خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الفنون

المسرح والموسيقى والأفلام والرسم والأدب والشعر

في السخرية عند محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني [2] التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب حمل اسم (الرسائل)، جُمعت تلك الرسائل التي تبادلها كلًا من (درويش) وصديقه (سميح القاسم) (1939-2014)، وأحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، رئيس التحرير الفخري لصحيفة كل العرب، عضو سابق في الحزب الشيوعي. 

في رسالة أرسلها (درويش) إلى (سميح) بالخامس من أغسطس، عام 1986 من العاصمة الفرنسية (باريس)، تحدث (درويش) عن السخرية، فقال في رسالته:

هل أسخر؟ أسخر كثيرًا. فالسخرية وهي البكاء المُبطن خير من دموع الاستعطاف، لأن الرجل قد امتد بنا إلى ما دون أرذل العمر، إلى يوم نهبُّ فيه لمواساة القاتل بما حلّ به من مصاب. هو تأنيب الضمير، حين أتقن لعبة البكاء الإلكتروني على ضحايانا، فكدنا نقول له: “اغفر لنا موتنا على يديك .. اغفر لنا أننا سببنا لك بعض الإزعاج!”.

اضحك، يا ولدي، اضحك. فليس في وسعنا أن ننساق في لغة الحزن أكثر مما انسقنا، فلنوقفها بالسخرية، لا لأن السخرية هي “اليأس وقد تهذّب” كما يقولون، بل لأنها لا تثير الشفقة، ولأنها تنزل القاتل من منزلة الفكرة المجردة، السلطة المطلقة، إلى “إنسانية” تتعارض مع إنسانية البشر ومع الطبيعة الإنسانية، إلى “إنسانية” مضحكة بقدر ما هي مرعبة.

تيريزا براور: يوم الأحد الذي رحل به الجمال الأسود

 

Teresa Praauer

تيريزا براور (مواليد 1979). وهي روائية، شاعرة وفنانة نمساوية، تكتب بالألمانية وتجيد الإنجليزية. لها عدة كتب مقدرة في الرواية والفن حصدت جائزة الأسبكت عن روايتها (السيد في ما وراء البحار) عن أفضل عمل نثري ألماني 2012، وهو العمل الوحيد المترجم للعربية وحصدت عدة جوائز أدبية أخرى آخر أعمالها رواية (أو شيمي) 2016 وقد لاقت صدى إعلاميا ونقديا رائعين.

في ترجمة حصرية، لدى ساقية، لأحد أعمالها القصيرة النادرة، والتي عنونتها بـ“يوم الأحد الذي رحل به الجمال الأسود”، كتبت (تيريزا):

ارتحل خيلي بعيدا في يوم أحد.

خيل أسود فحل سميته الجمال الأسود. قال لي بعض الناس: “هذا هو ذات اسم الخيل بالمسلسل التلفزيوني”. ولكن خيلي سمي بذلك قبله، وأنا يزعجني الحديث عن التلفزيون حين أتحدث عن خيلي.

لم اختر الجمال الأسود. لم أكن أحب الخيول أبدا، حتى عندما كنت طفلة. ما حصل أنه كان يسكن بالجوار. وكنت أحب مشاهدته عندما يقف على التل البعيد جدا؛ كان يبدو منسجما في الأعلى هناك، يلصق كمامة لجامه بالعشب الرطب، والشمس كانت منخفضة حقا مع الأفق، وهو مستلق منسجم بالمعنى الحرفي في الأعلى، في انعكاس الضوء يبدو الجمال الأسود أكثر سوادا منه في الحقيقة. أحيانا يظهر في بقعة محددة، بحيث يبدو معطفه قصيرا. و في أماكن مختلفة يبدو وكأنه فظ ومتعب. وقد يبدو عُرفُه مجعدا حينا ومصفّفا في أحيان أخرى. شعرت بإحساس يشبه القرَابة عندما رأيته واقفا بذلك المقدار من المسافة، لكنه إحساس غامض، ربما كان احساسا بالشفقة أو الكآبة.

لم يكن لدي أي شيء أهتم به بعيدا عن ذلك الخيل وبصراحة تامة لم يكن هناك الكثير الذي يعني لي شيئا، ولكن وبشكل مفاجئ منذ ذلك اليوم الذي وقف هناك وأنا لا أستطيع ولا أريد أن أتخيل كيف ستكون الأمور بدون هذا الحيوان. يقول الناس: “هكذا هو الأمر مع الخيول”. ثم يضحكون ويربتون على كتفي. أعتقد أنهم كانوا سعداء أو شعروا بالشماتة لأنه أصحب لدي أيضا ما أهتم به وأقلق عليه.

عندما وقف الناس في حجرتي ينظرون من نافذتي رأوا الجمال الأسود يرعى في التل البعيد. عادة لا يدركون أنه خيل حقيقي.

 غالبا ما يقولون في النظرة الأولى أنه ورق مقصوص أو ظل خروف أو نجمة سوداء أو شيء ما يشبه لعبة راقصة باليه آلية.

ولكن، يا للسماء، ليس خيلا حقيقيا. يأتون بتبريرات بعيدة جدا لكي يبعدوه عن كونه خيلا حقيقيا يرعى العشب في التل البعيد.

لم يصدقني أحد إلا بيوم الأحد الذي رحل به الجمال الأسود.

كنت مع مجموعة نتنزه على التل ثم استلقينا كلنا في الأرجاء، وكدليل تكوّمت فضلات الحصان كثمر متساقط، ثمر كثير جد وكأنه نتاج حصاد خريفي، لو كان يحصد تفاح الخيول.

كان الثلج قد  استقر الثلج في بعض البقع بالتل، ورأى الناس شعر حصان أسود محاصر بين بلورات الثلج المتلألئة على السطح. لقد خلف ورائه أكثر الآثار رقة وكأنه رسم بقلم دائم خطا رفيعا جدا جدا.

توقفنا لنرى الشعر بشكل جيد، وقال بعضهم أنهم يستطيعون صنع شيء بهذه الشرائط.

 إلى أين ارتحل؟ وهل سنرى بعضنا البعض مرة أخرى.

أنواع الاقتباسات والسرقات الشعرية عند الكاتب أسامه بن منقذ

unnamed

 

أسامة بن منقذ (1095-1188) فارس وشاعر، وأحد قادة (صلاح الدين الأيوبي). ولد في شيرز لينو منقذ، قضى أسامة آخر حياته في حصن كيفا منفياً فأقبل على التصنيف وصنف كتبا عديدة بلغت 13 كتابا من ضمنها (تاريخ القلاع والحصون) و (أزهار الأنهار).

يقسِّم الكاتب (آسامه بن منقذ) في كتابهِ أنواع السَّرقات الشعرية؛ وبهذا يضع أسماءً محدَّدة لأمور هلامية تشعُر بها لكنك لا تستطيع تعريفها بدقَّة. يمكنك أن تقابل أمورًا مماثلة في كل أنواع الفنون.

الاصطراف

أن يُعجَب الشاعر ببيت شاعر آخر فيستعمله، هنا قد يعترف بأنه ليس من شعره هو، يسمُّون هذا “الاجتلاب”. هذا يشبه أن تستعمل عبارة لـ(برنارد شو) في كلامك وتعترف أن العبارة لـ(برنارد شو). قد يدَّعي الشاعر أن البيت من تأليفه، هذه سرقة كاملة، ويطلقون عليها “الانتحال”. المثال هو قول (جرير):

إنَّ الذين غَدَوْا بلُبِّكَ غادرُوا *** وشلًا بعينِكَ لا يزالُ معينَا
غيَّضنَ من عبراتهِنَّ وقلنَ لي: *** ماذا لقيتَ منَ الهوى ولقينَا؟

فإن الرواة مجمعون على أن البيتين لـ(المعوط السعدي).

الشاعر (عبد الله بن الزبير) دخل على (معاوية) فأنشد بيتَي الشعر:

إِذَا أَنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أَخَاكَ وَجَدْتَهُ *** على طَرَفِ الهِجْرَانِ إنْ كانَ يَعْقِلُ
ويَرْكَبُ حَدَّ السَّيْفِ مِنْ أَنْ تَضِيمَهُ *** إِذا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَفْرَةِ السَّيْفِ مَزْمَلُ

راق البيتان لـ(معاوية) جدًا، راقا له إلى أن دخل شاعر آخر اسمه (معن بن أوس) وأنشد قصيدة أخرى لـ(معاوية)، فاكتشف هذا الأخير أن فيها نفس البيتين! لمَّا واجه (عبد الله بن الزبير) بهذا لم يُنكِر الشاعر أنه انتحل البيتين، وقال: “المعنى لي، واللَّفْظُ له، وبَعْدُ فهو أخي من الرضاعة، وأنا أحقُّ بشِعْره”.

هناك انتحال أقرب إلى النَّصب العلني. أنت شاعر شهير قوي؛ لذا تسطو على أشعار من هم أصغر منك فلا يستطيعون إثبات ذلك. نعرف قصصًا شهيرة عن كُتَّاب استولوا على قصص شبابٍ أدباء، ثم نشروا الأعمال ولم يجسر الكاتب الشاب ولم يستطع أن يثبت السرقة. هناك شعراء مغمورون يحاولون أن يثبتوا أنهم مؤلِّفو دواوين ناجحة لشعراء فائقي الشهرة، وبالطبع لا أحد يصدِّقهم. صديقي فنان الكاريكاتور اشترك في مسابقة أدبية نظَّمها كاتب كبير، ثم فوجئ بأن القصة التي قدَّمها للمسابقة منشورة باسم الكاتب الكبير، ولم يستطع إثبات حقه. هذا النوع من الانتحال اسمه “الإغارة”.

هناك نوع انتحال أقرب للبلطجة اسمه “الغصب”؛ أي إنك تأخذ البيت من صاحبه سواء أراد أو لم يُرِدْ، هناك بيت شعر لـ(الشمردل اليربوعي) يقول:

فَما بَينَ مَن لَم يُعطَ سَمعًا وطاعةً *** وبَين تَميمٍ غَيرُ حَزِّ الحَلاقِمِ

سمع (الفرزدق) هذا البيت فقام بممارسة ما نطلق عليه “التثبيت”، وقال للشاعر: “والله لتدعَنَّه أو لتدعنَّ عِرضك”.

فخاف (الشمردل) وتنازل عن بيت الشعر بنفس الطريقة التي تتنازل فيها عن الهاتف الجوال تحت تهديد السلاح، وقال: “خذه، لا بارك الله لك فيه”.
بصراحة لا أذكر حادثة أدبية مماثلة عندنا. لم أُشهِر سكينًا على عنق أديب لآخذ قصته لنفسي حتى هذه اللحظة. وعلى عكس الإغارة والغصب، هناك من يعطيك أبيات الشعر برضًا تام لتستعملها، وهذا ما يُطلقون عليه “المرادفة”؛ سمع (جرير) بيت الشعر الذي أنشده (ذو الرمة):

نَبَتْ عيناكَ عن طَللٍ بحُزْوَى *** عَفَتْه الريحُ وامْتُنِحَ القِطارَ
فقرَّر أن يساعده ببيتين قويين من تأليفه؛ هما:
يَعُدُّ الناسبون إلى تَميم *** بيوتَ المجدِ أربعةً كِبارَا
يَعُدُّون الرَّباب وآلَ سَعْدٍ *** وعَمْرًا ثم حَنْظلةَ الخِيارَا

وبما أن هؤلاء القوم شعراء فعلًا، فقد شمَّ (الفرزدق) رائحة شعر (جرير)، وأدرك أنه صاحب البيتين الأصليُّ.

أحيانًا يقتبس الشاعر نصف البيت ثم يُكمله بألفاظه هو … كأنك ترى قصة (هاري بوتر) فتبدأ بطفل يتيم يتربَّى مع أسرة قاسية، ثم يصير هذا الطفل طبيبًا بارعًا. أي إنك بدأت مع (راولنج) ثم انطلقت مبتعدًا. يطلقون على هذا “الاهتدام”. وهناك نوع اقتباس اسمه النظر والملاحظة والإلمام … أي إنك تستوعب فكرة البيت ثم تكتبه بلغتك أنت … هناك أعمال أدبية كثيرة بهذه الطريقة.

الاختلاس

هو أن تسرق فكرة من شاعر آخر وتستخدمها في غرض آخر. كقول (عبد الله بن مصعب):

كَأَنَّكَ كُنتَ مُحتَكِمًا عَلَيهم *** تُخَيَّرُ في الأُبُوَّةِ ما تَشاءُ

اختلسه من قول أبي نواس:

خلَّيتَ والحسنَ تأخذهُ *** تنتقي منه وتنتخِبُ

من الممكن للشاعر أن يعكس بيت شاعر آخر ويستعمله. فبيت شعر (حسان بن ثابت):

بيض الوجوهِ كريمةٌ أحسابهم *** شُمُّ الأنوفِ من الطِراز الأوَّلِ

يعكسه (ابن أبي قيس) بالضبط وبدقَّة:

سودُ الوُجوهِ لَئيمةٌ أحسابهمْ *** فُطْسُ الأُنوفِ من الطرازِ الآخِرِ

هناك توارد خواطر يجعل الشاعرَيْن بريئَيْن لم يسرق أحدهما عن الآخر، اسم هذا “المواردة”؛ فـ(ابن الأعرابي) و(الحطيئة) كلاهما قال بيت الشعر:

مُفِيدٌ ومِتْلافٌ إِذا مَا أتَيْتَهُ *** تَهَلَّلَ واهْتَزَّ اهْتِزَازَ المُهَنَّدِ

وقد تاه (ابن الأعرابي) فخرًا لأنه قال هذا البيت كما فعل شاعر عظيم مثل (الحطيئة) قبله.

من الممكن أن يجمع الشاعر عدة أبيات لغيره فيضعها في خليط واحد … مثل قول (يزيد بن الطَّثَريَّة):

إذا ما رآني مقبلًا غضَّ طرفه *** كأنَّ شعاعَ الشمسِ دوني مقابله

فهو “كوكتيل” متجانس من بيت شعر لـ(جميل) وبيت شعر لـ(جرير) وبيت شعر لـ(عنترة الطائي):

إِذا ما رَأَوني طالعًا من ثَنيةٍ *** يقولون: مَن هذا؟ وقد عَرَفوني

فَغُضَّ الطَّرفَ إِنَّكَ مِن نُمَيرٍ *** فَلا كَعبًا بَلَغتَ ولا كِلابا

إِذا أَبصَرتَني أَعرضتَ عَني *** كَأَنَّ الشَّمسَ مِن حَولي تَدورُ

الفنّ الإنساني: فيرجينا وولف تكتب عن مقتل فن الرسائل ولمَ يجدر بنا إحياؤه

فيرجينيا وولف

في عام 1876 كُتبت هذه الوصيّة في (دليل إيتيكيت الرسائل) : يجدر بنا أن ننظر إلى الرسالة كعمل فنّي، لا كمجرد وسيلة تواصل وتبادل معلومات. بعد ذلك بنصف قرن، وقبل ظهور الرسائل الإلكترونية كما نعرفها اليوم بنصف قرن أيضاً، إلتفتت إحدى أعظم كاتبات الرسائل بعين قلقة نحو أفول هذا الشكل المتفرد من الفن.

في أبريل من عام 1940، كُلّفت (فرجينيا وولف) بمراجعة السيرة الذاتية للمؤرخ الفنزويلي من القرن الثامن عشر (هوراس والباول)، وهو كاتب غزير الإنتاج نشرت من رسائلة ستة عشر مجلدا. كتبت (وولف) في المراجعة مقالة بعنوانالفن الإنسانيتتطرق فيها قليلاً لـ(والباول) وسيرته، و تسلط الضوء بشكل أكبر على فنّ كتابة الرسائل ذاته: وظيفته، تطوّره الثقافي، ومستقبله الغائم إزاء وسائل الإعلام الجديدة.

في إنتقاد لسارد السيرة السيرة الذاتية الذي يصرّ على أن رسائل (والبول) كانتمستوحاة من حبّ الأجيال القادمة، لا من حب الأصدقاءأي أنها أداة للتأريخ عوضاً عن كونها تمثلاً لعالمه الداخليتتأمل وولف عبقرية كاتب الرسائل:

إذا ما أعتبرنا أن هوراس والباول مؤرخ متنكر، فنحن بذلك ننكر عبقريته المتفردة ككاتب رسائل. فكاتب الرسائل ليس مؤرخا متخفيّا، وإنما هو امرؤ ذو حساسية قصيرة المدى، لأنه يوجّه خطابه للفرد على انفراد، لا للجمهور عامة. وكل كتّاب الرسائل الجيدين يحدسون تفاعل القاريء على الجانب الآخر، وهم يأخذون بقدر مايعطون.

تقترح (وولف) أن صعود الكاتب مدفوع الأجرأي مثلهاهو ماأدى إلى تراجع كتّاب الرسائل رفيعة المستوى. كما أنها برؤية مستبصرة تشير إلى وسائل الإعلام الجديدة على أنها الخنجر في قلب الرسالة الشخصية:

الأخبار والقيل والقالهي أعواد القشّ التي يكوّن منها كاتب الرساله عشه، و قد تم انتزاعها منه حين جاء الهاتف و اللاسلكي. فلم يصبح الآن لدى كاتب الرسائل ما يبني به رسالته ماعدا أموره الشخصية وتلك تصبح رتيبة بعد صفحة أو اثنتان.

عوضاً عن الرسائل، سوف يكون لدى لأجيال القادمة اعترافات، مذكرات، و كتب هجينة يتحدث فيها الكاتب عن نفسه إلى نفسه في الظلام، لجيل لم يولد بعد.

كما أنها تعتبر أن الفن التقليدي للمراسلات الكتابية الحقيقة له دور حيوي في حياتنا كمرساة للهوية الذاتيهفبينما نحن نكافح لنفهم مالذي يربط ذاتنا الماضية و تلك المستقبلية معا في نفس الشخص، تشير (وولف) إلى قوة الرسالة كونها جسر بينهما، فتطمئننا عن ذاتنا المستقرة حيناً و المتجددة في آخر:

فوق كل شيء، كان والباول مباركاً ومحاطا بالدفء في دائرته الخاصه وذلك مكّنه من أن يعيش حياة التغيّر المتواصلة؛ و التي هي  مثل الهواء لوجود كاتب الرسائل.

بالإضافة إلى الأوصاف الرائعه للحفلات التنكرية و احتفالات منتصف الليل و الفطنة و الظرف، استمدّ منه أصدقائه شيء آخر عميق تماما، متغيّر إلا أنه كلّي، لنطلق عليه هذا المسمى…ذاته، تلك التي يحييها الأصدقاء المقربون و يقتلها الجمهور العظيم. ومن ذلك نشأ خلوده. لأن الذات التي تستمرّ بالتغيّر، هي تلك التي تستطيع أن تظلّ ممتلئةً بالحياة.

أما المفارقة في كون (وولف) نفسها قد أنهت حياتها برسالةاستهلكت بقسوة من قبل وسائل الإعلام الطفيلية في عصرهافلاتزال مسألة مفتوحه.


[المصدر]

عن قوة الموسيقى عند كافكا وهدف الفن

كافكا

فإن أقوى العواطف و أكثرها عمقًا هي القدرة على التمتع بالعقلانية.

“بدون الموسيقى كانت الحياة لتكون غلطة” كما صرح (نيتشه)، أحد المُفكرين القدماء المشهورين و الذي كان في تأملاته نصيب لقوة الموسيقى الفريدة. و بعد جيلين لاحقين التفت (فرانز كافكا) (1883-1924)، و هو كاتب آخر سوداوي عبقري و موهوب بالتنوير بتصريحات شديدة السوداوية، إلى هذا الموضوع خلال محادثاته الجوالة مع رفيق مراهقته و المُحاور الفكري (غوستاف جانوش) والمجموعة في كتابه المعنون بـ(حوارات مع كافكا)، الذي أعطانا نظرة عن رأي الكاتب المكتئب حول الطاوية، المظهر مقابل الواقعية، والحب وقوة الصبر.

خلال إحدى جولات صيف سنة 1922 تحولت دفة الحوار إلى الموسيقى، و هو التخصص الذي أراد (غوستاف) ذو السبع عشرة عامًا بشغف شديد أن يدرسه إلا أن والده حرم عليه هذا المسعى. أخبر (كافكا) رفيقه الشاب:

إن الموسيقى هي صوت الروح،صوت العالم الذاتي المباشر.

في محادثة في أعقاب هذه حين شارك (غوستاف) مرشده قصة قصيرة كتبها بعنوان موسيقى الصمت علق (كافكا) بإسهاب عن كيف تسكب الموسيقى سحرها و فتنتها على الروح:

كل ما هو حي هو في تبدل و تدفق،و يصدر صوتًا و لكننا لا نحتفظ إلا بجزء منها. فنحن لا نسمع تدفق الدم و دورانه، و لا تزايد التلف في أنسجة أجسامنا،و لا صوت عملياتنا الكيميائية، و لكن خلايا أعضائنا الرقيقة، ألياف أدمغتنا و أعصابنا و بشرتنا مُشربة في هذه الأصوات الخافتة، فهي تهتز استجابةً لبيئتها. هذا هو أساس قوة الموسيقى، حيث يمكننا أن نحرر هذه الاهتزازت الشعورية العميقة، و لتنفيذ ذلك نوظيف الآلات الموسيقية ليكون العامل الحاسم هو أصواتها المحتملة الداخلية. بعبارة أخرى: ما هو حاسم ليس قوة الصوت أو اللون الإيقاعي و لكن الميزة الخفية، الحدة التي بها تؤثر القوة الموسيقية على الأعصاب. يجب على الموسيقى أن ترتقي إلى اهتزازت وعي الانسان و إلا ستكون خافتة و  غير محسوسة. اجلب الصمت إلى الحياة، اكشف الغطاء عن الصوت المخفي للصمت.

في محادثة أخرى تناول (كافكا) التشابه والاختلاف بين الموسيقى والشعر، قال (كافكا) مخاطبًا (غوستاف):

تخلق الموسيقى متعةً جديدة غير ملحوظة و أكثر تعقيدًا بل و أكثر خطرًا، لكن الشعر  يهدف إلى تصنيف جموح المتع بمنحها صفة العقلانية و الثقافية،بتنقيتاه و بتحوليها إلى شيء انساني. إن الموسيقى تُضاعف شهوات الحياة بينما الشعر من ناحية أخرى يهذبها و يسمو بها.

بالرغم من ذلك فقد كان (كافكا) رشيقًا في محاولة حماية نفسه من سطوة الموسيقى:

إن الموسيقى بالنسبة لي تُشبه إلى حد ما البحر .. فأنا في حضورها مهزوم، يراودني شعور بالهيبة المفاجئة،مسحور و مفتون، و لني بالرغم من ذلك خائف، خائف بشدة من بلوغها النهاية. في الحقيقة أنا بحار سيء.

تبقى جسامة شعور (كافكا) بالإنغمار، ربما المقياس الوحيد المباشر لشدة حبه، فقد كتب مرة في أحد رسائله الجميلة و الموجعة للقلب: “لا أريد أن أعرف ما تلبسينه”، “يشتتني كثيرًا أنني لا أجيد التعاطي مع الحياة”.

عندما انتحب (غوستاف) على احتجاج والده واعتراضه على الموسيقى وتسائل إذا ما كان امتلاكه لعقله الخاص يمنحه الحق لعصيان رغبات والده و ملاحقة شغفه بدلًا عن ذلك، وسع (كافكا) تساؤله إلى تأمل أعمق عن السبب الذي يدفع الفنانين لصناعة فنهم:

إن استخدام الواحد لعقله هو عادةً الطريقة الأسهل لخسارته، طبعًا لا أعني بهذا دراستك للموسيقى أو أنني أعارضها. بالمقابل فإن أقوى العواطف و أكثرها عمقًا هي القدرة على التمتع بالعقلانية. هناك شغف يدفع كل فن، ولذلك فأنت تجاد و تعاني لأجل الموسيقى و لكن الأمر يسير هكذا دومًا في الفنون، يجب على الشخص أن يُلقي بحياته ليكسبها.

في محادثة أخرى تطرق مرة أخرى للموضوع و شبه التضحيات التي تُقدم في الفنون بتلك التي تُقدم في العبادة الدينية.  في إحدى الأفكار الوجدانية التي تُذكر بتأكيد (سيمون فايل) الثابت: “الإنصات و الاهتمام هو أشد أشكال الكرم نقاوةً و ندرةً و التمتع بأعلى درجاته يشابه الصلاة”، وما الفن إن لم يكن أعلى درجات الكرم؟ يقول (كافكا) لـ(غوستاف):

الصلاة و الفن هي أعمال شغوفة تتعلق بالقدرة،فالواحد يرغب بتخطي هذه القدرة و تحسين احتمالاتها العادية. يُماثل الفن الصلاة فكلاهما كيد ممتدة في الظلام باحثةً عن لمسة من الرحمة لتتحول إلى يدٍ تمنح الهدايا. تعني الصلاة أن يذيب الواحد ذاته في قوس قزح الأعجوبي الممتد بين التكون و الموت، ليستهلكها فيه لجلب بريقه اللانهائي و ألقه إلى سرير الواحد في أرجوحة وجوده الذاتي الواهن.


[المصدر]