خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الفنون

المسرح والموسيقى والأفلام والرسم والأدب والشعر

أماندا بالمر حول: الإبداع في الفن عندما تقصيك الحياة

ماهو الفن، وضع الحياة على نطاق أوسع، أعلى! الفن هو الحياة، حيثما نعيش نُعاني ونتألم.

كتبت (إليزابيث باريت براوننج) قصيدة شعر حر في روايتها الملحمية التي نٌشرت عام 1856 (أورورا لي) والتي يمكن القول إنها أول بيان أدبي بعيد المدى عن حق المرأة في الاستقلال الذاتي في الفن والحياة، وعدم قابلية الاثنين للتجزئة في مجموعة أعمال أي فنان.

بعد أكثر من قرن ونصف، (أماندا بالمر)، فنانة لديها قدرُ من الشجاعة غير المألوفة على جعل ميدان البؤس والمعاناة منبعاً للفن، الفيلسوفة والشاعرة الشريرة لعصرنا، وصديقتي العزيزة كذلك. تبّين عدم انقسام أسلوبها المنصهر في الوهن عن أسلوب الخيال العلمي المسيطر في القرن التاسع عشر وذلك في مقدمة كتاب (لن تكون هناك هدنة)، ألا وهو العمل اللطيف الذي نشر ذاتياً وموله الجمهور، وكتابها الفني بحجم قرص الفونوغراف الذي يأتي مصاحباً لألبومها الفني والذي يحملُ نفس العنوان، ويتميز بصور بسريالية خرافية، التقطها فريق كان وسيليسنيك، وكلمات الأغاني، ومقالات السيرة الذاتية لـ(بالمر) التي تستكشف من خلالها الحياة المادية الأولية للفن المتمثلة في المعاني التالية: الحب والفقدان والإجهاض والأم كفنانة عاملة و الانهيار الأخلاقي والروحي للوطن، وما يعنيه حقاً مؤازرتك لصديقٍ في وقت الشدة، وكيفية العثورعلى خصلة من العقل في زمنٍ فاق جنونه كل جنون.

أشارت (بالمر) في مقدمة كتابها لكلمات (جون لينون) الشهيرة: 

الحياة هي ما يحدث عندما تكون مشغولاً في صنع خطط أخرى. وما الفن بالنسبة إلى الفنان سوى ذلك الذي يحدث عندما تدع حياتك الغريبة والهامشية والمتقلبة تقودك إلى ابتداع أشياء لا يتوقع أحدٌ منك ابتداعها.

الفن هو ما يحدث إذا كنت قادرًا على التشبث، بيدٍ غاضبة ومرتعشة، بالمرآة الفنية الخاصة بك التي تعكسك وتعكس تجاربك وأفكارك وجمهورك ورؤيتك وكل محاولاتك للاكتشاف والتعبيرعن ماهية هذا كله. جميع الصور الذاتية الضبابية المتشابهة والقذرة التي رسمتها  لنفسك، تندمج في تلك المرآة الفنية في صورة متغيرة باستمرار، تلك هي أنت، تتفرس بها كفنان وتتأرجح بين الشعور بالرعب والسحر، متعثراً في طريقٍ بهيم من التخبط.

في وصف وجداني ملفت للنظر من قصيدة (فيسوافا شيمبورسكا)، الكاتبة والشاعرة البولندية الحائزة على نوبل، “الحياة وأنت تنتظر” تضيف (بالمر) على بيت “يعوزني الاستعداد لنعمة الحياة”:

في المقابل تحاولين التشبث بالحياة الواقعية. تحملين طفل يبكي وحقيبة ممتلئة وعدد من صحيفة النيويورك تايمز التي لم يكن لديك وقت لقراءتها، لأنكِ حقاً مواطنة جيدة ويجب أن تكوني مطلعة على الأمور، وعاء من الأرز المحروق وهاتف خلوي يعجّ برسائل نصية مثل: صديقك يحتضر أو تم اختراق حسابك على فيسبوك أو يجب إنهاء حملك أوالذئاب البرية التهمت دجاجك، أو زواجك ينهار أو تم إلغاء رحلتك، زوجك السابق أطلق النارعلى رأسه، قرأ اليمينيون قصيدتك الغبية في المدونة حول مفجر بوسطن ويرسلون لك رسائل تهديد بالقتل عبر البريد الإلكتروني أو الجنين الذي تحملينه بأحشائك قد يكون أو لا يكون مشوهًا أو أن تكون أمك غاضبة لعدم أتصالك بها منذ فترة طويلة.

إذن مالذي تفعله الفنانة التي جنت عليها الحياة لتواصل الإبداع في الفن وتواصل الحياة؟ إنها تفعل بعالمها الداخلي الشيء ذاته الذي تفعله بالعلن، لكي تسمي نفسها بالفنانة. وهذا الشيء ذاته الذي أوضحته (توني موريسون) بتأملها الخالد في مقالتها (مهمة الفنان في زمن المحاولات) : “هذا هو الوقت الذي يذهبون فيه للعمل. لا وقت لليأس ولامكان للشفقة على النفس و لا حاجة للصمت ولا مجال للخوف. وبذلك تعكس اتجاه المسؤولية نحو العالم الداخلي، حيثُ تبدأ دائماً كلٌّ الإمكانيات للأعمال الخارجية”.

تكمل (بالمر) قائلة:

بينما تقرئين رسائلك النصية بيدٍ، تحاولين باليد الأخرى حمل مرآتك الفنية المصقولة جيداً، والتي يزداد ثقلها وتهيجها مع الوقت مع شعور متنامٍ بالانفصال وكأن الرسائل النصية مصدر أخبار لشخص آخر، والمرآة تبدو كأنها لعنة ثقيلة لم يطلب منك حملها من الأساس.

تستمرين بالجري على طول الطريق، وإذا حالفك الحظ لن تسقطي المرآة. تنظرين بعض الأحيان إلى المرآة وتسألين نفسك لماذا أحملها وأنا لدي سلفاً كلٌّ هذه الأشياء المقرفة  لحملها؟وفي أحيان أخرى تسقطينها من فرط الإنهاك وتقعين على ركبتيكِ. وتسقطين الحقيبة والطفل ووعاء الأرز والهاتف. وتشعرين أنّ لامفر لك سوى أن تجهشي بالبكاء، شاعرةٌ بأن الإنهاك من الحياة بلغ بك منتهاه، فضلاً عن استنباط معانٍ فنية من كل ما يحدث.

ثم تنهضين وتستمرين في الجري مجدداً.


[المصدر]

بيكاسو يتحدث: الحدس، كيف ينشأ الإبداع، ومن أين تأتي الأفكار

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

حتى تعلم ما تريد رسمه، عليك البدء بالرسم

“يستهدف الإلهامُ الهواة. أما البقية، فيذهبون إلى مكاتبهم ويشرعون في العمل مباشرة”، هكذا قال (تشَك كلوس) ساخراً. “استعدّ للعمل، استعدّ للعمل، استعدّ للعمل” وهكذا ألحّت الروائية (إيزابيل آليندي) في نصائحها للكتّاب الطموحين، “وبعد مدة ستستعدّ لك الأفكار”. وأوصى الملحن الأسطوري (بيتر إليتش تشايكوفسكي) داعمته بطريقة مشابهة في رسالة كتبها عام ١٨٧٨ ووجهها لها “يجب ألّا يحيد الفنان عن العمل بحجة أنه متعكر المزاج”.

بالطبع، فكرة أن الإبداع والأفكار المزهرة لا تنبع من الاستسلام السلبي للإلهام، وإنما من التطبيق المتفاعل المستمر لأخلاقيات العمل، أو الانضباط، كما ادّعى العظيم الراحل (ماسيمو ڤيجنيللي) أنه المحرك للعمل الإبداعي، هي فكرة شرحها جيش من أصحاب الأفكار المبدعة عبر العصور، كما شرحوا كيفية نشوء الأفكار أيضا. ولكن، وربما بشكل متوقع، يأتي التعبير الأجمل والأكثر إيجازًا من أحد أعظم الفنانين على مرّ العصور.

كان هذا أحد الأسئلة التي طرحها المصور الهنغاري الشهير (براساي على بابلو بيكاسو) (1881 – 1973) كجزء من سلسلة مقابلاتهم التي امتدت ثلاثين عاما والموجودة في كتاب (محادثات مع بيكاسو)، نفس نسخة عام 1964 الرائعة التي ناقشت رأي (بيكاسو) عن النجاح وعدم المساومة في الإبداع. عندما سأل (براساي) الرسام عما إذا كانت الأفكار تأتي له مصادفة أم عنوة، زوّد (بيكاسو) إجابته بشيء من الحكمة عند حديثه عن طغيان “العائق الإبداعي” وقال

لا أعلم أبدا. الأفكار بكل بساطة هي نقطة بداية، نادرا ما أستطيع إيقافها حيث تتدفق إلى مخيلتي. بمجرد ما أن أبدأ العمل، تسيطر أفكار أخرى على قلمي. حتى تعلم ما تريد رسمه، عليك البدء بالرسم، هذا ما يدور في ذهني عندما أجد نفسي أمام صفحة فارغة. ما أرسمه رغما عني يثير اهتمامي أكثر مما أكوّنه من أفكار.

لتوضيح هذه الفكرة بشكل أعمق، أن العمل الأكثر إبداعا ينبع عندما يتنحى العقل الواعي المفكر عن الميل الحدسي -أمرٌ شرحه (راي براديري) شرحا جميلا في مقابلة عام ١٩٧٤، يقدم (بيكاسو) مثالا توضيحيا، بالرغم من كونه معجبا فنيا وصديقا كذلك لـ(ماتيسو)، إلا أنه يعتبر طريقته الإبداعية المنهجية الشهيرة في الرسم خائنة لفكرة إخلاص الفنان لحدسه الإبداعي الأولي:

يبدأ (ماتيسو) بالرسم، ثم يعيد نسخ الرسمة. يكرر ذلك خمس مرات، ثم لعشر مرات وكل مرة بتوضيح أكبر لتفاصيلها. إنه يميل إلى الاعتقاد أن النسخة الأخيرة هي الأفضل والأنقى، مع أنها عادة النسخة الأولى. عندما يتعلق الأمر بالرسم، الرسم الأولي هو الأجمل.

قراءة كتاب محادثات مع (بيكاسو) بأكمله مكافئة بحد ذاتها.


[المصدر]

لقاء صحفي بعنوان “فن الفكاهة والظرف” مع (وودي آلن)

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

كما يعرف سكان نيويورك (وودي آلن) هو أحد أكثر مواطنيها طاغي الحضور وكلي الوجود: في مقعد الأمامي في ملعب ماديسون سكوير غاردن يشاهد مبارة لنيويورك نيكس، في حانة مايكل في مساءات الإثنين يعزف الكلارنيت، وفي المناسبات في مطعم إيلاين جالسًا على طاولته المعتادة. يصعب بالرغم من ذلك اعتباره شخصًا ودودًا منفتحًا: خجلٌ حين لقاء المعارف، مرةً عبر عن رغبة ملحة شديدة بالعودة إلى الرحم “رحم أي أحد”. ومسيرته في حقيقة الأمر جهد استثنائي ومدهش في عددٍ من المجالات: الأدب، المسرح، الأفلام السينمائية. “أعمل مُكرهًا ومُلزمًا” قال مرة، “ما أحب عمله فعلًا بأفضل إمكانياتي هو ما ألا أفعله الآن”.

بدأت مسيرة (آلن) في الكوميديا كمراهق حين قدم بضع نكات لشركة إعلانات. في سنة 1953 بعد ما أسماه “سنة قصيرة مًجهضة في الجامعة” ترك الدراسة ليصبح كاتبًا فكاهيًا لـ(غارّي موور) و(سيد سيزر). في أوائل الستينات أكسبته جولاته الروتينية في النوادي الكوميدية في جيرنويش فيلج اعتبارًا وتقديرًا، ومن ثم أدت إلى الظهور على التلفاز عدة مرات. سنة 1965 مباشرةً بعد إنتاجه لثلاثة أسطوانات كوميدية ناجحة شق طريقه وظهر لأول مرة ككمثل وكاتب نص في فلم (What’s New, Pussycat)، أما فيلمه الصادر سنة 1969 (Take the Money and Run) كان المشروع الأول الذي لم يكتبه فقط و يمثل دور البطولة فيه بل وحتى أخرجه أيضًا. رغم أن عددًا من أفلامه المبكرة (Bananasو(Sleeper) و(Love and Death) اُنتقدت نقدًا لاذعًا، إلا أنه وحتى سنة 1977 وصدور فلم (Annie Hall) الذي ربح أربع جوائز أوسكار حينها حظي (آلن) بالتقدير والاعتراف به كقوة استثنائية في السينما الأمريكية. منذئذٍ بلغت أفلامه الخمسين فيلمًا والتي نجح بجعلها فيلمًا كل سنة. كما كتب أيضًا عدة مسرحيات لمسرح برودواي: الأنجح من بينها (Don’t Drink the Waterو(Play It Again, Sam) والتي حُولت أيضًا إلى أفلام.

كتب آلن ثلاثة مجموعات قصصية ظهر معظمها في مجلة النيويوركر أولًا وهي: (Getting Even) و(Without Feathers) و(Side Effects).

أُنجز القسم الأكبر من هذه المقابلة، معظمها أجرته (ميتشكو كاكوتاني)[1] خلال عشاء في مطعم إلاين، واكتملت سنة 1985. ومنذ ذلك الحين استكملها المراجعون وعدلوها بالمراسلات والمكالمات مع السيد (آلن) لتظهر بهذه الصياغة الحديثة الآن:


هل تعتقد أن الفنان الهزلي يرى العالم رؤية مختلفة بعض الشيء؟

نعم. أعتقد بإنك إن امتلكت منظورًا فكاهيًا، فأي شيء تقريبًا سيحدث سيخضع لمصفاة الفكاهة. هي طريقة للتكيف على الأمد القصير، ولا أثر لها على الأمد الطويل، وتتطلب تجديدًا ونهضةً ثابتة أبدية. ولذلك فالناس تتحدث عن الفكاهيين أو الهزليين أنهم دومًا “ضاحكون ظريفون”. يشبه الأمر أن تخدر حواسك باستمرار لتعيش بقدر أقل من الألم.

هذا نادرٌ جدًا ألا تظن ذلك؟

إنها الطريقة الوحيدة للتعاطي مع الحياة. يعتقد الناس بأنه من الصعب جدًا أن تكون ظرفٍ خفيف الدم لكنه شيءٌ ممتع. إذا كنتَ قادرًا على فعله فهو أمرٌ غير صعب أبدًا. يشبه الأمر كما لو أنني قلت لأحدٍ بارع بالرسم يا إلهي لو أنني أمسكتُ قلم رصاص و ورقة طيلة اليوم لما استطعتُ رسم ذلك الحصان. أنا لا أقدر على فعل ذلك وأنتَ فعلته بإتقان شديد جدًا. ويشعر الآخر بأنه لا شيء.

أنا أفعل هذا منذ كنتُ في الرابعة من عمري. هذا ما أشعر به نحو الكوميديا: إذا كنتَ قادرًا على فعله، فأنت تعرف حقًا بأنه ليس شيئًا مميزًا. لا أعني أن النتيجة النهائية لا شيء وليس مميزة، أعني أن العملية بسيطة. طبعًا هناك بضع أشخاصًا هم ظرافٌ فعلًا، وبضعٌ آخر ليسوا. إنها غرابة الطبيعة.

من هم الكُتاب الذين جعلوك راغبًا في الكتابة؟

أتذكر أن أول شخصٍ ضحكت على كتاباته هو (ماكس شولمان). كنتُ في الخامسة عشر من عمري. أملكُ مجموعة قديمة من كتبه. أكثر كتبه فكاهةً بالنسبة لي كان (The Zebra Derby) .. مضحكٌ بمعنى أشمل، رغم أن عليك أن تقدر السياق الذي كتب فيه، بما إنه يتناول عودة جندي عريق إلى هنا بعد الحرب العالمية الثانية، عودته إلى الأرض الموعودة. ثم اكتشفتُ (روبرت بنشلي) و(سيدني جوزيف بيرلمان)، الكاتبان الآخران الظريفان جدًا واللذان كانا حقًا معلمين عظيمين. التقيتُ (بيرلمان) في مطعم إلاين في إحدى الليالي. كنتُ بصحبة (مارشال بريكمان) وأحضر لي النادل بطاقة. كان على الجزء الخلفي منها جملة من قبيل أتود أن تشاركني شرب تونيك الكرفس. اعتقدتُ -أوه- إنه محض سائح من خارج المدينة وألقيتُ بالبطاقة بعيدًا. لاحقًا بعد مرور ساعة ونصف قال أحدهم أتعلم أنها من (س. ج. بيرلمان)، لذا استعدتُ البطاقة من على الأرض. كان مكتوبًا عليها “س. ج. بيرلمان”، وركضتُ نحو المكان الذي كان فيه في الزاوية وجلسنا برفقته. قابلته قبلًا و كان دومًا بالنسبة لي ودودًا و لطيفًا. قرأتُ أنه يمكن أن يكون عسيرًا، لكني لم أرَ ذلك الجانب منه أبدًا.

متى بدأتَ الكتابة؟

قبل أن أجيد القراءة. كنتُ أرغب دومًا بالكتابة. قبل ذلك كنتُ أخلق الحكايات. كنتُ دومًا أخلق الحكايات لتلاميذ فصلي. لم أكن في الغالب معجبًا أبدًا بكتاب الكوميديا كما كنتُ بالكتاب الجادين. لكني وجدتُ نفسي قادرًا على الكتابة بالمزاج الفكاهي، مقلدًا مباشرةً (شولمان) في بادئ الأمر وأحيانًا (بيرلمان). في سنتي الدراسية القصيرة المجهضة في الجامعة كنتُ أسلم أعمالي كلها مشتقةً اشتقاقًا متقنًا أو سيئًا من أعمال (شولمان). لم أملك أي إحساسٍ بنفسي أو معنى لها مطلقًا.

كيف اكتشفت ذاتك؟ هل حصل ذلك خطوة بخطوة؟

لا، حدث ذلك صدفة نوعًا ما. كنتُ يئستُ من كتابة النثر كليًا واتجهتُ للكتابة التلفزيونية. كنتُ أريد أن أكتب نصوصًا مسرحيًا وكنتُ في ذات الوقت أمثل ككوميدي في ملهى. يومًا ما راسلتني مجلة (بلاي بوي) وطلبتني مني كتابة شيءٍ ما؛ لأني كنتُ كوميديًا صاعدًا وكتبتُ ذلك النص عن الشطرنج.

كنتُ حينها متزوجًا تقريبًا، لكن ليس بعد، بـ(لوزين لاسّر)، قرأتها وقالت: “يا إلهي أظن أن هذا النص جيد”. أيفترض بك أن ترسله للـ(نيويوركر). بالنسبة لي كما بالنسبة لأي أحدٍ من جيلي كانت (النيويوركر) أرضًا مقدسة. بأية حال فعلتُ ذلك كمزحة. صدمتُ حين تلقيتُ ذلك الاتصال الذي يسألني عن إمكانية إجراء بعض التعديلات، وسيطبعونها بعد ذلك. لذا ذهبتُ هناك وعدلت المطلوب، وطبعوها. كانت تلك دفعة كبيرة معززة لثقتي.

لذا اعتقدتُ، حسنًا، أظن أنني سأكتب نصًا آخر لهم. النص الثاني أو الثالث الذي أرسلته للـ(نيويوركر) كان مشابهًا لأسلوب (بيرلمان). طبعوها لكن التعليقات كانت تقول بأنها محاكاة خطرة و واوفقت. لذا تطلع كلانا أنا و(النيويوركر) لتبعات تلك النصوص التي أرسلتها. أخيرًا ابتعدتُ أكثر وأكثر عنه. كان (بيرلمان) طبعًا معقدًا كما يمكن لظرافته الغنية جدًا أن تكون. باستمراري حاولتُ أن أبسطها.

هل كان هذا تطورًا موازٍ لما كنتَ تحاول فعله في أفلامه؟

لا أعدها موازية. كانت تجربتي بالكتابة لمحتوى مختلف منفصلة جدًا عن التزاماتي ومشاريعي. فالكتابة للمسرح مختلفة اختلافًا كليًا عن كتابة فلم وكلاهما مختلف اختلافًا كليًا عن كتابة النثر. والكتابة الأكثر تطلبًا واحتياجًا بينها هي كتابة النثر، كما أعتقد، لأنك حين تنهي الكتابة فإنها هي الناتج النهائي.

أما السيناريو فهو بمثابة الوسيلة والأداة للممثلين والمخرج لتطوير الشخصية. فحين كتابتي لفلم كل ما أفعله هو خربشت بضعة ملاحظات حول المشهد. ليس عليك أن تكتب أي شيء على الإطلاق، أنت تملك فقط ملاحظاتك عن المشهد، المكتوبة بوجود الممثلين والكاميرا في عقلك. الحاجة الحقيقة للسيناريو هي لاختيار الممثلين ووضع الميزانية، لكن الناتج النهائي لا يحمل عادة ذاك التشابه مع السيناريو، على الأقل في حالتي.


إذًا ستتمتع بسيطرة أكبر وأعمق على نص؛ كرواية مثلًا

تلك إحدى مواضع جاذبيتها: أن لك سلطة عليها. أما الموضع الآخر فهو أنك حين انتهائك من كتابتها يمكنك أن تمزقها وتلقي بها بعيدًا. بينما حين تصنع فلمًا فإنك لا تملك هذا الخيار. عليك أن تعرضه للعلن حتى لو لم يعجبك. قد أضيف أيضًا أن الساعات تمضي أفضل حين تكون كاتب نثر.

فحالك حينها سيكون ممتعًا أكثر حين تستيقظ صباحًا وتنحرف مندفعًا إلى الغرفة المجاورة وتكتب وحيدًا، ممتعٌ أكثر من استيقاظك صباحًا والتوجه لتصوير فلم. إذ أن للأفلام متطلبات كبيرة. فهي مهنة جسمانية. عليك أن تكون في مكان محدد، وفقًا لموعد محدد، في وقت محدد. وأنت متكل معتمد على الآخرين. أعلم أن (نورمان ميلر) قال بأنه لو بدأ مسيرته اليوم لاختار أن يكون في مجال صناعة الأفلام لا روائيًا.

أعتقد أن الأفلام مغامرات ومشاريع الأصغر سنًا. فهي في معظمها شاقة مجهدة. ومن بعد حد معين لا أظن أنني أرغب بهذا الشكل من الكد والجهد: أعني أنني لا أود أن أحس أن عليّ طيلة حياتي الاستيقاظ في الساعة السادسة صباحًا، خارج منزلي في السابعة لأكون في شارع متجمد أو مرجة غائمة ومعتمة لأصور مشهدًا. ليس الوضع مشوقًا و لا محمسًا إلى هذا الحد. من الممتع أن تتجول حول البيت، أن تظل في البيت.

قال (تينيسي وليامز) مرةً أن كتابة المسرحيات مزعجة لأن عليك أن تنتجها، فأنت لا تستطيع أن تكتبها وتتركها في الدرج. لأنك حين تكتب سيناريو تكون قد تجاوزته وترغب بالاستمرار والتقدم. باستطاعتك فعل ذلك حال تأليف كتاب. لذا كما يبدو سيكون الدافع دومًا لأن تكون روائيًا. هو أمرٌ مرغوبٌ جدًا. يفكر الواحد بـ(كوليت)[2] جالسةً في شقتها الباريسية، تطل خارج نافذتها وتكتب. هي حياة جذابة ومغرية جدًا. في الحقيقة كتبت مسودة أولى لرواية حين كنتُ في باريس لتصوير فلم (Love and Death). موجودة في منزلي، مكتوبة بأكملها بخط اليد، مستلقية في درجي مكتوبة على ورق الرسم البياني، وهي على هذا الحال منذ سنوات. أحتفظ بها لحين أصبح بلا طاقة وغير قادرٍ على صنع المزيد من الأفلام. لا أرغب بالعمل عليها بينما ما زالت أملك الحيوية الكافية والطاقة للخروج في باكورة الصباح وتصوير الأفلام.

من الجيد التطلع لرواية. أعلم أنهم يومًا ما سيتوقفون عن دعمي في أفلامي ويقولون: “ما عدنا نرغب بفعل هذا بعد الآن”، أو أنني سأتعب من ممارستي هذه. أتمنى أن تكون الرواية جيدة. أعني أنها لن تحدث تلك الهزة العظيمة، لكنها رواية، قصة لا يمكن أن تُروى إلا على ذلك النحو. فكرتُ مرارٍ أن آخذ الفكرة وأحولها لمسرحية أو فلم، لكن و ياللغرابة لم ينجح ذلك. إذا ما كانت ستنجح فذلك سيكون كرواية. ستنجح في النثر.

كيف وُجدت هذه الرواية؟ هل فكرت بكتابتها منذ زمن بعيد؟

ليس تمامًا. بدأت بكتابة الصفحة الأولى. إنها عادة قديمة أمارسها حين كتابتي المسرحية. لا أتخيل نفسي أكتب الدور الثالث قبل الأول، أو حتى الخروج عن الترتيب وكتابة جزء من الدور الثاني. فالأحداث التي ستحصل لاحقًا، التفاعل بين الشخصيات، تطور الحبكة، معتمدة جدًا على الحدث الحاصل في البدء. لا أستطيع تخيل نفسي أكتب دون تسلسل أو ترتيب.

أحب السرد الكلاسيكي في المسرحية. أحبه في الرواية. لا أستمتع بالروايات التي لا تتضمن قصصًا واضحة. فأن تقرأ لـ(بلزاك) أو (تولستوي) بالإضافة إلى كل الآخرين هي متعة عظيمة. حين تُرفع الستائر في المسرحية ويكون الناس جالسين في حاويات معدنية، أعرف أنني سأقدر الفكرة عقليًا، لكنها لن تعني لي كثيرًا. شاهدت مسرحيات (بيكيت)، بالإضافة لغيره الأقل انتماءً للطلائعية، والعديد من المسرحيات المعاصرة، ويمكنني أن أقول أنها نعم ذكية و عميقة لكني لا أكترث بذلك.

لكن حين أشاهد مسرحية لـ(تشيخوف) أو (أونيل)؛ حيث يكون الرجال والنساء بشرًا يمرون بأزمات تقليدية، هذا ما أفضله. أعرف أن قولًا كهذا رجعي في هذا الزمن، لكن الأشياء المعتمدة مثلًا على “اللغة“، تناغم الكلام الذكي، لا أكترث به حقيقةً. أريد أن أسمع الناس يتحدثون بوضوح ومباشرة وأحيانًا شعريًا.

حين تشاهد مسرحية موت بائع متجول أو عربة اسمها الرغبة تكون مهتمًا بالأشخاص وتريد معرفة ما سيحدث لاحقًا. حين راودتني فكرة لمسرحية (The Floating Lightbulb) كتبتها لمركز لينكولن للفنون، كنتُ مصممًا وعازمًا على الكتابة عن أشخاص اعتيادين في حالة بسيطة. حاولتُ بتأنٍ أن أتجنب أي إطالة وتفصيل أكثر من تلك. في الأفلام، وياللغرابة، لا أشعر بهذا الإحساس. أنا في الأفلام أكثر إذعانًا وانقيادًا لتحوير الزمن وتحريف الأفكار التجريدية.


يعاني العديد من الكُتاب صعوبة البدء بمشروع جديد، صعوبة إيجاد الفكرة التي يودون حقًا العمل عليها..

على الأرجح أنهم يزيحون جانبًا الأفكار الجيدة جودة الأفكار التي أعمل عليها. ستخطر ببالي فكرة وأنا أسير في الطريق، وسأدونها مباشرة. وسأرغب دومًا بتحويلها لشيءٍ ما. لم أعاني أبدًا من حبسة. أتحدث عن ذلك ضمن حدود قدراتي. لكني بطريقتي البسيطة، لطالما كان عندي ثروة ممتدة من الأفكار المحيرة. سيكون عندي خمسة أفكار وأنا أتحرق شوقًا لتنفيذها.

يستغرق مني الأمر أسابيعًا أو شهورًا والأفكار تستبد بي وتعذبني لأختار منها مشروعي التالي. أتمنى أحيانًا لو يختار أحدهم فكرة لي. لو أن أحدًا قال نفذ الفكرة الثالثة سيكون ذلك جيدًا. لكني لم أعاني مطلقًا من جفاف الأفكار أو انعدامها.

يسألني الناس دومًا: “هل تعتقد أنك لربما تستيقظ يومًا ولا تعود ظريفًا؟” لم تخطر تلك الفكرة ببالي أبدًا، إنها فكرة بالية وغير واقعية. لأن الفكاهة وأنا غير منفصلين. نحنُ كيانُ واحد. أفضل أوقاتي حين أكون في خض مشروع وأقرر بخصوص مشروع جديد. ذلك لأنه في فترة لم يحدد فيها بعض ماهية الواقع. 

فالفكرة تبدو في عقلك أخاذة، وأنت تتخيلها وتتصورها كاملة في لحظة، تخيل جميل. لكن حين تقرر تنفيذها لا تكون النتيجة كما تخيلتها. تبدأ المشكلة من الإنتاج، حين يبدأ الواقع بالتشكل. كما قلتُ سابقًا المرة التي اقتربتُ فيها من فهم فكرة اقترابًا شديدًا كان في النثر. شعرتُ في معظم ما كتبتُ ونشرتُ بأني نفذت فكرتي الأصلية تطبيقًا مطابقًا مرضيًا. لكني لم أشعر بذلك أبدًا ولا حتى للحظة في أي نصٍ كتبته لفلم أو مسرحية.

شعرتُ دومًا بأني أملك فكرة مبهرة: لكن أين أخطأتُ في تنفيذها؟ أنتَ تخطأ منذ اليوم الأول. في كل شيء تسوية وتنازل. فمثلًا لن تستطيع الوصول لمارلون براندو ليمثل فلمك، سيكون عندك شخصٌ أدنى. الغرفة التي تراها في عقلك وتتصورها ليست الغرفة التي ستصور فيها. هي دومًا مسألة أهداف أسمى، أحلامٍ مبالغٌ فيها، تبجح وثقة عمياء، وشجاعة فائقة على الآلة الكاتبة، وثم حين أكون في خضم إنهاء التصوير ويتحول كل شيء إلى خطأ فادح وأغير وأنقح و أعيد التصوير وأحاول أن أصلح الخطأ، حينها يكون الأمر محض صراع للنجاة. حينها تكون سعيدًا لأنك فقط ما زلتَ حيًا. تتلاشى كل الأهداف السامية، كل المعاني المتعنتة والعنيدة حول العمل الفني المثالي المتقن، وأنت تصارع لئلا ينقض الناس على الممرات بالقطران والريش.

في معظم أفلامي، جميعها تقريبًا، لو استطعتُ أن أصور ما تخيلته لكانت أفضل بكثير. ولحسن حظي لا يعرف الجمهور مدى روعة الفلم المعروض في عقلي ولذا أنجو بفعلتي.

كيف تكتب حقًا؟ ما هي أدواتك؟

كتبتُ في الدفاتر الصفراء المخططة، في دفاتر الفندق، في أي شيء بلغته يداي. لستُ صعب الإرضاء أو دقيقًا في هذه الأمور. أكتب في غرف الفنادق، في منزلي، والآخرون حولي، على علب الكبريت. لا أمانع ذلك حتى بأقل الإمكانيات المتوفرة عندي.

هناك قصص جلستُ فقط واضعًا الآلة الكاتبة وبدأتُ الكتابة من البداية حتى النهاية. بعض ما كتبته للـ(نيويوركر) أنهيته في أربعين دقيقة. وهناك نصوص أخرى صارعتُ وتعذبت لأسابيع وأسابيع لكتابتها. إنه أمرٌ عشوائيٌ جدًا. فلنأخذ فلمين مثلًا أحدهما لم ينجح نقديًا وهو (A Midsummer Night’s Sex Comedy). كتبتُ ذلك العمل في لمح البصر. خطر في ذهني وانساب في ستة أيام، كل شيء فيه في إطار مثالي. أصدرته ولم يلقى ترحيبًا أو استحسانًا.

بينما كانت التغييرات في فلم (Annie Hall) لا نهائية. كانت هناك الكثير من المواد التي لا تُستخدم في المشاهد كتلك التي كانت في النسخة النهائية من الفلم، أعدتُ خمس مرات التصوير. ولاقى الفلم استحسانًا. بينما وفي المقابل حصل النقيض حين عملتُ على أفكارًا خطرت لي ببساطة وسهولة ولاقت استحسانًا وإشادة شديدة. وفيما عانيتُ حال العمل عليه لم يحدث ذلك. لم أجد أبدًا أي رابط. لكن إذا كنتَ قادرًا على فعل الشيء، فهذا يعني أنه ليس صعبًا، وليس إنجازًا مهولًا وعظيمًا كما يظن غير القادر على فعله.

حين كنتُ في السادسة عشر من عمري مثلًا بدأتُ أول وظيفة لي. كانت كاتب كوميدي لوكالة إعلانات في نيويورك. كنتُ أحضر لهذه الوكالة يوميًا بعد المدرسة وأكتب لهم النكات. كانوا يرسلون هذه النكات لعملائهم وينشرونها في أعمدة الصحف. كنتُ أركب قطار الأنفاق، مزدحم جدًا، وواقفًا وممسكًا بالأحزمة المتدلية من أعلى للتشبث بها أخرج قلمي الرصاص وحين أصلهم أكون قد كتبتُ أربعين أو خمسين نكتة … خمسين نكتة يوميًا لسنوات. سيقول لي الناس: “لا أصدق خمسون نكتة يوميًا وتكتبها في القطار”. صدقوني لم يكن أمرًا صعبًا. بينما حين أنظر لشخص يؤلف مقطوعة موسيقية ولا أعرف كيف يبدؤونها أو ينهونها! لكن لأني أعرف دومًا كيف أكتب، فإن الأمر لا شيء بالنسبة لي. أنا قادرٌ دومًا على فعلها ضمن حدود قدراتي. لذا لم تكن صعبة أبدًا.

أظن أنني لو تلقيتُ تعليمًا أفضل، تنشئة أفضل، وكانت شخصيتي على الأرجح مختلفة لكنت ربما كاتبًا مهمًا. هذا ممكن؛ لأني أعتقد أني أتمتع ببعضٍ من الموهبة، لكني لم أهتم بها أبدًا. نشأتُ بلا أي اهتمام علمي بأي شيء. كنتُ قادرًا على الكتابة، لكني لم أكن مهتمًا بالقراءة. كنتُ فقط أتابع الرياضة وأمارسها، أقرأ الكتب الكوميدية، لم أقرأ أبدًا أي رواية بمعنى رواية حتى سن الجامعة. لم أكترث بها إطلاقًا. ربما لو كنتُ تربيتُ تربية مختلفة لربما كنتُ سلكتُ اتجاهًا آخر. أو لو كانت اهتمامات والدايّ، أصدقائي، والبيئة التي كنتُ فيها كانت موجهة توجهًا مباشرًا نحو الأشياء التي أصبحتُ متجاوبًا معها لاحقًا، لربما كان الوضع مختلفًا. ربما كنتُ سأكون روائيًا جادًا. أو ربما لا. ولكن فات الأوان، وأنا الآن سعيدٌ فقط ولا أعاني من التهاب المفاصل.


هل تتذكر أيًا من النكات التي كتبتها وأنت متشبث بالأحزمة المتدلية في القطار؟

هذه النكتة هي من التفاهة التي اعتدتُ تأليفها: “الولد الجالس بجانبي هو ابن مقامر، لم يستعد أبدًا درجاته في الاختبارات، كان يتركها ليزيد الرهان حتى الاختبار القادم”. يمكنكِ الآن أن تعرفي لم كان من السهل كتابة خمسين نكتة يوميًا.

أوافق. لكنك ذكرت هذه الرواية…

لستُ واثقًا بأني أملك الخلفية والفهم الكافي لكتابة رواية. الكتاب الذي كنتُ أعمل عليه، أو أخطط له، هو كتاب ممتع ولكن جاد، وسأرى ما سيحدث بخصوصه. أنا جاهلٌ بحق، ذاتي التعليم جدًا. هذا أمرٌ شائك؛ لأن المتعلم تعلمًا ذاتيًا يعرف في مجالات محددة لكن يضل هناك أيضًا فجوات صادمة. ذلك بسبب فقدان التعليم الممنهج.

يرسل لي الناس سيناريوهات أفلام أو مقالات أو حتى صفحة تضم نكات ويسألونني: “هل يعتد بهذه، هل هذه قصة قصيرة؟ هل هذا مشهد كوميدي؟” ولا يعرفون إذا ما كانت النصوص كذلك أم لا. أشعر إلى حد ما هكذا في عالم النثر. حين أرسلتُ ما كتبتُ إلى (النيويوركر) ما كنتُ أعرف ما بين يداي وما أنا متمسك به. كان يمكن أن تكون ردة فعلهم: “أوه، هذا لا شيء يذكر”. كتبتَ الكثير من الكلمات، لكن هذا في الحقيقة لا شيء يذكر، أو أيها الشاب ما كتبته رائعٌ جدًا. كنتُ سأسعد بقبول حكمهم عليه. إذ أنهم قالوا لي حين حملتُ النصوص لهم “نحنُ آسفون، لكن هذا لا شيء”. كنتُ سأقبل ذلك. كنتُ سأقول لهم “أوه حقًا؟ لا بأس”. كنتُ سألقي بالنصوص بعيدًا و ما كانت عينايّ لترمش أبدًا.

المرة أو المرتين التي رفضوا فيها ما كتبت خلال السنوات كانوا فيها دومًا مترددين و مهذبين، كانوا يقولون دومًا حسنًا ربما سنشر نصً آخر قريبًا من هذا بعض الشيء، أو شيئًا لبقًا كهذا. وكنتُ أحس دومًا بأنني لا أمانع مزقوها. في هذا المعنى لم أشعر يومًا بأن الكتابة مرهفة أو مقدسة. أشعر أن هذا ما سيحدث لو أنني أنهيتُ الرواية. لو أن الأشخاص الذين سلمتهم الرواية قالوا نعتقد أنها لا تستحق، لن يخطر أبدًا ببالي أن أقول لهم يا حمقى. أنا لا أعلم بالقدر الكافي. لا أملك الأحقية التي تخولني لأتحدث كجيمس جويس الذي قرأ كل شيء ويعرف أكثر مما عرف ناقدوه. هناك فقط مجال أو مجالان حيث شعرت أنني أتمتع بذلك الأمان وتلك الثقة، حيث شعرتُ أن حكمي صائب بل وحتى أشد صوابًا من حكم الآخرين. الكوميديا أحدهما. أشعر بالثقة حين أتعامل مع الأشياء المضحكة، مهما كان الوسيط الموجودة فيه. وأعرف الكثير عن موسيقى جاز نيو أورلينز رغم أنني موسيقار ضعيف. ضعيف ولكن مُتفانٍ.

لم بدأت بالكتابة الكوميدية؟ 

كنتُ أستمتع دومًا بالقراءة للكتاب الفكاهيين. لكن حين بدأتُ بالقراءة لكتاب أكثر جدية، بدأتُ أستمتع بالقراءة للكتاب الجادين أكثر. أصبحتُ حينها أقل اهتمامًا بالكوميديا، رغم أنني اكتشفتُ أنني قادرٌ على كتابتها. لستُ مهتمًا هذه الأيام بالكوميديا والفكاهة للغاية. إذا ما كان عليّ أن أعدد خمسة عشر فلمًا أفضلها فعلى الأرجح لن يكون أيٌ منها كوميديًا. هذا حقيقي، هناك بعض الأفلام الهزلية التي أعتقد بأنها رائعة. أعتقد طبعًا بأن فلم (City Lights) عظيم، بعضٌ من أفلام الممثل (باستر كيتون)، والعديد من أفلام (الإخوة ماركس). لكن هذه الأفلام نوعٌ آخر مختلف من الكوميديا، إذ أن ظرف الممثلين في هذه الأفلام هو تسجيل وتمثيل لأعمال الكوميديين. فلربما كانت الأفلام ضعيفة أو سخيفة لكن الحس الهزلي عبقري. أحب أفلام (كيتون) أكثر من (كيتون) وأستمتع بـ(تشابلن) و(الإخوة ماركس) عادةً أكثر من الأفلام. لكني مشاهد مريح. أنا أضحك بسهولة.

ماذا عن فلم (Bringing Up Baby

لا، لم أحبه أبدًا. لم أشعر أبدًا بأن ذلك مضحك أو فكاهي.

حقًا؟

لا، أعجبني فلم (Born Yesterday) رغم أنه مسرحية حُولت لفلم. كلا الفلمين (The Shop Around the Corner) و (Trouble in Paradise) مذهلان. أما الكوميديا غير الصامتة الرائعة فهي فلم فليني (The White Sheik).

ما الذي يمنع فلم مرحًا أو هزليًا من إدراجه في قائمتك؟

لا شيء سوى ذوقي الشخصي. أحدهم لربما ذكر عشرة أفلام كوميدية. أنا ببساطة أستمتع بالأفلام الجادة. حين يكون لي خيار مشاهدة فلم فسأشاهد (Citizen Kane) و(The Bicycle Thiefو(The Grand Illusionو(The Seventh Seal) وهذا النوع من الأفلام.

حين تذهب لمشاهدة الكلاسيكيات مرة أخرى، هل تذهب لمعرفة كيفية صنعها أو تذهب لمشاهدتها للأثر الذي تخلفه فيك شعوريًا؟

عادةً ما أذهب للمتعة. الآخرون الذين يعملون في أفلامي يرون كل الأشياء التقنية وكيفية عملها، أما أنا فلا أقدر على رؤية ذلك. ما زلتُ غير قادرًا على رؤية ظل الميكروفون، أو الاقتصاص غير المتقن أو غيره. أنا مستغرق متعمقٌ في الفلم بذاته.

لمن من العظماء تأثيرٌ عميق على عملك في الأفلام؟

أظن أن أشد تأثير هو لبرغمان و(الإخوة ماركس). لا أندم أيضًا على السرقة من (ستريندبرغ)، (تشيخوف)، (بيرلمان)، (موس هارت)[3]، (جيمي كانون)، (فليني)، وكُتاب (بوب هوب).


هل كنتَ ظريفًا حين كنتَ طفلًا؟

نعم، كنتُ فتى مسلٍ وظريف. وبالمناسبة كان الناس دومًا يربطون ذلك لكوني نشأت تنشئة يهودية. إنها خرافة. الكثير من الفكاهيين الرائعين لم يكونوا يهودًا: (دبيلو سي فيلز)، (جونثان وينترز)، (بوب هوب)، (باستر كيتون) … لم أرى أبدًا أي رابط بين العرق أو الدين أو الأصل وبين الظَرَف. 

هل طُلب منك أن تؤدي أي عرض في المناسبات والنشاطات المدرسية؟

لم أكن أؤدي كثيرًا، لكني كنتً مسليًا في الفصل بين الأصدقاء والمعلمين.

إذًا لم تكن نكاتك من النوع الذي سيزعج المسؤولين؟

كانت أحيانًا تزعجهم، نعم. استدعيت أمي إلى المدرسة كثيرًا؛ لأنني كنتُ أصرخ قائلًا بعض الأشياء في الفصل، أتهكم في الفصل؛ ولأني كنتُ قادرًا على إثبات أن أفكارهم إما سطحية أو جنسية جدًا. العديد والعديد من المرات استدعيت أمي إلى المدرسة.

لِم برأيك بدأت بالكتابة وأنت صبي؟

أظن أنها كانت بسبب متعتها الخالصة الغامرة. يشبه الأمر العزف مع فرقتي الآن. تأليف الموسيقى ممتع، والكتابة ممتعة. خلق الأشياء وتشكيلها متع. سأقول أنني لو عشت في عصر ما قبل الأفلام السينمائية فكنتُ سأصبح كاتبًا. رأيتُ (ألفريد كازن)[4] على التلفاز. كان يطري الرواية ويمجدها على حساب الفلم. لكني لم أوافقه الرأي. إذ لا يمكن مقارنة الأولى بالثاني. كان يتمتع باحترام عالٍ للكلمات المطبوعة. الأفلام الجيدة أفضل من الكتب السيئة، وحين يكون كلاهما رائعًا، فإن كلاهما رائعٌ و قيم بشكله المختلف.

هل تعتقد أن متع الكتابة مرتبطة بالإحساس بالسيطرة والتحكم الذي يمنحك إياه الفن؟

كانت القدرة على خلق عالمك الخاص متى ما شئت بديعة ومدهشة. فالكتابة ممتعة جدًا وسارة، مغوية جدًا وجذابة، علاجية جدًا ومداوية. يمر الوقت سريعًا حين أكتب، سريعٌ جدًا. أرتبك وأحتار بخصوص نصٍ أو ما فيه ويطير الوقتُ سريعًا. هو شعورٌ مبهج منعشٌ. كم يمكن أن تسوء؟ إنها الجلوس صحبة الشخصيات الخيالية. أنت تهرب من العالم بطريقتك الخاصة و لا بأس بذلك. لِم لا؟

إذا كنت تحب جانب الاختلاء بالنفس في الكتابة هل ستفتقد الجانب التعاوني في الأفلام إذا ما كان عليك التخلي عنه؟

إحدى المظاهر الخادعة للخروج من المنزل والتواجد مع الآخرين هو أنه يجرك بعيدًا عن مهنة الكتابة. هو أقل وحدة. لكني أحب الجلوس في المنزل والكتابة. شعرتُ دومًا بأنهم إن أخبروني غدًا بأني ما عدتُ قادرًا على إخراج المزيد من الأفلام، أنهم ما عادوا ليعطوني المزيد من المال، فسيسعدني أن أكتب للمسرح، وإن لم ينتجوا مسرحياتي فسأكون سعيدًا بالكتابة فقط ولو لم ينشروا لي. سأظل سعيدًا بالكتابة تاركًا ما أكتب للأجيال المستقبلية. لأنها لو كانت تتضمن أي قيمة فيها فستحيا، وإن لم توجد فالأفضل أن تندثر.

هذا جانب من الجوانب الممتعة في الكتابة أو أي فن آخر: إذا ما تضمن شيئًا حقيقًا قيمًا فسيحيا ويظل. ولا تهم حقًا كل الضجة الإثارة المصاحبة له، نجاحه أو رفض النقاد له. في النهاية سينجو العمل أو لا مستحقًا ذلك بامتيازاته وخواصه. ولا يعني أن الخلود بالفن أمرٌ مهم. مات (تروفو)، واعترانا الأسى لذلك، وأقيم التأبين المناسب، وستحيا أفلامه المذهلة وتظل. لكن ذلك لا يفيد تروفو. لذا فكر بينك وبين نفسك: سيحيا عملي. كما قلتُ مرات عدة بدل أن أحيا في قلوب وعقول رفاقي وزملائي أفضل العيش في شقتي.

مع ذلك يبذل بعض الفنانون جهدًا لتنال أعمالهم الاحتفاء، ليبتكروا ما سيظل، ويقدمون ذلك على أي شيء آخر. هناك ذلك الاقتباس الذي قاله فوكنر: “قصيدة عن رفات إغريقي تعادل أي عددٍ من المسنات”.

أكره حين يصبح الفن دينًا مقدسًا. أشعر بالنقيض من ذلك. حين تبدأ بمنح الأعمال الفنية قيمة أعلى من الأشخاص حينها تخسر إنسانيتك وتفقدها. توجد نزعة للشعور بأن للفنان امتيازات خاصة، وأن كل شيء مباحٌ متاحٌ خدمة للفن. حاولتُ أن أوصل ذلك في الفلم (Interiors). أشعر دومًا بأن الفنان أكثر توقيرًا، هذا ظلمٌ وقسوة. هو شعور لطيف لكنه منحة عرضية استحقها صدفة: كأن يكون لك صوت جميل أو أن تكون أعسر. قدرتك على الابتكار والخلق هي صدفة لطيفة. يحدث أن يكون لك قيمة وتوقير في المجتمع، لكنها ليست بنبل صفة كالشجاعة.

أحس بسخافة وغرابة الاحاديث الرنانة حول أهمية الذات التي تتناول الفنانين وأنهم لا يهابون الصعاب. الصعاب والمخاطر الفنية هي كمخاطر الأعمال الترفيهية: مضحكة. كاختيار ممثل التبست أدواره بشخصه وأصبح يعرف بها لعمل جديد ياللهول ما أخطره من وضع! الخطر هو حين تكون حياتك على المحك. الأشخاص الذين وقفوا في وجه النازيين وقاوموا أو بعض الشعراء الروس الذي عارضوا الدولة هؤلاء هم الباسلون والشجعان، وهذا ما يعد حقًا إنجازًا.

أن تكون فنانًا هو إنجاز أيضًا، لكن عليك أن تبقي ذلك في نصابه. لا أحاول بخس الفن قيمته. أعتقد بأن الفن قيم، لكني أعتقد أنه ممجد وموقر بإفراط. هو قيمٌ، لكنه ليس أكثر قيمة من كونك معلمًا جيدًا، أو طبيبًا جيدًا. تكمن المشكلة في أن للإبداع سحرًا وجاذبية. يقول العاملون عادةً في مجال الأفلام أريد أن أصبح منتجًا، لكن منتجًا مبدعًا. أو تقول امرأة كنتُ في الجامعة مع المعني، نعم سأتزوجه. هو سباك لكن مبدع جدًا. من المهم للناس جدًا وجود تلك الصفة المعتمدة. كما لو أنه لو لم يكن مبدعًا فهو ناقص.


حين تكتب هل تفكر بجمهورك؟ جون أبدايك مثلًا قال مرة أنه يحب تخيل طفل في بلدة في الغرب الأوسط وجد أحد كتبه على رف في مكتبة عامة.

لطالما شعرتُ بأنني أحاول الارتقاء بهدفي قدر استطاعتي حينها، لا لأبلغ الجميع؛ لأنني أعلم أنني لا أقدر على ذلك، لكن أحاول دومًا بذل الجهد. أحب أن أشعر حين إنهائي لفلم أن البالغين الأذكياء سواء كانوا علماء أم فلاسفة، سيذهبون لمشاهدة الفلم ولن يخرجوا ويشعروا بأنه محض إضاعة للوقت. ألا يقولوا يا للهول ما الذي أقحمت نفسي فيه؟ إذا ذهبت لمشاهدة فلم (رامبو) فإني سأقول “يا إلهي”، ومن ثم بعد عدة دقائق سأغادر. لا يهمني حجم الجمهور. كلما زاد العدد كان أفضل، لكن ليس إذا كنتُ أنوي تغيير أفكاري لأجذبهم.

الأفلام ليست أسهل أنواع الفنون لصناعتها، فهي تتضمن الكثير من الأشخاص، وتتطلب مبالغ كبيرة من المال.

هناك بقع جغرافية معينة كالسويد حيث تدعمك الدولة جزئيًا. لكن في الولايات المتحدة كل شيء ملعون بالغلاء. لا تشبه الأفلام الرسم أو الكتابة. ففي الأفلام عليّ أن أحصل على ملايين الدولارات لأصنع حتى فلمًا رخيصًا. لذا يرتبط بذلك الشعور بأنك غير قادرٍ على المضي والتقدم دون جمهور ضخم. لذلك هي ضرب من ضروب المعاناة، لكني كنتُ محظوظًا، لطالما كنتُ حرًا. أنا مُبارك. أملك حياة كالأحلام في صناعة الأفلام منذ فلمي الأول. ألا وهي أن تكون حرٌ حرية كاملة تامة أكيدة طوال الطريق. لا تسأليني لِم. إذا قررتُ غدًا أن أخرج فلمًا بالأسود والأبيض كمذهب القرن السادس عشر فبإمكاني. 

طبعًا إذا ذهبت إليهم وقلتُ: “أريد أن أخرج فلمًا عن الكائنات وحيدة الخلية” سيقولون: “حسنًا، سنعطيك هذا القدر من المال لتعمل به”. بينما لو قلتُ: “أريد أن أخرج فلمًا كوميديًا ضخمًا” فإنهم سيعطونني مبالغ أكبر.

ما التغيرات التي تراها في أعمالك بمرور السنين؟

أطمح بالتطور والازدهار طبعًا. إذا اطلعت على أفلامي الأولى ستجد أنها كانت عامة وأحيانًا مضحكة. أصبحتُ إنسانًا أكثر مع القصص وضحيتُ بجانب مهول من الظرافة، الضحك، لأجل القيم الأخرى التي أشعر شخصيًا بأنه تستحق التضحية بها. لذا لن تتضمن الأفلام مثل (The Purple Rose of Cairo) أو (Manhattan) ذلك القدر من الضحكات. لكني أظن أنها ممتعة أكثر. على الأقل هي كذلك بالنسبة لي. أحب أن أستمر هكذا، وما زلتُ أحوال صنع بعض المحتوى الجاد.

هل كان فلم (Interiors) الذي قررت في حال ضحك أي شخص خلال العمل فإنك ستحذف ذلك الجزء؟ أكان ذلك صحيحًا؟

أوه لا، لا، غير صحيح. قصة جيدة لكنها غير صحيحة أبدًا. لا، ليست هناك أي قصص مرحة مرتبطة بأفلامي. أعني أننا نذهب إلى موقع التصوير ونعمل في جو من التجهم، بيئة عمل ونعمل على الأفلام، سواءً كانت كوميديا أم درامية.

انتقد البعض فلم (Interiors) قائلين بأنه يفتقد حس الفكاهة كليًا. شعرتُ بأن ذلك غير مرتبط أبدًا بالنقد. أيًا يكن الخطأ فيه إلا أنه لم يكن افتقداه للفكاهة. ليس هناك ذلك الحس الفكاهي في (Othello) أو في (Persona). لو كنت سأكتب عدة مسرحيات أو أفلام ذات حس جاد، سأفضل طبعًا أن أعمل على ذلك بدلًا من أنال لقب أفضل فلم كوميدي للسنة. لأن ذلك سيمنحني متعة شخصية، هي المتعة نفسها التي أفضل لأجلها عزف موسيقى جاز نيو أورلينز لا عزف (موزارت). أعشق (موزارت) لكني أفضل عزف موسيقى جاز نيو أورلينز. هذا ما أفضله ببساطة.

لكن حين تكتب سيناريو وتطل منه طرفة أو فكاهة فإنك تتمسك بها بمتعة، أوليس كذلك؟

نعم، إنها ممتعة دومًا. ما حدث عادة هو وجود عددٍ من المفاجآت في الأفلام، وعادة ما تكون هذه المفاجآت هي السلبيات. تظن أن ما بين يديك سيكون مضحكًا في نكتة أو مشهد، ثم تكتشف أنه ليس مضحكًا وتتفاجئ.

وتتمسك به وتبقيه.

أو تزيحه بعيدًا. بينما مرة كل حين تطلع لك مفاجأة لطيفة، وجزءٌ لم يخطر ببالك أبدًا أنه سيكون ممتعًا، جزءٌ يضحك عليه الجمهور أو يصيحون ضاحكين، وهذا شعورٌ رائع.

هل لك أن تذكر مثالًا على ذلك؟

حين أخرجتُ فلم (Bananas) أول مرة منذ سنوات، كنتُ ذاهبًا إلى منزل الديكتاتور: كنتُ مدعوًا إلى العشاء في تلك الدولة في أمريكا اللاتينية. أحضرتُ معي علبة كعك، كعك مزين من إحدى مخابز الحلويات. لم أفكر بالأمر كثيرًا، لكنها دومًا ما تضحك الحضور ضحكًا مزمجرًا. أما ما كانوا يضحكون عليه هو أن شخصيتي حمقاء لدرجة أني أحضرتُ بعض المخبوزات معي إلى عشاء دولة. كان الامر بالنسبة لي عرضيًا كما تكون الأشياء المضحكة الحقيقية تلك التي لا يُخطط لها أحد، أما بالنسبة للحضور فكانت الشيء الأكثر ظرفًا وإضحاكًا.


يظهر أن الفنان حين يُعرف يتوقع منه الآخرون: النقاد، محبيه، أن يظل يمارس الشيء نفسه، بدل أن يتطور بطريقته الخاصة.

لذلك عليك أبدًا ألا تأخذ ما يُكتب عنك على محمل الجد. لم أكتب في حياتي أي نص أو أعمل على أي مشروع لم أرغب حينها بالعمل عليه. عليك أن تنسى فكرة ما يسمونه “أفلام المسيرة”. عليك فقط أن تعمل ما تريد عمله لما يعنيه الإبداع لك في حياتك. إذا لم يرغب أي أحد برؤيته فلا بأس. وإلا فإنك في المجال لتسعد الآخرين وترضيهم. حين عملنا على (Stardust Memories) علمنا جميعًا أن دعاية كبيرة ستعمل. لكن ما كان ذلك ليوقفني ولو لثانية. لم أفكر أبدًا بأن من الأفضل عمل هذا أو ذلك لأن هذا سيضايق الناس.

من الأفضل أن تموت ولا تنخرط في مشروع تشعر بأنك ستتجاوزه بمرور الوقت. انظر لشخص مثل ستريندبرغ -شخصٌ آخر أحببته دومًا- وسترى ردة فعله على أمور معينة… وحشية فقط. حين أخرجتُ فلم (Annie Hall) كثرتُ الاقتراحات التي تدعوني لعمل جزء ثانٍ. لم يخطر ببالي ولو بعد مليون سنة أن أفعل ذلك. كنتُ أخطط للعمل على فلم (Interiors) بعد ذلك، وهو ما فعلته. لا أظن أنه بإمكانك أن تنجو سوى بهذه الطريقة. خطتي هي أن أحوال ألا أحتكم ولا أنقاد لعدد كبير من الناس، لكن أن أفعل أفضل عمل محتمل يمكنني تخيله، وأتمنى أن يكون العمل ببساطة حسنًا، وأن يأتي الناس لمشاهدته.

الفنان الذي أحببته حبًا جمًا لم يكن له جمهور كبير. ما يهم هو فعله وتطبيقه. وما سيحدث لاحقًا كل ما ما ين يديك هو أن تتمنى أنك محظوظ. حتى في أشكال الفن الشائعة والمحبوبة كالأفلام، في الولايات المتحدة لم يشاهد معظم الناس الأفلام (The Bicycle Thief) أو (The Grand Illusion) أو (Persona). يمضي معظم الناس حياته دون أن يشاهدهم. معظم الأجيال الأصغر تدعم الأفلام المعروضة الآن بوفرة ولا يكترثون بـبونويل أو بيرغمان. هم جاهلون بأفضل إنجازات هذا الفن. ومرة كل حين يظهر شيءٌ منها بمحض الصدفة الزمانية والمكانية. اشتهر تشارلي تشابلن في الوقت المناسب. لو أنه اشتهر اليوم لعانى من مشاكل عويصة.

ألا تعتقد أن الكتاب الجاديين الناضجين يستمرون ببساطة بتطوير وتوسيع المواضيع والأفكار الموجودة أصلًا؟

لكل شخص هواجسه التي تستحوذ عليه. في أفلام بيرغمان ترى الشيء نفسه مرة تلو المرة، لكنه عادة ما يُعرض بنفس الحداثة الرائعة كما لو أنها المرة الأولى.

ماذا عن عملك أنت؟

تتكرر الأشياء نفسها مرة تلو المرة. إنها الأشياء الموجودة في عقلي، ويبحث الواحد دومًا عن طرق جديدة للتعبير عن ذلك. يصعب أن تفكر بأن بإمكانك الخروج من المنزل وقول يا إلهي عليّ أن أجد شيئًا جديدًا لأعبر عنه. ما الأشياء التي يمكن أن تتكرر؟ بالنسبة لي طبعًا جاذبية الخيال و قسوة الواقع. كشخص مبدع لم أكن يومًا مهتمًا بالسياسة أو أيٍ مما يمكن حله أو تفسيره. ما جذبني دومًا كان المشاكل التي لا تُحل: محدودية الحياة واللامعنى و اليأس و انعدام القدرة على التواصل. صعوبة الوقوع في الحب والحفاظ عليه. هذه هي الأشياء التي تهمني أكثر من .. لا أعلم.. حق التصويت. في الحياة أتبع السياسة إلى حد معين، أجد ذلك ممتعًا كمواطن لكني لم أفكر أبدًا بالكتابة عنها.

كلمة عن هذه المقابلة: كانت المقابلة صعبة لأني لا أحب تبجيل عملي بمناقشة تأثيره أو أفكاري أو ما يشابه ذلك. ينطبق هذا النوع من الأحاديث أكثر على الأعمال ذات المنزلة الرفيعة. أقول ذلك دون أي تواضع زائف، أقوله وأنا أعرف أنني لم أنجز أي عملٍ مميز، أيًا يكن المجال. أشعر بذلك بوضوح يخلو من أي لبس. أشعر أني ما فعلته حتى اللحظة في حياتي هو مجرد حصى يجب أن ترفعه بعملين أو ثلاثة ممتازة التي أرجو أن أعملها. جلسنا وتحدثن عن فلنقل فوكنر و أبدايك وبيرغمان، أعني أنني لا أقدر على التحدث عن نفسي بالطريقة ذاتها كما هو واضح. أشعر أن ما فعلته حتى اللحظة هو … الخس الذي يجب أن يستلقي فيه البرجر. أشعر بأنني لو استطعت فيما ما بقي من حياتي أن أنجز عملين أو ثلاثة ممتازين – ربما فلم مدهش أو كتابة مسرحية ممتازة أو شيء ما – عندها سيكون كل شيء سبق تلك النقطة هو محض عمل تطوري ممتع. أشعر بأن أعمالي جالسةٌ هناك منتظرة جوهرة لتتوجها. لكن لا وجود لأي جوهرة في الوقت الحالي. لذا بدأت أشعر أن مقابلتي رنانة. أحتاج بعض الجواهر الثقيلة هناك. لكن أتمنى أني بلغت مرحلة من حياتي حيث بعد عشر سنوات أو خمسة عشر يمكنني أن أنجز عملين أو ثلاثة تمنح الاعتماد والقبول لكل ما عملته قبلًا … فلنتمنى.


[المصدر]

هوامش المترجمة:

[1]: ناقدة أدبية أمريكية حازت جائزة البوليتزر عن النقد.
[2]: روائية فرنسية.
[3]: مخرج مسرحي أمريكي.
[4]: كاتب وناقد أدبي أمريكي وهو صديق لـ(حنة أردنت).

 

لقاء باريس ريڤيو مع پول أوستر، بعنوان فن الخيال

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

بول أوستر، كاتب ومخرج أمريكي مولود في 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية. هنا نقدم لكم حوارًا صحفيًا معه، نُشر في مجلة (باريس ريفيو) الشهيرة، ونُشرت في خريف 2003 [المصدر].

في عام 1985، نُشر كتاب (City of Glass) – احد سلسلة القصص القصيرة الثلاثية الرائدة في نيويورك، من قبل دار Sun and Moon  في مدينة سانفرانسيسكو بعد أن رفضها سبعون ناشرًا في نيويورك، وتم نشر الاقصوصتين الأُخريتين (Ghosts) و (The Locked Room) في السنة التي تليها كان يبلغ (بول اوستر) الثامنة والثلاثون عامًا وبالرغم من كتاباته المنتظمة للتقييمات النقدية وترجماته ونَشر قصيدة النثر الخاص به (White Spaces) عام 1980، إلا أن الثلاثية شكلت الانطلاقة الفعلية لرحلته الادبية. 

كتب (أوستر) عن سنوات ماقبل النشر هذه في كتاب (Hand to Mouth: A Chronicle of Early Failure) عام 1997م. كان قد درس في جامعة كولمبيا في اواخر الستينات، ثم عمل على متن باخرة ناقلة للنفط لعدة اشهر قبل أن ينتقل إلى باريس حيث دبر قوت يومه بعمله مترجمًا، ثم أنشأ مجلة صغيرة تدعى (Little Hand) ودار نشر مستقلة تحمل نفس الاسم مع زوجته الأولى الكاتبة (ليديا دافيس). وفي عام 1972 نُشر أول كاتب يحمل مجموعة من ترجماته بعنوان (A Little Anthology of Surrealist Poems). عاد (أوستر) إلى نيويورك عام 1974 ، وحاول من بين مشاريع اخرى بيع بطاقة لعبة بيسبول قام باختراعها، كما قام بنشر أول قصيدة نثر له عام 1982 بعنوان (The Invention of Solitude) وهي عبارة عن مذكرات وتأملات في حياة والده والتي بدأ بكتابتها بعد فترة وجيزة من وفاته.

استمر (أوستر) بنشر كتاب سنويًا منذ السلسة الثلاثية: رواية (In the Country of Last Things) التي ظهرت عام 1987، ورواياته الاخرى بما فيهن (Moon Palace) عام 1989م، و(The Music of Chance) و(Leviathan) في عام 1992م، و (The Book of Illusions) عام 2002م. تم تكريم (أوستر) بميدالية الفنون التطبيقية والادآب من قبل الحكومة الفرنسية عام 1991 وترقيته لمنصب مسؤول عام 1997.

إن أعمال (أوستر) مميزة مابين روايات ومقالات وترجمات وقصائد ومسرحيات وأغاني وتعاونات مع فنانين، بمافيهم (صوفي كالي) و(سام ماسر) وقد كتب نصوص ثلاث مسرحيات: (Smoke) عام 1995م، و(Blue in the Face) عام 1995م، و(Lulu on the Bridge) عام 1998م، واللاتي تم اخراجهن بشكل ممتاز وروايته التاسعة (Oracle Night) والتي سيتم نشرها في عام 2003م.

بدأت المحادثة التالية في فصل الخريف السابق من خلال مقابلة مباشرة في Unterberg Poetry Center عند شارع رقم 92 في مدينة نيويورك، وتمت في فصل الصيف المنصرم خلال فترة مابعد الظهر بمنزل (أوستر) في مدينة بروكلين حيث يعيش مع زوجته الكاتبة (سيري هوستيفيد)، حيث قام المستضيف الكريم بالاعتذار عن تواجد العمال لتركيب جهاز التكييف المركزي، ومن ثم أخذنا في جولة قصيرة. كانت غرفة المعيشة مُزينة بلوحات صديقيه (سام مايسر) و(دايفيد ريد) وكانت في مقدمة البهو مجموعة من الصور العائلية ورفٍ كتب بطول جدار مكتبه في الدور الارضي، وبالطبع كانت على مكتبه الة الكتابة الشهيرة.


لنبدأ حديثنا عن اسلوبك في العمل، عن كيفية كتابتك.

لطالما كتبت بيدي، وغالبًا ما أستخدام قلم حبرٍ سائل، واحيانًا أستخدام قلم رصاص خصوصًا للتصحيح. ولو كان بإمكاني الكتابة مباشرةً بآلة الكاتبة او الحاسوب لفعلت لولا أن لوحة المفاتيح تُهيبني، لم أستطع يومًا التفكير بوضوح وأصابعي بتلك الوضعية. إن القلم آداة عتيقة، تشعر بالكلمات تتدفق من جسدك فتنقشهاعلى الورقة . لطالما كانت الكتابة ذات حس ملموس بالنسبة لي، إنها تجربة بدنية.

وتكتب في مُفكرة وليس في لوح كتابة او اوراق مخصصة لذلك.

بالفعل، أكتب في المُفكرة دائمًا ولدي نوع محدد من المُفكرات ذات الاوراق المربعة الصغيرة.

وماذا عن آلة الكاتبة الاولمبية؟ إننا نعرف القليل عنها بالفعل، فلقد نشرت كتاب رائع مع الرسام (سام ميسير) العام الماضي يدعى (The Story of My Typewriter).

أمتلكت هذه الالة منذ عام 1974، اي لأكثر من نصف حياتي. اشتريتها مستعملة من صديق لي في الجامعة وأشار إلى أن عمرها يبلغ الاربعين عامًا. إنها ألة دمنة من عصر أخر، لكنها في حال جيدة ولم تعطب قط. كل ماعلي فعله هو تغيير شرائطها بين فينة واخرى، لكني أخشى أن يأتي اليوم الذي لا أجد فيها الشرائط فأضطر لاستخدام الحاسوب والانضمام للقرن الواحد والعشرين.

قصة (بول أوستر) الرائعة في اليوم الذي خرج فيه لشراء آخر شريط للطابعة.

لقد حضرت نفسي وأعددت العتاد، اعتقد أن لدي مايقارب الستون او السبعون شريطة في غرفتي على الارجح أني سأتشبث بهذه الالة حتى النهاية صحيح أنها مُرهقة ومُكلفة، لكنها تبعدني عن الكسل.

كيف ذلك؟

إن آلة الكتابة تجبرني على البدء من جديد بمجرد أن أنتهي، ففي جهاز الحاسوب يمكنك أن تغير وتعدل على النص ومن ثم تطبع نسخة نظيفة، بينما لا يمكنك في ألة الكتابة الحصول على مخطوطة نظيفة.

حتى تبدأ من بداية الورقة. إنه اجراء مضجر بشكل غير معقول. أنهيت كتابك، وعليك الآن إمضاء عدة اسابيع مرتبطًا بعمل آلي بحت متعلق بنسخ ماقمت بكتابته بالفعل وهذا مضر لرقبتك وظهرك، وحتى إن كنت تستطيع كتابة عشرين او ثلاثين صفحة في اليوم فإنك تنهي الصفحات ببطئ ممض وفي هذه اللحظة بذات اتمنى دائمًا أن استخدم جهاز الحاسوب. مع ذلك، في كل مرة ادفع نفسي خلال هذه المرحلة النهائية من الكتاب استنتج انها خطوة اساسية؛ فالنسخ يتيح لي تجربة الكتاب من منظور اخر والغوص في اجواء القصة المسرودة وكيف تبدو بشكل تام وهي ما ادعوعها بـ “القراءة بأصابعي”. من المذهل عدد الاخطاء التي ستجدها اصابعك في حين غفلت عنها عينيك تمامًا مثل التكرار، والتركيب الركيك للجمل، والتناغم الضعيف، إنها لا تخيب مطلقًا. ما أن عتقد أني انهيت الكتاب، اكتشف المزيد من العمل لأنجازه عندما اقوم بنسخه.


لنعود الى المُفكرة للدقيقة. كان (كوين) في كتاب (City of Glass) يسجل ملاحظاته في مُفكرة حمراء، و(آنا بلوم) كاتبة كتاب (In the Country of Last Things) تؤلف خطابها في مُفكرة زرقاء، وفي كتاب (Mr. Vertigo) كان (واليت) يكتب سيرته الذاتية في ثلاثة عشر مجلدًا من دفاتر التعبير، وقام (ويلي جي كريسماس) بطل كتاب (Timbuktu)  بسحب كل أعماله لمدينة بالتيمور ليعطيها لمعلم اللغة الانجليزية في مدرسته الثانوية قبل مماته، والتي كانت مابين قصائد وقصص ومقالات ومذكرات وابيغرامات وتأملات ذاتية بالاضافة إلى أول ثمان مائة سطر من الملحمة المستمرة (Vagabond  Days)، وللمفكرة مكان ايضًا في اخر رواياتك (The Book of Illusions) و(Oracle Night) ودعنا لا نعلق على سلسلة قصصك الحقيقة في كتاب (The Red Notebook) مانحن فاعلين بهذا؟

اعتقد أنني أعتبر المُفكرة بيتًا للكلمات، مكان سري للافكار واختبار النفس. لست مهتمًا بنتيجة الكتابة وحدها، بل في آليتها وخطوة كتابة الكلمات على الورق ولا تسألني لماذا، ربما لذلك علاقة في بداياتي المرتبكة وتجاهل طبيعة الخيال. لطالما تساءلت بصفتي شخص يافع، من اين تأتي الكلمات؟ من قال هذا؟ إن وجود شخصية ثالثة قاصة للرواية في الروايات التقليدية لشيء غريب اعتدنا عليها الان، ولم نعد نستنكرها، لكن حين تتوقف للحظة ثم تفكر فيها قليلًا تجدها مريبة، خاصية روحية للصوت كما لوأنها تأتي من الامكان.. واجدها مربكة. لطالمت اُغرمت بالكتب المنغمسة في نفسها، التي تغرقك في اجواءها كما لو أن الكتاب يجرك الى عالمه، والبطل هو راوي القصة. تعتبر رواية (Wuthering Heights) مثال جيد لهذا النوع من الروايات، كذلك رواية (The Scarlet Letter) فبالرغم من أنها ذات طابع خيالي؛ إلا أنها تعطيك فحوًا ومصداقية ليست موجودة في القصص الاخرى. فهم يطرحون الاعمال على انها وهمية – رغم تجنب الكثير من الكتاب قول ذلك – وقبولك لنقطة ان العمل “وهمي” تعزز بشكل متناقض واقعية القصة، فالكلمات ليست منقوشة على حجر من قبل آلهة كتابة مرئي بل انعكاس مجهود شخص من لحم ودم وهذا امر فاتن جدًا. ويصبح القراء مشاركين في كشف القصة لا مجرد مشاهدين منفصلين عن فحوها.

 

متى اكشفت رغبتك بأن تكون كاتبًا ؟

بعد سنة من استيعابي لعجزي عن أن أكون لاعبًا في الدوري الممتاز للبيسبول. لربما كانت البيسبول اهم شيء في حياتي حتى بلغ عمري السادسة عشرة.

ما مدى مهارتك؟

يصعُب الجزم بذلك، لربما بلغت بطولات دوري الدرجة الثانية لو اني استمريت في اللعب. يمكنني الرمي بشكل ممتاز واعتراض الكرات بقوة، لكن لم اكن راكضًا سريعًا. كنت املك ساعد يدٍ قوي وردود فعل سريعة في موقعي على القاعدة الثالثة الذي لطالما لعبت فيه، لكن رمياتي كانت واسعة غالبًا.

أي شخص معتاد على اعمالك سيعرف انك من محبي البيسبول فهنالك مراجع للعبة البيسبول في كل كتاب من كتبك تقريبًا.

احببت اللعب، ولا زلت احب متابعة المباريات والتفكير فيها بطريقة غامضة، منحتني لعبة البيسبول فكرة عن العالم وفرصة لأكتشف من أكون. كنت عليلًا وانا طفل، اصبت بكل انواع الامراض الجسدية وقضيت وقتًا طويلًا قابعًا امام مكاتب الاطباء برفقة امي عوضًا عن التنزه واللعب في الهواء الطلق مع اصدقائي. لم اكن بصحة جيدة وقويًا كفاية للمشاركة في الالعاب الرياضية حتى بلغت الرابعة او الخامسة، وعندما فعلت رميت نفسي فيها بكل شغف كما لو أني اعوض الوقت الذي ضاع مني، علمتني البيسبول كيفية العيش مع اشخاصًا اخرين، وأن استوعب أنني قادرٌ على تحقيق شيءٍ ما اذا وضعته نصب عيني. وخلف هذه التجربة الشخصية البسيطة هنالك روعة اللعب نفسها فهي مصدر لذة لا متناهي.

الانتقال من لعب البيسبول الى الكتابة غير معتاد لأن الكتابة مشروع فردي.

 

كنت ألعب البسيبول في فصلي الربيع والصيف، واقرأ طوال السنة. انه هوس مبكر واشتد مع تقدمي في العمر فحسب. لا استطيع تخيل أي يشخص يصبح كاتبًا دون أن يكون قارئًا نهمًا مثل اليافعين. يستوعب القارئ الحقيقي أن الكتب عوالم بأنفسها، وان هذه العوالم اغنى واكثر اثارة من اي عالم قد نرتحل اليه، وهذا ما يجعل الرجال والنساء كُتاب حسبما اظن. انها السعادة التي يكتشفونها بالعيش في الكتب، صحيح أنك لم تعش ما يكفي لأن تكتب عنه حتى الان، لكن اللحظة تحين عندما تستوعب ان هذا ما ولدت لاجله.

ماذا عن بداية الهاماتك؟ من هم الكتاب الذين كنت تقرأ لهم في المرحلة الثانوية؟

اغلبهم امريكيون. المشتبه بهم عادةً هم: (فيتزجيرالد) و(هيمينغوي) و(فوكنز) و(دوس باسوس) و(سالينجر)، لكن بدأت في سنواتي الاولى استكشاف الاوروبيون غالبًا والروسيون والفرنسيون.

(تولستوي) و(دوستويفسكي) و(تورغينيف) و(كامو) و(اندريه جيد) بالاضافة لـ(جويس) و(توماس). (جويس) خصوصًا، كان مختلقًا عن البقية بالنسبة لي وانا في الثامنة عشرة.

هل كان له التأثير الاكبر عليك؟

أجل، لفترة ما. رغم أني حاولت تقليد اسلوب كل روائي قرأت له. وبالرغم من أن كل شيء يُلهمك في شبابك وتستمر في تغيير أفكارك كل عدة اشهر كتجربة قبعة جديدة. لاتملك اسلوبًا محددًا لكنك بشكلٍ غير واعٍ تحاكي الكُتاب الذين تحترمهم وتقدرهم.

لقد ذكرت بعض الكُتاب الذين الهموك في عملك خلال مسيرتك (ثيربانتس) و(ديكنز) و(كافكا) و(بيكيت) و(مونتين).

جميعهم في أعماقي. يقبع العشرات من الكُتاب في أعماقي، لكن لا أعتقد ان أعمالي تبدو أو تشير لأي شخصٍ آخر؛ فلست أكتب كتبهم بل أكتب كتبي الخاصة.

يبدو انك مولع بكُتاب القرن الثامن عشر الامريكيون حيث تظهر اسمائهم بتواتر مفاجئ في رواياتك: (إدغار بو) و(ملفيل) و(امرسون) و(ثورو) و(هاوثورن). (هاوثورن) بالذات، لقد استلهمت اسم (فانشو) وهو احدى الشخصيات في رواية (The Locked Room) من (هاوثورن)، وبدأت رواية (the Country of Last Things) باقتباس من (هاوثورن)، واقتبست جزء من قصة (هاوثورن)  المدعوة (Wakefield) ولجعلها ضمن سياق رواية (Ghosts)، وفي رواية (The Book of Illusions) مرة اخرى اقتبست اسم قصة (هاوثورن) (The Birthmark) لتجعلها عنوان حوار مهم بين (زيمير) و(إلما). ولنختمها، نشرت في شهر مايو مقالًا طويلًا عن (هاوثورن)، مقدمة من اجل كتاب (Twenty Days with Julian & Little Bunny by Papa) والذي نُشر من قبل New York Review Books. أيمكنك التعليق على هذا الاهتمام الراسخ بـ(هاوثورن)؟

انه اكثر من اشعر بالقرب منه من بين كل الكُتاب القدماء. الشخص الذي يتحدث إلي بعمق، هنالك شيء يتعلق بمخيلته وينسجم مع مخليتي. مازلت اعود إليه باستمرار ، وأتعلم منه باستمرار انه شخص لا يخشى الافكار، بالاضافة لكونه اخصائي نفسي وقارئ عميق للروح البشرية. كانت رواياته ثورية تمامًا، ولم يُشهد مثلها في أمريكا. اعلم ان (هيمنغوي) قال ان الادباء الامريكيون برزوا من بعد رواية (Huck Finn) ولكني لا اتفق معه. بدأ الامر من رواية (The Scarlet Letter). ولكن الامر اكثر من مجرد روايات وقصص (هاوثورن)، فأنا متعلق بمذكراته التي تحتوي على بعض أقوى واشهر نصوص نثره. لهذا حرصت على نشر (Twenty Days) في مجلد منفصل الذي كان متاحًا في The American Notebooks لسنوات عديدة، ولكن في الطبعة العلمية التي تكلف حوالي التسعين دولارًا والتي يتعنى قلة من الناس قراءتها.  تعتبر المذكرات التي احتفَظَ بها بخصوص رعايته لابنه ذو الخمسة اعوام لمدة ثلاثة أسابيع عام 1851 عمل قائم بذاته، بالاضافة لكونه عمل جذاب للغاية وممتعٌ جدًا بطريقته الفريدة. وهذا فيعطينا انطباع وصورة جديدة كليًا عن (هاوثورن). لم يكن ذاك الشخص الحزين والمُهذب كما اعتقده الناس او ليس أنه ليس كذلك فحسب، بل كان ابًا وزوجًا محب. كان رجلاً يحب السيجار الجيد وكأس أو كأسين من الويسكي، كان مرحًا وكريمًا وعطوفًا وخجولًا للغاية. نعم، كان شخصًا يتمتع بملذات العالم البسيطة.


لقد عملت في عدد من المجالات المختلفة لا القصائد والروايات فحسب، بل في النصوص ايضًا والسير الذاتية والنقد والترجمة هل تبدو انشطة مختلفة بالنسبة لك ام انها مترابطة بطريقة ما ؟

مترابطة اكثر من كونها منفصلة، لكن لكٍل منها اهمية مختلفة بالاضافة لانه يجب الاخذ بالاعتبار مسألة الوقت الذي اقضيه في التطوير الذاتي. لم اقم بممارسة الترجمة او كتابة النقد مذ سنوات مضت، لقد كانت شغلي الشاغل الدي استوعبني عندما كنت صغيراً ، تقريبًا من سن المراهقة المتأخرة وحتى أواخر العشرينات من عمري. وكلاهما كانا لأجل اكتشاف كُتاب آخرين، وأن اتعلم كيف أصبح كاتبًا. كان ذلك التدريبي المهني الخاص بي، اذا صح قول ذلك. وبالرغم من أني تلقيت بعض الطعنات من مزاولتي للترجمة والنقد منذ ذلك الحين، إلا أنه امر لا يستحق الذكر. كانت آخر قصيدة كتبتها عام 1979.

ما الذي حدث؟ لماذا استسلمت؟

ارتطمت بجدار. صببت تركيزي لمدة عشر سنوت على كتابة الشعر، ثم اكتشفت اني كنت ابرز نفسي فحسب واني عالق. كانت لحظة مظلمة ، ظننت ان امري انتهى ككاتب.

لقد مت كشاعر، لكنت في النهاية ولدت من جديد كروائي. كيف حدث ذلك برأيك؟

اعتقد انه حدث في اللحظة التي فهمت فيها انني لم اعد اهتم، عندما توقفت عن الاهتمام بإنشاء الادب. اعلم ان ذلك عجيب، لكن من تلك النقطة اصبحت الكتابة تجربة مختلفة بالنسبة لي ، وعدت اخيرًا من بعد حالة الركود التي دامت لعام تقريبًا. خرجت الكلمات على شكل نثر، وكل ما كان يهم هو قول ما يجب أن يقال دون النظر الى اتفاقيات ما قبل النشر او القلق حول كيفية ظهور النص. كان ذلك في أواخر السبعينيات ، واستمريت اعمل بهذه الروح منذ ذلك الحين.

اول كتاب نثر كان (The Invention of Solitude) والذي كتب بين عامي 1979 و 1981 وكان عملًا غير خيالي.  بعد ذلك اصدرت ثلاث رويات عرفت بـ(ثلاثية نيويورك) (City of Glass) و(Ghosts) و(The Locked Room) ايمكنك تحديد الفرق في الكتابة بين هذين النوعين ؟

إن الجهد المبذول واحد ، والحاجة لايجاد العبارات المناسبة هي نفسها، لكن العمل الخيالي يمنحك حرية اكبر ومرونة بعكس العمل الغير خيالي . وبالمقابل، قد تصبح تلك الحرية مرعبة نوعًا ما: ما التالي؟ كيف اتيقن أن العبارة التي سأكتبها لن تقودني لحافة الهاوية ؟ بينما تعرف  في كتابة السير الذاتية القصة بشكل متكامل ، وكل ما عليك الالتزام به هو قول الحقيقة . لكن هذا لا يجعل العمل سهلًا. في اقتباس الجزء الاول من رواية  (The Invention of Solitude) استخدمت عبارة (هيراقطيس) التي ترجمها (دافنبورت) بشكل غير تقليدي وانيق الى: “كن مستعدًا للامتوقع عند بحثك عن الحقيقة، لصعوبة ايجادها وغموضها حين ايجادها” وفي النهاية، الكتابة هي الكتابة. قد لا تكون (The Invention of Solitude) رواية لكني اعتقد انها تناولت نفس التساؤلات التي في رواياتي نوعًا ما، تعتبر اساس كل اعمالي.

وماذا عن كتابة النصوص؟ لقد شاركت في كتابة ثلاث افلام: (Smoke) و(Blue in the Face) و(Lulu on the Bridge) كيف تختلف كتابة النصوص عن كتابة الروايات ؟

تحتلف في كل شيء عدا عن امر حاسم متشابه وهو انك تحاول ان تقص قصة، لكن الوسائل المتاحة لك متباينة تمامًا. إن الروايات سرد ​​محض، تشبه سيناريوهات المسرح ، وكما هو الحال مع كل تأليف درامي فإن ما يهم هو كلمات الحوار. وبطبيعة الحال، روياتي لا تحتوي على الكثير من الحوارات، لذا كان علي تعلم اسلوب كتابة جديد حتى أستطيع التأليف من اجل فيلم ، وأن اتعلم كيف اضع الكلمات على لسان كائن حي. إن كتابة النصوص عمل مقيد بعكس كتابة الروايات ولذلك نقاط قوة وضعف، مايمكن فعله وما لا يمكن، التوقيت الزمني على سيبل المثال مختلف تمامًا بين الفلام والروايات. ففي الروايات يمكنك طي فترة طويلة من الزمن في عبارة واحدة  ” كنت أمشي كل صباح على مدار عشرين عامًا ، إلى كشك بيع الصحف واشتري نسخة منThe Daily Bugle ” لكن من المستحيل فعل ذلك في فيلم، يمكنك إظهاررجل ينزل للشارع لشراء صحيفة في يوم معين ، وليس يوميًا لمدة عشرين عامًا. فالافلام تأخذ مكانا في الحاضر، وحتى لو استخدمت تقنية شريط ذكريات الماضي سيظهر كتجسيد آخر للحاضر.

لطالما اعجبتني عبارة في كتاب (The Invention of Solitude)  تقول “القصص شكل من أشكال المعرفة” اعتقد انها فكرة مهمة فهنالك نوعً من المعرفة لا يأتي بالضرورة بشكلٍ صريح او على هيئة بيانات وشروحات بل على شكل قصص، وهذا يُذعرُني بصفتي المؤلف لـ(The Red Notebook)

اتفق، ارى هذه القصص كنوع من الـ ars poetica لكن دون نظرية او اي محتوى فلسفي. حدثت لي العديد من الامور الغريبة في حياتي والعديد من الاحداث الغير متوقعة والمستحيلة حتى انه لم يعد بإمكاني تمييز ماهو حقيقي. كل ماكان يمكنني فعله هو الحديث عن الالية التي يمشي عليها الواقع لأجمع دلائل عم يجري في العالم واحاول قدر استطاعتي تسجيلها بكل امنة. استخدمت هذا النهج في رواياتي.

انه ليس اسلوبًا بقدر كونه مبدأ: أن اروي الاحداث كما حدثت بالضبط، لا كيف يجب أن تحدث ولا بالطريقة التي نرغب أن تحدث بها. إن الروايات خيالية بالطبع، وبالتالي نكذب بكل ماتعنيه الكلمة، لكنكل روائي يحاول قول الحقيقة خلال هذه الكذبات . القصص القصيرة في The Red و Notebook present مجتمعة تقدم بيانًا لموقفي حول رؤيتي للعالم و حول انعدام التنبؤ بالتجربة. ليست هنالك أجواء خيالية فيهم، بل يستحيل ان تتوجد

عاهدت نفسك على قول الحقيقة وأنك ستقطع يمينك على ان تحنث هذا العهد. والجدير بالذكر أن النُكْتَة كانت النموذج الأدبي الذي وضعته في ذهني عندما كتبت تلك التحفظ. النكتة هي أنقى وأكثر أشكال الرواية أهمية. يجب ضرب حساب كل كلمة.

لابد أن اقوى قصة في ذلك الكتاب هي قصة The lightning . كنت تبلغ الرابعة عشرة عندما حدثت، خرجت أنت ومجموعة من الأولاد للتنزه في الغابة واستقبلتكم عاصفة رعدية رهيبة بشكل مفاجئ، اصيب الولد الذي كان بجانبك بصاعقة وتوفي. إذا كنا سنتحدث عن كيفية رؤيتك للعالم وكتابتك عنها ، فمن المؤكد أن هذه القصة ركيزة أساسية.

لا شك أن هذه الحادثة غيرت حياتي، كان الولد حيًا في لحظة وميتًا في اللحظة التي تليها. كنت على بعد بضع بوصات عنه ، كانت اول تجربة لي مع موت عشوائي وعدم استقرار مربك. تظن أنك تقف على ارضٍ صلبة فتنشق الارض من تحت قدميك وتختفي.


 

اخبرني عن مشروع National Story Project الذي قمت به مع الاذاعة الوطنية. حسبما فهمت أنهم اُعجبوا بصوتك وارادوا أن يستضيفوك على الهواء.

لابد أن للأمرعلاقة بكل السجائر التي كنت ادخنها طوال السنين. الصوت الأَجَشّ و انسداد الشعب الهوائية والقوة الهامدة، لقد شهدت النتيجة اثناء التسجيل. بدوت كحجرصنفرة يُفرك على سطح ورقة جافة.

 

كانت زوجتك سيري من اقترحت فكرة أن يرسل المستمعون قصصهم فتختار من بينها وتقرأه على الهواء ، قصص حقيقة من حياتهم.

اعتقدت انها فكرة رهيبة؛ فللاذاعة الوطنية ملايين المستمعين حول البلاد. شعرت انه اذا وصلتنا مشاركات كافية سنتمكن من انشاء معرض عن الواقع الامريكي. كان للناس كل الحرية في كتابة ما يشاؤون، امور كبيرة كانت ام صغيرة، هزلية ام مأساوية، والشرطان الوحيدان هما ان تكون المؤلفات واقعية وقصيرة لاتزيد عن الثلاث صفحات.

 

ولم قد ترغب في تحمل مثل هذا العمل الهائل ؟ ستنهي قراءة فوق الاربع الاف قصة في مدة قدرها سنة

اعتقد ان لدي عدة محفزات، اهمها هو الفضول. اردت أن اعرف ما اذا مر الناس بنفس التجارب التي خضتها أكنت غريب الاطوار أم أن الحياة كانت غريبة وغير مفهومة حقًا كما ظننتها؟  مع هذا الكم الهائل من الاحتمالات التي يمكن الاستفادة منها ، كان من الممكن أن يأخذ المشروع أبعاد تجربةٍ فلسفية.

 

وما كانت النتيجة؟

يسعدني القول أني لست الوحيد . الامر جنوني

 

وماكانت المحفزات الاخرى؟

قضيت معضم ايام شبابي قابعًا في الغرفة أقوم بتأليف الكتب، كنت سعيدًا بشكل مثالي، لكني اكتشفت متعة العمل مع الاخرين عندما اُقحمت في عالم الافلام وانا في منتصف التاسعة عشرة سنة. ولعل السبب يعود للعبي بشتى انواع الرياضات في صغري احب كوني جزء من فريق صغير، فريق ذو هدف يساهم كل فرد فيه بتحقيق هذا الهدف. هنالك فرق ضئيل جدًا بين الفوز في مباراة بيسبول واعداد فيلم ، ولعل هذا افضل ماوجدته في العمل على الافلام . احساس التكاتف والطرائف التي يخبرها بعضنا بعضًا والصداقات الي انشأتها . بحلول عام 1999 بلغت رحلتي الشيقة مع الافلام نهايتها وعدت بشكل كامل الى كتابة الروايات. اعتزلت الناس لمدت اسابيع واعتقد هذا ما دفع سيري لأن تبدي اقتراحها. ليس لمجرد كونها فكرة رهيبة، إنما للإعتقادها اني سوف أستمتع بالعمل في امر يشمل اشخاصًا اخرين وكانت محقة ، استمتعت جدًا.

 

هل استغرق ذلك الكثير من الوقت؟

ليس لدرجةٍ تعارض اعمالي الاخرى. كانت القصص تصل برتم بطيء ومنتظم طوال فترة تقديمي للبرنامج. لم يكن الامر بذلك السوء، يستغرق تجهيز البث يومًا الى يومين، وهذا لمرة واحدة فحسب في الشهر.\

 

اشعرت انك تقدم خدمة مجتمعية ؟

اعتقد اني فعلت بدرجة ما ، كانت فرصة لأنخرط في حرب العصابات ضد المسخ

 

المسخ؟

انها ” مجال صناعة الترفية ” كما دعاها الناقد روبرت هيوز ذات مرة . لا تقدم لنا وسائل الإعلام سوى المشاهير والقيل والقال والفضائح والطريقة المشوهة والمضطربة جدًا التي نصف بها أنفسنا على شاشات التلفاز والأفلام حتى أصبحت الحياة الواقعية منسية. ما حصلنا عليه هو الصدمات العنيفة والأوهام الهاربة الباهتة وكل ذلك جريًا خلف الاموال . إن الناس يُعاملون كبلهاء متخلفين لا

كبشرًا، بل مُستهلكين يتم التلاعب بهم ليرغبوا بأشياء لا يحتاجونها. سمه انتصار الرأس مالية او الاقتصاد الحر، سمه ماشئت فهو يحتوي على مقاعد معدودة لتقديم وطرح حياة الواقع الامريكي .

 

هل ظننت ان الاذاعة الوطنية قد تغير كل ذلك ؟

بالطبع لا، ولكني حاولت على الاقل شرخ هذا النظام من خلال اعطاء اشخاص عاديين فرصة لمشاركة قصصهم مع الجمهور، اردت ان اثبت انه لا مثيل للشخص العادي . جميعنا نعيش حياة مشحونة وتُحرقنا مشاعرنا الشرسة وعشنا تجارب لا تُنسى بشكل او بآخر.


احدى ابرز المميزات التي احتوتها روايتك الاولى City of Glass هي انك جسدت نفسك من خلال شخصيةٍ في القصة ، وليس انت فحسب، بل زوجتك وابنك ايضًا.  ذكرنا مسبقًا انك كتبت عدة سير ذاتية، لكن ماذا عن رواياتك؟ هل تعتمد على مواد السيرة الذاتية لكتابة رواياتك أيضًا؟

نوعًا ما ، لكن اقل بكثير مما تعتقد. تناولت كتاب Ghosts بعد كتاب City of Glass   بغض الطرف عن اعلاني بأن القصة بدأت في اليوم الثالث من شهر فبراير عام 1947 وهو يوم ميلادي، لم تحتوي القصة على اي أمر شخصي اخر. لكن كان هنالك بعض المواقف التي اقتبستها بشكل مباشر من حياتي الشخصية في كتابThe Locked Room   وهي شخصية آيفان وايشنغرسكي المؤلف الروسي الكهل وصديقه المفضل فانشاو الذي كان في باريس، انه شخصية حقيقة قابلته عندما كان يبلغ الثمانين من عمره وشهدت الكثير من حياته وانا في باريس بمطلع السبعينات، والجزء المتعلق بإعطاء آيفان الثلاجة لفانشاو حدثت لي بالفعل وبنفس الطريقة، الامر نفسه  ينطبق على المشهد التهريجي عندما قدم إفطار القبطان على ظهر ناقلة النفط وكفاحه للحفاظ على الاطباق في الصينية طوال سيره على الجسر رغم العاصفة التي بلغت سبعين ميلا في الساعة . كانت تلك المرة الوحيدة في حياتي التي شعرت فيها انني في احدى افلام بوستر كيتون . هناك ايضًا القصة المجنونة التي تروي حادثة العمل لمكتب الإحصاء الأمريكي في هارلم عام 1970. كانت احداث القصة اقتباسًا لتجربتي الشخصية بالحرف.

 

أتخبرنا انك فعلًا ابتكرت اشخاصًا وهميين ومنحتهم اسماءًا ثم قدمتها للحكومة الفدرالية؟

اعترف بذلك. آمل أن يكون قانون التقادم قد انقضى الآن وإلا سينتهي بي المطاف ملقًا في السجن لإجراء هذه المقابلة . يجب أن أذكر في دفاعي أن المشرف شجع هذه الممارسة لنفس السبب الذي أعطاه في الرواية ” لا دخان بلا نار، استخدم خيالك ياصديقي عمومًا، لانريد ان نغضب الحكومة أليس كذلك؟  “.

 

ماذا عن الرواية التي عقبت Trilogy ؟ أهنالك أي أسرار أخرى ترغب بمشاركتها معنا ؟

انا افكر . . لا يطرأ في بالي شي من رواية  The Music of Chance كذلك In the Country of  Last Things و Mr. Vertigo ايضًا ، هنالك امران بسيطان في رواية Leviathan وامر اخر مسلي في Timbuktu التي كانت عن كلب الكتابة. جسدت نفسي في هذا الكتاب بصفتي نستر أو أومستر زميلة ويلي السابقة في الكلية ( عجز السيد بونز عن تذكر الاسم بالكامل ) وبالفعل ذهبت إلى إيطالياعندما كنت ابلغ السابعة عشرة لزيارة خالتي التي كانت تعيش هناك منذ أكثر من عقد، وحدث أن إحدى صديقاتها هي إليزابيث مان بورغيزي ابنة توماس مان التي كانت عالمة مشاركة في دراسة للحيوانات، ودُعينا في أحد الأيام إلى منزلها لتناول طعام الغداء ، وتعرفت على كلبها “أولس” ، وهو احد كلاب الساطر الإنجليزية الضخمة وتم تعليمه كيفية كتابة اسمه على آلة كاتبة مخصوصة مستخدمًا انفه. رأيت ذلك بأم عيني لقد كانت واحدة من أكثر الأشياء الغير معقولة والاستثنائية التي شاهدتها على الإطلاق.

 

كانت الاحرف البادئة لأسم الراوي في كتاب Leviathan مأخوذة من اسمك ، بيتر ارون وهو متزوج من امرأة تدعى آريس وهو اسم زوجتك معكوسًا

بالفعل، لكن بيتر ليس متزوجًا بآريس بل من بطلة رواية سيري الأولى The Blindfold

 

علاقة حب خيالية

بالضبط.

 

لم تتطرق لرواية Moon Palace. إنها تبدو سيرة ذاتية اكثر من كونها رواية ، كما أن شخصية فوغ بعمرك تمامًا وذهب الى كولومبيا كما فعلت بالضبط.

فعلًا. أعلم أن الكتاب يبدو شخصيًا للغاية ، لكن لا شيء تقريبًا مبني على حياتي الخاصة. لا يطرأ علي سوى امرين، الأول يتعلق بأبي وأراه كنوع من الانتقام بعد وفاته وطريقة لتسوية الامور نيابة عنه.

كان تسلا شخصية ثانوية في الرواية ، وخصصت عدة صفحات للجدل حول AC-DC الذي اندلع بين إديسون وتيسلا عام 1890 حيث قام آفينغ – وهو العجوز الذي يروي قصة –  بممارسة كل انواع الإساءة على إديسون ، واتضح أنه عندما تخرج والدي من المدرسة الثانوية عام 1929 تم تعيينه من قبل إديسون للعمل كمساعد في المختبر في Menlo Park  . كان والدي موهوبًا جدًا في الالكترونيات ، لكن بعد أسبوعين من العمل اكتشف إديسون أنه يهودي فطرده. لم يخترع الرجل الكرسي الكهربائي فحسب ، بل كان شنيعًا معاديا للسامية واردت التطرق له والعودة من اجل والدي لأسدد ديني.

 

وماهو الامر الاخر ؟

انه الليلة التي اعطي فيها إيفينج الأموال للغرباء في الشارع . استلهمت ذلك المشهد مباشرة من أمر حدث لي عام 1969 وهو لقائي مع هيرولد هيومز المعروف باسم دوك هيومز والذي كان أحد مؤسسي منصة The Paris Review  . لقد كان عملًا ضخمًا، لا اعتقد أني كنت سأستطيع تأليفه وحدي.

 

لقد كتبت بعض الصفحات التي لا تنسى عن دوك هيومز في كتاب Hand to Mouth ، وهي احدى مقالات سيرتك الذاتية ايضًا. يتمحور معضم الكتاب حول صراعاتك عندما كنت شابًا لتبقى عصاميًا وهذا يحتمل العنوان الفرعي الفضولي ” A Chronicle of Early Failure “. ما الذي دعاك للأخذ بهذا العنوان؟

 

لطالما رغبت في كتابة شيء عن المال، ليس التمويل او التجارة إنما تجربة عدم امتلاك اموال كافية- تجربة الفقر. لقد فكرت بهذا المشروع لعدة سنوات ولطالما بدا عنوان عملي “Essay on Want ” لوكيًا تمامًا، ومتشبعًا بطابع الثمانينات وحادًا جدًا. كنت اخطط لكتابة عمل فلسفي جاد، ولكن انقلبت الاوضاع عندما بدأت واصبح الكتاب يقص مشكلتي الشخصية المتعلقة بالتعامل مع الاموال. وبغض النظر عن كونه موضوعًا كئيبًا، كانت روح الكاتب هزلية بشكل كبير. مع ذلك، لم يكن العمل عن نفسي فحسب انما اعتبرته فرصة للكتابة عن بعض الشخصيات المشرقة التي قابلتها في صغري كرد دين لهم. لم ارغب يومًا في العمل المكتبي او التمسك بعمل مستقر وثابت ، بل إني اراها فكرة كريهة. انجذبت لنوع مختلف من الاعمال، وهذا منحني فرصة لقضاء الوقت مع اشخاص لا يشبهوني، اشخاص لم يلتحقوا بالجامعات ولم يقرأوا الكثير من الكتب. إننا نميل إلى الاستخفاف بذكاء الطبقة العاملة في هذه البلاد، ولكني وجدت من تجربتي الشخصية أن معظمهم اذكياء بقدر الذين يديرون العالم عدا انهم ليسوا تواقين بقدرهم وهذا كل مافي الامر، وبالمقابل حديثهم اكثر متعة. عانيت اينما ذهبت حتى أنساق معهم ، قضيت الكثير من الوقت وأنفي مدفون في الكتب و معظم زملائي في العمل يتحدثون من حولي.


من هو ملهمك لشخصية هيكتور مان الكوميدي الصامت في فيلم The Book of Illusions؟

لقد ظهر في عقلي قبل حوالي العشر او الاثنا عشر سنة، وتجولت معه لوقت طويل قبل أن ابدأ بتأليف الكتاب. لكن شخصية هيكتور كانت مكتوبة بشكل تام منذ البداية، ليس اسمه فحسب وكونه ولد في الارجنتين، بل حتى البدلة البيضاء والشارب الاسود والوجه الحسن – كل تلك التفاصيل كانت موجودة.

 

لقد ابتكرته من الامكان، لكن عندما قرأنا وصفك لمواقفه الطريفة لم نستطع تصديق انه ليس نجمًا حقيقيًا.

بدا وكأنه اقتحم عالم الافلام التاريخية.  ألديك فكرة من او ماذا الهمك؟

لست متأكدًا. جسديًا، يحمل هيكتور مان تشابهًا قويًا مع مارسيلو ماستروياني في فيلم Divorce, Italian Style وهو فيلم من أوائل الستينيات. قد يكون الشارب والبدلة البيضاء إلهامًا من هذا الفيلم ، رغم أنني لست متأكدًا. يتشارك هيكتور بعض الخصائص مع ماكس ليندر – وهو من اوائل الكومديين الصامتين الفذين – ولربما كان لريمون قريفيث لمسة ايضًا . لكن معضم افلام قريفيث ضاعت مما جعله شخصية غامضة نوعًا ما . ورغم أنه لعب دورًا متألقًا كما فعل هيكتور وكان له شارب ايضًا إلا أن اداء هيكتور كان ادق و اكثر تجسيدًا فنيًا من قريفيث.

 

لقد كانت تفاصيل الافلام معبرة عن الكلمات تمامًا ، كيف اعتنيت بكتابة هذه العروض؟

إنها تتعلق بتحقيق التوازن الصحيح. يجب أن تكون جميع البيانات البصرية موجودة – التفاصيل المادية للعمل – حتى يتمكن القارئ من “رؤية” ما كان يحدث ، وفي الوقت نفسه كان على النثر أن يتحرك بخطى سريعة لمحاكاة تجربة مشاهدة فيلم الذي يعرض لك أربعة وعشرين لقطة في الثانية الواحدة . وقد تعيقك الكثير من التفاصيل، واحساس بعدم الاكتفاء، والعجز عن الؤية. احتجت لمراجعة هذه الصفحات مرارًا قبل أن اشعر أني انجزتها بشكل صحيح.

 

تعد أفلام هيكتور عنصرًا مهمًا في  الرواية. وبالرغم من أن ديفيد زيمر هو الشخصية الرئيسية ، إلا إنه بمجرد أن بدأت الرواية قُتلت زوجته وولديه في حادث تحطم طائرة. اتضح أننا بالفعل  نعرف ديفيد زيمر من أحد أعمالك السابقة فهو صديق ماركو فوج من رواية Moon Palace . وعرفنا ايضًا من ذلك الكتاب أنه الشخص الذي تلقى خطاب آنا بلوم والذي شكّل في الواقع كامل فحو روايتك السابقة In the  Country of Last Things ولم يرد ذكر فوغ في كتاب The Book of Illusions، ولكن أُشير اليه بسرية بإسم ماركو ابن زيمر الثاني Zimmer’s second son, Marco .

عرفت زيمر منذ وقت طويل لكنه كبر بالعمر اللآن ، وحدثت الكثير من الامور مذ اخرة مرة رأيناه.

 

يروي كتاب The Book of Illusions قصة معقدة للغاية ، ولكنها تعبر في صميمها عن استكشاف الاسى.. كيف نواصل العيش بعد خسارة كارثية ؟ كيف نحيي أنفسنا بعد وفاة شخص نحبه؟ من مَنْظُور مختلف تمامًا، كان هذا هو الشغل الشاغل لشخصية تيمبوكتو، أليس كذلك؟ أو دعني اصيغها بطريقة اخرى، هل تعتقد أنه كان بإمكانك كتابة احدى هذه الكتب قبل عشرة أو خمسة عشر عامًا؟

اشك في ذلك فأنا الآن في الخمسينيات من عمري، والأمور تختلف كلما تقدمت في العمر. مضت الحياة، وتخبرك الحسابات البسيطة أنك اجتزت اضعاف ما بقي لك من السنين – اضعاف مضاعفة . يبدأ جسمك في الانهيار ، وتجتاحك الألآم في مختلف انحاء جسمك بشكل لم تعهده من قبل ، ويموتون احبابك واحدًا تلو الاخر. نصبح مسكونين بالأشباح بحلول عمرالخمسين ويعيش الموتى في اعماقنا فنقضي اوقاتنا نتحدث اليهم كما نتحدث للاحياء. من الصعب على شخص يافع فهم هذا. هذا لا يعني أن من يبلغ الـ 20 عامًا لا يعلم أنه سيموت، لكن فقدان الآخرين يؤثر بشدة على كبار السن – ولا يمكنك التيقن مما ستحدثه هذه الخسائر حتى تواجهها بنفسك. فالحياة قصيرة وهشة جدًا وشديدو الغاموض. في الاخير ، كم يبلغ عدد من نحبهم فعلًا طوال حياتنا ؟ القليل فقط ، القليل جدًا وعندما يتوفى معظمهم ، تتغير خريطة عالمك. وكما قال لي صديقي جورج أوبن ذات مرة عن الكبر: يا له من شيء غريب أن يحدث لصبي صغير.

 

لقد اقتبست هذا السطر في كتابك The Invention of Solitude

انه افضل اقتباس سمعته في حياتي عن الهرم.

 

في كتاب Leviathan قال راوي القصة: ” لا يمكن لأحد أن يجزم من أين تُستلهم الكتاب ، ولا حتى مؤلفة

فالكتب تُولد بدافع الجهل ، وإذا حَيت بعد كتابتها فهي تحيى بالقدر الذي لا يمكن فهمها فحسب ”  لأي درجة تؤمن بذلك ؟

صحيح أنني اتحدث مباشرة من خلال شخصيات كتبي. قد يشبهونني في بعض الأحيان ، أو يستعيرون جوانب من حياتي ، لكنني أميل إلى التفكير فيهم ككائنات مستقلة ذاتيا ، بآرائهم الخاصة وطرقهم الفريدة في التعبير عن أنفسهم  عدا انه في هذه الحالة رأي آرون يطابق رأيي.

 

عندما تشرع في كتابة رواية ، ما مدى يقينك بما تفعله ؟ أتعمل بناءًا على خطة ؟ هل تعرف الحبكة مسبقًا ؟

بدأ كل كتاب كتبته بما أسميه ازيز في الرأس. نوع من الموسيقى او اللحن او الايقاع، ومعظم الجهد المبذول في كتابة الرواية بالنسبة لي هو في محاولة أن أظل وفيًا لذلك الازيز والإيقاع. انه عمل حسي للغاية لا يمكنك تبريره أو الدفاع عنه بطريقة عقلانية ، لكنك تعي تمامًا لحظة ضربك للحن خاطئ ، وعادة ما تكون متأكدًا تمامًا عندما تضرب اللحن المناسب.

 

هل تقفز بين فصول القصة وانت تكتب ؟

لا، يبدأ كل كتاب بجملة استفتاحية وانطلق منها حتى اصل لاخر جملة بتسلسل . كل فقرة على حدة. يكون لدي إحساس بمسار القصة – وغالبًا ما املك أول واخر جملة  قبل أن أبدأ – لكن الامور تستمر في التغير اثناء سردي. لم يسبق أن نشرت كتابًا وانهيته بالشكل التي ظننته سيكون عليه. تختفي احداث وشخصيات وتظهر اخرى، أي ان الكتب تبنى اثناء عملية كتابتها وتأليفها وهذه هي مغامرة العمل. سيكون الامر مثيرًا لو أمكنك تخطيط كل شيء مسبقًا.

 

مع ذلك تبدو كتبك دائمًا ممنهجة ومنظمة نوعاً ما ، بل انها احدى الامور التي تُقدر عليها.

مر كتاب The Book of Illusions بعدة تحولات جذرية طوال مسيرته وكنت اعيد تدبر أفكاري بخصوص القصة وصولاً إلى الصفحات الأخيرة. كما اني تصورت كتاب Timbuktu في البداية ككتاب أطول بكثير. كان من المفترض أن يكون لشخصيتي ويلي والسيد بونزأدوار بسيطة ، ولكن بمجرد أن بدأت كتابة الفصل الأول وقعت في حبهما وقررت إلغاء خطتي وتحول المشروع إلى كتاب غنائي قصير عنهما وبالكاد يحتوي أي حكبة . اما بالنسبة لكتاب Mr. Vertigo، ظننت أني أكتب قصة قصيرة تتكون من ثلاثين أو أربعين صفحة ، لكنه تحول لامر يحتاج لحياة بطولها. لطالما بدت الكتابة هكذا بالنسبة لي أخطو ببطء في طريقي للوعي.

 

هلاّ عدنا لقولك ” كل فقرة على حدة ” ؟

يبدو أن الفقرة الكتابية هي وحدة الانشاء الخاصة بي .  فالسطر هو وحدة قصيدة ، وتقدم الفقرة نفس الغرض في النثر – بالنسبة لي على الأقل –  أستمر في العمل على الفقرة إلى أن أرضى عنها بشكل معقول، اكتب وأعيد الكتابة حتى احصل على التركيب المناسب، والتوازن المناسب ، والموسيقى المناسبة – فتبدو جلية وواضحة دون مجهود ، و”غير مكتوبة”. قد تستغرق هذه الفقرة يومًا لإكمالها أو نصف يوم أو ساعة أو ثلاثة أيام . وما أن انهيها اقوم بطباعتها لألقي نظرة افضل عليها. لذلك لكل كتاب مخطوطة يدوية ومخطوطة مطبوعة لاحقة بالطبع ، ليتنى لي مهاجة الصفحة المكتوبة وأجراء المزيد من المراجعات.

 

وشيئا فشيئا ، تتصاعد الصفحات

أجل ،  ببطئ

 

هل تعرض عملك على اي شخص قبل انهائه ؟

سيري. أنها قارئتي الاولى واثق تمام الثقة في حكمها على رواياتي، أقرأ لها منها شهريًا او كلما انهيت مجموعة جديدة من عشرين أو ثلاثين صفحة. تساعدني القراءة بصوت عالٍ في تحكيم الكتاب ومعرفة أين أخطأت أو فشلت في التعبيرعما كنت أحاول قوله ، حينها تبوح سيري بتعليقاتها. لقد كانت تفعل ذلك منذ اثنا وعشرين عامًا ، وكل ما قالته كان ذكيًا وفطنًا دائمًا. لا استطيع تذكر مرة لم أتبع نصائحها فيها؟

 

وهل تقرأ انت اعمالها ؟

اجل ، احاول ان امنحها ما تقدمه لي . يحتاج كل كاتب إلى قارئ موثوق – شخص يتعاطف مع ما تفعله ويريد أن يكون العمل ممتازا قدر الإمكان – لكن عليك أن تكون صادقًا ، هذا هو الشرط الأساسي. لا أكاذيب ، لا تربيت ظهر زائف ، ولا مدح لشيء لا تعتقد أنه يستحق.

 

لقد اهديت رواية  Leviathan لدون ديليلو عام 1992 وبعد 11 سنة ، اهدى هو رواية Cosmopolis لك . من الواضح أنكما تملكان صداقة طويلة وتحترمان اعمال بعضكما البعض. لمن تقرأ من الروائيين المعاصرون هذه الأيام؟

عدد لا بأس به، غالبًا اكثر مما يمكنني عده. بيتر كاري ، راسل بانكس ، فيليب روث ، إي. إل. دوكتورو ، تشارلز باكستر ، جي إم كويتزي ، ديفيد جروسمان ، أورهان باموق ، سلمان رشدي ، مايكل أونداتجي ، سيري هوستفيدت . . هذا مابدر الى ذهني حاليًا ، لكن إذا سألتني نفس السؤال غداً ، فمن المؤكد أنني سأقدم لك قائمة مختلفة. وعلى عكس ما يريده الكثير من الناس تصديقه ، فإن الروايات في حالة جيدة هذه الأيام، بصحة وقوة كما كانت من قبل. إنها عُرف لا ينضب ، وبغض النظر عما يقوله المتشائمون فهي لن تموت أبدًا؟

 

مالذي يجعلك واثقًا من ذلك ؟

لأن الرواية هي المكان الوحيد في العالم الذي يمكن أن يلتقي فيهما غريبان على أسس العلاقة الحميمة المطلقة. يُنشئ الكاتب والقرأء الكتاب معًا ولا يمكن لفن اخر القيام بذلك. لا يمكن لأي فن آخر التقاط جوهر الحياة البشرية الأساسية.

 

ستنشر روايتك الجديدة  Oracle Night في نهاية العام، أي بعد خمسة عشر شهراً فقط من نشر كتاب The Book of Illusions . لطالما كنت دائمًا خصب الإنتاج ، لكن هذا يبدو قياسيًا نوعًا ما.

في الواقع ، بدأت في كتابة Oracle Night قبل The Book of Illusions  . كتبت العشرين صفحة الأولى أو نحو ذلك ، ثم توقفت لاني لم أستوعب ما كنت أفعله تمامًا . استغرق كتاب The Book of Illusions حوالي الثلاث سنوات لكتابته ، وخلال ذلك الوقت واصلت التفكير في Oracle Night  وعندما عدت إليها أخيرًا انجزتها بسرعة مذهلة . شعرت كما لو كنت أكتب في نشوة.

 

وهل كانت الرحلة سلسة طوال الطريق ، أم واجهتك بعض صعوبات ؟

ليس تمامًا، حتى وصلت للنهاية وهي نحو آخر عشرون صفحة . كنت املك نهاية مختلفة عندما بدأت الكتابة ، لكني لم اُسعد بالنهاية عندما أنهيت الكتاب كما خططت له . كان وحشي للغاية ، و مُهَيّج لدرجة قوضت لهجة الكتاب. لقد علقت لعدة أسابيع بعدها. ولفترة من الوقت ظننت أنني سأضطر إلى ترك الكتاب دون اكماله تماما مثل قصة سيدني في الرواية. بدا الأمر وكأنني وقعت تحت وطأة مشروعي وعشت في نفس النضالات التي واجهها بطلي،  لحسن الحظ صابني الالهام أخيرًا وتمكنت من كتابة اخر عشرين صفحة.

 

مذ لحظة ، استخدمت كلمة العلاقة الحميمة، وهذا اول ما يبادر الذهن فيما يتعلق بهذا الكتاب. إنها رواية حميمة بشكل عميق وربما من أكثر الأعمال التي تعلقت بها على الإطلاق.

إنني اعتبرها مثل الـ chamber piece ، عدد قليل جدًا من الشخصيات وكل الأحداث تدور في حلقة زمنية تبلغ أسبوعين فحسب. عمل معقد جدًا ومنطو على نفسه، جزء ضئيل من اجزاء متشابكة.

 

هنالك العديد من العناصر التي سبق وأن استخدمتها مثل الحواشي .

بالكاد كانت الفكرة اساسية بالطبع ، لكني شعرت انها مهمة لهذه القصة بالذات. يقتصر النص الرئيسي على الحاضر ، الأحداث التي تحدث خلال هذين الأسبوعين ، ولا أريد مقاطعة تدفق السرد في حين تستخدم الحواشي للحديث عن امور حدثت في الماضي.

 

لقد استخدمت الرسومات في كتابين سابقين: الخرائط في كتاب City of Glass والرسم البياني في كتاب Mr. Vertigo  لكن في كتاب Oracle Night كان هناك صورتان – لكتاب دليل وارسو لارقام الهواتف 1937-1938 وكان شادًا للغاية وفعال. كيف حصلت على دفتر الهاتف وما الذي جعلك تقرر تضمين هذه الصور؟

ذهبت إلى وارسو عام 1998 لأول مرة، فقدمها لي ناشر بولندي كهدية. كان هناك شخص يدعى أوستر في ذلك الكتاب – ولا شك أنه قتل على يد النازيين بعد بضع سنوات – وبالطريقة نفسها وجد سيدني ، الراوي لـ Oracle Night شخصًا قد يكون قريبًا له، احتجت للصور حتى اثبت أن الكتاب موجود فعليًا – ولم اكن ادعي الامر. الرواية بأكملها مشبعة بالإشارات إلى تاريخ القرن العشرين الحرب العالمية الثانية والمحرقة ، الحرب العالمية الأولى ، الثورة الثقافية الصينية ، اغتيال كينيدي. إنه كتاب عن الزمن بعد كل شيء ، وهو زائل بقدر هذه الاشارات، فهي جزءٌ أساسيٌ من القصة.

 

تعتبر Oracle Night روايتك الحادية عشرة مع مرور السنوات ، هل اصبحت كتابة الروايات الخيالية اسهل بالنسبة لك ؟

لا، لا اعتقد ذلك. فكل كتاب هو كتاب جديد لم يسبق لي كتابته ، وعلي أن أتعلم كيفية كتابته وانا امضي قدمًا. حقيقة أني ألفت العديد من الكتب في الماضي لا تلعب أي دور بذلك. أشعر دائمًا أنني مبتدئ وأواجه نفس الصعوبات ونفس الحواجز ونفس اليأس وارتكب الكثير من الأخطاء ككاتب ، واشطب العديد من الجمل والأفكار السيئة واتجاهل الكثير من الصفحات الفارغة ، ليكون كل ما تعلمته في الاخير هو مدى غبائي. إنه احتلال متواضع.

 

من الصعب أن تتخيل أن روايتك الأولى City of Glass  تم رفضها من قبل سبعة عشر ناشراً أمريكياً والآن ، بعد عشرين عامًا ، تمت ترجمة كتبك إلى أكثر من ثلاثين لغة. هل توقفت يومًا عن التفكير في مهنتك الغريبة: كل هذا العمل الشاق والصبر والنجاح أيضًا؟

أحاول أن لا افعل يصعب علي رؤية نفسي من منظور خارجي فببساطة أنا لا املك المهارة العقلية لفعل ذلك او على الاقل في مجال عملي، بل على الاخرين الحكم على مافعلت. ولا اعدكم أن املك اجابة لهذا السؤال. اتمنى لو بإستطاعتي ذلك، لكني لم اتقن مهارة أن اكون بمكانين في آن واحد.

 

 

 

عن ريلكه وكيف تُنتج الأعمال الفنية من ظهر العزلة

“الأعمال الفنية فيها وحدة لانهائية ولا يوجد شيء يُمكن أن يصل إليها مثلما يفعل النقد. فقط الحب يمكنه إدراكه ويكون صامداً اتجاهه”

“إنهم أكثر الناس حزناً على وجه الأرض” كتبت ذلك الشاعرة (ماري أوليفر) خلال تأملاتها في مهمة الفنان وتمثيل الالتزام الأساسي في الأعمال الفنية،حيث أضافت “هم أولئك الذين شعروا بالدعوة إلى العمل الإبداعي، وشعروا بأن قوتهم الإبداعية الخاصة، والتي لم تُمنح من قبل لا القوة ولا الوقت، تستعيد  قوتها وانتفاضتها”.

هذا ما اكتشفه راينر ماريا ريلكه (١٨٧٥ – ١٩٢٦) وهو شاعر آخر عظيم ذو ميل فلسفي و رؤية وجودية نادرة، منذ أكثر من قرن في الرسالة الثالثة التي تم جمعها في كتابه (رسائل الى شاعر شاب) منبع الحكمة في الفن والحياة. والتي تركها (ريلكه) للطالب والشاعر الناشئ (فرانز زافير كابوس).

في أول رسائله إلى الشاعر الشاب وضع أفكاره الأساسية حول ما يلزم ليكون الفنان فنانًا. وبناءً على هذا الأساس في رسالته الثالثة كرر قول (فرانز كافكا) بأن “الصبر هو المفتاح الأساسي لكل موقف” مؤكداً بذلك على أنه المفتاح الأساسي للحياة الإبداعية أيضًا:

أن تكون فنانًا يعني، أنك لا تحسب حساباً، بل تنضج مثل شجرة لا تجبر خلاصتها وتقف واثقة في مواجهة عواصف الربيع دون خوف من أن لا يأتي الصيف. إنه يأتي. ولكن فقط للصبور، الذي  يقف كما لو أن الأبدية مازالت أمامه، لايكترث رغم سعته. يقول: تمرنت على ذلك بشكل يومي، تعلمت ذلك بألم وكثير من الإمتنان، بأن الصبر هو كل شيء!

إن الصبر في صناعة الفن هو أن تكون وحيدًا – و يتطلب لأجل العمل الإبداعي عُزلة عزلة إضطرارية، سواء كانت لأجل الفن ذاته أو لأخذ علم معترف به على نطاق واسع من قبل المبدعين زمنيًا أو منهجيًا.

أوه عزلتي المريحة، كم أنتِ مفيدة لاجل الأفكار الأصيلة.

كتب الأب والمهندس لعلوم الأعصاب (سانتياغو رامون إي كاخال) في بحثه عن البيئة المثالية للإنطلاقة الفكرية.

غَذ نفسك بأفكار عظيمة وبسيطة عن الجمال ليغذي روحك…ابحث عن العزلة.

نصح (أوجين ديلاكروا) نفسه كفنان شاب في عام ١٨٢٤ قائلاً:

العزلة والراحة من المسؤوليات و سلام العقل ستفيدك أكثر من جو الاستديو أو المحادثات.

كما و نصحت الشابة (لويز بورجوا) صديقتها الفنانة في القرن التالي تمامًا كما كانت الشاعرة (ماي سارتون) تبتهج بغِنوة الوَحدة:

لا يوجد مكان أكثر حميمة من الروح وحدها.

 


عمل فني ل آيسول من كتاب رؤى النهار

 

يوضح (ريلكه) لمُراسلهِ الشاب، أن هذه العزلة هي الأهمية الحيوية في العمل الفني، بمشاعر بالغة في الحدة والإلحاح وسط عصرنا السريع والآراء الغير مدروسة:

اترك لآرائك أن تمنو بطريقتها الهادئة وغير المضطربة. أن تتطور مثل أي شيء آخر، عليها أن تأتي من العمّق دون ضغط أو تعجيل. فكل شيء يمر بالحمل ثم بالولادة  ليخرج إلى الحياة. اسمح لكل فكرة و كل جزء من مشاعرك بالانغماس كلياً في نفسها، في الظلام حيث يتعذر تفسيرها، في اللاوعي، و بعيداً عن متناول ذكاء الفرد، انتظر بتواضع شديد وصبر، ساعة ميلاد الوضوح الجديد: هذا وحده كفيل بعيش حياة الفنان: في الفهم كما في الخلق.

مردداً حكمة (غوته) التي تشتد الحاجة إليها بشأن الرد الوحيد المناسب للأعمال الفنية للآخرين:

الأعمال الفنية تحفها وحدة لا نهائية ولا شيء قادرعلى النفاذ إليها كما يفعل النقد، باستثناء الحب، فالحب وحده يمكنه إدراكها والتوجه نحوها.

ستظل (رسائل إلى شاعر شاب)، والتي منحها لنا (ريلكه) حول ما يعنيه حقاً الحب وقيمة عدم اليقين في إطالة الحياة ولماذا نقرآ، أحد أجمل المؤلفات الخالدة و العميقة. تكملة هذا الجزء بالذات ستكون مع (راشيل كارسون) عن الكتابة ووحدة العمل الفني و(فرجينيا وولف) عن العلاقة بين العزلة والفن، ثم العودة لـ(ريلكه) وعن طبيعة الفن.


[المصدر]