خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الكتابة

الدليل إلى عالم الكتابة والأدب أخذاً وعطاءً، قراءةً وإنتاجاً.

في فضاءات الكتابة، عبدالسلام بنعبدالعالي (ج.1)

ben-abdelaali

عبدالسلام بنعبدالعالي (مواليد 1945)، كاتب ومفكر مغربي حاصل على دكتوراه في الفلسفة، وهو أستاذ جامعي بجامعة محمد الخامس بالرباط، له كثير من المقالات والدراسات العلمية، وقد نشرت له مجموعة كتب. من بينها؛ (منطق الخلل)، (في الانفصال)، (الفلسفة السياسية عند الفارابي). كما ترجم العديد من الكتب عن الفرنسية مثل: (أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية) للكاتب (عبدالفتاح كيليطو) و(أسئلة الكتابة) – للكاتب (موريس بلانشو).

 

الكتابة بيدين

وردت في كتابه (الكتابة بيدين) عدة مقالات حول الكتابة وتحدث عنها من نواحٍ مختلفة، يبدأ أولها بالمقال الذي جاء الكتاب على اسمه وهو “الكتابة بيدين” مالذي يعنيه أن يكتب مؤلفان مشتركان كتابًا واحدًا؟ يتساءل (بنعبدالعالي):

فماذا يعني التأليف (والتفكير) بصيغة المثنى؟ هل يتعلق الأمر بتآزر فكرين وتعاونهما؟ أم بانصهار يولّد عنصرًا ثالثا لا هو هذا الطرف ولا ذاك؟ هل يتعلق الأمر بتكامل أم باتّحاد؟ بلغة الرياضيات: هل يتعلق الأمر بجمع أم بطرح؟ أم بضرب أم برفع إلى أسّ؟

يورد في مقاله جوابًا لـ(جيل دولوز) حين كتب مع (فيليكس غواتاري) كتبًا عديدة، وقعاها باسم مشترك، حيث يقول (دولوز):

لم يكن يهمنا أن نعمل معًا، بقدر ماكان يهمنا هذا الحدث الغريب وهو أن نعمل بيننا. كنا نكفّ عن أن نكون مؤلفًا، وهذا البين-بين كان يحيل إلى آخرَين مختلفَين عن هذا الطرف أو ذاك.

يعلق (بنعبدالعالي) على جواب (دولوز) قائلًا:

هذا التفاوت، هذا الإرجاء سرعان ماينعكس على كل طرف ليجعله في انفلات عن ذاته، فكأن كلا الطرفين يبحث في الآخر عما يبعده هو عن نفسه… رياضيًا يمكن أن نقول إننا لسنا بصدد جمع وطرح، لسنا في الحساب العددي، وإنما في حساب التفاضل والتكامل. إننا لا نجمع جمعًا حسابيًا، بل جمعًا تكامليًا، أي أننا نضُمّ الفروق والاختلافات: “لم نكن نعمل معًا، كنا نعمل بين الاثنين.. لم نكن نعمل، كنا نتساوم ونتفاوض”.


النص بين الكاتب والناقد

في تساؤل حولة مكانة الناقد من النص وكاتبه، يطرح (بنعبدالعالي) قولًا  لـ(بورخيس) يقول فيه:

كل مرة أقرأ فيها مقالا ينتقدني أكون على اتفاق تام مع صاحبه، بل إنني أعتقد أنه كان بإمكاني أن أكتب أنا نفسي أحسن من ذلك المقال. لربما كان عليّ أن أنصح أعدائي المزعومين بأن يبعثوا إليّ بانتقاداتهم، قبل نشرها، ضامنًا لهم عوني ومساعدتي. كم وددت أن أكتب باسم مستعار مقالا قاسيًا عن نفسي.

يناقش المؤلف رأيه حول أن الكتابة ليست عملية إرادية بالكامل، وأن الكاتب يعي أن كتابته هي مفعول لعوامل تتجاوزه، لذا يطلب من الناقد أن يتمم نقص الكتابة ويرى برأي (بورخيس) أن الكاتب يجب أن يمد يد العون للناقد، ليكشف معه مافلت من رقابته، ومانسيه ممّا قرأه فظن أنه من إبداعه. ماهي العوامل المختلفة التي تؤثر على الكتابة؟ يذكرها (بنعبدالعالي): “النشر والقراءة والترجمة والتعليق، والجنس الذي تنتمي إليه الكتابة واللغة التي تكتب بها، والفضاء الذي تنشر فيه والأداة التي تخط بها، والمصادر التي تعتمد عليها”.

ثم يضيف:

إذا كان الكاتب يبدو مفعولًا  أكثر منه فاعلا فما الذي يتبقى للناقد والحالة هذه؟ الظاهر أن الكاتب الأرجنتيني –يقصد (بورخيس)- لا يكتفي بأن يدعو الناقد إلى التعاون مع المؤلف وإنما إلى أن يغدو هو نفسه مؤلفًا، يدعوه ليشارك المؤلف عملية الكتابة ويتقاسم معه همومها ومسؤوليّتها. يدعوه لأن يمد “يد” المساعدة. لن تغدو مهمة النقد، والحالة هذه، الوقوف على الجوانب السلبية والإيجابية للنص، وإنما محاولة “سدّ نقص” الكتابة، أو على حد تعبير (دولوز): “جعل النـص يمتـدّ“… حينئذ تغدو الكتابة عودة لا متناهية لما سبق أن كُتب، ويغدو كل إبداع “نشأة مستأنفة“، نشأة تستعين بأياد متعددة متباينة لخط نصّ لا يفتأ يُكتب ويُستنسخ ويُتناسخ. مع التأكيد على بناء هذه الأفعال جميعها للمجهول.

عندما تَفسُد السياسة، يظهر الشَّعر

 

أدريانا ريتش

“وحده  الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة”. (أدريان ريتش).

سآخذ بمقولة (بالدوين): “إن الشعراء  هم الأشخاص الوحيدون الذين يعرفون حقيقتنا. ليس الجنود. ولا حتى الدولة تفعل ذلك. ليس الكهنة. ولا زعماء الاتحادات. الشعراء فقط” .. كيف يكملنا الشعر؟ ويعطينا شكل لخبراتنا من خلال اللغة، وبالتالي منحنا فعاليتنا، كرامتنا، وصلاحية حياتنا، الشعر ببساطة هو توسيع قدراتنا للوصول إلى إنسانيتنا.

بلا شك يفعل الشعر ذلك، ولكن ليست كل القصائد، وهذه هي الحيرة التي لازمتني كمتسائلة منذ زمن.

الجواب، أو على الأقل جزء من إجابة، وصلتني كشرارات، كومضة من نصف حلم، ونصف ذاكرة، عندما كنت أنجرف إلى النوم في إحدى الليالي الهادئة. تذكرت فجأة شيئا كنت قد قرأته منذ فترة طويلة، منذ وقت طويل شيء يبدو أنه أصبح  كالخبايا والرموز في أعماق عقلي اللاواعي، كان ذلك؛ (ملاحظات عن الشعر والسياسة) للشاعرة (أدريان ريتش). واحدة من أعظم الشاعرات وأنبّه العقول في القرن الماضي.

تماماً بعد ثلاثين عاماً بالضبط من خطاب الرئيس (جون كينيدي) الأشهر على الأطلاق ومقولته: “عندما تفسد السياسة ، يظهر الشعر” فكرت حينها (أدريان ريتش) وكتبت ما يلي:

إذا أستخدمت القصيدة كوسيلة وردّة فعل سياسية فورية فسيكون الأمر خاطئاً وكأنك تحاول إعلان مظاهرة احتجاجية على الفور، أو صنع خط طارئ  للاعتصام.

[…]

أريد ذلك النوع من الشعر الذي لا يكلف نفسه عناء إمّا الثناء على القادة والأحزاب وإمّا لعنهم. ولكني أريده أن يكتشف من نحن – داخليا وخارجياً – من نحن؟ في ظل ظروف حياتية تعيسة وسوء استخدام للقوة من السلطة الفاسدة . كيف يكشف مفاوضاتنا الخاصة مع أنفسنا، عبر تأرجح آلامنا، وكدماتنا النفسية.  كيف نصنع الحب – بأكبر قدر من الحميمية وبأوسع معنى – كيف؟ (بكل معنى هذا التساؤل) كيف نشعر؟ وكيف نحاول أن نصنع الشعور؟

الشاعرة التي أمضت جل حياتها تفكر في العلاقة بين الفن والرأسمالية، وأصبحت أول شاعرة –وما زالت الوحيدة- في رفض الميدالية الوطنية للفنون احتجاجاً على  نقاط الضعف في تلك العلاقة معتبرة الشعر كوعد منفرد و وحيد وسط غابة ثقافة جديدة مشغولة البال ومخدّرة أمام  الرأسمالية المتفشية قائلة:

وحده الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة.

[…]

لم يسبق لي أن أعتقدت أن الشعر هو هروب من التاريخ، وأنا لا أعتقد أنه أقل ضرورة من الغذاء والمأوى والصحة والتعليم وظروف العمل اللائقة- الشعور ضروري.

[…]

كل قرار سياسي له مبرره الخاص في موازين الربح الرأسمالية المشتركة، الشعر يقلق هذه الطريقة في العيش، وليس من خلال  أيديولوجية، ولكن من خلال تواجده الذاتيّ وطرق بقائه، إنه تجسيد  لمملكاته الخاصة من الحنين والرغبة.

وبعد تسليع المشاعر في الثقافة المعاصرة تكتب:

سنرى اليأس عندما تخرج الغطرسة الاجتماعية واللامبالاة من نفس الشخص, مع الرغبة في العيش في مستويات مدمرة من السطحية والتسطيح الذاتي … اليأس، عندما لا يكون الرد على الهزيمة المادية والمعنوية المطلقة، مثل قوة الحرب، وفشل المُخيلة .

وفي واحدة من أقوى ملاحظاتها عن دور الشعر في تجربة المهاجرين, ورحلات القهر:

الشعر هو تدفق مياه العالم السرية، هو صوت الماء عندما يرتديه الحجر.

لن يهم إذا نزح الشاعر إلى الغربة، وهاجر داخل روحه، شاعراً سيعتاد على ظروف العمل الرهيبة التي تقوم عليها الثروة الرأسمالية، شاعراً من منطلق وجوده الخاص، شاعراً كشخص مُدان، أو أرستقراطي، كعاشق أو عدو؛ كل أعمالنا عانت وتمزقت من الخيال الوطني المزعزع للاستقرار، ومن توهمنا المختبئ في التاريخ.

وأخيراً الشعر في مواجهة الظلم تقول:

لا أحد يحب الحياة و الشعر، يمكن له أن يحسد الظروف التي يعيش بها بعض الشعراء في أنحاء العالم، شعراء يكتبون بينما اجراءات الحبس الانفرادي، والتعذيب، والنفي تلاحقهم، شعراء يكتبون بحظر كبير، دون نشر، دون صوت عالي سوى في سرهم. وإذا حسدت ظروفهم فذلك يعني أنني أحسد موهبتهم، شجاعتهم، إيمانهم العنيد في قوة كلماتهم، تلك الرغبة لدي في استبدال ظروفهم الطارئة بظروفنا المستقرة هنا في أمريكا الولايات المتحدة، أن نتبادل شعورهم بالمأزق، والتحدي، والمطاردة!


[المصدر]

أليكس سانتوش بين الحضور والتلاشي

img_0790

يعد د. (أليكس سانتوش) مواليد 1971، من شعراء الهند البارزين في العصر الحالي فهو يكتب ويترجم الشعر من وإلى الهندية، الملايم، والإنجليزية، وله أكثر من 20 مؤلف وترالأدب. ئده إلى أكثر من 20 لغة منها التركية والصربية والألمانية وقام هو بالترجمة لأكثر من 90 شاعرا وما زال يواصل عمله في الكتابة والترجمة منذ 23سنة. هو مؤسس مجلة ريتشو الإلكترونية المتخصصة في الشعر فقط. وهو محرر لعدة مواقع وصحف أدبية أخرى. حصل على عدة جوائز في الشعر والترجمة آخرها عام 2015. له تاريخ حافل ومستمر من العمل الجاد والمثمر فمنذ حصوله على الماجستير في الأدب الهندي بدأ الترجمة التي دعمها بالدراسة الأكاديمية مضيفا شهادة الدبلوم في الترجمة إلى الماجستير في الأدب .

في البدء  كانت القصة:

يتذكر (أليكس) أول ترجمة قام بها مطبقا قواعد الترجمة التي اكتسبها. كانت قصة قصيرة من الأدب الهندي ورغم أنه يعلم أن بروفسوره في الترجمة كثير الانشغال عادة، إلا أنه أزعجه – كما يقول – بها وبعد بضعة أيام تلَّقى اتصالا هاتفيا منه ليزوره في منزله. ذهب (أليكس) بحماسة شديدة أصبحت أكثر شدة عندما استلم منه ورق الترجمة ولم ير أي ملاحظة تصحيح مدونة فيها. كان مذهولا بذلك إلا أن تلك الحماسة والفرح تلاشت كلها حين أخبره البروفسور بضرورة إعادة ترجمة القصة كلها من جديد. ومنذ ذلك الوقت بدأ  البروفسور بتعليمه وتوجيهه، وبعد أيام عدة قام بترجمة قصة أخرى لكاتبة هندية معاصرة (كالامادا)، من الهندية إلى الملايم، وقد أعجب بها ذلك البرفسور، وأخبره بأن يمضي قدما في الترجمة. وعندما أهداها إلى المؤلفة طلبتْ منه أن تستمع للترجمة بصوته وأخبرته بجودتها وكان ذلك هو الانطباع الجيد الأول الذي حصل عليه. ولذلك واصل ترجمة القصص ثم الروايات قبل أن ينتهي ويستمر في ترجمة الشعر.

لغة الفن والصداقة لغة الترجمة:

لغته الأم هي الملايم، ولكنه أتقن التقالوق بسبب ظروف عمله كونها لغة زملائه هناك ولأنه من عشاق أفلام التاميل ولديه الكثير من الأصدقاء والأقارب الناطقين بها، سعى لإتقانها هي الأخرى. ولأنه درس في الجامعة الهندية والسنسكريتية “لغة هندية قديمة” والإنجليزية، وجد نفسه يتحدث 6 لغات، ولذلك حاول المساهمة في إثراء الأدب الهندي بالكتابة الإبداعية وترجمة الكتابات الإبداعية. وصدرت أول ترجماته عام 2004، وآخرها هذا العام 2016.

التلاشي في الترجمة:

“على المترجم أن يتلاشى في الترجمة ليظهر المؤلف في النص المتَرجم”. هذه نظرية من النظريات التي يؤمن بها سانتوش ولكي يحقق تلك النظرية عليه في نظري أن يقوم بدراسة الكاتب بشكل جيد ثم التعرف على أسلوبه الكتابي وتقنياته المستخدمة ثم يجعل من تلك التقنيات والأساليب أدواته لتفكيك النص الأصل والتعرف على مكملاته المعرفية ثم إعادة تكوينها مترجمة بمقابلة أو معادلة المعنى والتقنيات والأساليب .وهذه المهارة تتطلب فترة طويلة من التدريب والممارسة والمراجعة, خصوصا مع اختلاف سياقات اللغة الأم والهدف.

 عزلة القرية، لا بشرية المدينة:

في نصوصه نلحظ ذلك الأثر حيث يطغى الجو المعزول والمهمل من التسهيلات الحديثة، ذلك المتوحد مع الطبيعة والسكينة في القرية الدافئة بجمال العلاقات الاجتماعية بين ساكنيها وبراءة الطفولة الملهمة فيها. بعكس المدينة المحتوية على كل التسهيلات الاجتماعية الحديثة للحياة، ولكنها ملوثة حد فقد العمال بها جزء من أخلاقهم البشرية مع النمو المتسارع والانجراف وراء الاهتمام المادي والاقتصادي بشكل مفرط.

الصيف

الصيف رحلةimg_0789

بالنسبة لي

عائدا من نشاز صخب المدينة

إلى صفاء قرية صغيرة

***

مُوثقٌ برباط مجهول

أتجول في المناطق المهجورة

خلال حقول الأرز ومساحات اللعب القاحلة

أمرح في البركة و

أتأرجح على أشجار الجوافة والتمر الهندي

تتصرم الأيام

***

وحين أدرك قيمة تلك الروابط

تستدعيني المدينة

كي أعود

المعجم

حين أضع القلم قرب الورقة

تغادر الكلمات وتختبئ في مكان ما

وأنا أتركهن كما يشئن

***

رأيت واحدة في جريدة أخبار الصباح

رأيت بعضهن في القنوات الفضائية

وبعضهن في مجلة عصرية

***

لقد هربن بسرعة

عندما حاولت الإمساك بهن

***

في المساء

وبينما كنت أجلس لأعلم الأطفال

اختلستْ الكلمات النظر من المعجم

مرتديات معان جديدة وسلوكا جديدا

فُلك

عائد على أجنحة رياح الجنوب

مررت بغدير صغير

ينساب بين حقول الأرز، الأراضي القاحلة الشاسعة،

الممرات المعزولة

والأكمات التي لا يُعرف لها اسم

***

يمضي الوقت

أصطاد اليعاسيب

أجمع حبوب الأبروس,

ثمار المانجو، حبيبات القلقل*

ورفرفة أشجار الكاكايا

***

وكذلك تمضي إجازة أخرى

***

عندما فتحت عيني

وجدتني على فلك نوح

 

إلى الكُتّاب الذين جعلوني أبكي

توبا ساجد، هي صحفية وكاتبة شابة، مهتمة بالشؤون السياسية والاجتماعية، والقضايا الدولية.

وقد نشرت في موقع (rebellesociety) رسالة “إلى الكتّاب الذين جعلوني أبكي“، نترجمها إليكم بشكل حصري. تقول في مقالتها:

 

بما كنتم تفكرون عندما أستخدمتم الكلمات مثل الإسمنت والجمل مثل الطوب لبناء الطريق الذي غادر بنا نحو فكر جديد، شعور متجدد، وعالم حي لم نكن نعتقد أنه موجود؟

بما كنتم تفكرون عندما صنعتم بأيديكم وأرواحكم شيئَا يستطيع أختراقنا، شيئًا كنّا نريد أن نحتفظ به في أيدينا إلى الأبد، ونرغب تدميره في نفس الوقت؟

ما زلت أتساءل أيها الكاتب ما الذي كان يمر عبر ذهنك؟

هل كنت تكتب لتتذّكر – أم لتنسى؟

هل تكتب للشفاء، أم للمرض؟

هل تكتب لتُعّلم، أم لتتعلم؟

هل تكتب للإلهام – أم للدمار؟

هل تكتب لك، أم لي؟

ما زلت أتساءل لأنك جعلتني أبكي. في كل وقتٍ يمر، وسيمر؟

ولكن يبدو أنك قد بكيت قبلي بكثير.

أعرف تلك الكلمات التي أثرّت بي لأنها أثرّت بك من قبل.

أعرف ما كتبته؛ كتبت الذي جعلك تنتفض، وهو بدوره ما جعلني أنتفض بعدك.

كتبت ما يبقيك مستيقظاً في الليل، متقلباً ومهتاج. كتبت عن تلك الأجزاء الساخنة من ذاتك، تلك التي كنت مرعوب بشكل فاضح بمجرد التفكير فيها. تلك الأجزاء التي سيعني كتابتها الأعتراف بها، وبأنها وجدت فعلاً، أنها موجودة هناك، وأنها حقيقة.

كتبت عن تلك الحقائق التي أذهلتك، تلك الأفكار التي أربكتك، كتبت عن تلك المشاعر التي كنت لا تعرف هل كنت قادراً على تحمل مأساة الشعور بها أم لا؟

كتبت عن الذي دمَّر ذهنك، وجعل نصل دواخلك الداخلية مضرمة ومغلية بالغضب. كتبت عن ذلك اليوم عندما سينتهي عالمك الخاص وستشعر بالوحدة –وحدة خاصة لك وحدك– كتبت عن تلك الدمعة المُسيلة للسعادة، تلك الدمعة التي كنت تريد القبض عليها لأنك قد لا تراها أبداً مرةً أخرى.

أعرف أنك لتكتب كل ذلك، كان عليك أن تواجه نفسك – وهذا بحد ذاته مخيف. أن تواجه مخاوفك، وخبراتك الشخصية المرّوعة وجميع الكلمات التي تجعلك من أنت.

(إرنست همنغواي) قال ذات مرة: “لا يوجد شيء للكتابة. كل ما عليك فعله هو الجلوس على الآلة الكاتبة وتنزف”.

نعم، كان على حق.

حتى الآن هناك المزيد والمزيد لينزف.

النزيف هو الألم وكل كلمة هي شفرة لامعة. شفرات حادة تمتص اللون الأحمر كلما تسرب خارجك. وحين تبدأ تلك الشفرات بخلق شيء داخلك يشبه شفاء الندوب –نعم الشفاء– ولكن هناك .. هنالك خلف كل ذلك التعافي؛ تكمن الجرأة والشجاعة التي كانت وراء كل ذلك الجرح. ولأنه من أجل أن تنزف، كان يجب أن تشعر. يجب أن تفتح جُرحك حتى تتمكن من علاجه.

وإذا كنت قد جرحتني بقراءتك، فأنت قد جرحت نفسك قبلي بالكتابة.

وهذا عزائي الوحيد.

وأشكرك على هذا.

لأنه عندما قرأت كلماتك، شعرتُ بما كنتَ تشعر به.

قل لي: هل كان يتدفق الألم عبر عروق أصابعك قبل أن تستعد للكتابة بها؟

أخبرني عن ألآمك أيها الكاتب: هل كانت تسمّم روحك – أم تغذيها؟

هل ترمدّها– أم تجعل لها لوناً؟

هل تستعبدها – أم تحررها؟

هل كانت تخلق شيءً جميل- أم شيئاً فضيع؟

أم هو نفس الأمر؟

الكلمات -كلماتك أنت- جعلتني أبكي، نعم. ولكنه ثمن قليل جداً ذاك الذي دفعته أمام ما حصلت عليه في المقابل منك. كلماتك أيها الكاتب أعطتني القوة للبحث، للتوقف عن الاستقرار، للمسائلة – وللعيش.

وفي يومٍ ما، عندما سألتقط القلم للبوح، حينها سأجد أجوبتي العميقة. سأشعر بشفرات الفضة الحادة والخاصة بي. سأنزف .. وسأشفى!

أشكرك لإعطائي كلماتك، لأنها سمحت لي بخلق روحي.

شكراً لإعطائي فراغك الآمن بين صفحاتك للبكاء.

شكراً لك، لأنني أعلم أنك قد فعلتها قبلي .. وبكيت!

لماذا لم يقم شينوا أتشيبي بتدريس الكتابة الإبداعية؟

شينوا أتشيبي

تشينوا أتشيبي (1930 – 2013)، روائي نيجيري من قومية الإغبو، وهو أول روائي بارز من القارة السوداء كتب بالإنجليزية. تتناول كتاباته المخلّفات المأساوية للإمبريالية البريطانية على المجتمعات الإفريقية. حلّل أتشيبي العلاقات الأسلوبية بين الأدبين الأفريقي والإنجليزي. وقد استحوذت أعماله على اهتمامات النقد الأدبي. وُلد أتشيبي في أوجيدي في شرقي نيجيريا، وتلقَّى تعليمه بالكلية الحكومية في أومواهيا وبكلية إبادان الجامعية، وعمل بالإذاعة والخدمة المدنية أيضًا. وعمل مؤخرًا بالتدريس في الجامعات النيجيرية، وجامعات الولايات المتحدة الأمريكية.

في حوار صحفي له مع صحيفة Paris Review الشهيرة، والذي ترجمته الأستاذة (لطفية الدليمي) في كتابها (فيزياء الرواية)، سُئل (أتشيبي): هل قمت يومًا بتدريس الكتابة الإبداعية؟”، فأجاب بالنفي. مما جعل الصحفي يسأله: “ولم لا؟”، فكان جوابه:

لأنني لا أعرف كيف يمكن إنجاز هذا العمل، وأنا أعني كلامي. أنا حقًا لا أعرف. كل ما أقوله هو أن هذه المفردة “الكتابة الإبداعية” توفر عملًا  للكاتب. لا تضحك لملاحظتي هذه، فهي شديدة الأهمية، لأن كثيرًا من الكتّاب يحتاجون عملًا  آخرًا يعتاشون منه في هذه الأوقات العصيبة وغير المستقرة اقتصاديًا. لا أعلم كيف يمكن للمناهج في مادة الكتابة الإبداعية أن تكون مفيدة للطالب، ولا أقصد بهذا أنها عديمة الفائدة، ولكن أقصد بالتحديد أنني لم أرغب يومًا في أن أرى أحدًا يعلمني كيف أكتب، فتلك ذائقتي الخاصة بي حصريًا.

ثم سأله الصحفي بعد ذلك: “إلى أيّ مدى يمكن للكتّاب كما ترى أن يزجّوا أنفسهم في خضم الموضوعات العامة؟ فكان الجواب:

لست أريد هنا أن أضع قانونًا عامًا ملزمًا للجميع، ولكنني أعتقد أن الكتّاب هم في ذات الوقت مواطنون، وهم في أغلب الأحوال بالغون ومدركون لتفاصيل الأمور. كان موقفي على الدوام، أن الفن الجيد والجاد وجد دومًا لأجل خدمة الإنسانية، لا لإدانتها، ولا أعرف كيف يمكن للفن أن يُدعى “فنًا” إذا ما تسبب في إحباط الإنسانية وقهرها.