خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الكتابة

الدليل إلى عالم الكتابة والأدب أخذاً وعطاءً، قراءةً وإنتاجاً.

البحث عن يوم سيء للكتابة

 

هايدي داري، وهي مُدوّنة، نشرت قبل أشهر نصًا أسمته “البحث عن يوم سيء للكتابة”، أقوم بترجمته لكم بشكل حصري على ساقية. تقول (هايدي داري) في تدوينتها الجميلة:

أريد أن أستيقظ لأكتب بسرعة. ولكن.. “اللعنة“، جهازي لن يسمح لي بذلك حتى ينهي تحديثاته البرامجية كل صباح.

لعنة شاشة التكنولوجيا وتثاقلها الصباحي، والذي عليّ أن أنتظرها كمقيدة حتى تسمح لي بالبدء بالكتابة.

وليتها تصنع لي ما أريد. أريد منها مثلاً:

توثيق وحفظ حالتي المزاجية الرائعة، قبل أن يعصف بي أي أمر خارج الكتابة وداخل الحياة.

أريد منها تخزين إلهامي، والحفاظ على سخونته وتدفقه حتى أعود له.

أحتاج منها الأفراج الفوري لتركيزي عندما تكتمل مشاهدي الفنية في ذهني وتكون جاهزة لتحويلها للغة.

هل يمكن ذلك؟

لا يمكنني وضع جميع أفكاري بنفس سرعتها الذهنية أسفل ورقة وبالقلم.

أحتاج إلى الشاشة الضوئية. ولوحة المفاتيح. والف سرعة مضاعفة من حركة نقر أصابعي.

أخاف أن يذهب مزاجي الآن. وأنا أفكر في متعة وسيلان كل ذلك الحلم.

ولكن سأحاول – أعلم أن الكلمات لا تزال هناك. يجب أن أتنفس بعمق وأسمح للإحباط بالتبدد حتى أتمكن من تحويل روحي من السخط والغضب إلى التأمل والهدوء.

وإن لم يحدث ذلك، فحتماً سيكون اليوم سيء.

يوم سيء بحيث يمكنك تذّكر وتجميع كل أيامك وذكرياتك الجيدة في سلة محكمة.

يوم سيء حتى يعكس لك مقدار تعاستك الآن كمقياس يجعلك تبحث، وتشك، وتساءل، وتراجع جدوى كل ما عشته حتى الآن، وأدى إلى هذه اللحظة.

يوم سيء يعني بركان بارد وخامل سيفور ببطء وسينفجر بك وإبداعك في النهاية.

يوم سيء رائع. بحيث يمكنك فيه على الأقل الحفاظ على غيظك لتكتب كلمات جيدة.

أبحث عن يومك السيء.. أقبض عليه، وتوسله..

للأسف قد يفشل أسبوع كامل من عمري ويذهب مع مخلفات أعمال حياتية جديدة ومرهقة كل مرة، ما هو الثمن الذي يجب دفعه يا ترى؟ للتخلي عن تلك الثواني الثمينة، الساعات، والأسابيع المتصلة بصراع الوجود مع شكليات قد تستنزف كل شيء.

لذلك سأحاول أن أمتص هذا اليوم الأخير كبطانية دافئة، أستوعبه بأفكاري العزيزة والمجرَّبة باستمرار، أفكاري التي تعترضها الهموم والمخاوف من كل مخلوق على وجه العالم.

سأختبئ خلف يومي السيء، وأكتشف مشهد ذاتي الداخلي بعناية، مثل عالم أو فيلسوف عتيق – سأتحرك بلطف، سأبحث عن شيء ما، سأراقبه، سأجد دفتر ملاحظات ببساطة وسأبدأ بالكتابة، وتذوق ما كتبت من بعيد. لا يمكنني أبداً التنبؤ بما سيأتي بعد كل ذلك الانتباه. لن أبحث أو أسعى لمعنى محدد ومحتوم سلفاً. سأعرف فقط أنني أستمتع بالرضا النهائي للتفكير والانعكاس الروحي والكتابة دون عائق من التزامات أو قلق أو يوم سيء.

ما سيأتي من هذا التأمل سيكون أقل أهمية من إدراك أن العمل نفسه يعمل بجد.

سأبدأ صباحي بالسينما, هناك فيلم:  (The Hours) سأشاهده وليس للمرة الأولى، بل لأني شاهدته كثيراً، هذا الفيلم الذي ينتهي، ولكنه يبقى و يشبه قوة المحادثة مع نفسي حيث عبء الحياة، والهروب الجميل للخيال والأبداع. أنا أعيش هذه الأشياء أيضاً. ليس كل الوقت، وليس كل يوم, ولكن مع كل يوم سيء، ولا أعلم عدد تلك الأيام الجميلة.

عندما أكون متعبة داخلياً حتى النخاع، هذه المشاعر ستنير وتتألق في كل زاوية من أفكاري.

وهذه لحظات من العزلة اللازمة، وهي في الواقع تغذيتي الذهنية الوحيدة، من أجل نهوض تفكيري وسلامه الداخلي.

لكل شكوايّ الخاصة واللعينة حول ضرورة أن أنتبه لأعمال أخرى لكسب لقمة العيش، أدرك ضرورة ذلك أيضاً. ولكن أسمحوا لي، سأنزوي راكدة، آسنة، وفاسدة مثل نظرتكم لأي يوم سيء في حياتكم. إلى ضجري وكآبتي. اسمحوا لي لأنني أعرف بهذا الشعور أنني على استعداد كامل للكتابة ولعدة أشهر مرهقة.

من يعرف هذا الوقت منكم؟ ربما ليس يومكم, ولكنه قادم.. أشعر بذلك سوف يأتي..

أشعر بوصول هذه اللحظة مثل التغيرات في الطقس وإعلانه عن موسم جديد. شكل قصتي الذي سينقض عليّ بسرعة خاطفة مثل سمكة زلقة، تتجاوزني بعد أن تلمس أقدامي الحافية تصعد لكاحلي وكامل جلدي, وتلعق قلبي، بينما أنا مثبتة في الوحل. أشعر بتلك اللحظة الزلقة وكأنها زعنفة تكشطني بتلك النظرة العابرة.

ولكن كما ترون، هذه سمكة الهامي الخاصة. والتي لم يسبق لأحد غيري رؤيتها. يمكنك أن تتخيل تلك اللذة الباهرة واللاهثة لأفكارك وهي تشعرك بوميض خروجها من سطح بحرك الخاص، تلك اللحظة عندما تفضح السمكة نفسها للهواء؟ هل تعرف شعور دفء وراحة القبض على شيء جميل وفاتن؟

أنها أفكارك العظيمة داخل يومك السيء, والذي ما يزال داخلك..

أنني أعيش من أجل أشيائي الكثيرة، وليس أقلها تلك اللحظات التي يكون فيها العالم واليوم سيء وخامل. ولكنني في الحقيقة، أكون منهمكة قدر أقصى ما استطعت، بصنع أكثر الأعمال الضرورية والحميمية. وإلا كيف يمكن للمرء إنتاج تلك الأسماك الأسطورية وفي يوم سيء؟


[المصدر]

حديث المازني، عن متاعب الكتابة

المازني

إبراهيم عبد القادر المازني (1889-1949) شاعر وناقد وصحفي وكاتب روائي مصري من شعراء العصر الحديث، عرف كواحد من كبار الكتاب في عصره كما عرف بأسلوبه الساخر سواء في الكتابة الأدبية أو الشعر واستطاع أن يلمع على الرغم من وجود العديد من الكتاب والشعراء الفطاحل حيث تمكن من أن يوجد لنفسه مكاناً بجوارهم، على الرغم من اتجاهه المختلف ومفهومه الجديد للأدب، فقد جمعت ثقافته بين التراث العربي والأدب الإنجليزي كغيره من شعراء مدرسة الديوان.

كتب (المازني) مقالة بعنوان “متاعب الطريق” ضمّنها كتابه (قبض الريح)، وهو يعرض فيها رأيه في الجهد الذي يُعانيه الفنّانون عامّة والكتّاب خاصّة في عملهم، والذي قد يغفل عنه أكثر القرّاء والمتذوقين، فهم كما يقول مُعاصِره مصطفى صادق الرافعي (1937-1880): “والنّاس يحسبون أنّ الإنسان يستطيع أن يكتب في كل وقت ومع كل حالة كأنّه مطبعة ليس إلا أن تدور فيخرج الكتاب.. هذا غير صحيح؛ فلا بدّ من أحوالٍ هادئة مؤاتية ما دمنا في أمر الفنّ والابتكار وإيجاد ما ليس موجودًا”.

يقول (المازني):

… والأديب شبيع بالعاشق، يعرض له الخاطر فيستهويه ويسحره ولا يجري في باله في أول الأمر شيء من المصاعب والعوائق ولا يتمثّل له سوى فكرته التي اكتظّت بها شِعاب نفسه، ولا ينظر إلا إلى الغاية دون المذاهب، ويشيع في كيانه الإحساس بالأثر الذي سيحدثه، وقد يتصوّر الأمر واقعًا ولا يندر أن يتوهّم أنه ليس عليه إلا أن يتناول القلم فإذا به يجري أسرع من خاطره، وإذا بالكتاب تتوالى فصوله وتتعاقب أبوابه، وتصفّ حروفه ويُطبع ويُغلّف ويُباع، ويُقِبل عليه النّاس يلتهمونه وهم جَذِلون دَهِشون مُعجبون، وإذا بصاحبه قد طَبَق ذكره الخافقين وسار مسير الشمس في الشرق والغرب وخلد في الدنيا إلى ما شاء الله!!

يكبر كلّ هذا في وهمه لحظة تطول أو تقصر، ثمّ يهمّ بالعمل ويعالج أداءه فيتبيّن أن عليه أن ينضج الفكرة ويتقصّى النظرة ويلمّ بهذا ويعرّج على ذاك، ويستطرد هنا ويمضي إلى هناك، ويدخل شيئًا ويخرج خلافه.. ثم أن يصبّ ذلك في قوالب ملائمة ينبغي أن يُعنى بانتقائها، وأن يتوخّى في الأداء ضرورات تَقسره عليها طبيعة الخواطر والمسائل: هذه تتطلّب إيضاحًا وتلك لا معدى في سوقها عن تحرّي القوّة في العبارة أو اللين أو السهولة أو الجمال أو غير ذلك. وأحرِ به حين يُكابد كل ذلك أن تَفتُر حرارته الأولى وأن يدبّ الملل في نفسه، وأن يضجره أن يضطر إلى أن يقطع الطريق خطة خطوة، ويكتب الفكرة الرائعة الجليلة التي استغرقته وفَتَنَته كلمة كلمة، ويتناول منها جانبًا بعد جانب، وأن يعاني في أثناء ذلك مشقّات التعبير ومتاعب الأداء، وأن يُذعن لأحكام الضرورات فلا يستعجل فيفسد الأمر عليه، بل يكرّ أحيانًا إلى ما كتب ويُعيد فيه نظره ويُجيل قلمه مرة وأخرى وثالثة إذا احتاج الأمر إلى ثانية أو ثالثة، ويصبر على برح ذلك وعنائه وتنغيصه وتغثيته يومًا وآخر، وأسبوعًا وثانيًا، وشهرًا وعامًا وأكثر من عام أو أعوام إذا دعت الحال.

وفي أثناء ذلك كم خالجة عزيزة يضطر أن ينزل عنها ويدعها مدفون في طيّات نفسه لعجزه عن العبارة عنها وتصويرها وإبرازها في الثوب الذي ينسجم عليها ويجلوها للقارئ كما هي في ذهنه، أو لأن كلمة واحدة-واحدة لا أكثر-تنقصها لتستوفي حقها من التعبير الذي يكفل لها الوضوح أو الحياة؟ كم معنى يتركه ناقصًا أو غامضًا وهو يحسّه تامًا ويتصوّره في ضميره كأجلى ما يكون؟

وما كل امرئ يدخل في مقدوره أن يحتمل هذا المضض كلّه.

ومن الكتاب من لا يكاد يلتقي بأول صخرة في الطريق حتى ينكص راجعًا وهو يشعر بمرارة الخيبة بعد الغبطة التامّة التي أفادته إياها الفكرة حينما نشأت، ويروح يطير من فكرة إلى أخرى ولا يكاد يصنع شيئًا لأن العوائق التي لم يقدّرها تغلبه، والوعور التي لم يتوقّعها تهيضه، والمشقات التي لم يفكر فيها تُسئمه.

وهو هنا يتساءل: هل يُفكر النّاس بالنَصَب الذي يلاقيه الفنّان في إبداع فنّه؟

وكم من الناس يفكرون فيما يُقاسيه الأديب؟! أين ذاك الذي يُطالع الكتاب أو الديوان ويعنى بأن يصوّر لنفسه الجهد الذي بذله صاحبه والغصص التي تكبّدها وصبر عليها: جهد التفكير والأداء، وغصص النجاح والفشل على السواء؟

إنه لا يُقدر ذلك إلا من عانى هذه المآزق وخاض غمراتها وذاق مرارتها.

وشبيه بهذا أن يقف رجل من الأوساط العاديين أمام صورة يتأمّلها ويُدير فيها عينيه ويُعجب بها أو لا يُعجب، وهو لا يدري أنّها ليست ألوانًا وأصباغًا مزجها المصوّر (=الرسّام) وزاوج بينها وساوقها، بل قطعة حية من نفسه إذا نظر إليها صاحبها كرّت أمام عينه سلسلة طويلة من الألم واللذة والندم والغبطة والغيظ والكمد والسخط والرضا والأمل والخيبة ومن أسبابها ودواعيها المباشرة وغير المباشرة.

وبعد ذلك يُدلي برأي في العلاقة بين مدى الإحساس بالفكرة والقدرة على التعامل مع مصاعب تجسيدها في الفنّ:

ويظهر أنه ليس أعون على المُثابرة والصبر من خفّة الإحساس ومن أن يكون المرء بحيث لا تهتاج آماله أو مخاوفه إلى درجة من الألم والإلحاح لا تُحتمل ولا يسع المرء معها رفقًا بنفسه وإبقاء عليها إلا أن يفرغ من الأمر الذي يُعالجه ولو خسر في سبيل ذلك غايته. وأعني أن يكون المرء هادئ النفس، قليل الاكتراث، قادرًا على الانتظار، مُطيقًا للصبر، راضيًا عن نفسه، مستعدًا للارتياح إلى كل ما عسى أن يشغله؛ يستوي عنده أن يكتب في الفلسفة أو يصف حوانيت الباعة، وأن يستكشف القطب الشمالي أو يهتدي إلى حانة تبيع الويسكي بأثمان زهيدة ومقادير كبيرة، مادام هو الذي يفعل هذا أو ذاك، وما دام رضاه عن نفسه لا يُضعفه سبب من الأسباب.

وليس من النادر أن يُرزق هذا الضرب من الناس حظًا من البساطة الطبيعية ترفعهم وتذري منهم. ولكن ما عسى صبر الذين تطغى بهم البواعث القويّة وتلجّ بهم الأشواق الحادّة والرغبات الجامحة وتدفهم إلى محاولة الوثوب وتعجلهم ولا تدع لهم فرصة راحة يروضون بها نفوسهم؟

كارين فيلدا، عن الشعر الرقمي والدودو

 

dodo4

تعتبر الكاتبة الدولية المكسيكية المعاصرة، من أشهر من يكتب للأطفال والمراهقين شعرا وقصصا وحققت بضعة جوائز في هذا المجال آخرها عن مجموعتها التي تحمل اسم طائر (الدودو)، والتي نشرها المجلس الوطني المكسيكي للثقافة. بعد ذلك وهي إضافة إلى كونها مولعة بالأدب فهي ايضا مغرمة بالبرمجة وصناعة الألعاب والبرامج. وترى (فيلدا) أن ولعها بألعاب الفيديو عندما كانت صغيرة ودراستها للبرمجة في مرحلة من مراحلها الدراسية أثر على كتابتها الشعر الرقمي فالشعر الرقمي في نظرها عبارة عن لعبة فيديو ولكنها لعبة فكرية ذكية. تشبه آلة لا تعمل جيدا إلا بالكلمات أما اللغة فهي مركز تجريبها، سواء في مقاطع الشعر أو في الكتاب المطبوع أو في وسائط العرض الرقمية. وعلى القصيدة أن تكون كونا مستقلا بذاته من الكلمات. ترى (كارين) أن أشكال الشعر وبحوره يجب أن تكون هامشية في الأهمية إلا أنه يجب تطويرها إلى أقصى مدى. يطغى به على نصوصها حتى الشعرية الجانب البصري. حيث تهتم بأدق التفاصيل في المشهد وتعبر عن الحركة بتكرارات تتشابه مع بعض تقنيات السرد العربية الأصيلة أحيانا، فيكون على شكل فلم مثلا أو يكون بصريا على شكل أوراق شعرية ممزقة، يناسب شكلها وتوزيعها البصري عاطفة الجملة الشعرية، مدعمة برسومات رقمية أو خطية في شرائح عرض. وليس بعيدا تماما عن الشعر فـ(فيلدا) تعمل حاليا على كتابة مقالات عن الانتحار، وتترجم الشعر؛ فقد ترجمت (ليما) (جون كيتس) وبعض نصوص (هنري كول) وتشتغل حاليا على ترجمة أعمال (مارجرت راندال) الناشطة الأكاديمية في حقوق الإنسان التي ولدت في أمريكا وعادت للوطن عام 1960 مؤسسة جريدة داعمة لحقوق الطلاب الوطنية والسياسية. وكمثال على كتاباتها يعتبر (خليدرلاند) من النصوص الموجهة للشباب وتتضح به بعض التقنيات المشار لها سابقا كما تتعدد به الشخوص والإحالات إلى القصص العالمية التي قد تتقاطع مع النص الذي يلامس رحلة اكتشاف طائر الدودو كرحلة البحث كجزيرة الكنز أو رحلة اصطياد الحوت الابيض في موبي ديك ولا تقدمه (فيلدا) بالطريقة العادية بل تجعل التقنية جزء من عناصر تكوينه في موقعها. ترجمت نصوص (فيلدا) إلى عدة لغات تضاف لها العربية مع ترجمتي لهذا النص.

خليدرلاند:

سبع براميل مهترئة، سبع براميل لترضي أربعة عشر ذراعا تسع وأربعون شوالا، شوالات من الحنطة السوداء لهمَّة الملاكَمَة. ذباب، المئات منها. سبع مدخنين شاحبين بين البراميل السبعة، قبضة من الملح أربعة عشر ذراعا متنافسا.

سبعة بِحار وحُجرة واحدة.

سبعة بحارة يصبغون، القلعة زينت بأكاليل الزنبق أربعة عشر ذراعا يتنافسون على عش الغراب.

صاري سفينة بحجم السرطان، جرس ومقبض دفة، دفة بلا مدير لها، الكثير من نزيف اللثة.

سفينة غليون فلمنكية عمدوها فكانت خليدرلاند.

الصواري أكثر من أن تعد، سبعة سقالات، أربعة عشر قاعدة للصارية تسع وأربعين حزمة لمنع البرد

الكثير الكثير من الذباب مخالب قطة تخدش المرساة، إبرة بوصلة ومنديل، ببغاء ذو عرف أحمر يُجسِّدون وداع 1589 وسبع ملابس خاصة.

قبضة مليئة بالملح، زورق وحيد جسده بدر متناقص، أكوام من الشظايا والمناظير المقرِّبة، سبعة بحارة دالعي ألسنتهم سبع مدافع تبقيهم متجمدين في مكانهم، ملح، ملح بلا تسعة وأربعين شوال، قاع هيكل السفينة وبرميل المياه العذبة وبحر الغيرة.

هو – واحد، نحن سنكون الرجل، عند عودتنا سوف يسمى الأدميرال، الرياح ازدادتْ عصفًا ونحن أحكمنا شد حبال الأشرعة، ذباب يقابل ذبابا، وسبع براميل مهترئة وأربعة عشر ذراعا متنافسا بالملح بدون تسعة وأربعين شوال تقليدي وسبعة من أسلحة الفرسان، انفجار وحيد وتابوت، “هو” سيلتقط حلماتنا لو ناديناه.

نراقب جزيرة، نضعها بين سبابة وإبهام، ثمة حنطة وذبابة واحدة، أساطير بحر الشمال افتتحت أضالع خليدرلاند، هناك سبعة بحارة يعيبون أنفسهم، سبعة ألسن متورمة وأربعة عشر ذراعا متنافسا وسبعة رؤوس متدلية على موجة واحدة. أحدنا يرمي رمح الصيد.

مؤخرة المرآة تعكس صورة سبعة مدخنين كل واحد منهم ينظر فوق كتفه أربعة عشر بحار محدودب الظهر يحملون الأشرعة، هيكل السفينة زلق وماعدا واحد فقط كل البحارة كانوا يحلمون باصطياد الحيتان، ارتطمت بهم موجة تبصق على أحلامهم، ستة رؤوس مترنحة ورجل ثابت لقد أحكمنا شد حبال الأشرعة

 


المصادر:

  1. مقابلة شخصية
  2. موقع الشاعرة للنصوص الرقمية والشعرية
  3. صفحتها على البوتري فونديشن
  4. أحد نصوصها البصرية للشباب على شكل فيديو

في الكتابة، هيمنغواي يتحدث

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

إرنست ميلر همينغوي (1899-1961)، كاتب أمريكي يعد من أهم الروائيين وكتاب القصة الأمريكيين.كتب الروايات والقصص القصيرة. لقب بـ”بابا“. غلبت عليه النظرة السوداوية للعالم في البداية، إلا أنه عاد ليجدد أفكاره فعمل على تمجيد القوة النفسية لعقل الإنسان في رواياته، غالبا ما تصور أعماله هذه القوة وهي تتحدى القوى الطبيعية الأخرى في صراع ثنائي وفي جو من العزلة والانطوائية.شارك في الحرب العالمية الأولى والثانية، حيث خدم على سفينه حربيه أمريكيه كانت مهمتها إغراق الغواصات الألمانية، وحصل في كل منهما على أوسمة حيث أثرت الحرب في كتابات (هيمنجواى) وروايته.

عمل (هيمنجوي) كسائق سيارة إسعاف في الحرب العالمية الأولى، والتي أُصيب فيها بالعديد من الشظايا. وكان من بين أبرز الروايات التي كتبها (هيمنجوي) (وداعًا للسلاح)، (لمن تُقرع الأجراس)، (ولا تزال الشمس تشرق).

ذات مرة، التقى الكاتب (أرنولد سامويلسن) بالراوئي (هيمنجوي) وقام بتسجيل الحوار الذي أجراه معه والذي فُرّغ بعد ذلك في كتاب بعنوان (مع هيمنجوي). وعلى أية حال، فقد تحدث (هيمنجوي) عن الكتابة في ذلك اللقاء، ننقل لكم مقولاته بشكل حصري. يقول (هيمنغوي):

إذا ما مللت من الكتابة، فلا يصيبنك الإحباط.

وإذا ما أصابك، فلن تستطيع الفكِاك منه.

عليك أن تعمل مرارًا على الكتابة، فقد أعدت كتابة (وداعًا للسلاح) خمسين مرةً على الأقل. تكون مسوّدة العمل الأولى شيئًا من العبث. لذا، فعندما تتمرن على الكتابة للمرة الأولى فاستمتع، ولا تلقي بالًا  للقارئ. لكن؛ وبعد أن تتقن عملك، فإن من واجبك أن تنقل المعنى للقارئ حتى يتذكر ما كتبتَ، ليس كقصة بل كشيء قد حدثَ في حياته.

إن استطعت أن تُمتّع من يقرأ لك ولا تستمتع أنت بما تكتب، فذلك هو الاختبار الحقيقي للكتابة.

اعمل على كتابتك بجد، فالكتابة الأفضل تعني صعوبةً أكثر؛ ذلك لأن على كل قصة أن تكون أفضل مما قبلها، وهنا مكمن الصعوبة.

أحب أن أعمل العديد من الأشياء التي اتقنها أكثر من الكتابة، ولكن عندما لا أكتب، فإني أشعر بالضجر، فأنا لديّ الموهبة ولكنّي أهملها.


[المصدر

نيل قايمان يتساءل: من أين تأتي بأفكارك؟

 

نيل قايمان

نيل قايمان (مواليد 1960)، هو كاتب إنجليزي، نُشرت له عدد من القصص القصيرة، والروايات، والقصص المصوّرة أيضًا، بالإضافة إلى عدد من الأعمال الأخرى. من أشهر أعماله؛ سلسلة القصص المصوّرة (ساندمان)، أو رجل الرمل. ومن الروايات؛ (الآلهة الأمريكية)، (كارولاين)، (المحيط في آخر الطريق)، و(ستاردست).

في مدونته الشخصية، كتب (قايمان) مقالة عن السؤال الذي يُطرح عليه بشكل متكرر، ألا وهو “من أين تحصل على أفكارك؟”، ننقله لكم بترجمة حصرية. يقول فيه:

 

كل مهنة لها شراكها. الأطباء، على سبيل المثال، دائما ما يتم سؤالهم للحصول على المشورة الطبية المجانية، ويطلب من المحامين المعلومات القانونية، ويقال لمتعهد الموتى كيف ان مهنته لاشك مثيرة للاهتمام قبل أن يغير الناس مجرى الحديث بسرعة. وكذلك نحن الكتاب نُسأل: “من اين نحصل على افكارنا؟”

في البداية، كنت أجيب الناس بإجابات ليست مسلية جدا، أحد إجاباتي التي أتهرب بها : “من نادي فكرة الشهر”، أو “من محل افكار صغيرة في بوغنور ريجيس”، أو “من كتاب قديم مليء بالافكار في قبو منزلي”، أو حتى “من بيت أتكينز”. والإجابة الاخيرة مقصورة على فئة معينة، وربما تحتاج إلى تفسير قليلا. (بيت اتكينز) هو صديقي كاتب السيناريو والروائي، وقررنا منذ فترة أنه عندما يطرح علي هذا السؤال أن أجيب بأنني احصل على الأفكار منه، وهو كان يجيب بأنه يحصل على الافكار مني. بدأ هذا ذا معنى في ذلك الوقت.

ثم سئمت من الإجابات الغير مسلية، في الوقت الحالي صرت أخبر الناس الحقيقة: أنا اخترعها؛ أقول لهم، آتي بها من رأسي.
الناس لا يحبون هذه الإجابة. أنا لا أعرف لم لا. يبدون غير سعداء بها، كما لو كنت أحاول أن أخفي شيئا عنهم . وكأن هناك سرا كبيرا، و لأسباب خاصة بي، لا أريد أن أقول لهم كيف يتم ذلك.
وبالطبع هذا ليس صحيحا. أولا، أنا نفسي لا أعرف من أين تأتي الأفكار، أو مالذي يجعلها تأتي، أو ما إذا كانت ستتوقف في يوم من الأيام. ثانيا، أشك في أن أحدا ممن يسأل يريد ان يستمع إلى محاضرة مدتها ثلاث ساعات عن العملية الإبداعية. وثالثا، إن الأفكار ليست بتلك الأهمية. حقا أنها ليست كذلك. الجميع لديهم فكرة لكتاب، فيلم، قصة، مسلسل تلفزيوني.
كل كاتب نشر اعماله كان يملك الفكرة، الناس الذين يأتون إليك ليخبروك ان لديهم فكرة. ويا إلهي هل من المستبعد والغريب انهم يريدون ان يشركوك بها ، في الغالب سيكون الاقتراح بهذا الشكل، سيخبروك بالفكرة “الجزء الصعب”، وانت ستأخذها وتحولها إلى رواية “الجزء السهل من العملية”، وبالطبع في النهاية بإمكانكم ان تتقاسموا المال مناصفة بينكم.
أنا متفهم ومتسامح بدرجة معقولة مع هؤلاء الناس. وأنا أقول لهم، حقيقة، أن لدي عدد كبير جدا من الأفكار ، و القليل جدا من الوقت. وبعدها أتمنى لهم حظا سعيدا.
الأفكار ليست هي الشيء الصعب. انها عنصر صغير من الكل. إن الأصعب من ذلك هو صنع أشخاص معقوليين يمكنهم القيام بالقليل أو الكثير مما يقال لهم. والأصعب على الإطلاق هو عملية الجلوس ببساطة ووضع كلمة واحدة تلو الأخرى لتشييد ماتحاول إنشاءه: ان تجعله مثيرا للاهتمام، تجعله جديد من نوعه.
ولكن لا زال السؤال الذي يريد الناس معرفة إجابته. في حالتي، يريدون ايضا أن يعرفوا إن كنت أحصل على الافكار من أحلامي. الجواب: لا. منطق الحلم ليس منطق القصة، اكتب حلما، وسترى ما أعنيه، بل حتى أفضل من ذلك، أخبر أحدا بأحلامك؛ “حسنا، كنت في هذا البيت الذي كان أيضا مدرستي القديمة، وهناك كانت هذه الممرضة التي كانت كذلك ساحرة عجوز، والتي ذهبت بعيدا ولكن كان هناك ورقة شجر ولا أستطيع النظر إليها والتي أعلم أنه إذا لمستها سيحدث شيء مروع …”، كنت أشاهد أعينهم تلتمع وهم يستمعون إلي، وأنا لا أعطي أجوبة صريحة .. حتى وقت قريب.
ابنتي (هولي)، ذات السبع سنوات، طلبت مني ان أحضر لمدرستها لكي ألقي خطابا، كان المعلم متحمسا، “أصبح الأطفال يؤلفون كتبهم الخاصه مؤخرا، لذا إن حضورك سيكون شيقا كونك كاتبا محترفا.  ومن الممكن ايضا ان تخبرهم ببعض القصص، إنهم يحبون القصص”، فجئت .
جلسوا على الأرض، وكان لي كرسي، حدق بوجهي خمسين زوجا من الأعين لأطفال في السابعة من العمر. “عندما كنت في سنكم، قال لي الكبار أني لا أصنع شيئا، والآن، إنهم يعطوني المال من أجل ذلك”. تحدثت لمدة عشرين دقيقة، ثم بدأوا يطرحوا علي الأسئلة.
وأخيرا سألني أحدهم: “من أين تحصل على أفكارك؟”. وأدركت أنني أدين لهم بإجابة. لم يكونوا بالعمر الذي يمكنهم من معرفة أكثر مما يعرفوه. وإنه سؤال معقول تماما، إن لم يكن يُطلب مني اسبوعيا.
هذا هو ما قلته لهم:
يمكنك الحصول على أفكار من أحلام اليقظة. و من الشعور بالملل. يمكنك الحصول على الأفكار في كل وقت. والفرق الوحيد بين الكتاب وغيرهم من الناس هو أننا نلاحظ انفسنا عندما نجد فكرة. تحصل على الافكار عندما تسأل نفسك أسئلة بسيطة. من أهم الأسئلة هو سؤال: ماذا لو ..؟ “ماذا لو استيقظت بأجنحة؟ ماذا لو تحولت أختك إلى فأرة؟ ماذا لو اكتشفت ان المدرس ينوي ان يأكل احدا منكم في نهاية الفصل الدراسي؟ لكنك لا تعرف من”.
سؤال مهم آخر هو، فقط إذا ..! “فقط إذا كانت الحياة الحقيقية مشابهة  لمسرحيات هوليوود الموسيقية. فقط إذا كنت استطيع تقليص نفسي لأصبح بحجم زر صغير. فقط  إذا كان هنالك  شبح يقوم بأداء واجباتي المنزلية”.
وبعد ذلك هناك أيضا: أتساءل !!
“أتساءل عما تفعله عندما تكون وحدها …” وسؤال لو استمر هذا الوضع سوف..! وأليس من المثير للاهتمام إذا ..! “أليس من المثير للاهتمام إذا اصبح العالم محكوما من قبل القطط؟”
هذه الأسئلة وشبيهاتها، هي بدورها، تشكل المزيد من الاسئلة، “حسنا، إذا كانت القطط تحكم العالم سابقا، لماذا تغير الوضع؟ وكيف تشعر القططة  حيال ذلك؟”، إن الاسئلة هي احد مصادر الافكار!!
الفكرة ليس عليها ان تكون عقدة، الفكرة هي مكان لكي تبدأ الكتابه منه. أما العقد فهي تنشئ بنفسها عندما يقوم الشخص بطرح الاسئلة عن الفكرة التي بدأ بها.
وأحيانا الفكرة تكون شخص، “كان هنالك صبي يريد أن يعرف عن السحر”. في بعض الأحيان تكون مكان “منذ زمن بعيد كان هنالك قلعة، وكانت هي المكان الوحيد هناك …”. في بعض الأحيان انها صورة “امرأة، تجلس في غرفة مظلمة مليئة الوجوه الفارغة”.
وغالبا ما تأتي الأفكار عندما نجمع  أمرين لم يجتمعوا من قبل. “إذا تعرض إنسان للعض من قبل مستذئب سيتحول إلى ذئب، ولكن ماذا سيحدث إذا تعرضت سمكة إلى العض من قبل مستذئب؟ وماذا سيحدث إذا تعرض كرسي للعض من قبل مستذئب؟”.

إن كتابة الروايات هي عملية تخيل؛ أيا كان ما تكتبه، وأيا كان نوعه، مهمتك هي أن تجعله مقنع ومثير للاهتمام وجديد.
وعندما تمتلك الفكرة – الذي هو، بعد كل شيء، شيء لتتمسك به عندما تبدأ – ستفكر بماذا بعد؟
حسنا، بعد ذلك ستكتب. تضع كلمة واحدة تلو الأخرى حتى تنتهي من القصة – هذا هو كل مافي الأمر.
أحيانا لن تنجح الفكرة، أو على الأقل ليس كما تصورت في البداية. في بعض الأحيان لن تعمل على الإطلاق. و في أحيان أخرى عليك التخلص منها تماما و البدء من جديد.
أتذكر قبل بضعة سنوات، عندما خطرت لي “قصة ساندمان”. كان الأمر يبدو كما أن للأمر علاقة بالشيطانة التي تعطى الكتاب والفنانين والشعراء الأفكار في مقابل جزء من اعمارهم. لقد أسميتها الجنس والبنفسج.
وبدت قصة واضحة المعالم، و لكن فقط عندما بدأت في الكتابة، اكتشفت أنها كانت كمحاولة يائسة لربط الرمل الناعم؛ في كل مرة كنت أعتقد أنني تمكنت من ذلك، اجد ان القصة تقطر من خلال أصابعي وتتلاشى.
لقد كتبت في ذلك الوقت: “لقد بدأت هذه القصة مرتين، وبلغت نصف الطريق في كل مرة، فقط لمشاهدته يموت على الشاشة”.

“ساندمان”، وهو كوميك  مرعب. بدا لي كما لو أن لاشيء كتبته قبع في داخلي مثل هذه القصة، وأنا الآن على وشك التخلي عنها، مع الموعد النهائي للكتابة الذي اصبح شيئا من الماضي. وربما أشعر بذلك لأن هذه القصة قريبة جدا من قلبي. إنها أفكار – والقدرة على وضعها على الورق، وتحويلها إلى قصص – هذا هو الذي يجعلني كاتبا. وهذا هو الذي يجعلني غير مجبر على الاستيقاظ في وقت مبكر من الصباح والجلوس على متن قطار مع أشخاص لا أعرفهم والذهاب إلى عمل أزدريه.
إن فكرتي عن الجحيم هو ورقة بيضاء. أو شاشة فارغة. وأنا، أحدق في ذلك، غير قادر على التفكير في شيء واحد يستحق الكتابة
؛ حرف واحد يمكن للناس ان يؤمنوا به ، قصة واحدة لم تحكى من قبل.
نعم أتخيل اني أحدق في ورقة بيضاء .. إلى الأبد!

لقد كتبت في طريقي للخروج من الجحيم، ومع ذلك أصبحت يائسا، وهذه إجابة اخرى أستخدمها مع مسألة: “من اين تحصل على افكارك”. “من اليأس”. “اليأس والملل”، و”المواعيد النهائية”. جميع هذه الإجابات صحيحة إلى حد ما. عندما تحيط بي هذه االاشياء وتأخذ رعبي الشخصي والفكرة الأساسية لتصنع قصة تدعى الملحمة، وهو ما يفسر، إلى حد ما، المكان الذي يحصل منه الكتاب على أفكارهم منه. انها من  كتاب بعنوان “أرض الأحلام”. يمكنك قراءته إذا أردت. وفي مكان ما في كتابة هذه القصة، توقفت عن خشية إفلات الافكار مني
من أين أحصل على افكاري؟

أنا اخترعها …

من رأسي!

 


[المصدر]