبناني مع هذا الموقف. لا تهتم السلطات اللبنانية بشؤون الكتابة وقضاياها ولا تتأثد بها، ولا تتدخل بشؤونها. ويشعر الكاتب نتيجة ذلك أن بإمكانه أن يعبر عن آرائه بحرية ودون أي ضغط مصطنع. المجال فسيح أمامه للتحدث حول القضايا التي يريد. وإذا ما تدخلت السلطة بشؤونه يكون ذلك بضغط من إرادة خارج إرادتها. في الحالات القليلة التي تعرضت فيها الدولة اللبنانية للمفكرين أو لإنتاجهم، كما حدث تجاه (عبدالله القصيمي) و(صادق العظم) و(ليلى بعلبكي)، لم تكن الدولة هي المبتدئة بل إنها فعلت ذلك بضغط من فئات داخلية وخارجية يصعب على الدولة أن تغضبها.

بعد ذلك ينتقل (حليم بركات) إلى النوع الثاني من العلاقة:

(2) علاقة الاضطهاد: هذه العلاقة هي عكس علاقة اللامبالاة في كثير من اتجاهاتها ومناحي تصرفها. إنها علاقة تصادم بين الكتّاب والسلطة تجعل هذه الأخيرة تلجأ إلى ممارسة الاضطهاد عن طريق السجن والنفي ومراقبة الكتاب والمجلات والصحف ومنع الأفكار التي تتعرض مع أفكار الدولة.

[…] وإنني أميل إلى الاعتقاد أن الاضطهاد، ولا سيما ذلك النوع العنيف المباشر، يمارس في الدول العربية الرجعية أكثر مما يمارس في الدول العربية التقدمية التي تلجأ إلى الاضطهاد غير المباشر وإلى الوصاية كما سنرى في القسم اللاحق من هذه الدراسة. إن الدول الرجعية أكثر ميلًا إلى استعمال الاضطهاد المباشر لأسباب عديدة من أهمها أن هذه الدول أقل قدرة على كسب تأييد المفكرين من الدول التقدمية. والسبب الأهم هو كون المفكرين أكثر الفئات إمكانية على التحرر من مصالح الطبقات التي ينتمون إليها وأشدها رغبة في تغيير المجتمع ومساندة الحركات اليسارية.

وفي حديثه عن هذا الشكل من العلاقة، ذكر نقطة مهمة:

من مميزات الكتابة في الدول العربية المحافظة، وخاصة في العراق في الخمسينات، أن الكتّاب يلجؤون إلى الرمز في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ويميلون إلى تأليه الشعب والكتابة عن آلامه وحرمانه. لذلك بلغ أدب العراق في تلك الفترة درجة فنية رفيعة، وليس صدفة أن الشعر العربي الحديث انطلق بزخم من أرض العراق على أيدي أدباء عانوا الاضطهاد كـ(بدر شاكر السياب) و(عبدالوهاب البياتي) و(بلند الحيدري).

ثم ينتقل إلى النوع الثالث من العلاقات، والذي تمت الإشارة إليه مسبقًا:

(3) علاقة الوصاية: فيما تمارس الدول العربية الرجعية الاضطهاد، تمارس الدول العربية التقدمية الوصاية إزاء معظم الكتّاب وخاصة أولئك الذين يؤيدونها أو يشاركونها في أهدافها كما تمارس الاضطهاد في حالات نادرة إزاء الكتّاب الذين يناهضونها والذين ينتمون إلى أحزاب تعمل سرًا لتعديل الحكم أو تقويضه. لكن الطابع العام للعلاقة القائمة في الدول العربية التقدمية كمصر وسوريا والجزائر والعراق، هو طابع الوصاية.

[…] طبعًا، لم تتمكن الدول العربية التقدمية من أن تقيم وصايتها على جميع الكتّاب فيها. هناك الذين اختاروا النفي إلى الخارج، والذين اختاروا العزلة في الداخل ناذرين أنفسهم لفنّهم، والذين اختاروا الصمت والموت البطيء، والذين اختاروا أن يناهضوا السلطة والاتجاهات السائدة سرًا فكان مصير بعضهم الاضطهاد المباشر العنيف واللامباشر النفسي.

وأخيرًا، يتحدث عن الشكل الأخير للعلاقة، فيقول:

(4) علاقة المشاركة: هناك أخيرًا علاقة المشاركة الحرة التي يمارس فيها الكاتب دوره الفعال في تقرير مصير المجتمع وفي إنماء طاقاته الفنية دون رهبة من قصاص أو اعتداء على حقوقه المدنية. قد يتعاون الكاتب مع الدولة دونما إلزام خارجي، وقد ينقدها ويكشف تناقضاتها دون أن يتعرض للاضطهاد. هناك، بكلام آخر، مناخ عام يساعد على قيام حوار حر دائم بين السلطة والكاتب. والدولة ليست لا مبالية تجاه الثقافة والفكر، بل ترى من مهماتها الأساسية رفع مستوى الثقافة العامة ونشر العلم ومساعدته عن طريق توفير المدارس والجامعات ومؤسسات الأبحاث وتسهيل التبادل الثقافي مع المجتمعات الأخرى. كذلك ترى من واجباتها توفير مجالات الاتصال الدائم بالتيارات الفكرية والاستفادة من آرائها، والمحافظة على حقوق المفكرين وحريتهم أكانوا مؤيدين أم معارضين.

الدولة المستحيلة، عند طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن

ألّف الدكتور (وائل حلاق) كتاب (الدولة المستحيلة) يفرِّق فيها بين الحكم الإسلامي ومفهوم الدولة الحديثة فيعتقد أنه لم يكن ثمة دولة إسلامية قط، فالدولة شيء حديث، وإنما كان حكما إسلاميا على أسس أخلاقية وقانونية مختلفة جذريا عن الدولة الحديثة، وأسهب في شرح مفهوم قانون الدولة الحديث وأنه يختلف عن القضاء الإسلامي، فالقاضي يرجع للمفتي والفقيه، الذين يقومون بوظائفهم تحت سلطة الشريعة وليس تحت سلطة قانون الدولة، كما في الدولة الحديثة.

والآن لنعرض رأي الدكتور (طه عبدالرحمن) حول مفهوم الدولة في كتابه (روح الدين)، والتي تتفق إجمالا مع كتاب (الدولة المستحيلة):

لئن كان مصطلح “الدولة” يفيد في استعماله الإسلامي الأصلي مجرّد “انتقال السلطة من حال إلى آخر”، انطلاقا من معناه القرآني الوارد في الآية الكريمة: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”، فإن المراد به في الشعار الأصولي المذكور هو مدلوله الاصطلاحي الحديث؛ ومعلوم أن الدولة، بحسب هذا المدلول، هي، على وجه الإجمال، “كيان تدبيري مؤسسي قوامه أرض محروسة وساكنة مراقبة وحكومة متسيّدة”؛ وهذا الكيان لم يولد فجأة، وإنما نتج من تطوّر تنظيمات سياسية سابقة مثل “المدينة اليونانية” و “الجمهورية الرومانية”؛ واستعمال هذا المفهوم الحديث في صيغة شبه تعريفية للإسلام يومئ إلى أنه لا يكفي أن يتضمن هذا الدين جملة من القوانين التدبيرية، بل أيضا يحتاج إلى أن تتخذ هذه القوانين صورة “الدولة” الحديثة لكي يكتمل نظام تدبيره؛ والحال أن القوانين التنظيمية التي اشتملت عليها الشريعة الإسلامية لم تُسطّر نظام تدبير بعينه، وجاءت به أمرا جُمْليا غير مفصَّل، فما الظن بنظام تدبيري صناعي هو ثمرة الفصل بين الدين والسياسة كالدولة الحديثة.
إذا سكتت الشريعة عن تفاصيل هذا النظام، فليس ذلك بسبب الظروف التنظيمية المحدودة التي عرفها مجتمع المدينة، فالشريعة التي فصّلت في تدبير الأسرة، وهي من دقّ الأمور، أقدر على التفصيل في تدبير المجتمع الذي هو من جِلّها؛ ولا هذا السكوت هو لمجرد التوسعة على المكلفين، حتى يُحددوا النظام السياسي الذي يطيقه زمانهم، وإنما السبب في ذلك هو أن الشريعة الإسلامية توفّر للمكلفين أكثر الاختيارات التدبيرية الرشيدة الممكنة التي يكون فيها صلاح دنياهم، حتى يضعوا بأنفسهم من القوانين ما يفي بحاجتهم ويخدم مصالحهم، مسترشدين في ذلك بالقانون الأسمى الذي وضعه الله لهم؛ وكفى دليلا على حكمة هذا السكوت أن نظام الدولة الذي طالما تكلّف الدارسون الكشف عن مبادئه في الشريعة، نرى اليوم أن مؤسساته وقوانينه أخذت تتآكل مع زحف العولمة الاقتصادية وانتشار الحُرّانية (أو الليبرالية) السياسية في المعمور، حتى أصبحت سيادة الدولة على أرضها وساكنتها مهددة بالاضمحلال، وإلا فلا أقل من أنها تشهد تقلّص استقلالها؛ وليس ببعيد أن نرى في الأمد القريب تشكّل تنظيم جديد للتدبير في العالم يختلف عن تنظيم الدولة قد يكون عبارة عن نظام كوني واحد أو يكون، على العكس من ذلك، عبارة عن أنظمة تدبيرية محلية متعددة بديلة للدولة؛ وقد يأتي، في المستقبل، من المقلّدة من يبحث لهذه الأنظمة البديلة، هي الأخرى، عن أصول في الإسلام، مرتكبا مفارقة زمنية كما ارتكبها هؤلاء السابقون بشأن الدولة الحديثة؛ وهكذا، فإن الشرع، ما غفل عن ذكر نظام تدبيري بعينه، ولا بالأولى نسي تفصيل معالمه كلها، وإنما قصد، على الحقيقة، مراعاة المصالح التدبيرية للعباد التي تتطور بتطور الاجتماع البشري، وهذا الأصل هو من أهم أصول الشريعة وأنفعها.

التعددية الثقافية تعني موت اليوتوبيا

راسل جاكوبي

ظهر مصطلح التعددية الثقافية في الولايات المتحدة خلال الثمانينيات للإشارة إلى مجتمع مثالي مبني على ثقافات متنوعة قائمة على الاعتراف والتعايش فيما بينها. المفكر الأميركي (راسل جاكوبي) 1945. أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا. في كتابه (نهاية اليوتيوبيا) يقول أن اختفاء الإيمان الطوباوي يفسد الحياة الشخصية والسياسية. في فصل خرافة التعددية الثقافية يقول:

إن التعددية الثقافية تقوم أيضاً بسد ثغرة ثقافية، فالليبراليون واليساريون قد جُردوا من اللغة الراديكالية، والأمل اليوتيوبي، وتراجعوا باسم أنهم يتقدمون للاحتفال بالتنوع. ولأن لديهم أفكار قليلة حول الكيفية التي يتشكل بها المستقبل، فقد احتضنوا كل الأفكار، زمن ثم يصبح التعدد هو السلة التي تحتوي كل شيء بداية الفكر السياسي ونهايته، وحين يلبس ثياب التعددية الثقافية يصبح أفيون المثقفين الواهمين، أيديولوجية عصر بلا أيديولوجية.
والمسألة ليست التعددية الثقافية ذاتها، فأفكار التنوع، وأقاربها: التعددية، والاختلاف، والكثرة الثقافية، والتعددية الثقافية، ليست أفكارا خاطئة ولا هي محل اعتراض، على العكس، هي أفكار صحيحة وذات جاذبية، والاختلاف والتنوع يميزان العوالم الطبيعية والفيزيقية والثقافية، ونحن عادة ما نبتهج للاختلافات أكثر من التماثل، ومعظم الناس، وربما معظم الفلاسفة كذلك، يفضلون التعدد والاختلاف على الكلية والإطلاقية.

ويبين إشكالية المصطلح فيقول:

من السهل أن تفقد التعددية الثقافية مدلولاتها. مدفوعة بفهم تجريدي “للثقافة” وفهم “شكلاني” للتعدد، تؤدي التعددية الثقافية إلى نشوء برامج وأفكار تقع بعيداً كل البعد وراء التطورات الاجتماعية والاقتصادية. مئات المقالات عن “الهوية الثقافية” تطرح إحالات إلى (دريدا) و(فوكو)، ومردودها محدود حول موضوعها، ومناقشات لا تنتهي حول التعددية الثقافية تنطلق من افتراض يفتقد الإثبات بإن ثقافات عدة متميزة تكوِّن المجتمع الأمريكي.
وقلة من المؤرخين والمراقبين فقط هم الذين يفكرون بأن العكس يمكن أن يكون صحيحا، بإن العالم والولايات المتحدة يمضون من دون توقف نحو التماثل الثقافي، لا الاختلاف. وعلى التفكير الجاد في قضية التعدد الثقافي أن يضع في اعتباره -على الاقل- تلك القوى التي تدفع -دون هوادة- نحو التجانس الثقافي، وأن يطرح الأسئلة “كيف يمكن أن يوجد التعدد في إطار التماثل؟”، “ما إمكان قيام ثقافات متعددة داخل مجتمع استهلاكي واحد؟” وأن تطرح السؤال يعني -جزئياً- أن تجيب عنه، لأن من الممكن أن يكون التنوع الثقافي والتجانس الاجتماعي مرتبطين على نحو معكوس. وقد تنشأ الدعوة إلى الهوية الثقافية كردة فعل لانطفائها.
أعان المفهوم المرن للثقافة على تقويض التعصب والتركز حول العنصر […] لكن الجدوى الاجتماعية لا تعادل الحقيقة. وثمة صك نظري لم يُدفع، وعلى مر السنين تصاعدت تكلفته. إن الرجوع إلى مفهوم تراتبي للثقافة أمر غير مطلوب، لكن التقدم نحو شيء من الدقة والتحديد قد يكون مطلوبا. مالم نضع في الاعتبار ما يميز ثقافة عن اخرى، سيهوي الحديث عن التعددية إلى مهاوي الخرافات والأوهام، وإذا كنا لا نستطيع أن نحدد ما يميّيز ثقافة ما، فكيف يمكننا أن نفهم العلاقة بين ثقافتين أو أكثر، أو التعددية الثقافية؟ ولنضع الأمر على وجهه الصريح: إن التعددية الثقافية تقوم على أصل ثقافي، هو الرفض أو العجز عن تحديد ما الذي يشكل الثقافة.
في ظل هذه الهزيمة النظرية، اتسمت الثقافة بطابع ذاتي أو شخصي، أصبحت الثقافة هي ما تريد أي جماعة أو أي باحث أن تكون. ولا أحد يجادل في أي جماعة من الناس تشكل ثقافة مستقلة. في الوقت ذاته، فإن الرطانة حول التنوع الثقافي تؤدي إلى تعتيم الحقائق الاجتماعية والاقتصادية، بإن تجعلها إما غير ذات دلالة وإما غير مهمه. فالقائلون بالتعددية الثقافية ينظرون إلى الثقافة وحدها، ولا يكادون يلقون بالا للحاجات والشؤون الاقتصادية. وكيف يمكن للثقافة أن تتغذى وتبقى بعيدا عن العمل وإنتاج الثروة؟ وإذا كان هذا غير ممكن: كيف يمكن فهم الثقافة دون أن نضع في الإعتبار تشابكها والحقائق الاقتصادية؟
إذا وضع الهيكل الاقتصادي للثقافة على الطاولة فربما توقفت الثرثرة حول التنوع، فسوف يتضح أن الثقافات المتنوعة تعتمد على البنية التحتية نفسها. فماذا يعني أن ثقافتين مختلفتين تتشاركان في أنشطة اقتصادية متطابقة؟ وما الذي يعنيه أن تكون نفس الوظائف والمساكن والمدارس وطرائق الترفية والحب تغذي ثقافتين في غياب التعدد الاقتصادي؟
إن البناء الاقتصادي للمجتمع الصناعي المتقدم او الرأسمالي أو القائم على اقتصاد السوق، هو العامل الثابت غير المتغير، فقلة هم القادرون على تخيل مشروع اقتصادي آخر، والموافقة الصامتة على هذا تقول الكثير عن التعددية الثقافية، وليس ثمة رؤية سياسية أو اقتصادية أخرى تغذي التنوع الثقافي. من أكثر المدافعين صلابة عن الأفارقة، إلى أكثر المدافعين صلابة عن حقوق المرأة، كل الفرقاء لديهم معتقدات متشابهة فيما يتعلق بالعمل والمساواة والنجاح. إن سر التنوع الثقافي كامن في التماثل السياسي والاقتصادي. والمستقبل مثل الحاضر مع مزيد من الاختيارات، والتعددية الثقافية تعني موت اليوتوبيا.

ويقول بما أن التعددية الثقافية مصطلح يمكن توجيهه من أيا كان في خدمة مصالحهم فإنها قوة سياسية لا تعني التعايش بل الهيمنة أو الانصهار ضمن ثقافة مهيمنة. ومدى الدمج السياسي الذي يتجاوز الحدود الوطنية ومن اشكال عولمة الاقتصاد.

واضح أن التعددية الثقافية شأن سياسي، ولكن… كيف على وجه التحديد؟ بشكل أساسي، وكما ذكر الراديكاليون والأكاديميون، فإن السياسة -ببساطة- سلسلة من الشعارات حول التهميش والسلطة والخطاب والتمثيل. هذه المصطلحات تشير إلى مشكلات حقيقية، ولكنها تفشل في تحديد أي سياسات معينة. الجماعات الهامشية والمهمشة تطالب بالسلطة أو التمثيل، ولكن كيف يعكس هذا الأمر اختلافا ثقافيا أو رؤية بديلة؟

سومرست موم، والسياسيون

سومرست موم (1874-1965) روائي وكاتب مسرحي إنجليزي. نشر روايته الأولى عام 1897 (ليزا اوف لامبث) والتي تصور حياة الطبقة العاملة في لندن أواخر القرن التاسع عشر، لاقت الرواية نجاح لافتا ليقرر بعدها ترك الطب والتفرغ للكتابة، نشر بعد ذلك العديد من الروايات والمسرحيات والقصص القصيرة من أشهرها “كنت جاسوسا”، “عن عبودية الانسان”، “القمر وست بنسات”. يعتبر (موم) من أشهر الكتاب والأعلى دخلا في تلك الفترة.  

في كتابه (عصارة الأيام)، والذي نشر عام 1938وعرض به أحداث من حياته وتجاربه وافكاره، عبّر عن رأيه في السياسيين، فقال:

لطالما دعيت إلى حفلات كانت السياسة فيها الحديث السائد غير إني لم أكتشف في السياسيين البارزين الذين التقيتهم أية مقدرة مرموقة فاستنتجت – ولعلي كنت متسرعا – إن حكم أمة لا يقتضي قدرا كبيرا من الذكاء.

يضيف:

ولقد تعرفت منذ ذلك الحين وفي العديد من البلدان بكثير من السياسيين الذين تسلموا مراكز عليا، وزادت حيرتي بشأن عقلياتهم المتوسطة، ووجدتهم مشوهي المعلومات عن أمور الحياة العادية، ولم اكتشف أية ألمعية في عقولهم أو حيوية في خيالهم.

يتابع (موم):

ولكن ما دمت قد رأيت رجال دولة، بدوا لي أنهم ليسوا أذكياء جدا، يسيرون الشؤون العامة بنجاح معقول، لا أستطيع إلا أن أرجح أنني كنت مخطئا في حكمي عليهم، ولعل تأويل الأمر إن قيادة الامة، تحتاج إلى موهبة من نوع خاص قد تتأتى للمرء دون أن تتوفر فيه المقدرة العامة.

ثم يختم حديثه عن أصحاب المراكز العليا:

إن الافضل عندي أن أقضي شهرا في جزيرة مهجورة مع طبيب بيطري على أن اقضيه بصحبة رئيس الوزراء.