خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الفنون

المسرح والموسيقى والأفلام والرسم والأدب والشعر

عن الشعر والشاعرية، من يوميات بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يحكي فيه بداية عن تفاهة الإنسان، يقول فيه:

وحينئذ، ما الإنسان في ذاته؟ أليس سوى حشرة تافهة تطنّ مصطدمة بزجاج نافذة؟ ذلك لأنه أعمى، غير قادر على النظر ولا على التحقق مما يوجد بينه وبين الضوء. لذلك يتحمس مجتهدًا في محاولة الدنو أكثر فأكثر، فكيف للعلم أن يساعده؟في إمكانية معرفة متانة الزجاج أو هشاشته معًا، والتأكد من مدى سُمك جزء منه ورهافة جزء آخر؛ واحد أثخن وآخر أرهف. بهذا كله ما مدى دنوّك من الضوء أيها الفيلسوف اللطيف؟ وما مقدار ازدياد إمكانات الرؤية لديك؟ هل بوسعي الإيمان بأن رجل الموهبة، أعني الشاعر، يبلغ على نحو معين حد تهشيم الزجاج باتجاه الضوء، ليشعر بالفرح والفتور الناجمين عن الإنوجاد أبعد فأبعد عن الآخرين جميعًا. لكن أليس هو نفسه أيضًا أعمى؟ هل تمكن أحد، من الدنو من الحقيقة الأبدية؟

يتابع بعد ذلك (بيسوا)، قائلًا:

دعوني أمضي باستعارتي نحو الأبد. بعضهم يبتعدون عن الباب الزجاجي في الاتجاه المعاكس، إلى الخلف، ويصيحون عندما يتأكدون من أنهم لم يصطدموا بالزجاج، لأنه ليس خلفهم. “لقد مررنا”، يقولون.

أنا شاعر محفز بالفلسفة، ولست فيلسوفًا ذا مزايا شعرية؛ مفتتن أنا بملاحظة جمال الأشياء وبرسم اللامرئي والمتناهي الصغر مما يميز الروح الشعرية للكون.

شعرية الأرض لا تموت أبدًا. في وسعنا القول أن عصورًا سالفة معينة كانت شعرية. لكن بوسعنا القول (*)

الشعر موجود في كل شيء، في البر وفي البحر، في البحيرة، وعلى ضفة النهر، وموجودة أيضًا في المدينة، لا تنكر ذلك، يبدو جليًا أمام عينيّ وأنا جالس؛ ثمة شعر في ضوضاء السيارات على قارعة الطريق، في أيّما حركة مبتذلة ومضحكة لصبّاغ في الناحية الأخرى من الشارع وهو يلوّن إعلانًا لدكّان اللحّام.

ثم يقول (بيسوا) عن الحاسة الشعرية:

الحاسة الأعمق لديّ تهيمن على حواي الخمس على نحو يجعلني أرى أشياء الحياة، أنا واثق، بصورة مختلفة عن باقي البشر. لقد وُجد أو يوجد، بالنسبة إليّ ثراء في مدلول شيء مضحك وتافه، في مفتاح، باب، مسمار في جدار، في شاربي هر. بالنسبة إليّ ثمة إيماء روحي تام في دجاجة تعبر الطريق مقوقئة، يوجد بالنسبة إليّ مدلول أعمق من خوف الأشخاص في رائحة الصندل، في علبة أعواد ثقاب منسية، في ورقتين وسختين في يوم عاصف تطوفان الهواء، ثم تتبعان شارعًا سفليًا.

ويوضح بعد ذلك (بيسوا) سبب استشعاره الشعري لهذه اللحظات البسيطة في الحياة، فيقول:

وذلك لأن الشعر دهشة وحيرة، مثل كائن سقط من السماء ثم تأكد أثناء سقوطه، ذاهلًا، من سقطته. مثل مَن عرف أشياء الروح وفي مجاهدته لتذكر تلك المعرفة تحقق من أن تلك الأشياء لم تكن كما عرفها ولا وفق تلك الصورة وتلك الشروط، ثم وجد نفسه عاجزًا عن تذكر المزيد.

على الفنان أن يكون رائعًا ونبيلًا، لأن من يُعجب بالجمال لا يجب أن يفتقر إليه. ولا شك في أن ما يسبب ألمًا رهيبًا للفنان هو ألا يجد في نفسه شيئًا مما يبحث عنه بعناء. من يستطيع وهو يتأمل صورة شيلي، وكيتس، بيرون، وميلتون وإدغاربو ومحل إعجاب كما كانوا يمتلكون حرارة العيش والفرح الإلهي، تمامًا كما يليق بأي شاعر، وأي إنسان.


(*) نص محذوف.

التجربة الحياتية والإبداع الأدبي

دروس الحياة

التجربة الحياتية بما فيها من معاناة، وآلام، وأفراح هي ينبوع الكتابة الحق، ولا تقل أهمية عن الموهبة الفطرية، والقدرة على التخيّل.

ليس بوسع أي كاتب أن يكتب عن أي شيء، وعن أي إنسان. فهو ليس مطلق الحرية في اختيار موضوعاته وأبطاله، مهما كان موهوبا، لأن له حدودًا لا يستطيع تجاوزها، والتي تتحدد بالمجتمع الذي يعيش فيه، وخبرته الذاتية، والدروس التي تعلمها من الحياة، لذا على الكاتب أن يكتب عما يعرفه بتجربته الخاصة، وهذه التجربة مطلوبة بقدر ما تكون مدخلاً لتجربة فنية، يعبّر فيها الكاتب بأسلوبه المتميز، عن عالمه الروحي، ونظرته إلى الأشياء.

إن العمل الأدبي إذا لم يكن نابعاً من ذات الكاتب، و لم ينفعل به فانه لن يكون عملاً مؤثراً وناجحاً على الرغم من أن المؤلف قد كتبه بحسن نية. لأن مثل هذا المؤلف لا يعرف أبطاله ولا يفهمهم.

ربما ثمة إمكانية لتوالد بعض الصور المضببة في ذهن كاتب يعيش في جزيرة مقفرة، ولكن لن يكون لديه أي حافز لتأليف رواية، ذلك لأن الكاتب إنما يكتب عن الناس وللناس، لقد كتب الروائي الفرنسي (مارسيل بروست) رواياته (داخل غرفة ذات جدران صماء لا تخترقها الاصوات). ولكن (بروست) كان قد عاش بين الناس، ودرس المجتمع الفرنسي الأرستقراطي لمدة طويلة، قبل أن يسجن نفسه في غرفة معزولة.

إن خيال الكاتب الروائي أو القصصي قادر على تغيير تناسب الظواهر والأحاسيس وملامح الشخوص وأنماط سلوكهم، ولكن ليست ثمة رواية سواء كانت خيالية ام طوبائية لا ترتكز على الواقع، إن وصف سكان كوكب المشتري في رواية (ولز) أو سكان (سالاماندر) في رواية (جابك) ليس إلا هجاء للمجتمع الإنساني.

ربما يقال أن للخيال الدور الأكبر في بعض أنواع القصص، وهذا صحيح، ولكن الخيال ينبغي أن يكون مقنعاً وصادقاً ومنطقياً، أي خيالاً يمكن أن يحدث في الواقع. فالمؤلف ليس إلهاً حتى يستمر في فرض شطحات خياله على القاريء، وثمّة خطر جسيم يلازم نسج الأكاذيب، فقد لا يصدّق المتلقي ما يقرؤه.

أدب الكتب وأدب الحياة

إن أغلب الروائيين المعاصرين هم من خريجي التخصصات الأدبية أو اللغوية في الجامعات، وهم يعملون في مكاتبهم بين رفوف الكتب التي تحاصرهم، ولا يريدون النزول الى الشارع والاختلاط بالناس، والخوض في الحياة العملية واكتساب التجارب التي لا غنى عنها لفهم الآخرين.

الجامعات لا تعلّم سوى الأدب الكلاسيكي، وأنه ينبغي أن تكتب الرواية استنادا إلى التجارب الشخصية. وهذا أمر جيد من حيث المبدأ. ولكن كم رواية بإمكان شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره أن يكتبها عن نفسه؟ قد يكتب رواية واحدة جيدة اذا كان صاحب موهبة، ولكن الرواية الثانية ستكون عن شاب كتب رواية ناجحة، ولا يملك الآن نقودا، وليس لديه صديقة أو حبيبة، ويتبهدل يوميا في وسائط النقل العام. وهذا أمر غير ممتع على الإطلاق.

لو كان (ديكنز) قد عمل حسب هذا المبدأ، لكتب رواية (ديفيد كوبرفيلد) فقط. (تولستوي) كان قد خدم في الجيش وخالط علية القوم، وحرث الأرض قبل أن يكتب (الحرب والسلام) و(آنّا كارينينا).

في عام 1916 نشرت مجلة (ليتوبيس) أي ” الوقائع ” التي كان يصدرها (مكسيم غوركي) في العاصمة الروسية القيصرية بطرسبورغ قصتان قصيرتان لإسحاق بابل.

أثارت القصتان اهتمام القراء والنقاد، وأصبح اسم “بابل” معروفًا إلى حد ما. وواصل الكاتب الشاب كتابة قصص جديدة، حيث كان يكتب قصة واحدة كل يوم ويعرضها على (غوركي)، الذي كان يقرأ القصة بتمعن، ثم يقول: “إنها غير صالحة للنشر”. وتكرر ذلك مرات عدة. وأخيرًا تعب كلاهما. وقال (غوركي) بصوته الجهوري الأجش: “إنك تتخيل أشياء كثيرة تقريبية؛ لأنك لا تعرف الحياة بعد. عليك التوجه إلى الناس، ومعرفة الواقع، واكتساب تجربة ذاتية تساعدك على فهم الحياة، قبل أن تكون قادرًا على كتابة قصة جيدة”.

أفاق بابل في صباح اليوم التالي ليجد نفسه -بمساعدة (غوركي) بطبيعة الحال- مراسلًا لصحيفة لم تولد بعد، مع مئتي روبل في جيبه. لم تولد الصحيفة قط، لكن الروبلات المنعشة كانت ضرورية له. استمرت رحلة بابل في خضم الحياة سبع سنوات (1917: 1924م) كان في أثنائها جنديًّا في الجبهة الروسية – الرومانية إبان الحرب العالمية الأولى، ومراسلًا حربيًّا في فرقة «الفرسان الحمر»، وموظفًا في مفوضية التعليم، ومديرًا لدار نشر في أوديسا، ومندوبًا لبعض الصحف في بطرسبورغ وتبليسي. قطع كثيرًا من الطرق، وشاهد كثيرًا من المعارك. وكان طوال تلك السنوات يكتب ويطوّر أسلوبه. ويجرب التعبير عن أفكاره بوضوح واختصار. وبعد تسريحه حاول نشر نتاجاته، وتسلّم من (غوركي) رسالة يقول فيها: “ربما الآن يمكنك أن تبدأ”.

وليس من قبيل المصادفة أن لكل كاتب عظيم تجربته الحياتية الثرية والمتنوعة التي تشكل منهلا لا ينضب لأعماله الأدبية. (همنجواي) كان مراسلا حربيا في الحرب العالمية الأولى والحرب اليونانية – التركية، وخبر عن قرب مآسي الحرب وانطباعاته عنها أصبحت جامعته الأولى، وانعكست في كل أعماله المبكرة، التي تعتبر مواقف ولحظات من سيرته الذاتية، وكان شاهدا على الأزمة الأقتصادية في بلاده، وزار العديد من البلدان المختلفة. وعاش معظم حياته خارج وطنه الولايات المتحدة الاميركية ولم يكتب عنها الا الشيء القليل نسبيا.

(جون شتاينبك) عمل مراسلا لصحيفة “سان فرنسيسكو نيوز” ليس لأنه كان بحاجة الى المال، بل لأنه أراد أن يخوض في أعماق الواقع الإجتماعي ويجمع المادة الأولية لروايته عن هذا الطريق، العمل كمراسل قادته الى معسكر العمال الوقتيين المهاجرين. هكذا ظهرت رواية (عناقيد الغضب). أما (دوس باسوس) فقد جاب البلاد بحثاً عن المادة الأولية لرواية (مانهاتن) وثلاثية (الولايات المتحدة الأميركية).

كبار الروائيين أمثال (بلزاك) و(فلوبير) و(تولستوي) و(دوستويفسكي) و(غوركي)، و(أندريه موروا)، و(ترومان كابوتي)، و(نورمان ميلر) وغيرهم، خاضوا في أعماق الحياة، قبل الجلوس امام طاولة الكتابة.

حقائق الحياة المؤثرة ثمينة بحد ذاتها حتى بمعالجة أدبية بسيطة. ولكن الأدب ليس أثنوغرافيا، أو تأريخا، أو علم اجتماع. معرفة شيء ممتع أوشائق والكتابة عنها مهمة الصحفي وليس الكاتب. ثمة كتّاب تنقلوا بين مهن كثيرة وشاهدوا الكثير من الحوادث الغريبة  وكتبوا عنها، ولكنهم فشلوا في كتابة عمل فني ناضج. لأن استنساخ الواقع  عجز عن الإبداع . الكاتب المبدع لا يجمع المواد لعمله الأدبي، بل يعيش في داخل هذه المواد، ويتفاعل معها ليحولها إلى تجربة روحية  يعرض فيها شيئا لم يكن بمقدور القارئ أن يراه لو كان في مكان الكاتب.

يبدأ الإبداع عندما يصمم الكاتب في ذهنه نموذجا للموقف. يرسم صور الشخصيات، ويطور الفعل. ويملأ الهيكل باللحم والأعصاب. وهنا يتطلب الخبرة الحياتية أين ومتى عاش الأبطال، ما هي ملامحهم، وماذا يعملون، وماذا يلبسون، وكم يكسبون من نقود، ويتنقلون بأي واسطة نقل، وماذا يحيط بهم. الكاتب يتوجه الى ذاكرته وخبرته. وتظهر ملامح الورشة، التي عمل فيها في وقت ما، والأماكن، التي استجمّ فيها.

فهم المادة الحياتية يعني القدرة على إدراك معنى كبير في حقيقة صغيرة. على الروائي أن يتعمق في جوهر الأشياء، ولا يكتفي بوصف مظاهرها الخارجية فقط.

عن جواد الأسدي، ونساء في الحرب

فنان عراقي كاتب ومؤلف ومخرج مسرحي، ولد في مدينة كربلاء عام 1947م. وتخرّج من أكاديميّة الفنون الجميلة قسم المسرح ببغداد 1971، وعلى وصايا أمه “بأن يحمل بلاده كنخلة باسقة، إذا كانت لا تقوى على حمله”، اتجه إلى بلغاريا لينال الدكتوراه من معهد الفيتز ببلغاريا، ودَرَس في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، كذلك عمل مع المسرح الوطني الفلسطيني، أخرج مسرحية (العائلة توت) للهنغاري (شتيفان أوركيني). حازت المسرحية على جائزتين ذهبيتين في مهرجان قرطاج بتونس سنة 1983، كذلك حاز عام 2004 على جائزة الامير “كلاوس” للمسرح.

النظام العراقي السابق أعدم شقيقيه، أما هو فترك العراق وعاد بعد سقوط النظام عام ألفين وثلاثة، ثم اختار الرحيل مجددا، متجولا في المدن العربية والعالمية، مع مسرحه النقّال من بيروت إلى بغداد ودمشق ومراكش، وعن ذلك يقول:

الرحلة طويلة، والطموح كبير، صحيح أنني أستمر في المحاولة، لكنني أسّست في رحلتي المدينية مساراتي انطلاقاً من أن العراق المحمول في رحمي سيبقى كذلك الى الأبد، ودائماً أجد نفسي في مهب الاحتمالات الصافية، وأجد الذرائع المقنعة لهجرتي القسرية، بأنني مخلص للأمكنة التي يثمر فيها عملي بشراً وعروضاً ونصوصاً، وربما مسرّات، سأظل في مساحة مفتوحة، في مسافة تطل على مسافات لا تنتهي.

استطاعت تجربة (الاسدي) المسرحية ان تمثل الحنين والحب والغربة، واستطاعت القبض على الممكنات التي مازالت في حوزة انسان مطحون بالمعاناة، لانه على خشبة حياته وعلى خشبة موته يصرخ دائما: “المجد للحياة”.

صدرت له العديد من المؤلفات منها : (المسرح والفلسطيني الذي فينا)، (جماليات البروفة)، (مرايا مريم)، (العاشورائيون)، (الموت نصا)، (خشبة النص)، (آلام ناهدة الرماح)، (انسوا هاملت)، (المسرح جنتي)، و(نساء في الحرب) و (ليالي احمد بن ماجد).

وأخرج الكثير من الأعمال المسرحية، وأكثرها شهرةً: (رأس المملوك جابر) عن مسرحية لسعد الله ونوس، (تقاسيم على العنبر) المستوحاة من نصوص تشيخوف، و(حمام بغدادي) التي نالت شهرةً عالميّة. وفي بيروت أسّس مسرح (بابل) الذي حرّك وجه المدينة وجذب الجمهور الى خشبته

ومن أعماله الاخراجية الأخرى:  (ثورة الزنج)، (الحفارة)، (ماريا بنيدا)، (ليالي الحصاد)، (المجنزرة ماكبث)، (الاغتصاب)، (الخادمتان)، (انسوا هاملت)، (المصطبة)، (نساء الساكسوفون) و (نساء في الحرب).

يقول جواد الاسدي:

كأنما صورة المنفى والاقتلاعات المزمنة، صنعت عندي الانتماء الطهراني للمقدس، الذي سيج ارواحنا وسنواتنا التالية، دون ان ادري وبدون قصد مسبق، دخلت في ملكوت المسرح من باب المنفى الآخر، كي اظل امجد مرايا الحريق الابدية، في توحد صلواتي ومع طقوسية نيرانية، ربطت عنقي بعنق فلسطين، ارتديت جبتها ولهثت في مخيماتها، وكتبت أسمها على رأس القصيدة الساحرة، حاولت وبشغف ان اتقدم بحذر، بنيت نور الشخصية في الظل البعيد، صبرا على رأسي وشاتيلا في قلبي، الحريق مظلتي والمضي في سفينة الخراب قدري الصلب المعدني، منحت الممثلين أقصى ما لدي من حسرة ودمع، في البروفات وبعدها ثم قبلها كنا نغرف من يوم القيامة قواميسنا ومفرداتنا

دائما كان هناك ثمة قرين حقيقي تبتكره الطبيعة المتوحشة، كيما تزيد وحشتي، يومها وخلال ايام بروفاتي على مسرحية “ماريانا لوركا” ايضا، جنحت الى قراءة الهيجان، وهي رواية تسجل بشفافية ساحرة موت لوركا، على وقع بروفات ماريانا قرأت موت لوركا، ولعل اخطر ما في مسرحية “ماريا لوركا ” هو ان لوركا حقق فيها نبوءته عن طريقة موته، حقا لقد اطلق الرصاص على لوركا الكاتب الاسباني الرائع، بالضبط كما اطلق فونسيكا الشرطي الوغد الرصاص على ماريانا في نهاية المسرحية، انه شاعر رأى موته على الورق، شاعر منح بطلة مسرحيته دماءه الحية، حال انتهائي من قراءة الهيجان، اشهد اني اجهشت بالبكاء، البكاء الصراخ، البكاء الجنون.

سُئل في لقاء صحفي: “في كتابك (مرايا مريم) كيف تنظر الى الصلة الروحية بين القصيدة والمسرحية، وبخاصة انك تنطوي في الصميم على روح شاعر وهذا ينعكس على اختيارك للنصوص وللممثلين معا؟”، فأجاب:

كتاب النشر ستتصدره فاطمة أمي، وجدانياته ستكون حفلة المنافي، وقافلة الذكريات المتنكرة في ازياء الموتى، والمندثرين في قبة العباءات الكربلائية، حاولت ان اعطي لنفسي في هذا الكتاب فرصة التناوب بين البروفة وانعكاسها على ما بعدها، بعد البروفة دائما كنت احس باللوعة، لفقدان ناري لم تتسع له المساحة المسرحية، ولا الممثلين ولا صورة النص، لهذا فان جذور كتاب النثر أتت من أجل ديالوج المشقة، في انتظار المعشوقة الأم، أو الحبيبة المدينة، أو طوفان الرايات والنقر والنواح المبكر، انه مسرح من نوع آخر، يطلق نذوره ممثل صار القاسم المشترك الاعظم، لكل العروض المسرحية التي لم تتسع له، لهذا صار الكتاب ممثلي في الخلوة المنشودة التائهة، كل هذا الذي لا تتسع له سوى المرايا التي تجذبك دائما للبوح، والمجاهرة في خلوة فجر مدنسة، هناك تنبت مفردات النص هناك في جوف الاسطبل، على مقربة من الخيول الذبيحة المصلوبة علنا امام بكاء السائس، هناك في فترات صمت الممثل الذي اسس سلطته فوق الخشبة، مع حشود من جماهير مبهورة ينتابها نزوع نحو اللطم والتهشيم، كل هذا وسراه قدم له مسودة الكلام في البياض الملطخ بالوحل.

يقول الاسدي عن مؤلفاته ومسرحه:

عندما يستعصي على الفنان ملامسة فضائه الاصيل، أو عندما يتهدم في عقل الفنان وطنه وبيته وذكرياته، فإنه يجنح الى إعادة تأسيسها فضائيا، السينمائي يهرب شريطه النابض بتفاصيله الصغيرة والكبيرة، النحات والتشكيلي يبني فضاءه على اللوحة، الموسيقي في عزفه، والروائي في ملكوت بياض الورق يبني عشه، اما المسرحي فانه يظل يلهث، كي يبني بيت النص والعرض، المكان الضيق الواسع.

سُئل أيضا ذات مرة: “لو ننتقل قليلا الى خارج المسرح.. الى اطرافه او حوافه، فما هو “المنسي” او الغائب هناك في الحواف، اود لو تتذكر ذلك النسيان؟”، فأجاب:

الحريق هو المنسي الدائم الذي لا يتسلل الى خشبة المسرح، اقصد حريق البيوت المهجورة، والأمان الميت، حريق الحرية المصلوب في الساحات العامة، حريق الجسد الذي يقوده جلاده لحفلة الاعدام، حريق قلب الحبيبة التي تمشي على حافة الجنون، وهي ترى مقص الجلاد يقص شعر الحبيب الطويل، وهو يهيئه لهبوط المقصلة، حريق الشجر، حريق النهر، حريق الغبار، حريق الزنارين الانفرادية، لسجين يريد ابتكار لحظة الهروب نحو السماء، حريق الرغيف والعوز والمعدة اليابسة، حريق جولييت التي افتقدت روميو الروح، حريق كورديليا من اجل ابيها الحريق، حريق اطراف ثوب العروس، كل هذا وسواه منسي خارج الخشبة المسرحية، التي يزدهر على ناصيتها التثاؤب ثم النوم في تفاصيل النزف الكاذب.

كما أجاب على سؤال: “ماذا تمثل إليك ليلة العرض الأولى؟ اهي ليلة زفاف ام ليلة موت، أم هي شيء آخر؟” أجاب:

ينفرد المسرح بحقيقة الفقدان الذي يسدل الستار المعدني ليس على خشبة المسرح فقط، بل على فرح الممثلين في عيد التشخيص الحي، قبل فتح الستار يشكل لحظات اضطراب تخفق في الروح بين الشرايين، قبل الافتتاح الاول، ينتظر الممثلون والمخرج والعاملون في المسرح حصاد عرقهم وشقائهم وغرامهم المسرحي، ان ليل الافتتاح هي بحق أشبه بالزفاف الأول، أول مفاتحة ضوء، أول بزوغ للمعنى في الكلمة والاشارة، اول خفقة عزف ادائي سحري، اول مقاربة بين وجدان الممثل والمتفرج، في العرض الاول يختفي المخرج خلف جمر الكواليس المنتظرة، يطلق العنان لامتزاج دمائه بدعاء الايقاع للعرض المسرحي، خلف الكواليس يؤشر المخرج اشارته ويصدر اصواته ويصب لقناته، يركض المخرج على حافة الجنون خوفا على العرض، من هبوط مفاجىء أو نسيان مريع، اين يذهب الممثل الخلاق والمخرج الخلاق بعد نهاية العرض؟ لمن يسلم روح مسرحيته ؟ انه هجران من نوع خاص، اسميه احيانا الهجران المميت المضني، واحيانا الهجران الحي في رغبة ملحة للمعاودة مع الصباح الجديد.

عن مسرحية (نساء في الحرب)، يقول (جواد الأسدي) في المقدمة:

لا حدود لأركان النصوص في الشخصيات المقذوفة إلى امكنة مهددة، لأن النفوس في هذه المخلوقات هي نفوس مضطربة، ممسوسة، تطلب المزيد من الطيران في محرقة الهجرة الكبرى.

نص النساء في هذه حرب الهجرة هذه مهدد جسديا، ومكانيا وتأريخيا، لأنهن النساء هنا يبحثن عن نبعهن، وهوائهن الملطخ، من خلال سرد حكاياتهم في الشبق الملتهب للحكي، أو في تفجر القول المرتجل،  هذه الإشارة متروكة للاخراج، الذى يشتهي ردم الحدود والحفر، بعيدا في الماضي من النفس الأنيسة المحتدمة، المحروقة، على الأقل هكذا ارى المسافة بين المبني والمهدوم، المكسور والملحوم، والمرمي على الأرصفة، اقصد ارصفة الممثل في حساسية وعيه الجمالي، الحكي المتفجر، الباحث عن تعقيدات وتدفقات وتوقعات، تعيد لكثافة الدراما الدموية وجها آخر للإنهيارات غير المكتوبة، لأن مجمل العملية المسرحية هي بؤر لإشتباكات، وبحث عن فراديس كلام وامكنة لم تعد ممكنة.

تولدت فكرة نساء في الحرب هذه من تراكم الإحساس، بالفظائع والفضائح والجحيم الذى يتعرض له الإنسان العراقي، عبر بحثه عن مجهول مصيره، بفقدانه لجنة بلاده، في تنقيب مضني عن المكان الآمن، خصوصا بعدما ارتكب بحقهم جريمة  التبعيد والتهجير، منقذفين إلى تيه المطارات والبواخر المهربة والحدود الملغومة.

لقد كتب هذا النص الناقص، الذى لن يكتمل  إلا بطوفان من الروايات، التي تشكلت على مدار حياة اكثر من ثلاثة ملايين مهاجر عراقي، يتمزقون بين الأرصفة والشوارع والبيوت والأمكنة الملفقة.

لن يستطيع هذا النص إلا القبض على جزء، من تلك الجمرة المتفجرة، في آلام الناس البعيدين عن اوطانهم.

لقد كنت أصرخ بوجه أولئك المستسهلين بالأوطان الجديدة، ألا بديل للعراق، فالإنسان الذى يغادر بيته إلى بيت آخر، يظل في حالة من الإرتباك والظلم، لانه تواق ابدا إلى مكانه الأول، إلى رائحة اشيائه المؤنسنه، إلى مصدر ضوء قنديله في غرفته، إلى نار تنور جدته، هنا اتكلم عن العراقيين بوصفهم المرضى الأكثر ضراوة بأمكنتهم.

مر علي اكثر من ثلاثين سنة، وانا اجوب الطرقات والعواصم، التي ربما اثارت اشياء كثيرة ورائعة في حياتي، لكن الفداحة الأكبر أم يبقى باب وطنك مسدودا بوجهك.

أردت أن أوضح غصة وحسرة العراقيين على عراقهم، وأردت أن يكون هذا النص عراقيا، وأن تكون شخصياته وطبائعها، اضوائها ورائحتها، تماما عراقية.

 


من نصوص المسرحية

  1

ننقذف من جوف النوم إلى فجر مبكر!

من خشبة البيت إلى خشبات الشوارع!

منذ الطفولة ونحن نرسم سر الأرصفة على جباهنا!

ومنذ البدأ إلتهمتنا الطرق!

نحن في ذهابنا ومجيئنا في إلحاحنا على الإكتشاف

الريح تزداد، الموسيقى تعلو…

تحول الأرصفة إلى أمكنة

مرفوعة على تواريخ ويوميات، ومسرات

الأرصفة أوطان متباعدة

مدن محتشدة

بيوت ملتوية

بشر ضالون يحملون أوجاعهم واناشيدهم

ملذاتهم وعطشهم

نصوصهم المحرمة المنبوذة!

الأرصفة بيوت بلا جدران

غرف بلا سقوف

تشبه إلى حد بعيد شيخا، مدمنا على الندم!

لا نعرف إن كانت الأرصفة رحيمة أم أليفة

أهي أنيسة أم فقدت الإحساس بوجودها!

هل للرصيف قلب

الرصيف والغريب جملة  واحدة

في سطر مهموم

الرصيف ضوء الغريب

زهرة الغربة

الغريب زاد الرصيف!

ثمة ما نسمية وحل الأرصفة

جحيم الأرصفة، عويلها!

في الغرب، لم تمسني البيوت المطلة على الأرصفة

ولا المقاهي

ولا النساء اللواتي يجرجرن كلابهن بإحتفالية مبهرة!

لا احب أرصفة الغرب

لا ألتوي عليها

لا تلتويني.

أما رصيفي الأول

رغم كهولته، هزيمته، كسوره

فهو يحملني

يؤويني…

عندما يهجر الناس أرصفتهم

ويتركوها بلا إلتفاتات

ولا حسرات ولا دمع

عندما يغلق الناس بيوتهم في الليل ويطفئون المصابيح

عندما تزداد الحلكة والوحشة

يصير من الحكمة أن نطفئ لمبة العالم

ونخلد إلى النوم، كهروب مؤقت

وعربون لسفرة أكثر إيلاما!


2

ريحانة تبالغ بفرحها ترقص، وتصرخ تصعد على الطاولة، ترقص وتكسر القناني، ثم ترمي

الطاولة إلى الأرض!

ريحانة: انت إمرأة كريهة وعقلك عفن

مريم: شكرا (بنفاذ صبر)

ريحانة: أكرهك

مريم: (صمت)

ريحانة: لم يهمك ويقلقك سوى ألمك!، ولا ترين في العالم كله سوى أنانيتك!

نسهر عليك ونخاف ونتألم، ونشاركك أوجاعك، لكنك لم تسأليني يوما عن وجعي!

أليست الصلاة هي القدرة على حب الآخر!، كيف تصلين وانت حاقدة!

كيف؟!

هل سألتني يوماً كيف ولماذا جئت إلى هنا!

هل استفسرت يوما عن عائلتي!، فيما اذا كان عندي عائلة او زوج أو اولاد

هل تقصيت الأسباب التي دفعتني للخروج من بلدي!

ولماذا ذبحوا زوجي عز الدين مثلا، وقطعوه في الشارع إرباً إرباً

لا لشيء، فقط لأنه كان رجلا نزيها ووقف ضد الظلم!

كم كنت أتمنى لو سألتني يوماً لماذا يغرق شعبي في بركة دماء كبيرة

وكيف يولد القتلة

أو أية أمهات تلدهم!

اسأليني لماذا جئت إلى جرمانيا، لماذا اخترت هذا الفردوس المستعار

الممزق، الملوث، الكلاب المترفة، الحدائق الرتيبة، الغابات الميتة!

سأؤكد لك بأنني انوي الزواج من رجل جرماني، وانجب اولاداً جرمانيين

ثم أغسلهم من آثار اللغة العربية والعرب

واكسر أمامهم سيوف تاريخهم، واهزأ من فرسانهم

إنني أكرهكم، اكره صلاتك وصلواتكم، عقائدكم وعقائدهم!

لا أحب بلادي

ولا اغنيات بلادي

ولا شجر بلادي

ولا شوارع بلادي

ولا اي شيء في بلادي!

سأرمي بكل شيء إلى الجحيم، إلى المحرقة

ساحرق ذاكرتي كلها!


3

 مريم:  (تصرخ بجنون)

ماذا سأقول؟

بوجه من ينبغي أن ابصق، وأغرز أظفاري!

لو رأيت الدفن الجماعي، والرجال المتفحمين

لإنفجر رأسك سخطاً وغضباً

أريقت دماء أهلنا ببربرية غير مسبوقة

ذبحوهم ثم تركوهم ينزفون

دون أن يستطيع أحد إسعافهم!

هل رأيت بعمرك شعبا مثل شعبي، يتحول ذبحهم إلى فرجة!

عن الإحساس بالوحدة عند أوليفيا لاينغ

أوليفيا مانينغ (1908-1980). هي روائية بريطانية حائزة على لقب “رتبة الإمبراطورية“. تعددت اختصاصات (أوليفيا)، فبجانب كونها روائية كانت أيضاً شاعرة، وكاتبة، وناقدة. وقد تضمنت رواياتها الخيالية والواقعية تفاصيل من رحلاتها ومغامراتها الخاصة في إنجلترا وأيرلندا وأوروبا والشرق الأوسط. غالباً ما كانت (مانينغ) تكتب مذكراتها من خلال تجاربها الشخصية، وتظل كتبها خير دليل على مقدرتها الإبداعية في الكتابة. ويرجع سبب انتشار كتبها على نطاق واسع إلى تمتع (مانينغ) بحس فني مرهف وتصويرها الحي للأماكن.

أهدت (أوليفيا لاينغ) كتابها (المدينة الوحيدة) إلى كل من عانى من ألم الوحدة و النبذ بسبب الاختلاف:

إن كنت وحيداً

إن كنتِ وحيدة

فهذا الكتاب موجة إليك

تقول في كتابها:

بإمكانك أن تكون وحيداً في أي مكان ، ولكن هناك نكهة خاصة للوحدة التي تعيشها في مدينة ، و أنت محاط بالملايين من البشر .

قد يعتقد البعض أن هذه الحالة مناقضة لأسلوب الحياة في المدينة ، للحضور البشري الهائل من حولك ، ولكن القرب المادي وحدة لا يكفي لتبديد الشعور الداخلي بالعزلة . إنه من الممكن-و السهل حتى- أن تشعر بأنك بائس و مهجور و أنت محاط بالآخرين . بإمكان المدن أن تتحول إلى أماكن وحيدة ، و باعترافنا هذا سنتمكن من اكتشاف أن الشعور بالوحدة لا يقتضي بالضرورة الانعزال الجسدي ، بل يقتضي غياب أو ندرة العلاقة ، القرب ، العطف : إن الشعور بالوحدة يأتي من عدم القدرة ، لسبب أو لآخر ، على العثور على القدر المُراد من الألفة . التعاسة ، كما يُعرّفها القاموس ، هي نتيجة العيش دون رفقة الآخرين . و من الطبيعي أن تصل هذه التعاسة إلى أقصاها حين تكون محاطاً بالجموع دون أن يُرافقك أحد .

و استشهدت (أوليفيا) بسيرة (فاليري سولا ناس) كمثال على أن الوحدة هي إحساسك باختلافك وهي غربتك و أنت وسط الآخرين ، حيث أن (فاليري) ألفت كتاب عن العزلة الاجتماعية وتم رفض كتابها مما ضخم احساسها بالوحدة.

كانت الكلمات بالنسبة لها كل شيء . هي الوسيلة الوحيدة التي تصلها بالعالم . وكانت مصدر قوتها الوحيد ، وكانت الكلمات طريقتها المفضلة لإعادة تشكيل المجتمع بشروطها وإمتلاءاتها . وفكرة احتمالية خسارتها لسيطرتها و تحكمها في كلماتها كانت مخيفة جداً بالنسبة لها . وأوصلها ذلك إلى مرحلة من جنون العظمة ، حيث أصبحت مسلّحة و مستعدة لمقاومة أي توغل أو هجوم من الخارج .

اندريه تاركوفيسكي و “النحت في الزمن “

image-w1280

أندري تاركوفسكي (1932-1986) مخرج وممثل وكاتب روسي، و منظر سينمائي ومدير أوبرا. ولد (تاركوفسكي) في مدينة زفراجيه الروسية الواقعة على ضفاف نهر الفولغا، والده هو الشاعر الروسي (أرسيني تاركوفسكي)، والدته (مايا ايفانوفنا فيشيناكفا). يعدّ (تاركوفيسكي) أيقونة سينمائية مهمة جداً ويُعتبر من أفضل المخرجين في تاريخ السينما . له العديد من الأفلام مثل (طفولة إيفان) عا 1962 و(المرآة) عام 1975. صدر له أيضاً عدداً من المؤلفات منها (النحت في الزمن) عام 1986 والذي ناقش فيه آراؤه حول السينما و صناعة الأفلام، و شارك فيه بعض تأملاته في أفلامه.
يعتبر (تاركوفيسكي) نفسه شاعراً أكثر من كونه مخرجاً و تربطه علاقة قوية بالشعر، وفي واحد من آرائه جاء:

ﺣﻴﻦ ﺃﺗﺤﺪﺙ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻓﺈﻧﻨﻲ ﻻ ﺃﻧﻈﺮ إليه ﻛﻨﻮﻉ ﺃﺩﺑﻲ. ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻫﻮ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺑﺎﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻃﺮﻳﻘﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﻼﺗﺼﺎﻝ ﺑﺎﻟﻮﺍﻗﻊ. ﻫﻜﺬﺍ ﻳﺼﺒﺢ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺗﺮﺷﺪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻃﻮﺍﻝ ﺣﻴﺎﺗﻪ.

في نظره فإن لكل نوع من أنواع الفنون قيمته الخاصة و أغراضه الخاصة التي يقدمها للبشري:

ﻟﻜﻞ ﻓﻦ ﻣﻌﻨﺎﻩ ﺍﻟﺸﻌﺮﻱ ﺍﻟﺨﺎﺹ، ﻭ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ليست استثناء. ﺇﻥ ﻟﻬﺎ ﺩﻭﺭﺍً ﺧﺎصاً، ﻗﺪﺭﺍً ﺧﺎﺻﺎً. ﻟﻘﺪ ﻧﺸﺄﺕ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺃﻥ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻝ ﻣﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ، ﺣﺘﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﻟﻢ ﻳﺠﺪ ﺗﻌﺒﻴﺮﻩ ﻓﻲ ﺃﻱ ﺷﻜﻞ ﻓﻨﻲ ﻗﺎﺋﻢ. ﻛـﻞ ﺷـﻲء ﺟﺪﻳـﺪ ﻓـﻲ ﺍﻟﻔـﻦ ﺍﻧﺒﺜﻖ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﺤﺎﺟﺔ ﺭﻭﺣﻴﺔ، ﻭﻭﻇﻴﻔﺘﻪ ﺃﻥ ﻳﻄﺮﺡ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ ﺍﻟﺘـﻲ ﻫـﻲ ﻣﺘﺼـﻠﺔ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤﻮ ﺑﺎﺭﺯ ﻭﺭﻓﻴﻊ ﺑﺰﻣﻨﻨﺎ. ﻟﻘﺪ ﻧﺸﺄﺕ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺃﻥ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻝ ﻣﻌﻴﻦ ﻣـﻦ ﺍﻟﺤﻴـﺎﺓ ﺍﻟﺘـﻲ ﻣﻌﻨﺎﻫـﺎ، ﺣﺘﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﻟﻢ ﻳﺠﺪ ﺗﻌﺒﻴﺮﻩ ﻓﻲ ﺃﻱ ﺷﻜﻞ ﻓﻨﻲ ﻗﺎﺋﻢ. ﻛـﻞ ﺷـﻲء ﺟﺪﻳـﺪ ﻓـﻲ ﺍﻟﻔـﻦ ﺍﻧﺒﺜﻖ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﺤﺎﺟﺔ ﺭﻭﺣﻴﺔ، ﻭﻭﻇﻴﻔﺘﻪ ﺃﻥ ﻳﻄﺮﺡ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ ﺍﻟﺘـﻲ ﻫـﻲ ﻣﺘﺼـﻠﺔ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤﻮ ﺑﺎﺭﺯ ﻭﺭﻓﻴﻊ ﺑﺰﻣﻨﻨﺎ.

و قد بيّن (تاركوفيسكي) الفرق بين السينما و الأدب، و إمكانيات تحويل المادة الأدبية إلى مادة فيلميّة:

ﻓــﻲ ﺍﻟﺒــﺪء ﻳﺘﻌــﻴﻦ ﻋﻠــﻲ ﺍﻟﻘــﻮﻝ ﺑــﺄﻥ ﻟــﻴﺲ ﻛــﻞ عمل ﻧﺜــﺮﻱ ﻗﺎﺑــﻞ ﻟﻠﺘﺤﻮﻳــﻞ ﺍﻟــﻰ ﺍﻟﺸﺎﺷﺔ. ﺑﻌﺾ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻷﺩﺑﻴﺔ ﺫﺍﺕ ﻭﺣﺪﺓ ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﺗﺤﺘﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭ ﺃﺩﺑﻴﺔ ﺃﺻﻴﻠﺔ ﻭﺩﻗﻴﻘﺔ، ﻭﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺎﺕ ﻣﺮﺳﻮﻣﺔ ﺑﺤﻴﺚ ﺗﺤﻤﻞ ً ﻻ ﻳﺴـﺒﺮ ﻏﻮﺭﻫـﺎ، ﻭﻟﻠﺘﻜـﻮﻳﻦ ﻗـﺪﺭﺓ ﺍﺳـﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻓﺘﺎﻥ. ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ­ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ  ﻫﻮ ﻛﻞ ﻻ ﻳﺘﺠﺰﺃ، ﻭﻋﺒﺮ ﺍﻟﺼﻔﺤﺎﺕ ﺗﻮﺟﺪ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴـﺔ ﺍﻟﻔـﺬﺓ ﻭﺍﻟﻤﺪﻫﺸﺔ ﻟﻠﻤﺆﻟﻒ. ﺇﻥ ﻛﺘﺒﺎً ﻛﻬﺬﻩ ﺗﻌﺪ ﺗﺤﻔﺎ ﻓﻨﻴﺔ، ﻭﻓﻘﻂ ﺫﺍﻙ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺒﺪﻱ ﺍﻛﺘﺮﺍﺛـﺎً ﺑـﺎﻟﻨﺜﺮ ﺍﻟﺮﻓﻴﻊ ﻭﺑﺎﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻣﻌﺎً ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﺼﻮﺭ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺗﺤﻮﻳﻠﻬﺎ إﻟﻰ ﺍﻟﺸﺎﺷﺔ. ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻬﻢ ﻫﻨﺎ ﺗﻮﻛﻴﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﻷﻥ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻗﺪ ﺣﺎﻥ ﻟﻔﺼـﻞ ﺍﻷﺩﺏ عن ﺍﻟﺴـﻴﻨﻤﺎ ﻧﻬﺎﺋﻴﺎً ﻭﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﺣﺎﺳﻢ. ﺑﻌــﺾ ﺍﻷﻋﻤــﺎﻝ ﺍﻟﻨﺜﺮﻳــﺔ ﻣﺒﻨﻴــﺔ ﺑﻮﺍﺳــﻄﺔ ﺍﻷﻓﻜــﺎﺭ، ﻭﻭﺿــﻮﺡ ﻭﻣﺘﺎﻧــﺔ ﺍﻟﺒﻨــﺎء، ﻭﺟــﺪﺓ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ. ﻛﺘﺎﺑﺔ ﻛﻬﺬﻩ ﻻ ﺗﺒﺪﻭ ﻣﻌﻨﻴﺔ ﺑـﺎﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﺠﻤـﺎﻟﻲ ﻟﻠﻔﻜـﺮ ﺍﻟـﺬﻱ ﺗﺘﻀـﻤﻨﻪ.

من ناحية أخرى تحدّث (تاركوفيسكي) عن تأرجح السينما بين أن يكون مادة فنية لها معناها السامي و بين أن يكون سلعة تجارية الغرض الأساسي منها تحقيقة الربح فيكفّ بذلك عن تحقيق غاياته التي نشأ من أجلها:

ﻣﻮﻗﻊ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻤﻠﺘﺒﺲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﻦ ﻭﺍﻟﺼﻨﺎﻋﺔ ﻳﻔﺴﺮ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺷﻴﺎء ﺍﻟﺸﺎﺫﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺒﺪﻉ ﻭﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭ.ﺍﻧﻄﻼﻗﺎً ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ، ﺍﻟﻤﺴـﻠﻢ ﺑﻬـﺎ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤـﻮ ﻋـﺎﻡ، ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺍﻧﻈﺮ إﻟﻰ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺃﻭ ﺇﺛﻨﺘﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻌﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺍﺟـﻪ ﺍﻟﺴـﻴﻨﻤﺎ، ﻭﺍﺳـﺘﻨﻄﻖ ﺑﻌـﺾ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺿﻊ. ﻛﻞ ﺻﻨﺎﻋﺔ، ﻛﻤﺎ ﻧﻌﻠﻢ، ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﻭﻟﻠﻨﻤﻮ.ﻭﻟﻜﻲ ﺗﻌﻤـﻞ ﻭﺗﺘﻄـﻮﺭ، ﻳﻜﻔﻲ ﺃﻥ ﺗﺴﺘﺮﺟﻊ ﻣﺎ ﺃﻧﻔﻘﺘﻪ ﺑﻞ ﺃﻥ ﺗﺤﻘـﻖ ﺭﺑﺤـﺎً ﻣﺆﻛـﺪﺍً. والفيلم بوصفه ﺳـﻠﻌﺔ، ﻗـﺪ ﻳــﻨﺠﺢ ﺃﻭ ﻳﻔﺸــﻞ، ﻭﻗﻴﻤﺘــﻪ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴــﺔ ﺗﺘﻮﻃــﺪ ﻋﻠــﻰ ﻧﺤــﻮ ﻣﺘﻨــﺎﻗﺾ ﻇﺎﻫﺮﻳــﺎ، ﻭﻓﻘــﺎ ﻟﻠﻌــﺮﺽ ﻭﺍﻟﻄﻠﺐ، ﻭﺣﺴﺐ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﺴﻮﻕ ﺍﻟﺼﺮﻳﺤﺔ. ﻭﺗﺠﺪﺭ ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﻫﻨﺎ ﺇﻟﻰ أﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻓﻦ ﺁﺧﺮ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻰ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ. ﻭﻃﺎﻟﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺗﻈﻞ ﻓﻲ ﻭﺿﻌﻬﺎ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻓﺴﻮﻑ ﻟﻦ ﻳﻜﻮﻥ ﺳـﻬﻼً ﺃﺑـﺪﺍً ﻟﻠﻌﻤـﻞ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎﺋﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﺃﻥ ﻳﺮﻯ ﺍﻟﻨﻮﺭ، ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺃﻥ ﻳﺼﻞ ﺍﻟﻰ ﺟﻤﻬﻮﺭ ﺃﻭﺳﻊ.
ﻃﺒﻌﺎً ﺍﻟﻤﻘﺎﻳﻴﺲ ﺍﻟﻤﻌﺘﻤﺪﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻮﺍﺳـﻄﺘﻬﺎ ﻳﺘﻤﻴـﺰ ﺍﻟﻔﻨـﻲ ﻋـﻦ ﺍﻟﻼﻓﻨـﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﺰﺍﺋـﻒ ﻫﻲ ﻧﺴﺒﻴﺔ، ﻏﻴﺮ ﻭﺍﺿﺤﺔ، ﻭﻳﺘﻌـﺬﺭ ﺍﻟﺒﺮﻫﻨـﺔ ﻋﻠﻴﻬـﺎ إلـﻰ ﺣـﺪّ ﺃﻥ ﻻ ﺷـيء ﻳﻤﻜـﻦ ﺃﻥ ﻳﻜـﻮﻥ ﺃﺳﻬﻞ ﻣﻦ ﺍﺳـﺘﺒﺪﺍﻝ ﺍﻟﻤﻌـﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴـﺔ ﺑﻤﻘـﺎﻳﻴﺲ ﻣﻨﻔﻌﻴـﺔ ﻣﺤﻀـﺔ ﻓـﻲ ﺍﻟﺘﻘﻴـﻴﻢ، ﻭﻫـﺬﻩ ﺍﻟﻤﻘﺎﻳﻴﺲ ﺗﻤﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺃﺿﺨﻢ ﺭﺑﺢ ﻣـﺎﻟﻲ ﻣﻤﻜـﻦ ﺃﻭ ﺑـﺪﺍﻓﻊ ﺇﻳـﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻲ ﻣـﺎ ،ﻭﻛﻼﻫﻤﺎ، ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮﺍء، ﺑﻌﻴﺪ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻋﻦ ﻏﺎﻳﺔ الفن؟

فيما بعد أكمل متسائلاً عن العوامل التي توجّه ذوق الجمهور و ما يريده من السينما:

ﺑــﺎﻟﻄﺒﻊ ﺍﻟﻌﻮﺍﻣــﻞ ﺍﻟﺴﻮﺳــﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺔ (ﺍﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻴــﺔ)ﺗﻠﻌــﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻫﻨــﺎ، ﻭﺇﻻ ﻟــﻢ ﺗﺘﻮﺟــﻪ ﺟﻤﺎﻋﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ إﻟﻰ ﺍﻟﻔﻦ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﺔ ﻓﻘﻂ، ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﻳﺒﺤﺚ ﺁﺧـﺮﻭﻥ ﻋـﻦ ﺣـﻮﺍﺭ ﻓﻜﺮﻱ؟ ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻳﻘﺒﻞ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺳﻄﺤﻲ ﻭ”ﺟﻤﻴﻞ” ﻇﺎﻫﺮﻳﺎً ﻛﺸﺊ ﺣﻘﻴﻘـﻲ ﻣـﻊ ﺍﻧـﻪ ﺳﻮﻗﻲ ﻭﺭﺩﺉ ﻭﻣﺒﺘﺬﻝ ﻭﻓﻆ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻫﻨﺎﻙ ﺁﺧﺮﻭﻥ ﻣﺆﻫﻠـﻮﻥ ﻟﺘﻠﻘـﻲ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑـﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴـﺔ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤﻮ ﺣﻘﻴﻘﻲ؟ﺃﻳﻦ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻧﺒﺤـﺚ ﻋـﻦ ﺃﺳـﺒﺎﺏ ﺍﻟﺼـﻤﻢ ﺍﻟﺠﻤـﺎﻟﻲ –ﻭﺍﻷﺧﻼﻗـﻲ ﺃﺣﻴﺎﻧـﺎً – ﻷﻋﺪﺍﺩ ﺿﺨﻤﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ؟ﺫﻧﺐ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ؟ ﻭﻫﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﻣﺴﺎﻋﺪﺓ ﻣﺜﻞ ﻫـﺆﻻء ﺍﻟﻨـﺎﺱ ﻋﻠﻰ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻹﻟﻬﺎﻡ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺒﻮﺍﻋﺚ ﺍﻟﻨﺒﻴﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻄﻠﻘﻬـﺎ ﺃﻭ ﻳﺜﻴﺮﻫـﺎ ﺍﻟﻔـﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘـﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ؟

أمّا عن الزمن و أشكاله وخصائصه، و دوره في التجربة الإنسانية فقد كتب:

ﻳﻘﺎﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺑـﻞ ﻟﻺﻟﻐـﺎء، ﻭﻫـﺬﺍ ﺻـﺤﻴﺢ ﺗﻤﺎﻣـﺎً ﺇﺫﺍ ﻛـﺎﻥ ﻳﺘﺼـﻞ ﺑﺎﻟﻤﺎﺿـﻲ، ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻧﻚ “ﻻ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻌﻴﺪ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ” ﻛﻤـﺎ ﻳﻘﻮﻟـﻮﻥ. ﻟﻜـﻦ ﻣـﺎ ﻫـﻮ ﻫـﺬﺍ “ﺍﻟﻤﺎﺿـﻲ” ﺑﺎﻟﻀﺒﻂ ؟ ﻫﻞ ﻫﻮ ﻣﺎ ﻗﺪ ﻣﻀﻰ؟ ﻭﻣﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻨﻴﻪ “ﻣﻀﻰ” ﻟﻠﺸﺨﺺ ﺣﻴﻦ ﻳﻜـﻮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿـﻲ، ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻜﻞ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﺎ، ﻫﻮ ﺍﻟﺤﺎﻣﻞ لكل ﻣﺎ ﻫـﻮ ﻣﺴـﺘﻤﺮ ﻓـﻲ ﻭﺍﻗـﻊ ﺍﻟﺤﺎﺿـﺮ، ﻟﻜـﻞ ﻟﺤﻈـﺔ ﺟﺎﺭﻳﺔ ؟ ﺑﻤﻌﻨـﻰ ﻣـﺎ، ﺍﻟﻤﺎﺿـﻲ ﺃﻛﺜـﺮ ﺣﻘﻴﻘﻴـﺔ، ﺃﻛﺜـﺮ ﺭﺳـﻮﺧﺎً ﻭﺍﺳـﺘﻘﺮﺍﺭاً، ﺃﻛﺜـﺮ ﻣﺮﻭﻧـﺔ ﻣـﻦ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ. ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ ﻳﻨﺰﻟﻖ ﻭﻳﺘﻼﺷﻰ ﻛﺎﻟﺮﻣﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺻﺎﺑﻊ، ﻣﺤﺮﺯﺍً ﺛﻘﻼً ﻣﺎﺩﻳﺎً ﻓﻘـﻂ ﻓـﻲ ﺗـﺬﻛﺮﻩ. ﺇﻥ ﺧﻮﺍﺗﻢ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺳـﻠﻴﻤﺎﻥ ﻛﺎﻧـﺖ ﺗﺤﻤـﻞ ﻫـﺬﺍ ﺍﻟﻜـﻼﻡ ﺍﻟﻤﻨﻘـﻮﺵ “ﺍﻟﻜـﻞ ﺳـﻮﻑ ﻳﻤﻀـﻲ“. ﺑﺎﻟﺘﺒﺎﻳﻦ ﻣﻊ ﻫﺬﺍ، ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﻭﺟﻪ ﺍﻻﻧﺘﺒـﺎﻩ إلى ﻛﻴﻔﻴـﺔ ﺍﺭﺗـﺪﺍﺩ ﺍﻟـﺰﻣﻦ ﻭﻋﻮﺩﺗـﻪ إلى ﺍﻟـﻮﺭﺍء. ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﺰﻣﻦ ﺃﻥ ﻳﺰﻭﻝ ﺑﻼ ﺃﺛﺮ، ﻧﻈﺮﺍً ﻷﻧﻪ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺫﺍﺗﻲ، ﺭﻭﺣﻲ. ﺍﻟﺰﻣﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﺸﻨﺎﻩ ﻳﺴـﺘﻘﺮ ﻓﻲ ﺭﻭﺣﻨﺎ ﻛﺘﺠﺮﺑﺔ ﻣﻮﺿﻮﻋﺔ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺰﻣﻦ.

بحث تاركوفيسكي في تشكّل المعرفة الإنسانية ، و دور الفن في تحقيق ذلك

ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ، ﻛﻞ ﻓﺮﺩ ﻳﺨﺘﺒﺮ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﻣﻌﺮفة ﺍﻟـﺬﺍﺕ ﻓﻴﻤـﺎ ﻫـﻮ ﻳﺘﻮﺻـﻞ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﻧﻔﺴﻪ ﻭﺃﻫﺪﺍﻓﻪ. ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ، ﻛـﻞ ﺷـﺨﺺ ﻳﺴـﺘﻔﻴﺪ ﻣـﻦ ﺧﻼﺻـﺔ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓـﺔ ﺍﻟﻤﺘﺮﺍﻛﻤﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺠﻨﺲ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ، ﻟﻜﻦ ﻣـﻊ ذلك ﻓـﺈﻥ ﺗﺠﺮﺑـﺔ ﻣﻌﺮﻓـﺔ ﺍﻟـﺬﺍﺕ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴـﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻟﻜـﻞ ﻓـﺮﺩ. و ذاتياً، ﻫـﻲ ﻣﺨﺘﺒـﺮﺓ ﻓـﻲ ﻛـﻞ ﻣـﺮﺓ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ ﺷﻴﺌﺎً ﺟﺪﻳﺪﺍً . ﺇﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳﻘﻴﻢ، ﺍﻟﻤﺮﺓ ﺗﻠـﻮ ﺍﻷﺧـﺮﻯ، ﻋﻼﻗـﺔ ﻣﺘﺒﺎﺩﻟـﺔ ﺑـﻴﻦ ﻧﻔﺴـﻪ ﻭﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﻳﺮﻫﻘﻪ ﺍﻟﺘﻮﻕ إلى ﺇﺣﺮﺍﺯ، ﻭﺍﻟﺘﻮﺣﺪ ﻣﻊ، ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻜﻤﻦ ﺧﺎﺭﺟﻪ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﻔﻬﻤﻪ ﻛﻀﺮﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻷﻭﻝ ﺍﻟﻤﺪﺭﻙ ﺑﺎﻟﺤﺪﺱ. ﺇﻥ ﺍﺳﺘﺤﺎﻟﺔ ﺇﺣﺮﺍﺯ ﺃﻭ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﻮﺣﺪ، ﻭﻋﺪﻡ ﻛﻔﺎﻳﺔ”ﺃﻧﺎﻩ” ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ، ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺍﻟﺪﺍﺋﻢ ﻟﺸﻌﻮﺭ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺎﻷﻟﻢ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻹﺷﺒﺎﻉ. ﻫﻜﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻦ، ﻣﺜﻞ ﺍلعلم، ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻻﺳـﺘﻴﻌﺎﺏ ﺍﻟﻌـﺎﻟﻢ، ﻭﺍﺳـﻄﺔ ﻟﻤﻌﺮﻓـﺔ ﺍﻟﻌـﺎﻟﻢ، ﺃﺛﻨﺎء ﺭﺣﻠﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻧﺤﻮ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻰ “ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘـﺔ“. ﻣـﻦ ﺟﻬـﺔ ﺃﺧـﺮﻯ، ﺫﻟـﻚ ﻳﺸـﻜﻞ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺃﻱ ﺗﻤﺎﺛﻞ ﺑﻴﻦ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﺘﺠﺴﻴﺪﻳﻦ (ﺍﻟﻔـﻦ ﻭﺍﻟﻌﻠـﻢ) ﻟﻠـﺮﻭﺡ ﺍﻹﻧﺴـﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺨﻼﻗـﺔ، ﺍﻟﺘـﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻻ ﻳﻜﺘﺸﻒ ﻓﺤﺴﺐ، ﺑﻞ ﻳﺨﻠﻖ.
ﺑﻮﺍﺳﻄﺔ ﺍﻟﻔﻦ، ﻳﺴـﻴﻄﺮ ﺍﻹﻧﺴـﺎﻥ ﻋﻠـﻰ ﺍﻟﻮﺍﻗـﻊ ﻣـﻦ ﺧـﻼﻝ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑـﺔ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴـﺔ. ﻓـﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ، ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ ﺗﺘﺠﻪ ﺻﺎﻋﺪﺓ ﺳﻠّﻤﺎً ﻻ نهائياً، ﻭﻫـﻲ ﺗُﺴـﺘﺒﺪﻝ، ﻋﻠـﻰ ﻧﺤـﻮ ﻣﺘﻮﺍﻝ، ﺑﻤﻌﺮﻓﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ، ﺣﻴﺚ كل ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﻏﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ ﻳﺪﺣﻀﻪ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺁﺧـﺮ ﻣـﻦ أﺟـﻞ ﺑﻠـﻮﻍ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﺧﺎﺻﺔ.
ﺍﻻﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﻔﻨﻲ ﻳﺤﺪﺙ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺮﺓ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﺻﻮﺭﺓ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻭﻓﺮﻳﺪﺓ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺗﺼﻮﺭاً ﻣﺒﻬﻤﺎً ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ. ﺇﻧﻪ ﻳﻈﻬﺮ ﻛﻜﺸﻒ، ﻛﺄﻣﻨﻴﺔ ﺧﺎﻃﻔـﺔ ﻭﻣﺘﻘـﺪﺓ ﻟﻠﺴـﻴﻄﺮﺓ ﺣﺪﺳـﻴﺎً ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ: ﺟﻤﺎﻟﻪ ﻭﻗﺒﺤﻪ، ﻭﺩﺍﻋﺘﻪ ﻭﻗﺴﻮﺗﻪ، ﻻ ﺗﻨﺎﻫﻴﻪ ﻭﻣﺤﺪﻭﺩﻳﺘﻪ.
ﺍﻟﻔﻨﺎﻥ ﻳﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺷﻴﺎء ﺑﺨﻠﻖ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻜﺎﺷﻔﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻱ، ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ. ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻳﺘﻌﺰﺯ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺑﺎﻟﻼ ﻣﺘﻨﺎﻫﻲ: ﺍﻟﺴﺮﻣﺪﻱ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻨﻬﺎﺋﻲ، ﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻲ ﺿـﻤﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ، ﻭﺍﻟﻼ ﻣﺤﺪﻭﺩ ﻳﻜﺘﺴﺐ شكلاً. ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻦ ﺭﻣﺰ ﻟﻠﻜﻮﻥ، ﻧﻈﺮﺍ ﻷﻧﻪ ﻣﺘﺼﻞ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺮﻭﺣﻴﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ، ﺍﻟﻤﺘﻮﺍﺭﻳﺔ ﻋﻨﺎ ﻓﻲ ﺃﻧﺸﻄﺘﻨﺎ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺬﺭﺍﺋﻌﻴﺔ.