خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الفلسفة والعلوم الطبيعية

ماهي الفلسفة الملهمة التي يمكن أن نحيا بها اليوم ؟ وكيف يمكن للعلوم الطبيعية أن تلهمنا وتعلمنا ؟

من مفهوم الـ “أنا” عند جوديث بتلر

judith-butler-foto-540x304

جوديث بتلر (مواليد 1956)، هي فيلسوفة أمريكية، لها إسهامات في مجالات الفلسفة النسوية، الفلسفة السياسية، والأخلاق. وهي أستاذ في قسم الأدب المقارن والبلاغة في جامعة كاليفورنيا – بركلي. حصلت بتلر على دكتوراة الفلسفة من جامعة يال عام 1984، وكان لها إسهامات في تأثيرات ما بعد البنوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية “المصطلحات الافتراضية” للنسوية. في كتابها الشهير (الذات تصف نفسها) تقول:

أحاول أن أبدأ قصة عن نفسي، أبدأها من مكان ما وأحدد الزمن في محاولة للشروع في متتالية أقدم بها روابط سببية  أو بنية سردية في الأقل. أسرد، وأقيد نفسي في أثناء السرد، أصف نفسي، أقدم وصفي إلى آخر على شكل قصة يمكن لها أن تلخص كيف ولماذا أنا ما أنا عليه أيضًا.
لكن جهدي في تلخيص الذات يخفق، وهو يخفق بالضرورة، لأن ال”أنا” التي أقدمها منذ السطر الأول بوصفها صوتًا سرديًا تعجز عن تقديم وصف للكيفية التي أصبحت بها “ أنا “ يمكن أن تروي نفسها أو تروي هذه القصة على وجه خاص. وبينما أنا أصنع تتابعًا وأربط حدثًا بآخر، مقدمة حوافز تنير المسار، مستجلبة النماذج المتواترة، مؤشرة إلى بعض الأحداث أو لحظات الإدراك بوصفها ذات أهمية محورية ، بل ومحددة نماذج متكررة معينة أعدها أساسية، لا أعمل بذلك على توصيل شيء عن الماضي، بالرغم من أن ذلك جزء مما أفعل دون شك.أنا أعيد تمثيل الذات التي أحاول وصفها؛ هناك إعادة تكوّن لل “ أنا “ السردية في كل لحظة يستحضرها السرد نفسه. أي أنني، بكلمات أخرى، أستخدم تلك ال “أنا “ – أتوسع في تقديمها وأقيم علاقة بينها وبين جمهور واقعي أو متخيل – استخدامًا يختلف عن رواية قصة عنها، بالرغم من أن الرواية تبقى جزدًا مما أفعل. أيّ أجزاء “ الرواية” يقوم بمهمة التأثير على الآخر وإنتاج ال “ أنا من جديد؟.

ثم تكمل حديثها قائلة:

كما أن فعلاً تمثيليًا وخطابيًا تؤديه هذه الـ”أنا“، فإن هنالك حدًا لما تستطيع الـ”أنا” المباشرة بسرده. هذه الـ”أنا” مقولة وملفوظ بها، وبالرغم مما يبدو من أنها تمثل الأرضية الثابتة للسرد، فهي أشد اللحظات بعدًا عن الأرض الثابتة في السرد. أما القصة التي لا تستطيع الـ”أنا” روايتها فهي قصة نشوئها بوصفها أنا لا تتكلم حسب بل تتقدم بوصف لذاتها. بهذا المعنى يتواصل سرد القصة، لكن الـ”أنا” التي تروي القصة والتي يمكن أن تظهر فيها بوصفها الراوي بضمير المتكلم، تمثل نقطة عتمة تقطع التتابع، وتتسبب في انقطاع أو انفجار في وسط القصة لما يتعذر على السرد استيعابه. لذلك فقصة ذاتي التي أرويها، القصة التي تقدم الـ”أنا” التي هي أنا على الواجهة، وتدرجها في تتابع مناسب لشيء يسمى حياتي، تخفق في تقديم وصف لنفسي في لحظة تقديمي لها. في الواقع ماهو موجود يقدمني بوصفي شخصًا لا وجود أو إمكانية لتقديم وصف له. أنا أقدم وصفًا لذاتي، ولكني أحار في الوصف عندما يتعلق الأمر بتشكل الـ”أنا” المتكلمة القادرة على سرد نفسها. كلما زاد ما أرويه تعزز الدليل على تضاؤل قدرتي على الوصف. إن الـ”أنا” تدمر قصتها الخاصة، على الضد من كل نواياها.

لا تستطيع الـ”أنا” أن تقدم وصفًا نهائيًا وكافيًا لذاتها لأنها لا تستطيع أن تعود إلى مشهد المخاطبة الذي أطلقها، وهي لا تستطيع أن تروي كل الأبعاد البلاغية لبنية المخاطبة الذي يحدث الوصف نفسه في نطاقها. لا يمكن أن ترد هذه الأبعاد البلاغية لمشهد المخاطبة إلى سرد. وهو أمر يتضح في سياق التحويل، أو بالأحرى في نموذج التواصل الذي يوفره التحويل، فهنا يكون المرء متلقيًا للكلام بين حين وآخر، كما أنه يتكلم، وهو مايتم على شكل مخاطبة مباشرة أو غير مباشرة على الدوام.

فريدريك لونوار، في فلسفة عدم التعلق

 

فريدريك لونوار

فريدريك لونوار (مواليد 1962)، فيلسوف وكاتب وعالم اجتماع فرنسي له، العديد من الكتب والراويات.

في مؤلفه الرائع (فن الحياة) يتطرق إلى فلسفة عدم التعلق بالأشياء، كطريقة لنيل حياة مثالية وسعيدة. ففي مقالة حملت عنوان “التعلق وعدم التعلق” يشرح بأسلوب بسيط كيف يكون ذلك، فيقول:

إن عدم التعلق بالأشياء هو إحدى الوسائل الأساسية لعيش “حياة سعيد“. فنحن يهمنا أن يكون لكل منا بيت نملكه، وأن نأكل كل يوم عند شعورنا بالجوع. أما في ما يختص بالأمور الأخرى، فإن السعادة والشقاء يتوقفان أساساً على عوامل أخرى هي: الحب، الحرية، الصحة، ضبط الذات. لذا يتوجب علينا أن نستقبل الحياة كما تعرض علينا وبما تنطوي من يسر وعسر.

فنرضى بفتراتها السعيدة التي ننعم أثناءها أحياناً بمتع نحن بغنى عنها. وبفتراتها الأصعب كذلك التي نقدرها من أجل التنعم بمتع أشد عمقاً. يتراءى لي أن الفلسفة البوذية التي تعتبر كل شيء خاضعاً للتحول والتغير والحركة الدائمة هي عين الصواب . إنها تؤسس لفلسفة “عدم التعلق“: علينا ألا نتعلق بما هو غير ثابت.

إذ بإمكاننا أن نتمتع يوماً بصحة جيدة، وفي اليوم التالي بصحة سيئة، أن نكون أغنياء يوماً، وفقراء في الغد، ولا أحد يسعه أن يضمن ثبات مراتب الشرف والثروة. ثم إن فلسفة عدم التعلق البوذية نجدها في فلسفات العصور القديمة الرئيسة، كما رأينا ذلك في الفصول السابقة التي ذكرت فيها الأبيقوريين والرواقيين، ونجدها كذلك في تعاليم جميع الأديان الكبرى التي لا تشجب المادة أو الملذات الحسية، بل تشجب التعلق بالماديات والمال.

يتحدث بعد ذلك عن المسافة بين التعلق والازدراء، فيقول:

إن عدم التعلق فلسفة لا تحض على التقشف ولا تستوجب ازدراء الماديات، بل تكتفي ببساطة برفض التعلق بها. فمن الطبيعي أن يشعر المرء بالمتعة إن توافرت له حياة مادية رخية، وكان له بيت، وكمبيوتر وسيارة يعملان على أفضل وجه، وإن أتيح له السفر في أوقات لفراغ. المهم هو البقاء في حال من اليقظة وعدم الاستسلام لمغريات التعلق بكل هذه الأمور التي تحت تصرفنا، والتي ينبغي، إذا ما خسرناها، ألا توقعنا في الحزن والأسى، ولا تهز نفوسنا. فنحن لسنا عبيداً لها .. لكننا ملزمون مع ذلك باحترامها، إذ ليس من العدل في شيء، أن نترك منازلنا تتداعى، ونملك بستاناً ولا نعنى باستصلاح أرضه. فاحتقار الماديات، وهو عمل يرثى له، مرتبط في الغالب باحتقار الجسد. هذا ولا يعني عدم التعلق بالأمور الفانية كراهية الجسد أو ازدراءه وازدراء ما يمت بصله إلى المادة، كما هي الحال أحياناً في بعض التيارات الدينية التقشفية. وحب المرء لجسده، على ما قلت آنفاً، والعناية به بشكل صحيح يعتبر من صميم الحياة الروحية ويسهم في ازدهارها. كذلك حب البيئة التي نعيش فيها وتخصيص قليل من الوقت بغية تحسينها وتجميلها يشكل إجراء مماثلاً، لذلك، أكرر، أن نحافظ على المسافة الضرورية كي لا نصبح عبيد أجسادنا وأهوائنا ومساكننا.

لكن الكاتب لا يوافق فلسفة عدم التعلق بالماديات البوذية في امتدادها إلى الأشخاص، فيقول:

فـ(بوذا) يوصي في الواقع بعدم التعلق بالنسبة إلى جميع الكائنات الحية، بمن فيهم الذين هم أقرب إلينا؛ كوالدينا، وزوجاتنا وأبنائنا. هؤلاء أيضاً، يقول (بوذا)، خاضعون، على غرار الكون بأكمله، لقانون عدم الثبات: إنهم سيرحلون ذات يوم، وسينفصلون عنا، ونحن سنتألم من جراء ذاك.

ثم يعقّب (فريدريك لونوار) على رأي (بوذا)، فيقول:

(بوذا) على حق تماماً؛ إذا شئنا تجنب كل أنواع الألم يجدر بنا ألا نتعلق أبداً بأي إنسان كان. ولكن ماذا يحل آنذاك بتجربة الحب، والصداقة اللذين يعتبران شرطاً لاكتمالنا؟ إن انعدام الحب، عطاًء ونيلاً، يجفف النفس. والحال أني لا أعتقد بأن في إمكاننا أن نحب من دون تعلق. ليتنا نستطيع أن نحب ونظل لا مبالين إذا مات الشخص الذي نحب.

بينما تحاول الفلسفة البوذية عدم التعلق بالأشخاص تجنباً لألم فقدانهم يرى الكاتب أن الألم جز طبيعي من الحياة:

فالحياة تقتضي وجع فقدان أشخاص محبوبين. وينبغي قبول ذلك. إن التمزق الناجم عن القطيعة أو الحداد هو الثمن الواجب دفعه للحب. إنه ثمن باهظ، ولكن يبدو لي من الضروري قبوله بوعي تام لنعيش الحياة بصورة كاملة.

جاك دريدا وفلسفته عن الكذب

دريدا

جاك دريدا (1930-2004)، فيلسوف فرنسي من مواليد الجزائر، صاحب نظرية التفكيك.

في محاضرة ألقاها (دريدا) في الجامعة الدولية للفلسفة بالعاصمة الفرنسية باريس، تحدث (دريدا) عن الكذب من منظور فلسفي. وقد تُرجمت هذه المحاضرة إلى العربية في كتاب حمل عنوان (تاريخ الكذب)، من ترجمة الأستاذ (رشيد بازي).

يقول (دريدا) في محاضرته:

فالكذب لا يعني على العموم الخطأ والغلط، فبإمكاننا أن نخطئ أو نغلط دون أن نكون قد كذبنا، وقد يحدث أن نمدّ الآخرين بمعلومات خاطئة، دون أن يعني ذلك أننا قد كذبنا عليهم. فعندما ننطق بأقوال خاطئة أو مغلوطة ونحن نعتقد أنها صحيحة، ونوصلها إلى الآخرين دون أن نقصد خداعهم، فنحن لا نكذب. فلا يكفي أن نصرح بأقول أو نعبر عن أفكار وآراء خاطئة نعتقد على الأقل، في قرارة أنفسنا أنها صحيحة لنكون كاذبين.

ومن ثمة يجب علينا التطرق إلى مسألة النية أو النية الحسنة، والتي سبق لـ(القديس أغسطين) أن أشار إليها في افتتاحيته لرسالته المعنونة بـ(في الكذب). فهو يقترح التمييز بين الاعتقاد والاقتناع، وهذا التمييز يكتسب بالنسبة لنا اليوم وبصفة متجددة أهمية قصوى. الكذب على الآخرين يتضمن الرغبة في خداعهم، وذلك حتى إذا كانت أقوالنا حقة. والحال أنه بإمكاننا أن ننطق بأقوال خاطئة، دون أن نكون كاذبين، وأن نقول أقوالًا  حقّة الهدف منها خداع الآخرين ونكون آنذاك كاذبين.

وعندما نعتقد أن ما نقول صحيح ونؤمن به، فلا يمكن أن نكون كاذبين، حتى في حالة كون أقوالنا خاطئة. فعندما يؤكد (القديس أغسطين) بأنه “إذا قال أحد قولًا  يعتقد أنه صحيح، أو هو على اقتناع بأنه حق، فهو لا يكذب حتى في حال ثبوت خطأ ذلك القول”.

ثم يقول في موضع آخر:

ففعل الكذب يعني أننا نتوجه بالكلام إلى الآخرين، لكي نسمعه قولًا  أو مجموعة من الأقوال الإنجازية Performatifs أو أقوال المعاينة Constatits، نعرف وفق وعي بيّن وهادف وحالي بأنها ادعاءات خاطئة جزئيًا أو ربما كليًا. هذه المعرفة وهذا العلم وهذا الوعي ضروريين لفعل الكذب. وحضور هذه المعرفة لا يتعلّق فقط بمحتوى ما يُقال، بل كذلك بمحتوى ما نحن ملتزمين به تجاه الآخرين، بحيث أن فعل الكذب يبدو للكاذب كليًا على أنه خيانة وأذى وتقصير في رد دين أو قيام بواجب. 

[…] هذه الأفعال المقصودة يُقام بها دائمًا اتجاه الآخرين قصد أولا وقبل كل شيء خداعهم، أو إلحاق الأذى بهم، أو تضليلهم، وذلك بمجرد دفعهم إلى اعتقاد أشياء يعرف الكاذب أنها خاطئة.

ثم يستشهد مرة أخرى بمقولة أخرى لـ(القديس أغسطين):

نحن لا نكذب عندما نزعم أشياء خاطئة نعتقد أنها صحيحة […] ونكون كاذبين عندما نزعم أشياء صحيحة، نعتقد أنها خاطئة. وذلك لأنه لا يمكن الحكم على مدى مطابقة الأفعال للأخلاق إلا من خلال المقاصد.

فالكذب هو نوع من الخداع، وخيانة لاتفاق ضمني بين المتحدث والمستمع على قول الحقيقة. يقول (دريدا) في هذا:

الكذب يتخذ طابعًا انحيازيًا، وذلك لأنه يتضمن في الوقت نفسه وعدًا بقول الحقيقة وخيانة لذلك الوعد، ويرمي إلى خلق الحدث والدفع إلى الاعتقاد، في حين أنه لا يوجد أي شيء قابل للمعاينة، أو على الأقل بإمكان المعاينة احتواءه بصفة شاملة، إلا أن هذه الإنجازية تقتضي في الوقت نفسه الإحالة على القيم كالواقع والحقيقة والخطأ، وإن كان يفترض أنها لا تخضع لأي قرار إنجازي.

كما أن شرطًا آخر للكذب، هو الدراية بالتضليل، أي النطق بخلاف الواقع، أو ما يُعتقد بأنه واقع. يقول (دريدا) في موضع آخر من محاضرته:

من البديهي أن الكاذب يعرف الحقيقة، وإن كان لا يعرف كل الحقيقة فهو على الأقل يعرف حقيقة ما يفكر فيه، ويعرف ما يعزم على قوله، ويعرف كذلك الفرق الموجود بين ما يفكر فيه وما يقوله، أي أنه يعرف بأنه يكذب.

ريبيكا غولدشتاين وأهمية الفلسفة لعالمنا المعاصر

rng640

ريبيكا غولدشتاين، من مواليد عام 1950. روائية وفيلسوفة وأستاذة جامعية، عُرفت بأعمالا الروائية التي تثير موضوعات فلسفية قديمة أو معاصرة.

في كتاب (فيزياء الرواية) قامت الأستاذة (لطفية الدليمي) باختيار بعض من اللقاءات الصحفية، وترجمتها إلى اللغة العربية. وفي أحد هذه اللقاءات سُئلت (ريبيكا): “هل يمكنك أن تخبرينا قليلًا  لماذا ترين أن الفلسفة يمكن أن تكون ذات فائدة في عالمنا المعاصر؟” فأجابت:

لكي نقدّر أهمية الفلسفة دعونا ندقق في الحقائق التالية: نشأت الفلسفة في العالم الإغريقي القديم في الفترة ما بين 800 إلى 200 قبل الميلاد، بالتزامن مع نشوء التقاليد الروحية والدينية التي تواصلت حتى يومنا هذا؛ الكونفوشيوسية، الطاوية، البوذية، الزرادشتية، الأديان الإبراهيمية،،، ومن الواضح أن الأسئلة الوجودية المعروفة قد واجهت الجميع ولكنها لقيت اهتمامًا واضحًا واستثنائيًا في تلك البقاع الجغرافية التي حققت درجة معقولة من التنظيم السياسي والرسوخ الإداري والاقتصادي، كما يخبرنا الأنثروبولوجي (ديفيد كرايبر). وهذا يعني أن تلك الحضارات قد تجاوزت معضلات البقاء البيولوجي البدائي، ومتى ما تضاءلت معضلات البقاء الضاغطة في الاستحواذ على اهتمام العقل البشري، تنبثق الأسئلة الخاصة بمنح وجودنا البشري سببًا ذا معنى، ولم تكن الفلسفة اليونانية تقارب مسائل الوجود الإنساني بوساطة دينية أو روحانية، بل بوسائل عقلانية وعلمانية وبشرية بالكامل، ولم تكن تلك الوسائل تنجذب إلى طغيان دوغما العامة أو الرؤية الدينية أو السلطات السياسية، ومن المثير أن تلك المسائل العقلانية هي وحدها التي حققت تقدمًا ترتب عليه كل التطور الذي نشهده اليوم. إن مجتمعنا اليوم -وبخاصة الرأسمالية منها- قد وقعت في فخ النزعة الاستهلاكية المتفشية وفي قبضة الميديا الإعلامية في محاولة لمنح الناس معنىً لحياتهم، وقد ساهمت هاتان الوسيلتان في طغيان مظاهر التمركز حول الذات، وتراجعت الموضوعات ذات الأهمية المجتمعية -مثل العدالة الاجتماعية- كثيرًا إلى الوراء؛ إن أفراد مجتمعنا اليوم قد نكصوا كثتيرًا إلى حالة من تضخيم الذات وتمجيدها تمامًا مثلما فعل الأثنيّون من قبل، وهذه الحالة هي تمامًا ما سعى (سقراط) إلى الوقوف بالضد منها عبر الفلسفة وأدواتها المعروفة، وهو ما تسبب في قتله نهاية المطاف.

الفكر التنويري في قضية النوع

دوريندا أوترام

يرى (كانط) التنوير أنه خلاص الإنسان من سذاجاته التي جلبها لنفسه، وذلك باستخدام عقله دون أن يشوهه التعصب ودون أن يوجهه الآخرون. فالتنوير حركة سياسية، اجتماعية، ثقافية وفلسفية. تقوم على إعمال العقل ونبذ الجهل والخرافة، نشأت في إنجلترا في القرن الثامن العشر بينما كان تطورها الحقيقي في فرنسا، كما أن الثورة الفرنسية استلهمت أفكار التنوير الذي لم يكن مقصوراً على أوروبا وحدها  بل امتدا إلى أمريكا.

(دوريندا أوترام)، تدرس التاريخ في جامعة كورك، وكانت أستاذة زائرة في جامعة هارفارد وقامت بتدريس مادة تاريخ العلوم، صدر لها كتاب (الجسم والثورة الفرنسية). وفي كتابها (التنوير)، من ترجمة د. (ماجد موريس إبراهيم)، تناولت الكاتبة في الفصل السادس “الفكر التنويري في قضية النوع” تستفتح حديثها بقتباس لـ(ماري وولستون كرافت): 

من ذا الذي جعل من الرجل الحكم الأوحد إذا كانت المرأة تشاركه في نعمة العقل؟

عند كل من الرجل والمرأة لا بد وأن تكون “الحقيقة” واحدة، هذا لو أنني أعرف الحكمة بمعناها الصحيح، إلا أنه في الشخصية الخيالية للمرأة والتي رسم صورتها الشعراء والروائيون بطلاوة بالغة كان من المتطلب تنحية الحقيقة والصدق وهكذا أصبحت الفضيلة فكرة نسبية لا تقوم إلا على ما تجلبه من فائدة، وبناء على هذا المنطلق يتظاهر الرجال بارتجالية أنهم يطلقون أحكامهم وأنهم يشكلونها كي تتفق مع ما يؤدي إلى راحتهم. الرجل يكون رجلاً في بعض اللحظات فقط أما المرأة فهي المرأة على مدى سني عمرها .. كل شيء وبصفة مستمرة يستدعي أنوثتها إليها .. المرأة الكاملة والرجل الكامل لم يعد عليهما أن يشابه أحدهما الآخر من ناحية العقل بأي قدر أكثر مما يفرضه التشابه الشكلي بينهما.

كرس التنوير جهداً عظيماً من أجل تعريف “النوع” – الذكر والأنثى. وكان هذا الجهد عظيماً فعلاً حتى إن بعض المؤرخين ما لبثوا أن رأوا أن هذه الفترة كانت مصباً لمحاولات الثقافة الأوروبية لتعرف على الاختلاف بين الجنسين.

بذل جهد كبير في التنوير من أجل تعريف الأنوثة. الصور الشائعة للمرأة في سالف الزمان والتي صورتها سليطة اللسان، بغي، أو مسترجلة .. أخذت تتوارى وقد حلت محل هذه الصور محاولات متعددة طبية وعلمية لتعريف الفروق الاجتماعية والثقافية بين الرجل والمرأة باعتبارها فروقاً طبيعية ومن ثم تصبح هذه الفروق صحيحة وحتمية. دار جدل كثير حول التكوين الجسماني للأنثى وحول أهمية دور المرأة كأم. وفي هذه المناقشات شارك كل من العلم والطب بنصيب بالغ الأهمية .

بدا  باضطراد وكأن الكتابات الطبية تعني أن الأنثى كانت حقيقة نوعاً منفصلاً من الجنس البشري مخصصاً للوظائف التناسلية وللممارسة الجنسية التي كانت في الغالب مكبوته أو موضع إنكار. وعلى النقيض من هذا كانت النساء تضطلعن بمهمة الحرص على الأخلاق والدين في الحياة الأسرية. كانت هذه الصورة للمرأة تتضمن عناصر كثيرة لا تتفق مع بعضها لبعض. إنها الصورة التي تنكر على المرأة حقها الكامل كفرد، وفي الوقت نفسه الذي كان الرجال يتمادون فيه في تعريف أنفسهم كأفراد مستقلين يلعبون دورهم على الصعيد القانوني والاقتصادي. 

ومن الكتب التي كان لها دور في نقاش قضية النوع في فكر التنوير . كان كتاب (وولستون كرافت) مهماً ليس فقط بسبب وضعيته الكلاسيكية التي اكتسبها في فكر المرأة المعاصر ولكن أيضاً بسبب أنه كان واحداً من الكتب الأولى التي واجهت مباشرة تلك التناقضات المتضمنة في فكر التنوير عن  النوع وأبرزت مشاكلها “المرأة” فيما يختص ببناء فكر التنوير. أوضحت (وولستون كرافت) أن الأفكار عن الأنوثة، مدعمة من قبل كتاب من أمثال (روسو) والتي صورت المرأة بحال أدنى من الرجال ومختلف عنه، ولم تفعل أكثر مما سبق وأن أشار إليه (فولتير) من حيث إنها كررت في الحياة العائلية النظام السياسي نفسه، الذي تأسس على الأفضلية والقوة الافتراضية التي تمتعت بها السلالات الحاكمة والطبقة الارستقراطية مقارنة بالأفراد العاديين، أو ما تمتع به ملاك الرقيق من سلطان على عبيدهم، وهوما كان الكتاب أنفسهم على أتم استعداد لمهاجمته في مواقف أخرى. وضعت (وولستون كرافت) يدها أيضاً على تناقضات أكثر خطورة في فكر التنوير حال تناوله لموضوع “النوع“. أوضحت أن التنوير قام على مثاليات مثل العقل والفضيلة والتي كان من المفترض أنها فطرية أو يمكن التماسها بواسطة كل البشر. إلا أن العقل كان هو بالتحديد ما أنكر على المرأة من قبل كتاب (روسو) ومن قبل كتاب الطبيعيين حيث تم التعريف “الفضيلة” عند المرأة من منطلق جنسي بحت. ومع هذا وكما توضح (وولستون كرافت) فإن هذه الأساليب تؤدي فقط إلى إلى نسبية أخلاقية خطيرة من شأنها أيضاً أن تعوق تقدم التنوير بسبب أنها أضفت على الأخلاق صفة جنسية. وإذا عرفنا الفضيلة تعريفاً خاصاً بالرجل وآخر يختص بالمرأة فإن أي محاولة لربط التنوير بالدين يمكن أيضاً أن تتداعى حتى إنها تقول .. لو أن النساء كن بالطبيعة أدنى من الرجل فإن الفضائل يجب أن تكون متماثلة في الكيفية لو لم تكن متماثلة من حيث الكم .. أم هل يمكن اعتبار الفضيلة فكرة نسبية، لا بد وأن يكون للفضيلة مقياس أبدي واحد .. إنه لمن المضحك أن نشيد بفضيلة أي امرئ لا تنتج فضيلته من أعمال عقله هو.

أن نقول إن الفضيلة عند بعض الكائنات البشرية “المرأة” غير مؤسسة على العقل وإنها معرفة تعريفاً يختلف عما تمارسه كائنات بشرية أخرى “الرجل” يعني أنك تضفي على الفضيلة خصائص تعني أنها لا يمكن أن تنبع من عند الله. حيث إن الله واحد أبدي عاقل.

تقول (وولستون كرافت) إنه لو كانت المرأة في الحقيقة غير عاقلة لكان من المفضل كثيراً أن نبتعد عن التظاهر وأن نستبعدها كلية من الحياة الاجتماعية بالطريقة نفسها التي نستبعد بها الحيوانات، ولو أن النساء كن عاقلا فعلاً فلا بد حينئذ ان يشاركن في الحياة نفسها الأخلاقية والمعرفية التي يعيشها الرجال:

إن خطابي ليس إلا من أجل هذا المبدأ البسيط “النضال من أجل المرأة” لو أن المرأة كانت غير مؤهلة تعليمياً كي تكون شريكاً للرجل فسوف يتوقف النمو العقلي في المعرفة والفضيلة لأن الحقيقة يجب أن تكون واحدة عند الجميع, وإلا فستصبح المرأة عديمة الفاعلية في تأثيرها على الحياة العامة.

اهتمام الفكر التنويري بالتعريفات الطبية والعلمية النوع:

في الآونة الأخيرة قال المؤرخون من أمثال (توماس لاكويير) إنه فيما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر بدأ تعريف كل من الرجل والمرأة يعاد صياغته بطريقة شديدة التأثر بالتعريف الطبي لطبيعة التكوين الجسمي. وقد هيأت المكانة الثقافية المميزة للعلم والطب أن تحل حقائق “علم الحياة” كي تحل محل التعريفات السابقة التي اعتمدت على التسلسلات الهرمية المقننة إلهياً أو على العادات الطاعنة في القدم كقواعد لخلق أو لتوزيع القوى في العلاقات بين الرجال والنساء.

بحلول العقد الأخير من القرن الثامن عشر كان الكتاب من أمثال (هوكننر) يكررون فقط أفكار شديدة الشبه استعملها الكتاب المؤثرون من أمثال (جان جاك روسو) في وقت مبكر من القرن. واصفاُ (صوفيا) بالمرأة المثالية التي أبدعها في عمله التعليمي إميل [1762]. يتحدث (روسو) عن الطريقة التي يختلف بها بناء الجسماني لصوفيا وبطريقة حاسمة عن جسم إميل رفيقها المنتظر، ويمضي مؤكداً أولاً خضوعها له وثانياً تكريسها باتجاه الأمومة والبيتية.

وعن التفكير في قضية النوع في القرن العشرين ترى (أوترام) أنه:

أصبح معظم الناس يعتقدون أن الاختلافات بين الذكر والأنثى ترجع بدرجة كبرى إلى الاختلاف في التدريب والتعليم وتوقعات المجتمع أكثر من كونها ذات جذور في الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة، على العكس من هذا نجد أنه في التنوير كانت الاختلافات البيولوجية و الأدوار التي تمليها البيئة على كل نوع على حدة تعتبر شيئاً واحداً. عند معظم مفكري القرن الثامن عشر أدت الاختلافات البيولوجية مباشرة إلى تحديد الدور الاجتماعي المطلوب من كل جنس على حدة، مثال ذلك التشديد على القدرة المميزة للمرأة كي تلعب دور الزوجة والأم. اختلاف أساسي آخر مع أسلوبنا في التفكير هو التعميم المعلن لدور النوع بينما في وقتنا هذا فإنه من المقرر غالباً أن كل شخص يتفرد في خليط ما به من الخصائص “الذكرية” و”الأنثوية“.