خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الفلسفة والعلوم الطبيعية

ماهي الفلسفة الملهمة التي يمكن أن نحيا بها اليوم ؟ وكيف يمكن للعلوم الطبيعية أن تلهمنا وتعلمنا ؟

ما هي الفلسفة؟ برتراند راسل يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في لقاء تلفزيوني، سُئل (راسل) عن مفهوم الفلسفة. فابتدأ جوابه مستفتحًا:

لا أظن أن هناك فيلسوفان سيجيبانك بنفس الإجابة على هذا السؤال.

وجهة نظري هي أن الفلسفة هي فرضيات حول أمور لا يمكن الحسم فيها بطريقة نهائية من الناحية المعرفية، هذا جوابي وليس جواب أحد آخر.

سُئل بعد ذلك (راسل) عن الفارق بين الفلسفة والعلم، فأجاب:

يمكنك القول أن هذا يتلخص في عبارة “العلم هو ما نعلم، والفلسفة هي ما لا نعلم“، هذا التعريف المبسط. لأسئلة تمر باستمرار من الفلسفة إلى العلم، مع تطور العلم.

بعدها سُئل عن الفائدة من الفلسفة، فكان جوابه:

أظن أن للفلسفة فائدتين تقريبًا؛ أحدهما هو الإبقاء على التكهنات المتعلقة بالمسائل التي لا يستطيع العلم الآن أن يتطرق لها. المعرفة العلمية تغطي قسمًا صغيرًا جدًا من المسائل التي يهتم لها الجنس البشري، والتي يجب أن تهمه. هناك العديد من الأشياء التي لها أهمية كبيرة، التي يتكلم عنها العلم تمثيليًا. ولا أريد خيال الناس أن يكون محدودًا ومقتصرًا على ما نستطيع معرفته حاليًا. وأظن أن من فوائد الفلسفة إيساع نظرتكم عن العالم إلى مستوى الافتراض.

هناك فائدة أخرى أظنها على ذات القدر من الأهمية، وهي أن تري الناس أن هنالك أشياء ظننا أننا نعلمها ولكننا لا نعلمها، هي تمكننا من الاستمرار في التفكير في الأشياء التي قد نعلمها يومًا من جهة، ومن جهة أخرى تمكننا من البقاء متواضعين وواعيين بكم الأشياء التي كانت تبدو كمعرفة، وهي ليست كذلك.

الاستعارة عند جورج لايكوف

جورج لاكوف، الفليلسوف الأمريكي و عالم اللغويات المعرفية، ولد في 24 مايو 1941. عرف عنه أطروحته الشهيرة أن حياة الأفراد تتأثر بشكل كبير بالاستعارات المركزية التي يستخدمها الناس لشرح الظواهر المعقدة.

‏لطالما سيطرت النظرة التقليدية للاستعارة على اعتقادات غير دقيقة مثل:

‏١-الاستعارة تتعلق بالألفاظ، وليس بالفكر.

‏٢-اللغة الاستعارية مستعملة في الشعر والبلاغة فقط.

‏٣-اللغة الاستعارية منحرفة عن المعنى الحقيقي.

‏وغيرها من الاعتقادات.

‏يفنّدها (جورج لاكوف) و(مارك جونسون) في كتابيهما (الفلسفة في الجسد)، فيقول عن الأولى:

لو كانت الاستعارة أمرا مرتبطا بالألفاظ، فإن كل عبارة لُغويّة مختلفة ينبغي أن تكون استعارة مختلفة. وبذلك، فكل أمثلة الجُمل ينبغي أن تكون استعارات مختلفة تماما، بدون أن يجمع بينها جامع. يجب أن تكون جُملة “وصلت علاقتُنا إلى الطريق المسدود” مختلفة تماما ولا تربطها صلة بالجملة التالية “علاقتنا لا تبرح مكانها“، التي ينبغي أن تكون بدورها مختلفة وغير مرتبطة بجُملة “إننا نسير في اتجاهين متعارضين” و “علاقتنا في مفترق الطرق“، وما شابه ذلك. غير أن هذه العبارات الاستعارية ليست متباينة ومختلفة وغير مترابطة. إنها كلها أمثلة من استعارة تصوّرية واحدة. إن الاستعارة، في العمق، أمر مرتبط في الفكر، وليس بالألفاظ فحسب.

ويفنّد عن الثانية بقوله:

أخطأ (أرسطو) بخصوص اللغة الاستعارية حين اعتبرها ذات طبيعة شعرية وبلاغية فحسب، ولم يعتبرها جزءا من اللغة اليومية العادية. إن عبارات من قبيل “هذه العلاقة لا تتحرك” أو “علاقتنا في مفترق طرق” عبارات يومية عادية، وليست عبارات شعرية أو بلاغية جديدة. هذه العبارات جزء من لغتنا اليومية.

ويقول عن الاعتقاد الثالث:

إنّ الفكر الاستعاري عادي، وليس منحرفًا. وتصوّر الحب باعتباره رحلة هو إحدى طرقنا العادية في تصوّر الحب. وعبارة “علاقتنا في مفترق الطّرق الآن” عبارة عادية، وليست عبارة منحرفة.

إن عدم الصحة التجريبية لنظرية (أرسطو) لهو أمر لافت للنظر، ذلك أن النظرية اعتُبرت من المسلّمات لمدة طويلة حتى إنها اتُّخذت تعريفا وليس نظرية فحسب. فبالنسبة للعديد من الناس، كان مصطلح الاستعارة معرّفا بهذه الشروط. غير أن طبيعة الاستعارة ترتبط بالدراسة التجريبية، وليس بالتعريف القبلي.

في معنى الفلسفة الوجودية

كراش كورس (Crash Course) هي قناة يوتيوب تعليمية أنشأت من قبل الأخوين غرين (green brothers)، وهما (هانك جرين) و(جون غرين)، وهما معروفين بقناتهماVlogbrothers قدَّم الأخوان جون وهانك في الأساس دورات للمشاهدين في عدة مجالات من العلوم والعلوم الإنسانية، وتوسع البرنامج منذ ذاك الحين، ليشمل حلقات مشتركة تقدم من قبل ضيوف إضافيين.

في أحد الحلقات، تحدثت حلقة كراش كورس عن الفلسفة الوجودية بطريقة مبسطة جدًا. فكانت الافتتاحية التالية:

ما الذي يعطي حياتك معنى؟ الآلهة؟ الحب؟ المال؟ الوظيفة؟ أدب المعجبين؟ كرة القدم؟ التسوق؟ (شيرلوك

ربما لديك مفهومك الشخصي عن هدفك في الحياة،أو ربما نأمل من مشاهدتك لهذه الحلقة أن تساعدك على إيجاده.

أو ربما تعتقد أنك خُلقت بجوهر Eseesnce خاص كإنسان، وأن هدفك في الحياة مكتوب عليك بواسطة الإله.

أيًا ما كان الموضوع، فلن يلومك أحد، فقط لأنك تبحث لحياتك عن معنى. فالمعنى هو شيء كلنا نرغب به بشدة، بل وربما نحتاج إليه.

[…]

ربما تجد المعنى عبر التدين، أو الدفاع عن العدالة الاجتماعية، أو تثقيف الآخرين، أو البحث عن الجمال بطريقة فنية

لا يهم كيف تقوم بالأمر، فهناك مجموعة من الفلاسفة “الوجوديين” The Existentialists يقولون أن أي، أو جميع، هذه الأشياء يمكن أن تعطي لحياتك معنى. لكن في نفس الوقت يقولون أن أيًا منها لا تستطيع ذلك.

يبدأ المقطع بشرح الفلسفة الماهوية، والتي تقرر بأن المعنى لحياتنا، وُجد قبلنا. فيقول:

كما تعرفون الآن، الفلسفة عبارة عن جدل ؛ يقوم شخص ما بطرح فكرة، ثم يقوم شخص آخر بالرد عليها. أحيانًا يكون الرد مباشرًا، وفي بعض الحالات قد يستغرق آلاف السنين.

في اليونان القديمة (أفلاطون) و(أرسطو) أكدا بشكل قاطع بأن لكل شيء جوهر، وسبب للوجود ؛ مجموعة من الخصائص الأساسية الضرورية أو اللازمة لشيء ليكون على ما هو عليه. إذا كانت هذه الخصائص مفقودة، فسيكون ذلك الشيء شيئًا مختلفًا.

على سبيل المثال: قد يكون للسكين مقبض من خشب أو مقبض من معدن، هذا لا يهم. لكن إذا لم تمتلك نصلًا (شفرة السكين) فلن تكون سكينًا. النصل هو خاصية أساسية Essential Property في السكين، لأنه هو ما يحدد وظيفة السكين.

(أفلاطون) و(أرسطو) اعتقدا بأن لكل شيء جوهره الخاص، بما في ذلك البشر. واعتقدا بأن جوهرنا يكمن فينا قبل أن نوجد. وفقًا لهذا التفكير، جزء من معنى أن تكون إنسانًا جيدًا هو تمسكك بجوهرك. ربما تعلم أو لا تعلم ما هو جوهرك، وقد تكون جيدًا في العيش وفقًا لجوهرك، أو سيئًا فيه، لكن الأهم هو أن جوهرك هو ما يعطيك غاية، لأنك ولدت لتكون شيئًا ما.

هذا التفكير المعروف بـ”الماهوية” Essentialism والذي انتشر عالميًا حتى أواخر القرن ١٩ وما زال مقبولًا من قِبل البعض حتى الآن.

يمكن القول بأن نقطة التحول في هذه الفلسفة الماهوية، عندما جاء الرد من أشخاص آخرين بعد آلاف السنين. فيقول:

لكن في أواخر ١٨٠٠م، بعض المفكرين بدؤوا في تحدي في فكرة أننا نمتلك جوهرًا أو غاية. الفيلسوف الألماني (فريدريتش نيتشه) على سبيل المثال، تبنى فكرة “العدمية” Nihilism أو الاعتقاد باللامعنى المطلق للحياة. 

لكن في أواسط القرن العشرين، عُبِّد الطريق للفيلسوف الفرنسي (جان-بول سارتر) ليعيد سؤال الجوهر، ويسأل: ماذا لو وُجِدنا أولًا؟ ماذا لو وُلدنا من دون أي غاية، ومن ثم يعود الأمر إلينا في إيجاد جوهرنا الخاص؟ أصبح هذا هيكل ما يُعرف الآن بـ”الوجودية” Existentialism ونقطتها الأساسية هي أن الوجود يسبق الجوهر. بمعنى آخر، وجودنا يحدث أولًا، ومن ثم يعود الأمر إلى كل واحد منا لتحديد من يكون، وما هي غاياته، علينا أن نكتب جوهرنا الخاص عن طريق الحياة التي نختارها. لكن ليس لدينا فعليًا غاية أو هدف مسبق، ليس هناك طريق معبّد يجب اتباعه.

يمكنكم متابعة بقية التفاصيل حول الفلسفة الوجودية، وعدد من الأسئلة المرتبطة بهذه الفلسفة، في المقطع التالي، إذ يطرح المقطع عددًا من الأسئلة المهمة، مثل أسباب نشوء الفلسفة الوجودية، وعن ارتباطها بالإلحاد أو عده، وغيرها من النقاط المهمة.

 

 

لماذا نحترم أو حتى نقدّر الفلاسفة الذين يعانون من التمييز العرقي و التحيز الجنسي؟

جوليان باجيني فيلسوف بريطاني، نشر هذا المقال مطولاً  في المجلة الرقمية (آيون) بتاريخ 7 نوفمبر 2018، وله العديد من الكتب والدراسات، وترجم له للعربية كتاب (حجج فاسدة: تجعلنا نبدو أغبياء)، وهو كتاب يستحق القراءة.

نقدم لكم هنا، ترجمة لمقاله “لماذا نحترم أو حتى نقدر الفلاسفة الذين يعانون من التمييز العرقي أو التحيز الجنسي”، بشكل حصري لدى ساقية.

أصبح سهلاً الوقوف على حافة الأخلاق عند الإشادة بأحد العقول العظيمة من الماضي، فلو قدَّرت (ايمانويل كانط)، سيذكرونك أنه يؤمن بتقسيم الناس على حسب اللون، فهو يقول: “كمال البشرية الإبداعي يكمن في العروق البيضاء”، ويقول: “الهنود الصفر لهم موهبة ضئيلة، والزنوج أقل منهم بكثير.” وعند احترام (أرسطو) سَتشرح كيف انَ الحكيم الحقيقي لم يسلم من التفكير  في: “أن جنس الذكور بطبيعته متفوق، والأنثى أقل شائناً، والذكور أصلح للقيادة، والأنثى رعية.” وعند كتابة تأبين في (ديفيد هيوم)، كما فعلت أنا سابقاً، هاجمني أحدهم  لرثاء مفكر كتب مرةً في عام 1753-54 ميلادي: “أنا لا أشك أبداً في أنّ الزنوج وجميع أنواع البشر هم بالطبيعة في مستوى أدنى من الإنسان الأبيض.”

نحن هنا عالقون في معضلة محيرة، فلا نستطيع رفض التحيزات العنصرية غير المقبولة باعتبارها غير مهمة، ولكن وإن فعلنا، وعاقبنا وجهات النظر و الأقوال اللا أخلاقية من الماضي؛ فلن يسلم أحداً في التاريخ ، وستقف هذه الأحكام حاجزاً عن تقدير عقلاً عظيماً في زمانه أو قائداً عسكرياً مهماً.

على أي حال، إنَ مسألة الحُكم تلقائياً بسبب التمييز العرقي، و التمييز الجنسي، وكل أشكال التعصب، ضد الشخصيات التاريخية القديمة، مسألة مضللة، ومخادعة. لأن من يتميز ضدهم يتخيل أنَّ من يحمل أياً من  تلك الصفات لابد أن يكون فاسداً من الداخل. وقول ذلك دليل على وجود قصور في استيعاب الشروط الإجتماعية التي تؤثر على ماهية العقل؛ دون استثناء حتى الشخصيات العظيمة.

دواعي الغضب هو التصور في أن هؤلاء الفلاسفة فُضلاء، وأنهم منزهين عن الوقوع في أي وحل غير أخلاقي حتى لو كان المحيط من حولهم مصاب بالعمى الذي يمنعه عن رؤية الظلم، و يجب علينا أن نعرف الأفضل، وأن نتذكر الدرس التاريخي الموجع مع الرايخ الألماني الثالث (ألمانية النازية)، وكيف أنها كانت مدعومة بنسبة كبيرة جداً من الناس العاديين والبسطاء الذين لو قُدِرَ لهم أن يعيشوا في زمن مختلف لعاشوا حياة بريئة، ولكن الصدفة القدرية جعلتهم جزء من محيط ملوث، ولو كنا نحن جزء من ذلك الظرف الزماني والمكاني، ومع بالغ الثقة، لكنا سنفقع في نفس المأزق، ولهذا فنحن اليوم نعرف مالم يعرفه ذلك المجتمع وقتها، و عدم دعم النازية اليوم أمراً بديهياً لأننا رأينا العواقب التي نتجت عنها.

لماذا يؤمن الكثير بإستحالة عدم رؤية التمييزات العنصرية غير المنطقية وغير العقلانية الصادرة ممن يعرفون بمسمى”العبقرية”؟

أحد أهم الأسباب هو أن ثقافتنا مكونة من مفاهيم عميقة مبنية على افتراضات خاطئة في أن الفرد هو عقل بشري مستقل بذاته عن بيئته الإجتماعية، ولكن هذا الوهم المريح يسحقه معرفة علم النفس، وعلم الإجتماع، والأنثروبولوجيا..

تستطيع ثقافة التنوير المعتدلة أنّ تجعلنا نفكر أننا ذوات حُرة ولكن مشروطة بإعتبارات آخرى، وذلك بعيداً عن الوقوع في تشويش أوهام الثقافة التنويرية المثالية والتي تقترح أننا ذوات نفكر بأنفسنا في أننا مستقلين استقلالية فردية مطلقة، ولكي تتضح الصورة أكثر يجب أن لا نخلط بين الإثنين. لأن أفكارنا  تتشكل من خلال محيطنا الإجتماعي بطرق عميقة لا يمكن ادراكها، و حتى الإنتباه لها في كثير من الأحيان. وألئك الذين يرفضون قبول قوى تأثير البيئة على أفكارنا لديهم أوهام جنون العظمة الفكرية.

عندما يكون الشخص متجذراً بعمق في نظام غير أخلاقي، فإنه يصبح من الصعب إعطاءه خصلة ” المسؤولية الفردية”. و المشكل، أننا متشبثون بالفكرة التي تدعي ان المسؤولية الأخلاقية مرتبطة تماماً باستقلال الفرد الذاتي المطلق. و بالمقابل من المرعب أخذ مسألة التكيف الإجتماعي مع المعتقدات و الممارسات المقيتة بحِدَّة، لأن الجميع سيتخطى المأزق، ولن يتبقى إلا التبرير عبر مفهوم” نسبية الأخلاق ” الميؤس منه.

إن كراهية النساء و التمييز العرقي قُبح لا يتغطى، لأنه نتائج المحيط الإجتماعي، على نطاق واسع، وعلى درجات عالية، أكبر من أن يكون فردي/شخصي. بالطبع، ذلك لا يعفي ديفيد هيوم من عنصريته النتنه، ولا يبرر لأرسطو تحيزه الجنسي ضد المرأة، فلم ولن تكن العنصرية والتمييز أمور حسنة قط، وهم بالفعل أشخاص آمنوا بها.

وكل ذلك لا ينفي السابق، بل يجب معرفة ان (ايمانويل كانط) و(هيوم) كانا نتاج بيئتهم، ومعرفة أيضاً أنه حتى العقول العظيمة لا تسلم من الوقوع في الأفخاخ المقززة عبر العمى عن الأخطاء والشرور التي تكون واسعة الإنتشار بما فيه الكفاية.

إن دفاع (إيديث هول) عن تحيز (أرسطو) ضد المرأة هو أنموذج على إنقاذ الفيلسوف من أسوء ما قد يعيشه. وبدلاً من الحكم عليه تحت معايير هذا الزمن؛ لابد أن نختبر طبيعة طريقة تفكير (أرسطو)، فتناقش (إيديث هول):

هل لو عاش بيننا اليوم (أرسطو)، هل ستؤدي به فلسفته إلى التحيز ضد المرأة؟ وبالنظر إلى انفتاح (أرسطو) على الأدلة والبراهين نجد وبكل يقين أن (أرسطو) اليوم سيكون مقتنعاً تماماً بالمساواة بين الرجل و المرأة. ولو طبقنا نفس التجربة على (ديفيد هيوم)، فلو كان بيننا اليوم لن يزدري أصحاب البشرات الداكنة. بإختصار، لا نحتاج للنظر بعيداً عن أساسيات فلسفتهم التي يقدمونها، لرؤية أماكن الخلل في طريقة تطبيقها.

أحد الأسباب التي تجعلنا نتردد في عذر عقول الماضي، هو أننا نخشى أن ذلك سيتبعه عذراً للتبرير عن الأحياء. ان عجزنا عن لوم (هيوم) و(كانط) و(أرسطو) على تحيزاتهم، كيف يمكننا أن نلوم الأشخاص الذين فضحتهم حملة #أنا_أيضاً بسبب الأفعال التي ارتكبوها داخل المحيط الإجتماعي حيث كانوا فيه طبيعين تماماً؟ ولكن، ألم يكن (هارفي واينستين) نموذج مثالي على “مدرب اختيار ممثلين وممثلات” في ثقافة هوليوود ؟ وداخل محيطه؟

وتوجد هنا نقطة مهمة جداً، وهي التفريق بين الأموات والأحياء، فالحي بستطاعته أن يرى سلوك الخطأ، ويعترف به، ويعتذر عنه، وربما يندم، وإذا ارتكب الحي جريمة وتسبب في ضرر، فإنه يواجه القانون والعدالة، ولا يمكننا قبول العنصرية والتمييز من الأحياء كما هو من الأموات. وأما تعديل المحيط الإجتماعي فيتطلب إظهار إمكانية تجاوز العنصريات ، ونشر الوعي ضد القُبح اذا تفاقم.

لسيوا مسؤولين الأحياء عن خلق القيم المشوهة القبيحة التي تصبح أجزاء من تكوين البيئة الإجتماعية، ولكن يمكنهم تحمل المسؤولية في كيفية التعامل معها…

لا يملكون الموتى نفس الفرصة، فبالتالي تصبح ممارسة الغضب نحوهم مضيعة لا فائدة منها. فنحن على حق حينما نأسف على خطايا الماضي، ولكن من القسوة إلقاء اللوم على الأفراد بسبب مافعلوه في أوقات أقل استنارة إستناداً على معايير اليوم.


[المصدر]

 

مبدأ الهوية عند ديڤيد هيوم، قراءة زكي نجيب محمود

يُعدّ الفيلسوف (ديڤيد هيوم) من أهم فلاسفة الإنجليز كما تُعد رسالته في الطبيعة البشرية، أهم إنتاجاته. ومن خلال عرض الدكتور (زكي نجيب محمود) لهذا الكتاب، نقتبس مقتطفات من هذه القراءة.

فيقول:

من أهم المشكلات التي تعرض لها (هيوم)، مشكلة “الهوية” التي بفضلها نقول عن شيء ما إنه هو هو، برغم تعاقب اللحظات وتعاقب الانطباعات الحسية التي نستقبلها منه، فإذا كان هذا المكتب الذي أمامي يرسل إلى حواسي لمعات من الضوء ولمسات من الصلابة تجتمع معا داخل الرأس لتتكون منها فكرة مركبة هي ما أسميه بكلمة “مكتب”، فلابد لنا من مبدأ يفسر لنا اعتقادنا بدوام وجود شيء معين في الخارج، هو الذي يبعث إلى الحواس بهذه الرسائل المتعاقبة؛ فعلى أي أساس أحكم بأن ذلك الشيء موجود في الخارج، مع أن كل ما لدي عنه هو انطباعات حسية، ثم على أي أساس أحكم بأن ذلك الشيء نفسه مستمر في وجوده حتى ولو خرجت من الغرفة ولم تعد حواسي تتأثر بانطباعاته عليها، وأخيرا على أي أساس أقول إنه هو المكتب نفسه كلما وقع بصري عليه؟ ألا يجوز أن يكون هناك مكتب آخر شبيه كل الشبه بالمكتب الأول، وضع مكانه أثناء غيابي من الغرفة.

ثم يكمل بعد ذلك قائلًا:

إن كل هذه الاعتقادات مني عن المكتب إنما ترتكز على مبدأ يجعل وجود المكتب مستقلا عن إدراكي له، ومن ثم فإنني أحكم بوجوده حتى ولولم أكن أراه ولا ألمسه، ثم أحكم بأنه مكتب واحد حتى ولو كنت أعاود رؤيته حينا بعد حين؛ وذلك المبدأ هو مبدأ تكوين العادات عند الإنسان، فلو كان ارتكازنا على الحواس وحدها لقالت الحواس إنني لا أملك إلا انطباعاتي ولا أدري إن كان هنالك شيء خارج تلك الانطباعات أو لم يكن، ولو كان مرجعنا هو العقل، لقال العقل إن المقدمات التي بين يدي -وهي سلسلة الانطباعات الحسية- لا تنتج بالاستنباط وحده نتيجة تقول إن مجموعة الانطباعات المتتابعة تكون في الحقيقة شيئا واحدا وتأتي كلها من مصدر واحد، واحتكامنا إلى العقل لا يضمن لنا أبدا أن يكون الذي نراه الآن ثم نغيب عنه ثم نعود إلى رؤيته لمرة أخرى في يوم آخر هو هو نفسه، الشيء ذاته لم يتغير. لكنها العادة التي تتكون من رؤيتنا لمجموعة جوانب متجاورة أو متتابعة، فعندئذ إذا ما رأينا جانبا واحدا فقط ورد إلينا بقية الجوانب بحكم العادة، بحيث تصبح وكأنها متماسكة في شيء واحد؛ هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن صورتها وهي متماسكة تكون شديدة الشبه بصورتها حين أدرك الشيء في لحظات متباعدة، حتى ليدفعني هذا الشبه الشديد بين ما رأيته بالأمس وما أراه اليوم إلا القول بأنه هو هو الشيء نفسه في الحالتين؛ ولولا “المادة” التي تشد الشبيه إلى شبيهه لرأيت كل حالة وكأنها مبتورة الصِّلة بأشباهها ولما أتيح لي أن أقول عن الشيء الواحد إنه واحد، ولا أقول عنه إنه مستمر في وجوده شيئا واحدا.

وفي موضع آخر يقول (زكي نجيب محمود):

فلا أساس لمعرفتنا كلها إلا الانطباعات الحسية، تلتئم وترتبط داخل رءوسنا وفق مبادئ ترابط المعاني وتداعيها، فتكوّن الأفكار المركبة التي في رءوسنا، وتعوّدنا رؤية مجموعة معينة منها متلازمة دائما، هو الذي يميل بِنَا إلى القول بأن لهذه المجموعة مصدرا واحدا مستمرا ذَا هوية معلومة.
ونمضي في الحديث فنقول إن عملية التفكير بعدئذ إما أن يكون قوامها ربط فكرة بفكرة تقتضيها، وإما أن يكون قوامها ربط فكرة بأصلها الخارجي، أو بعبارة أخرى عملية التفكير إما أن تكون رياضية استنباطية تستولد فيها فكرة من فكرة، وإما أن تكون متعلقة بأمور للواقع كما هي الحال في العلوم الطبيعية؛ فأما الصنف الأول فنظري صرف ويقيني النتائج ما دامت مستنبطة استنباطا صحيحا من مقدماتها، كأن تقول مثلا إن أربعة مضروبة في خمسة تنتج عشرين، وإن مجموع زوايا المثلث تساوي قائمتين، ففي حالات كهذه لا نريد إلا أن تكون النتيجة متسقة مع مقدماتها، وما دامت المقدمات صحيحة فلابد أن تكون النتائج صحيحة.
وأما الصنف الثاني الذي نطابق فيه أفكارنا من جهة والواقع من جهة أخرى فلا يقين فيه، لأن أي شيء أقوله عن أمور الواقع يجوز أن يكون نقيضه هو الصحيح؛ فإذا قلت عن ورقة إنها بيضاء، فما الذي كان يمنع عند العقل أن تكون لونا آخر لولا التجربة التي دلتني على لون معين دون سواه.