خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الفنون

المسرح والموسيقى والأفلام والرسم والأدب والشعر

الشجاعة في أن تكون نفسك: كامينجز عن الفن و الحياة

eecummings_edwardweston

كتب الفيلسوف الألماني (نيتشة) عندما كان عمره ثلاثين سنةلا يستطيع أحد سواك أن يبني ذلك الجسر الذي تعبر فوقهأنت ولا أحد غيركنهر الحياة. و يقول الشاعر الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1995 (شيموس هيني) وهو يوجه المشورة إلى الشباب: الطريق الحقيقي و الأصيل يمرّ عبر التجارب مُشترطاً صدق المرء مع عزلته، و إخلاصه لخِبرته الذاتية.

كُلّ جيلٍ صاعد يعتقد أن عليه أن يُجابه ضغوطاً لم يسبق لها مثيل للأِمتِثال والإنِخراط في السياق الاجتماعي السائد. و أن عليه أن يُكافح أكثر من الأجيال السابقة ليحمي مَصدر نزاهته: خِبرته الذاتية. إلا أن هذا الإعتقاد نابعٌ من الغرور المُعتاد للثقافة التي لا تُبصر تحيّزاتِها الخاصّة، و تجهل نظائِرها في السياقات التاريخية. وفي الواقع فإن أغلب مايحدث حولنا هو إنعكاس للظروف التي خلقناها و نستمِر في تعزيزها عبر النظام الإعلامي الإيكولوجي الحالي؛ نظام بافلوفي من ردود الفعل الشرطيّة، حيث تُكافأ الآراء الشائِعة السطحية، وتُهاجم الأصوات المتفرِّدة مِن قِبل الغوغاء.

وقف قِلّة من الناس في وجه هذا الإكتساح الثقافي للفردية، ومن أكثرهم ثباتا و شجاعة إي. إي. كامينجز (1894 – 1962)؛ الفنان الذي لم يخش كونه متفرداً و لاتقليدياً. والذي وُصف مِن قِبل أحد أكثر كتّاب سيرته الذاتية دقّة بأنه كانيزدري الخوف، ويعيش حياته في تمردٍ على كلّ من يحاول أن يحكُمها.

في عنوان مقارب للكتاب الصغير الذي يضجّ بالحكمة للشاعر الألماني (رينير ماريه ريلكه) (رسائل إلى شاعر شاب)، نشرت صحيفة محليّة تصدر في ولاية ميشيغن نصّاً قصيراً لـ(كامينجز) بُعيد عيد ميلاده التاسع والخمسين تحت عنوان: نصيحة من شاعر إلى الطلاب. يُخاطب فيه أولئك الطامحين في أن يكونوا شعراءوبطبيعة الحال يتّسع المعنى ليضُمّ جميع الفنانين النابهين الذين يمتلكون الشجاعة لِحدس الحقيقة الإنسانية:

إن الشاعر هو امرؤٌ يتعمّق في المشاعر، ويطوّعها ليصوغها في كلمات.

وعلى الرغم من أن ذلك قد يبدو عملاً يسيراً، بيد أنه ليس كذلك.

فالكثير من الناسيُفكرأويعتقدأويعرفأنّه يشعُر، إلا أن ذلك كله ليس “شعوراً” في الحقيقة. وقرضُ الشعر في لبّه وصميمه خبرةٌ عميقة بالمشاعر، و ما أعنيه هو أنه ليس معرفة” و لا اعتقاد” ولا تفكير”.

و أي إنسان يمكنه أن يتعلّمكيف يُفكر، أوكيف يعتقد أوكيف يعرف، ولكن لا يُمكن لأيّ كان أن يتعلّمكيف يشعُر. تسائلني لماذا؟ لأنك حينتفكّرأوتعتقدأوتعرفتستبطِنُ آراء الآخرين: إلا أنه في اللّحظة التي تغمُرك بها المشاعر وتكوّن خبرة ذاتيه عميقة فلستَ أيّاً سوى نفسُك

و أن لا تكون سوى نفسك، في عالم يبذُل قُصارى جُهده ليلاً ونهاراً، لأن يجعل منك نسخةً مكررةً لمن حولك يعنى أن تجاهد أصعب معركة يخوضها -ولا يتوقف عن خوضها- المرء. 

لا يتحدّث (كامنجز) من فراغ، فقبل أربع سنوات و عقِب منحه الزمالة المرموقة لأكاديمية شعراء الولايات المتحدة الأمريكية، كان قد خاض معركة وتحمّل النقد القاسي الذي وجّه له من الشعراء التقليديين الذين طوقوه بالكراهية نظير شجاعته في كسر التقاليد و كونه في فنّه ”لا أحد سوى نفسهوهكذا بنظرة مُتفحّصة لتلك النزاهة الخلّاقة المنيعة، تعززها أخلاقيات عمل صارمة، يُضيف:

أمّا بالنسبة لأن تنظِم كلمات تعبّر بدقّة عن أعماقك – ولا أحد سواك – فإن ذلك يعني أن تبذل جهداً أكبر من أن يمكن تصوّره لأي شخص لا يُمارس قرض الشعر. تُسائلني لِماذا؟ لأنه لا أيسر من استعمال الكلمات المستهلكه. وهذا مانفعله جميعاً معظم الوقت و لا نكون شعراء حينها.

أمّا إذا وَجدت نفسك، بإنتهاء أوّل عشرة أو خمسة عشر عاماً من الكِفاح و العمل و الإستغراق في المشاعر، قد كتبت سطراً من قصيدة وحيدة، فإعلم أنك محظوظ جداً

وهكذا فإن نصيحتي لجميع الشباب الذين يرغبون في أن يُصبحوا شعراء هي: مارِِسوا عملاً أيسر مثلَتعلّم كيفية تفجير العالم، إلا إذا ماكنّتم متطلّعين – لا مجرّد مستعدّين –للإستغراق في المشاعر، و الكفاح والعمل حتى الموت.

هل يَبدو ذلك لكم مُغمّا؟  ليس كذلك.

إنّها أروع حياة على وجه الأرض.

على الأقلّ هذا ما أشعُر به.


[المصدر]

 

المضمون الظاهر والكامن في الرواية

0703_writing_cog

برنار فاليت. حامل شهادة في الأدب الحديث، ودكتوراه في الأدب الفرنسي، ومحاضر في جامعة باريس 7 (Paris VII).

في كتابه (الرواية؛ مدخل إلى مناهة التحليل الأدبي وتقنياته)، والذي ترجمته الأستاذة (سمية الجراح) إلى اللغة العربية، تحدث عن الرواية بوصفها “عملًا مفتوحًا”. فيقول:

يمكننا القول، إذا استندنا إلى جمالية إعلامية، إن العمل الروائية هو رسالة منجزة بشكل صوري إلا أنها جزئية. ليس للرواية أي بنية محددة مسبقًا، وهي قد تخلصت من أي منظورية. إلا أنها، كي تكون مفهومة، عليها أن تحترم عددًا من الزخارف، أو أن تخلق عادات تؤسس معايير جديدة للمقروئية. تدين بحداثتها المستمرة إلى التوازن، المتقلّب دائمًا والمستقر بين ترقب المتلقي وأصالة المرسل.

وفي ذات الفصل، تابع حديثه قائلًا:

إن العمل المغلق هو أحادي الدلالة ويفرض وجود تفسير أدبي. يرتكز كل عمل فقه اللغة على إنشاء فهم أحادي المعنى للنص. أما العمل المفتوح فهو متعدد القيم، ويفلت من كاتبه، ويتخطى العصر وإطار المجتمع الذي تم تأليفه فيه وقد يأخذ على عاتقه دلالات جديدة، غير قابلة للبت، وفي بعض الأحيان معارضة بشكل كلي للتصميم البدائي لمبدعه. وُلد المعنى المتناقض من ازدواجية الإشارات، وهو بذاته خصب.

ثم تحدث عن الرسالة المتضمنة في الروايات، بفصل أسماه “المضمون الظاهر والمضمون الكامن”، والذي يقول فيه:

يمكن اعتبار الملفوظ الروائي، ما تقوله الرواية، مكانًا للخطاب المزدوج؛ الواحد ذو نمط إخباري بحت، مفهومي؛ والآخر الذي يقتبس من الحكاية إغراءات المتخيّل، يكون سرديًا حصرًا. تتوافق دراسة كل من هذه السجلات مع توجه محدد. فبينما يسعى تحليل المضمون إلى الإمساك بالعناصر المناسبة على مستوى الأفكار فقط ولا يمتنع عن القراءة بين السطور كي يكتشف دلالة عميقة، ماذا يريد النص أن يقول، على العكس من ذلك، ما يعتبره التحليل البنيوي أساسًا هو منطق السرد. ما يهم بالنسبة إلى الإثنوغرافيين، كما بالنسبة لأولئك المدعوين بالشكلانيين الروس، بالنسبة إلى أي محاولة تحليل وثائقي، مكنن أو معلّم، لمدونة سردية، هو فقط الأفعال أو وفقًا لمصطلحية (بروب)، الوظائف. من بين الأوائل، أعتقد (ليفي-ستراوس) أنه بالإمكان الملاحظة:

“لا توجد ماهية الأسطورة في الأسلوب ولا في طريقة السرد ولا في علم النحو لكن في القصة المروية”.

كذلك يبدو أن الرواية تقدم خطابًا سطحيًا، أو معنى ظاهريًا، ومضمونًا كامنًا، أو معنى عميقًا، ويمكننا منذ الآن ملاحظة أنها تتطابق بالنسبة للبعض مع نواتها الدلالية؛ قال (لا فونتين): “لا يجب تقديم درس أخلاقي سوى الملل، أما الحكاية فهي تمرر التعليم الأخلاقي معها”. وبالنسبة إلى الآخرين، تتطابق الرواية مع بنيتها السردية، القصصية أو العاملية.

حليم بركات، عن العلاقة بين الغربة والإبداع

حليم بركات

حليم بركات (مواليد 1933) عالم اجتماع واستاذ جامعي وروائي سوري. له العديد من الدراسات والروايات والمقالات المنشورة.

في كتابه (غربة الكاتب العربي)، نشر فصلًا يتحدث عن العلاقة بين الغربة والإبداع، فيقول مستفتحًا:

أتساءل في هذه الدراسة عن طبيعة العلاقة بين الإبداع الأدبي وذلك النوع الخاص من الهجرة الذي أسمّيه “الغربة” – وهو ذلك النوع الذي يصاحبه إحساس عميق بالنفي نتيجة لاستمرار الانتماء إلى المجتمع الأصلي والحنين إليه، على العكس من تلك الهجرة الطوعية التي تنتهي بالاندماج في المجتمع الجديد وتبنّي هويته.

يبتدئ بعد ذلك في تعريف الإبداع، فيقول:

نعرّف الإبداع بأنه إنتاج أعمال جديدة لا شبيه لها في السابق بسبب حصول رؤية متفردة للعلاقات بين الأشياء أو الكائنات لم يرها أحد من قبل. إنه التخيّل الخلاق الذي يمكّن المبدع من أن يرى علاقات جديدة هي غير تلك العلاقات التي اعتدنا أن نراها ونتعامل معها. […] توصل (جورج لوكاش) إلى أن “الفنانين العظماء كانوا دائمًا روادًا في تقدّم الإنسانية .. بأعمالهم الإبداعية”. وربط (فرويد) بين الإبداع والأحلام حين تخف الرقابة الصارمة على اللاوعي بفعل الوعي التقليدي. ويرى (لورانس هاتيرر) أن “المبدع يملك قدرة عقلية خاصة على الاستفادة من تجاربه الواعية وغير الواعية باختيار مشاعره وأفكاره وتنظيمها وتكثيفها وصياغتها أفكارًا ونتاجًا جيدًا”. 

ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن طبيعة العلاقة بين الإبداع والغربة، قائلًا:

نعرف من الدراسات الاجتماعية النفسية ومن التجارب الخاصة والعامة أن المبدعين في مختلف المجالات أميل إلى النزوع الداخلي أو الانطواء والتأمل الباطني منهم إلى النزوع أو التوجه الخارجي، فالخلق لا يتم بالعمل الجماعي، بل بالعمل التأملي لوقت طويل وباستمراره. وبين النتائج التي توصل رليها الباحثون في هذا المجال أن المبدعين عاشوا نوعًا من العزلة أو الانطواء الذاتي في الطفولة واستمدوا اكتفاءً ذاتيًا من أفكارهم وانشغالاتهم نشاطاتهم الخاصة، ومقابل هذا، وجد الباحثون أن الاتباعيين أو المقلدين عاشوا حياة اجتماعية مكثفة ونزوعًا ظاهرًا للخارج تسوده الطقوسية ورموز العضوية بدلًا من رموز التفرد، واستمدوا اكتفاءهم الذاتي من العلاقات الخارجية فحسب ومن نشاطاتهم العملية الخالية من التأمل.

ويقول في العزلة، بعد ذلك:

إن العزلة التي أراها ملازمة للإبداع هي ذلك التأمل الباطني المنتظم المستمر لا الانفصال والانغلاق والقطيعة. ما أقول به هو ضرورة إيجاد الفسحة الزمانية والمكانية للتأمل وتجاوز الطقوسية والمحدودية المفروضة علينا منذ الصغر.

وعن علاقة ذلك الإبداع بالمجتمع، يقول:

بين الاستنتاجات التي توصّل إليها علم اجتماع الأدب والفن عمومًا أن هناك علاقة بين الإبداع والأزمات المجتمعية. وفي ما يتعلق بتجارب الإبداع الأدبي العربي في هذا المجال، وهذا هو الذي يهمنا في هذه الدراسة، يمكننا أن نناقش بأنه ازدهر في تلك الفترات الزمنية التي اختبر فيها المجتمع أزمات عامة حادة، ورافق ذلك أو نشأ عنه وعي واقتناع بضرورة النقد التحليلي والمواجهة في سبيل تجاوز الأوضاع السائدة في حينه فظهرت في ما ظهر حركات شعبية مناضلة وحركات فكرية وكتابات ثورية.

وأخيرًا، يتحدث عن سبب تلك العلاقة:

بكل بساطة، تؤمن الهجرة بالنسبة إلى الإنسان الملتزم بقضايا مجتمعه تلك المسافة الضرورية التي يرى منها مجتمعه الأصلي بشموليته فيتأمله متحررًا من أشكال الرقابة المباشرة. هذه المسافة أو هذا البعد هو بمثابة التأمل الباطني بعد زمن طويل من الاندماج الكلي والغرق في متاهات التفاصيل والجزئيات والمخاوف التي يستبطنها الإنسان فتتحول إلى رقابة محبطة. بكلام أدق، بقدر ما توفر الهجرة للإنسان مجالات العزلة والتحرر بالمعاني […] تساهم في خلق المناخ الضروري لحصول الإبداع.

ويختتم حديثه بإيضاع معنى السلطة:

وحين نتكلم على السلطة المركزية لا نقصد بذلك مجرد السلطة السياسية. إننا نشمل أيضًا السلطة الاجتماعية – الاقتصادية – الثقافية. بهذا المعنى الأخير، تتميز السلطة في المجتمع العربي بأنها تستمد قوة خاصة من البنى العائلية الأبوية والدينية التي تضفي عليها طابع القداسة فلا تعود قابلة للنقاش.

ويتسع نطاق القداسة ليشمل اللغة لا مجرد الرسالة التي تحملها مما يفسر شدة تقليدية اللغة في الثقافة العربية السائدة وعدم التسامح تجاه الخروج على القوالب والصيغ المتوارثة.

ما بعد التحوّل، عند كافكا

كافكا

 

ما بعد المسخ عند كافكا // أو التحول و ما يليه عند كافكا // الاغتراب عند كافكا

س كافكا (3 يوليو 18833 يونيو 1924) (بالألمانية: Franz

فرانز كافكا (1883-1924) كاتب تشيكي يُعدّ واحداً من أفضل الأدباء الألمان في فن الرواية والقصة القصيرة، ويعتبر  رائد الكتابة الكابوسية. درس الكيمياء و الحقوق و الأدب في الجامعة الألمانية في براغ.

نُشرت له رواية (التحوّل) في عام 1915، وهي واحدة من أشهر أعمال القرن العشرين وأكثرها تأثيراً حيث تتم دراستها في العديد من الجامعات والكليات في العالم الغربي. تتناول الرواية وصف الحياة اليومية لعائلة (غريغور) الصغيرة بعدما وقع لـ(غريغور)، والحياة اليومية لـ(غريغور) نفسه وهو في هيئته الحشرية المكتسبة وقد بقي وعيه وعواطفه على ما كانت عليه قبل التحول، والتطرّق إلى عوالم الغربة والاغتراب الداخلي في النفس البشرية وعدم الإحساس بالأمان. وقالت المترجمة (سوزان بيرنوفسكي) لموقع لوكال الالماني: “إن المسخ قصة مثلى عملياً”  مشيرة الى ان البداية الغريبة تستحوذ على اهتمام القارئ فيما تتكفّل البقية بابقائه مشدوداً:

إذ استيقظ (غريغور سامسا) ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب، وجد أنه قد تحول و هو في سريره، إلى حشرة عملاقة. كان مستلقياً على ظهره، الصلب مثلما درع، ولما رفع رأسه قليلاً، رأى كرشه، منتفخة، داكنة، تجزِّئها خطوط مقوسة جاسية، والغطاء بالكاد ممدود على أعلاها، ويكاد أن ينزلق عنها كلية. وكانت قوائمه العديدة، والدقيقة بشكل فادح بالنظر إلى ضخامة بدنه، ما تنفكّ تهتز، في حركة يراها ولا يستطيع إزاءها شيئاً.

تعرض (التحوّل) فكرة فقدان التواصل كخطوة أولية في اغتراب الأفراد:

أدرك (غريغور) أن الانعدام التام للتحادث المباشر مع أي إنسان والحياة الرتيبة التي يعيشها في الوسط العائلي، قد تسببتا له بالتأكيد، على امتداد هذين الشهرين، في بلبلة الذهن، وإلا فكيف يمكنه أن يفسّر لنفسه بكل جدية توقه إلى رؤية غرفته و قد أُفرغت؟ أكان يرغب حقاً في أن يترك الغرفة الدافئة ذات الفراش المريح الذي ورثته عائلته تنقلب إلى كهف، ولكنه سينسى فيه أيضاً، وبشكل سريع، ماضيه الإنساني بأكمله؟ ذلك أنه في الواقع على وشك أن ينساه.

كما و يعطي لمحة عن صراع الفرد بين ما كان عليه قبل تغيّره وما يصير إليه بعده، و التنافس بين داخله كإنسان له عاطفة وذكريات وبين ما آل إليه جسده كحشرة عملاقة لها احتياجاتها من الفراغ والمساحة الخالية:

إلا أنه اضطر إلى الاعتراف بنفسه بأنه لن يقوى على احتمال ما يحدث لوقت طويل. فقد كانتا تخليان الغرفة من محتوياتها، كانتا تنتزعان منه أحب الأشياء إليه … فجأة اجتذبت ناظريه صورة المرأة التي كانت مدثرة كلية بالفراء، تلك الصورة التي كانت الوحيدة المتبقية في وسط جدار عار مما عداها ؛ فمضى متسلقاً صوبها بأسرع ما أمكنه، والتصق بقطعة الزجاج التي تغطيها.

و في الحديث عن الاستسلام للعزلة و الاهمال المتكرر و المتزايد للفرد من الآخرين و خصوصاً المقربين وما ينجم عن ذلك من تقلّص للذات و عدم الرغبة في الاستمرار:

و الآن؟ تساءل (غريغور)، وهو ينظر حواليه في الظلمة. ولم يتأخر في اكتشاف أنه الآن قد أضحى عاجزاً تماماً عن الحركة. لم يدهشه ذلك بل إنا ما بدا له غير طبيعي تماماً، هو أنه حتى هذا الوقت كان بمستطاعه أن يتنقل على قوائمه تلك، الصغيرة والناحلة جداً. وفيما عدا هذا فإنه شعر ببعض الارتياح. حقاً كان الألم مستشرياً في سائر جسده، لكن كان لديه انطباع بأن حدة آلامه كانت تخف تدريجياً وتتضاءل وأنها آيلة في نهاية الطاف إلى التلاشي كليّة. وكان قد فقد الإحساس إلى حد بعيد بالتفاحة المهترئة المنغرسة في زهره وبالمنطقة الملتهبة فيما حولها، والتي كان يغطيها غبار دقيق. واستذكر عائلته بحنان وحب. وكانت فكرة ضرورة اختفائه قد أضحت أكثر ترسخاً لديه ربما منها لدى أخته. واستمر في تأملاته الغامضة، في حال من السكينة إلى أن أعلنت ساعة البرج الثالثة صباحاً. وشهد الضوء وقد بدأ ينتشر في الخارج، أمام النافذة. ثم هوى رأسه أرضاً رغماً عنه ومن منخريه انطلق في وهن آخر أنفاسه.

يطرح (كافكا) فكرة أخرى بخصوص دور التجارب في تشكيل ردات الفعل تجاه التغيّرات والتحولات في الأشخاص والأحداث وأهميتها في بناء الشخصية القوية:

فتلك الأرملة المسنة، التي لا شكّ أن بنيتها القوية قد كفلت لها أن تجتاز أسوأ المحن خلال حياتها الطويلة، لم تكن تشعر باشمئزاز حقيقي من (غريغور) … كانت تبلغ حدّ مناداته و دعوته إلى القدوم نحوها بتعابير كانت تعتبرها، ولا شكّ، وديّة ، مثل: “اقترب قليلاً، يا خنفس الروث!”.

في السخرية عند محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني [2] التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب حمل اسم (الرسائل)، جُمعت تلك الرسائل التي تبادلها كلًا من (درويش) وصديقه (سميح القاسم) (1939-2014)، وأحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، رئيس التحرير الفخري لصحيفة كل العرب، عضو سابق في الحزب الشيوعي. 

في رسالة أرسلها (درويش) إلى (سميح) بالخامس من أغسطس، عام 1986 من العاصمة الفرنسية (باريس)، تحدث (درويش) عن السخرية، فقال في رسالته:

هل أسخر؟ أسخر كثيرًا. فالسخرية وهي البكاء المُبطن خير من دموع الاستعطاف، لأن الرجل قد امتد بنا إلى ما دون أرذل العمر، إلى يوم نهبُّ فيه لمواساة القاتل بما حلّ به من مصاب. هو تأنيب الضمير، حين أتقن لعبة البكاء الإلكتروني على ضحايانا، فكدنا نقول له: “اغفر لنا موتنا على يديك .. اغفر لنا أننا سببنا لك بعض الإزعاج!”.

اضحك، يا ولدي، اضحك. فليس في وسعنا أن ننساق في لغة الحزن أكثر مما انسقنا، فلنوقفها بالسخرية، لا لأن السخرية هي “اليأس وقد تهذّب” كما يقولون، بل لأنها لا تثير الشفقة، ولأنها تنزل القاتل من منزلة الفكرة المجردة، السلطة المطلقة، إلى “إنسانية” تتعارض مع إنسانية البشر ومع الطبيعة الإنسانية، إلى “إنسانية” مضحكة بقدر ما هي مرعبة.