خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الفنون

المسرح والموسيقى والأفلام والرسم والأدب والشعر

لقاء مجلة (الثقافي) الاسبانية، مع الروائي أمين معلوف

أمين معلوف، ولد في لبنان ويعيش في فرنسا منذ سنة 1976، كتب العديد من الروايات وترجمة أعماله إلى سبع وثلاثين لغة.

ننقل لكم، ترجمة حصرية لنص الحوار الذي نشرته مجلة ” الثقافي (El cultural) مع الكاتب اللبناني (أمين معلوف)، والتي قابله فيها الصحفي (أندريس سيوان).

خلاص البشرية يمر عبر استعادة أيديولوجية عالمة.


نشر الكاتب اللبناني (أمين معلوف) (غرق الحضارات)، وهو دراسة دقيقة وواضحة، يبدأ من غروب العالم العربي، ليصل إلى نهاية أيديولوجيات القرن العشرين والانزلاق المدمر الذي وصل إليه في كل جهات وثقافات الكوكب.

بعدد مرور كل عقد من الزمن، و لمدة 30 عام، يطل الكاتب والأكاديمي (أمين معلوف) على هاوية الذاكرة وعلى المقاطع المأساوية للتاريخ الحديث للخوض في قراءة مريرة للماضي في محاولة لفهم التأسفات على الحاضر وخصوصا تحديات المستقبل. إذا كان الكاتب اللبناني في عام 1998 توقّع في كتاب سابق (الهويات القاتلة) وجود قومية فاعلة سياسية بارزة اليوم، وفي عام 2009 توقف عند اضطراب العالم من خلال فقدان القيم اليوم بلا منازع، فهي الآن تعتبر مواضيع الساعة مثل الآلية، الذكاء الاصطناعي، التدهور البيئي، التطرف الإسلامي والخطر الذي يتربص بالمشروع الأوروبي وهذا ما يملأ صفحات (غرق الحضارات) الصادر عن دار النشر Alianza.

انطلاقًا من ذكريات طفولته وعائلته، والتي تبدأ عند نهاية العالم العربي الاستعماري، والتي أثارها الأدب السكندري العالمي  لـ(قسطنطين كفافيس)، أعظم شعراء اليونان المعاصرين، و(أونغاريتي)، الشاعر الإيطالي المولود بالإسكندرية 1888، يتتبع الحائز على جائزة أمير أستورياس (2010) رحلة مثيرة وعاطفية عبر “التاريخ الكارثي للعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين”. انطلاقا من  حلم لبنان المجهض في شبابه، إلى الجهادية اليوم، مرورا عبر مصر العربية الناصرية أو الثورة الخمينية الإسلامية، التي كان شاهدا عليها، يحلل (معلوف) العواقب المأساوية للصدام الحضاري الذي تنبأ به (صموئيل هنتنغتون) الذي نشهده اليوم. دون أن يغفل تحديات المستقبل: “رغم أن غرق مجتمعاتنا هو شيء واقع لا محالة، البشرية لن تسمح بزوال كل الإنجازات التي تحققت”.


في منتصف القرن العشرين، تبنت العديد من الدول العربية، بقيادة مصر (جمال عبدالناصر) قومية اشتراكية أو شيوعية، لماذا فشل هذا النموذج ومعه مفهوم العروبة؟

إنها قضية معقده، ولكن بشكل عام، فشلت النزعة القومية العربية من وجهتين. السبب الأول هو أنه بنت نفسها على المعركة ضد الغرب، وهذا شيء طبيعي تماما، لأن المستعمرين كانوا الغربيين، ولكن ذلك دمر التعايش. السبب الثاني أنها اعتمدت على النموذج السوفياتي، والذي، كما راينا في وقت لاحق في U.R.S.S. نفسها، لا يمكن إلا ان تفشل. فقد أفلست سياسيا لأنها كانت تقوم علي السلطوية وتقييد الحريات، واقتصاديا لأنها كانت تقوم علي شكل مركزي وبيروقراطي للغاية على اشتراكية غير فعاله للغاية. واضطرت قوى التغيير في العالم العربي إلى اعتماد نموذج معطل، فعانت من عواقب هذا الاختيار.

ومع ذلك، فان هذا النموذج لم يكن هو السبيل الوحيد. تتذكرون في كتابك (لبنان) عندما كنت شابا، و الذي كان مثالا على تعايش متعدد الأعراق والطوائف، لماذا فشل هذا النموذج في وقت كان بإمكانه أن يكون منارا في المنطقة؟ هل كانت قوة هذا التكامل هي سبب ضعفه؟

إن فشل التجربة اللبنانية يرجع إلى عوامل مختلفة تماما، وكذلك مضادة. وما كان كارثيا بالنسبة للبلاد هو انها أرادت تنظيم علاقات بين مجتمعاتها العديدة بطريقه مشروعة فقط علي الورق، ولكنها في الواقع كانت مضرة تماما. كان النموذج يريد الاعتراف بوجود مختلف المجتمعات المحلية، وأعتقد أن ذلك لا غنى عنه، ولكن الطريقة التي تم بها ذلك، مع نظام التحصيص، في دولة مركزية ضعيفة عانت بشكل متزايد من ضغوط قوية من طرف كل الجماعات، كل ذلك أدّى إلى الفشل بعدم القدرة علي بناء شعور حقيقي من الانتماء، والولاء الوطني. وبعد عقود من الحرب، نشهد اليوم ظاهرة في شوارع بيروت، وهي ثورة ضد هذا الوضع الراهن. يحتج الناس علي انهم انقسموا إلى مجتمعات محليه وتم استغلالهم، وآملُ ان يؤدي ذلك إلى تغيير كان ينبغي أن يحدث قبل 40 سنة.

في 1967، كانت بداية نهاية العالم العربي ذو الاتجاهات التحديثية، ماذا كان دور الحرب مع إسرائيل والهزيمة التي تلتها؟

كانت حرب 67 بداية لنهاية قومية عربية سعت رغم انها ليست علمانية بحتة، إلى تحقيق المساواة بين جميع الطوائف وفصل الدين عن الحياة السياسية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت النزعة القومية تستند أساسا إلى الدين، وكان الصراع بين العرب والإسرائيليين عاملا حاسما في هذا التطور، لأنه كان ذريعة لجميع أولئك الذين لا يريدون تغييرا حقيقيا. ولكن الأخطر من الصراع نفسه هو السبيل للرد عليه. في كتابي أتحدث عن حالات مثل كوريا الجنوبية، والتي لما يقرب من 70 تواجِه تقسيم البلاد مع ديكتاتورية شيوعية محطمة في الشمال والتي تجعلهم في خطر الحرب الدائمة. ولكن هذا لم يمنعهم من الحسم بأن الأولوية هي التنمية والتعليم والتقدم … مشكلة العالم العربي هي اننا لم نقل في اية لحظة سنحرز تقدما و سنري كيف نحل هذا الأمر. كان هناك هاجس مشلول للغاية و مُفقرٌ مستمر حتى اليوم.

منذ تلك السنوات بدأ العالم العربي ينجرف تدريجيا نحو الأصولية، ولكن كيف وصل مِن “زمن الخليفة الحكم” – تعبير لـ(جمال عبد الناصر)- إلى هذا العالم العربي التقليدي والراديكالي الذي نراه اليوم ؟

حتى الستينات من القرن العشرين، كانت الحركات الإسلامية تقريبا غير موجودة وبدون أدني تأثير علي الحياة السياسية والاجتماعية. كان النجم اللامع هو (عبد الناصر) والأيديولوجية المسيطرة هي القومية العربية. الحقيقة أن (عبدالناصر) كان ذو نفوذ كبير في المنطقة، ولقرون، عانت المنطقة من فشل يوازي هزيمة 67، كل ذلك أدى لتشويه العروبة كرد فعل، وعادت المصداقية للحركات التي عانت كثيرا من (عبدالناصر).

وفي رأي (معلوف)، منذ 1977/1978 هذه الإسلاموية أضحت من الصعب إيقافها، عندما جاءت تلك الحركة إلى السلطة في بلد كبير وقوي مثل إيران وعندما اندلعت الحرب الافغانية الأولي، حيث ولدت الجهادية التي كانت في ذلك الوقت  ضد الاتحاد السوفيتي ومن ثم ، قليلا قليلا، أصبحت “ضد الغرب”. دورة من الأحداث التي كان يمكن التنبؤ بها والتي  يوجه فيها الكاتب اللوم لجميع الأطراف علي قدم المساواة. “ساهم السوفييت في تدخلهم الأخرق وغير المنتظم في أفغانستان، وكذلك الغربيين، وخاصه الأميركيين، من خلال تشجيع الجهاد لمواجهة الاتحاد السوفياتي”.

حول الجهاد الحالي، يرى (أمين معلوف) أنه رغم هزيمة الدولة الإسلامية  “يمكن بزوغ حركات جديدة من نفس النوع، فهذه الجماعات المتطرفة، غالبا ما تكون مستعملة من أطراف أخرى لأهداف سياسية”. لكن يعتقد الكاتب الأكاديمي أن الغرب أعطى أهمية مبالغ فيها لهذه المجموعة.

“لقد سقط الغرب في فخ الوهم الذي أوجدته تلك الحركة، التي اتخذت اسما مزيّفا جدا، كما لو كانت خلافة أو دولة، وهذا أمر سخيف. انها ببساطة جماعة راديكالية، شبيهة بتنظيم القاعدة، والتي بسبب عدم استقرار العراق وسوريا استقرت في أحد أقاليم البلدين. وأعتقد ان الغرب قد أعطاها الكثير من الأهمية ليتكون قادرة علي إعلان انتصار ما في يوم من الأيام “.

سنة 1979، سنة لها أهمية داخل كتابك، السنة التي تُسمي بالثورة المُحافِظة. ماذا يمثل لك أشخاص كـ(آية الله الخميني) أو (مارغريت تاتشير)؟ وأي عالَم ظهر حينئذ؟  

ظهر العالم الذي ما زلنا نعيشه الآن، والذي تشكلت احداثه منذ 40 سنه مضت، تزايد التطرف الإسلامي وادعاءات الهوية، كما تجلي منذ ذلك العام، وخاصة بعد الثورة الإيرانية، أصبحت يوما بعد يوم عاملا رئيسيا في راس المال السياسي. وعلاوة علي ذلك، ننظر إلى (تاتشر)، ومن ثم (ريغان) في الولايات المتحدة ، وصعود الليبرالية اقتصاديا وسياسيا والحركات المحافظة والقومية التي بدأت منذ ذلك الحين حيث لا يمكن وقفها، والآن نفس الدور يظهر في الهند والبرازيل وإيطاليا والمملكة المملكة المتحدة ، الولايات المتحدة…

كما تشير إلى ذلك، وخارج العالم العربي، فإن الغرب أيضا قلق. علي سبيل المثال، كنتَ قد حذَرتَ منذ سنوات، مع الجبهة الوطنية، أن الشعوبية السياسية الأوروبية ليست أمرا عابرا، لماذا تجذَّرَت إلى هذا الحد؟

أعتقد ان العامل الحاسم في ظهور الحركات الشعوبية وديمومتها هو تصور وجود تهديد. تهديد اقتصادي واجتماعي، وخاصة خطر قادم من العالم العربي. التهديد الذي يمكن ترجمته في أعمال العنف الإرهابية، والهجرة الجماعية، وهذا هو الشيء الأول الذي يغذي صعود السياسيين الشعبويين. وبما ان هذه ليست ظواهر عابرة، حيث ان الوضع في العالم العربي لا يبدو انه سيستقر في العقود المقبلة، فإن غذاء الشعبوية الغربية سيظل موجودا لفتره طويلة.

الوجه الأكثر مرارة لهذه المشكلة هو أزمه اللاجئين. كنتَ مهاجرا من دولة عربيه كانت تعيش في حرب أهلية، هل خانت أوروبا قيّمَها ؟

بمعنى آخر، صحيح انه في هذا العصر الذي حققت فيه الإنجازات التقنية تحسينات لا يمكن تصورها، أصبح العالم أكثر انغلاقا مما مضي. وهذا نتيجة للشعور السالف الذكر بالتهديد، وأيضا لسقوط نعمة القيم التقليدية لليسار الغربي، وخاصه الاوروبي، التي هو بالتأكيد في أزمة. فكرة العالمية واحترام تنوع الثقافات التي جعلت من أوروبا بوتقة انصهار الأجناس التي كانت في العقود الأخير، قد اختفت لصالح الرأسمالية التي بعد اختفاء الشيوعية أبانت عن أسوأ وجه لها، والأكثر استغلالا للإنسانية، وهذا أمر يحتاج إلى تغيير ولا يمكن أن يحصل إلا من خلال الضغط الداخلي للراي العام.

الاتحاد الأوروبي نفسه، مفهوم أوروبا، معرض للخطر، كما نراه الآن بخروج  بريطانيا من “البريكست”، لماذا يتجه العالم بأسره نحو التجزؤ، لماذا نعود إلى القبيلة ؟

إن هذه ظاهرة عالمية، واعتقد ان السبب الرئيسي يكمن في اختفاء النقاش الفكري بين الرأسمالية والشيوعية الذي حدد جزءا كبيرا من القرن العشرين. وقد اُستعيض عن ذلك بادعاءات الهوية الساخطة والعنيفة في كثير من الأحيان والتي تُجزِّئ جميع المجتمعات، وهذا تراجع أخلاقي وفكري. وفي أوروبا فإِن ما تحقق بعد الحرب العالمية الثانية، كان أكثر دراماتيكية، بحيث كان مشروع الاتحاد الأوروبي هو الأكثر جمالا الذي أنتجه العالم في القرن الماضي. ويجب أن ينتصر. من أجل ذلك ينبغي اتخاد قرارات حاسمة، مثل المدى الذي ستُدمج فيه البلدان ودورها في العالم. وقد يدرك الناس والقادة ذلك ويسعون إلى تحويل المؤسسات، لكنها ستكون عمليه طويلة ومعقدة.

تختتم الكتاب بالتحذير، وان كان مع لهجة من الأمل، فالأخطار المختلفة هي أكثر في الحاضر من تلك المستقبلية، مثل الآلية، وتغير المناخ، والذكاء الاصطناعي… هل مازال ممكنا العودة إلى الطريق الصحيح ؟

أرى أنه من المستحيل تجنب فترة من الاضطرابات، والتي اسميها غرقاً. سيحدث، نعم، ولكن بعدها يجب البناء، لن يكون ذلك نهاية العالم. إذا فكرتُ في شعوري العميق، أود ان أقول اننا سنمضي فترة صعبة للغاية ولكننا سنستعيد عافيتنا وسنحاول بناء الأشياء علي أسس أفضل. نحن بحاجه إلى البقاء هادئين، لأنه يتعين علينا بناء عالم قادر علي العمل. ليس ثمة حلول إعجازية، لكن ينبغي التفكير في طرق جديدة للتعايش، وهو أمر مُلزم لنا. ليست هناك عوالم أخرى من غير عالمنا هذا لنتقاسمها، لذا ينبغي تنظيم العيش بيننا. وهذا ليس سهلا، ذلك يتطلب الاحترام المتبادل ورؤية للإنسانية والهوية تحتاج إلى عمل أكثر. كما يتوجب علينا ان نحاول استعادة أيديولوجية عالمية، شيء يضم جميع الحضارات كما فعلت في السابق الاشتراكية والشيوعية، دون السقوط في مطابتهما. انه عمل هائل ينتظرنا، وقبل كل شيء، مفتوح للأجيال الشابة، التي ستعيش في السنوات  الأربعون أو الخمسون المقبلة.


[المصدر]

 

قصة حياتي: كيف يشكل السرد شخصياتنا؟

 

 هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

في رواية (بول مورّاي) (سكيبي يموت) تجيء لحظة يعاني فيها بطل الرواية (هاورد) من أزمة وجودية فيقول: “ليست هذه الصورة التي تخيلتها لحياتي”. 

فيرد صديق: “ما الذي توقعته؟”

يتأمل (هوارد) السؤال: “أعتقد- يبدو هذا أحمقًا- لكني أظن أنني اعتقدتُ بوجود منحنى سردي أكثر في حياتي”.

لكن هذه الفكرة ليست حمقاء على الإطلاق. بالرغم ربما من حقيقة أن حياة الواحد المعروضة منذ بدايتها حتى نهايتها لن تمثل سردًا لمراقبها من الخارج، إذ أن الطريقة التي يختارها الآخرون لقص حكاية حياتهم للآخرين والأهم لأنفسهم لا تتبع دومًا تقريبًا منحنى سردي. فحين تروي قصتك فيما أصبحت وفيما كنت قبلها تصبح القصة بذاتها جزءً من هويتك.

يكتب (دان مكادمز) بروفسور علم النفس في جامعة نورث ويتسرون مشاركًا (إريكا مانزاك) في فصل لدليل الشخصية وعلم النفس الإجتماعي لجمعية علم النفس الأمريكية:

لا تعكس قصص حياة الواحد شخصيته ببساطة. هذه القصص هي الشخصية، أو بدقة أشد هي الأجزاء المهمة من الشخصية بالإضافة إلى الأجزاء الأخرى كالسمات المزاجية، الأهداف، القيم.

في مجال علم النفس السردي ليست قصة حياة الشخص سيرة ذاتية على موقع ويكيبيديا تتضمن الحقائق والأحداث التي حصلت فيها، لكنها الطريقة التي يجمع فيها الشخص بين هذه الحقائق والاحداث في داخله، كيف ينتقيها أجزاءً ثم يعيد نسجها ليكون لها معنى. يصبح هذا السرد شكلًا من أشكال الهوية: فالأشياء التي يختارها ليضمنها في القصة، والطريقة التي يرويها فيها يمكن أن تشكل هويته وتعكسها. ليست قصة حياة الشخص محض إخبارٍ بما حدث، بل هي تطرح سبب أهميته، وما تعنيه لما عليه الشخص الآن، ولما سيصبح عليه، ولما سيحدث بعدها.

يقول (جونثان أدلِر) الأستاذ المشارك في علم النفس في كلية أولين للهندسة:

أحيانًا في حالات التوحد الحادة لا يشكل المصابون بناءً سرديًا لحيواتهم، لكن النمط الافتراضي لإدراك الإنسان هو النمط السردي.

حين يتحدث الأشخاص للآخرين عن أنفسهم عليهم تقريبًا أن يحكوها سردًا، إنها الطريقة التي يتواصل بها البشر. لكنهم حين يفكرون بحيواتهم بينهم وبين أنفسهم فدومًا ما يسلك ذلك منحنى سرديًا، بحبكة تسير من نقطة إلى أخرى. وهناك مثل مأثور يقول بأن داخل كل شخص كتاب. (كريستوفر هيتشنز) قال مرة: الداخل “هو بالضبط أينما أظن يجب أن يظل في معظم الأحيان”. هل هناك أي شخص في هذا العالم بقصة حياة ليست على شكل قصة أبدًا، ولكنها أقرب لكونها تمثيل مفكك غير تقليدي لوجوده؟

تقول (مونيشا باسباثي) برفسورة علم نفس التنموي في جامعة يوتا: “يستحيل تقريبًا التطرق لهذا السؤال من ناحية علمية”. فحتى لو كنا “حيوانات حكاءة” كما أسمانا (جونثان غوتشل) فما الذي يعنيه هذا من شخص لآخر؟ إذ أن الأمر لا يتمحور فقط حول الاختلافات الفردية في الطريقة التي يفكر بها الأشخاص بقصصهم، بل هناك اختلاف شاسع في الدرجة التي ينخرطون فيها في القص السردي أصلًا.

تقول (كايت مكلين) الأستاذ المساعد في علم النفس في جامعة ويسترن واشنطن: “يكتب البعض في مذكراتهم مستبطنين لذواتهم متعمقين فيها، والبعض الآخر ليس كذلك إطلاقًا”. فرغم أن عادة التدوين المستمر هي طريقة لتوثيق قصة الحياة لكنها لا تشكل دومًا سردًا عميق الانفعال. حين أجريتُ منذ عدة شهور مقابلة مع الكاتبة (سارة مونقوسو) والتي داومت على تدوين يومياتها لمدة خمس وعشرين سنة وما زالت أخبرتني: “لم يكن السرد يومًا أسلوبًا تسرب إليّ بيسر”.

بيد أن جميع الباحثين الذين تحدثت معهم كانوا مقتنعين بأنه ولو لم تكن الفكرة عالمية متعارف عليها بنسبة 100% فإنها تظل على الأقل شائعة جدًا.

تقول (باسباثي):

أعتقد أن جميع البالغين الطبيعيين السلميين يشتركون في قدرتهم جميعًا على تكوين قصة حياة. يمكنهم جميعًا جمع الأجزاء وتكوينها… فلنحظى بعلاقات علينا جميعًا أن نحكي أجزاءً من قصتنا. ولذا من الصعب أن تكون إنسانًا وتنخرط في علاقات دون أن يكون لك نسخة من قصة حياتية تطفو حولك.

لكن الحياة نادرًا ما تتبع في سيرها التعاقب والتوالي المنطقي الذي تتبعه معظم القصص -القصص الجيدة- حيث تجتمع القرائن كلها، وحيث تُطلق الأسلحة المتروكة على رف الموقد في اللحظات المناسبة، ولا الذروة التي تظهر في المشهد الثالث. لذا يبدو السرد طريقة تأطير متناقضة للفوضى الحياتية لحين تذكرك لمنبع القصة مصدرها في الأساس. وفي النهاية فإن المادة الوحيدة التي استطعنا يومًا أن نخلق منها قصصًا هي خيالنا والحياة نفسها.

إذًا حكاية القصص خيالية كانت أم لا، واقعية أو تعج بالتنانين هي طريقة لجعل العالم من حولنا منطقيًا ذو معنى.  

يقول (أدلِر):

الحياة معقدة للغاية، يحدث الكثير والكثير طيلة الوقت في محيطنا وفي حيواتنا، ولنشبث لتجربتنا ونحفظها علينا جعلها ذات معنى، والسبيل إلى ذلك هو بهيكلة حيواتنا قصصًا وحكايا.

إنه التزام صعب، فالناس يحوون بين جنباتهم جموعًا وأعني بالجموع مكتبات. فلربما كان لأحدهم سردٌ حياتيٌ جامع شامل لكل حياته، وقصصٌ مختلفة بسرد مختلف لحياته، وظيفته، حياته العاطفية، عائلته، إيمانه. ولربما كان داخل كل قصة قصصٌ أخرى تتقاطع، تتضارب أو تتضاد مع الأخريات، وكلها محشوة بقصصٍ أدق لأحداث معينة. وليكون قصة حياته عليه أن يتبع ما يسميه الباحثون “استخلاص السيرة الذاتية” لكل الأحداث كما كتب (مكادمز) و(مانزاك):

تمييز الدروس المكتسبة والخبرات المكتسبة من الحياة، وتحديد التطور والتحسن خلال تعاقب الأحداث، وإظهار مدى دقة المراحل الحياتية في تصوير الحقائق الدائمة عن الذات.

كما يُضيف (مكادمز):

لا يُفترض بالقصص أن تكون بسيطة جدًا كالقصص الخيالية، يمكنها أن تكون معقدة، يمكنها أن تكون كروايات جيمس جويس هناك على أرض الواقع.

إذا كنت حقًا كـ(جيمس جويس) فلربما هناك العديد مثله. إذ يحصد الناس القصص المحيطة بهم -الحكايات الخيالية، مقالات الصحف، نوادر العائلة الملفقة- ومن ثم يتماهون معها ويقتبسون منها بينما يصوغون مفاهيمهم وتصوراتهم الذاتية الشخصية. يشبه الأمر شريط موبيوس: القصص هي الحياة، الحياة هي القصص.

إلا أن الناس لا يدونون حياتهم منذ ولادتهم، إذ تستغرق القدرة على صياغة السرد الحياتي زمنًا لأن عملية النمو تمنح الأولوية لممارسات أخرى كالسير والتحدث وإدراك وجود الأشياء وملاحظتها. ويمكن للأطفال رواية قصصٍ عن أحداث بعينها بإرشاد ومساعدة، بينما تخصص معظم فترة المراهقة لتعلم:” ما يُضمن في القصة.. وما يجعل القصة جيدة في المقام الأول” وفقًا لـ(باسباثي)، وإذ تتابع: “لا أعلم كم من الوقت قضيتِ بصحبة الأطفال إلا أنهم لا يدركون حقًا هذه الأفكار. عندي طفل يمكنه أن يحدثك لمدة ساعة كاملة عن لعبة ماين كرافت”. إذ يتعلم الأطفال من الأصدقاء والعائلة والأدب ما يعنيه أن تكون حكاءً جيدًا، ولهذه القدرة على حياكة قصصٍ مدهشة وجيدة قيمة اجتماعية.

يبدأ تعلم صياغة القصص الحقيقي في السنوات الأخيرة من المراهقة والسنوات المبكرة من النضج؛ لأن الأدوات الإدراكية التي يحتاجها الأشخاص لخلق قصة حياتية متسقة ومتماسكة تكون حينها نمت وتطورت. وتتضمن هذه الأدوات التناسق والتماسك السببي أي القدرة على وصف كيف أدى حدث إلى آخر، والتناسق والتماسك الموضوعي أي القدرة على تحديد القيم الشاملة والرئيسية و تعزيز التجدد والتكرار خلال القصة. توصلت دراسة تحلل قصص الحياة لأشخاص بعمر الثامنة، الثانية عشر، السادسة عشر، والعشرين إلى أن أشكال التناسق المضمنة في القصة تزيد بتقدم العمر. وباقتراب القصة الحياتية من فصولها الأخيرة لربما أصبحت محددة أكثر لا تتغير، ففي دراسة لـ(مكلين) تمتع البالغون الأكبر سنًا بدرجة أعلى من التناسق الموضوعي، وحكوا قصصًا أكثر عن الاستقرار، بينما نزع البالغون الشباب والأصغر إلى رواية قصص أكثر عن التغيير.

يعتقد (مكادمز) بأن هذا التطور والنمو ناتجٌ عن تقسيمات الجوانب الثلاث للذات. فالبشر منذ الولادة تقريبًا “ممثلون، لهم سمات شخصية، يتفاعلون مع العالم، لهم أدوارٌ محددة عليهم أن يؤدوها: الابنة، الأخت، طفل الجيران المولود حديثًا والذي سيبكي طيلة الليل ويبقيك مستيقظًا. وحين يبلغون العمر المناسب ليحددوا أهدافهم ويختارونها يصبحون مفوضين، وتظل لهم أيضًا أدوارٌ ليؤدوها ويتفاعلون مع العالم، ولكنهم يتخذون قراراتهم على أمل أن يحصلوا على النتائج المرغوبة. أما التقسيم الأخير فهو المؤلف أي حين يبدأ الأشخاص بحزم أفكارهم عن المستقبل وفرزها بخبرتهم من الماضي والحضر وتحويلها إلى سرد ذاتي.

يمكن أن يشرح هذا المسار التطوري السبب لاستمتاع الأشخاص بأنواع مختلفة من القصص الأدبية والخيالية في أعمار مختلفة. يقول (مكادمز): “حين تكون طفلًا يتمحور اهتمامك في مجمله حول الحبكة، سيحدث هذا وسيحدث ذلك. ولا تكون متماشيًا مع فكرة أن الشخصيات ستتطور”. ولذا على الأرجح لا تعتق جاذبية الشخصيات الكرتونية ولا تكبر.

مؤخرًا قرأ نادي قراءة (مكادمز) رواية (إيثان فروم) للروائية (إديث وارتون) يقول عن ذلك:

قرأتُ الرواية في المدرسة الثانوية وكرهتها، كل ما يمكنني أن أتذكره عنها هو تلك المزلجة التي اصطدمت بالشجرة. ومؤخرًا قرأنها في النادي ويا للعجب إنها مذهلة. اصطدمت المزلجة بالشجرة نعم ولا شك أنه مشهد مهم، ولكن كيف غيرت هذه الحادثة حيوات الأشخاص والمأساة الناتجة عن هذا كله فُقدت كلها حين كنتُ في الثامنة عشر من عمري. ما يُفقد في الثامنة من العمر يُسترجع في الأربعين، وما يحس ذو الثامنة من عمره بأنه قهري وممتع سيدفع ذي الأربعين من عمره للبكاء يومًا ما.

وكاختلاف الأذواق في الكتب أو الأفلام فإن القصص التي نخبرها لأنفسنا عن أنفسنا متأثرة بأكثر من ذواتنا في حقيقة الأمر. إذ يبدو أن الطريقة التي يسرد فيها الأشخاص تجاربهم للآخرين تُشكل الطريقة التي ينتهون فيها لتذكر الأحداث. ووفقًا لبحث (باسباثي) يحدث هذا بعدة حالات، إحداها أن الأشخاص يواءمون القصص لتتناسب مع السياق ومع مستمعيهم. فمثلًا أنا أروي الآن قصة الحادث الذي أصبت فيه سيارتي والدتي بالضرر الآن لأصدقائي باختلاف كبير عما قلته لأمي حين الحادث أي ببكاء أقل.

  أما الحالة الأخرى هي أن فعل الرواية هو تدربٌ على القصة كما تقول (باسباثي): “ويقوي التدرب على القصة الروابط بين بضع معلومات موجودة في عقلك عن القصة ويضعف الروابط بين معلومات أخرى. لذا تصبح الأحداث التي أخبرك بها أقرب إليّ وأيسر في تذكرها واسترجاعها. ولربما كان هذا التأثير دائمًا ثابتًا”. لذا حين يلقي أحدهم بطعم الجملة المعسولة ما هي قصتك؟” في الحانة، فإن ذلك يكون لمسًا للوتر الحساس فينا كرجلٍ شق شريانه السباتي بينما كان يحلق لحيته.

لكن وكما لرواية قصصنا عواقب فهناك عواقب لعدم روايتها. فإن خشي أحدهم من الكيفية التي لربما تفاعل بها الناس مع قصته وأبقاها لنفسه، فإنه أقرب لتفويت الإثراء الناتج عن تبادل المحادثات. تعلق باسباثي على هذا فتقول: “لربما منحك السامع جانبًا آخر لما ترويه لتفكر به، أو لربما اعترف بأن ما تعتقد أنه حملٌ ثقيل وهم ما هو إلا أمرٌ يسير في حقيقة الأمر”. وإن أنت لم تتحدث تتابع (باسباثي) قائلة: “فإن ذاكرتك لربما أصبحت أقل مرونة فيما يخص هذا الحدث وضاءلت فرصتك بالنمو والتحسن”، وهذا هو بالضبط الأساس المنطقي للعلاج النفسي بالتحدث.

وهذا لا يضع في الحسبان كل المحادثات التي خططتَ لخوضها، أو التي تخيلت بتفصيل خوضها ولم تخوضها أبدًا. إن الدرب من الخارج إلى الداخل ثم إلى الخارج مرةً أخرى وعرٌ، مظلم، وضاجٌ بالتعرجات.

متى ما ضُمنت قصص معينة في الثقافة فإنها تصبح سرديات أساسية: مخططات للأشخاص ليتبعوها حين صياغة قصصهم للأحسن أو للأسوأ. وإحدى هذه المخططات هي حياتك النمطية: “التحق بالجامعة، تخرج، توظف، تزوج، أنجب أبناءً”.

هذه المخططات لربما كانت سيناريو مفيد يمنح الأطفال منحنى متوقعًا للحياة، ويعرض لهم أمثلة لأحداث مضمونة من المحتمل أنها ستحدث. لكن مساوئ السرد النمطي موثقة جيدًا: إنها تصم أي شخص لا يتبعها وصمًا نهائيًا، وتخلق توقعات غير واقعية عن سعادة أولئك الذين سيتبعونها. وإن كان هذا المخطط لطاولة من إيكيا لا للحياة فإن كل شخص سيحاول تقريبًا اتباعه سينتهي به المطاف بشيء متذبذب ومشوه، ببعضٍ من المسامير الباقية أسفل الأريكة ذات تأثير سيء على السلامة البنيوية لما بنيته.

تقول (باسباثي):

أظن أن هذا الإطار مهلك تحديدًا لأولئك الذين ينجبون أبناءً، ذلك السرد الحياتي الذي تكون ذروته هو الزواج وإنجاب الأبناء و منذ تلك اللحظة سيكون كل شيء سعيدًا سعادة قاطعة.

تتطور هذه السيناريوهات بتطور الثقافة فمثلًا: في القرون الماضية ما كانت قصص المس الشيطاني في غير محلها، لكنها يستبعد الآن في هذا العصر أن يصف معظم الأشخاص تصرفاتهم بمصطلحات كهذه.

أما الصياغة الأخرى للسرد الشائعة في عددٍ من الثقافات اليوم هي متسلسلة الاسترداد والتعويض ومتسلسلة التدنيس. تبدأ قصة التعويض بحدث سيء وتنتهي نهاية حسنة “قربتنا تلك الإجازة الفظيعة في نهاية الأمر من بعضنا البعض كعائلة”، أما قصة التدنيس فعلى العكس تمامًا “كانت الرحلة البحرية رائعة حتى تسممنا”. ترتبط ثيمة الاسترداد في قصة الواحد الحياتية بدرجات عالية من السلامة النفسية والصحة، بينما تميل ثيمة التدنيس للتزامن مع صحة عقلية أضعف.

للعديد من الأشخاص قصصٌ أصغر لكل حدث تناثر في حياتهم بمجملها، رغم أن تصرفات الشخص، ثقافته، ومحيطه يمكن أن تؤثر فيما ينجذب إليه. كما يمكن أيضًا أن يعد الأشخاص منحى حياتهم الكامل كاسترداد أو كتدنيس، ومنحنى الاسترداد هو الشائع تحديدًا، وتحديدًا في السرد الأمريكي. كتب (مكادمز) في بحث استعراضي للقصة الحياتية:

تطورًا وتحولًا منذ التطهيرية إلى رالف والدو إمرسون إلى أوبرا وينفري.. سعى الأمريكان لتوثيق حيواتهم وكتابتها كحكايا تعويضية للتكفير، للانعتاق والتحرر، للتشافي، لتحقيق الذاتي، ولرفع الارتقاء الاجتماعي. تتحدث القصص عن شخصيات رئيسية لأفراد أبطال -المختارون- قدرهم الواضح هو إحداث تغييرٍ إيجابي في عالم خطر، حتى لو لم يرغب العالم بالخلاص.

 إن قصة التعويض هي تمثيل للتفاؤل الأمريكي -سيكون كل شيء على ما يرام!- و الاستثنائية الأمريكية -أنا قادر على تحسين الأشياء!- وهذه موجودة في الماء والهواء، وفي رؤوسنا. وهذا في حقيقة الأمر أمر حسن معظم الوقت، إذ أظهرت الدراسات أن إيجاد معنى إيجابي في الأحداث السيئة مرتبط بإدراك للذات معقد أكثر ورضى أعمق عن الحياة. وحتى فيما يخص التحكم بالتفاؤل العام توصل مكادمز وزملاؤه إلى أن وجود متسلسلة الاسترداد والتعويض أكثر في قصة الحياة ما زال مرتبط بمستويات أعلى من العافية والسلامة النفسية.

تحدث المشكلة حين لا يكون التعويض ممكنًا، فحكاية التعويض الأمريكية امتيازٌ، أما أولئك غير قادرين على التحكم بظروفهم ولا سبب عندهم لاعتقاد بتحسن الوضع، سيكون التعويض خيارًا غير منطقي وصعب المنال. وهناك ما يحدث لأولئك الذين لا ينالون الخلاص ولا التعويض.

يصعب ربما مشاركة قصة تؤول إلى: “هذا ما حدث، وكان فظيعًا. النهاية”. طلبت (مكلين) في بحثٍ أجرته الأشخاص الذين خاضوا تجربة الاقتراب من الموت أن يحكوا قصصهم للناس وتقول في هذا الخصوص:

تعرض الذين حكوا هذه القصص المعلقة لردات فعل سلبية، فإذا لم يكن للقصة نهاية مبهجة، تعويضية (بغض النظر عن نجاتهم من الموت فقط) سيمتعض المستمعون.

وتتابع قولها:

لقصة التعويض والاسترداد والتحرر قيمتها في أمريكا؛ لأنها طريقة رائعة لرواية القصص لعددٍ من الناس، لكن أولئك غير القادرين على ذلك، غير القادرين على تعويض صدماتهم والتحرر منها لأي سبب هم فيما يشبه القيد المزدوج. فعند كلاهما هذه القصة الحمقاء المعلقة لكنهم أيضًا غير قادرين على نيل قبول الناس أو تصديقهم.

وفي حالة كهذه لأولئك الذين خاضوا العديد من الصدمات لربما كان خيرًا لهم ألا يؤرخوا لها كسيرة لحياتهم وألا يبحثوا فيها أبدًا.  

تقول (مكلين): “في المرة الأولى التي اكتشفت فيها هذا الارتباط بين التفكير والتبرير و ضعف الصحة العقلية اعتقدتُ بأني حللتُ البيانات التي بين يدي خطأ”. لكنها وبعد أن حاكت الأبحاث الأخرى نتائجها اقتنعت بوجود رابط، إذ تعتقد أن الأشخاص لربما كبحوا وقمعوا الأحداث الصادمة والمؤذية في دواخلهم بسلوك لربما ليس الاختيار المثالي لكنه يظل “صحيًا“.

وتضيف:

إن الفكرة النمطية هي أنك ستكبح ما يعتمل في داخلك لكنه سيطفو مرة أخرى ويفترسك إن أنت لم تتصالح معه، لكن ذلك يظل في ظل افتراض أن الأشخاص يمتلكون ما يلزم للتصالح مع ما يكبتون.

قابلت (مكلين) في إحدى دراساتها هي وزملاؤها مراهقين يرتادون مدرسة ثانوية للطلاب الأضعف والأكثر هشاشة. كانت إحدى الحالات جوزي ذات السبعة عشر عامًا ابنة لأم عزباء، عانت من إدمان المخدرات والكحول، اضطراب ثنائي القطب، الاغتصاب، ومحاولة الانتحار. أخبرت الباحثين أن ذكراها المحددة لذاتها هي قسم والدتها على عدم إنجاب الأبناء، ومن ثم حنثها به.

قالت (جوزي) حين سردت تلك الذكرى:

أنا الشخص الوحيد الذي أعول عليه في حياتي؛ لأني حاولتُ أن أعول على الآخرين وإما طُعنت في ظهري أو جُرحت وأوذيت، لذا أعرف تمام المعرفة أنني لا أثق سوى بنفسي ولا أعول إلا عليها.

يمكن أيضًا أن تمعن التفكير وتتعمق في أحداث طيبة في حياتك أيضًا تقول (مكلين):

أجريت بعض الأبحاث التجريبية التي أظهرت أنك حين تسأل الناس ليتحدثوا عن تجربة إيجابية تشعرهم بالسوء والتضايق؛ لأنك تدفعهم إلى ما يشبه: “حسنًا لِم تزوجت ذلك الشخص؟”. إن الحكمة والنضج والتعقيد الإدراكي صفات نقدرها لكنها لا تجعلك بالضرورة سعيدًا.

رغم أن البحث المتعمق في سيرة حياة الواحد لربما أوصله إلى أفكار سيئة أو كئيبة، ولكنه لربما أحيانًا أوصل الأشخاص إلى إيجاد معنى فيما حدث. وبينما من المحتمل أن تقدر على تجنب التفكير بحدث معين فمن الصعب أن تترك كل صفحات قصة حياتك غير مكتوبة ولا مدونة.

يعبر (أدلِر) عن رأيه فيقول:

أظن أن فعل صياغة حيواتنا كسرد ما هو فعل إيجابي ولا سلبي، إنه كما هو. غير أن لفعل ذلك سلوكيات سيئة وأخرى جيدة لصحتنا العقلية.

لاحظ (أدلِر) في بحثه طابعين في قصص الناس التي تميل لربطها بصحة وسلامة عقلية أفضل: التمثيل الشخصي، أو الشعور بأنك المتحكم في حياتك، والمشاركة، أو الشعور بأن لك علاقات جيدة في حياتك. والرابط “ضبابي بعض الشيء” كما يصفه (أدلِر)، فهناك علاقة قوية بين المشاركة وبين الصحة العقلية في الوقت ذاته، ولا يتضح كثيرًا إذا ما كان الشعور بالقدرة على المشاركة الآن يتنبأ بصحة عقلية أفضل لاحقًا.

لكن التمثيل الشخصي مرتبطٌ طبعًا وذلك معقول؛ نظرًا لكون الشعور بالعجز واليأس هي الأعراض الأساسية للاكتئاب، ولذلك فإن الشعور بالسيطرة والتحكم مفيدٌ للصحة العقلية. أجرى أدلِر دراسة ممتدة على سبعة وأربعين بالغ يخضعون للعلاج النفسي، طالبًا منهم كتابة سرد شخصي والخضوع لتقييمات للصحة العقلية خلال مدة 12 جلسة علاجية. ولم يكن ما توصل له فقط أن طابع التمثيل الشخصي زاد في قصص المشاركين بمرور الوقت، وأن معدل الصحة العقلية ازداد أيضًا وأن كلاهما كان مرتبط بالآخر، ولكنه أيضًا توصل إلى أن طابع التمثيل الشخصي المتزايد ظهر في القصص قبل أن تتحسن الصحة العقلية للمشاركين.

يقول (أدلِر) عن ذلك:

يبدو الأمر كما لو أنهم خلقوا نسخًا جديدة من ذواتهم وعاشوا وفقًا لذلك.

هناك تحديدًا ما يميز السرد: فصحيح أن التعبير عن أفكار الواحد ومشاعره بخصوص الأحداث السلبية يبدو مفيدًا للسلامة العقلية، أظهرت إحدى الدراسات أن كتابة تلك الأفكار والمشاعر في صياغة السرد أفادت الأشخاص أكثر من إنصات الآخرين لهم.

لكن يستدرك:

لكني لستُ كالسيد الممثل لذاته، التمثيل الشخصي بأي ثمن. لا أعتقد بصحة ذلك. فإذا كنت في المرحلة الرابعة من مرض السرطان لربما كان التمثيل الذاتي حسنًا لك لكن هل هو خيار منطقي؟ ولا أعتقد أن التحرر جيد على الأمد البعيد، لكن في أتون أولئك الذين يعانون حقًا من الأمر لا أعلم إن كان ذلك يفيدهم حقًا.

لكني تساءلتُ: برغم أن التمثيل الذاتي لربما كان نافعًا لك، هل رؤيتك لذاتك كبطل روايتك القوي هو على حساب الشخصيات الأخرى في قصتك؟ هل هناك أثرًا للتعاطف إن نحن عاملنا الآخرين كلاعبين بدلًا من أبطالٍ في قصصهم الشخصية؟

تقول (باسباثي):

تلك حقيقةً فكرة استقرائية مثيرة للاهتمام. لم أعرف أحدًا بحث في الأمر.

كما أظهرت أبحاث (أدلِر) بحتاج الناس لرؤية أنفسهم كممثلين إلى حد معين، وأظهرت أبحاث باسباثي أن للآخرين دورًا كبيرًا في تشكيل القصص الحياتية. أما السؤال الآن على الأرجح ما مدى إدراك الأشخاص لكون تمثيلهم الذاتي غير مطلق.

وفقًا لإحدى الدراسات عادة ما يروي الأشخاص المكترثون -أي الأشخاص الذي يهتمون ويلتزمون بمساعدة الأجيال القادمة- قصة عن أشخاصٍ ساعدوهم في الماضي. ويقترح مكادمز أن النرجسيين عادة أكثر ميلًا للتصرف على النقيض من ذلك “إنهم أشخاص جيدون حقًا في التحدث عن أنفسهم وفي خلق سردٍ عنها، لكنهم غير قادرين على الاستماع لك”.

أما (باسباثي) فتعلق:

إذا كانت قصصنا عن ذواتنا كمنتصرين بها في الحياة وفي تذليل صعابها، وتقلل هذه القصص من دور الآخرين فيها ومن دور الدعم المؤسسية في مساعدتنا على عمل الأشياء، علينا على الأقل أن ننجح في ملاحظة كيف تقييد المؤسسات والآخرين حياة غيرنا. أعتقد أن لذلك إشارات حقيقة لفهمنا للإجحاف والتفاوت في مجتمعنا. فكلما اعتقدت بأن العالم بأكمله مخلوق ليناسبك، كلما قل إدراكك لكونه يناسبك ويسير معك.

إنها مشكلة مُربكة؛ يستخدم الناس القصص لفهم الحياة لكن ما مدى ما تعكسه هذه القصص عن واقع الحياة وحقيقتها؟ وحتى مراعاة حقيقة قدرة الأشخاص المعقدة على رواية القصص كجويس، فإن الانحيازيات، الاختلافات الشخصية، أو العواطف يمكن أن تؤدي بالأشخاص المختلفين لرؤية الحدث نفسه رؤية مختلفة. وباعتبار مدى قابلية تعرض البشر للذكريات الزائفة من سيضمن أن الحبكات في قصة حياة أحدهم حدثت حقًا، أو حدثت بالطريقة التي اعتقد أنها حدثت، أو تسببت بالأثر الذي يعتقد أنها فعلت؟

لا تقتنع (باسباثي) بأهمية دقة القصص الحياتية من عدمها. تتناول العديد من الأبحاث عن الذكريات الزائفة شهادة الشهود، بينما ما يهم حقًا ما إذا كان الشخص يروي القصة كما حدثت بالضبط. لكن ما يهم الباحثين في علم نفس السرد حقًا وفقًا لـ(باسباثي):

ما إذا كان ما يرويه الشخص حقيقيًا في المشهد الجنائي أو القانوني، إن ما يهم حقًا إذا ما كان الشخص قادرًا على صياغة قصة ذات معنى ومتناسقة بناءً على ما حدث. يختلط كل صياغة لسرد ببعضٍ من الكذب، وبعض الكذبات صادقة كفاية.

إن تنظيم الماضي على شكل قصة سردية ليست فقط طريقة لفهم الذات ولكنها أيضًا محاولة لتوقع المستقبل، وهذا مثير للاهتمام؛ لأن رواية القصص تبدو متعارضة جدًا مع وقائع الحياة الحقيقية المنذر بها مجازيًا طبعًا. علمتني الجلسات النقاشية في فصل لمادة الأدب خلال دراستي الجامعية يمكنك أن تعد أي شيء مجازًا إن بذلت أقصى جهدك، عبارة دالة بلا شك. فحتى لو كنتَ تحيا حياتك عشوائيًا قدر الإمكان ستحدث أشياء كافية لتبدأ الأنماط في ولوج حياتك كنظرية القرد اللامحدودة.      

لكن بغض النظر عن مدى محاولاتك الجادة وبغض النظر عن رغبتك الملحة في ذلك لا وجود لطريقة حقيقية صادقة لمعرفة المستقبل، والعالم لم يخلق بذاته ليمنحك إشارات وتلميحات. إن كنت ميالًا للمبالغ في التفكير وتجرب كل سيناريو ممكن في ذهنك مسبقًا سترى تنبؤً في كل ما حولك. فالطريقة التي ينظر والداك لك فيها تعني شجارًا تحلق في الأفق، المديح من رئيسك يعني أنك سائرًا نحو الترقية، وكل تلك الأشياء التي نسيتها بمرور السن تعني أنك ستصاب بالخرف حين تتقدم في السن.

كتب الروائي (إي إم فوستر) مرةً:

تضج الحياة الحقيقة بالإشارات والعلامات المزيفة التي تقود إلى اللامكان”. وأصبح هذا واضحًا في تدوين المذكرات كما كتبت مونقوسو في كتابها (Ongoingness) الذي تحدثت فيه عن كتابتها لمذكراتها لمدة خمسة وعشرين سنة: “تخيل سيرة ذاتية لا تتضمن فقط سردًا ولكن كل الأحداث التي فشلت في توقعها. فمعظم ما تتضمنه المذكرات لا يتنبأ بأي شيء.

إذًا ما تصنع بكل ما لم يُرتب بدقة؟ يشير دليل إلى أن وجود بعض “الأحادية” في هويتك السردية أفضل نفسيًا من انعدام وجودها. وعلى الأرجح أن الأسهل هو الإلقاء بالأشياء التي تسحبها من الفوضى رغم أنها ستتطلب قليلًا من إعادة التكيف.

لكن (باسباثي) ترفض ذلك:

أفضل أن أرى الأشخاص يبذلون جهدهم وينجحون في محاولاتهم لعدم ترك الأشياء معلقة لعدم قدرتهم على ترتيبها والربط بينها. نحن لا نحاول إلغاء وجود أجزاءٍ من حياتك.

وحتى لو بلغ الأشخاص نهاية مسدودة أو مفاجآت غير متوقعة فإنهم لا يستطيعون كبح جماح التوقعات تعلق (باسباثي): “نحنُ نحاول توقع المستقبل طيلة الوقت”. وتفترض أن السبب في وجود تنبؤات في الأعمال الأدبية في المقام الأول هو بسبب هذه النزعة الإنسانية لها. إن حالة انعدام اليقين حول المستقبل والشك به تجعل الأشخاص قلقين والقصص هي طريقة للتعاطي مع ذلك.

يقول (أدلِر): “ليس المستقبل نسخة مباشرة عن الماضي أبدًا، لذا علينا أن نكون قادرين على جمع بعض مما حدث لنا سابقًا و إعادة تشكيله لما يمكن أن يكونه المستقبل”. فمثلًا بالتجربة يتعلم الواحد أن جملة “علينا أن نتحدث” نادرًا ما تتنبأ بأمرٍ حسن. (للحياة نمطيتها الثابتة).

أجريت بعض الأبحاث التي تتناول العقل تدعم هذا الرابط بين الماضي والحاضر، و تُظهر نتائجها أن بعض مناطق الدماغ تنشط حين يُطلب من الأشخاص أن يتذكروا شيئًا ما وحين يُطلب منهم أن يتخيلوا حدثًا لم يحدث بعد. من ناحية أخرى يواجه مريض فقدان الذاكرة صعوبة أيضًا في تخيل المستقبل.

إذًا وعلى نفس المنوال يبدو أن الطريقة التي يتخيل فيها الواحد مستقبله تؤثر في الطريقة التي يرى فيها ماضيه، وفي نفس الوقت يخبر الماضي عن الطريقة التي يتخيل فيها مستقبله.

يقول (مكادمز):

إذا كنتَ تخطط لصبح طبيبًا وأنت في الخامسة والعشرين من عمرك وبدأت دراسة الطب، وفي بالك توقعات عما ستكونه الخمس إلى عشر سنوات القادمة فإنك على الأرجح شكلت سردًا مبني على ماضيك يساعدك على فهم كيفية وصولك إلى تلك النقطة. ولنقل مثلًا أنك التحقت بكلية الطب وكرهتها وانسحبت منها فإنك على الأرجح في نفس تلك اللحظة ستغير الماضي. إنك تعيد كتابة التاريخ.

تُكتب قصة الحياة بالطباشير لا بالحبر، أي أنها قابلة للتغير كما يقول (أدلِر):

أنت القاص والشخصية الرئيسية في حياتك وذلك يمكن أن يكون أحيانًا إلهامًا: “حسنًا، أنا أحيا هذه القصة، أنا المؤول عن هذه القصة حقيقةً.

سواء كان بمساعدة العلاج النفسي في غمرة أزمة الهوية حين تطارد توقعات وتنبؤات بسرعة روودرنر نحو نفق يتضح أنه مرسوم على الحائط فقط، أو ببطء وبمنهجية يومًا تلو الآخر كما يحدث في كل القصص يتمحور الأمر برمته حول إعادة الكتابة والتشكيل.

“الماضي دائمًا في قبضتنا” كما يقول (مكادمز).

 


[المصدر]

 

 

 

 

 

نجوم العصر الفضي الروسي في قبو “الكلب الضّال”

كان الربع الأول من القرن العشرين في روسيا، عصر ازدهار ثقافي مبهر، فقد برز خلال تلك الحقبة القصيرة عدد كبيرمن العباقرة في الأدب والفن والفلسفة والموسيقي والمسرح والباليه، الذين كانوا ينتمون الى اتجاهات حداثوية – تجريبية مختلفة، تتنافس فيما بينها في صخب. وكان القاسم المشترك لكل هؤلاء هو الاهتمام الشديد بالقضايا الروحية والإجتماعية، والبحث المكثف عن وسائل جديدة للتعبير الفني.

وقد اصطلح على تسمية تلك الحقبة بـ“العصر الفضي”، تمييزا له عن “العصر الذهبي” للأدب الروسي في القرن التاسع عشر، الذي يرمز إلى إبداع الشعراء والكتّاب الروس الكبار؛ (ألكسندر بوشكين)، و(نيكولاي غوغول)، و(فيودور دوستويفسكي)، و(ليف تولستوي) و(إيفان تورغينيف)، و(أنطون تشيخوف).


كباريه “الكلب الضّال”

في ذروة العصر الفضي، في أواخرعام 1911، طرأت فكرة مدهشة في ذهن المخرج والممثل المسرحي الروسي (بوريس بونين) [1875-1946]، وهي جمع نجوم الثقافة الروسية في العاصمة سان بطرسبورغ في مكان واحد ـ أشبه بالمقهى أو النادي الإبداعي – يقضون فيه أوقاتاً ممتعة بعيدا عن عيون المتطفلين، يتبادلون خلالها وجهات النظر والآراء، أو يقدمون نتاجاتهم الجديدة، أو يشاهدون عروضا مسرحية، أو موسيقية، أو غنائية، وغيرها من الفعاليات الثقافية.

وقد تحمس لفكرته بعض أصدقائه الفنانين والشعراء، وأخذوا يجوبون معا أنحاء مدينة بطرسبورغ بحثا عن مكان ملائم لتأسيس المفهى المنشود، ولكنهم لم يعثروا على منزل يصلح لهذا الغرض. وعندما هدّهم التعب قال أحد الشعراء: “نحن أشبه بالكلاب الضالة التي تبحث لها عن مأوى”. وقد راقت العبارة لفنان تشكيلي وقال: “لنسمي مكان لقاءاتنا؛ كباريه الكلب الضّال”. وقد عثروا في نهاية المطاف على قبو فارغ في فناء جانبي لأحدى العمارات في وسط المدينة، وكان موقعا مثاليا، من دون أية نوافذ على الشارع، حيث لا يمكن للشرطة أن تلتفت إلى الضجيج الصادر عنه.

كان القبو في السابق مخزنا للخمور، وهواؤه مشبعا بروائح الخمور العتيقة، مما ألهب خيال الشعراء والفنانين الذين أسهموا في تأسيس المقهى.

وقد قام كل من الفنانين، (سيرغي سوديكين) [1882-1946]، و(نيكولاي سابونوف) [1880–1912] برسم لوحات فنية رائعة على جدران القبو: أجساد نسائية، وأقنعة، وزهور برية، مستوحاة من قصائد “ازاهير الشر” لـ(بودلير). وطيور خيالية، وشخصيات حكايات (كارلز غوتسي) الكاتب والمسرحي الايطالي [1720-1806]، ومؤلف مسرحيات خرافية، باستخدام عناصر الفولكلور الايطالي. كانت هذه الرسوم الفنية تنقل الحاضرين إلى عالم خيالي.

أصبح حفل افتتاح المقهى في ليلة رأس السنة الجديدة 1912، الذي جمع بين عدد كبيرمن أبرز نجوم الأدب والفن في العاصمة بطرسبورغ، وحضره عدد من أعضاء مجلس الدوما (النواب)، حدثا مشهودا في حياة بطرسبورغ الثقافية؛ الرجال في بدلات السموكنك، والسيدات في فساتين السهرة (الديكولتيه)، نلتمع في اعناقهن قلادات ثمينة مرصعة بالأحجار الكريمة.

وكان سعر بطاقة الدخول إلى مقهى “الكلب الضّال” ثلاث روبلات لمن لديه توصية خطية من أحد أعضاء مجلس الإدارة، و25 روبلا للآخرين – وكان هذا مبلغا كبيراً نسبياً في ذلك الوقت، ويعادل الراتب الشهري لموظف عادي، وذلك لتغطية نفقات الحفل، ولمنع أي طاريء على الأدب والفن، أو فضولي من حضور حفل الافتتاح.

وضعت إدارة المقهى سجلا كبيرا مغلفا بالجلد الأزرق في المدخل يوقع عليه الحضورعند قدومهم، وقد يكتب فيه الشعراء آخر ما جادت به قرائحهم من أبيات شعرية.

 لم يكن لـ“كباريه الكلب الضّال” أية صلة بما تقدمه الكباريهات من عروض إثارة رخيصة ومبتذلة، بل كان أقرب الى المقهى الأدبي والمسرح الفني معا، ويتكون من قاعتين تتسعان لحوالي 200 شخص، قاعة للمسرح واخرى للكافتيريا. ومفتوحا في الليل فقط من الساعة الحادية عشرة ليلا الى الثامنة صباحا، وربما لهذا سماه صاحبه بالكباريه.


فعاليات ادبية وفنية متنوعة

شهد المقهى خلال عمره القصير، الذي لم يتجاوز ثلاث سنوات ونصف السنة، حفلات تكريم الشعراء والفنانين، وعروضا مسرحية رائدة،  ومعارض تشكيلية، وحفلات موسيقية وغنائية، ومحاضرات أدبية وفكرية، واحتفالات رأس السنة الميلادية، وحفلات تنكرية وراقصة، ولقاءات مع كبار الشعراء الأجانب من زوار العاصمة بطرسبورغ.

القبو مليء بدخان السكائر والغليونات، وهواؤه مشبع بروائح الخمور والعطور، رغم وجود ساحبة هواء لا يسمع طنينها في صخب المقهى. ولكن الجو كان ممتعا للغاية. الضحكات تتعالى، وبين حين وآخر يصعد احد الشعراء على خشبة المسرح، ليلقي قصيدة جديدة له، فيعارضه في الحال شاعر بقصيدة ارتجالية.

هنا تفتحت مواهب شعراء شباب أصبحوا لاحقا مفخرة الأدب الروسي؛ (آنّا أخماتوفا)، و(نيكولاي غوميليف)، و(فلاديمير ماياكوفسكي)، و(أوسيب ماندلشتام). وكان الشعراء (خليبنيكوف) و(أندريه بيلي)، (كونستانتين بالمونت)، (ايغور سيفيريانين). والكاتبة والشاعرة (زينائيدا غيبوس)، والكاتبة (الكساندرا تافّي) أيضاً، من رواد المقهى الدائميين. وقد لا يعني ذكر أسمائهم – باستثناء (ماياكوفسكي)، و(أخماتوفا)، و(ماندلشتام) – شيئا للقارئ، الذي ليس له اطلاع واسع على الأدب الروسي الكلاسيكي، ولكنها أسماء كبيرة في عالم الأدب، وفي ذاكرة القراء في روسيا، حيث دخلت أعمالهم الأدبية الى المقررات الدراسية في المرحلة الثانوية، وإلى المناهج الجامعية للتخصصات الأدبية واللغوية.

وكان للمقهى شعار رسمه فنان شهير من رواد المقهى، ونشيد خاص كتبه الشاعر (ميخائيل كوزمين) [1872- 1936] تحت عنوان “لكي ننجو من النسيان” وذلك لمناسبة مرور عام واحد على تأسيس المقهى.

كان عمالقة المسرح الروسي (يفغيني فاختانكوف)، (فسيفولد ميرخولد)، (الكساندر تاييروف)، يسهرون في هذا المقهى إلى وقت متأخر من الليل، بل أن بعض الأدباء كانوا يسهرون فيه حتى الصباح الباكر، ومنه يتوجهون الى أعمالهم أو منازلهم. ويخيل إليهم أن كل الحياة متركزة هنا، في هذا المكان تحديداً، ولا توجد حياة أخرى يماثلها. وأصبح المقهى البيت الأول للعديد من المبدعين.


محاضرات أدبية

وشهد المقهى إلقاء محاضرات لألمع النقاد والمفكرين. هنا ألقى (فيكتور شكلوفسكي) [1893 – 1984]، رائد المدرسة الشكلانية في الأدب الروسي والعالمي – محاضرة تحت عنوان “الآفاق المستقبلية لتأريخ اللغة”، كما ألقى الشاعر (سيرغي غوروديتسكي) [1884 – 1967]  محاضرة عن تيار“الذروة” في الشعر الروسي، صاغ فيها لأول مرة المبادئ النظرية لهذا التيار الصاعد، الذي حل محل المدرسة الرمزية. وأعقبت المحاضرة مداخلات لـ(أخماتوفا)، و(غوميليف) وشعراء آخرين.

وفي أبريل 1914 أقام المقهى أسبوع “الثقافة القفقازية” ألقى خلاله العديد من الأدباء الروس محاضرات عن زياراتهم إلى منطقة القفقاز، وانطباعاتهم عن ثقافات شعوب المنطقة، وقد أقيم ضمن فعاليات الأسبوع معرض للمنمنمات الفارسية، التي اقتناها أحد الأدباء في منطقة القفقاز.


شعراء عالميون من زوار المقهى

 وكان المقهى يستضيف كبار الأدباء الأجانب، عند زيارتهم لبطرسبورغ. فقد استضاف الشاعر الايطالي الشهير (فيايب مارينيتي) [1876- 1944]، الرائد المؤسس للمدرسة المستقبلية في الشعر، الذي القى محاضرة قيمة عن المستقبلية أثارت دهشة الحضور، وترحيبهم، وخاصة (فلاديمير ماياكوفسكي) الذي جلس يستمع إلى أستاذه الإيطالي مذهولا. كما ألقى الشاعر الفرنسي، (بول فورت) [1872-1960]، محاضرة عن الشعر الفرنسي. وهذا الشاعر الذي يكاد يكون مجهولا للقاريء العربي، تم اختياره –بعد استطلاع للرأي جرى عام 1912 – أميرا للشعراء الفرنسيين.

كما زار المقهى الشاعر البلجيكي، فرنسي اللغة، (أميل فيرهارن) [1855- 1916]، والعديد من الأدباء الأوروبيين، زوار العاصمة بطرسبورغ.


قصص حب لا تنتهي

لم يقتصر هذا المقهى الإبداعي على الذكور فقط، فقد كان عدد لافت من الكاتبات والشاعرات يحرصن على التردد إلى هذا المقهى الإبداعي. كما كان كثير من رواد المقهى يصطحبون معهم زوجاتهم أو صديقاتهم. وقد ولدت هنا، والتهبت قصص حب لأشهر أدباء وفناني العصر الفضي، بينهم (فلاديمير ماياكوفسكي)، وأدت إلى تغيير حيواتهم ومصائرهم. ومن الأحداث الدراماتيكية المرتبطة بتأريخ “الكلب الضّال” أن الشاعر (فسيفولد كنيازوف) انتحر بعد خيبة أمله في كسب ود فنانة أحبها إلى حد الوله.

كانت هذه الحياة الفنية الساخنة جانبا واحدا من جوانب الحياة في القبو، أما الجانب الآخر، وربما الأهم، فهو ذلك التحرر الروحي الذي ظل عالقا بذاكرة رواده طوال حياتهم. وكانوا يتذكرون القبو بحنين جارف ولوعة محرقة، كما جاء في مذكراتهم الشخصية.


(آنّا أخماتوفا) في مقهى “الكلب الضّال”

 كانت (آنّا أخماتوفا)، في الثالثة والعشرين من عمرها. امرأة جذّابة، وشاعرة رقيقة، ذات موهبة عظيمة، مفعمة بالأنوثة، والبراءة، والرومانسية، ونشرت قصائد تنم عن ولادة شاعرة واعدة. وذاع صيتها، حتى قبل ان تجمع قصائدها المنشورة في المجلات الأدبية المرموقة بين دفتي ديوان صدر في آذار عام 2012 تحت عنوان؛ “المساء”.

وكانت (اخماتوفا) وزوجها الشاعر (نيكولاي غوميليف) [1886-1921] يشكلان ثنائيا مبهرا. وكان الأخير ضابطاً في الحرس الإمبراطوري، وشاعرا ذاع صيته وهو في مقتبل الشباب.

وكان كثير الأسفار، يجوب البلدان التي تختلف ثقافتها كثيراً عن الثقافة الروسية، فقد قضى فترة من الزمن في مجاهل افريقيا، ونشر عنها بعض الكتب. أما (أخماتوفا) فقد كانت تسهر في هذا المقهى حتى الفجر بجوار الموقد شتاءً، شاحبة الوجه، ترشف القهوة السوداء، وتدخن سجائر نسائية رقيقة، وترتدي تنورة حريرية سوداء ضيقة لتبدو – كما تقول في قصيدة لها مكرسة للقبو  – أكثر رشاقةً، وتشد خصرها بحزام جلدي عريض، وتجلس مع سيدات ذوات عيون وسيعة، يرتدين قبعات عريضة الحوافي، يحيط بهن جمهور من المعجبين بشعر (أخماتوفا). كانت الشاعرة الشابة مرحة دائما، تتعالى ضحكاتها في ارجاء القاعة، فيقترب منها شاعر متمرس، ويطلب منها هامساً، أن تخفض صوتها، كما يليق بشاعرة معروفة. وعندما يطلبون منها إلقاء أبيات من شعرها، يرتسم على وجهها تعبير جاد، وتتوجه إلى خشبة المسرح، وتلقي ببراعة ممثلة مقتدرة، شعرا حداثبا بإيقاعه الجميل وصوره المجازية المبتكرة.


العاصفة

كان هذا في زمن الازدهار الثقافي، قبل النكبات التي حلت بروسيا في السنوات اللاحقة. ورغم أن الوضع السياسي كان مشحونا بنذير أحداث عاصفة، الا أن ذلك لم يمنع من مواصلة الحياة الإبداعية الصاخبة في هذا المقهى الفريد من نوعه في روسيا والعالم. فقد كانت الأحلام الجميلة ما زالت ممكنة التحقيق، وأصبحت (أخماتوفا) معبودة الشعراء من مدرسة الذروة “الأكميزم” – الذين شكلوا تجمعا أطلقوا عليه اسم “ورشة الشعراء” بمبادرة من الشاعر (غوميليف) – وتثير قصائدها رغبات حسية دفينة وموجعة لدى الجيل الجديد. ولم يدر بخلدها في ذلك الحين، أن المستقبل محمّل بالمصائب.

وفي هذا المقهى توثقت علاقة (أخماتوفا) بواحد من اعظم الشعراء الروس في القرن العشرين وهو (أوسيب ماندلشتام) [1891- 1938]. ذات مرة عندما انهت (اخماتوفا) إلقاء قصيدتها صعد (ماندلشتام) إلى خشبة المسرح، وارتجل إحدى روائعه التي يصف فيها الشاعرة الموهوبة (آنّأ) وشالها الكلاسيكي، المزيف على حد تعبيره. وبعد أيام كانا يتجولان في شوارع بطرسبورغ، عندما دخلت (آنّا) إلى كابينة التلفون، وبعد ان أنهت مكالمتها، ارتجل (ماندلشتام) قصيدة في وصف جمالها، وكيف تبدو وراء زجاج الكابينة وهي تتحدث في التلفون.


(فلاديمير ماياكوفسكي): إليكم يا من تحبون النساء والعربدة!

ظهر الشاعر (فلاديمير ماياكوفسكي) في “الكلب الضّال” لأول مرة في خريف عام 1913، وكان عمره عشرين عاماً  ولم يكن يرتدي قميصه الأصفر المخطط الشهير، بل بدلة عادية ويعتمر قبعة عالية.

هنا وعلى مسرح المقهى ألقى الشاعر الشاب قصيدته الطويلة الشهيرة “غيمة في بنطلون”. أثارت القصيدة هيجانا لم يسبق له مثيل. كانت أصوات الشجب والإستنكار تتعالى في أرجاء المقهى، فطلب الكاتب الروائي (ميخائيل فولكوفسكي) – وكان شبخاً مهيباً بلحيته البيضاء الكثة – الكلام للتعقيب وقال: “أنا عندكم هنا لأول مرة، ولم ألتق بكم سابقا. لقد ألقى الشاعر الشاب قصيدة غير تقليدية. ولولا بعض الكلمات الخادشة في نهايتها لكانت قصيدة رائعة. هذا شعر جديد وأصيل، وغير مألوف، لذا فأنه أثار غضبكم. ولكن مهلا، إنه شاعر موهوب وستتعودون على مثل هذا الشعر، وكل جديد يثير لغطا في البداية لينتهي إلى الأعتراف بموهبة شعرية أصيلة”.

ومع بداية الحرب العالمية الأولى، واشتراك روسيا فيها كتب (ماياكوفسكي) قصائد تدين الحرب بكل صورها. وفي أوائل عام 1915، وفي ذروة الزمهرير الروسي، جاء (ماياكوفسكي) من الجبهة تواً – وكان قد استدعي للخدمة العسكرية الإجبارية – وحضر إلى “الكلب الضّال” وطلب من (بونين)، صاحب المقهى السماح له بإلقاء قصيدة جديدة له بعنوان “إليكم”، قائلا له: “دعني أتحرش بالبورجوازيين قليلا”. وكان (بونين) من المعجبين بشعر (ماياكوفسكي)، كما يقول في مذكراته عن القبو. وقف الشاعر المثير للجدل على خشبة المسرح بقامته المديدة، وألقى قصيدته الشهيرة “إليكم” بصوته الجهوري. وكانت قصيدة هجاء لاذعة، يسخر فيها من هؤلاء السادة الذين يعيشون في منازل مدفأة، تتوافر فيها كل وسائل الراحة، ويقضون أوقاتهم في المغامرات العاطفية، والسكر والعربدة، وأكل ما لذ وطاب، في وقت تخوض فيه روسيا حربا دامية، وتخسر كل يوم عددا من خيرة شبابها. أثارت القصيدة غضبا عارما، ونقاشات حامية داخل المقهى، وانتقل النقاش في اليوم التالي إلى إحدى كبريات صحف بطرسبورغ (بيرزفوي فيدومستي). وظهرت في الصحيفة مقالة وصفها (بونين) بأنها قذرة. مقالة تحريضية ضد المقهى، بقلم صحفي كان يرتاد المقهى بانتظام، ويسكر فيه أكثر من أي زائر آخر. لفتت المقالة انتباه الشرطة، التي داهمت المقهى، ولم تجد فيه مخالفة تذكر، سوى عدم الالتزام تماماً بالقرار الحكومي الذي صدر في أوائل الحرب بمنع تقديم الخمور في المطاعم والحانات والمقاهي، حيث عثرت الشرطة على بعض القناني الفارغة تحت الأرائك، فتم غلق المقهى في 3-3-1915.

خلال الحرب العالمية الثانية تحول القبو إلى ملجأ آمن من الطائرات الألمانية المغيرة. وصادف وجود (أخماتوفا( خلال إحدى الغارات بالقرب من القبو، فلجأت إليه مع أناس آخرين. ولا أحد يدري، ما الذي كان يدور في خلد الشاعرة العظيمة في تلك الدقائق، التي لجات فيها إلى المكان الذي شهد أجمل ايام حياتها. وقالت فيه قصائد مرحة، وتحدثت عنه في مذكراتها، وفي قصيدتها الطويلة “ملحمة بلا بطل”.


استغلال اسم “الكلب الضّال” تجارياً

أما اليوم فإن البعض يحاول استغلال اسم وشهرة “الكلب الضّال” تجاريا، فقد تم إعادة ترميم وتجميل القبو، ليس من أجل تأسيس مركز ثقافي فيه، بل تحويله إلى (ريستوران) يحمل اسم “الكلب الضّال”. يقدم فيه – إلى جانب الأكلات الروسية – فعاليات مسرحية، وغنائية بأسعار باهظة. ويحاول صاحب الريستوران أو القاعة عبثا، تقليد الجو الذي كان سائدا في القبو في أوج ازدهاره وشهرته في العصر الفضي. ورغم الدعاية الهائلة، إلا ان االمكان اليوم يفتقد روح مقهى “الكلب الضّال”، وأجوائه الإبداعية، وعباقرته الذين تحولوا إلى أساطير جميلة في ذاكرة الأجيال الروسية المتعاقبة. وإذا كان من الممكن انتحال اسم المقهى القديم، وتقليده في كل شيء  فمن يعيد إليه عباقرته، وروحه، والأجواء الإبداعية التي كانت سائدة فيه ؟

تجربة (إيغلتون) العميقة لقراءة الأدب

تيري إيجلتون

يعد (تيري إيغلتون) أحد أهم النقاد المعاصرين الذين كتبوا حول نظرية الأدب ووظيفة النقد وأيدولوجيا علم الجمال.

في كتابه (كيف نقرأ الأدب) يستعرض بعض الأدوات الأساسية في أسلوب قراءة النص الأدبي واستيعابه بعمق ومتعة. ويقدم تحليلا متفردا لعدد من النصوص الأدبية في خمسة فصول؛ الافتتاحيات، الشخصية، السرد، التفسير وأخيرا القيمة.

إن الأعمال الأدبية قطع بلاغية وتقارير أيضا، وتتطلب نمطا من القراءة على درجة بالغة من اليقظة؛ نمطا متنبها للنبرة والحالة المزاجية والسلاسة والجنس والنحو والتراكب والنسيج والإيقاع وبنية السرد وعلامات التنقيط والإبهام، بل لكل ما ينطوي عليه موضوع الشكل.

وعن افتتاحيات الأعمال الأدبية يقول بأن الأديب يكون في أفضل حالاته في مستهل الفصل الأول:

فتراه تواقا إلى التأثير، راغبا في لفت نظر القارئ، متعمدا أحيانا اقتلاع كل علامات الوقف.

يستعرض افتتاحية رواية (رحلة إلى الهند)” لـ(إدوارد فوستر) التي يصف فيها مدينة “شاندرابور” فيقول: “إننا أمام أديب يتمتع بعين دقيقة الملاحظة شديدة التمييز، ولكنها في الوقت نفسه عين هادئة تنظر من بعد.”

أما افتتاحية مسرحية (ماكبث) لـ(شكسبير) فهي استفهامية: “تحتشد بالأسئلة، وأحيانا بأسئلة تكون أجوبتها أسئلة أخرى؛ مما يساعد في خلق مناخ تكثر فيه الشكوك والقلق والارتياب المرضي. إن طرح سؤال يتطلب شيئا محددا في الإجابة، ولكن الأمر ليس كذلك في هذه المسرحية.”

الفصل الثاني من الكتاب يتحدث عن الشخصية فيقول أن شخصيات النصوص الأدبية لا تمتلك تاريخ قبلي، وحين يصل العمل إلى نهايته تختفي الشخصيات والأحداث في هواء رقيق.

لكن بعض الروايات تنتهي بتخيل أحدهم لمستقبل شخصياتها: “متخيلا إياها وقد تقدم بها العمر وشاب شعرها وابتهجت وهي وسط مجموعة من الأحفاد العابثين. وتجد هذه الروايات صعوبة في ترك أحفادها يذهبون وشأنهم مثلما يجد الآباء في بعض الأحيان صعوبة في ترك أطفالهم.”

في الفصل الخاص بالسرد، يتحدث عن الراوي، ثمة رواة واسعو المعرفة وبعضهم لا يمكن الوثوق بهم. ومع ذلك يمتلك الراوي سلطة على القارئ.

السرد نوع من أنواع الاستراتيجيات يوظف مصادر معينة ويستخدم تقنيات محددة من أجل تحقيق أهداف بعينها.

أما تفسير الأعمال الأدبية والنظر في معانيها فهو أمر لا يمكن التنبؤ به ” فمثلما أن والدينا لا يواصلون السيطرة على حياتنا عندما نتقدم في العمر، فإن الشاعر لا يمكنه بدوره أن يقرر السياق الذي سوف يقرأ فيه كتابه ولا المعنى الذي يرجح أن نستخرجه منه.”

وفي تساؤل عما يجعل العمل الأدبي جيدا؟ أو رديئا؟ نجد أن الأجوبة كثيرة مثل “عميق البصيرة، والواقعية، والوحدة الشكلية، ونيل الاعجاب الشامل، والتعقيد الأخلاقي، والابتكار اللفظي، والرؤية التخيلية.”

أنها القيمة التي تجعل من عمل ما رفيع المستوى ويولّد معاني جديدة بمرور الزمان.

فان جوخ وحديثه عن جمال وسحر الحزن والعواصف في الطبيعة والحياة

لوحة بورتريه لـ(فان غوخ) مرتديًا قبعة قشية

أوه علينا أن نتنفس بعضًا من الهواء النقي ونشعر ببعض من السعادة، لاسيما الشعور بما تعنيه اللوحة، فلندع  ظلال اللوحة تعبر بكل أسى.

فينسنت فيليم فان غوخ (1853 – 1890) كان رساماً هولندياً، مصنف كأحد فناني الانطباعية. تتضمن رسومه بعضًا من أكثر القطع شهرة وشعبية وأغلاها سعراً في العالم. عانى من نوبات متكررة من المرض العقلي -توجد حولها العديد من النظريات المختلفة- وأثناء إحدى هذه الحوادث الشهيرة، قطع جزءاً من أذنه اليمنى. كان من أشهر فناني التصوير التشكيلي. اتجه للرسم التشكيلي للتعبير عن مشاعره وعاطفته. في آخر خمس سنوات من عمره رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية.

لن توصلنا الفرص للسعادة ولا للشعور بها، فبعض الأروح يثقلها الحزن والأسى أكثر من غيرها. سيكون من السهل الممتنع أن نضفي طابعًا رومانتيكيًا على المعاناة، على الرغم من اختلاف (إليزابيث باريت برواننج) في مذكرتها على ذلك، إلا أن بحوزتنا تاريخ ثقافي حافل في تكريس “أساطير معاناة العباقرة” وواقعهم الأشد مرارة.

ألا يعني هذا أن نعتبر أن الانغماس في الحزن والاشفاق على الذات، جزءان جوهريان في مجاراة الحياة بدلاً من معاداتها؟

هذا ما خاطب به فنسنت (فان غوخ) في رسالة بعثها لشقيقه (ثيو) التي نشرت في كتاب بعنوان (المخلص دومًا فنسنت؛ الجواهر من رسائل فان خوخ)، ذلك الكنز الثمين الذي أهدانا إياه متحدثًا عن اقتران القول بالعمل وكيف يحركنا ارتكاب الأخطاء نحو المضي قدمًا.كتاب المخلص دومًا فنسنت فان جوخ الجواهر من رسائل فان خوخ

على الرغم من الفقر الذي لازمه طوال حياته و الوهن الذي أصابه جراء مرضه العصبي، إلا أنه قد تمكن من تحويل هذه المصاعب المختلفة إلى فن من أعرق الفنون التي انتجتها البشرية.

أثناء مكوثه في لاهاي و صراعه مع المرض بعث في سبتمبر عام 1883 برسالة إلى شقيقه كتب فيها:

كتبت لي عن جولتك لـ(فيل دافري) ذلك الأحد، في اليوم نفسه والتوقيت نفسه كنت أمشي وحيدًا أيضًا، أود إخبارك  بشيء حصل في تلك الجولة، يبدو أن خواطرانا قد تواردت ثانيةً إلى درجةٍ ما.

ذهب (فان غوخ) في جولة قاصدًا أن يصفي ذهنه وينعش فؤاده عقب انتهاء علاقته أخيرًا ببائعة الهوى ومدمنة الكحوليات (سين) التي جمعتهما علاقة حب استمرت لمدة عام ونصف العام، بدأت تلك العلاقة عقب تعافيه من تجربة الانكسار العاطفية التي علمته أن الحب من طرفِ واحد ليس سوى إذكاءِ للفن.

اعترف (فان غوخ) أن انفصالهما كان أمرًا في غاية الغرابة، فعلى الرغم من تعلقه الشديد بسين وأطفالها وتعلقها هي بنفس الشدة إلا انهما لم يستطيعا إسعاد بعضهما البعض على المدى البعيد.

في جولة للصفاء الذهني توجه (فان غوخ) لقضاء برهة من الوقت في رفقة الطبيعة، في تلك اللحظة وفي حالة الاضطراب الداخلية تلك شاهد اجتياح عاصفة قوية ومن الغريب شعوره أن اجتياح العاصفة قد ساعده في تعافيه وإعادة اكتشاف جمال الحياة الحقيقي.

لوحة : أشجار الصنوبر في المساء 1889 (متحف فان خوخ)

ويسرد لشقيقه تفاصيل لقائه الرائع مع الطبيعة قائلًا:

كما تعرف المناظر الطبيعية هناك؛ أشجار رائعة مفعمة بالجلال والصفاء بجوار الخضرة وبيوت صيفية مربعة الشكل مثل بيوت ألعاب الأطفال، وكل مايثقل خيالات الهولنديين من سخافات، من أصحاب الدخل الخاص فينعكس ذلك على طراز أحواض الأزهار وسقائف الشرفات. معظم البيوت قبيحةٌ جدًا و بعضها قديمٌ وأنيق.

والجيد في تلك اللحظة، تدافع السحب واحدة  تلو الأخرى فوق المروج المترامية الأطراف كالصحراء، فيما ضربت الرياح البيوت الريفية بأشجارها على الضفة الأخرى من المجرى المائي على امتداد الأشجار الرائعة على الطريق المتشح بالسواد الفاحم، رأيت بداخل كل شخص منها، أقصد في كل شجرة شيء من المأساة.

حيث بدا كل شيء أجمل في تلك الأشجار التي عصفت بها الرياح إذ تراها في ذواتها. لأن هذه اللحظة قد أضفت شخصية فريدة حتى على تلك البيوت الصيفية غير المتناسقة و الغارقة في المطر. و قد تصورت كيف يمكن أن يتشكل شخص بمظهر عبثي وبقناعات منافية للعقل ومثقل بالغرابة والنزوات داخل قالب مأساوي بشخصية فريدة قد تمكن منها الواقع المرير. لقد جعلني ذلك أفكر في حال المجتمع اليوم و تنشئته يبدو أشبه بلوحة ظلية قد انعكس عليها نور التغيير.

و يضيف قائلاً:

نعم، فبالنسبة لي فإن مأساة الطبيعة تكمن في العاصفة ومأساة الحياة في الحزن وذلك الأمثل .. أوه علينا أن نتنفس بعضًا من الهواء النقي ونشعر ببعض من السعادة، لاسيما الشعور بما تعنيه اللوحة، فلندع  ظلال اللوحة تعبر بكل أسى.

وبعد سبع سنوات من كتابة هذه الرسالة، مزقت المأساة  لوحة حياة (فان غوخ).

لوحة: منظر طبيعي في الطقس العاصف 1885 (متحف فان جوخ)

[المصدر]