خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الكتابة

الدليل إلى عالم الكتابة والأدب أخذاً وعطاءً، قراءةً وإنتاجاً.

الموت والمجد في معرفة من تكون

جيمس بالدوين

جيمس آرثر بالدوين (1924 – 1987)، هو روائي وكاتب أمريكي، وكاتب مسرحي وشاعر وناشط في مجال الحقوق المدنية.

الفنان هو ذلك المؤرخ العاطفي أو الروحاني. ودوره هو أن يجعلك تدرك الموت والمجد لمعرفة من تكون وماذا تكون.

في الثاني من شهر أغسطس عام 1924- والأول من شهر ديسمبير عام 1987، كتب (جميس بالدوين) في مقالته الكلاسيكية 1962 “العملية الإبداعية:

يجب أن يفترض المجتمع بأنه مستقر ولكن يجب على الفنان أن يعلم وأن يجعلنا نعلم بأنه لا شئ مستقر تحت السماء.

وبحلول ذلك الوقت، كان بالفعل أكثر كتاب أمريكا شهرةً. فهو الفنان الذي هز قواعد المجتمع من خلال تفكيك هياكل السلطة والاتفاقية بالصرامة القوية والكرامة وسلامة الإتفاقية. وفي السابع عشر من شهر مايو عام 1963 ظهر (بالدوين) على غلاف مجلة تايم كجزاً من قصة رئيسية بعنوان؛ “الدولة: أصل مشكلة الزنوج”، والتي تلتها جملة:

في أصل مشكلة الزنوج تكمن ضرورة الرجل الأبيض في إيجاد طريقة للعيش مع الزنوج من أجل ان يعيش مع نفسه.

وبالرغم من أن التركيز كان على الدفاع عن حقوق (بالدوين) المدنية إلا أن المقالة سلطت ضوءًا جانبياً على (بالدوين) الفنان، وآثارت السؤال الأوسع عن دور الكاتب في المجتمع. وكان الإسبوع الذي يليه هو عدد 24 مايو لمجلة (لايف)، والتي تملكها الشركة ذاتها المبنية على ذلك الزخم الثقافي، مع لمحة واسعة عنه كتبها الصحفي (جين هوارد). حيث كتب تحت العنوان المؤرخ “رواية الحديث من كاتب زنجي”، تكشف حكمة (بالدوين) الأبدية في الحياة والفن.

فقسمت اللمحة الطويلة إلى عدة أقسام تشمل جوانب مختلفة من حياته وآراءه. كتب تحت العنوان الفرعي المثير “الموت والمجد لمعرفة من تكون”. يعتبر (بالدوين) الذي شق طريقه من هارلم حتى أصبح مشهور أدبي هبة فذه للقراءة:

تعتقد بأن ألمك وحسرتك لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم ولكن بعد ذلك تقرأ. لقد كان دوستويفسكي وديكنز من علمني بأن الأشياء التي تعذبني أكثر هي ذاتها التي تربطني مع جميع الناس الذي كانوا على قيد الحياة أو الذين كانوا أحياء من أي وقتٍ مضى. فقط إذا واجهنا آلامنا يمكن أن نفهم آلام الاخرين.

وبعد عام من صياغة أفكاره الثابتة حول دور الفنان كمعطل للمجتمع وبعد أكثر من قرن على إصرار (إيمرسون) بأنه فقط إذا كان الناس غير مستقرين هناك أي أمل بالنسبة لهم اعتبر (بالدوين) هذا الإلتزام المهم لعدم الاستقرار المتولد كقوة محركة مركزية للروح الإبداعية.

فالفنان هو ذلك المؤرخ العاطي أو الروحاني. ودوره هو أن يجعلك تدرك الموت والمجد لمعرفة من تكون وماذا تكون. وعليه أن يخبر ماذا يعني أن تكون على قيد الحياة لأنه لا أحد آخر في هذا العالم يستطيع أن يخبر بذلك. فكل ما أردت فعله هو أن أخبر بأنني لا أحاول حل مشاكل أي شخص ولا حتى مشاكلي. فأنا فقط أحاول تحديد ماهي المشاكل. أريد أن اكون متحرراً وقلقاً لأتجاوز قدراتي وأجعلك تشعر بذات الشئ أيضاً.

وقبل عقدان من مشاركة نصائحه حول كونه كاتباً في مجلة باريس عبَر (بالدوين) عن حتمية المهنة قائلاً:

الشئ المريع في كونك كاتباً هو أنك لا تقرر أن تصبح كاتباً بل تكشف أنك كذلك.

ومردداً ما وصفه (إي. إي كامينجز) بـ “صراع الفنان“، يضيف (بالدوين):

في هذه المدينة … إذا كنت فناناً فأنت مذنباً بجريمة: ليس لكونك واعيٍ وهو أمر سئ بما فيه الكفاية ولكن لكونك ترى أشياءً لا يعترف بها الآخرون.

ونكمل مع (بالدوين) فيما يخص معاناة الفنان من أجل النزاهة والحرية وكيفية حبسنا لأنفسنا ومسؤولية الكاتب في مجتمع متفرق. ومن ثم إعادة النظر في حواراته المنسية بشكل كبير مع (تشينوا أتشيبي) حول القوة السياسية للفن ومع (مارغريت ميد) حول الهوية والعرق و تجربة الاختلاف، ومع (نيكي جيوفاني) حول مايعنية أن تكون مخولاً حقاً.

ملاحظة:

“صراع الفنان” هو نثر للشاعر الأمريكي (إي. إي كمينجز) وصف فيه معناة الفنان في سبيل إيجاد نفسه وشدد على كلمة فنان باللغة الإنجليزية  وكتب أول حرف منها بخط كبيرفي النص بأكمله ليوضح معناته أكثر.


[المصدر]

ماذا تعني الترجمة برأي جمانة حداد؟


جمانة حداد

 

جمانة حداد (مواليد 6 ديسمبر 1970) كاتبة ومترجمة وصحافية لبنانية.

في كتابها (سيجيء الموت وستكون له عيناك)، ُردت جزءًا من المقدمة للحديث عن الترجمة، والترجمة الشعرية على وجه التحديد. فتتساءل مبتدئة “ماذا تعني الترجمة؟”، ثم تتابع:

الإجابة الأولى التي تتبادر إلى الذهن هي: “أن نقول الشيء نفسه بلغة أخرى”. لكن، هل يمكن أن نحصر الترجمة، وخصوصًا الأدبية والشعرية منها، في هذا المعنى الضيّق؟ ألا توازي الترجمة على الأرجح إعادة الخلق أو الاختراع؟ أليست عملية استنباط خلاقة للغة جديدة داخل اللغة وتشييدًا للجسر رابط بين اللغات المختلفة؟ بلى. فالنص المترجم شبيه بجنين يولد مرتين، ولكل ولادة بروقها وصعقاتها. إنهما هويتان للوطن ذاته، بل أكاد أقول: شقيقان توأمان من أم واحدة، مخيلة الكاتب وتجربته وأفكاره، ولكن من رحمين – لغتين مختلفتين، وكانتا لتكونا منفصلتين تمامًا لولا حبل السرّة – نار المعنى الرابطة بينهما.

ثم تكمل بعد ذلك قائلة:

لهذه الأسباب وغيرها تشكّل الترجمة، الشعرية تحديدًا، والتي هي شغفي وميدان تخصصي الأكاديمي، رحلة استكشاف فنية. مغامرة غالبًا ما يساور الكشاف فيها شعور بعدم الرضى عند نهايتها، نظرًا إلى صعوبة القبض على جميع خفاياها.

ثم تتساءل، عن حقيقة العلاقة بين الترجمة وفعل الخيانة، وعن الترجمة الحرفية، فتقول:

لقد قيل الكثير عن العلاقة التي تربط بين الترجمة وفعل الخيانة، ولكن إلى أي مدى يشكّل عامل “الأمانة” البحتة معيارًا لتقويم عملية ترجمة الشعر؟ أليس صحيحًا أن ترجمة الشعر لا يمكن أن تحيى إذا كانت حرفية؟ طبعًا، فهي تفقد الكثير من وهجها إذا كان معيارها التبجّح بالإخلاص والموضوعية الخالصة اللذين يفرغان النص من روحه فلا يبقى منه سوى جثته، وإن لم يقترنا بالموهبة والحساسية الموضوعتين في خدمتهما. هذا لأقول إن معرفة العالم السري للنص الشعري ليس شأنًا علميًا وأكاديميًا بحتًا، بل هي خصوصًا معيارٌ حدوسي ورؤيوي نفاذ. ومثل هذه المعرفة هي الترجمة الشعرية: حيث أن الحدس يخترق أسرار القصيدة ويضع نفسه في خدمة التقنيات والمعايير الأكاديمية.

يوسا، إيروس، والرواية

يوسا

ماريو بارغاس يوسا، ولد في عام 1936، روائي وصحفي وسياسي.

الأدب الخيالي لا يعيد إنتاج الحياة، بل هو ينفيها بأن يضع في مواجهتها خدعة توهم بأنها تحل محلها..

يغوص الكاتب العالمي البيروفي، الحائز على جائزة نوبل في الآداب لعام 2010، بتعانق الإبداع والنقد في شخصيته الروائية الفذة، في عالم الرواية ببحوره الشاسعة، وتجليات مبدعيها العظام الذين عبروا التاريخ وعبَّروا عن الإنسانية، من خلال روايات كبرى/ علامات روائية كُتبت في خلال القرن العشرين، وأثرت تأثيرا كبيرا في مسيرة الفن الروائي، حيث تتجسد من خلال تلك النماذج المقروءة بوعي الفنان المبدع، الرؤية الرئيسة لهذا المتن الإبداعي النقدي، الذي يحوي بين ضفتيه عددا من النماذج الراسخة في ضمير تاريخ الأدب والرواية خاصة، تعالج حالة من حالات الاحتياج الإنساني متمثلة في “الإيروسية“، والتي يرجع أصلها كمصطلح في الميثولوجيا الإغريقية، إلى “إيروس” وهو الإله المسئول عن الرغبة، الحب، الجنس، وعُبِدَ كإله للخصوبة، والتي تبدو في هذا السياق كملمح من الملامح الرئيسة التي تجمع البشر، والتي يقدمها يوسا في مقدمة الطبعة العربية المترجمة عن الأسبانية، والتي قام بها المترجم التونسي وليد سليمان، لكتابه: (إيروس في الرواية)، قائلا:

إن هذه المقالات هي، قبل كل شيء، رسالة حب واعتراف بالجميل لأولئك الذين عشت،  بفضل كتبهم، خلال فتنة القراءة، في عالم جميل، متماسك ومفاجيء وكامل تمكنت بفضله من فهم العالم الذي أعيش فيه بشكل أفضل ومن إدراك كل ما ينقصه أو يكفيه ليكون قابلا للمقارنة مع هذه العوالم الرائعة التي يخلقها الأدب العظيم..

ولوجًا إلى عالم الإيروسية في الكتابة الروائية، والتي تتباين محاورها من خلال الطرح الروائي لهذه الاختيارات الحاسمة في تاريخ رواية القرن العشرين، والذي كان يعج بالمزيد من الصراعات والأيديولوجيات المتناحرة والحروب العظمى، من خلال أحداثه الجسام التي ساهمت بشكل كبير في تغيير خريطة الوعي الإنساني والاجتماعي والاقتصادي، ومن ثم النفسي، كما عانقت المزيد من المذاهب الفكرية والثقافية الجديدة، والتقليدية الراسخة على حد السواء، فمن منطلق الإيروسية:

“تجربة داخلية مرتبطة بالرغبة والشغف والنشوة، والتي تأخذ شكلاً جسدياً أو عاطفياً أو روحياً بحسب تعريف (جورج باتاي) لها، تبدو تمردا على السائد والمألوف، كما تقدم هنا عبر الإبداع الروائي كفن يمتلك سلطة الرصد وطرح القضايا المصيرية الممتدة في عمق التاريخ وعمق حياة البشر، ومن ثم محاولة التأويل وإعادة سبر الغور، بمحاولة التماهي مع الواقع والتماس معه بصورة مغايرة في ذات الوقت حيث الرواية دائما تقدم بحسب (أنطونيو جرامشي):

صورة مغايرة بمتخيلها للتاريخ والواقع، ناقدةً الخطاب السائد ومتمثلةً خطاب المسكوت عنه والمقموع. ويمكننا أن نشبّه الخطاب الرسمي بالسلطة التي تفرض نفسها بمختلف الطرائق من عنف ورقابة ومن هيمنة متغلغلة في الثقافة.

والذي يدعو من خلال سبر غوره للعلاقة بين الرواية والمفهوم الإيروسي، بقوله على خلفية الصراع بين الواقعي والمتخيل والتقليدي في بنية الرواية التي تعالج مثل تلك المسائل المصيرية القامعة للحس الإنساني بما عليه من قيود، وما له من تطلعات آسرة إلى كل ما محظور ومحرم:

لهذا علينا أن نقوم بتحليل النصوص الروائية كي نكشف عن مدى تجاوزها للتقاليد البطركية وكيف تقوم بانتهاك محرمات السائد لتقدم رؤية بديلة.

تشارلز بوكوفسكي‎ مستغربًا: قواعد؟ للكتابة؟

Charles Bukowski

هنري تشارلز بوكوفسكي (1920-1994) شاعر وروائي وكاتب قصة قصيرة أمريكي من أصل ألماني.

“اكتب ماتريد، كيف ماتريد، أين ماتريد، للسبب الذي تريد، في الوقت الذي تريد، لمن تريد. قد ينجح الأمر وقد لاينجح ليس هناك صواب وخطأ” – (لين مالوني)، كاتب استكلندي.

تحرر بعض الكتاب من قيود الأدب السابقة ومع ذلك فأن بعضًا منهم ممن سلك منهجًا خاصًا به أصبح من أعظم الكتاب على الإطلاق. ومن هؤلاء الكتاب (تشارلز بوكوفسكي). الكاتب ذو الآراء القوية، والمهارة التي لايختلف عليها اثنان. كل كتاباته سواءً شعرًا أونثرًا وحتى مراسلاته معززة بحسّ فريد وغير مبرر من الحيوية.

الكتابة الجيدة لاتعني الالتزام بقواعد معينة، لكنها شيء أكثر صدق وواقعية، وأكثر إنسانية واندفاع.

قام (بوكوفسكي) بتفصيل هذه الفكرة أكثر من خلال رسالته إلى صديقه (انتوني لينيك) عام ١٩٥٩م مناقشا أن أهم شيء بالنسبة للكتابة، يقصد كتابة الشعر هنا:

يجب التصديق بأن عددا من الشعراء أقصد الصادقون منهم،مستعدون للاعتراف بأن ليس بجعبتهم نوايا مسبقة لما سيقومون بكتابته. بالرغم من أنه اعتراف مؤلم إلا أن فن الشعر يظل محتفظًا بقواه من غير أن تتفكك إلى انتقادات.

 ويقول:

أنا لا أعني أن الشعر يجب أن يصبح كمهرج تافه وغير مسؤول يقوم برمي كلمات في الفراغ، لكن القصيدة الجيدة تحمل سبب وجودها بنفسها، والفن هو سببها الوحيد.

إما الفن، أو شيء آخر. إما قصيدة، أو قطعة جبن.

وفي رسالة أخرى إلى صديق، يشرح فيها أن مايهم حقا في الكتابة هو أن يكتب الكاتب مايريد كتابته، وليس مايجب عليه كتابته قائلا:

تبدأ بالفشل حين تبدأ بالكذب على نفسك في قصيدة بغية أن يسهل عليك اختراعها. لذلك لا أعيد كتابة قصائدي، وأقوم بكتابتها كما هي أول مرة. لأني إن كنت كذبت في المرة الأولى فلا داعي للتشديد على ذلك. وإن لم أفعل فلم القلق؟

وفي رسالة أخرى لـ(لينيك)، يناقش أسلوبه في الكتابة والقواعد، خاصة القواعد المعنية باللغة قائلا:

لم أعر انتباهًا شديدًا لقواعد اللغة. فأنا أكتب لمجرد الحب للكلمة، للونها. كمن يرمي الألوان بعشوائية على لوح الكانفاس، وينصت بتذبذب، ويقرأ هنا وهناك.

عامةً، يمضي الأمر بسلام، لكن تقنيًا لا أعلم مايحدث ولا أهتم.

وفي رسالة أخرى يستمر:

أظن أن بعض الكتاب يعانون من هذا القدَر في الأساس لأنهم متمردين بالفطرة، وقواعد اللغة كأي قواعد تحكم هذا العالم ومحاولة للتسيّد ممايمقته الكاتب غريزيًا. بالإضافة أن اهتمامات الكاتب تتوسع لتشمل النطاق الروحي والموضوع ككل.. نحن نهتم باللون، الشكل، والمعنى وكل نقطة تساعد على إبراز الروح.

وفي رسالة أخرى إلى (جون وليام كارينغتون) الكاتب والشاعر يناقش فيها إن مايهم في كونك كاتبًا أو مصورًا أو فنانًا، هو الشجاعة على خلق شيء خارج عن المألوف:

 القواعد لاتعني شيئًا للمبدع الحقيقي.. لنعطي المسافة، لنسمح بالأخطاء، بالهستيريا، بالمأساة. لنجعل الحواف تبدو حادة كما هي. أشياء كهذه تحدث، يُقتل القسيس على المرحاض، تهرب زوجتك مع أحمق لم يسبق له أن قرأ لـ(كافكا)، تُدهس قطة، تُلصِق أحشائها جمجمتها بالرصيف، تمرُّ عليها السيارات لساعات. تنمو الأزهار في الدخان، يموت الأطفال في سن التاسعة وفي سن السابعة والتسعين.

علينا أن نجعل الشموع تستمر في الاشتعال، أن نسكب عليها غازًا إن لزم الأمر. ماهو مألوف سيبقى مألوفًا لكن يبقى هنالك دائما صرخات من النوافذ.

تتولد هستيريا الفنان من خلال التنفس في هواء المقابر. وأحيانًا عندما تتوقف الموسيقى تاركةً لنا أربع جدران من المطاط، أو الزجاج، أو الحجارة. أو أن يحدث الأسوء وتجد نفسك بلا جدران على الإطلاق.

بئيسًا ومتجمدًا في صقيع القلب، من أجل التركيز على المنطق والشكل مما يبدو بلاهةً في وسط الجنون.

الإبداع هو هبتنا ونحن مرضى به. حرك عظامي وأوقظني للتحديق في جدران الخامسة صباحا.


[المصدر]

تيد هيوز، و”كيف تكون كاتبًا؟”

 

تيد هيوز

إدوارد جيمس هيوز (1930-1998)، المعروف باسم (تيد هيوز)، شاعر وكاتب للأطفال إنكليزي، يعتبره النقاد من أعظم شعراء جيله. وكان “شاعر البلاط” من سنة 1984 وحتى وفاته.

في كتاب جمع (رسائل تيد هيوز)، كتب الشاعر رسالة إلى ابنته في كيف تكون كاتبًا أو كاتبة، ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية.


“طالع كتبًا جيدة، تكتسب عباراتٍ جيدة”هذا ما نصحت به الشاعرة (جين كينون) فيما تبقى من كتاب (بعض النصائح الحكيمة للكتابة والعمل بها). فإن كان الأدب ضروريٌ لتطوير أخلاقنا كما أعتقد (والت وايتمان) وتبني القراءة إنسانيتنا كما أكد (نيل جيمان)، إذاً فالانسجام مع العبارات الجيدة ليست ضرورية فقط لطريقة كتابتنا بل هي بمثابة جوهر إدراك شخصياتنا.

لذلك أشار الشاعر (تيد هيوز) في رسالة بديعة عُثر عليها في (رسائل تيد هيوزفي مكتبة عامة، ينصح بها ابنته المراهقة (فريدا)، وهي بذات الدرجة التي منحتنا رسالته المؤثرة للغاية لابنه عن تنشئة الطفل الذي في جوف كل إنسان.

أصبحت (فريدا) نصف يتيمة في عمر الثالثة عندما تُوفيت أمها (سيلفيا بلاث) منتحرة، وتُرك (هيوز) ليرعى هذين الطفلين الذين كتبت (بلاث) من أجلهم كتب خاصة بهم. وبعد ميلاد (فريدا) الثامنة عشر بوقت قصير – وكما أنها كانت على شفا كارثة فقدان وظيفتها الأدبية – شاركها أباها عن أكثر الأشياء أهمية والتي تعلّمها من (ت.س إليوت) ولا أقل من ذلك- عن ما الذي تحتاجه لتصبح شاعراً.

يكتب هيوز:

قال لي (ت.س إليوت): “هناك طريقة واحدة فقط يمكن للشاعر أن يطور كتابته الواقعية من خلالها – بغض النظر عن نقده لنفسه وممارسته المستمرة وهذا يكون بقراءة شعر غيره بصوت عالي- ولا يهم إن كان يفهمها أو لا (وهذا يعني بأنها حتى لو كانت بلغة أخرى.) وما يهم في كل هذا أن تعلّم الأذن.”

ما يهم أن تصل صوتك بنطاق لامحدود من الإيقاع والتسلسل اللفظي- ووحدها تجربة أذنك الفعلية الممتدة يمكنها أن تخزن كل ما يوجد في جهازك العصبي وما تبقى يعود على شخصيتك وحياتك.

وكُتبت رسالة طويلة بعد ثلاث سنوات– مناقشةً قصائد أريل والتي نشرت بعد وفاة (بلاث)- يعيد فيها (هيوز) موضوع الشخصية كمنبع للكتابة:

المؤشر الأول لانحلال (تفكك)–  الكاتب-هي بأن تفتقد كتابته إلى البصمة المميزة لشخصيته وتفقد روحها الداخلية،

أصبحت (فريدا) شاعرة مشهورة ورسامة وكاتبة كتب أطفال بنفسها وفيما بعد أعادت فن أمها الذي لم يكن معروفاً وعلاوة على ذلك؛ قضت أغلب شبابها في الدفاع عن شخصية أباها أمام التحليلات الاستعلائية الزائفة من المتفرجين الذين لاموه على وفاة (بلاث). وفي الواقع قلة من أصحاب العلاقات الخاصة أصبحوا عرضة لما هو أكثر قسوة ومحطّ سخرية عامة من (هيوز) و(بلاث)- والتي بدأت علاقتهم بعاصفة عشق وانتهت بمأساة -؛ إذ أصبحت علاقة (هيوز) بـ(بلاث) محطّ الكثير من التكهنات الخبيثة بعد موت (بلاث)، مثلها مثل علاقة (ألبرت آينشتاين) وزوجته الأولى والتي دفنت آراءٌ كثيرة متسرعة وغير مطّلعة حقيقتَها المختلفة قليلًا.

وندب (هيوز) نفسه إذ كيف أن الناقدين استغلوا شعرها “كإذن عام ليفتشوا عن حياة عائلتها بخبث وتحليل نفسي زائف”.

وكما بدى أن كِلاَ الناقدين ومن يسمّون بالجمهور نسو ومازالوا ألا أحد يعلم ما الذي يحدث ما بين شخصين- ناهيك عما بداخل الشخص- وأي حق في التفسير يخص من يعيش هذا الواقع الداخلي الخاص وحسب.


[المصدر]