خلاصات هذا القسم

الأرشيف | العلوم البشرية والاجتماعية

ماذا يمكن أن تقدم لنا علوم النفس والاجتماع من معرفة؟ كيف يمكن أن نستفيد منها ونستلهم منها؟

اقتراح (بهاء طاهر) لتجديد الخطاب الثقافي

محمد بهاء الدين طاهر [مواليد عام 1935م] أو كما يُعرف بـ(بهاء طاهر)؛ مؤلف روائي وقاص ومترجم مصري ينتمي إلى جيل الستينيات، منح الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن روايته (واحة الغروب) حصل على (ليسانس الآداب) في التاريخ عام 1956 من جامعة القاهرة، ودبلوم الدراسات العليا في الإعلام، شعبة إذاعة وتلفزيون سنة 1973.

تنوعت إنتاجات (بهاء طاهر) بين الروايات؛ مثل روايته (الحب في المنفى) و(قالت ضحى) و(خالتي صفية والدير)، أو القصص القصيرة؛ مثل مجموعة (أنا الملك جئت) و(لم أعرف أن الواويس تطير) و(الخطوبة)، أو الكتب الفلسفية والنقدية؛ مثل (أبناء رفاعة) و(في مديح الرواية) و(10 مسرحيات مصرية)، وأخيرًا سيرته الذاتية (السيرة في المنفى)، والتي أورد فيها فصلًا عن الثقافة العربية وكيفية تجديد الخطاب الثقافي.

كانت آرائي صادمة.

أقول أنه لا يوجد خطاب ثقافي من الأساس، الخطاب يحتاج لمُرسل ومستقبِل؛ المرسل أصابه العطب، والمستقبل لم يعد موجودًا.

يتابع بعد ذلك:

كثيرًا ما أذكرهم بقصة (جان فالجان) لـ(فيكتور هوغو)، وأقول لو أن الثقافة في العموم مهتمة بأن تتحول المواقف الثقافية الكبرى لجزء من مناهج التعليم لتبدّل الحال، ولكانت الثقافة العربية تغيرت كثيرًا، لو تعلمنا منذ الصغر بشكل ملموس معاني العدالة والخير والمساواة، كان العالم بأسره سيتغير، فمن غير المؤثر أن نكتب عن هذه المعاني فقط، دون تطبيق حقيقي ومخلص، بل الأهم والمؤثر أكثر أن يعيش الصغار -الذين لهم حقّ علينا نحن الكبار- هذه القصص والمواقف الملهمة، ليس بالتلقين فحسب، وإنما بالمحاكاة.

علينا أن ننبذ الأفكار الجامدة من قبيل: “كل شيء على ما يرام .. نتعامل كأننا مثقفون .. كأننا ديموقراطيون .. كأننا لسنا لا متعصبين ولا عنصريين!”

أي آسف!

على الإعلام الحقيقي ووزارة التربية والتعليم والمختصين والنخبة التحرك حثيثًا لوضع مناهج وأطر جديدة فكرية، وإنقاذ الهوية الثقافية.

لا بدّ من البعد عن الإنساء، كفانا إنشاءً .. وأن نسعى لتطبيق جوهر الوعي الخالص في حياتنا الثقافية بشكل فاعل.

من حوالي ربع قرن تقريبًا، كتبت في جريدة (الليموند) الفرنسية جملة لا تُنسى: “الحكومة المصرية تتظاهر بأنها تمنح الموظفين مرتبات، وفي المقابل الموظفون يتظاهرون أنهم يعملون”. 

ينتقل بعد ذلك، (بهاء طاهر) إلى حالة التعليم والقراءة الحرة، فيقول:

بالطبع، أبسط الأحلام التي أتمنى تحقيقها، تغيير الخطاب الثقافي برمّته، هذا الخطاب المتكلّس، فما زلنا نتعامل مع الثقافة كأنها أمر شرفي، جوائز ومهرجانات واحتفالات ليس أكثر ولا أقل.

لكننا لم نفكر أبدًا كيف تتحول الثقافة إلى جزء من حياة المجتمع؟

أتذكر وأنا تلميذ في ثانوي أن د. (طه حسين) كان وزيرًا للمعارف، وكان من رأيه -وهذا ما كتبه في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) سنة 1937- أن القراءة الحرة ينبغي أن تكون بمثابة ثلث المناهج التعليمية على الأقل. 

تم بالفعل تطبيق هذا في العام والنصف الذي كان فيه وزيرًا، وقد وُزّعت علينا في المدارس كتب مجانية للقراءة فقط، وبفضل هذه التجربة بدأ أناس كثيرون جدًا الاهتمام بالقراءة والثقافة.

لا أذكر أن هذا الأمر تكرر إلا مرة واحدة، عندما قرروا تدريس أحد كتب العبقريات لـ(عباس محمود العقاد) ورواية (كفاح طيبة) لـ(نجيب محفوظ). ولم يتكرر الأمر منذ سنوات بعيدة.

في الغرب يعلمون التلاميذ اللغة من خلال كلمات لكبار الكتّاب، مثلًا يشرحون جملة للطلبة استعملها (ألبير كامو) أو (تشيخوف) أو (دوماس) أو (دوستويفسكي) في إحدى رواياته، وهنا يبقى جزء من الوعي الكامن لثقافة التلميذ أن هذه اللغة صنعها كبار الأدباء والمثقفين، لكن الآن للأسف يتم فرض نصوص على التلاميذ عفا عليها الدهر، نصوص مرهقة، غير فعالة على الإطلاق.

وأخيرًآ، يتحدث (بهاء طاهر) عن اقتراحه لتجديد الخطاب الثقافي، فيقول:

كيف يمكن أن نجعلهم على صلة بثقافتهم المعاصرة؟

اقترحت من قبل أن يقرأ المسؤولون كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) لـ(طه حسين)، وأن ينفذوا أفكاره بحذافيرها، لأنه -للأسف- لا يوجد برنامج لتغيير ثقافة مصر إلا برنامج (طه حسين) الذي كُتب عام 1937.

اقترحت الاهتمام بالمعلم، بطريقة التعليم، فالتعليم لا يعتمد على أسلوب التلقين قدر أن يكون نوعًا من التدريب على الديموقراطية، ألا ننادي جميعًا بالديموقراطية؟

[…] ليتنا طبقنا أفكار (طه حسين) منذ هذا الوقت!

لو كانت طُبّقت لكنا أنقذنا الوطن من براثن التطرف الديني، هذا الكتب كان سيعلّم المصريين احترام الاختلاف، أي الرأي العام يتم الرد عليه بالرأي وليس بالهمجية والقنبلة والتطرف والتمرد.

يتحدث (طه حسين) في هذا الكتاب عن كيفية تحويل الديموقراطية إلى أسلوب حياة فاعل، وليس مجرد مفاهيم راكدة جامدة مكتوبة داخل الكتب ولا يتم تطبيقها أو الاستفادة منها، فبدون تطبيق الديموقراطية، تختنق المجتمعات، ووجهة نظري أنه لن لتم القضاء على الفقر ولا على الأمية إلا بتطبيق الديموقراطية.

والديموقراطية في أساسها أن يكون كل الناس جزءًا من عملية التغيير. كم عامًا أمامنا لنصبح هكذا؟

هل ظلم غوستاف لوبون الجماهير أم وصفها؟

غوستاف لوبون (1841-1931) هو طبيب ومؤرخ فرنسي، درس الثورة الفرنسية وحاول فهم طبيعة الثائرين، كتب عن حضارة العرب، الهند وعن اليهود أيضًا. أهم كتب لوبن هو كتاب سيكولوجية الجماهير حيث يحاول شرح طبيعة الجماهير

اهتم بعلم النفس الاجتماعي وأنتج فيه مجموعة من الأبحاث المؤثرة عن سلوك الجماعة، والثقافة الشعبية، ووسائل التأثير في الجموع، مما جعل من أبحاثه مرجعًا أساسيًّا في علم النفس، ولدى الباحثين في وسائل الإعلام في النصف الأول من القرن العشرين.

في كتاب سيكولوجية الجماهير، يُعرف غوستاف لوبون الجماهير والجماعات بأنها اجتماع مجموعة من الأفراد لتحقق هدف معين. أما علم النفس يُخبرنا أن صفات الجماهير تختلف عن صفات الأفراد، حيث أن صفات الفرد تذوب بين الجماهير، وتظهر لنا روح جماعية ذات صفات واضحة

وحسب لوبون غالبًا تكون صفات الجماعة أسوأ من صفات الفرد، وأن صفات الأفراد تنحدر في الفكر إلى درجة غياب العقل والمنطق عند ارتباطهم بأي جماعة، وهذا ما يساعدها على ممارسة أبشع الأعمال

غياب العقل والمنطق هو ما يُفسر لنا سبب البلاهة المشتركة عند الجماهير بأشكالها، وأنه لا فرق بين قرارات الجماعات التي تملك أفراد ذات كفاءة عالية وبين مجموعة من البلداء، لأن غياب العقل هو العامل المشترك. وحتى يصف لوبون مشاعر الجماهير فقد قال أنها متأججة ومندفعة، هذا الاندفاع يقودها لتصبح همجية. يقول لوبون أن القادة استفادوا من هذا اندفاع الجماهير حيث جعلوهم يمارسون التضحيات ب اسم الدين والوطن مثلا

في الكتاب يصف غوستاف لوبون الجماهير بأنها عاطفية وبلا وعي, وسهل تحريكهم عن طريق استفزاز عاطفتهم. لهذا فإن الخطابات التي تحتوي على كلمات واسعة المفهوم كالحرية والديمقراطية وتُلقى بصوت مرتفع مع قليل من العبارات العاطفية تؤثر على الجماهير بدرجة كبيرة. نلاحظ هذا في طريقة هتلر في إلقاء خطاباته على جماهيره

لا يقتصر رأي لوبون على الجماهير وحسب، إنما وصف قاداتهم أيضًا. فهو يرى أن القادة يملكون صفات مشابهة لجماهيرهم،  حيث أنهم  يفتقدون للعقل، مندفعين ولا يملكون الحكمة.

في المقابل يعترف لوبون بأن المجالس النيابية أفضل أشكال الحكومات، حيث يستطيع كل من في المجلس المشاركة. لكن بالرغم من هذا فإنه يرى أن هذه المجالس تشابه الجماهير في عواطفها، وأنها مندفعة هي الأخرى

عليّنا الآن كقارئين أن نسأل إذا كانت رؤية لوبون عن الجماهير ظالمة أو لا؟ وهل فعلاً أن عواطف الجماهير هي محركهم الأول؟

هانا أرندت العمل والبحث عن السعادة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

إن إعادة اكتشاف العمل ونشوء عالم علماني على الصعيد الحياة عامة، قد يكونان إلى حد بعيد من المواريث الثمينة الذي خلفه لنا العصر الحديث ونحن على وشك الدخول الى عالم جديد تمامًا.

ما هو مفهوم السعادة على أية حال؟ أمر لا يمكن لمسه، مجرد نفس، أو أثر زائل. تساءل (والت ويتمان) في مذكراته بعد مائة عام بالضبط  من قيام الآباء المؤسسون بنسج السعي خلف أثر زائل في قماش، وهو ما أسماه (وايتمان)؛ “آفاق أمريكا الديموقراطية”.

إن فكرة “البحث عن السعادة” لازمتنا منذ زمن حتى أصبح أمرًا معتادًا، ليس فقط كبند في الدستور الأمريكي، بل كمفهوم ثقافي شعبي غزى العالم بأشكال لا حصر لها. وحتى كهدف سياسي، فإننا غير متأكدين من مدى فهمنا له، فهو أمر غير مألوف، ونادر أيضا، مع غرابة التمييز بين الفكر العبقري من الساذج وغير متأكدين أي واحد منها قابل للإدراك.

تمت دراسة أصل وتداعيات هذا المفرد الغريب تاريخيًا من قبل المنظرة السياسية الألمانية (هانا آردنت) [1906 – 1975] في مقالة صدرت عام 1960 بعنوان “العمل والسعي لتحقيق السعادة” وجدت مقتطفات منها في (التفكير بلا عوائق؛ مقالات في الفهم 1953-1975). بعد وفاتها كتبت (آرندت) وهي لاجئة:

من بين عدة مفاجآت تخبؤه هذه الدولة للمواطنين الجدد هناك اكتشاف مدهش أكدته وثيقة الاستقلال أن “السعي لتحقيق السعادة”، هي أحد حقوق الإنسان الغير القابلة للنقاش، وبقيت هذه العبارة حتى يومنا هذا أكثر بكثير من مجرد جملة لا معنى لها في الحياة العامة والخاصة للجمهورية الأمريكية. إلى درجة وجود شيء مثل الإطار العقلي الأمريكي، الذي تأثر بشكل عميق للأفضل أو الأسوأ بحقوق الإنسان التي من الصعب نيلها، والذي على حد تعبير (هوارد مومفورد جونز) يخول الرجال بـ“امتيازات شنيعة لمواصلة واحتضان الوهم”

في الجهة المقابلة، بحثت (أرندت) قبل سنتين من أطروحتها التاريخية؛ (الدوافع السياسية لتطبيع الشر)، في كتابها أصل هذا الوعد الأمريكي للخير المطلق، وحق الإنسان الأساسي في السعادة: 

إن عظمة بيان الاستقلال … تنشأ من كونها الطريقة المثلى لأن تظهر الأفعال في كلمات. وبما أننا نتعامل هنا مع الكلمة المكتوبة وليس المنطوقة، فإننا نواجه إحدى اللحظات الاستثنائية التي تكون فيها قوة العمل كبيرة بما يكفي لإقامة نصب تذكاري خاص.

ومايصدق على بيان الاستقلال ينطبق بشكل أكبر على كتابات الرجال الذين صنعوا الثورة. كان ذلك عندما توقف عن التكلم بشكل عام وذلك أثناء تحدثه أو كتابته وفقا للأحداث الماضية أو المستقبلية، حيث كان (جيفرسون) أقرب شخص إلى تقدير العلاقة الحقيقية بين العمل والسعادة.

مثل (ويتمان)، الذي يعتقد أن الأدب هو أساس الديمقراطية، فقد استلهم الآباء المؤسسون في عصر النهضة  إلى حد كبير من الأدب والفلسفة، وخاصة من قبل “رجال المعرفة” في فرنسا في القرن الثامن عشر. تتبع (أرندت) بقولها سلسلة النفوذ الإيديولوجي عبر الزمن والمكان والثقافة، للثورة الفرنسية ونموذجها المثالي “للسعادة العامة” هو الذي استند إليه (جيفرسون). أصدر مقال قبل إعلان الاستقلال بسنتين، ناقش فيها أن الأسلاف الذين تركوا أوروبا إلى أمريكا قد جعلوا “على الأرجح الحق الذي أعطته الطبيعة للرجال لتأسيس مجتمعات جديدة بموجب القوانين والأنظمة المتعلقة بهم ، لتعزيز السعادة العامة”. ثم أدرج هذا الإصرار على السعادة بشكل واضح الى بيان الاستقلال الذي عدل سريا بطريقة ما، وتغيير صياغة الحقوق الغير قابلة للنقاش من “الحياة والحرية والملكية” إلى “الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة”. إن مثل هذا التعديل الدقيق للكلمة الواحدة في اللغة يمكن أن تؤثر بشكل عميق على ثورة أيديولوجية قد تكون غريبة، ولكنها ليس غريبة كما أشارت (أرندت)، كونها لم تكن ذو تأثير في حياة (جيفرسون) وفقدت دون أن يلاحظها أحد فقد كانت تعيد توجيه الأخلاق الوطنية بأكملها على مر القرون التي تلت ذلك.

وبتركيزها على الثورة الفرنسية والمثل الذي أثرى وألهم (جيفرسون)، اكتفشت كيف أن القرن الثامن عشر كان قد فهم شكل الاستبداد والحرية السياسية واعتبار إصرار على السعادة سلعة عامة او خاصة.

وفقا للفهم القديم والنظرية السابقة لمصطلح الاستبداد، فهي الحكومة التي يحتكر فيها الحاكم لنفسه حق العمل ويحرم المواطنين من الفضاء العام الى اطار خصوصية الأسرة حيث من المفترض أن يهتموا بأعمالهم التجارية الخاصة. وبعبارة أخرى، فإن الاستبداد يحرم الرجال من السعادة والحرية العامة دون التعدي بالضرورة على المصالح الشخصية والحقوق الخاصة التي يتمتع بها. الاستبداد، وفقا للنظرية التقليدية، هو شكل من أشكال الحكم الذي يستبعد فيه الحاكم بمحض إرادته ويسعى لتحقيق مصالحه الخاصة، وبالتالي التعدي على الرفاهية الخاصة والحريات الشخصية لمواطنيه.

عندما تم التحدث عن الاستبداد و الطغيان في القرن الثامن عشر فإنه لم يكن يميز بين هاذين المصطلحين وقد تعلم حدة التمييز بين القطاعين الخاص والعام وبين السعي دون عائق للمصالح الخاصة والتمتع بالحرية العامة أو السعادة العامة، و خلال الثورات، جاء هذان المفهومان اللذان اصبحا في صراع مع بعضهما البعض.

واستنادا إلى النسب بين الثقافات وبناء على كتاباتها السابقة على أن العمل كشكل لا يمحى الفكر، وسلطت (أرندت) الضوء على العلاقة الظاهرة بين العمل والسعادة:

سيتعين على كل نظرية سياسية حديثة أن تتعامل مع الحقائق التي تم تسليط الضوء عليها أثناء الاضطرابات الثورية التي حدثت خلال المائتي عام الماضية، وتختلف هذه الحقائق بالطبع إلى حد كبير عن ما تريد الإيديولوجيات الثورية منا أن نصدقه.

[…] قد تكون إعادة اكتشاف العمل ونشوء عالم علماني في الفضاء العام للحياة من أثمن المواريث الذي ورثناه للعصر الحديث ونحن على وشك الدخول الى عالم جديد تماما.

في المجمل أن (التفكير بلا عوائق) قراءة مبهجة فكريا، حيث يستكشف تقاطع السياسة والحياة الإنسانية من زوايا متنوعة مثل الخيال، وجرائم الحرب، وإرث (إيمرسون)، ومعنى الثورة، والعلاقة بين الحقوق الخاصة والمصلحة العامة. واستكمل هذا الجزء بالذات بشأن السعادة كواجب أخلاقي مع إليزابيث باريت براوننج، ثم تناولت (أرندت) كيفية استخدام الطغاة للعزلة كسلاح للاضطهاد، والكذب في السياسة، وقوة كونك دخيلًا، وحياة العقل، وتسليط الضوء على حالة البشر من الناحية الفنية والعلمية وكيفية التفريق بينهما.


[المصدر]

لماذا يكره الكارهون؟ كيركيجارد يفسر سيكلوجية المتنمر

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

عندما يظهر الاخرون انهم لايهتمون بي ويحاولون تبيان ذلك لي، فهذا لا يظهر سوى التبعيه، او النقصان.

يُحتفى بالكاتب والمفكر الدنماركي (سورين كيركيجارد) [1813 – 1855] كأول فيلسوف وجودي حقيقي، عاش حياة قصيرة لكنها كانت عميقة، وامتد تأثيرها على نطاق واسع عبر القرون والتخصصات والمدارس الفكرية. لقد كان أيضًا من بين العديد من الكتاب المشهورين الذين استفادوا من الاحتفاظ بمذكرات ذات مزيج متناقض من الكآبة والمثالية، اليأس بشأن الحالة الإنسانية والتفاؤل حول اهمية الحياة، تألق ببراعة أكثر من كتاب (يوميات سورين كيركيجارد)، خلاصة وافية عن تأملات (كيركيجارد) المكثفة والمتكررة دائمًا في كل شيء بدءًا من السعادة والكآبة وحتى الكتابة والأدب إلى التأمل الذاتي والرأي العام.

ابتداءً منذ عام 1847 ، لاحظ (كيركيجارد) البالغ من العمر 34 عاماً، الامراض البشريه العفويه المنتشره، موضحًا؛ علم النفس الأساسي الذي يكمن وراء الظواهر المعاصرة انذاك مثل التنمر، والتصيد، والاعتداءات العامة على النقاد المعينين ذاتيًا على الويب، التي عُرِفت بـ”الكارهين”.

كتب (كيركيجارد):

شاهدت أمثلة في كثير من الأحيان على شكل من أشكال الحسد، حيث يحاول الفرد الحصول على شيءٍ ما عن طريق التنمر. على سبيل المثال، إذا دخلت مكانًا فيه جمع من الناس، فغالبًا ما يحدث أن شخصاً ما يتآلب ضدي من خلال البدء في السخرية؛ على افتراض أنه يشعر بأنه يمثل الرأي العام. ولكن ها، إذا  أدليت بعد ذلك بتعليق عابر، يصبح هذا الشخص طيباً ومتعاوناً بلا حدود. في الأساس، يُظهر أنه يعتبرني شيئًا رائعًا، وربما أكثر مما انا عليه؛ ولكن إذا لم يُعتبر يبالغ في أهميتي، فسوف يسخر مني على الأقل. ولكن بمجرد أن يصبح مشاركًا، كما كان، يتباهى بعظمتي.

هذا هو ما يحصل من العيش في مجتمع ضيق الأفق.

 

من غير المحتمل أن يكون (كيركيجارد) على علم بما سيُعرف باسم “تأثير (بنجامين فرانكلين)”، حيث قام الأب المؤسس بصياغة خدعة علم النفس العكسي المشهورة للتعامل مع البغيضين، ومع ذلك يواصل نقل حكاية تجسدها تمامًا. يروي مجيئه إلى ثلاثة شبان خارج بوابته، وعند رؤيته، “بدأ يبتسم وبدأ سلسلة كاملة من الوقاحه”. وعندما اقترب منهم، لاحظ (كيركيجارد) أنهم يدخنون السيجار ويتجهون إلى أحدهم، لطلب القداحة. فجأة، اتخذ موقف الرجال منعطفًا دراماتيكيًا، فعلى ما يبدو قد وفر التبادل البسيط تلك الدعوة بشكل رائع للمشاركة:

على الفور، تخلص الثلاثة من قبعاتهم ويبدو أني قد قدمت لهم خدمة من خلال طلب القداحة. ومن ثم؛ نفس الأشخاص سيكونون سعداء ليقولوا “برافو” من أجلي إذا وجهت إليهم خطابًا ودودًا، ناهيك عن كلمة مبهرة؛ كما هو، يصرخون “عليه أن يموت!

 للتحدي … كله للمراءاة. ولكن كيف هو مثير للاهتمام أن يكون المرء معرفة علم النفس البشري المخصب بهذه الطريقة التي لا تقدر بثمن.

بعد سبع سنوات، وقبل وقت قصير من وفاته المفاجئة، يعيد النظر في هذا الموضوع في شعور يفسر بنظرة ثاقبة في علم نفس المُبغِضين:

إن إظهار أنهم لا يهتمون بي، أو ان يحاولون اظهار عدم اهتمامهم بي، لا يزال يدل على التبعية … إنهم يظهرون لي الاحترام على وجه التحديد من خلال إظهار أنهم لا يحترمونني.

قد تكون يوميات (سورين كيركيجارد) قصيرة الصفحات وتغطي مدى الحياة، لكنها كنز من الأفكار المتغلقة في التجربة الإنسانية. استكملها مع (كيركيجارد) على أعظم مصدر تعاسة، ثم قم بمراجعتها في الخطاب الحديث للتعامل مع البغيضين.


[المصدر

 

قواعد إريك فروم الست في فن الإصغاء

“الحب والفهم لاينفصلان عن بعضهما فهما يمثلان عملية عقلية، و انفصالهما يسد الباب أمام الفهم الأساسي”

بحسب ماكتبت (حنة آرندت): “لا يُعطى الرأي في التجارب إلا بعد ذكرها”، عن رأيها  في مدى إضفاء اللغة الواقعية على الوجود بتعبيرها، “ولطالما لم تذكر هذه التجارب فيصح القول بأن لا وجود لها”. ولكن إن ذُكرت التجربة ولم تلق آذاناً صاغية، فسيصبح نصف واقعها مبتور وانسجامها الأساسي مختل توازنه.

عَرف الفيزيائي العظيم (ديفيد بوهم) هذا بقوله: “علينا العيش بإنسجام مع أنفسنا ومع البيئة”، وبإختصار كتب في أطروحته المتميزة بشأن “معضلة التواصل”:

إننا بحاجة إلى أن نكون قادرين على التواصل بحرية في حركة إبداعية حيث لا أحد يتمسك فيها بأفكاره دومًا أو يدافع عنها بصورة أخرى.

أما عن كيفية فعل هذا، هو ما كشفه الفيلسوف والمحلل النفسي المؤثر (إريك فروم)، الذي ولد في 1900 وتوفي في عام 1980، في حلقة دراسية عقدت في سويسرا عام 1974 والتي نشرت بعد وفاته في كتاب يحمل عنوان (فن الإصغاء).

ويناقش في فن الإصغاء قائلًا أنه”فن أشبه بفهم الشعر” وحاله من حال الفنون الأخرى التي لها أصولها وقواعدها الخاصة. واستنادًا إلى ممارسته في المعالجة النفسية على مدار 50 عاماً، يقدم لنا ست إرشادات لإتقان فهم هذا الفن:

  • القاعدة الأساسية لممارسة هذا الفن بالتركيز التام للمستمع.

  • يجب أن يكون خال الذهن، أن يكون متحرراً على النحو الأمثل من القلق وكذلك من الجشع.

  • التمتع بمخيلة تعمل بحرية ملموسة وبدرجة كافية للتعبير عنها بالكلمات.

  • التمتع بقدر كبير وقوي من التعاطف مع الآخرين يكفي للشعور بتجارب الآخرين وكأنها تجربته الشخصية.

  • حالة التعاطف هذه، تعد جانبًا أساسيًا للمقدرة على الحب. إن فهم الآخر يعني محبته، دون أن يكون ذلك نابع من إحساس شهواني.

  • الحب والفهم لا ينفصلان عن بعضهما، يمثلان عملية عقلية، و انفصالهما يسد الباب أمام الفهم الأساسي.


[المصدر]