خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الفنون

المسرح والموسيقى والأفلام والرسم والأدب والشعر

عن علاقة الجنون بالفن، يكتب محمد صادق دياب

محمد صادق دياب (1943-2011) أديب وكاتب سعودي ولد بمدينة جدة، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي فيه، ثم حصل على بكالوريوس التربية وعلم النفس من كلية التربية في جامعة أم القرى عام 1390 هـ، بعدها تحصل دياب على الماجستير في علم النفس التربوي من جامعة ويسكنسن الأمريكية عام 1976 وحصل على شهادة الدكتوراة عام 2009 في علم الاجتماع لكنه لم يود ان يلقب بالدكتور .

في كتابه (عباقرة الفن والأدب، جنونهم وفنونهم)، كتب (محمد صادق دياب) فصلًا عن علاقة الجنون بالفن، فيقول استفتاحًا:

إذا لم يكن الشعر أقدم الفنون في الجزيرة العربية فإنه بالتأكيد أبرزها وبالتالي فإن شخصية الشاعر تبدو وكأنها النموذج الأول للشخصيات الفنية التي احتك بما المجتمع العربي في جاهليته فاستثارت غرابتها لديه كوامن الخيال بحثًا عن تفسير ممكن أو مستحيل يبرر حالة الخروج عن الاعتيادية في شخصية الشاعر أو الفنان.

[…] وحالة الدهشة هذه التي سببتها الشخصية الفنية من خلال غموضها وتميزها لم تقتصر على المجتمع العربي وحده فلقد ظهر في أوروبا في فترات متأخرة من يتشكك حتى في سلامة الفنان العقلية يدعم ذلك آراء مجموعة من علماء التحليل النفسي ترى أن الإبداع الفني عبارة عن ظاهرة بيولوجية نفسية ويفترض النظر إليه على أنه تعويض تصعيدي عن رغبات غريزية أساسية ظلت بلا ارتواء بسبب عوائق في العالم الداخلي أو الخارجي وأن الإبداع الفني لا يصفى دائمًا الصرعات في أكثر الأحيان معرضًا لضروب الإخفاق والعصاب غير أن الإبداع الفني يحرره بمقدار ما يبدع.

يذكر بعد ذلك (محمد دياب) السبب وراء هذه الآراء، فيقول:

ولعل مما أسهم في قبول مثل هذه الآراء ما لوحظ ويلاحظ على سلوكيات مجموعة من عباقرة الفن والأدب مثال (فان كوخ) و(هنريك أبسن) و(ديكينز) و(زولا) و(بلزاك) و(روسو) وغيرهم. 

فلو تأملنا حياة ذلك الرسام العبقري (فان كوخ) لاعترتنا الدهشة ونحن نقرأ كيف قطع أذنه نادما على شجار مع صديق وكيف وضعها بعد ذلك داخل مناديل ليقدمها إلى حبيبته كبرهان على صدق حبه لأنها قد طلبت أذنه ذات مرة وهي تداعبه.

ونمضي في متابعة سيرة هذا العبقري وهو يقضي جزءًا من عمره في المصحات العقلية قبل أن تصل مأساويته إلى ذروتها بإطلاق النار على نفسه ليسدل الستار على حياة حافلة بالفنون والجنون وبالعطاء والشقاء.

[…] وسوف نتاجوز ما يقال عن الروائي (بلزاك) ووقوعه تحت تأثير فكرة التشاؤم والتفاؤل بصورة متطرفة كما سنتجاوز وقوع الفيلسوف والكاتب (جان جاك روسو) تحت هيمنة نزعة الشك في كل من حوله […] ولكننا سنتأمل مجموعة المنتحرين من عباقرة الفن والأدب ونحن نضع في اعتبارنا أن لحظة الانتحار غالبًا ما تنبت في ذرى الجنون فتهزنا وجوه وأسماء كبيرة أمثال الروائي الياباني (ياسوناري كاواباتا) الذي انتحر بطريقة “الهاراكيري” الشهيرة وكذلك (همنجواي) الذي أنهى حياته بطلقة من مسدسه ولن نستطيع تجاوز الحديث في هذا المجال قبل أن تستوقفنا أسماء وشخصيات أخرى كشخصية الرسام المصري الشهير (صلاح جاهين) الذين أنهى حياته بجرعة كبيرة من المهدئات وهو نفس الأسلوب الذي اتبعه القاص الأمريكي (جاك لندن) لإسدال الستار.

كل هذه السلوكيات تضافرت مع آراء علماء التحليل النفسي رافعة أصابع الاتهام بمرض الفنان.

ينتقل بعد ذلك (محمد دياب) إلى المدافعين عن الفنان، فيقول:

هناك مستويان من الدفاع حظي بهما الفنان في هذه القضية .. فالبعض لم يكنر عصابية الفنان ولكن حاول أن يكسب هذا العصاب شيئًا من الإيجابية بينما أنكر البعض هذا الاتهام في مجمله.

يستعرض بعد ذلك عددًا من المدافعين عن الفنان. فيكتب (دياب):

يقول (ترلنج): “إنه ليس من شك في أن ما نسميه مرضًا عقليًا يمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة الروحية. فبعض العصابين من الناس قادرين على أن يروا أجزاء معينة من الواقع وأن يروها في قوة أكثر مما يستطيع غيرهم ذلك، إنهم أكثر قدرة على الفهم من الناس العاديين وكثير من مرضى العصاب أو العقل يكونون في أحوال بعينها أقرب صلة بواقع اللاشعور من الناس السويين .. وأكثر من هذا فالمحتمل أن يكون التعبير عن المعنى العصابي أو العقل المرضي للواقع أكثر كثافة وحدة من التعبير العادي”.

[…] كما يحاول الدكتور (سامي الدوروبي) في كتابه القيم (علم النفس والأدب) أن يفرد فصلًا خاصًا بعنوان “التحليل النفسي للأديب” حاول فيه مناقشة بعض آراء علماء التحليل النفسي مؤكدًا أنه ليس من المحتم أن مظاهر العصاب التي نلاحظها على الفنان هي التي تدفع إلى الإبداع الفني ويتساءل أي هذين الأمرين نتيجة وأيهما سبب؟ أيهما علة وأيهما معلول؟ هل أصبح فنانًا لأنه عصابي أم أنه أصبح يتصف بكثير من صفات العصابين لأنه فنان ويستعرض رأي (يونج) الذي يميل إلى الأخذ بالتفسير الثاني والذي يشير إلى أن القوة الإبداعية تمتص شتى الحوافز البشرية.

يختتم (دياب) الفصل، قائلًا:

والخلاصة التي نستخرجها من هذه المناقشة هي أن شخصية الفنان “العبقري” بجنونه وفنونه لا تزال لغزًا يستعصي بل ويتمرد على تفسيرات العلم وعبثًا تسعى السيكولوجية إلى التأطير الإبداع وكشف جوهر العبقرية المبدعة رغم محاولتها إرجاع ذلك إلى ارتفاع نسبة الذكاء كما جاء في دراسة (كوكس) Cox إلى القدرة الخاصة كما وردت في دراسة (سوبر) Super أو الوظائف النفسية كما يشير (جليفورد).

جورج أورويل في قراءات جلال أمين

جلال الدين أحمد أمين (1935-2018) عالم اقتصاد وأكاديمي وكاتب مصري، تعد سلسلة “ماذا حدث للمصريين” من أشهر كتبه وأكثرها انتشارًا. في الكتاب الأول من هذه السلسلة، تناول فيه إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع المصري بالخصوص، والمجتمع البشري ككل.

يُعد كتاب (تجديد جورج أورويل) من أواخر كتب المفكر العربي (جلال أمين)، وفيه تحدث بإعجاب شديد عن الكاتب البريطاني. فيبتدئ المقالة بقوله:

معظم الكتب يطويها النسيان بعد فترة طويلة أو قصيرة، وقليل جدًا من الكتب ما يظل عالقًا بالأذهان، رغم مرور الزمن، تُطبع ثم يُعاد طبعها، وتظل نسخ منها على رفوف المكتبات لأن أصحاب المكتبات واثقون من أن هناك من سيأتي لطلبها، ولا تتوقف الإشارة إليها في الكتب والمجلات والصحف، دون الحاجة إلى التعريف بها، إذ يفترض أن القراء يعرفونها ولديهم فكرة ما عن مضمونها.

من هذا النوع الأخير من الكتب، بلا شك، رواية (١٩٨٤) للكاتب الإنجليزي (جورج أورويل)، التي مر على صدور أول طبعة منها ثلثا قرن، ولا تزال تُعاد طباعتها المرة بعد المرة، وبمختلف لغات العالم.

ثم يذكر (جلال أمين) بأن (أورويل) قد كتب روايته المذكورة مسبقًا، في وقت قصير، نتيجة لإصابة الأخير بمرض السل حينها، في حين كان يعتبر الانتهاء من الرواية أمرًا بالغ الأهمية. ولهذا يقول (أورويل) عن روايته بأنها “فكرة جيدة ولكنني أفسدتها”. يعلّق (جلال أمين) قائلًا:

وأنا أعتقد أن (أورويل) في هذا الوصف كان يقسو على نفسه في الناحيتين، في زعمه بأنه “أفسدها”، وفي أنه لم يستخدم وصفًا أقوى من “جيدة”.

أما أنه “أفسدها” فأظن أن (أورويل) كان يقصد أنه، في مواضع كثيرة من الرواية، كان “مباشرًا” أكثر من اللازم. ففي تعبيره عن ديكتاتورية النظام، وما يمارسه من قهر كان الوصف، أحيانًا، صريحًا أكثر من اللازم، فيما يبدو لي. وفي وصفه للتعذيب في الفصول الأخيرة كان أيضًا قاسيًا على القارئ أكثر مما ينبغي. كان من الممكن، فيما أظن، أن يحقق غرضه من إثارة اشمئزاز القارئ وسخطه لى النظام الشمولي، دون أن يذهب إلى هذا الحد من الوضوح، إذ كثيرًا ما يكون التلميح في هذه الأمور أقوى أثرًا من التصريح. من الممكن أيضًا أن تُنتقد الرواية لتضمنها فصلين، فصلًا في منتصفها، وملحقًا في نهايتها، هما أقرب إلى التحليل العلمي أو النقد الاجتماعي منهما إلى الرواية.

يصف (جلال أمين) في موضع آخر، هدف (أورويل) من الكتابة، فيقول:

إن (أورويل) شخص ملتزم، وصاحب رسالة منذ كتاباته الأولى. إنه لا يكتب لتسلية القارئ أو لتسلية نفسه. بل ولا يكتب لمجرد الوصول إلى فهم أعمق للحياة أو الطبيعة الإنسانية. إنه يكتب بهدف “الإصلاح” دائمًا.

ويعزو (جلال) هذا السبب وراء تساهل (أورويل) أحيانًا “فيما يتعلق بالشروط المألوفة للرواية الجيدة، ويعطي أولوية لتوصيل رسالته إلى القارئ”. ولهذا السبب، نجد بأن (أورويل) هو كاتب كاره للكذب، كما يصفه (جلال):

ذلك أن للكذب أشكالًا وألوانًا. هناك طبعًا قول عكس الحقيقة، ولكن هناك أيضًا قول الحقيقة ناقصة نقصًا مهمًا، مما يوحي بعكس الحقيقة. وهناك الكلام الغامض أو الأسلوب المعقد في الكلام بغرض إخفاء الحقيقة. وهناك الكلام، ليس هو الموضوع الأجدر بالكلام فيه، لصرف النظر عن الحقيقة. والكذب ليس فقط في الكلام أو الكتابة، بل أيضًا في السلوك، فما أكثر التظاهر بعكس الحقيقة، أو بغرض إخفاء الحقيقة.

ولهذا السبب، برأي (جلال أمين)، نجد أن (أورويل) يفضل حياة الفقر على الترف، إذ أن الفقر أكثر صدقًا، وأضعف رغبة في التظاهر بغير الحقيقة. ومن هذا الدافع، انضم (أورويل) إلى طبقة الفقراء، “عاش عيشتهم، وجاع جوعهم، ودخل معهم السجن”. وكتب عنهم كتابًا شهيرًا بعنوان (حياة التشرد في باريس ولندن).

إن رجلًا لديه هذه الدرجة من كراهية الكذب، لا بد أن يكون لديه أيضًا ميل قوي للنفاذ إلى أعماق الأمور، ولا يكتفي بملاحظة ما يجري على السطح. فما يظهر على السطح قد يكون خادعًا، ولا بد من معرفة ما يجري وراءه. وأظن أن شيئًا كهذا، هو السبب في كراهية (أورويل) للقهر كانت تتجاوز القهر المادي، وترتكز أساسًا في القهر المعنوي أو الروحي. نعم، السجن فظيع إذا كان بغير حق، والتعذيب أفظع، ولكن الأفظع من هذا وذاك القهر الروحي، والإذلال.

وهذا ما نشهده في تفاصيل روايته (١٩٨٤).

مارثا غراهام: الاستياء المقدس من أن تكون فنانًا.

مارثا غراهام (1894 – 1991) هي راقصة ومصممة رقصات أمريكية ولدت في بيتسبرغ، بنسلفانيا وتعد من رواد الرقص الحديث، الذين يمكن مقارنة تأثيرهم على الرقص بتأثير  (إيجور سترافينسكي) على الموسيقى، أو تأثير (بيكاسو) على الفنون البصرية، أو تأثير (فرانك لويد رايت) على فن العمارة.

لا فنان يشعر بالرضا…فلا يوجد سوى ذلك الاستياء المقدس الغريب، ذلك القلق المبارك الذي يبقينا في مسيرتنا ويبث فينا المزيد من الحياة أكثر من غيرنا.

“استسلم لذلك الحزن المستمر على مدى الحياة الذي يأتي من ألا تكون مطلقًا راضيًا”، تقدم لنا الروائية الانجليزية (زادي سميث) تلك النصيحة من نصائحها العشرة للكتابة. ولكن كيف يمكن للمرء مصادقة هذا الاستياء الأبدي، وفي الوقت ذاته مواصلة تحرير ما تعبر عنه الكاتبة الأمريكية (جوليا كاميرون) بعبارتها المؤثرة: “الكهرباء الروحية” للتدفق الإبداعي؟

تقدم لنا هنا مديرة الرقص الأسطورية (مارثا غراهام) إجابة لهذا السؤال الدائم لحياة الابداع، وهي إجابة تتميز بالمعرفة الملحوظة والسمو الملحوظ في الوقت ذاته، وذلك في محادثة نجدها في سيرتها الذاتية لعام 1991 بعنوان مارثا: حياة مارثا غراهام وأعمالها للراقصة ومصممة الرقصات (أغنيس دو ميل).

في عام 1943 تم تعيين (دي ميل) لتصميم رقصات للمسرحية الغنائية أوكلاهوما! التي أحدثت ضجة بين عشية وضحاها وحققت رقمًا قياسيًا في عدد العروض بلغ 2212 عرضًا، وعندما شعرت (دي ميل) بأن النقاد والجمهور تجاهلوا طويلاً الأعمال التي وضعت فيها قلبها وروحها شعرت بالإحباط بسبب شعورها بأن العمل الذي كانت تعده “مجرد عمل متوسط الجودة” حقق نجاحًا منقطع النظير، وبعد العرض الأول بفترة قصيرة قابلت (غراهام) في مطعم شرافتس للصودا، وجرت بينهما محادثة أظهرت ذلك الألم الشديد الذي تشعر به وقدمت لدي ميل ما تعُده أعظم ما قيل لها على الإطلاق، وتروي لنا تلك المحادثة:

اعترفت بأني لدي رغبة عارمة لتحقيق التميز، ولكن لا إيمان لدي في قدرتي على ذلك.

فقالت لي (مارثا) حينها بهدوء شديد: “ثمة حيوية وقوة حياة وطاقة وإحياء يتم ترجمته من خلالك إلى فعل، ولأنك الوحيدة فقط من نوعك في كل عصر، فما تقومين به سيكون كذلك أيضاً. وإذا حجبته لن يخرج إلى الوجود مطلقًا عن طريق أي وسيط آخر، وسيضيع، وسيخسره العالم، وليست مهمتك تحديد مدى جودته، ولا مدى قيمته، ولا الشبه بينه وغيره من التعبيرات، فمهمتك هو أن يظل ملكك بوضوح، وعلى نحوٍ مباشر، وأن تظل تلك القناة مفتوحة، فلا يجب عليك حتى مجرد الإيمان بنفسك أو بعملك، فيجب أن تظلي متفتحة ومدركة للدوافع التي تحفزك، لا تغلقي تلك القناة، أما بالنسبة لك يا أغنيس فقد استخدمت حتى الآن مجرد الثلث تقريبًا من موهبتك.”

فقلت: “ولكن عندما أرى عملي أُسلم بتقييم الآخرين له، فلا أرى سوى عدم كفاءته، وعيوبه، وفظاظته، فلا أشعر بالسعادة ولا الرضا”.

فردت عليّ: “لا يوجد فنان سعيد”.

ولكن هل ثمة رضا؟ سألتها.

فصرخت بانفعال:

لا رضا على الإطلاق في أي وقت، لا فنان يشعر بالرضا…فلا يوجد سوى ذلك الاستياء المقدس الغريب، ذلك القلق المبارك الذي يبقينا في مسيرتنا ويبث فينا المزيد من الحياة أكثر من غيرنا.


[المصدر]

 

 

 

البروفيسور روبرت إيغليستون يشرح أنواع الرواية المعاصرة

البروفيسور روبرت إيغلستون (مواليد ١٩٦٨). أكاديمي وكاتب بريطاني، يعمل أستاذًا للأدب والفكر المعاصر في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة لندن.

في كتابها (الروايات التي أحب)، ترجمت الأستاذة (لطفية الدليمي) حوارًا معه، ورد فيه شرح لأنواع الرواية الحديثة، يقول فيه:

إنه لأمر غاية الصعوبة أن تحدد نوع الموضوعات التي تتمحور حولها الرواية المعاصرة، أو المواصفات الفنية التي تعتمده هذه الرواية؛ فهي مثل الحياة باتت تتناول أي شيء وكل شيء.

يكمل بعد ذلك بطريقة أكثر تفصيلًا فيقول:

منذ نشأت الرواية كشكل أدبي كانت على الدوام مسكونة بالنزعة الواقعية، وما الواقعية سوى سلسلة من القناعات أو الموضوعات التي حصل اتفاق بشأنها في كيفية تمثيل العالم، ويمكنك التفكير في هذه الموضوعة على السياق التالي: يمكنك تصور أن الرواية هي شيء شبيه بنافذة تطل منها على الناس الماكثين في الطرف الآخر، أو هي لوحة تستطيع النظر فيها فحسب. الواقعية ترمي لتأكيد حقيقة وجود أناس حقيقيين على الجانب الآخر منك، وعنما تقتنصنا شباك رواية مافإننا نقرأ عن شخصيات حقيقية عاشت في زمن (ديكنز) مثلًا.

لطالما كانت الروايات مغرمة بهذه النزعة الواقعية الصارمة ؛ ولكن في الوقت ذاته الذي شاعت فيه هذه الواقعية الصلبة كان ثمة تيار مضاد لها لم يفتأ يسائلها ويضعها على محك التمحيص والتقييم ؛ بل وحصل أن سخر منها في بعض الأحيان! ويمكن للمرء أن يفكر بهذا التيار المضاد للواقعية في سياق المفردات التي جاءت مع تطور الحركات الأدبية المعروفة. على سبيل المثال، في بواكير تأريخ الرواية، نشأت حركة قوطية Gothic مؤثرة، وكثيرًا ما نشهد في الروايات القوطية الكثير من الأشياء والحوادث التي يستحيل وقوعها في الواقع (مثل عمالقة وأشباح وقرود غريبة الشكل، إلى آخره)، ومن المهم ملاحظة أن مثل هذه العناصر الروائية الغريبة قد أدخلت في الرواية في بشكل متزامن مع شيوع الرواية الواقعية التي تحكي عن أشخاص عاديين يعيشون حيوات عادية في زمان ومكان عاديين أيضًا.

ينتقل بعد ذلك في حديثه إلى بواكير القرن العشرين، فيقول:

حلّت الحداثة مع بواكير القرن العشرين، ومن هنا راح كُتاب من أمثال (جيمس جويس) و(فيرجينيا وولف) يحاولون أن يكونوا أكثر واقعية من الواقعية السائدة في الرواية آنذاك ؛ فعلى سبيل المثال عندما نتحدث مع الناس يمكن لعقولنا أن تفكر بطريقة استرجاعية في الماضي أو بطريقة رغائبية في المستقبل، وربما نكون نفكر في ما عسانا سنتناول في الغذاء. حاول الكُتاب الحداثيون عكس هذه الحقيقة في رواياتهم التي بدت -نوعًا ما- عصيّة على الفهم وتحفل بالكثير من الأفكار الاستنبطانية الذاتية.

بعد الحداثة حلّت حقبة ما بعد الحداثة، وساءل فيها كتّاب من أمثال (سلمان رشدي) و(أنجيلا كارتر) النزعة الواقعية -مثلما فعل أسلافهم الحداثيون- ولكن هذه المرة باستخدام المعارضة الأدبية ؛ إعادة سرد الحكايات من زوايا نظر مختلفة مع الاحتفاظ بالمرجعية الذاتية في كل ما يحدث، وقد بدأت هذه النزعة الروائية ما بعد الحداثية تفقد طاقتها في تسعينات القرن العشرين.

يبقى السؤال هنا، عمّا إذا كان هناك حركة أدبية كبرى أعقبت ما بعد الحداثة، يجيب (إيغلستون) بالنفي. فيقول بأن هناك ثلاثة اتجاهات تحدد معالم الرواية الحديثة، لكن لا يمكن أن توصف بالحراك الأدبي:

الاتجاه الأول هو في استخدام الكتاب المعاصرين لبعض الحيل والملاعبات ما بعد الحداثية، غير أنهم يستخدمون هذه الملاعبات بطريقة أخف وطأة في المغامرات التجريبية التي أثقلت بها الروايات ما بعد الحداثية، وهذا النزوع المعاصر يسمى أحيانًا “ما بعد – بعد الحداثة”. رواية (سحابة أطلس) التي كتبها (ديفد ميتشيل)، هي مثال جيد لما أعنيه في هذا الشأن.

أما الاتجاه الثاني فهو العودة لتوظيف بعد التقنيات الحداثية، وثمة روائيون وروائيات مثل (آلي سميث) التي أنتجت بعضًا من أجمل وأعقد الروايات التي نلمح فيها أصوات (فيرجينيا وولف) و(جيمس جويس) بطريقة ذاتية واعية تمامًا.

وأما الاتجاه الثالث، الذي يتعدى نطاق الرواية ليشمل المسرح والسينما والتلفاز، فهو القصدية الواضحة في خلق أعمال تستجيب لمتطلبات الواقع التي باتت تدعى “الجوع إلى الواقع”، وفي الرواية تُرجم هذا الاتجاه بالميل الطاغي نحو كتابة روايات باتت أكثر واقعية بكثير جدًا من الروايات الحداثية وما بعد الحداثية.

الزمن عند تاركوفسكي

يُعد أندري تاركوفسكي (1932-1986) عند كثير من منظرين ونقاد السينما كأحد أهم وأعظم مخرجي الأفلام في القرن العشرين. بل يعتبره العديد بأنه الأعظم على الإطلاق، ومن هؤلاء مخرجين كبار من ذات الحقبة مثل المخرج السويدي الشهير (إنغمار بيرغمان). أخرج (تاركوفسكي) تسعة أفلام: فيلمان قصيران، وسبعة أفلام روائية من عام 1959 إلى عام 1986، كما أخرج مسرحية (هاملت) لـ(شكسبير) على مسرح موسكو، وأوبرا (بوريس جورونوف) في لندن قبيل وفاته بمرض السرطان في باريس. صدر له كتاب (النحت في الزمن) قبيل وفاته، واختيار الاسم إن دل فإنما يدل على حسِّ شعري لدى (تاركوفسكي). كيف لا وهو الذي درس الشعر بلغاتٍ مختلفة، منها العربية التي اهتم بها وبأدبها بالإضافة إلى كون أبيه (أرسيني تاركوفسكي) أديب من الأدباء الروس البارزين ومن أهم مترجمي الشعر في وقته.

تحدث (تاركوفسكي) في كتابه (النحت في الزمن)، فابتدأ حديثه قائلًا:

للمرة الأولى في تاريخ الفنون، في تاريخ الثقافة، وجد الإنسان وسيلة للإمساك بالزمن وطبعه. وعلى نحو متزامن، إمكانية نسخ ذلك الزمن على الشاشة قدر ما يشاء المرء. أن يكرره ويعود إليه مرة أخرى. لقد اكتسب الإنسان منبتًا للزمن الفعلي. بعد رؤية الزمن وتسجيله، صار بالإمكان الاحتفاظ به في علب معدنية لفترة طويلة ( إلى الأبد. . نظريا ).

لكن سرعان ما انحرفت السينما عن الفن وانعطفت شاقة طريقها في المسار الذي كان أكثر أمانا من وجهة نظر المصلحة والربح الماديين. في غضون العقدين التاليين، تم نقل عالم الأدب كله تقريبا إلى الشاشة، إضافة الى العدد الهائل من الحبكات المسرحية. لقد استغلت السينما لأجل غاية صريحة ومغرية، وهي تدوين الأداء المسرحي. لقد اتخذ الفيلم اتجاها خاطئا، وعلينا أن نقبل بواقع أن النتائج المشؤومة لتلك الخطوة لا تزال حاضرة. والأسوأ من هذا ليس، في رأيي، اختزال السينما إلى مجرد صورة إيضاحية، بل الأسوأ بكثير كان الإخفاق فنياً في استثمار إحدى الإمكانيات الثمينة للسينما: إمكانية طبع فعلية الزمن على الشريط السينمائي.

الزمن، المطبوع في أشكاله وتجلياته الواقعية: تلك هي الفكرة الأسمى للسينما بوصفها فنا، والتي تقودنا إلى التفكير في ثراء الموارد في الفيلم. 
لم يذهب الناس إلى السينما ؟ ما الذي يأخذهم إلى مكان مظلم حيث، لمدة ساعتين، يشاهدون تلاعب الظلال على القماش ؟ هل هو بحث عن التسلية والترفيه ؟ الحاجة إلى نوع من المخدر؟ في العالم كله هناك، بالفعل، هيئات ومنظمات للترفيه تستثمر السينما والتلفزيون وغيرهما من أشكال العرض. لكن نقطة انطلاقتنا لا ينبغي أن تكون هناك بل في المبادئ الأساسية للسينما، والتي لها علاقة بالحاجة الإنسانية لمعرفة وفهم العالم. أظن أن الشئ الذي لأجله يذهب الفرد عادة إلى السينما هو الزمن: الزمن الضائع أو المبدد. الفرد يرتاد السينما ليرى تجربه حية، ذلك لأن السينما، بخلاف أي فن آخر، توسع وتعزز وتكثف تجربة الفرد. لا تعززها فحسب بل تمددها أيضا. في هذا تكمن قوة السينما. لا النجوم ولا الحبكات القصصية ولا عنصر الترفيه له علاقة بهذه القوة.

ثم يتساءل بعد ذلك عن طبيعة عمل المخرج، وعلاقته بالزمن، فيقول:

ما هو أساس عمل المخرج؟ نستطيع أن نحدد هذا العمل باعتباره نحتاً في الزمن. مثلما يأخذ النحات كتلة من الرخام ويزيل كل ما هو ليس جزءا منه، واعيا لأشكال عمله المنجز، كذلك يفعل صانع الفيلم. من “كتلة الزمن” المتشكلة من مجموعة صلبة، متينة، وضخمة من الوقائع الحية، هو يقطع ويرمي كل ما لا يحتاجه، محتفظا فقط بما ينبغي أن يكون عنصرا للفيلم المنجز، وبما سوف يثبت أنه متمم للصورة السينمائية.

قيل بأن السينما فن مركب، مبني على تشابك عدد من الأشكال الفنية المتجاورة: الدراما، النثر، التمثيل، الرسم، الموسيقى. في الواقع، إن تشابك أو اتصال هذه الأشكال الفنية يمكن، كما ثبت في النهاية، أن يسئ على نحو خطير إلى السينما بحيث يحيلها إلى أشياء مختلطة ببعضها أو – في أفضل الأحوال – إلى مجرد مظهر خارجي فيه تتناسق الأجزاء لكن لا يمكن العثور فيه على لب السينما، لأن في تلك الحالات بالذات يكف ذلك اللب عن الوجود. ولا بد من التوضيح هنا، نهائيا وعلى نحو حاسم، بأن السينما – إذا كانت فناً- لا يمكن ببساطة أن تكون مزيجا من مبادئ أو عناصر أشكال فنية مجاورة أخرى. بفعل ذلك فقط نستطيع أن نتجه إلى قضية طبيعة الفيلم المركبة. إن التشكيلة المتجانسة من الفكرة الأدبية والصيغة التشكيلية سوف لن تشكل صورة سينمائية. يمكن فقط أن تنتج هجينا عقيما أو مدعيا.
كذلك لا يجب استبدال قوانين الحركة ونظام الزمن في الفيلم بقوانين الزمن في المسرح. الزمن في صيغة الواقعة: مرة أخرى أعود الى هذا الموضوع. إني أرى في عرض الأحداث وفقا للتسلسل الزمني هو الذي يشكل السينما. . ليس في طريقة تصوير الفيلم بل في إعادة بناء الحياة ، إعادة خلقها.

هكذا أفهم الجزء المثالي من تصوير الفيلم: المبدع يلتقط ملايين الأمتار من الفيلم، والذي عليه يمكن متابعة وتسجيل حياة إنسان، على سبيل المثال، منذ ولادته وحتى وفاته، وذلك على نحو نظامي، يوما بعد يوم، عاما بعد عام. ومن كل ذلك يمكن الحصول على 2500 متر، أو تسعين دقيقة من الزمن السينمائي.. (من المثير للفضول أن نتخيل تلك الملايين من الأمتار وهي تمر بين أيدي عدد من المخرجين ليحقق كل منهم فيلمه الخاص. . كم سيكون مختلفا كل عمل عن الآخر).

يختتم حديثه في هذا الموضوع، فيقول:

الصورة السينمائية، إذن، هي أساسا رصد لوقائع الحياة داخل الزمن، وهي منظمة وفقا لنمط الحياة نفسها، وراصدة لقوانين الزمن فيها. الرصد هو انتقائي: نحن نترك على الفيلم فقط ما هو مبرر بوصفه مكملا للصورة. وهذا لا يعني أن الصورة السينمائية يمكن أن تكون منقسمة ومجزأة ضد طبيعتها الزمنية، فالزمن الجاري لا يمكن أن يكون منزوعا عنها. والصورة تصبح سينمائية على نحو حقيقي ليس فقط عندما تعيش ضمن الزمن، لكن أيضا عندما يعيش الزمن داخلها. . بل حتى ضمن كل كادر منفصل.