خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الكتابة

الدليل إلى عالم الكتابة والأدب أخذاً وعطاءً، قراءةً وإنتاجاً.

لقاء باريس ريفيو مع كورت فونيجت، بعنوان “فن الخيال”

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

أجرى المقابلة كلا من: (ديفيد هايمان)، (ديفيد ميكايليس)، (جورج بيمبتون)، و(ريتشارد رودس).

نُشرت هذه المقابلة في مجلة (باريس ريفيو)، العدد 69، في ربيع عام 1977م. 

هذه المقابلة مع (كورت فونيجت) هي في الأصل تجميع لأربع مقابلات أجريت مع المؤلف على مدى العشر السنوات الماضية. تجميع هذه المقابلات مرت على نطاق عمل واسع ومكثف قام بها المؤلف نفسه، والذي ينظر إلى حديثه بقلق بالغ. يمكن اعتبار ما سيأتي مقابلة أجراها مع نفسه.

مقدمة أول مقابلة، والتي أجريت في ويست بارنستابل، ماساتشوستس، عندما كان (فونيجت) في الرابعة والأربعين، تضمنت على ما يلي: 

رجل عائلي من المحاربين القدامى، محنك ذو عظام عريضة ومفاصل ضعيفة، جلس على الكرسي مرتديا سترة شعثاء بنسيج صوفي خشن، وبدلة كامبريدج رمادية وقميص بروكس بروذر ازرق منسدل للأسفل واضعاً يداه في جيبه. يعصف المقابلة بالسعال والعطاس، الناتج من نزلة برد الخريف والتدخين طوال حياته. صوته غرب أوسطي جهور رنان مع نبرات صوتية ساخرة.

من وقت لآخر يقوم بتوشح الابتسامة الواعية للرجل الذي رأى واحتوى بداخله كل شيء تقريبا: الاكتئاب، الحرب، احتمالية أن يموت بعنف، تفاهة شركة العلاقات العامة، 6 أطفال، دخل غير منتظم، وتقدير متأخر.

آخر هذه المقابلات أجريت خلال صيف 1976 بعد سنوات من أول مقابلة. تم وصفه في ذلك الوقت “… يتحرك بوداعة ككلب العائلة العجوز”

بشكل عام كان مظهره أشعث؛ شعر طويل مجعد،و شارب، وابتسامة مملؤة بالعاطفة، توحي بأنه رجل يحزنه ويسعده ما يجري من حوله، استأجر منزل جيرالد ميرفي لفصل الصيف كان يعمل في غرفة نوم صغيرة في نهاية الممر حيث مورفين (الفنان والمفعم بالحيوية وصديق الفن المتوفي في عام 1964). يمكن لـ(فونيجت) أن ينظر إلى الحديقة الأمامية من خلال نافذة صغيرة من مكتبه؛ ويوجد خلفه سرير أبيض ذو ستائرمنسدلة. وبجوار الآلة الكاتبة التي فوق المكتب نسخ من مقابلة (آندي وارهول)، ورواية (Zone of the Interior) لـ(كلانسي سيغال) والعديد من علب السجائر الفارغة.

يدخن (فونيجت) باستمرار سيجارة من نوع بول مولز منذ 1936م، وأثناء المقابلة يدخن سيجارة من أفضل مالديه من السجائر، صوته منخفض و أجش، وحينما يتحدث، فإن اشعال السجائر وزفير الدخان يتكرران كأنه علامات الترقيم لحديثه. وهناك بعض الامور التي تقاطعه، مثل رنين الهاتف ونباح كلب صغير أشعث اسمه (Pumpkin)، لكنها لم تؤثر على تصرفات (فونيجت) اللطيفة. في الواقع، قال (دان ويكفيلد) ذات مرة عن زملائه من خريجي مدرسة شورتريدج الثانوية، “كان يضحك كثيراً وكان طيبًا مع الجميع”.


أنت جندي سابق في الحرب العالمية الثانية؟

نعم فعلاً. أريد جنازة عسكرية عندما أموت؛ عازفي موسيقى، علم على النعش، فرقة إطلاق النار، و أرض مجوفة.

لماذا؟

لأنها الطريقة الوحيدة التي من خلالها يمكن أن أحقق ما أردته، أكثر من أي شي آخر؛ شيء لم يكن بإمكاني الحصول عليه إلا إذا قتلت أثناء الحرب.

ماهو؟

أن أحظى باستحسان كافة أفراد المجتمع.

ألا تشعر بأنك تحظى به الان؟

يقول أقربائي أنهم سعداء أنني غني، لكنهم ببساطة لا يستطيعون فهمي.

هل كنت من ضمن فرقة المشاة في الحرب؟

نعم، لكني تلقيت تدريباً على مدافع الهاوتزر 240 ملم.

إنه سلاح كبير نوعاً ما.

كان أكبر مدفع متنقل موجود لدى الجيش في ذلك الوقت، حيث يتكون هذا السلاح من ست قطع، تم سحب كل قطعة بواسطة جرارات Caterpillar.  كلما طلب منا أن نطلقه كان يجب علينا تركيبه أولاً. كان علينا أن نكون مبتكرين في ذلك، فنضع كل قطعة فوق الأخرى باستخدام الرافعات، فإن القذيفة نفسها كانت بقطر تسعة ونصف بوصة وتزن ثلاثمائة رطل. لقد بنينا خط سكة حديد صغير يسمح لنا بتوصيل القذيفة من الأرض إلى الجزء الخلفي من المدفع، الذي كان على ارتفاع حوالي ثمانية أقدام من على سطح الأرض. او كما يقولون، إن إغلاق الجزء الخلفي من السلاح كان أشبه بإغلاق باب جمعية القروض والإدخار في البيرو.

لابد أن هناك تأهب عند إطلاق مثل هذا السلاح

ليس تمامًا، نضع القذيفة في المدفع، ثم نضع داخل الفوهة أكياس متفجرة بطيئة للغاية. كانت الأكياس عبارة عن بسكويت رطب خاص بالكلاب على ما أعتقد. ثم نغلق فوهة المدفع، و نطلق المطرقة لتهوي وتصطدم بالغطاء المصنوع من فلمينات الزئبق، والذي بدوره يقذف شعلة من النار على بسكويت الكلاب الرطب. الفكرة الرئيسية، على ما أعتقد، كانت توليد البخار فبعد فترة، كنا نسمع أصوات طهي، أصوات تشبه الى حد كبير أصوات طهي ديك رومي. حتى يمكننا فتح غطاء فوهة المدفع من وقت لآخر بسلامة تامة، لتبريد ظرف القذيفة. في نهاية المطاف، مدافع الهاوتزر دائماً ماتهيج بعد الطلقة و تعود في النهاية بتناغم لآلية الارتداد الخاصة بها على أية حال، ويتعين عليها أن تقذف ظرف القذيفة. ثم يخرج ظرف القذيفة عائماً مثل منطاد Goodyear لو كان لدينا سلالم، لكان بإمكاننا رسم “Fuck Hitler” “على القذيفة أثناء انفصاله عن البندقية. والمروحيات كان من الممكن أن تقلد ذلك وتطلق القذائف ايضا….

هي أقوى الأسلحة الإرهابية

من الحرب الفرنسية البروسية.

ولكن في نهاية المطاف تم إرسالك إلى الخارج، لكن ليس باستخدام هذه الأداة ولكن مع فرقة المشاة 106.

“الغداء في كيس” اعتادوا على توزيع الغداء علينا في أكياس، ساندوتش السلامي و برتقالة.

في المعركة؟

ونحن في الولايات المتحدة 

في الوقت الذي تم تدريبك فيه كجندي مشاة؟

لم أتدرب كجندي مشاة قط. الكتيبة الاستطلاعية كانت من قوات النخبة وتتكون كل كتيبة من 6 أفراد، ولم يكن هناك أي شخص متأكد مما يجب علينا فعله، لذلك كنا نسير إلى غرفة الاستجمام كل صباح، ونلعب بينغ بونغ ونملأ طلبات التقديم لمدرسة تدريب الضباط.

أثناء التدريبات الأساسية لابد أنه كان لديك خلفية عن أسلحة أخرى غير مدافع الهاوتزر.

إذا تعلمت استخدام مدافع هاوتزر التي يبلغ طولها 240 ملمتر، فلن يكون لديك الوقت الكافي حتى لمشاهدة فيلم الأمراض التناسلية.

ماذا حدث عندما وصلت الى الجبهة؟

قلدت جميع أفلام الحرب التي شاهدتها.

هل صوبت نحو أي شخص في الحرب؟

لقد فكرت في ذلك وقمت بتثبيت الحربة مرة استعدادا للتصويب.

هل صوبت؟

لا. لو قام أي شخص آخر بالتصويب لصوبت أيضًا، لكننا لم نرى أحد فقررنا ألا نطلق.

حصل هذا في معركة البلج، أليس كذلك؟ وكانت من أكبر هزائم الأسلحة الأمريكية عبر التاريخ.

على الأرجح. ففي آخر مهمة استطلاعية قمت بها كان علي العثورعلى المدفعيات الخاصة بنا، رغم أن مهمة فرقة الكشافة غالبًا هي البحث عن أسلحة العدو، لكن الأمور كانت سيئة للغاية لدرجة أننا كنا نبحث عن أداوتنا الخاصة. حتى أن الجميع ظن أنه من الرائع إذا استطعت العثور على قائد كتيبتنا.

هل تمانع أن تصف كيف أعتقلك الألمان؟

بكل سرور. كنا بداخل أخدود عميق مثل خنادق الحرب العالمية الأولى، وقد نفذ منا الطعام وتجمع الثلوج من حولنا وقال أحدنا أننا قد نكون في لوكسمبورغ.

من المقصود بـ”كنا”؟

6 افراد من كتيبة الكشافة وحوالي خمسون شخصًا لم نلتق بهم من قبل كما أنه بإمكان الألمان رؤيتنا، فقد تحدثوا إلينا عبر مكبرات الصوت و قالوا إن وضعنا ميؤس منه، وحديث من هذا القبيل. حدث هذا عندما قمنا بتثبيت الحراب، بدا وضعًا خاطئًا لبضع دقائق.

كيف ذلك؟

ستصبح كالنيص محاطاً بهذه الأشواك الحادة في الحقيقة أشفق على أي شخص عليه أن يأتي بعدنا.

لكنهم جاءوا على أي حال ؟

لا. بدلاً من ذلك أرسلوا ثمان وثمانين قذيفة. انفجرت بأعلى الأشجار وكانت أصوات الانفجارات عالية جداً فقد أطلقت فوق رؤسنا مباشرة، وأمطرنا بشظايا صلبة أصابت البعض. مرة أخرى أمرنا الألمان أن نخرج قلنا “حسنًا” و“خذوا الأمور ببساطة” وما إلى ذلك لم نصرخ رفضا، أو أي شيء من هذا القبيل. وعندما أظهر الألمان أنفسهم كانوا يرتدون بدلات بيضاء لتمويهنا لكن لم يكن لدينا أي شي مقارب لهذا اللباس كنا نرتدي الزيتوني الفاتح بغض النظر عن أي فصل من السنة لكننا لم نرتدي غيره.

مالذي قاله الألمان؟

قالوا إن الحرب انتهت بالنسبة لنا، ونحن محظوظون، كوننا واثقين الان بأننا سوف نعيش طيلة أمد الحرب ويبدو أنهم كانوا على يقين تام بذلك. ولكن في الواقع، مع تعقد الأمور ربما أنهم قُتلوا أو أسروا من قبل جيش باتون الثالث في غضون الأيام القليلة المقبلة. 

هل تتحدث الألمانية؟

لقد سمعت والديّ يتحدثناه كثير، لكنهم لم يعلموني إياها، حيث كان هناك غضب ضد كل مايتعلق بالألمان في أمريكا خلال الحرب العالمية الأولى. استخدمت بعض الكلمات التي التقطتها من خاطفينا وسألوني اذا ماكنت ألمانيا فأجبت بنعم، وأرادوا أن يعرفوا لماذا أقف في حرب ضد إخوتي.

وبماذا أجبت؟

وجدت أن السؤال ينم عن جهل وأنه سؤال مضحك بعض الشيء. قام والديَّ بابعادي تماما عن ماضيّ الألماني، إلى درجة أنه لو كان خاطفي بوليفيين او تبتيين لما عرفت الفرق.

بعد أن قبض عليك ،تم ارسالك إلى دريسدن؟ 

العربات التي تم اقتيادنا بها إلى هناك بدت كأنها التي أقلت اليهود والغجر وشهود يهوه وغيرهم إلى معسكرات الإبادة، لكن بالنهاية مازالت عربات نقل. وبالليل هاجمنا البريطانيون عدة مرات بقذائف الموسكيتو، معتقدين أنّنا أحد أنواع الأسلحة الاستراتجية، واستهدفوا حينها سيارة بداخلها معظم ضباط كتيبتنا. وعليّ الاعتراف بأني في كل مرة أقول فيها أنني أكره الضباط، ومازلت أقولها كثيرا، كان علي أن أذكر نفسي أنه لم ينجو أيًا من ضابط من الذين قمت بخدمتهم. كما صادَفنا عيد الميلاد في مكان ما هناك.

وبالنهاية وصلت إلى دريسدن.

أولًا، كنا في سجن جنود ضخم في جنوب دريسدن، وحينها تم فصل الجنود عن ضباط الصف والضباط. بموجب مادة في اتفاقية جنيف، وهي وثيقة إدواردية تقر على أنه يتعين على الجنود العمل بها، كي يحافظوا عليها كان على الجميع أن يقبع في السجن ولأني من الجنود تم إرسالي إلى دريسدن.

ماهو انطباعك عن المدينة قبل القصف؟

أجمل مدينة شاهدتها على الإطلاق. مدينة مليئة بالتماثيل وحدائق الحيوان مثل باريس. كنا نقيم في مسلخ، داخل حظيرة خنازير اسمنتية رديئة وغير مستخدمة. وضعوا لنا أسرة ذو طوابق مفروشة بالقش بداخل الحظيرة، وكنا نذهب كل صباح للعمل في مصنع لشراب الشعير، وهو شراب مخصص للنساء الحوامل. انطلقت حينها صفارات الإنذار اللعينة وكنا قد سمعنا أن هناك مدينة أخرى تشهد نفس الشيء. لكننا لم نتوقع حصول ذلك فعدد ملاجئ الغارات الجوية في المدينة قليل جدًا، و لا توجد مصانع حربية، فقط مصانع السجائر والمستشفيات ومصانع الكلارينيت. و في 13 فبراير 1945 انطلقت صفارات الإنذار ونزلنا حينها طابقين تحت السطح حيث يوجد خزانة لحم كبيرة، الجو كان باردا هناك، والجثث معلقة في كل مكان. وعندما  صعدنا كانت المدينة قد اختفت.

ألم تختنقوا بداخل خزان اللحوم؟

لا، لقد كانت واسعة جدًا، ولم يكن عددنا كبير. والهجوم أيضا لم يبدو كجحيم ففي البداية أسقطوا المتفجرات ليزلولوا كل شيء ثم نشروا المواد الحارقة، وما ان سقطت على درسدن حتى أصبحت عبارة عن حطام؛ اللعنة أحرقوا المدينة بأكملها!

مالذي حصل حينما صعدت للأعلى؟

كان حراسنا من ضباط صف – رقيب، عريف وأربعة جنود؛ بلا قائد ولا مدينة فقد كانوا من مدينة درسدن يقاتلون على جبهتها وأرسلوا إلى أوطانهم من أجل المهمات السهلة. أبقونا تحت الملاحظة لبضع ساعات ولم يكن لديهم علم عمّا يجب عليهم فعله. ذهبوا وتحدثوا مع بعضهم البعض، وأخيرًا، قمنا بشق الطريق عبر الأنقاض وقاموا بإيوائنا في إحدى الضواحي مع بعض الأشخاص من جنوب إفريقيا.

وكتدبير صحي؛ كنا في كل يوم نتجول فيه في المدينة نقوم بحفر الطوابق السفلية والملاجئ لإخراج الجثث. عندما دخلنا لاحدى الملاجئ بدا أنه ملجأ نموذجي وقبو عادي كما هو بالمعتاد، لكن الأمر أشبه بعربة نقل ممتلئة بالأشخاص الذين أصيبوا بسكتة قلبية في آنِ واحد. مجموعة من الأشخاص يجلسون على مقاعدهم وجميعهم فارقوا الحياة. يالها من عاصفة نارية مدهشة، فالقصف لا يأتي بشكل طبيعي بل يتغذى من الأعاصير التي تحدث في وسطه ولا يوجد أي شيء يمكن للشخص استنشاقه.

أخرجنا الجثث الى الخارج، حملناهم في عربات ونقلوا إلى الحدائق، وهي مناطق كبيرة مفتوحة في المدينة لم تكن مليئة بالأنقاض. تم حرق الجثث لمنع انتشار الأمراض والروائح النتنة، و جرت عدة جنائز في المانيا لحرق الجثث. وتم إخفاء مائة وثلاثين ألف جثة تحت الأرض و كانت عملية اخفائهم مروعة.

ذهبنا للعمل ونحن محاطين بجنود ألمان حتى لا يتمكن المدنيون من رؤية مانحن بصدد فعله. فبعد عدة أيام بدأت تنبعث روائح من المدينة وتم افتعال أسلوب جديد، فالحاجة أم الاختراع. كنا نقتحم الملاجئ ونقوم بتجميع الأدوات الثمينة من حضن الأشخاص بدون تحديد هويتهم وتسليمها للحراس. ثم يأتي الجنود ومعهم قذائف اللهب ويقفون أمام الباب ويحرقون الناس بالداخل. وكانت السياسة المتبعة وقتها “اجلب الذهب والمجوهرات ثم احرق جميع من بالداخل”.

يا له من انطباع من شخص يفكر في أن يصبح كاتباً!

كان شيء مروع شي من ضرب الخيال ان أرى كل هذا. كانت لحظة لانكشاف الحقيقة أيضًا، لأن المدنيين الأمريكيين والقوات البرية لم يكن لديهم علم أن القاذفات الأمريكية كانت متورطة كذلك في هذا القصف. لقد ظل سرًا حتى وقت قريب جدًا من نهاية الحرب وكان أحد أسباب إحراقهم درسدن هو أنهم قد أحرقوا بالفعل كل شيء آخر. تعلمون “مالذي سنفعله الليلة؟” وهنا كان الجميع يستعد وألمانيا مازالت تقاتل وهذه كانت الألية المستخدمة لإحراق المدن. كانت آلية سرية لحرق المدن و جعلها تغلي واشعال النار بالعربات. وكان هناك هراء يقال حول جهاز تصويب القنابل في نوردن. ستشاهد في الأخبار مفجر يقف بقرب من أحد النواب حاملا مسدس من نوع دراون 45. هذا هو نوع من الهراء والجحيم الذي كانوا يقومون به. مئات الطائرات تحلق فوق المدن ويسقطون كل شيء عليها.

عندما ذهبت إلى جامعة شيكاغو بعد الحرب ، قام الرجل الذي استجوبني للاعتراف بقصف درسدن. عندما وصل إلى ذلك الجزء من قصة حياتي وقال: “حسنًا، لقد كرهنا أن نفعل ذلك”. لقد علقت هذه الملاحظة في ذهني.

أو رد آخر من ممكن أن يكون “لقد أمرنا بذلك”

كان رده أكثر إنسانية. أظنه شعر أن القصف أمر لابد منه وربما كان كذلك. الشيء الوحيد الذي تعلمه الجميع مدى سرعة إعادة بناء المدينة، قال المهندسون أن إعادة بناء ألمانيا سيستغرق 500 عام لكن في الواقع استغرق الأمر 18 أسبوع.

كونك مررت بهذه التجرية هل تنوي الكتابة عنها؟

عندما تم هدم المدينة لم يكن لدي أي فكرة عن حجم ما حدث. سواءً مالذي يبدو عليه بريمن هامبورغ أو كوفنتري، الأخيرة لم أزرها قط لذلك لم يكن لدي أي تصور سوى الذي شاهدته في التلفاز. عندما عدت إلى الوطن، كنت كاتباً في صحيفة (كورنيل صن)، إلا أنه كان هناك مساحة لكتاباتي ففكرت أن أكتب قصتي عن الحرب. فجميع أصدقائي عادوا إلى مدنهم ولديهم مغامرات رائعة. ذهبت إلى مكتب الصحيفة (Indianapolis News) وقمت بالبحث عما لديهم عن دريسدن. وجدت قطعة بطول نصف بوصة مكتوب عليها عبرت طائراتنا فوق مدينة دريسدن وفقدنا اثنتين منها. استنتجت أن هذه هي أدق التفاصيل التي تم ذكرها عن الحرب العالمية الثانية وكان لدى الأخرين الكثير ليكتبوا. أتذكر و أغبط (آندي روني) الذي هرول سريعًا إلى المطبعة في ذلك الوقت، لم أكن أعرفه ولكن أظن أنه أول شخص قام بنشر قصته عن الحرب بعد انتهاءها تحت مسمى (Air Gunner). 

يا إلهي لم أحظى بمغامرة كلاسيكية كهذه. لكن في كثير من الأحيان أقابل أوروبيًا ونتكلم عن الحرب وعندما أخبره أنني كنت في درسدن تظهر ملامح الدهشة على وجهه ويتحمس لمعرفة المزيد. بعد ذلك، تم نشر كتاب للكاتب (ديفيد إيرفينغ) عن درسدن، يقول فيه أنها كانت أكبر مذبحة في التاريخ الأوروبي. قلت، أقسم بذلك، لقد عاصرت كل شيء! و سأحاول كتابة قصتي الحربية، سواءً كانت ممتعة أم لا، وأحاول أن أقدم شيء ما. بدأت بوصف العملية، بشكل بسيط في مقدمة رواية (المسلخ رقم 5) ورأيت أن يكون أبطالها (فرانك سيناترا) و(جون واين)، لكن بنهاية الأمر قالت فتاة تدعى (ماري أوهير)، زوجة صديقي وكانت متواجدة معي آنذاك: “لقد كنتم مجرد أطفال. ليس من العدل التظاهر بأنكم كنتم رجال مثل (واين) و(سيناترا)، وليس من العدل للأجيال المقبلة كذلك أن تظهر الحرب بصورة جيدة”. لقد كان ذلك استنتاج مهم للغاية بالنسبة لي.

هذه الفكرة قامت بتحويل كامل اهتمامك.

لقد جعلتني أكتب بحرية لكوننا أطفالا حينها: السابعة عشر، الثامنة عشر، التاسعة عشر، العشرون، الحادي والعشرون. كانت وجوهنا طفولية وكسجين لا أذكر أنني حلقت كثيراً وبالحقيقة لم تكن مشكلة.

سؤال آخر عن الحرب: أمازلت تفكر في القنابل الحارقة التي ألقيت على دريسدن؟

كتبت عنه في كتابي (المسلخ رقم 5) الكتاب لايزال في المطبعة. وكوني رجل أعمال، عليّ بين الحين والآخر، أن أفعل شيئًا حيال هذا الأمر. طلب مني (مارسيل أوفلس) أن اشارك في فلمه (ذاكرة العدالة)؛ أن أتحدث عن درسدن باعتباره عملاً وحشيًا. بدلًا من ذلك أخبرته أن يتحدث مع صديقي (برنارد ف. أوهير)، زوج (ماري)، وهذا ما فعله. كان (أوهير) من زملائي في فرقة الكشافة، ثم زميلي أيضا كأسير حرب. و الآن هو محام في ولاية بنسلفانيا .

لماذا لا ترغب بإدلاء شهاتك؟

أحمل اسمًا ألمانيًا. ليس لدي رغبة بأن أدخل في جدال مع أناس يرون أن دريسدن تستحق ماحدث لها. كل ماذكرته في كتابي أن دريسدن تعرضت لقصف حد الجحيم سواءً قبِلنا بذلك أو لا.

كانت أكبر مذبحة في التاريخ الأوروبي، أليس كذلك؟

كانت أسرع عملية قتل لهذا الكم الهائل من الأشخاص؛ حيث قتل 135 ألف في غضون ساعات. بالطبع كانت هناك خطط للقتل بشكل أبطأ.

تعني معسكرات الإبادة.

نعم، لقد قتل الملايين في نهاية المطاف. لكن يرى الكثيرين أن مذبحة دريسدن باعتبار أنها صحيحة، إلا انها كانت محدودة للغاية مقارنة بما قامت به المعسكرات. وكما قلت أنني لا أختلف أبدًا في هذه النقطة، فقد لاحظت مرارًا أن عقوبة الإعدام كانت مطبقة على أي شخص يتواجد في المدن التي تفتقر إلى وسائل دفاعية؛ أطفال، كبار السن، حدائق الحيوانات، والآلاف المؤلفة من النازيين المتطرفين، وبالطبع من ضمنهم أنا وصديقي المقرب (برنارد ف. أوهير). كنا يجب أن نكون ممن تم تصفيتهم جسديًا. فكلما زادت الجثث صح الانتقام.

نشرت مكتبة فرانكلين على ما أعتقد، نسخة ممتازة من كتاب (المسلخ رقم 5).

نعم فقد طلبوا مني كتابة مقدمة جديدة للكتاب.

هل لديك أي أفكار جديدة؟

لقد قلت أن هناك شخص واحد استفاد من هذه الغارة التي كلفت ملايين الدولارات. فالغارة لم تقصر أمد الحرب حتى لنصف ثانية، ولم تضعف الدفاع أو الهجوم الألماني قط، ولم تحرر شخصًا واحدًا من معسكر الإبادة. فقط شخص واحد هو المستفيد ليس اثنان أو خمس او عشرة فقط واحد. 

ومن هو ذلك الشخص؟

أنا. لقد حصلت على 3 دولارات عن كل شخص قتل. هل لك أن تتخيل ذلك؟

ما مدى التقارب الذي تشعر به بينك وبين أقرانك؟

أتقصد إخواني وأخواتي الكتاب؟ هي ودية بالطبع ولكن من الصعب أن أتحدث إليهم لكوننا نحمل اهتمامات مختلفة، هذه معضلة لي لفترة من الزمن لكن بعد ذلك صادقت (شاول شتاينبرغ).

الفنان الجرافيكي؟

بالطبع. قال “أن في جميع الفنون تقريبًا، هناك أشخاص لديهم تأثير واسع في تاريخ الفن، عن طريق نجاحاتهم وإخفاقاتهم وتجاربهم السابقة، وآخرين ممن لم تسنح لهم الفرص لكل هذا”. أضم نفسي مع المجموعة الثانية، فلم أتمكن من ممارسة الأنشطة مع أسلافي الأدباء. لأنني لم أتعلمها بشكل جيد. درست الكيمياء في جامعة كورنيل ثم الأنثروبولوجيا في جامعة شيكاغو. كنت بعمر 35 قبل ان أصبح مهووساً بـ(بليك). وبالاربعين  قبل أن أقرأ عن (مدام بوفاري) وسمعت عن (سيلين) بالخامسة والاربعين. وكنت محظوظا حينما قرأت (Look Homeward, Angel) بالوقت المناسب.

متى؟

في الثامنة عشرة.

لابد أنك كنت تقرأ باستمرار؟

نعم فعلًا. لقد نشأت في منزل مكتظ بالكتب. لكنني لم أضطر أبدًا إلى قراءة كتاب لزيادة محصولي الأكاديمي ،ولا لكتابة مقالة حول موضوع معين، ولم أضطر يومًا لإثبات أنني فهمته ضمن أي مؤتمر. لست بارعًا في مناقشة الكتب وخبرتي في هذا الأمر معدومة.

أي فرد من أفراد عائلتك كان له التأثير الأكبر عليك ككاتب؟

أعتقد أمي، (إديث ليبر فونيجوت). بعد أن خسرت عائلتنا جميع الأموال تقريبًا في فترة الكساد الكبير. اعتقدت والدتي أنه يمكنها أن تجني ثروة جديدة عن طريق الكتابة في المجلات اللامعة، أخذت دورة في كتابة القصص القصيرة بالليل، وقامت بدراسة المجلات كدراسة المقامرين لأوراق اللعب. 

لقد كانت غنية ذات مرة؟

والدي، مهندس معماري بسيط، تزوج واحدة من أغنى الفتيات في المدينة. وكانت هناك ثروة على وشك النهوض مرتكزة على Lieber Lager Beer وبعد ذلك Gold Medal Beer. Lieber Lager Beer أصبحت Gold Medal Beer بعد أن فازت بجائزة في احد معارض باريس.

لابد أنها بيرة جيدة جدا.

لم أتذوقها أبدًا. كان قبيل زماني بوقت طويل. ولكن على حد علمي كانوا يضعون فيه مكون سري لم يسمح أيًا من جدي وخبير الخمور لأي شخص من مشاهدة ما كانوا يضعونه.

هل تعلم ماهو؟

القهوة.

درست والدتك كتابة القصص القصيرة؟

ووالدي يقوم برسم اللوحات في الاستديو الذي أنشأه في الطابق العلوي من المنزل. لم يكن هناك الكثير من العمل للمهندسين المعمارين خلال فترة الكساد الكبير. في الحقيقة لم يتوفرعمل لأي شخص. ومن الغريب رغم ذلك أن أمي كانت على حق؛ فحتى الكتاب في المجلات العادية كانو يجنون كميات وفيرة من المال.

لذا اتخذت والدتك موقفًا فعليًا تجاه الكتابة.

ليس بشكل تام. بالمناسبة كانت امرأة ذكية مثقفة. التحقت بنفس المدرسة الثانوية التي كنت فيها وكانت من القلائل الذين لم يحصلوا سوى على العلامة الكاملة حينما درست هناك. اتجهت بعد ذلك شرقا لاكمال دراستها ثم جالت أوروبا. كانت تتحدث الألمانية والفرنسية بطلاقة، ومازلت أحتفظ بتقاريرها الدراسية في مكان ما “علامة كاملة، علامة كاملة، علامة كاملة”. كانت كاتبة جيدة لكن تبين أنها لم تكن تملك موهبة في الابتذال التي تتطلبها المجلات اللامعة، ومن حسن الحظ أني ولدت محملا بهذه الموهبة، فحينما كبرت تمكنت من تحقيق حلمها كتبت لـ(Saturday Evening Post) ،(Cosmopolitan) وغيرها من المجلات، كان أمرا سهلا بالنسبة لي أسهل من السقوط من على لوح خشبي. تمنيت فقط انها مازالت حية حتى ترى ماكتبت و لكي ترى أحفادها أيضا فقد اصبح لديها عشرة أحفاد، لكن لم تتمكن من رؤية أي أحد منهم. لقد حققت حلمًا اخرًا لها: عشت في كيب كود لسنوات عديدة. كانت دائما ما تريد أن تعيش في كيب كود. من الشائع جدًا أن يحاول الأبناء تحقيق أحلام أمهاتهم المستحيلة. لقد تبنيت أبناء أختي بعد وفاتها، ومن المخيف رؤيتهم وهم يحاولون تحقيق أحلامها المستحيلة.

ماهو حلم شقيقتك؟

أرادت أن تعيش كأنها عضو في العائلة السوسرية روبنسون مع حيوانات أليفة في بيئة منعزلة جدا. ابنها الأكبر جيم يقوم برعي الأغنام بسفوح جبال جامايكا منذ 8 سنوات. بلا هاتف ولا كهرباء.

ارتدت انت ووالداتك ثانوية Indianapolis 

ووالدي ثانوية Shortridge

كانت لديهم صحيفة يومية، على ما أعتقد.

نعم فعلا. The Shortridge Daily Echo. يوجد هناك محل طباعة في المدرسة. بعد المدرسة كان بعض الطلبة يكتبون المقالات واخرون يعدونها للطباعة.

لقد ضحكت للتو على شيء ما.

موقف تافه تذكرته، حصل في الثانوية لا علاقة له بالكتابة.

هل ترغب بأن تشاركه معنا على أية حال؟

أوه! كنت قد تذكرت أمرا حصل في المرحلة الثانوية، في صف التربية المدنية، مادة تتحدث عن كيفية عمل حكوماتنا. طلب منا الأستاذ أن نقف تباعا ونقول مالذي قمنا بعمله بعد المدرسة. كنت أجلس في آخر الفصل، بجوار شخص يدعى (ج. ت. ألبيرغر)، أصبح فيما بعد يعمل كموظف تأمينات في لوس انجلوس، توفي في وقت قريب. على أية حال، كان يشير إلي ويحثني ويتحداني أن أقول الحقيقة. حتى أنه عرض عليا خمسة دولارات لذلك. كان يرغب أن أقف و أقول: “أنا أبني مجسمات الطائرات وأستمني”.

فهمت.

قمت بالعمل أيضا في The Shortridge Daily Echo

هل كان العمل هناك ممتعا؟

ممتع ومريح. وجدت دائما أن الكتابة سهلة. فقد تعلمت أن أكتب لزملائي عوضا عن المعلمين، أغلب الكتاب المبتدئين لم تسنح لهم فرصة الكتابة لأقرانهم، فأنت بذلك تفتح باب الحجيم على نفسك.

إذا بعد الظهيرة دائما ماتذهب إلى مكتب Echo

نعم. وذات مرة بينما كنت أكتب وانا شارد الذهن صادف أن قمت بشم إبطي، وقد شاهدني العديد من الأشخاص وأنا أفعل ذلك ووجدوه أمرًا مضحكا، ومنذ ذلك الحين لقبت بـ“الشمام”.

وفي حفل التخرج السنوي عام 1940, أدرج اسمي كـ(كورت “الشمام” فونيجت، الابن). في الحقيقة لم أكن شمام. فالشمام هو الشخص الذي يحوم حول مقاعد دراجات الفتيات ويستنشقها. ولم اكن افعل ذلك.

“Twerp” أيضا له معنى محدد جدًا ، يعرفه قليل من الناس الآن. نتيجة لقلة تداوله، يعد “Twerp” الآن إهانة عديمة الشكل إلى حد كبير.

ما هو “Twerp” بالمعنى الدقيق للكلمة ، بمعناه الأصلي؟

هو الشخص الذي يقوم بإدخال طقم الأسنان الاصطناعية بين عضلات مؤخرته.

فهمت.

أستسمحك عذرًا بين عضلات مؤخرته أو مؤخرتها. دومًا ما أسيء للنسويات بهذه الطريقة.

لا أفهم لم قد يفعل الشخص شيئا كهذا بأسنانه الاصطناعية.

حتى يقتلعوا الأزرار من مقاعد سيارات الأجرة، هذا ما يثيرهم جنسيًا.

التحقت بجامعة كورنيل بعد جامعة Shortridge؟

أتصور ذلك.

تتصور ذلك؟

كان لي صديق يشرب الكحول بكثرة. وإذا ما سأله أحدهم إذا كان قد شرب في الليلة الماضية، كان يجيب باستمرار وبشكل عابر: “أوه، أتصور ذلك”. لقد أحببت دائما هذه الإجابة. إني أعتبر الحياة كحلم، وكورنل كان حلمًا مزعجًا. جزء منه بسبب الكحول نفسه، والآخر كوني التحقت بمجال لا املك فيها أي موهبة. اتفق أبي وأخي على أنني يجب أن أدرس الكيمياء، كون أخي كان جيدًا في المواد الكيميائية في M.I.T. هو أكبر مني بثماني سنوات. وأكثر مرحًا أيضًا. أهم اكتشافاته الشهيرة هو أن يوديد الفضة يُكوّن في بعض الأحيان المطر أو الثلج.

هل كانت أختك مرحة أيضا؟

أوه. نعم كان لديها طبع قاس غريب فالدعابة التي تمتلكها لم تتناسب مع بقية شخصياتها. كلما سقط أي شخص تراها تضحك بشكل هستيري. وفي إحدى المرات شاهدت امرأة تخرج من الحافلة بشكل أفقي، وضحكت على هذا الأمر لأسابيع .

بشكل أفقي؟

نعم صحيح. يبدو أن حذاء هذه المرأة علق بطريقة ما. على أي حال، فُتح باب الحافلة، وصادف أن أختي كانت تراقب من الرصيف، ثم رأت هذه المرأة تخرج أفقيًا؛ بشكل مستقيم مثل لوح، وجهها للأسفل، وقدماها بعيدتان عن الأرض.

والكوميديا التهريجية؟

بالطبع. أحببنا (لوريل) و(هاردي) هل تعلم ماهي اطرف المواقف التي تحصل في الفيلم؟

لا.

أن يكون لديك شخص يمشي من خلال ما يشبه بركة صغيرة ضحلة، ولكن في الواقع هي بعمق ستة أقدام. أتذكر في الفيلم حينما كان (كاري غرانت) يتجول في المروج الخضراء ليلًا. جاء إلى شجيرة صغيرة، قام بتشذيبها بجمال، الا أنه في الجانب الآخر كان هناك منحدر طوله 25 قدم في الجهة الأخرى. لكن ما أحببته أنا وأختي على وجه الخصوص، هو عندما يغضب شخص على البقية ثم يعصف بغرفة المعاطف، يعود بعدها عاصفًا متشابكًا في العلّاقات والأوشحة.

هل حصلت على شهادة في الكيمياء من جامعة كورنيل؟

رسبت في جميع المواد في منتصف دراستي بالسنة الثالثة. كنت مسرورا لالتحاقي بالجيش والذهاب للحرب. بعد الحرب التحقت بجامعة شيكاغو، سعدتُ بدراستي للانثربولوجيا، وهو علم معظمه من الشعر لا يكاد يوجد فيه أي مادة رياضية. كنت متزوجًا آنذاك، وسرعان ما أنجبت طفلي الأول وهو (مارك). الذي أصيب بالجنون لاحقا ونشر كتاب عظيم عن تلك المرحلة فيما بعد اسمه (The Eden Express)، أنجب للتو طفلا وهو أول حفيد لي، صبي اسمه (زاكاري). ينهي الآن (مارك) سنته الثانية في كلية الطب في جامعة هارفاد، وسيكون الطالب الوحيد من دفعته غير مديون للجامعة عند تخرجه بسبب كتابه. واعتبره تعافٍ جدير بالاحترام بعد هذه النكسة.

هل ساهمت دراستك للانثربولوجيا في تنويع كتاباتك؟

رسخ إلحادي والذي كان معتقد آبائي على كل حال. كان يجري عرض الأديان ودراستها وكأنها من ابتكارات (روب غولدبرغ) مثلما ظننت دائما. لم يسمح لنا باعتبار ثقافة ما متفوقة على أي ثقافة أخرى، وكنا نفتح على أنفسنا أبواب الجحيم في حال ذكرنا للأعراق. كان الوضع مثاليا للغاية.

هل كان أشبه بديانة؟

بالضبط. وهي الديانة الوحيدة، بالنسبة لي، حتى الان.

ماهي أطروحتك العلمية؟

(مهد القطة).

لكنك كتبته بعد أعوام من مغادرتك لشيكاغو، أليس كذلك؟

غادرت شيكاغو وانا لم أكتب رسالتي ولم أحصل على شهادة. جميع الأفكار الذي طرحتها للرسالة رفضت وكنت محبطًا. حصلت على وظيفة موظف علاقات عامة في شركة (جينيرال إلكترونيك) في سكينيكتدي.

بعد 20 عاما تلقيت رسالة من عميد جديد للجامعة والذي كان يبحث في ملفي، أخبرني وفقا لقوانين الجامعة يمكن الاستعاضة عن الأطروحة بنشر عمل عالي الجودة. لذلك كان يحق لي أن أحصل على درجة الماجستير. وقد عرض (مهد القطة) لقسم الانثربولوجيا، وقالوا انه يعتبر عملا انثربولوجياَ بنسبة لا بأس بها. فقاموا بارسال شهادتي عبر البريد الإلكتروني. كنت خريج عام 1972 أو شيء من ذلك.

تهانيا.

ليس شيئًا يستحق الذكر. كان أمرا في غاية السهولة.

بعض الشخصيات في (مهد القطة) كانت لأشخاص تعرفت عليهم في (جينيرال الكتريك)، أليس كذلك؟

الدكتور (فيليكس هونيكر)، أعرف عنه القليل. هو عالم شارد الذهن، كان شخصية كاريكاتورية للدكتور (إيرفينج لانجموير) نجم فريق معمل الأبحاث في (جينيرال الكتريك)، عمل معه شقيقي. كان (لانغموير) شارد الذهن بشكل فضيع. لقد تساءل إحدى المرات بصوت عال: “إذا قامت السلاحف بسحب رأسها للداخل هل عامودها الفقري يلتوي أو يتقلص؟” وقد أضفت هذا في الكتاب. وأضفت عنه أيضا أنه ذات مرة ترك بقشيشا تحت صحنه حينما قامت زوجته بتقديم الفطور له. ومن أهم إسهاماته كانت فكرة اسميتها “ايس-9” هي أحد أشكال المياة المتجمدة في درجة حرارة الغرفة. لم يخبرني عنها مباشرة. لقد كانت خزعبلات حول المختبر، في الوقت الذي جاء فيه (هربرت جورج ويلز) إلى سكينيكتدي. كان ذلك منذة فترة طويلة قبل مجيئي إلى هناك، كنت حينها مجرد طفل أستمع إلى الراديو وأصنع طائرات صغيرة.

حسنا؟

على أية حال، جاء (ويلز) إلى سكنيكتادي، وتم إخبار (لانجمور) بأن يستضيفه. اعتقد (لانجمور) أنه ربما يستطيع أن يسلي (ويلز) بفكرة عن قصة للخيال العلمي؛ حيال نوع من الجليد الذي تجمد ولم يذب في درجة حرارة الغرفة. لم يهتم (ويلز) بالفكرة أو على الأقل لم يستخدمها أبدا. مات (ويلز) وبعده (لانجمور). ثم قلت في نفسي: “من وجد الشي فهو له، فالفكرة ملكي الان”. بالمناسبة (لانجمور) كان أول عالم في القطاع الخاص يفوز بجائزة نوبل.

ما هو شعورك حيال فوز (بيلو) بجائزة نوبل للآداب؟

كان من أفضل الطرق الممكنة لتكريم أدبنا بأكمله

هل كان من السهل عليك التحدث إليه؟

نعم، لقد أتيحت لي ثلاث فرص لمحادثته. كنت في ضيافته في جامعة أيوا، كنت أستاذا وكان محاضرا. سارت الأمور فيما بيننا على مايرام وكانت لدينا أمور مشتركة على كل حال.

ماهي هذه الأمور؟

على حد علمي، أن كلانا من قسم الأنثروبولوجيا بجامعة شيكاغو. لم يسبق له الذهاب لأي رحلات استكشافية في الأنثروبولوجيا، وأنا كذلك. واختلقنا شعوب لما قبل الصناعة؛ أنا في (مهد القطة) وهو في (هندرسون، ملك المطر).

إذا، هو زميلك العالم.

لست عالمًا، وأنا مسرور بذلك الآن، بعد أن تعرضت للضغوطات من قبل أبي و أخي لأصبح عالمًا. أنا أفهم كيفية الاستدلال العلمي، والعمل المسلي، مع ذلك ليس لدي الموهبة الكافية للانضمام اليه. أستمتع بالعمل في الشركات العلمية، أشعر بالسعادة والحماس حينما يخبروني بما يقومون به. قضيت أوقاتي مع العلماء أكثر بكثير مما قضيته مع الأدباء، وكانوا أغلبهم أصدقاء أخي. أستمتع أيضًا بالسباكة والنجارة ومكانيكا السيارات. لم أتعرف إلى أي شخص أدبي إلا في آخر عشر سنوات ابتداءً من العامين التي قمت فها بالتدريس في أيوا. وبشكل غير متوقع كنت صديق (نيلسون ألغرين) و(خوسيه دونوسو) و(فانس بورخيلي) و(دونالد جوستيس) و(جورج ستاربوك) و(مارفين بيل)، لقد كنت مذهولا حقا. الآن، واستنادًا إلى التقييمات التي تلقاها كتابي الأخير (كوميديا تهريجية)، فإن الناس يرغبون في إخراجي من المؤسسة الأدبية، وإعادتي للمكان الذي أتيت منه. 

كانت هناك بعض التعليقات سيئة؟ 

فقط في (The New York Times)، (Time)، (Newsweek)، (Rolling Stone)، (Village Voice)، (The New York Review of Books)، وأحبوني في (مديسين هات).

إلى ماذا تعزو هذا الحقد؟

(كوميديا تهريجية) كان كتاب سيئًا جدًا، وأنا على استعداد تام لقبول ذلك. الجميع يكتب كتب رديئة فلماذا لا أقوم أنا بذلك؟ ماكان غير اعتياديًا في التعليقات هو أنهم أرادوا من الناس الاعتراف بأني لم أكن جيدًا على الإطلاق. وبالفعل لقد طلب المراجع في صحيفة (صنداي تايمز) من النقاد الذين أشادوا بي في الماضي أن يعترفوا الآن علنًا بمدى خطأهم. حاول ناشر كتابي، (سام لورانس)، أن يريحني بالقول إن المؤلفين يتعرضون لهجوم دائمًا عندما يصبحوا أثرياء.

كنت بحاجة الى نوع من الطمأنينة؟

لم أشعر بشعور أسوأ في حياتي. شعرت أنني عدت مجددًا لأنام وافقا على عربة النقل في ألمانيا.

بهذا السوء؟

لا، ولكنها سيئة كفاية. فالنقاد بشكل مفاجئ أرادوا أن يسحقوني كالحشرة. وليس هذا فحسب، بل فجأة، لم يكن لدي المال أيضا. وهناك شكاوي سرية بأني كنت بربريا، وكتبت الكتاب بدون إجراء دراسة منهجية للأدب العظيم، ولست محترمًا نظرا لأني كنت كاتبًا مأجورًا مسرورٌ للغاية في المجلات اللامعة. ولم أقم بسداد رسومي الدراسية.

ألم تعاني؟

حسنا، لقد عانيت. ولكن كشخص تلقى تعليمًا سيئًا في شركة وتجارة مبتذلة. كان من العيب أن أفسد الفن من أجل المال. وبعد ذلك تجاوزت تلك المعضلة بأن أصبحت فاحش الثراء. كان أمرا سيئا للغاية بالنسبة لي وللجميع، لكن اسمي كان يضج في المطابع لذا جميعنا عالقون بي وبكتبي.

هل تعني بذلك أنك عدت من جديد؟

بطريقة ما. أنا الآن عضو في مجلس ولاية نيويورك للفنون، وكثيرًا ما يتحدث بعض الأعضاء الآخرين عن إرسال إشعارات إلى أقسام اللغة الإنجليزية بالكلية حول بعض الفرص الأدبية، وأقول: “أرسلهم إلى أقسام الكيمياء، وأرسلهم إلى دوائر علم الحيوان، أرسلهم إلى أقسام الأنثروبولوجيا وأقسام علم الفلك والفيزياء، وجميع كليات الطب والقانون. هذا هو المكان المحتمل أن يكون فيه الكتاب”.

كنت تؤمن بذلك؟

أعتقد أنه من الممتع للغاية أن يكون لمؤلف الأدبيات شيء آخر في ذهنه غير تاريخ الأدب. الأدب لا يجب أن يخفى بداخل حماقات خاصة، إن صح التعبير.

دعنا نتحدث عن المرأة في كتبك.

لايوجد أي واحدة. لا نساء، في الواقع، ولا حب.

ألا يستحق الامر تفسيرًا؟

إنها مشكلة آلية. الكثير مما يحدث عند سرد القصص الآلية، له علاقة بالمشاكل الفنية لكيفية عمل القصة. على سبيل المثال؛ قصص رعاة البقر وقصص رجال الشرطة تنتهي بإطلاق النار، لأن عمليات إطلاق النار هي أكثر الآليات موثوقية لإنهاء هذه القصص. لا يمكننا قول شي مثل الموت، يا له من شي مصطنع حينما يتم دائما قول “النهاية”.

أحاول أن أبعد الحب العميق عن قصصي لأنه بمجرد ظهور هذا الموضوع، يكاد يكون من المستحيل التحدث عن أي شيء آخر. لا يريد القراء سماع أي شيء آخر. يصبحون سذجًا إزاء الحب. إذا فاز العاشق في القصة بحبه الحقيقي، فهذه هي نهاية القصة، حتى لو كانت الحرب العالمية الثالثة على وشك أن تبدأ، والسماء مكتظة بالصحون الطائرة.

يعني ذلك أنك ابتعدت عن قصص الحب!

لدي شي أخر أريد أن اتحدث عنه. (رالف إيلسون) فعل الشيء نفسه في كتاب (رجل خفي)، إذ كان البطل في هذا الكتاب الرائع قد وجد شخصا يستحق الحب؛ شخصا أصبح مهووسًا به، لكان هذا الأمر هو نهاية القصة. و(سيلين) كذلك في to (رحلة إلى نهاية الليلة). لقد استبعد إمكانية الحب الحقيقي والأخير، حتى تستمر القصة بشكل أطول.

ليس هناك الكثير من الكتاب تحدثوا عن آلياتهم في الكتابة.

أنا شخص تكنوقراطي متعصب أؤمن أنه يمكنهم أن يعبثوا بها مثل (فورد موديل تي).

مالهدف؟

لأُكسِب للقارئ متعة في القراءة.

هل تظن أنك ستكتب يوما ما قصة حب؟

ربما. إنني أعيش فعلًا حياة مليئة بالحب. حتى حينما أعيش هذه الحياة المحبة ويسير كل شي بشكل جيد، أجد نفسي في بعض الأحيان أقول: “يا الهي ألا نستطيع التحدث عن أمر آخر لفترة؟” هل تعلم ما هو المضحك حقا؟

لا؟

تم رمي كتبي من المكتبات المدرسية في جميع أنحاء البلاد، لأنها ذات محتوى فاحش كما يزعمون. رأيت إحدى المرات رسالة مرسلة الى الصحف في المدن الصغيرة، طلب منهم أن يضعوا كتاب (المسلخ رقم 5) بنفس قسم مجلات (Deep Throat) و(Hustle). كيف يمكن لشخص أن يمارس العادة السرية في كتاب (المسلخ رقم 5)؟

يشمل جميع الأنواع.

حسنا. غير موجود النوع الديني الذي بلا رقابة. يجددوني شخص لايحترم اعتقادهم عن الآلهة. ويعتقدون أن الحكومة يجب أن تحمي اسم الإله. كل ما أقوله لهم هو حظا موفقا لهم وللحكومة وللآلهة.

هل تعلم مالذي قاله (لويس منكن) ذات مرة عن المتدينين؟ قال أنه أسيء فهمه إلى حد كبير. قال إنه لم يكرههم، بل ببساطة يجدهم ممتعين.

حينما سألتك قبل مدة أي شخص من عائلتك أثر عليك ككاتب، قلت والدتك. كنت أتوقع أن تذكر شقيقتك، لكونك تحدثت عنها كثير في (كوميديا تهريجية).

قلت في (كوميديا تهريجية) بأنني كنت أكتب لأجلها؛ كل شخص مبدع ناجح يضع شخصًا واحدًا من الجمهور في ذهنه. هذا سر التماسك الفني. يمكن لأي شخص تحقيق ذلك اذا قرر/قررت وضع شخص واحد في ذهنه. لم أكن اعلم أنها الشخص الذي أكتب من أجله إلا بعد وفاتها.

كانت تحب الأدب؟

كانت تكتب بطريقة رائعة جدًا. لم تكن تقرأ كثيرًا، لكن في السنوات الأخيرة، قرأت لـ(هنري ديفيد ثورو). وكذلك أبي لم يقرأ كثيرًا ولكن كانت كتاباته أشبه بحلم. شعرت بالخجل حينما قارنت النثر المكتوب في هذه الرسائل التي كتبها أبي وأختي مع تلك التي أكتبها. 

هل حاولت شقيقتك أيضا أن تجني المال مقابل الكتابة؟

لا ، فقد كانت أيضا نحاتة بارعة. وبختها ذات مرة لعدم بذلها المزيد من الجهد، رغم امتلاكها للموهبة. أجابت أن امتلاكك للموهبة لا يفرض عليك القيام بشي ما حياله. كانت عبارة مذهلة بالنسبة لي. دائما ماعتقدت أنه من المفترض أن يتمسك الناس بمواهبهم ويهربون معها بأقصى سرعة ممكنة.

ومالذي تعتقده الآن؟

‏حسنًا. إن ما قالته أختي في السابق، يبدو لي الآن نوعًا من الحكمة النسائية الغريبة. لدي ابنتان تتمتعان بموهبة كبيرة كتلك التي كانت تتمتع بها أختي، وستهلكان إن فقدتا توزانهما وحسّهما الفكاهي، من خلال انتزاع موهبتهما والركض بيأس في سبيلها بأسرع ما يمكن، ولأبعد مكان ممكن. لقد شاهداني وأنا أفعل هذا الشيء، ولا بد من أن هذا قد بدا لهما ضربًا من الجنون.

على الآلة الكاتبة؟

نعم. برأس أحمق يستمتع بالتدخين.

هل توقفت يوما عن التدخين؟

مرتين. إحداهما حينما كنت مدمنا وتحولت إلى (سانتا كلوز)؛ أصبحت قصيرًا وممتلئًا وقارب وزني الـ250 باوندًا. توقفت حينها لقرابة عام. وبعد ذلك أحضرتني جامعة هاواي إلى أواهيو لأتحدث عن التجربة. في إحدى الليالي كنت أشرب جوز الهند على سطح فندق Ili Kai، وكل ما كان علي فعله لاستكمال حلقة سعادتي هو أن أدخن سيجارة. وفعلت!

والمرة الثانية؟

في الآونة الأخيرة، في العالم الماضي بالتحديد. دفعت لمنظمة موقفي الدخان مائة وخمسين دولارًا لمساعدتي على الإقلاع، على مدار ستة أسابيع. وقد كان تماما كما وعدوني، سهلًا ومفيدًا. حصلت حينها على شهادة تخرج وشارة تقدير. المشكلة الوحيدة هي أني أصبحت أيضًا مجنونًا. كنت سعيدًا وفخورًا جدًا بنفسي، لكن من حولي وجدوني عنيدًا بشكل لايطاق، فظًا وصاخبًا. كما أنني توقفت عن الكتابة. فلم أكتب أية رسائل بعد ذلك. ومن الواضح أنها كانت صفقة سيئة. لذلك عدت للتدخين مرة أخرى. وكما اعتادت الرابطة الوطنية للمصنعين أن تقول: “لا وجود لما يسمى بالغداء المجاني”.

هل تعتقد أنه من الممكن حقا أن يتم تعليم الكتابة الإبداعية؟

بنفس الطريقة التي يتم فيها تعلم لعبة الغولف. يمكن للمحترفين أن يشيروا إلى أخطاء واضحة في تسديدتك. وأعتقد أني فعلت ذلك بشكل جيد في جامعة أيوا لمدة عامين. كان كلا من (غايل غودوين) و(جون إيرفينج) و(جوناثان بينر) و(بروس دوبلر) و(جون كيسي) و(جين كاسي) من طلاب الجامعة. و منذ ذلك الحين قاموا بنشر أعمال رائعة. درست الكتابة الإبداعية في هارفارد وبشكل سيء بعد ذلك، لأن زواجي كان ينهار، و كنت أتنقل كل أسبوع إلى كامبريدج من نيويورك. وبعد ذلك قمت بالتدريس بشكل أسوأ من سابقه في سيتي كوليدج قبل عامين. فكان لدي العديد من المشاريع الأخرى القائمة في نفس الوقت. فلم يعد لدي الرغبة في التدريس مجددا. لا أعرف سوى الطريقة النظرية.

هل يمكن أن تضع “النظرية” في بضع كلمات ؟

صرح بذلك (بول إنجل)، مؤسس ورشة الكتاب في ولاية أيوا. أخبرني أنه إذا عثرت على ورشة العمل في مبنى خاص بك، فيجب أن تُدرج هذه الكلمات على المدخل: “لا تأخذ الأمر على محمل الجد”.

وكيف سيكون ذلك مفيدًا؟

من شأنه أن يذكر الطلبة بأنهم كانوا يتعلمون أداء دعابات عملية.

دعابات عملية؟

إذا جعلت الناس تضحك أو تبكي من أجل علامات سوداء صغيرة على لوح من الورق الأبيض، أليست هذه دعابة؟ الحبكة لجميع القصص الرائعة هي عبارة عن دعابات عملية عظيمة يقع الناس فيها مرارًا وتكرارًا.

هل لك ان تعطينا مثالا؟

الرواية القوطية. تنشر العشرات من الأشياء كل عام، وتباع جميعها. قام صديقي (بوردن ديل) مؤخرًا بكتابة رواية قوطية من أجل المتعة، وسألته عن ماهية الحبكة، وقال: “امرأة شابة تقبل وظيفة في منزل قديم وتُخيفها السراويل”.

أمثلة أخرى؟

الأمثلة الأخرى ليست ممتعة كثيرا في وصفهم؛ شخص ما يقع في مأزق ثم يخرج منها، شخص ما يفقد شيئًا وثم يسترده، شخص ما ظلم ويحصل على انتقامه، سندريلا. شخص ما ينفصل وتتدهور حالته، يقع الناس في حب بعضهم البعض والكثير من الأشخاص يعترضون طريقهم، الشخص الصالح يتهم زوراً بالرذيلة، والشخص الآثم يعتقد أنه صالح. يواجه الشخص التحدي بشجاعة، وينجح أو يفشل؛ شخص يكذب، شخص يسرق، شخص يقتل، شخص يرتكب الزنا.

أعتذرعما سأقوله، لكن هذه الحبكات تبدو قديمة جدًا

أضمن لك أنه لا يوجد مخطط لتجديد القصص، حتى مع عدم وجود حبكة فلن يشعر القارئ بالرضى الحقيقي طالما لم يتم دس إحدى الحبكات التقليدية في مكان ما بالقصة. لا أشيد بهذا النوع من الأحداث باعتبارها تمثيل واقعي للحياة، ولكن كطريقة لإبقاء القراء يقرؤون. حينما كنت أُدرس الكتابة الإبداعية، كنت أخبر الطلاب أن يجعلوا الشخصيات في القصة ترغب بشيء ما على الفور ولو كان كوب ماء. فحتى الشخصيات التي فقدت قدرتها على الحركة بسبب عبثية الحياة، يشربون الماء بين الفينة والأخرى.

كتب أحد تلاميذي قصة عن راهبة عثرت على جزء من خيط الأسنان عالقة بين أضراسها السفلية اليسرى، ولم تستطع التخلص منه طوال اليوم. كانت قصة رائعة. تناولت قضايا أهم بكثير من خيط تنظيف الأسنان، ولكن ما جعل القراء يستمرون بالقراءة كان لهفتهم للحظة إزالة خيط تنظيف الأسنان. لا يمكن لأحد قراءة هذه القصة من غير أن يمرر إصبعه حول فمه. وهنا دعابة عملية بالنسبة للقارئ. حينما تستبعد الحبكة وتستبعد منها شغف الشخص للعثور على أمر ما، فإنك تستبعد القارئ وهذا تفكير لئيم جدا. يمكنك أيضًا استبعاد القارئ من خلال عدم إخباره على الفور بمكان حدوث القصة، ومن هم الأشخاص.

وما الذي يريدونه..

نعم. ويمكنك أن تجعله ينام وذلك بعدم جعل الشخصيات تواجه بعضها البعض. الطلبة قالوا انهم يفضلون عدم تصادم الشخصيات لأن الناس في الحياة الحديثة تتجنب ذلك. قالوا بأن “حياتنا المعاصرة موحشة جدا”. وهذا بنظري هو الكسل. فمهمة الكاتب تنظيم المواجهات وبذلك فإن الشخصيات تفاجؤنا ،وتكشف لنا عن الخبايا، تعلمنا وتمتعنا كذلك. إذا لم يتمكن الكاتب من فعل هذه الأمور أو لن يفعلها، فعليه أن ينسحب من التجارة.

التجارة؟

التجارة. النجارين يبنون المنازل. الميكانيكيين يصلحون السيارات. و رواة القصص يقتنصون أوقات فراغ القراء بطريقة لايشعر معها القارئ بأنه أضاع وقته. 

الموهبة بالتأكيد مطلوبة ؟

في جميع المجالات. كنت تاجرًا لشركة Saab في شركة Cape Cod لفترة من الوقت، وقد التحقت بمدرستهم الميكانيكة، وطردوني. لاني لا أملك موهبة.

ما مدى شيوع موهبة رواية القصص؟

يتكون فصل الكتابة الإبداعية بأي مكان في هذا البلد من عشرين شخص، ستة منهم موهوبين بشكل مذهل. اثنان منهم قد ينشرون شيئًا ما عما قريب.

ما الذي يميز هاذين الاثنين عن البقية؟

لديهم شيء آخر غير الأدب بحد ذاته في أذهانهم. من المحتمل أن يكونوا محتالين أيضًا. أعني أنهم لا يريدون يجلسوا مكتوفين اليدين حتى يتم اكتشافهم من قبل شخص ما. سوف يصرون عليك لقراءته.

كنت رجل علاقات عامة ورجل إعلانات.

أوه، أتصور ذلك.

هل كان هذا مؤلما؟ أقصد، هل شعرت أن موهبتك تهدر، وتضعف؟

لا. هذه أمور عاطفية والعمل على هذا النحو يدمر روح الكتابة لدى الكاتب. في ولاية أيوا اعتدت أنا و(ديك ييتس) على إلقاء محاضرة كل عام حول الكاتب ونظام المشاريع الحرة. والطلبة يكرهون ذلك. كنا نتحدث عن جميع الطرق الملتوية الذي يلجأ لها الكاتب اذا وجدوا أنفسهم يتضورون جوعا حتى الموت. أو في حالة رغبتهم جمع ما يكفي من رأس المال لتمويل كتابة كتاب. نظرًا لأن الناشرين لا يضعون أموالهم في أولى الروايات بعد الآن، وبما أن المجلات قد انتهى عهدها، ولأن التلفزيون لم يعد يشتري من الشباب العاملين لحسابهم الخاص، وبما أن المؤسسات لا تقدم منحًا إلا للمتمكنين القدامى مثلي، فسيتعين على الكتاب الشباب لكي يدعموا انفسهم ان يسلكوا طرق مخزية وغير شرعية، و قريبًا سنجد أنفسنا بلا أدب معاصر. شيء واحد مروّع تفعله أعمال القرصنة للكاتب، وهو تضييع وقتهم الثمين.

ليست مزحة.

انها مأساة. ما زلت أحاول التفكير في جميع الطرق التي يسلكها الكتاب الصغار حتى لو كانت مروعة، ليتشبثوا بالكتابة بطريقة أو بأخرى.

هل ينبغي دعم الكتاب الشباب؟

يجب القيام بشيء ما حيال هذا الأمر، خاصة بعد أن جعلوا من المستحيل أن يدعم الشباب أنفسهم من خلال الأعمال الحرة. كنت في بداياتي رجل أعمال مذهل، لسبب بسيط هو أن هناك الكثير من الأعمال التي كان من الممكن القيام بها. وحينما عملت لدى شركة (جنرال إلكتريك)، كتبت قصة بعنوان (تقرير عن تأثير بارنهاوس)، وهي أول قصة قمت بكتابتها. أرسلتها بعد ذلك بالبريد الإلكتروني إلى كوليرز. وكان (نوكس برغر) هو رئيس تحرير آن ذاك وأخبرني ما هي الأخطاء وكيفية تصحيحها. ففعلت ما قاله، واشترى القصة بمقابل سبعمائة وخمسين دولارًا، مدة عمل ستة أسابيع في (جنرال إلكتريك) كتبت بعدها  قصة أخرى، ودفع لي تسع مائة وخمسين دولارًا، واقترح علي أنه ربما حان الوقت لكي أترك (جنرال إلكتريك) وهذا مافعلته. انتقلت إلى (بروفينستاون) وأخيراتم تسعير قصتي القصيرة بتسع وعشرين مليون دولارًا كما أعتقد. وجلب لي (نوكس) حينها اثنين من الموظفين الذين كانوا ماهرين في سرد القصص؛ (كينيث ليتور)، الذي كان سلفه في كوليرز، و(ماكس ويلكينسون)، الذي كان محرر القصة في (إم جي إم). ودوِّن هذا الأمر لديك، أن (نوكس برجر) الذي كان في سني، اكتشف وشجع الكتاب الشباب أكثر من أي محرر آخر في وقته. لا أعتقد أنه قد تم تدوين هذا الأمر أي مكان. إنها حقيقة معروفة فقط لدى الكتاب، وهي حقيقة يمكن أن تختفي بسهولة، إذا لم يتم كتابتها في مكان ما.

أين هو (نوكس برجر) الآن؟

إنه وكيل أدبي. وفي الواقع إنه يمثل ابني (مارك) أيضًا.

و(ليتور) و(يلكينسون)؟

توفي (ليتور) قبل عشر سنوات أو نحو ذلك. لقد كان عقيدًا في Lafayette Escadrille، على كل حال، في عمر الـ23 عامًا، كان أول رجل قام بتمشيط خندق و كان مستشاري أيضا. تقاعد (ماكس ويلكينسون) في فلوريدا. لقد أحرجه دائمًا أن يكون وكيلا. إذا سأله شخص غريب عما فعله من أجل لقمة العيش، كان يقول دائما أنه يزرع القطن.

هل قمت بتعيين مستشارًا جديدًا الآن؟

لا .أظنني كبرت كفاية لأعثر على واحد. كل ما أكتبه الآن يتم تحريره دون أي تعليق من الناشر الذي يصغرني سنا، أو من قبل المحرر أو أي شخص. شقيقتي لم تعد موجودة كي تلهمني الكتابة. فشعرت فجأة أن هناك فراغ كبير في حياتي.

هل تشعر كما لو كنت في الفضاء بدون أي وسيلة تواصل؟

وبلا جاذبية الأرض لتساعدني على التوازن، إنه أمر مقلق في بعض الأحيان.

هل يوجد شيء اخر تود إضافته؟

هل تعرف القضيب المعدني الذي يوضع على الأبواب الرئيسية للمدارس والمسارح؟ و حينما تدفعه باتجاه الباب سينفتح ؟

نعم؟

اسم العلامة التجارية لأغلبها هو (فون دوبرين). “فون” من (فونجيت). حوصر أحد اقربائي بداخل حريق مسرح إيروكوا في شيكاغو منذ وقت طويل، واخترع القضيب الحديدي مع اثنين آخرين؛ “برين” من (برينزلر)، ونسيت من هو “دو”.

حسنا.

وأريد أن أقول أيضًا ، الفكاهيين في أسرهم هم غالبا الأطفال الأصغر سنًا. عندما كنت أصغر طفل على مائدة العشاء لدينا، كانت هناك طريقة واحدة فقط لجذب انتباه أي شخص، وهو أن أكون مضحكا. كان عليَّ التخصص في هذا. فقد اعتدت على الاستماع إلى الكوميديين في المذياع باهتمام شديد، حتى أتمكن من معرفة كيفية صنع النكات. وبعد أن أصبحت كبيرًا أصبح هذا ما يدور حوله كتبي الآن؛ النكات الفسيفسائية.

هل لديك أي نكات مفضلة؟

كنا نتجادل انا واختي حول أطرف النكات في العالم؛ طبعا بجوار نكتة الرجل الذي اقتحم خزانة المعطف. حينما عملنا معا أصبحنا أكثر ظرافة من (لوريل) و(هاردي). وهذا بالتحديد مايدور حوله كتاب (كوميديا تهريجية).

هل اتفقتم أخيرًا على أفضل نكتة في العالم؟

اتفقنا على اثنين. ومن الصعب تحديد أي منهما هكذا بكل بساطة.

أخبرنا على أية حال.

حسنا . لن تضحك. لم يضحك عليها احد من قبل. انها طرفة قديمة “الغرابان الأسودان”؛ رجلان أبيضان بوجه أسود يدعيان (موران) و(ماك). قاموا بتسجيل روتينهم الخاص على الة الفونوغراف. وبما انهم اثنان من الرجال السود فمن المفترض أن يتحدثان الى بعضهما بخمول، على أية حال قال أحدهما: “أنا حلمت أنني أتناول كعكات الفانيلا”، رد الآخر: “هل هذا صحيح؟”، قال الأول: “وعندما استيقظت، اختفت البطانية”.

اممم!

أخبرتك أنك لن تضحك عليها. النكتة الأخرى تتطلب تعاونك. سوف أطرح عليك سؤالًا، وعليك أن تقول “لا”.

حسنا.

هل تعرف لماذا القشدة أغلى بكثير من الحليب؟

لا.

لأن الأبقار يكرهون الجلوس على تلك الزجاجات الصغيرة. أرأيت لم تضحك أيضا. ولكن أعطيك كلمة شرف أنها طرفة رائعة جدًا، وتم إخراجها ببراعة.

يبدو أنك تفضل (لوريل) و(هاردي) على (تشابلن)، أليس كذلك؟

أنا مهووس بـ(تشابلن)، لكن هناك مسافة كبيرة بينه وبين جمهوره. من الواضح أنه عبقري جدا. فلديه أسلوبه الخاص، إنه رائع مثل (بيكاسو)، وهذا مخيف بالنسبة لي.

هل ستكتب قصة قصيرة أخرى؟

ربما. كتبت منذ 8 سنوات، واعتقدت أنها ستكون أخر قصة لي. فطلب مني (هارلان إليسون) المساهمة في مجموعة كان يعمل عليها قصة باسم : The Big Space Fuck أو (لعنة الفضاء الواسع)، وأظن أني أول شخص يقوم باستخدم كلمة “اللعنة” كعنوان. كان الأمر يتعلق بإطلاق سفينة فضائية برأس حربي مليء بالسائل المنوي إلى “مجرة أندروميدا”. وهذا يذكرني بصديقي الرائع من إنديانابوليس، وهو صديق الوحيد المتبقي لي من هذه المدينة؛ (ويليام فايلي). عندما خضنا الحرب العالمية الثانية، كان من المفترض أن يتبرع الجميع بالدم، تساءل (فايلي) عما إذا كان لا يستطيع إعطاء نصف لتر من السائل المنوي بدلاً من ذلك.

إذا لم يخسر والداك كل أموالهما، فماذا كنت ستفعل الآن؟

لشعرت بسعادة عارمة وأصبحت مهندس معماري في إنديانابوليس، مثل والدي وجدتي. ما زلت أتمنى أن ذلك قد حدث. على أي حال هناك شيء أخر أود قوله، أحد أفضل المهندسين المعماريين الشباب هناك يعيش في منزل أنشأه والدي لعائلتنا في العام الذي ولدت فيه، 1922. ويوجد على زجاج النوافذ الثلاث الصغيرة بجانب الباب الأمامي الأحرف الأولى من اسمي واسم أختي وأخي.

لديك ماضي جيد تتوق إليه.

نعم فعلا. عندما أذهب إلى إنديانابوليس ، نفس السؤال يتبادر الى ذهني مرارًا وتكرارًا: “أين سريري، أين سريري؟” وإذا كان أشباح والدي وجدتي يجوبون تلك المدينة، فيجب عليهم أن يتساءلون أين ذهبت كل مبانيهم. تم تحويل وسط المدينة وكانت معظمها مبانيهم إلى مواقف للسيارات. يجب أن يتساءلوا أيضًا أين ذهب كل أقاربهم. لقد نشأوا في عائلة ممتدة وضخمة لم تعد موجودة. لقد تذوقت هذا، الشيء العائلي الكبير. عندما ذهبت إلى جامعة شيكاغو، وسمعت رئيس قسم الأنثروبولوجيا، (روبرت ريدفيلد)، يحاضر عن المجتمع الشعبي، والتي كانت في الأساس أسرة ممتدة ومعزولة ومستقرة، لم يكن عليه أن يوضح كم هو أمر لطيف.

أي شيء اخر؟

حسنًا ، لقد اكتشفت للتو صلاة للكتاب. سمعت عن صلوات البحارة والملوك والجنود وما إلى ذلك، لكنني لم أسمع أي صلاة للكتاب. هل يمكنني أن أضع ذلك هنا؟

بالتأكيد.

كتبه (صموئيل جونسون) في 3 أبريل 1753، وهو اليوم الذي وقع فيه العقد وطلب منه كتابة أول قاموس كامل للغة الإنجليزية. كان يصلي من أجل نفسه. ربما يجب الاحتفال بالثالث من أبريل بـ“يوم الكتّاب”.

على أي حال ، هذه هي الصلاة: “يا الله، الذي يدعمني حتى هذه اللحظة، أن تمكنني من المضي قدماً في هذا العمل والقيام بالمهمة على اكمل وجه بوضعي الراهن؛ و أن أسلمه في اليوم الأخير، كإثبات للكفاءة التي منحتها لي، وحينها قد أتلقى عفواً من اليسوع المسيح. آمين”.

يبدو أنها هذه رغبة لحمل موهبته بأقصى وأبعد سرعة ممكنة.

نعم فعلا. وكان كاتبًا مأجورًا شهيرًا.

وأنت، هل تعتبر نفسك كاتبًا مآجورًا؟

بطريقةٍ ما.

ما هي؟

ابن الكساد العظيم. وربما ينبغي لنا أن نقول شيئًا في هذه المرحلة، وهو كيف تم إجراء هذه المقابلة، إلا إذا كانت الصراحة تفسد كل شيء بطريقة ما.

دع الأمور تأخذ مجراها.

تم تقديم أربع مقابلات مختلفة، أجريت معي إلى (باريس ريفيو)، وقد قاموا بتجميعها معًا لتشكل مقابلة واحدة وعرضوها علي. سارت الخطة بشكل جيد نسبيا، ولذلك اتصلت بمحاور أخر لجعلها مقابلة واحدة. كنت أنا ذلك المحاور. بكل شفافية، نعم لقد قابلت نفسي.

فهمت. سؤالنا الأخير. إذا كنت مفوض للنشر في الولايات المتحدة، فماذا كنت ستفعل لتخفيف الوضع الحالي المؤسف؟

لا يوجد لدينا نقص من ناحية المؤلفين المبدعين. ما نفتقر إليه هو جمهور من القراء يمكن الاعتماد عليه.

وبالتالي؟

أقترح أن يُطلب من كل شخص عاطل آو عاطلة عن العمل، تقديم تقريرعن كتاب قبل أن يحصل/تحصل على الإعانة.

شكرا لك.

شكرا لك.


[المصدر]

لِم تصعب الكتابة عن الموسيقى في الأدب؟

آن فالنتي، كاتبة أمريكية فازت مجموعتها القصصية المعنونة بـ (By Light We Knew Our Names) بجائزة دزانك.

نشرت (آن فالنتي) مقالة في موقع (مركز السرد)، ننقلها بترجمة حصرية لدى ساقية.

رغم أنني سمعتُ مرارًا وتكرارًا أن تضمين الثقافة الشعبية في الأدب لن يخدمه سوى بتحديد زمان الرواية أو القصة القصيرة إلا أنني أحب دمغ أعمالي الإبداعية زمانيًا. لِم الادعاء بأن شخصيات قصة تقع أحداثها في الحاضر ليست من رابطة معجبي برنامج (الأعزب) الحالمة؟ لا يُفترض بالعوالم الخيالية أن تنشأ في فراغات خاوية، وبالنسبة لي فإن واحدة من أعظم متع العمل على رواية هو اكتشاف سياق عالم الرواية، والثقافة الشعبية التي لربما تأوي لها كل شخصية وتغوص فيها. لكنني لم ألحظ حتى سُئلت خلال مقابلة عن روايتي الأولى -التي نُشرت في شهر أكتوبر من سنة 2003، عن السبب الذي يجعلني أضمن الأفلام والمسلسلات والبرامج التليفزيونية التي تشاهدها كل شخصية، لكني لم أضمن أبدًا أي تفصيل يتعلق بأغاني وفناني الشخصيات المفضلين.

باغتتني هذه الملاحظة على حين غرة: لطالما كانت الموسيقى الشكل الجوهري الأساسي من أشكال الثقافة الشائعة الموجود في حياتي منذ صغري، لذا لا أعلم أبدًا لِم كانت النوع الوحيد من الثقافة غير الموجود في أعمالي الأدبية. نشأتُ أستمع لمجموعات والداي من أسطوانات ألبومات فرقة (Beach Boys) و فرقة (Sly & The Family Stone)، راسمة لوحات بسيطة لمحتويات الألبومين (Led Zeppelin IV) و (Every Good Boy Deserves Favour) لأعلقها على جدران غرفتي. تعلمتُ العزف على البيانو في عمر الثامنة، لأتقن حين بلوغي المدرسة الثانوية إبداعات باخ ومعزوفات سكوت جوبلين من موسيقى الراجتايم. حين كنتُ في الخامسة من عمري اصطحبني والداي لأول حفل موسيقي أحضره لفرقة (The Who) والذي أدى بي إلى مراهقة امتلأت بعروض الفرقتين (Radiohead) و (10,000 Maniacs)، ولجدران غرفة نوم تغطيها منشورات لعروض مقامة في القبو للفرق (Le Tigre)، (The White Stripes)، (Interpol)، (Built to Spill).

عشقتُ الموسيقى كثيرًا قبل أن أصبح كاتبة أدبية، كنتُ صحفية موسيقية أكتب أسبوعيًا مراجعات عن الألبومات والحفلات الموسيقية. أحببتُ ذلك العمل لكني سرعان ما ألفيتُ نفسي أكتب مراجعات تبدو بعيدة كل البعد عن مقدار ولعي الحقيقي بالموسيقا. لم أعرف كيف لي أن أخبر القارئ أنه لربما هز الاستماع لأغنية ما أعماقه، كيف لي أن أترجم تجربة الوقوف صامتة أسفل أضواء المسرح بين جمع مشدوه مسحور لنص غير كافٍ لإيضاحها. انتقلتُ لصحافة الطعام التي كانت الكتابة فيها أسهل جدًا وأكثر دقة لذكر شطيرة مطعم تحوي الكزبرة وصلصة الثوم، نكهتان لا مثيل لهما. وهكذا لم أكتب عن الموسيقى مرة أخرى أبدًا.

لربما سأظل دومًا قريبة جدًا من الموسيقى، لهذا النوع من الحب، لشعور أنني لا أعدل بحقها أبدًا.

رغم انعدامها في أعمالي إلا أنني أحببتُ الطرق المختلفة التي تناول فيها الكُتاب الموسيقى في كتاباتهم. تصف آجا غابل في روايتها الأولى الصادرة سنة 2018 بعنوان ((The Ensemble بجمالية العالم التنافسي للموسيقا الكلاسيكية من منظور أربعة موسيقيين يؤلفون المقطوعة الرباعية فان نيسّ. بإبحار هؤلاء الأصدقاء الأربعة معًا في النجاحات والإخفاقات في مهنتهم تجمع لغة الرواية بثراء بين نغمة الغليساندو و ستاككاتو لعازفي كمان، سيعرف عازف الكمان وعازف التشيللو بطبيعتهما هذا التناغم. قدرتُ الدقة الموجودة في رواية غابل بينما لم أعرف كذلك كيف أضمن تلك اللغة في أعمالي في ظل غياب أبطال العمل الذين يجيدون المصطلحات الموسيقية. كما أعجبت أيضًا بكتاب حنيف عبد الرقيب الذي يضم عددًا من مقالاته بعنوان (They Can’t Kill Us Until They Kill Us) والذي يستطلع ويتقصى بروعة التقاطع بين الموسيقى والثقافة والسياسة. يضع كتاب عبد الرقيب القارئ مباشرة في قلب تجربة حضور الحفلات الموسيقية متباينة ومختلفة كالحضور لبروس سبرينغستين و كارلي لي جيبسن، وهو يفعل ذلك بطريقة توصل للقارئ الثقل العاطفي لهذه الأصوات. ومع ذلك لم أقدر على معرفة طريقة تطبيق ما تعلمته من هذا الكتاب على تجربة شخصياتي في العالم الخيالي.

يرجع السبب لذلك على الأرجح لكوني وبعيدًا عن أعمال كرواية غابل لا أجد نفسي عادةً متأثرةً باستخدام الموسيقى في الأدب. قرأتُ روايات وقصصًا قصيرة ضمن فيها مؤلفوها أسطرًا من أغاني في مشهد من العمل، نصوصٌ تبدو لي عادةً كاختصارات للوصول إلى العواطف والمشاعر التي يثيرها المشهد. أغنية تصدح من الراديو في سيارة مركونة بينما تنقطع علاقة شخصيتين. بطل رواية يرتدي سماعات الرأس ويتجه لرحلة طويلة سيرًا. في أمثلة كهذه تشق كلمات الأغاني طريقها بين النثر باختصار، مقاطع مطبوعة بخط مائل، تبدو هذه الأسطر مختارة لتكون كتعليق على ما يحدث في المشهد. لطالما بدا هذا بالنسبة لي كتسلسل في الحلم في الأدب حيث علينا كقراء أن نلغي بعضًا من الرمزية دون أن يبذل المؤلف جهدًا إضافيًا لتطوير الشخصية أو لكشف موضوعها.

هذا غير عادلٍ طبعًا لأن أغنية على الراديو أو ألبومًا يصدح من المسجلة عادة ما تعني لي في حياتي أكثر بكثير من فكرة لاحقة. جلستُ في سيارة مركونة أفسخ علاقتي بأحدهم بينما كانت أغنية كات باور (Moon Pix) تصدح من مسجلتها. ارتديتُ سماعاتي ومشيتُ لأميال طويلة أستمع لفرقة (Yo La Tengo) لأنني كنتُ في الناحية الأخرى من العالم بعيدةً عن شخصٍ أحبه. لكن حين حاولتُ دمج هذه اللحظات الصغيرة التي تشكل حياتنا وتبنيها في العوالم الخيالية الأدبية لحيوات الشخصيات فشلتْ. حذفتها. لربما ما كان يُفترض بي أن أُدهش وأتفاجئ بتلك الملاحظة لأن الحال هو هكذا: لا تظهر الموسيقى في رواياتي أو قصصي القصيرة رغم حبها طيلة حياتي. لربما من الأسهل أن أضمن أن شخصية ما تعشق مسلسل (Six Feet Under) أسهل من شخصية أخرى شاهدت كل مباراة في دوري مباريات البيسبول (2012 World Series) لحبها لفريق ديترويت تايجرز. لربما سأكون دومًا قريبة جدًا من الموسيقى، لهذا النوع من الحب، للإحساس بأنني أسديها معروفًا هكذا.

جمعتُ قائمة أغاني لكل كتاب كتبته لأتذكر الأنماط والإيقاعات، وكذلك النغمة الشعورية للأصوات التي أحاطت بكتابة الكلمات.

خلال كتابتي لأحدث رواياتي واجهتُ هذا المأزق مرة أخرى. حوار بين أختين في رحلة على الطريق إحداهن تعتقد أن قائمة أغاني رحلتهن ستذكر في الرواية. بل وحتى لأن الموسيقى تُشكل حيواتنا فإن كلتا الأختين سُميتا تيمنًا بأغانٍ من ألبوم والديهما المفضل. وهذه الألبومات هي من القائمة الموسيقية التي سترافهما في الرحلة والتي أذكر منها باختصار هنا وهناك ألبوم (Heart) لفرقة (Little Queen) أو ألبوم (Highway 61 Revisited) لبوب ديلان، لكن وفي النهاية لم أستطع أن أحث نفسي على الاستشهاد بأبيات معينة أو حتى أغنيات محددة، هذه الألبومات مذكورة عرضيًا لربما كاستشهاد ناقص في أقصاها. وبدلًا من إغراق الرواية بالموسيقا التي تستمع لها الأختان بالتأكيد طيلة رحلتهما أنشأتُ لي وحدي قائمة بالأغاني التي استمعتُ لها خلال كتابتي للرواية: (Lord Huron، Sylvan Esso، Yellow Ostrich، Valerie June).

جمعتُ مجموعة أغاني في قائمة مماثلة لكل كتاب كتبته لأتذكر الأنماط والإيقاعات، وكذلك النغمة الشعورية للأصوات التي أحاطت بكتابة الكلمات حتى لو كانت الأغنية تمسني شخصيًا لم أنقلها أبدًا للصفحات. بعد كتابتي لرواية الأولى سألتني صديقة إن كنتُ استمعتُ لعددٍ من أغاني الهيب هوب خلال كتابتي للرواية. وكنتُ فعلتُ. خلال تلك السنة التي كتبت خلالها الرواية كنتُ أستمع بأكملها لمجموعة من الأغاني تضم (Earl Sweatshirt، Kendrick Lamar، Anderson، Paak، Run the Jewels). قالت بأنها كانت تسمع تلك الموسيقى في تراكيب وإيقاعات الجمل.

حتى لو أنني لم أجد طريقة لكتابة الموسيقى في الأعمال الأدبية، وحتى لو ما كنتُ لأجدها أبدًا فعلى الأرجح وفي الوقت الحالي هذه أفضل طريقة يمكنني فيها أن أذيب حبي للموسيقا وأدمجه في الشغف الذي يغمرني للكتابة. لربما لم تحضر شخصياتي أول حفلة لها واقفة في صمت صاخبٍ لأضواء مسرح مشعة ومكبرات صوت متفجرة. لربما فسخت علاقاتها في غرفة نوم ساكنة معتمة بعد منتصف الليل بينما كان الراديو مطفئ. لكن إذا كنتُ دومًا أستمع للموسيقا كما كنتُ دومًا منذ عرفتُ أول مرة ما تعينه كلمة مشغل أسطوانات فلربما كانت الموسيقى هناك في اللغة بغض النظر عن غياب الكتابة عنها. أنا متصالحة في الوقت الراهن مع حالة عادلة كهذه: ما زالت الموسيقى موجودة خلف كل إيقاع لمقطع لفظي، خلف كل كلمة.  


[المصدر]

سوزان سونتاغ، حول تدوين اليوميات

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية. في مذكراتها بين عامي 1947-1963، والتي نُشرت باسم (ولادة ثانية)، بترجمة الأستاذ (عباس المفرجي)، كتبت (سونتاغ) مقالة بعنوان “حول تدوين يوميات”. تقول فيها: 

من السطحي فهم اليوميات كمجرّد وعاء لخصوصية المرء، لأفكاره السرية، مثل صديق حميم مؤتمن لكنّه أصم، أبكم، وأمّي. في اليوميات، أنا لا أعبّر فقط نفسي بصراحة أكثر مما يمكن أن أفعله مع أي شخص آخر؛ أنا أبدع نفسي.

تكمل بعد ذلك، فتقول:

اليوميات هي وسيلة لنقل إحساسي عن الشخصية الذاتية. إنها لا تصوّرني شخصًا مستقلًا على نحو عاطفي وروحي. لذلك، وآسفاه، هي لا تسجّل ببساطة حياتي الفعلية، اليومية، لكنها بالأحرى، في حالات كثيرة، تقدّم بديلًا لها.

في الغالب، ثمة تناقض بين معنى أفعالنا تجاه شخص ما وما نعبّر عنه في يومياتنا من مشاعر تجاه هذا الشخص. لكن هذا لا يعني أن ما نفعله هو ضحل، وما نعترف به لأنفسنا هو العميق فقط. الاعترافات، أقصد الاعترافات الصادقة بالطبع، يمكن أن تكون أكثر ضحالة من الأفعال.

تتحدث (سونتاغ) بعد ذلك عن الكتابة بشكل عام، فتقول:

الكتابة. إنه من المفسد الكتابة بقصد التأويل الأخلاقي، رفع المستوى الأخلاقي للناس.

لا شيء يمنعني من أن أكون كاتبة عدا الكسل. كاتبة جيدة.

لماذا الكتابة مهمة؟ في الدرجة الأولى، بدافع الأنانية، كما أفترض. لأنني أريد أن أكون ذلك الشخص؛ الكاتب، لا بسبب أن هناك أشياء يجب أن أقولها. مع ذلك، لم لا يكون لهذا السبب أيضًا؟ مع قليل من بناء الأنا، كما تشهد عليه هذه اليوميات، سأتغلب على المصاعب لتكون لي الثقة كي أكون “أنا” التي تملك شيئًا لتقوله، وبأنه يجب أن يُقال.

أنايَ هي ضئيلة، حذِرة، سليمة العقل جدًا. الكتاب الجيّدون هم أنانيون صاخبون، حتى إلى درجة الحماقة. سلامة عقلي أنا، أيها النقاد، تصححهم، لكن سلامة عقلهم هي طفيلية على القدرات الإبداعية للعبقري.

لقاء باريس ريڤيو مع پول أوستر، بعنوان فن الخيال

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

بول أوستر، كاتب ومخرج أمريكي مولود في 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية. هنا نقدم لكم حوارًا صحفيًا معه، نُشر في مجلة (باريس ريفيو) الشهيرة، ونُشرت في خريف 2003 [المصدر].

في عام 1985، نُشر كتاب (City of Glass) – احد سلسلة القصص القصيرة الثلاثية الرائدة في نيويورك، من قبل دار Sun and Moon  في مدينة سانفرانسيسكو بعد أن رفضها سبعون ناشرًا في نيويورك، وتم نشر الاقصوصتين الأُخريتين (Ghosts) و (The Locked Room) في السنة التي تليها كان يبلغ (بول اوستر) الثامنة والثلاثون عامًا وبالرغم من كتاباته المنتظمة للتقييمات النقدية وترجماته ونَشر قصيدة النثر الخاص به (White Spaces) عام 1980، إلا أن الثلاثية شكلت الانطلاقة الفعلية لرحلته الادبية. 

كتب (أوستر) عن سنوات ماقبل النشر هذه في كتاب (Hand to Mouth: A Chronicle of Early Failure) عام 1997م. كان قد درس في جامعة كولمبيا في اواخر الستينات، ثم عمل على متن باخرة ناقلة للنفط لعدة اشهر قبل أن ينتقل إلى باريس حيث دبر قوت يومه بعمله مترجمًا، ثم أنشأ مجلة صغيرة تدعى (Little Hand) ودار نشر مستقلة تحمل نفس الاسم مع زوجته الأولى الكاتبة (ليديا دافيس). وفي عام 1972 نُشر أول كاتب يحمل مجموعة من ترجماته بعنوان (A Little Anthology of Surrealist Poems). عاد (أوستر) إلى نيويورك عام 1974 ، وحاول من بين مشاريع اخرى بيع بطاقة لعبة بيسبول قام باختراعها، كما قام بنشر أول قصيدة نثر له عام 1982 بعنوان (The Invention of Solitude) وهي عبارة عن مذكرات وتأملات في حياة والده والتي بدأ بكتابتها بعد فترة وجيزة من وفاته.

استمر (أوستر) بنشر كتاب سنويًا منذ السلسة الثلاثية: رواية (In the Country of Last Things) التي ظهرت عام 1987، ورواياته الاخرى بما فيهن (Moon Palace) عام 1989م، و(The Music of Chance) و(Leviathan) في عام 1992م، و (The Book of Illusions) عام 2002م. تم تكريم (أوستر) بميدالية الفنون التطبيقية والادآب من قبل الحكومة الفرنسية عام 1991 وترقيته لمنصب مسؤول عام 1997.

إن أعمال (أوستر) مميزة مابين روايات ومقالات وترجمات وقصائد ومسرحيات وأغاني وتعاونات مع فنانين، بمافيهم (صوفي كالي) و(سام ماسر) وقد كتب نصوص ثلاث مسرحيات: (Smoke) عام 1995م، و(Blue in the Face) عام 1995م، و(Lulu on the Bridge) عام 1998م، واللاتي تم اخراجهن بشكل ممتاز وروايته التاسعة (Oracle Night) والتي سيتم نشرها في عام 2003م.

بدأت المحادثة التالية في فصل الخريف السابق من خلال مقابلة مباشرة في Unterberg Poetry Center عند شارع رقم 92 في مدينة نيويورك، وتمت في فصل الصيف المنصرم خلال فترة مابعد الظهر بمنزل (أوستر) في مدينة بروكلين حيث يعيش مع زوجته الكاتبة (سيري هوستيفيد)، حيث قام المستضيف الكريم بالاعتذار عن تواجد العمال لتركيب جهاز التكييف المركزي، ومن ثم أخذنا في جولة قصيرة. كانت غرفة المعيشة مُزينة بلوحات صديقيه (سام مايسر) و(دايفيد ريد) وكانت في مقدمة البهو مجموعة من الصور العائلية ورفٍ كتب بطول جدار مكتبه في الدور الارضي، وبالطبع كانت على مكتبه الة الكتابة الشهيرة.


لنبدأ حديثنا عن اسلوبك في العمل، عن كيفية كتابتك.

لطالما كتبت بيدي، وغالبًا ما أستخدام قلم حبرٍ سائل، واحيانًا أستخدام قلم رصاص خصوصًا للتصحيح. ولو كان بإمكاني الكتابة مباشرةً بآلة الكاتبة او الحاسوب لفعلت لولا أن لوحة المفاتيح تُهيبني، لم أستطع يومًا التفكير بوضوح وأصابعي بتلك الوضعية. إن القلم آداة عتيقة، تشعر بالكلمات تتدفق من جسدك فتنقشهاعلى الورقة . لطالما كانت الكتابة ذات حس ملموس بالنسبة لي، إنها تجربة بدنية.

وتكتب في مُفكرة وليس في لوح كتابة او اوراق مخصصة لذلك.

بالفعل، أكتب في المُفكرة دائمًا ولدي نوع محدد من المُفكرات ذات الاوراق المربعة الصغيرة.

وماذا عن آلة الكاتبة الاولمبية؟ إننا نعرف القليل عنها بالفعل، فلقد نشرت كتاب رائع مع الرسام (سام ميسير) العام الماضي يدعى (The Story of My Typewriter).

أمتلكت هذه الالة منذ عام 1974، اي لأكثر من نصف حياتي. اشتريتها مستعملة من صديق لي في الجامعة وأشار إلى أن عمرها يبلغ الاربعين عامًا. إنها ألة دمنة من عصر أخر، لكنها في حال جيدة ولم تعطب قط. كل ماعلي فعله هو تغيير شرائطها بين فينة واخرى، لكني أخشى أن يأتي اليوم الذي لا أجد فيها الشرائط فأضطر لاستخدام الحاسوب والانضمام للقرن الواحد والعشرين.

قصة (بول أوستر) الرائعة في اليوم الذي خرج فيه لشراء آخر شريط للطابعة.

لقد حضرت نفسي وأعددت العتاد، اعتقد أن لدي مايقارب الستون او السبعون شريطة في غرفتي على الارجح أني سأتشبث بهذه الالة حتى النهاية صحيح أنها مُرهقة ومُكلفة، لكنها تبعدني عن الكسل.

كيف ذلك؟

إن آلة الكتابة تجبرني على البدء من جديد بمجرد أن أنتهي، ففي جهاز الحاسوب يمكنك أن تغير وتعدل على النص ومن ثم تطبع نسخة نظيفة، بينما لا يمكنك في ألة الكتابة الحصول على مخطوطة نظيفة.

حتى تبدأ من بداية الورقة. إنه اجراء مضجر بشكل غير معقول. أنهيت كتابك، وعليك الآن إمضاء عدة اسابيع مرتبطًا بعمل آلي بحت متعلق بنسخ ماقمت بكتابته بالفعل وهذا مضر لرقبتك وظهرك، وحتى إن كنت تستطيع كتابة عشرين او ثلاثين صفحة في اليوم فإنك تنهي الصفحات ببطئ ممض وفي هذه اللحظة بذات اتمنى دائمًا أن استخدم جهاز الحاسوب. مع ذلك، في كل مرة ادفع نفسي خلال هذه المرحلة النهائية من الكتاب استنتج انها خطوة اساسية؛ فالنسخ يتيح لي تجربة الكتاب من منظور اخر والغوص في اجواء القصة المسرودة وكيف تبدو بشكل تام وهي ما ادعوعها بـ “القراءة بأصابعي”. من المذهل عدد الاخطاء التي ستجدها اصابعك في حين غفلت عنها عينيك تمامًا مثل التكرار، والتركيب الركيك للجمل، والتناغم الضعيف، إنها لا تخيب مطلقًا. ما أن عتقد أني انهيت الكتاب، اكتشف المزيد من العمل لأنجازه عندما اقوم بنسخه.


لنعود الى المُفكرة للدقيقة. كان (كوين) في كتاب (City of Glass) يسجل ملاحظاته في مُفكرة حمراء، و(آنا بلوم) كاتبة كتاب (In the Country of Last Things) تؤلف خطابها في مُفكرة زرقاء، وفي كتاب (Mr. Vertigo) كان (واليت) يكتب سيرته الذاتية في ثلاثة عشر مجلدًا من دفاتر التعبير، وقام (ويلي جي كريسماس) بطل كتاب (Timbuktu)  بسحب كل أعماله لمدينة بالتيمور ليعطيها لمعلم اللغة الانجليزية في مدرسته الثانوية قبل مماته، والتي كانت مابين قصائد وقصص ومقالات ومذكرات وابيغرامات وتأملات ذاتية بالاضافة إلى أول ثمان مائة سطر من الملحمة المستمرة (Vagabond  Days)، وللمفكرة مكان ايضًا في اخر رواياتك (The Book of Illusions) و(Oracle Night) ودعنا لا نعلق على سلسلة قصصك الحقيقة في كتاب (The Red Notebook) مانحن فاعلين بهذا؟

اعتقد أنني أعتبر المُفكرة بيتًا للكلمات، مكان سري للافكار واختبار النفس. لست مهتمًا بنتيجة الكتابة وحدها، بل في آليتها وخطوة كتابة الكلمات على الورق ولا تسألني لماذا، ربما لذلك علاقة في بداياتي المرتبكة وتجاهل طبيعة الخيال. لطالما تساءلت بصفتي شخص يافع، من اين تأتي الكلمات؟ من قال هذا؟ إن وجود شخصية ثالثة قاصة للرواية في الروايات التقليدية لشيء غريب اعتدنا عليها الان، ولم نعد نستنكرها، لكن حين تتوقف للحظة ثم تفكر فيها قليلًا تجدها مريبة، خاصية روحية للصوت كما لوأنها تأتي من الامكان.. واجدها مربكة. لطالمت اُغرمت بالكتب المنغمسة في نفسها، التي تغرقك في اجواءها كما لو أن الكتاب يجرك الى عالمه، والبطل هو راوي القصة. تعتبر رواية (Wuthering Heights) مثال جيد لهذا النوع من الروايات، كذلك رواية (The Scarlet Letter) فبالرغم من أنها ذات طابع خيالي؛ إلا أنها تعطيك فحوًا ومصداقية ليست موجودة في القصص الاخرى. فهم يطرحون الاعمال على انها وهمية – رغم تجنب الكثير من الكتاب قول ذلك – وقبولك لنقطة ان العمل “وهمي” تعزز بشكل متناقض واقعية القصة، فالكلمات ليست منقوشة على حجر من قبل آلهة كتابة مرئي بل انعكاس مجهود شخص من لحم ودم وهذا امر فاتن جدًا. ويصبح القراء مشاركين في كشف القصة لا مجرد مشاهدين منفصلين عن فحوها.

 

متى اكشفت رغبتك بأن تكون كاتبًا ؟

بعد سنة من استيعابي لعجزي عن أن أكون لاعبًا في الدوري الممتاز للبيسبول. لربما كانت البيسبول اهم شيء في حياتي حتى بلغ عمري السادسة عشرة.

ما مدى مهارتك؟

يصعُب الجزم بذلك، لربما بلغت بطولات دوري الدرجة الثانية لو اني استمريت في اللعب. يمكنني الرمي بشكل ممتاز واعتراض الكرات بقوة، لكن لم اكن راكضًا سريعًا. كنت املك ساعد يدٍ قوي وردود فعل سريعة في موقعي على القاعدة الثالثة الذي لطالما لعبت فيه، لكن رمياتي كانت واسعة غالبًا.

أي شخص معتاد على اعمالك سيعرف انك من محبي البيسبول فهنالك مراجع للعبة البيسبول في كل كتاب من كتبك تقريبًا.

احببت اللعب، ولا زلت احب متابعة المباريات والتفكير فيها بطريقة غامضة، منحتني لعبة البيسبول فكرة عن العالم وفرصة لأكتشف من أكون. كنت عليلًا وانا طفل، اصبت بكل انواع الامراض الجسدية وقضيت وقتًا طويلًا قابعًا امام مكاتب الاطباء برفقة امي عوضًا عن التنزه واللعب في الهواء الطلق مع اصدقائي. لم اكن بصحة جيدة وقويًا كفاية للمشاركة في الالعاب الرياضية حتى بلغت الرابعة او الخامسة، وعندما فعلت رميت نفسي فيها بكل شغف كما لو أني اعوض الوقت الذي ضاع مني، علمتني البيسبول كيفية العيش مع اشخاصًا اخرين، وأن استوعب أنني قادرٌ على تحقيق شيءٍ ما اذا وضعته نصب عيني. وخلف هذه التجربة الشخصية البسيطة هنالك روعة اللعب نفسها فهي مصدر لذة لا متناهي.

الانتقال من لعب البيسبول الى الكتابة غير معتاد لأن الكتابة مشروع فردي.

 

كنت ألعب البسيبول في فصلي الربيع والصيف، واقرأ طوال السنة. انه هوس مبكر واشتد مع تقدمي في العمر فحسب. لا استطيع تخيل أي يشخص يصبح كاتبًا دون أن يكون قارئًا نهمًا مثل اليافعين. يستوعب القارئ الحقيقي أن الكتب عوالم بأنفسها، وان هذه العوالم اغنى واكثر اثارة من اي عالم قد نرتحل اليه، وهذا ما يجعل الرجال والنساء كُتاب حسبما اظن. انها السعادة التي يكتشفونها بالعيش في الكتب، صحيح أنك لم تعش ما يكفي لأن تكتب عنه حتى الان، لكن اللحظة تحين عندما تستوعب ان هذا ما ولدت لاجله.

ماذا عن بداية الهاماتك؟ من هم الكتاب الذين كنت تقرأ لهم في المرحلة الثانوية؟

اغلبهم امريكيون. المشتبه بهم عادةً هم: (فيتزجيرالد) و(هيمينغوي) و(فوكنز) و(دوس باسوس) و(سالينجر)، لكن بدأت في سنواتي الاولى استكشاف الاوروبيون غالبًا والروسيون والفرنسيون.

(تولستوي) و(دوستويفسكي) و(تورغينيف) و(كامو) و(اندريه جيد) بالاضافة لـ(جويس) و(توماس). (جويس) خصوصًا، كان مختلقًا عن البقية بالنسبة لي وانا في الثامنة عشرة.

هل كان له التأثير الاكبر عليك؟

أجل، لفترة ما. رغم أني حاولت تقليد اسلوب كل روائي قرأت له. وبالرغم من أن كل شيء يُلهمك في شبابك وتستمر في تغيير أفكارك كل عدة اشهر كتجربة قبعة جديدة. لاتملك اسلوبًا محددًا لكنك بشكلٍ غير واعٍ تحاكي الكُتاب الذين تحترمهم وتقدرهم.

لقد ذكرت بعض الكُتاب الذين الهموك في عملك خلال مسيرتك (ثيربانتس) و(ديكنز) و(كافكا) و(بيكيت) و(مونتين).

جميعهم في أعماقي. يقبع العشرات من الكُتاب في أعماقي، لكن لا أعتقد ان أعمالي تبدو أو تشير لأي شخصٍ آخر؛ فلست أكتب كتبهم بل أكتب كتبي الخاصة.

يبدو انك مولع بكُتاب القرن الثامن عشر الامريكيون حيث تظهر اسمائهم بتواتر مفاجئ في رواياتك: (إدغار بو) و(ملفيل) و(امرسون) و(ثورو) و(هاوثورن). (هاوثورن) بالذات، لقد استلهمت اسم (فانشو) وهو احدى الشخصيات في رواية (The Locked Room) من (هاوثورن)، وبدأت رواية (the Country of Last Things) باقتباس من (هاوثورن)، واقتبست جزء من قصة (هاوثورن)  المدعوة (Wakefield) ولجعلها ضمن سياق رواية (Ghosts)، وفي رواية (The Book of Illusions) مرة اخرى اقتبست اسم قصة (هاوثورن) (The Birthmark) لتجعلها عنوان حوار مهم بين (زيمير) و(إلما). ولنختمها، نشرت في شهر مايو مقالًا طويلًا عن (هاوثورن)، مقدمة من اجل كتاب (Twenty Days with Julian & Little Bunny by Papa) والذي نُشر من قبل New York Review Books. أيمكنك التعليق على هذا الاهتمام الراسخ بـ(هاوثورن)؟

انه اكثر من اشعر بالقرب منه من بين كل الكُتاب القدماء. الشخص الذي يتحدث إلي بعمق، هنالك شيء يتعلق بمخيلته وينسجم مع مخليتي. مازلت اعود إليه باستمرار ، وأتعلم منه باستمرار انه شخص لا يخشى الافكار، بالاضافة لكونه اخصائي نفسي وقارئ عميق للروح البشرية. كانت رواياته ثورية تمامًا، ولم يُشهد مثلها في أمريكا. اعلم ان (هيمنغوي) قال ان الادباء الامريكيون برزوا من بعد رواية (Huck Finn) ولكني لا اتفق معه. بدأ الامر من رواية (The Scarlet Letter). ولكن الامر اكثر من مجرد روايات وقصص (هاوثورن)، فأنا متعلق بمذكراته التي تحتوي على بعض أقوى واشهر نصوص نثره. لهذا حرصت على نشر (Twenty Days) في مجلد منفصل الذي كان متاحًا في The American Notebooks لسنوات عديدة، ولكن في الطبعة العلمية التي تكلف حوالي التسعين دولارًا والتي يتعنى قلة من الناس قراءتها.  تعتبر المذكرات التي احتفَظَ بها بخصوص رعايته لابنه ذو الخمسة اعوام لمدة ثلاثة أسابيع عام 1851 عمل قائم بذاته، بالاضافة لكونه عمل جذاب للغاية وممتعٌ جدًا بطريقته الفريدة. وهذا فيعطينا انطباع وصورة جديدة كليًا عن (هاوثورن). لم يكن ذاك الشخص الحزين والمُهذب كما اعتقده الناس او ليس أنه ليس كذلك فحسب، بل كان ابًا وزوجًا محب. كان رجلاً يحب السيجار الجيد وكأس أو كأسين من الويسكي، كان مرحًا وكريمًا وعطوفًا وخجولًا للغاية. نعم، كان شخصًا يتمتع بملذات العالم البسيطة.


لقد عملت في عدد من المجالات المختلفة لا القصائد والروايات فحسب، بل في النصوص ايضًا والسير الذاتية والنقد والترجمة هل تبدو انشطة مختلفة بالنسبة لك ام انها مترابطة بطريقة ما ؟

مترابطة اكثر من كونها منفصلة، لكن لكٍل منها اهمية مختلفة بالاضافة لانه يجب الاخذ بالاعتبار مسألة الوقت الذي اقضيه في التطوير الذاتي. لم اقم بممارسة الترجمة او كتابة النقد مذ سنوات مضت، لقد كانت شغلي الشاغل الدي استوعبني عندما كنت صغيراً ، تقريبًا من سن المراهقة المتأخرة وحتى أواخر العشرينات من عمري. وكلاهما كانا لأجل اكتشاف كُتاب آخرين، وأن اتعلم كيف أصبح كاتبًا. كان ذلك التدريبي المهني الخاص بي، اذا صح قول ذلك. وبالرغم من أني تلقيت بعض الطعنات من مزاولتي للترجمة والنقد منذ ذلك الحين، إلا أنه امر لا يستحق الذكر. كانت آخر قصيدة كتبتها عام 1979.

ما الذي حدث؟ لماذا استسلمت؟

ارتطمت بجدار. صببت تركيزي لمدة عشر سنوت على كتابة الشعر، ثم اكتشفت اني كنت ابرز نفسي فحسب واني عالق. كانت لحظة مظلمة ، ظننت ان امري انتهى ككاتب.

لقد مت كشاعر، لكنت في النهاية ولدت من جديد كروائي. كيف حدث ذلك برأيك؟

اعتقد انه حدث في اللحظة التي فهمت فيها انني لم اعد اهتم، عندما توقفت عن الاهتمام بإنشاء الادب. اعلم ان ذلك عجيب، لكن من تلك النقطة اصبحت الكتابة تجربة مختلفة بالنسبة لي ، وعدت اخيرًا من بعد حالة الركود التي دامت لعام تقريبًا. خرجت الكلمات على شكل نثر، وكل ما كان يهم هو قول ما يجب أن يقال دون النظر الى اتفاقيات ما قبل النشر او القلق حول كيفية ظهور النص. كان ذلك في أواخر السبعينيات ، واستمريت اعمل بهذه الروح منذ ذلك الحين.

اول كتاب نثر كان (The Invention of Solitude) والذي كتب بين عامي 1979 و 1981 وكان عملًا غير خيالي.  بعد ذلك اصدرت ثلاث رويات عرفت بـ(ثلاثية نيويورك) (City of Glass) و(Ghosts) و(The Locked Room) ايمكنك تحديد الفرق في الكتابة بين هذين النوعين ؟

إن الجهد المبذول واحد ، والحاجة لايجاد العبارات المناسبة هي نفسها، لكن العمل الخيالي يمنحك حرية اكبر ومرونة بعكس العمل الغير خيالي . وبالمقابل، قد تصبح تلك الحرية مرعبة نوعًا ما: ما التالي؟ كيف اتيقن أن العبارة التي سأكتبها لن تقودني لحافة الهاوية ؟ بينما تعرف  في كتابة السير الذاتية القصة بشكل متكامل ، وكل ما عليك الالتزام به هو قول الحقيقة . لكن هذا لا يجعل العمل سهلًا. في اقتباس الجزء الاول من رواية  (The Invention of Solitude) استخدمت عبارة (هيراقطيس) التي ترجمها (دافنبورت) بشكل غير تقليدي وانيق الى: “كن مستعدًا للامتوقع عند بحثك عن الحقيقة، لصعوبة ايجادها وغموضها حين ايجادها” وفي النهاية، الكتابة هي الكتابة. قد لا تكون (The Invention of Solitude) رواية لكني اعتقد انها تناولت نفس التساؤلات التي في رواياتي نوعًا ما، تعتبر اساس كل اعمالي.

وماذا عن كتابة النصوص؟ لقد شاركت في كتابة ثلاث افلام: (Smoke) و(Blue in the Face) و(Lulu on the Bridge) كيف تختلف كتابة النصوص عن كتابة الروايات ؟

تحتلف في كل شيء عدا عن امر حاسم متشابه وهو انك تحاول ان تقص قصة، لكن الوسائل المتاحة لك متباينة تمامًا. إن الروايات سرد ​​محض، تشبه سيناريوهات المسرح ، وكما هو الحال مع كل تأليف درامي فإن ما يهم هو كلمات الحوار. وبطبيعة الحال، روياتي لا تحتوي على الكثير من الحوارات، لذا كان علي تعلم اسلوب كتابة جديد حتى أستطيع التأليف من اجل فيلم ، وأن اتعلم كيف اضع الكلمات على لسان كائن حي. إن كتابة النصوص عمل مقيد بعكس كتابة الروايات ولذلك نقاط قوة وضعف، مايمكن فعله وما لا يمكن، التوقيت الزمني على سيبل المثال مختلف تمامًا بين الفلام والروايات. ففي الروايات يمكنك طي فترة طويلة من الزمن في عبارة واحدة  ” كنت أمشي كل صباح على مدار عشرين عامًا ، إلى كشك بيع الصحف واشتري نسخة منThe Daily Bugle ” لكن من المستحيل فعل ذلك في فيلم، يمكنك إظهاررجل ينزل للشارع لشراء صحيفة في يوم معين ، وليس يوميًا لمدة عشرين عامًا. فالافلام تأخذ مكانا في الحاضر، وحتى لو استخدمت تقنية شريط ذكريات الماضي سيظهر كتجسيد آخر للحاضر.

لطالما اعجبتني عبارة في كتاب (The Invention of Solitude)  تقول “القصص شكل من أشكال المعرفة” اعتقد انها فكرة مهمة فهنالك نوعً من المعرفة لا يأتي بالضرورة بشكلٍ صريح او على هيئة بيانات وشروحات بل على شكل قصص، وهذا يُذعرُني بصفتي المؤلف لـ(The Red Notebook)

اتفق، ارى هذه القصص كنوع من الـ ars poetica لكن دون نظرية او اي محتوى فلسفي. حدثت لي العديد من الامور الغريبة في حياتي والعديد من الاحداث الغير متوقعة والمستحيلة حتى انه لم يعد بإمكاني تمييز ماهو حقيقي. كل ماكان يمكنني فعله هو الحديث عن الالية التي يمشي عليها الواقع لأجمع دلائل عم يجري في العالم واحاول قدر استطاعتي تسجيلها بكل امنة. استخدمت هذا النهج في رواياتي.

انه ليس اسلوبًا بقدر كونه مبدأ: أن اروي الاحداث كما حدثت بالضبط، لا كيف يجب أن تحدث ولا بالطريقة التي نرغب أن تحدث بها. إن الروايات خيالية بالطبع، وبالتالي نكذب بكل ماتعنيه الكلمة، لكنكل روائي يحاول قول الحقيقة خلال هذه الكذبات . القصص القصيرة في The Red و Notebook present مجتمعة تقدم بيانًا لموقفي حول رؤيتي للعالم و حول انعدام التنبؤ بالتجربة. ليست هنالك أجواء خيالية فيهم، بل يستحيل ان تتوجد

عاهدت نفسك على قول الحقيقة وأنك ستقطع يمينك على ان تحنث هذا العهد. والجدير بالذكر أن النُكْتَة كانت النموذج الأدبي الذي وضعته في ذهني عندما كتبت تلك التحفظ. النكتة هي أنقى وأكثر أشكال الرواية أهمية. يجب ضرب حساب كل كلمة.

لابد أن اقوى قصة في ذلك الكتاب هي قصة The lightning . كنت تبلغ الرابعة عشرة عندما حدثت، خرجت أنت ومجموعة من الأولاد للتنزه في الغابة واستقبلتكم عاصفة رعدية رهيبة بشكل مفاجئ، اصيب الولد الذي كان بجانبك بصاعقة وتوفي. إذا كنا سنتحدث عن كيفية رؤيتك للعالم وكتابتك عنها ، فمن المؤكد أن هذه القصة ركيزة أساسية.

لا شك أن هذه الحادثة غيرت حياتي، كان الولد حيًا في لحظة وميتًا في اللحظة التي تليها. كنت على بعد بضع بوصات عنه ، كانت اول تجربة لي مع موت عشوائي وعدم استقرار مربك. تظن أنك تقف على ارضٍ صلبة فتنشق الارض من تحت قدميك وتختفي.


 

اخبرني عن مشروع National Story Project الذي قمت به مع الاذاعة الوطنية. حسبما فهمت أنهم اُعجبوا بصوتك وارادوا أن يستضيفوك على الهواء.

لابد أن للأمرعلاقة بكل السجائر التي كنت ادخنها طوال السنين. الصوت الأَجَشّ و انسداد الشعب الهوائية والقوة الهامدة، لقد شهدت النتيجة اثناء التسجيل. بدوت كحجرصنفرة يُفرك على سطح ورقة جافة.

 

كانت زوجتك سيري من اقترحت فكرة أن يرسل المستمعون قصصهم فتختار من بينها وتقرأه على الهواء ، قصص حقيقة من حياتهم.

اعتقدت انها فكرة رهيبة؛ فللاذاعة الوطنية ملايين المستمعين حول البلاد. شعرت انه اذا وصلتنا مشاركات كافية سنتمكن من انشاء معرض عن الواقع الامريكي. كان للناس كل الحرية في كتابة ما يشاؤون، امور كبيرة كانت ام صغيرة، هزلية ام مأساوية، والشرطان الوحيدان هما ان تكون المؤلفات واقعية وقصيرة لاتزيد عن الثلاث صفحات.

 

ولم قد ترغب في تحمل مثل هذا العمل الهائل ؟ ستنهي قراءة فوق الاربع الاف قصة في مدة قدرها سنة

اعتقد ان لدي عدة محفزات، اهمها هو الفضول. اردت أن اعرف ما اذا مر الناس بنفس التجارب التي خضتها أكنت غريب الاطوار أم أن الحياة كانت غريبة وغير مفهومة حقًا كما ظننتها؟  مع هذا الكم الهائل من الاحتمالات التي يمكن الاستفادة منها ، كان من الممكن أن يأخذ المشروع أبعاد تجربةٍ فلسفية.

 

وما كانت النتيجة؟

يسعدني القول أني لست الوحيد . الامر جنوني

 

وماكانت المحفزات الاخرى؟

قضيت معضم ايام شبابي قابعًا في الغرفة أقوم بتأليف الكتب، كنت سعيدًا بشكل مثالي، لكني اكتشفت متعة العمل مع الاخرين عندما اُقحمت في عالم الافلام وانا في منتصف التاسعة عشرة سنة. ولعل السبب يعود للعبي بشتى انواع الرياضات في صغري احب كوني جزء من فريق صغير، فريق ذو هدف يساهم كل فرد فيه بتحقيق هذا الهدف. هنالك فرق ضئيل جدًا بين الفوز في مباراة بيسبول واعداد فيلم ، ولعل هذا افضل ماوجدته في العمل على الافلام . احساس التكاتف والطرائف التي يخبرها بعضنا بعضًا والصداقات الي انشأتها . بحلول عام 1999 بلغت رحلتي الشيقة مع الافلام نهايتها وعدت بشكل كامل الى كتابة الروايات. اعتزلت الناس لمدت اسابيع واعتقد هذا ما دفع سيري لأن تبدي اقتراحها. ليس لمجرد كونها فكرة رهيبة، إنما للإعتقادها اني سوف أستمتع بالعمل في امر يشمل اشخاصًا اخرين وكانت محقة ، استمتعت جدًا.

 

هل استغرق ذلك الكثير من الوقت؟

ليس لدرجةٍ تعارض اعمالي الاخرى. كانت القصص تصل برتم بطيء ومنتظم طوال فترة تقديمي للبرنامج. لم يكن الامر بذلك السوء، يستغرق تجهيز البث يومًا الى يومين، وهذا لمرة واحدة فحسب في الشهر.\

 

اشعرت انك تقدم خدمة مجتمعية ؟

اعتقد اني فعلت بدرجة ما ، كانت فرصة لأنخرط في حرب العصابات ضد المسخ

 

المسخ؟

انها ” مجال صناعة الترفية ” كما دعاها الناقد روبرت هيوز ذات مرة . لا تقدم لنا وسائل الإعلام سوى المشاهير والقيل والقال والفضائح والطريقة المشوهة والمضطربة جدًا التي نصف بها أنفسنا على شاشات التلفاز والأفلام حتى أصبحت الحياة الواقعية منسية. ما حصلنا عليه هو الصدمات العنيفة والأوهام الهاربة الباهتة وكل ذلك جريًا خلف الاموال . إن الناس يُعاملون كبلهاء متخلفين لا

كبشرًا، بل مُستهلكين يتم التلاعب بهم ليرغبوا بأشياء لا يحتاجونها. سمه انتصار الرأس مالية او الاقتصاد الحر، سمه ماشئت فهو يحتوي على مقاعد معدودة لتقديم وطرح حياة الواقع الامريكي .

 

هل ظننت ان الاذاعة الوطنية قد تغير كل ذلك ؟

بالطبع لا، ولكني حاولت على الاقل شرخ هذا النظام من خلال اعطاء اشخاص عاديين فرصة لمشاركة قصصهم مع الجمهور، اردت ان اثبت انه لا مثيل للشخص العادي . جميعنا نعيش حياة مشحونة وتُحرقنا مشاعرنا الشرسة وعشنا تجارب لا تُنسى بشكل او بآخر.


احدى ابرز المميزات التي احتوتها روايتك الاولى City of Glass هي انك جسدت نفسك من خلال شخصيةٍ في القصة ، وليس انت فحسب، بل زوجتك وابنك ايضًا.  ذكرنا مسبقًا انك كتبت عدة سير ذاتية، لكن ماذا عن رواياتك؟ هل تعتمد على مواد السيرة الذاتية لكتابة رواياتك أيضًا؟

نوعًا ما ، لكن اقل بكثير مما تعتقد. تناولت كتاب Ghosts بعد كتاب City of Glass   بغض الطرف عن اعلاني بأن القصة بدأت في اليوم الثالث من شهر فبراير عام 1947 وهو يوم ميلادي، لم تحتوي القصة على اي أمر شخصي اخر. لكن كان هنالك بعض المواقف التي اقتبستها بشكل مباشر من حياتي الشخصية في كتابThe Locked Room   وهي شخصية آيفان وايشنغرسكي المؤلف الروسي الكهل وصديقه المفضل فانشاو الذي كان في باريس، انه شخصية حقيقة قابلته عندما كان يبلغ الثمانين من عمره وشهدت الكثير من حياته وانا في باريس بمطلع السبعينات، والجزء المتعلق بإعطاء آيفان الثلاجة لفانشاو حدثت لي بالفعل وبنفس الطريقة، الامر نفسه  ينطبق على المشهد التهريجي عندما قدم إفطار القبطان على ظهر ناقلة النفط وكفاحه للحفاظ على الاطباق في الصينية طوال سيره على الجسر رغم العاصفة التي بلغت سبعين ميلا في الساعة . كانت تلك المرة الوحيدة في حياتي التي شعرت فيها انني في احدى افلام بوستر كيتون . هناك ايضًا القصة المجنونة التي تروي حادثة العمل لمكتب الإحصاء الأمريكي في هارلم عام 1970. كانت احداث القصة اقتباسًا لتجربتي الشخصية بالحرف.

 

أتخبرنا انك فعلًا ابتكرت اشخاصًا وهميين ومنحتهم اسماءًا ثم قدمتها للحكومة الفدرالية؟

اعترف بذلك. آمل أن يكون قانون التقادم قد انقضى الآن وإلا سينتهي بي المطاف ملقًا في السجن لإجراء هذه المقابلة . يجب أن أذكر في دفاعي أن المشرف شجع هذه الممارسة لنفس السبب الذي أعطاه في الرواية ” لا دخان بلا نار، استخدم خيالك ياصديقي عمومًا، لانريد ان نغضب الحكومة أليس كذلك؟  “.

 

ماذا عن الرواية التي عقبت Trilogy ؟ أهنالك أي أسرار أخرى ترغب بمشاركتها معنا ؟

انا افكر . . لا يطرأ في بالي شي من رواية  The Music of Chance كذلك In the Country of  Last Things و Mr. Vertigo ايضًا ، هنالك امران بسيطان في رواية Leviathan وامر اخر مسلي في Timbuktu التي كانت عن كلب الكتابة. جسدت نفسي في هذا الكتاب بصفتي نستر أو أومستر زميلة ويلي السابقة في الكلية ( عجز السيد بونز عن تذكر الاسم بالكامل ) وبالفعل ذهبت إلى إيطالياعندما كنت ابلغ السابعة عشرة لزيارة خالتي التي كانت تعيش هناك منذ أكثر من عقد، وحدث أن إحدى صديقاتها هي إليزابيث مان بورغيزي ابنة توماس مان التي كانت عالمة مشاركة في دراسة للحيوانات، ودُعينا في أحد الأيام إلى منزلها لتناول طعام الغداء ، وتعرفت على كلبها “أولس” ، وهو احد كلاب الساطر الإنجليزية الضخمة وتم تعليمه كيفية كتابة اسمه على آلة كاتبة مخصوصة مستخدمًا انفه. رأيت ذلك بأم عيني لقد كانت واحدة من أكثر الأشياء الغير معقولة والاستثنائية التي شاهدتها على الإطلاق.

 

كانت الاحرف البادئة لأسم الراوي في كتاب Leviathan مأخوذة من اسمك ، بيتر ارون وهو متزوج من امرأة تدعى آريس وهو اسم زوجتك معكوسًا

بالفعل، لكن بيتر ليس متزوجًا بآريس بل من بطلة رواية سيري الأولى The Blindfold

 

علاقة حب خيالية

بالضبط.

 

لم تتطرق لرواية Moon Palace. إنها تبدو سيرة ذاتية اكثر من كونها رواية ، كما أن شخصية فوغ بعمرك تمامًا وذهب الى كولومبيا كما فعلت بالضبط.

فعلًا. أعلم أن الكتاب يبدو شخصيًا للغاية ، لكن لا شيء تقريبًا مبني على حياتي الخاصة. لا يطرأ علي سوى امرين، الأول يتعلق بأبي وأراه كنوع من الانتقام بعد وفاته وطريقة لتسوية الامور نيابة عنه.

كان تسلا شخصية ثانوية في الرواية ، وخصصت عدة صفحات للجدل حول AC-DC الذي اندلع بين إديسون وتيسلا عام 1890 حيث قام آفينغ – وهو العجوز الذي يروي قصة –  بممارسة كل انواع الإساءة على إديسون ، واتضح أنه عندما تخرج والدي من المدرسة الثانوية عام 1929 تم تعيينه من قبل إديسون للعمل كمساعد في المختبر في Menlo Park  . كان والدي موهوبًا جدًا في الالكترونيات ، لكن بعد أسبوعين من العمل اكتشف إديسون أنه يهودي فطرده. لم يخترع الرجل الكرسي الكهربائي فحسب ، بل كان شنيعًا معاديا للسامية واردت التطرق له والعودة من اجل والدي لأسدد ديني.

 

وماهو الامر الاخر ؟

انه الليلة التي اعطي فيها إيفينج الأموال للغرباء في الشارع . استلهمت ذلك المشهد مباشرة من أمر حدث لي عام 1969 وهو لقائي مع هيرولد هيومز المعروف باسم دوك هيومز والذي كان أحد مؤسسي منصة The Paris Review  . لقد كان عملًا ضخمًا، لا اعتقد أني كنت سأستطيع تأليفه وحدي.

 

لقد كتبت بعض الصفحات التي لا تنسى عن دوك هيومز في كتاب Hand to Mouth ، وهي احدى مقالات سيرتك الذاتية ايضًا. يتمحور معضم الكتاب حول صراعاتك عندما كنت شابًا لتبقى عصاميًا وهذا يحتمل العنوان الفرعي الفضولي ” A Chronicle of Early Failure “. ما الذي دعاك للأخذ بهذا العنوان؟

 

لطالما رغبت في كتابة شيء عن المال، ليس التمويل او التجارة إنما تجربة عدم امتلاك اموال كافية- تجربة الفقر. لقد فكرت بهذا المشروع لعدة سنوات ولطالما بدا عنوان عملي “Essay on Want ” لوكيًا تمامًا، ومتشبعًا بطابع الثمانينات وحادًا جدًا. كنت اخطط لكتابة عمل فلسفي جاد، ولكن انقلبت الاوضاع عندما بدأت واصبح الكتاب يقص مشكلتي الشخصية المتعلقة بالتعامل مع الاموال. وبغض النظر عن كونه موضوعًا كئيبًا، كانت روح الكاتب هزلية بشكل كبير. مع ذلك، لم يكن العمل عن نفسي فحسب انما اعتبرته فرصة للكتابة عن بعض الشخصيات المشرقة التي قابلتها في صغري كرد دين لهم. لم ارغب يومًا في العمل المكتبي او التمسك بعمل مستقر وثابت ، بل إني اراها فكرة كريهة. انجذبت لنوع مختلف من الاعمال، وهذا منحني فرصة لقضاء الوقت مع اشخاص لا يشبهوني، اشخاص لم يلتحقوا بالجامعات ولم يقرأوا الكثير من الكتب. إننا نميل إلى الاستخفاف بذكاء الطبقة العاملة في هذه البلاد، ولكني وجدت من تجربتي الشخصية أن معظمهم اذكياء بقدر الذين يديرون العالم عدا انهم ليسوا تواقين بقدرهم وهذا كل مافي الامر، وبالمقابل حديثهم اكثر متعة. عانيت اينما ذهبت حتى أنساق معهم ، قضيت الكثير من الوقت وأنفي مدفون في الكتب و معظم زملائي في العمل يتحدثون من حولي.


من هو ملهمك لشخصية هيكتور مان الكوميدي الصامت في فيلم The Book of Illusions؟

لقد ظهر في عقلي قبل حوالي العشر او الاثنا عشر سنة، وتجولت معه لوقت طويل قبل أن ابدأ بتأليف الكتاب. لكن شخصية هيكتور كانت مكتوبة بشكل تام منذ البداية، ليس اسمه فحسب وكونه ولد في الارجنتين، بل حتى البدلة البيضاء والشارب الاسود والوجه الحسن – كل تلك التفاصيل كانت موجودة.

 

لقد ابتكرته من الامكان، لكن عندما قرأنا وصفك لمواقفه الطريفة لم نستطع تصديق انه ليس نجمًا حقيقيًا.

بدا وكأنه اقتحم عالم الافلام التاريخية.  ألديك فكرة من او ماذا الهمك؟

لست متأكدًا. جسديًا، يحمل هيكتور مان تشابهًا قويًا مع مارسيلو ماستروياني في فيلم Divorce, Italian Style وهو فيلم من أوائل الستينيات. قد يكون الشارب والبدلة البيضاء إلهامًا من هذا الفيلم ، رغم أنني لست متأكدًا. يتشارك هيكتور بعض الخصائص مع ماكس ليندر – وهو من اوائل الكومديين الصامتين الفذين – ولربما كان لريمون قريفيث لمسة ايضًا . لكن معضم افلام قريفيث ضاعت مما جعله شخصية غامضة نوعًا ما . ورغم أنه لعب دورًا متألقًا كما فعل هيكتور وكان له شارب ايضًا إلا أن اداء هيكتور كان ادق و اكثر تجسيدًا فنيًا من قريفيث.

 

لقد كانت تفاصيل الافلام معبرة عن الكلمات تمامًا ، كيف اعتنيت بكتابة هذه العروض؟

إنها تتعلق بتحقيق التوازن الصحيح. يجب أن تكون جميع البيانات البصرية موجودة – التفاصيل المادية للعمل – حتى يتمكن القارئ من “رؤية” ما كان يحدث ، وفي الوقت نفسه كان على النثر أن يتحرك بخطى سريعة لمحاكاة تجربة مشاهدة فيلم الذي يعرض لك أربعة وعشرين لقطة في الثانية الواحدة . وقد تعيقك الكثير من التفاصيل، واحساس بعدم الاكتفاء، والعجز عن الؤية. احتجت لمراجعة هذه الصفحات مرارًا قبل أن اشعر أني انجزتها بشكل صحيح.

 

تعد أفلام هيكتور عنصرًا مهمًا في  الرواية. وبالرغم من أن ديفيد زيمر هو الشخصية الرئيسية ، إلا إنه بمجرد أن بدأت الرواية قُتلت زوجته وولديه في حادث تحطم طائرة. اتضح أننا بالفعل  نعرف ديفيد زيمر من أحد أعمالك السابقة فهو صديق ماركو فوج من رواية Moon Palace . وعرفنا ايضًا من ذلك الكتاب أنه الشخص الذي تلقى خطاب آنا بلوم والذي شكّل في الواقع كامل فحو روايتك السابقة In the  Country of Last Things ولم يرد ذكر فوغ في كتاب The Book of Illusions، ولكن أُشير اليه بسرية بإسم ماركو ابن زيمر الثاني Zimmer’s second son, Marco .

عرفت زيمر منذ وقت طويل لكنه كبر بالعمر اللآن ، وحدثت الكثير من الامور مذ اخرة مرة رأيناه.

 

يروي كتاب The Book of Illusions قصة معقدة للغاية ، ولكنها تعبر في صميمها عن استكشاف الاسى.. كيف نواصل العيش بعد خسارة كارثية ؟ كيف نحيي أنفسنا بعد وفاة شخص نحبه؟ من مَنْظُور مختلف تمامًا، كان هذا هو الشغل الشاغل لشخصية تيمبوكتو، أليس كذلك؟ أو دعني اصيغها بطريقة اخرى، هل تعتقد أنه كان بإمكانك كتابة احدى هذه الكتب قبل عشرة أو خمسة عشر عامًا؟

اشك في ذلك فأنا الآن في الخمسينيات من عمري، والأمور تختلف كلما تقدمت في العمر. مضت الحياة، وتخبرك الحسابات البسيطة أنك اجتزت اضعاف ما بقي لك من السنين – اضعاف مضاعفة . يبدأ جسمك في الانهيار ، وتجتاحك الألآم في مختلف انحاء جسمك بشكل لم تعهده من قبل ، ويموتون احبابك واحدًا تلو الاخر. نصبح مسكونين بالأشباح بحلول عمرالخمسين ويعيش الموتى في اعماقنا فنقضي اوقاتنا نتحدث اليهم كما نتحدث للاحياء. من الصعب على شخص يافع فهم هذا. هذا لا يعني أن من يبلغ الـ 20 عامًا لا يعلم أنه سيموت، لكن فقدان الآخرين يؤثر بشدة على كبار السن – ولا يمكنك التيقن مما ستحدثه هذه الخسائر حتى تواجهها بنفسك. فالحياة قصيرة وهشة جدًا وشديدو الغاموض. في الاخير ، كم يبلغ عدد من نحبهم فعلًا طوال حياتنا ؟ القليل فقط ، القليل جدًا وعندما يتوفى معظمهم ، تتغير خريطة عالمك. وكما قال لي صديقي جورج أوبن ذات مرة عن الكبر: يا له من شيء غريب أن يحدث لصبي صغير.

 

لقد اقتبست هذا السطر في كتابك The Invention of Solitude

انه افضل اقتباس سمعته في حياتي عن الهرم.

 

في كتاب Leviathan قال راوي القصة: ” لا يمكن لأحد أن يجزم من أين تُستلهم الكتاب ، ولا حتى مؤلفة

فالكتب تُولد بدافع الجهل ، وإذا حَيت بعد كتابتها فهي تحيى بالقدر الذي لا يمكن فهمها فحسب ”  لأي درجة تؤمن بذلك ؟

صحيح أنني اتحدث مباشرة من خلال شخصيات كتبي. قد يشبهونني في بعض الأحيان ، أو يستعيرون جوانب من حياتي ، لكنني أميل إلى التفكير فيهم ككائنات مستقلة ذاتيا ، بآرائهم الخاصة وطرقهم الفريدة في التعبير عن أنفسهم  عدا انه في هذه الحالة رأي آرون يطابق رأيي.

 

عندما تشرع في كتابة رواية ، ما مدى يقينك بما تفعله ؟ أتعمل بناءًا على خطة ؟ هل تعرف الحبكة مسبقًا ؟

بدأ كل كتاب كتبته بما أسميه ازيز في الرأس. نوع من الموسيقى او اللحن او الايقاع، ومعظم الجهد المبذول في كتابة الرواية بالنسبة لي هو في محاولة أن أظل وفيًا لذلك الازيز والإيقاع. انه عمل حسي للغاية لا يمكنك تبريره أو الدفاع عنه بطريقة عقلانية ، لكنك تعي تمامًا لحظة ضربك للحن خاطئ ، وعادة ما تكون متأكدًا تمامًا عندما تضرب اللحن المناسب.

 

هل تقفز بين فصول القصة وانت تكتب ؟

لا، يبدأ كل كتاب بجملة استفتاحية وانطلق منها حتى اصل لاخر جملة بتسلسل . كل فقرة على حدة. يكون لدي إحساس بمسار القصة – وغالبًا ما املك أول واخر جملة  قبل أن أبدأ – لكن الامور تستمر في التغير اثناء سردي. لم يسبق أن نشرت كتابًا وانهيته بالشكل التي ظننته سيكون عليه. تختفي احداث وشخصيات وتظهر اخرى، أي ان الكتب تبنى اثناء عملية كتابتها وتأليفها وهذه هي مغامرة العمل. سيكون الامر مثيرًا لو أمكنك تخطيط كل شيء مسبقًا.

 

مع ذلك تبدو كتبك دائمًا ممنهجة ومنظمة نوعاً ما ، بل انها احدى الامور التي تُقدر عليها.

مر كتاب The Book of Illusions بعدة تحولات جذرية طوال مسيرته وكنت اعيد تدبر أفكاري بخصوص القصة وصولاً إلى الصفحات الأخيرة. كما اني تصورت كتاب Timbuktu في البداية ككتاب أطول بكثير. كان من المفترض أن يكون لشخصيتي ويلي والسيد بونزأدوار بسيطة ، ولكن بمجرد أن بدأت كتابة الفصل الأول وقعت في حبهما وقررت إلغاء خطتي وتحول المشروع إلى كتاب غنائي قصير عنهما وبالكاد يحتوي أي حكبة . اما بالنسبة لكتاب Mr. Vertigo، ظننت أني أكتب قصة قصيرة تتكون من ثلاثين أو أربعين صفحة ، لكنه تحول لامر يحتاج لحياة بطولها. لطالما بدت الكتابة هكذا بالنسبة لي أخطو ببطء في طريقي للوعي.

 

هلاّ عدنا لقولك ” كل فقرة على حدة ” ؟

يبدو أن الفقرة الكتابية هي وحدة الانشاء الخاصة بي .  فالسطر هو وحدة قصيدة ، وتقدم الفقرة نفس الغرض في النثر – بالنسبة لي على الأقل –  أستمر في العمل على الفقرة إلى أن أرضى عنها بشكل معقول، اكتب وأعيد الكتابة حتى احصل على التركيب المناسب، والتوازن المناسب ، والموسيقى المناسبة – فتبدو جلية وواضحة دون مجهود ، و”غير مكتوبة”. قد تستغرق هذه الفقرة يومًا لإكمالها أو نصف يوم أو ساعة أو ثلاثة أيام . وما أن انهيها اقوم بطباعتها لألقي نظرة افضل عليها. لذلك لكل كتاب مخطوطة يدوية ومخطوطة مطبوعة لاحقة بالطبع ، ليتنى لي مهاجة الصفحة المكتوبة وأجراء المزيد من المراجعات.

 

وشيئا فشيئا ، تتصاعد الصفحات

أجل ،  ببطئ

 

هل تعرض عملك على اي شخص قبل انهائه ؟

سيري. أنها قارئتي الاولى واثق تمام الثقة في حكمها على رواياتي، أقرأ لها منها شهريًا او كلما انهيت مجموعة جديدة من عشرين أو ثلاثين صفحة. تساعدني القراءة بصوت عالٍ في تحكيم الكتاب ومعرفة أين أخطأت أو فشلت في التعبيرعما كنت أحاول قوله ، حينها تبوح سيري بتعليقاتها. لقد كانت تفعل ذلك منذ اثنا وعشرين عامًا ، وكل ما قالته كان ذكيًا وفطنًا دائمًا. لا استطيع تذكر مرة لم أتبع نصائحها فيها؟

 

وهل تقرأ انت اعمالها ؟

اجل ، احاول ان امنحها ما تقدمه لي . يحتاج كل كاتب إلى قارئ موثوق – شخص يتعاطف مع ما تفعله ويريد أن يكون العمل ممتازا قدر الإمكان – لكن عليك أن تكون صادقًا ، هذا هو الشرط الأساسي. لا أكاذيب ، لا تربيت ظهر زائف ، ولا مدح لشيء لا تعتقد أنه يستحق.

 

لقد اهديت رواية  Leviathan لدون ديليلو عام 1992 وبعد 11 سنة ، اهدى هو رواية Cosmopolis لك . من الواضح أنكما تملكان صداقة طويلة وتحترمان اعمال بعضكما البعض. لمن تقرأ من الروائيين المعاصرون هذه الأيام؟

عدد لا بأس به، غالبًا اكثر مما يمكنني عده. بيتر كاري ، راسل بانكس ، فيليب روث ، إي. إل. دوكتورو ، تشارلز باكستر ، جي إم كويتزي ، ديفيد جروسمان ، أورهان باموق ، سلمان رشدي ، مايكل أونداتجي ، سيري هوستفيدت . . هذا مابدر الى ذهني حاليًا ، لكن إذا سألتني نفس السؤال غداً ، فمن المؤكد أنني سأقدم لك قائمة مختلفة. وعلى عكس ما يريده الكثير من الناس تصديقه ، فإن الروايات في حالة جيدة هذه الأيام، بصحة وقوة كما كانت من قبل. إنها عُرف لا ينضب ، وبغض النظر عما يقوله المتشائمون فهي لن تموت أبدًا؟

 

مالذي يجعلك واثقًا من ذلك ؟

لأن الرواية هي المكان الوحيد في العالم الذي يمكن أن يلتقي فيهما غريبان على أسس العلاقة الحميمة المطلقة. يُنشئ الكاتب والقرأء الكتاب معًا ولا يمكن لفن اخر القيام بذلك. لا يمكن لأي فن آخر التقاط جوهر الحياة البشرية الأساسية.

 

ستنشر روايتك الجديدة  Oracle Night في نهاية العام، أي بعد خمسة عشر شهراً فقط من نشر كتاب The Book of Illusions . لطالما كنت دائمًا خصب الإنتاج ، لكن هذا يبدو قياسيًا نوعًا ما.

في الواقع ، بدأت في كتابة Oracle Night قبل The Book of Illusions  . كتبت العشرين صفحة الأولى أو نحو ذلك ، ثم توقفت لاني لم أستوعب ما كنت أفعله تمامًا . استغرق كتاب The Book of Illusions حوالي الثلاث سنوات لكتابته ، وخلال ذلك الوقت واصلت التفكير في Oracle Night  وعندما عدت إليها أخيرًا انجزتها بسرعة مذهلة . شعرت كما لو كنت أكتب في نشوة.

 

وهل كانت الرحلة سلسة طوال الطريق ، أم واجهتك بعض صعوبات ؟

ليس تمامًا، حتى وصلت للنهاية وهي نحو آخر عشرون صفحة . كنت املك نهاية مختلفة عندما بدأت الكتابة ، لكني لم اُسعد بالنهاية عندما أنهيت الكتاب كما خططت له . كان وحشي للغاية ، و مُهَيّج لدرجة قوضت لهجة الكتاب. لقد علقت لعدة أسابيع بعدها. ولفترة من الوقت ظننت أنني سأضطر إلى ترك الكتاب دون اكماله تماما مثل قصة سيدني في الرواية. بدا الأمر وكأنني وقعت تحت وطأة مشروعي وعشت في نفس النضالات التي واجهها بطلي،  لحسن الحظ صابني الالهام أخيرًا وتمكنت من كتابة اخر عشرين صفحة.

 

مذ لحظة ، استخدمت كلمة العلاقة الحميمة، وهذا اول ما يبادر الذهن فيما يتعلق بهذا الكتاب. إنها رواية حميمة بشكل عميق وربما من أكثر الأعمال التي تعلقت بها على الإطلاق.

إنني اعتبرها مثل الـ chamber piece ، عدد قليل جدًا من الشخصيات وكل الأحداث تدور في حلقة زمنية تبلغ أسبوعين فحسب. عمل معقد جدًا ومنطو على نفسه، جزء ضئيل من اجزاء متشابكة.

 

هنالك العديد من العناصر التي سبق وأن استخدمتها مثل الحواشي .

بالكاد كانت الفكرة اساسية بالطبع ، لكني شعرت انها مهمة لهذه القصة بالذات. يقتصر النص الرئيسي على الحاضر ، الأحداث التي تحدث خلال هذين الأسبوعين ، ولا أريد مقاطعة تدفق السرد في حين تستخدم الحواشي للحديث عن امور حدثت في الماضي.

 

لقد استخدمت الرسومات في كتابين سابقين: الخرائط في كتاب City of Glass والرسم البياني في كتاب Mr. Vertigo  لكن في كتاب Oracle Night كان هناك صورتان – لكتاب دليل وارسو لارقام الهواتف 1937-1938 وكان شادًا للغاية وفعال. كيف حصلت على دفتر الهاتف وما الذي جعلك تقرر تضمين هذه الصور؟

ذهبت إلى وارسو عام 1998 لأول مرة، فقدمها لي ناشر بولندي كهدية. كان هناك شخص يدعى أوستر في ذلك الكتاب – ولا شك أنه قتل على يد النازيين بعد بضع سنوات – وبالطريقة نفسها وجد سيدني ، الراوي لـ Oracle Night شخصًا قد يكون قريبًا له، احتجت للصور حتى اثبت أن الكتاب موجود فعليًا – ولم اكن ادعي الامر. الرواية بأكملها مشبعة بالإشارات إلى تاريخ القرن العشرين الحرب العالمية الثانية والمحرقة ، الحرب العالمية الأولى ، الثورة الثقافية الصينية ، اغتيال كينيدي. إنه كتاب عن الزمن بعد كل شيء ، وهو زائل بقدر هذه الاشارات، فهي جزءٌ أساسيٌ من القصة.

 

تعتبر Oracle Night روايتك الحادية عشرة مع مرور السنوات ، هل اصبحت كتابة الروايات الخيالية اسهل بالنسبة لك ؟

لا، لا اعتقد ذلك. فكل كتاب هو كتاب جديد لم يسبق لي كتابته ، وعلي أن أتعلم كيفية كتابته وانا امضي قدمًا. حقيقة أني ألفت العديد من الكتب في الماضي لا تلعب أي دور بذلك. أشعر دائمًا أنني مبتدئ وأواجه نفس الصعوبات ونفس الحواجز ونفس اليأس وارتكب الكثير من الأخطاء ككاتب ، واشطب العديد من الجمل والأفكار السيئة واتجاهل الكثير من الصفحات الفارغة ، ليكون كل ما تعلمته في الاخير هو مدى غبائي. إنه احتلال متواضع.

 

من الصعب أن تتخيل أن روايتك الأولى City of Glass  تم رفضها من قبل سبعة عشر ناشراً أمريكياً والآن ، بعد عشرين عامًا ، تمت ترجمة كتبك إلى أكثر من ثلاثين لغة. هل توقفت يومًا عن التفكير في مهنتك الغريبة: كل هذا العمل الشاق والصبر والنجاح أيضًا؟

أحاول أن لا افعل يصعب علي رؤية نفسي من منظور خارجي فببساطة أنا لا املك المهارة العقلية لفعل ذلك او على الاقل في مجال عملي، بل على الاخرين الحكم على مافعلت. ولا اعدكم أن املك اجابة لهذا السؤال. اتمنى لو بإستطاعتي ذلك، لكني لم اتقن مهارة أن اكون بمكانين في آن واحد.

 

 

 

لقاء باريس ريفيو مع غابرييل ماركيز بعنوان: فن الخيال


هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014) روائى وصحفى كولمبي، يعد من أشهر الروائيين في كولومبيا وفي العالم الأدبي، تميز في كتابة الروايات الواقعية العجائبية وأحد أشهر مؤلفاته (مائة عام من العزلة).

غابرييل غارسيا ماركيز، فن الخيال، الجزء 69

أجرى المقابلة: بيتر هـ. ستون، العدد 82، شتاء 1981

بيتر هـ. ستون:
أُجريت هذه المقابلة مع (
غابرييل غارسيا ماركيز) في ديوانيته/مكتبه الواقع خلف منزله في دُور سان آنجيل، منطقة أثرية وجميلة، مليئة بورود مدينة مكسيكو الملونة. يقبع المعمل على بعد خطوات قليلة من المنزل، ذلك المبنى المنخفض الذي يبدو وكأنه مخصّص للضيافة. في الداخل، على إحدى جوانبه أريكة وكرسيّان، ومشرب مؤقت، بالإضافة إلى ثلاجة بيضاء صغيرة مزودة بتشكيلة معدنية أعلاها.

كان أبرز ما يميز الغرفة اللوحة الكبيرة التي تعلو الأريكة، يقف فيها (غارسيا ماركيز) وحيدا وهو يرتدي رداء أنيقا، واقفا أمام منظر طبيعي كـ(أنثوني كوين)

كان (غارسيا ماركيز) جالسا على مكتبه في أقصى الديوانية. قدم للترحيب بي، ماشياً بثقة وبخطوات خفيفة. كان رجلاً ذا بنية صلبة، طوله 180 سنتيمترا تقريبا، يبدو كمقاتل متوسط الحجم واسع الصدر وربما نحيف الساقين بعض الشيء. كان يرتدي بنطالاً قصيراً وسترة رقبة خفيفة وحذاء جلدياً أسوداً. شعره غامق اللون بني، مجعد، وشاربه عريض ممتلئ

استغرقت المقابلة ست ساعات مقسمة على ثلاثة أيام، تحدثنا لمدة ساعتين من عصر كل يوم. وبالرغم من أن لغته الإنجليزية جيدة جدا إلا إنه تحدث الإسبانية معظم الوقت وكان معه ابناه يترجمان. عندما يتحدث (غارسيا) فإن جسده يتحرك جيئة وذهابا، ويداه تتحركان إما وصفاً وتأكيداً لما يقول أو لتوضيح تغيير في اتجاه تفكيره. يتناوب جسده ما بين الميل إلى مستمعيه أو الاتكاء على الخلف ووضع إحدى قدميه على الأخرى


كيف تشعر حيال استخدامي لمسجل الصوت؟

المشكلة هي أنك بمجرد أن تعلم أن المقابلة مسجلة فإن أسلوبك يتغير. ففي حالتي مثلا، أتخذ موقفًا دفاعيًا على الفور. كصحفي، أشعر أننا مازلنا لم نتعلم بعد كيفية استخدام مسجل الصوت لإجراء مقابلة. الطريقة المثلى لإجراء المقابلات، كما أعتقد، هي الخوض في محادثة طويلة دون أن يدوّن الصحفيّ شيئا. ثم بعد ذلك، عليه أن يتذكر المحادثة وأن يكتب ما يتذكر من انطباعات ومشاعر حولها، وليس بالضرورة استخدام ذات الكلمات التي قيلت أثناء المقابلة. طريقة أخرى مفيدة هي تدوين الملاحظات ثم تفسيرها لاحقا مع الحرص على عدم الخروج عن مقصد الشخص الذي تقابله. الأمر المزعج في تسجيل كل شيء هو أن مسجل الصوت ليس مخلصًا للشخص الذي تجري مقابلته، لأنه يسجل ويتذكر كل شيء، حتى الأوقات التي تحرج فيها نفسك. لذلك، عند وجود شريط مسجل، فإن تركيزي عالٍ وانتباهي منصبّ على كوني في مقابلة، وعند غياب الشريط المسجل، فإني أتحدث بأريحية تامة.

إني أشعر بالذنب بعض الشيء، لكني أعتقد أنّا بحاجة إلى المسجل لهذا النوع من المقابلات

على كل حال، الهدف مما قلته للتو هو وضعك في موقف دفاعي مثلي

أتقول أنك لم تستخدم مسجل الصوت أبداً لتسجيل مقابلة أجريتَها؟

كصحفيّ، لا أستخدم المسجل أبداً. لدي مسجل شخصيّ أستخدمه لسماع الموسيقى. ومجددا، كصحفيّ، لا أجري المقابلات وإنما أكتب التقارير، دون مقابلة بأسئلة وأجوبة

سمعتُ من قبل عن مقابلة شهيرة مع البحّار الذي تحطمت سفينته

لم تكن مقابلة بأسئلة وأجوبة. أخبرني البحار بالقصة، ونقلتُها عنه باستخدام كلماته وكأنّه الكاتب. وعند نشر العمل كسلسلة في إحدى الصحف لمدة أسبوعين، كان هو من يوافق على كل جزء منها، وليس أنا. لم تُنشر القصة مرة أخرى بعد ذلك إلا بعد عشرين سنة، حينها علم الناس أني كنت الشخص الذي نقلها. ولم يُعِر أي محرّر لجودتها اهتماماً إلا بعد أن كتبت (مائة عام من العزلة).

بما أننا بدأنا بالتحدث عن الصحافة، كيف تشعر حيال عودتك إليها مرة أخرى، بعد تركها لكتابة الروايات لفترة طويلة؟ هل خضت فيها بأسلوب مختلف أو وجهة نظر مختلفة؟

لطالما كنت مؤمنا بأن مهنتي الحقيقية هي الصحافة. ما لم يعجبني في الصحافة سابقا كانت ظروف العمل. بالإضافة إلى أني أضطر أن أكيّف أفكاري لمصالح الصحيفة. والآن، بعد عملي كروائيّ، واستقلالي المالي كروائيّ، فبإمكاني اختيار الموضوعات التي تهمني وتتوافق مع أفكاري. على كل حال، إني أستمتع دائمًا بالأعمال الصحفية التي أقدمها.

أي من الأعمال الصحفية تراها عظيمة؟

هيروشيما لـ(جون هيرسي) كان عملا استثنائيا فعلا.

أهناك قصة في وقتنا الحالي تود نقلها تحديدا؟

هناك العديد، وقد نقلتُ بعضا منهم في الحقيقة. كتبتُ عن البرتغال وكوبا وأنغولا والفييتنام. أرغب بشدة أن أكتب عن بولاندا. أعتقد أني لو كتبتُ عن أوضاعهم الحالية هناك بالتفصيل فستكون قصة مهمة جدا. لكن بولندا باردة جدا هذه الأيام، وأنا صحفيّ يحب الراحة.

هل تعتقد أن الروايات قد تحقق أهدافا لا تحققها الصحافة؟

كلّا. لا أرى أن هناك فرق. المصادر نفسها والمعطيات نفسها، كما الموارد واللغة. (مذكرة عام الطاعون) للكاتب (دانييل ديفو) هي رواية رائعة، و(هيروشيما) في المقابل هي عمل صحفي رائع.

هل لدى الصحفيّ والروائيّ مسؤوليات مختلفة فيما يتعلق بالموازنة بين الحقيقة والخيال؟

في الصحافة، حقيقة مغلوطة واحدة قد تؤذي العمل بأكمله، والعكس تماما في الرواية، حقيقة صحيحة واحدة قد تمنح الشرعية للعمل بأكمله. هذا هو الفرق الوحيد، وهو عائد إلى التزام الكاتب. يستطيع الروائي عمل أي شيء، شريطة أن يجعل الناس يؤمنون به.

في بعض المقابلات التي أجريتَها الأعوام الماضية، كنتَ تتذكر أيامك كصحفيّ وكيف أنك كنت أكثر نشاطا.

أجد صعوبة في الكتابة الآن أكثر من قبل، سواء في الصحافة أو في كتابة الروايات. عندما كنت أعمل لدى الصحف، لم أكن أدقق في كل كلمة أكتبها كما أفعل الآن. عندما عملت لدى صحيفة “الاسبكتادور (El Espectador) في بوغوتا، كنت أنقل ثلاث قصص أسبوعياً على الأقل، واثنين أو ثلاث مراجعات تحريرية في اليوم، كما كنت أعمل مراجعات للأفلام. ثم بعد أن يغادر الجميع، تجدني في المكتب ليلاً أعمل على رواياتي. يعجبني صوت آلة الكتابة، يشبه صوت المطر، إن توقف صوتها وعمّ الهدوء، فلن أستطيع العمل حينها. والآن، المخرجات قليلة بالمقارنة. في يوم عمل طبيعي، أعمل من التاسعة صباحا حتى الثانية أو الثالثة عصرا، وأقصى ما يمكنني كتابته هو فقرة قصيرة من أربعة أو خمسة سطور أمزقها عادة في اليوم التالي.

ألذلك علاقة بشهرة أعمالك اليوم وأهميتها أم بسبب التزام سياسيّ ما؟

كلاهما. أعتقد أن الكتابة لعدد أكبر بكثير مما كنت أتخيل قد خلق في داخلي إحساسا بالمسؤولية الأدبية والمسؤولية السياسية. كما أن هناك نوعا من الكبرياء، حيث لست أريد أن أكتب شيئا أقلّ جودة مما كتبتُ من قبل.


كيف كانت بدايتك في الكتابة؟

الرسم. الرسوم المتحركة، قبل أن أتعلم القراءة أو الكتابة، كنت أرسم في المدرسة وفي المنزل. الطريف في الأمر، هو أني أتذكر أني كنت معروفا في مدرستي في المرحلة الثانوية بكوني كاتبا، رغم أني لم أكن كتبت شيئا. إن كان هناك منشور أو خطاب علينا كتابته كطلاب، فإني أنا من يكتبه لأني الكاتب كما يفترض. عندما التحقت بالجامعة، كانت لدي خلفية أدبية جيدة بشكل عام، أعلى من متوسط أصدقائي. في الجامعة في بوغوتا، بدأت بتكوين صداقات جديدة عرفتني على الكتّاب المعاصرين. في إحدى الليالي، أعارني صديق لي كتاب قصص قصيرة كتبها فرانك كافكا. عدتُ إلى منزلي وشرعتُ في قراءة (المسخ). صعقني السطر الأول، كنت متفاجئاً تماما. بدأ الكتاب بـ“عندما استيقظ (غريغور سامسا) صباحا بعد ليلة مليئة بالأحلام المضطربة، وجد نفسه قد تحول بشكل ما في فراشه إلى حشرة عملاقة …” عندما قرأت هذه الجملة فكرت في نفسي أني لم أكن أعلم أنه من المسموح لأحد أن يكتب شيئا كهذا، لو كنت أعلم ذلك لبدأت في الكتابة منذ زمن طويل جدا. لذا بدأت بعدها مباشرة في كتابة القصص القصيرة. كانت قصصا قصيرة ثقافية تماما وقد بدأت كتابتها معتمدا على تجربتي الأدبية، إذ لم أكن أعلم بعد كيفية الربط بين الأدب والحياة الحقيقية. نُشرت القصص في الملحق الأدبي من صحيفة “الاسبكتادور (El Espectador) في بوغوتا وقد حققت بعض النجاح في ذلك الوقت، ربما لأني أول من كان يكتب قصصا ثقافية قصيرة في كولومبيا. ما كان يكتبه الكتّاب في ذلك الوقت كان عن الحياة الريفية والاجتماعية. عندما كتبت القصص القصيرة تلك، شُبّه أسلوبي في الكتابة بكتابات (جيمس جويس).

وهل كنت قد قرأت لـ(جويس) في ذلك الوقت؟

لم أكن قد قرأت له بعد. لذا، بدأت بقراءة رواية (يوليسيس)، قرأتها بالنسخة الإسبانية الوحيدة الموجودة. ومن ذلك الحين، بعد قراءتها باللغة الإنجليزية ولاحقا بترجمة فرنسية جيدة جدا، علمت أن الترجمة الإسبانية كانت سيئة للغاية، لكني تعلمت شيئا أفادني كثيرا في وقت لاحق، وهو أسلوب كتابة الأفكار الداخلية للشخصيات. وجدت الأسلوب ذاته في كتابات (فيرجينيا وولف)، وأعجبتني طريقتها في الطرح أكثر من (جويس). علمت لاحقا أن الكاتب الذي بدأ باستخدام أسلوب الأفكار الداخلية هو كاتب (حياة لاثريو دي تورميس) (Lazarillo de Tormes) المجهول.

هل من الممكن أن تخبرني بأوائل المؤثرين بك؟

كان أول من ساعدني في التخلص من الأسلوب الأدبي البحت أثناء كتابة القصص القصيرة هم كتّاب الجيل المفقود، النّاجون من ضحايا الحرب العالمية الأولى. كان أسلوبهم الأدبي متعلقا بالحياة بطريقة لم تكن موجودة في قصصي القصيرة. ثم حدث أمر كان له علاقة كبيرة بهذا الأسلوب، في بوغوتازو، التاسع من أبريل، 1948 تعرض الزعيم السياسي (غيتان) إلى إطلاق النار، ثار بعدها الشعب. كنت على وشك تناول طعام الغداء في منزلي عندما سمعت الخبر. جريتُ إلى موقع الحادثة، لكن (غيتان) وُضع في تاكسي حينها وأُخذ إلى المشفى. في طريق عودتي إلى المنزل، كان الناس قد خرجوا إلى الشوارع متظاهرين، ينهبون المتاجر ويحرقون المباني، فانضممت لهم. علمتُ مساء ذلك اليوم نوع البلد الذي أعيش فيه، وعدم علاقة قصصي القصيرة بما يحدث فعلا. أدركتُ لاحقا عندما أُجبرتُ على العودة إلى بارانكويلا في منطقة الكاريبي، حيث قضيتُ أيام الطفولة، أن ذلك هو نوع الحياة التي عشتُها وعرفتها وأردت الكتابة عنها.

في عام 1950 أو 1951 حدث أمر آخر أثّر في توجهاتي الأدبية. طلبت مني أمي مرافقتها إلى أراكاتاكا، حيث وُلدتُ لبيع المنزل الذي قضيت فيه سنواتي الأولى. عندما وصلت إلى هناك، كنت متفاجئا جدا في البداية لأني كنت قد بلغت الثانية والعشرين حينها ولم أذهب إلى هناك منذ أن كنت في الثامنة. لم يتغير شيء، لكني شعرت بأني لست أنظر إلى القرية حقا، بل كنت أعيشها كما لو أني أقرأها. كان الأمر كما لو أن كل ما أراه قد كُتب بالفعل وكل ما كان علي فعله هو الجلوس ونسخ الشيء الموجود أصلا وما كنت أقرأ تلك اللحظة. لأسباب عملية تماما، تحول كل شيء أمامي إلى أدب، المنازل والناس والذكريات. لا أعلم إن كنت قد قرأت لـ (ويليام فوكنز) حينها أم لا لكني أعلم الآن أن ليس هناك أسلوب ساعدني في وصف وكتابة ما أراه إلا أسلوب شبيه بأسلوب (فوكنز). الأجواء والانحلال وحرارة القرية أشعرتني بذات الشعور الذي شعرت به مع (فوكنز). كانت منطقة خصبة لزراعة الموز يقطنها الكثير من تجار الفاكهة من أمريكا مما أعطاها أجواء جنوب أمريكا. تحدث النقاد عن تأثير (فوكنز) الأدبي، لكني أراها كمصادفة، وجدت ببساطة مادة كان علي التعامل معها كما تعامل (فوكنز) مع مواد مشابهة.

عدتُ من رحلتي تلك إلى القرية وكتبت (عاصفة الأوراق)، روايتي الأولى. ما حدث لي في تلك الرحلة إلى أراكاتاكا هو أني أدركت أن كل ما حدث لي في طفولتي كان له قيمة أدبية لم أعرف قيمتها إلا الآن. من اللحظة التي كتبت فيها (عاصفة الأوراق)، علمت أني أريد أن أكون كاتبا ولن يوقفني أحد، والأمر الوحيد الذي تبقى لي أن أفعله هو أن أكون أفضل كاتب في العالم. كان هذا في 1953 لكني لم أحصل على حقوق الملكية لأول مرة إلا في 1967 بعد أن كتبتُ كتابي الخامس من أصل ثمانية كتب.

هل تعتقد أنه من الشائع بين الكتّاب الشباب الاهتمام بالثقافة وإنكار قيمة طفولتهم وتجاربهم كما فعلتَ في البداية؟

كلا، عادة ما يحدث العكس. لكني إن أردت تقديم نصيحة لكاتب شاب فسأخبره بأن يكتب عمّا حدث له. يسهل دائما التمييز بين ما يكتبه الكاتب من تجربة شخصية وما يكتبه مما سمع أو قرأ. يقول (بابلو نيرودا) في إحدى قصائده “ربّ جنّبني التحريف عند الغناء“. يضحكني دائما أن أكثر ما يمدحه القرّاء هو حسّي الخياليّ، بينما أني لم أكتب في الحقيقة شيئا قطّ لم يكن منبعه حقيقي. يبدو أن الحياة الكاريبية تمثّل الخيال في أوضح صوره.

لِمن كنت تكتب في تلك المرحلة؟ من هم قرّاؤك؟

كتبت (عاصفة الأوراق) لأصدقائي الذين ساعدوني وأقرضوني كتبهم وكانوا متحمسين جدا لما أكتب. بشكل عام، أتوقع أنك عادة تكتب لشخص ما. عندما أكتب، دائما ما أفكر أن صديقي الفلاني سيعجبه هذا وصديقي الآخر ستعجبه هذه الفقرة أو ذلك الفصل، دائما ما أفكر بأشخاص محددين. الخلاصة، أن كل الكتب موجهة إلى أصدقائك. واجهت المشكلة بعد أن كتبت (مائة عام من العزلة)، حيث لم أعد أعرف إلى من أوجّه كتبي مِن ملايين الأعين، إنه أمر مزعج ومثبط. كأن مليون عين تنظر إليك ولا تعلم بماذا يفكرون.


وماذا عن تأثير الصحافة على خيالك؟

أعتقد أن التأثير متبادل. ساعدني الخيال في منح الجزء الصحفي قيمة أدبية. وساعدتني الصحافة في إبقاء مخيلتي على علاقة وثيقة بالواقع.

كيف تصف بحثك عن أسلوب فريد بعد (عاصفة الأوراق) وقبل أن تكتب (مائة عام من العزلة)؟

بعد أن كتبت عاصفة الأوراق، أيقنتُ أن كتابتي عن القرية وعن طفولتي كان مهربا من مواجهة الواقع السياسي في بلدي والكتابة عنه. كان لدي انطباع خاطئ أني كنت أختبئ خلف هذه المشاعر والحنين إلى الماضي بدلا من مواجهة الأحداث السياسية حينها. كانت تلك الفترة التي نوقشت فيها العلاقة بين الأدب والسياسة، حاولت جاهدا إغلاق الفجوة بينهما. كنت في السابق متأثرا بـ(فوكنز) والآن بـ(هيمنجواي). كتبتُ (ليس للكولونيل من يكاتبه) و(في ساعة نحس) و(جنازة الأم الكبيرةفي نفس الفترة تقريبا وكانت تجمعهم أمور عديدة مشتركة. تقع أحداث هذه القصص في قرية مختلفة عن القرية التي تقع فيها أحداث (عاصفة الورق) و(مائة عام من العزلة)، إنها قرية لا يوجد فيها سحر، إنه أدب الصحافة. لكني اكتشفتُ بعد أن أنهيت (في ساعة نحس) أن وجهات نظري كانت خاطئة مجددا، أدركتُ أن كتاباتي عن طفولتي في الحقيقة كانت سياسية ولها علاقة بما يحصل في بلدي أكثر مما ظننتُ سابقا. لم أكتب شيئا بعد (في ساعة نحس) لخمس سنوات، كانت لدي فكرة عما أردت كتابته، لكني ما زلت أشعر أن هناك أمراً مفقوداً لا أعلم ما هو، حتى اكتشفتُ النبرة الصحيحة، النبرة التي استخدمتها لاحقا في كتابة (مائة عام من العزلة). كانت مبنية على الطريقة التي كانت تستخدمها جدّتي في سرد القصص، كانت تسرد الأحداث التي تبدو خارقة وخيالية بطريقة طبيعية تماما. عندما اكتشفت النبرة الصحيحة أخيرا، عكفتُ على الكتابة اليومية لعام ونصف.

كيف كانت تسرد الأحداث “الخيالية” بطريقة طبيعية؟

كانت تعابير وجهها هي الأهم، لم تتغيّر تعابير وجهها بتاتاً عند سرد القصص، مما فاجأ الجميع. عند محاولاتي الأولية لكتابة (مائة عام من العزلة)، كنت أكتب القصة دون الإيمان بها. أدركتُ أن عليّ أن أؤمن بما أكتبه ومن ثم أنقله بنفس التعابير التي كانت تنقل بها جدتي قصصها، بتعابير جامدة.

يبدو أن هناك لمسة صحفية في تلك الطريقة أو النبرة. شرح الأحداث الخيالية بتفاصيل دقيقة مما يعطيها واقعيتها الخاصة بها. أتعلّمتَ ذلك من الصحافة؟

إنها بالفعل حيلة صحفية يمكن تطبيقها على الأدب. على سبيل المثال، إن ادّعيتَ أن الفيلة تطير في السماء، لن يصدّقك أحد. أما إن ادّعيتَ أن هناك أربعمائة وخمسة وعشرين فيلا فغالبا ما سيصدّقك الناس. (مائة عام من العزلة) مليئة بهذا النوع من السرد، إنه الأسلوب ذاته الذي استخدمته جدتي. أتذكر تحديداً الشخصية التي أحاطتها فراشات صفراء اللون، عندما كنت في سنّ صغيرة جدا، كان يأتينا ذلك الكهربائي الذي أثار اهتمامي فعلا، إذ كان يحمل معه حزاما يساعده في التسلق على الأعمدة الكهربائية. كانت جدتي تخبرنا أن هذا الرجل كان يملأ المنزل بالفراشات في كل مرة يزورنا فيها. لكني عند كتابة هذا، علمتُ أني إن لم أذكر أن الفراشات كانت صفراء اللون، فلن يصدّقني أحد. كذلك عندما كتبت فصل “صعود ريميديوس الجميلة إلى الجنة”، استغرق مني وقتا طويلا لإعطائه المصداقية اللازمة. خرجت مرة إلى حديقة الفناء، ورأيت العاملة التي اعتادت المجيء لإنهاء مهام المنزل، كانت تعلّق الأغطية لتجفّ، وكانت الرّيح شديدة. كانت تتجادل مع الريح وتأمرها بعدم تحريك الأغطية بشدة، أدركتُ أني لو استخدمت الأغطية مع ريميديوس الجميلة فإنها ستصعد، هكذا فعلتُ لإعطاء القصة مصداقية. المصداقية هي مشكلة كل كاتب، يستطيع أي شخص كتابة أي شيء، طالما أن الناس تصدقه.


ماذا عن طاعون الأرق في (مائة عام من العزلة)، ما مصدره؟

بدءا بـ(أوديب الملك)، لطالما أثار الطاعون اهتمامي. تعلمتُ الكثير عن الطاعون في العصور الوسطى. ويعتبر مذكرة عام الطاعون لـ(دانييل ديفو) أحد كتبي المفضلة لأسباب عديدة منها أن ما ينقله (ديفو) كصحفيّ يبدو وكأنه من نسج الخيال. لسنين عديدة، كنت أظن (ديفو) قد نقل عن طاعون لندن العظيم ما رآه بعينيه، ثم اكتشفتُ لاحقا أنها رواية، لأن (ديفو) لم يتجاوز السابعة عندما حلّ الطاعون بلندن. لطالما كان الطاعون بأشكاله المختلفة من المواضيع المتكررة في كتاباتي. النشرات المذكورة في (في ساعة نحس) هي طاعون. آمنتُ لسنين طويلة بالتشابه بين العنف السياسي في كولومبيا والطاعون في معطياتهما الأساسية. قبل (مائة عام من العزلة) استخدمتُ الطاعون لقتل جميع الطيور في قصة بعد يوم السبت. وفي (مائة عام من العزلة) استخدمت طاعون الأرق كحيلة أدبية، حيث أنه نقيض طاعون النوم. في النهاية، الأدب هو نوع من النجارة.

هلا شرحت وجه التشابه هنا؟

كلاهما عمل شاقّ، صعوبة الكتابة هي كصعوبة صنع طاولة. أنت تتعامل مع الواقع في الحالتين، مواد صلبة كالخشب. كلاهما بحاجة إلى خدع وأساليب مختلفة، شيء من السحر وكثير من العمل الشاق. وكما قال (بروست) كما أظن، أن الأمر بحاجة إلى 10% من الإلهام و90% من الجهد. لم أعمل في النجارة قط، لكنها مهنة أقدرها حقّاً، خصوصا أنها من الوظائف التي لن تجد من ينوب عنك فيها.

ماذا عن حمّى الموز في (مائة عام من العزلة)؟ ألها علاقة بما فعلته شركة الفواكه المتحدة؟

حمّى الموز مبنية على الواقع بشكل كبير. استخدمت بالطبع بعض الحيل الأدبية على الأمور التي لم تثبت تاريخيا. مجزرة الميدان هي حدث تاريخي حقيقي على سبيل المثال، ومع أني نقلتها بناء على الوثائق ونقلا عن الشهود، إلا أن عدد القتلى كان مجهولا. ذكرتُ أن العدد كان ثلاثة آلاف قتيل، وهو عدد بالغت فيه من ناحيتي بالطبع، لكني أذكر في طفولتي قطارا طويلا جدا غادر المزرعة مليئا بالموز كما قيل، قد يحتوي على ثلاثة آلاف قتيل يتم التخلص منهم في البحر لاحقا. المفاجئ حقيقة أن الناس تتحدث الآن في المؤتمرات والصحف بشكل طبيعي جدا عن وجود ثلاثة آلاف قتيل، وأظن أن نصف تاريخنا منقول بهذه الطريقة. في كتابي (خريف البطريرك)، يدعي الدكتاتور الطاغية أنه لا توجد أهمية لكون أمر ما حقيقي في لحظة ما طالما سيصبح حقيقة في المستقبل. عاجلا أم آجلا، سيصدّق الناس الكتّاب أكثر من الحكام.

وهذا يمنح القوة للكتّاب، أليس كذلك؟

نعم، ويمكنني الشعور بذلك أيضا، مما يعطيني حسّا أقوى بالمسؤولية. ما أتمنى فعله حقا هو نقل عمل صحفيّ حقيقي في جميع تفاصيله و بنفس جودة (مائة عام من العزلة). كلما تذكرت الماضي، آمنتُ أكثر بالارتباط الوثيق بين الأدب والصحافة.

ماذا عن البلد التي تخلّت عن بحرها للتخلص من ديونها الخارجية، كما في (خريف البطريرك)؟

نعم، لكن ذلك قد حدث في الحقيقة. حدث من قبل وسيحدث مرة وأخرى، (خريف البطريرك) هو كتاب تاريخيّ بحت. يجتمع الصحفي والروائيّ في أنّ كلاهما يبحثان عن الاحتمالات التي قد تنتج من الوقائع الحقيقية، وهذا عمل الأنبياء كذلك. يصنفني الكثير من الناس بأني كاتب خيال مع أني في الحقيقة واقعيّ جدا وأكتب ما أراه كواقع اشتراكي حقيقي.

كما المدينة الفاضلة؟

لستُ متأكدا إن كانت المدينة الفاضلة تعني الحقيقية أم المثالية، لكني أظنها الحقيقية.

هل بنيتَ الشخصيات في (خريف البطريرك)، كالطغاة على سبيل المثال، على شخصيات حقيقية؟ هناك بعض التشابه مع (فرانكو) و(بيرون) و(تروخيلو)

نجد في كل رواية شخصيات مركبة. خليط من شخصيات نعرفها أو سمعنا عنها أو قرأنا عنها. كنت قد قرأتُ كل ما يمكنني أن أقرأه عن طغاة أمريكا اللاتينية في القرن الماضي وبداية القرن الحالي، وتحدثتُ مع الكثير ممن عاش تحت حكم طاغية. فعلتُ ذلك لعشر سنوات، وعندما كوّنتُ فكرة عامة عن الشخصية التي أردت كتابتها، عملت جاهدا لأنسى كل ما قرأته وسمعته، حتى أستطيع أن أنشئ الشخصية دون الإشارة إلى أي أحداث حقيقية. أدركت في مرحلة ما أني شخصيا لم أعِش تحت حكم أي طاغية في حياتي، لذا جاءتني فكرة أني إن كتبت هذا الكتاب في إسبانيا فسيمكنني فهم طبيعة العيش في بلد ديكتاتورية، لكني اكتشفت أن طبيعة العيش مختلفة تماما في إسبانيا تحت حكم (فرانكو) عن الديكتاتورية الكاريبية، لذا توقفت عن إكمال الكتاب لعام تقريبا. كان هناك أمر مفقود لا أعلم ما هو. وفي إحدى الليالي، قررت أن أفضل ما يمكن عمله هو العودة إلى الكاريبي، لذا عدنا جميعا إلى بارانكويلا في كولومبيا، وأخبرت الصحفيين بأمرٍ ظنّوه مضحكا، أخبرتهم أني عدتُ لأني نسيت رائحة الجوافة، والحقيقة أني احتجت إلى ذلك لأنهي الكتاب. أخذت جولة في منطقة الكاريبي وأثناء تنقلي من جزيرة إلى جزيرة، وجدت العناصر التي تفتقدها روايتي.

تتحدثُ عادة عن عزلة السلطة؟

كلما زادت قوّتك، صَعُب عليك معرفة من يَصدُقك ومن يَكذُبك. وعندما تصل إلى القوة المطلقة فلن يكون لديك أي اتصال بالواقع وهذا أسوأ أنواع العزلة. يحاط الرجل شديد القوة أو الطاغية بأمور وأشخاص هدفهم الوحيد هو عزله من الواقع، يُسخّر كل شيء لعزله.  

وماذا عن عزلة الكاتب؟ أهو أمر مختلف؟

بل له علاقة كبيرة بعزلة السلطة، محاولة الكاتب في وصف الواقع تقوده عادة إلى تشويهه، في محاولته لنقل الواقع قد يفقد ارتباطه به وكأنه في برج عاجي كما يقولون. لذا تساعد الصحافة كثيرا في منع ذلك، ولهذا السبب أحاول دائما الاستمرار في العمل الصحفي، لأنه يبقيني على اتصال دائم بالعالم الحقيقي، وخصوصا الصحافة المتعلقة بالسياسيين والسياسة. كانت العزلة التي هددتني هي عزلتي بعد كتابة (مائة عام من العزلة)، لكنها لم تكن عزلة الكاتب، بل عزلة الشهرة والتي تشبه عزلة السلطة بشكل كبير. والشكر لأصدقائي الذين أنقذوني منها، أصدقائي المتواجدون دوما.

كيف ذلك؟

لأن أصدقائي لم يتغيروا طيلة حياتي، أعني أني لا أنفصل أو أترك أصدقائي القدامى، وهم من يبقوني على اتصال بالواقع، هم ليسوا مشاهير وعادة ما يبقون على علم بما يحدث.

من أي تبدأ الأمور؟ إحدى الصور المتكررة في (خريف البطريرك) هي بقر القصر، أكانت هذه إحدى الصور المبتكرة ؟

لديّ كتاب صوريّ سأريك إياه، قلت عدة مرات أن كل كتاب لي  يرتكز على صورة أساسية. أول صورة حضرتني لـ(خريف البطريرك) كانت لرجل كبير السن في قصر شديد الفخامة يدخله البقر ويأكل الستائر، لكن تلك الصورة لم تتجسد حتى رأيتها في صورة حقيقية في روما، حيث دخلت متجر كتب وألقيت النظر على بعض الكتب الصورية التي أحب جمعها، ووقعت عيناي على تلك الصورة المثالية. علمت حينها أنها هي ما أردت، وبما أني لست مفكرا كبيرا فسأجد قدوتي في أمور يومية طبيعية في حياتي وليس في التحف العظيمة.

هل تحتوي رواياتك على تقلبات غير متوقعة؟

كان الأمر كذلك في البداية. في القصص الأولى التي كتبتها، كان لدي انطباع عام عن الفكرة لكني كنت أسمح لنفسي بالخروج عنها إن صدف ذلك. من أفضل النصائح التي تلقيتها منذ البداية هي أنه من المقبول أن أعمل ذلك عندما كنت صغيرا لوجود سيل من الإلهام حينها. لكن قيل لي أني إن لم أتمسك بطريقة أو أسلوب فسأواجه المشاكل لاحقا عندما يزول الإلهام، حينها لن يعوّض النقص سوى الأسلوب. لو لم أتعلم ذلك منذ البداية لما استطعت أن أقسّم أفكاري عند بدأ الكتابة. التقسيم المبدئي هو أمر فني بحت، إن لم تتعلمه من البداية فلن تستطيع تعلمه أبدا.

الانضباط إذا مهم جدا بالنسبة لك؟

لا أعتقد أن بإمكانك كتابة أي شيء دون انضباط تام!

ماذا عن المحفزات الخارجية؟

أحد الأمور الرائعة التي أبهرتني من أقوال (هيمنجواي) هي أن الكتابة بالنسبة له كالملاكمة، كان عليه العناية بصحته وجسده لكليهما. واشتهر (فوكنز) بأنه سكّير، لكنه كان يقول في كل مقابلة له أنه من المستحيل كتابة أي شيء أثناء الشرب. نُقل عن (هيمنجواي) نفس الكلام. يأتيني بعض القرّاء السيئين لسؤالي عما إذا كنت سكرانا أثناء كتابة بعض من كتاباتي، وهذا يوضّح مدى جهلهم بالأدب أو بالمسكرات. حتى تكون كاتبا جيدا فعليك أن تكون واعيا تماما في كل لحظة من لحظات الكتابة وبصحة جيدة. إنني أخالف تماما المبدأ الرومانسي الذي يدّعي أن الكتابة هي عبارة عن تضحية، وأن الكتابة تتحسن إن ساءت الأحوال الاقتصادية أو الحالة العاطفية، أعتقد أن عليك أن تكون بحالة عاطفية جيدة وصحة جسدية جيدة. تتطلب الكتابة الأدبية بالنسبة لي الصحة الجيدة، وقد فهم كتاب الجيل المفقود ذلك. كانوا أناسا أحبوا الحياة.

ادّعى (بلايز سيندرارز) أن الكتابة هي مزية بحد ذاتها مقارنة بأغلب الأعمال وأن الكتّاب يبالغون في نقل معاناتهم. ما رأيك؟

أعتقد أن الكتابة أمر صعب جدا، لكن الأمر كذلك لكل عمل يتم تنفيذه بعناية. المزية حقيقة هو تنفيذ العمل بشكل يرضيك، أعتقد أني من النوع الذي يتطلب الكثير من نفسه ومن حوله لأني لا أتحمل الأخطاء. أعتقد أنها مزية حين تنفذ عملا ما بشكل متكامل. وصحيح فعلا أن الكتّاب يبالغون عادة في أهميتهم ويضعون أنفسهم في محور الكون وفي أصل المجتمع، لكني أقدر جدا الأعمال المتكاملة، أسعد جدا إذا علمتُ أن قائد الطائرة التي أركبها هو قائد جيد أكثر من كوني كاتبا جيدا.

ماذا عن عملك حاليّا؟ ألك جدول عمل تتبعه؟

كانت أكبر المشاكل التي واجهتني عندما امتهنتُ الكتابة هي جدولي. كوني صحفيّ يعني أن علي أن أعمل ليلاً، وعندما انتقلت إلى الكتابة بشكل كامل كنت قد بلغت الأربعين من عمري، أبدأ العمل من التاسعة صباحا حتى الثانية ظهرا، عند عودة أبنائي من المدرسة. ولاعتيادي على العمل الشاق، شعرت بالذنب لأني لم أكن أعمل سوى هذه الساعات من الصباح، لذا حاولت العمل ظهرا لكني اكتشفت لاحقا أني أضطر إلى إعادة كتابة كل ما أكتبه ظهرا صباح اليوم التالي، ولذلك قررت أن أعمل من التاسعة صباحا حتى الثانية والنصف ظهرا ثم أتوقف عن العمل وأستغلّ فترة الظهر في إجراء المقابلات وإنهاء المواعيد أو المهام التي قد تطرأ عليّ حينها. لدي مشكلة أخرى، وهي أني لا أستطيع العمل إلا في محيط مألوف بالنسبة لي وتم تجهيزه بالأدوات التي أحتاجها لإنهاء عملي ولذا لا أستطيع الكتابة في غرف الفنادق أو باستعمال آلات كاتبة مستعارة مما يوقعني في المشاكل كوني لا أستطيع العمل أثناء السفر. بالطبع، نحاول جميعا خلق الأعذار لتقليل العمل ولذا نعقّد الشروط التي نفرضها على أنفسنا طوال الوقت. نبحث عن الإلهام في مختلف الظروف، وهذه كلمة استغلها الرومانسيون كثيرا، يواجه أصدقائي الماركسيون صعوبة في تقبلها. لا تهمني التسمية بحد ذاتها، لكني مقتنع تماما بوجود حالة ذهنية خاصة تجعلك تكتب بسلاسة تامة وطرح متناسق تُخفي جميع الأعذار، كقولي أني لا أستطيع الكتابة إلا في المنزل. تأتي هذه اللحظة وتلك الحالة الذهنية عندما تجد الموضوع المناسب والأسلوب المناسب لتناوله، كما يجب أن يكون موضوعا تستهويه إذ يُعدّ عمل ما لا تحب من أسوأ الأمور.

أحد أصعب الأمور هي الفقرة الأولى، أقضي عدة شهور أكتب فقرتي الأولى أحياناً، وبمجرد كتابتها أجدني أكمل ما تبقى بسهولة تامة. تحل معظم مشاكل كتابك بالفقرة الأولى منه، لأنك حينها قد اخترت الموضوع والأسلوب والنبرة، وفي حالتي على الأقل، تريني الفقرة الأولى سير بقية الكتاب، لذا كتابة القصص القصيرة أصعب بكثير من كتابة الرواية لأنك تبدأ من الصفر مع كل قصة.

هل تعتبر الأحلام مصدر إلهام مهم بالنسبة لك؟

كنت أنتبه لها بشكل كبير في البداية، ثم أدركتُ أن الحياة بحد ذاتها هي أكبر مصدر إلهام وأن الأحلام هي جزء صغير جدا من تيار الحياة. ويظهر في كتاباتي أني مهتم كثيرا بالمفاهيم المختلفة للأحلام وتفسيراتها المختلفة، أرى الأحلام جزءا من الحياة بشكل عام لكن الواقع أغنى بكثير، أو ربما أن أحلامي هي المملة.

هل يمكنك التفرقة بين الإلهام والنباهة؟

الإلهام هو إيجاد الموضوع المناسب، موضوع يستهويك ويسهّل عليك عملك. أما النباهة والتي تعتبر مهمة أيضاً في كتابة الخيال، هي ميزة خاصة تساعدك في معرفة شيء ما دون الخلفية المعرفية عنه ودون علم خاص به. بإمكاننا فهم قانون الجاذبية بالنباهة وحدها دون أي أمر آخر، إنها طريقة لكسب الخبرة دون خوض التجربة. النباهة مهمة بالنسبة إلى الروائيين، إنها نقيض التثقف وهو ما أبغضه بشدة في هذا العالم، العالم الذي تحول إلى مجموعة من النظريات الثابتة. ميزة النباهة أنها سرعان ما تُثبت أو تُنفى، لن تستغرق وقتا طويلا لإيصال دائرة بدائرة أخرى أو مربعا بمثيله.

ألا تحب المنظّرين؟

بالطبع لا، لأني لا أفهمهم حقيقة، لهذا أحاول شرح العديد من الأمور عن طريق الحكايات، لأني لا أملك الطاقة لشرح الأفكار بتجريدها ولذا يدّعي النقاد أني لست مثقفا، لأني لا أقتبس بما يكفي.

هل تعتقد أن النقاد يصنفوك أو يصفوك بدقة؟

يمثّل النقاد بالنسبة لي أكبر مثال على التثقف، لديهم أولا شروط لما يجب أن يتّصف به كل كاتب، يحاولون أن يجبرون الكاتب أن يتبع رأيهم، وإن رفض الكاتب فلا يرون ضيرا في استعمال القوة. إني أجيب على هذا لأنك سألتَه، ولستُ مهتما بما يقوله النقاد عني ولم أقرأ لأي ناقد منذ سنين. لقد نصّبوا أنفسهم كوسطاء بين الكاتب والقارئ، لطالما حاولت أن أكون كاتبا واضحا ودقيقا، أحاول الوصول إلى القارئ مباشرة دون المرور بالناقد.

وما رأيك في المترجمين؟

أقدر المترجمين بشكل كبير، سوى أولئك الذين يستعملون الهوامش لشرح بعض الأمور للقارئ التي قد لا يعنيها الكاتب حتى. بما أنها كتبت بطريقة ما، فعلى القارئ أن يقرأها كما هي. الترجمة عمل صعب جدا، دون مردود جيد أو راتب مجزي. تُعدّ الترجمة الجيدة إعادة كتابة بلغة أخرى، لذا أقدر (جريجوري راباسا). تُرجمت كتبي إلى إحدى وعشرين لغة، و(راباسا) هو المترجم الوحيد الذي لم يطلب مني توضيح أمر قط لشرحه في الهامش. أرى أن أعمالي قد أعيدت كتابتها باللغة الإنجليزية، مع أن هناك أجزاء يصعب تتبعها أدبيا، والانطباع لدى القارئ هو أن المترجم قد قرأ الكتاب وأعاد كتابته من ذاكرته، لذا أقدر المترجمين حقا، إنهم يعتمدون على النباهة أكثر من التثقف. وإضافة إلى أن رواتبهم من الناشرين غير مجزية إطلاقا، لا يرونهم الناشرون كصانعي محتوى أدبي. هناك بعض الكتب التي أردت ترجمتها إلى الإسبانية، لكنه عمل شاق بنفس مستوى كتابة كتاب لي ولن أحصل مقابل مادي يساعدني على العيش.

ما الكتب التي أردت ترجمتها؟

كل كتب (اندريه مالرو)، وشيئا من كتب (جوزيف كونراد) و(أنطوان دو سانت اكزوبيري). يأتيني شعور الرغبة في الترجمة أحيانا أثناء القراءة، باستثناء الروائع الأدبية، أفضل قراءة ترجمة متوسطة الجودة لكتاب ما على محاولة قراءته بلغته الأصلية، لا أشعر بالراحة أبدا عند القراءة بلغة أخرى لأن اللغة الوحيدة التي أشعر بها داخلي هي الإسبانية. لكني أتحدث الإيطالية والفرنسية وأعرف الإنجليزية لدرجة تجعلني أسمّم نفسي بالنسخة الأسبوعية من مجلة التايمز لعشرين سنة.


هل تعتبر المكسيك وطنا بالنسبة لك الآن، هل تشعر بالانتماء إلى مجتمع كتّاب أكبر؟

لا أصادق الكتّاب والفنانين بشكل عام لمجرد كونهم كتّاب وفنانين. لدي العديد من الأصدقاء في مختلف المجالات ومن بينهم كتّاب وفنانون. بشكل عام، أشعر بأني من السكان الأصليين في أي بلد في أمريكا اللاتينية. يشعر أبناء أمريكا اللاتينية أن إسبانيا هي البلد الوحيد التي تتم فيها معاملتنا بشكل جيد لكني لا أشعر شخصيا أني من هناك، لا أحس في أمريكا اللاتينية بالحدود، أنا واع بالفروقات بين دولة وأخرى لكني لا أفكر أو أشعر بأي شيء مختلف بينها جميعا. أشعر بأني في وطني حقا في منطقة الكاريبي سواء في الجانب الفرنسي أو الهولندي أو الإنجليزي، ودوماً أتأثر عندما أركب الطائرة في بارانكويلا وتقوم سيدة سمراء البشرة بزيّ أزرق بختم جواز سفري وعندما أنزل من الطائرة في جامايكا فإن سيدة سمراء البشرة بزيّ أزرق تختم على جواز سفري ولكن بالإنجليزية. لا أرى أن اللغة تصنع الفارق الكبير. وفي أي دولة أخرى في العالم، أشعر كأجنبي، شعور يحرمني من الإحساس بالأمان، إنه شعور شخصي يرافقني دائما عند السفر، لأني أشعر بأني من الأقلية.

أتراه من الضروري أن يعيش كتّاب أمريكا اللاتينية في أوروبا لفترة من الزمن؟

ربما لأخذ انطباع خارجي حقيقي. يدور كتاب القصص القصيرة الذي أفكر في كتابته حول كتّاب أمريكا اللاتينية في زيارات لأوروبا، أفكر في هذا الكتاب من عشرين سنة، وإذا أردت الخلاصة من هذه القصص فهي أن الأمريكيون اللاتينيّون نادرا ما يقومون بزيارة أوروبا، وإن زاروها فإنهم لا يطيلون البقاء. جميع المكسيكيين الذين قابلتهم في أوروبا، يغادرونها بعد أقل من أسبوع.

ما أثر الثورة الكوبية على الحس الأدبي في أمريكا اللاتينية كما تعتقد؟

آثار سلبية حتى الآن. العديد من الكتّاب الذين يرون أن لديهم التزام سياسيّ يشعرون أنه من الخطأ الكتابة عما يريدون حقا، وأن الصواب هو الكتابة عما يعتقدون أنه يجب عليهم أن يريدون. وينتج عن هذا نوع من الأدب المدروس الذي ليس له علاقة بالتجارب أو بالنباهة. والسبب الرئيسي وراء ذلك هو الرفض الشديد لأي تأثير ثقافي من كوبا على أمريكا اللاتينية. في كوبا نفسها، لم يتم تحسين العملية بشكل يساعد على وجود حس أدبي أو فن ما، وهذا أمر يحتاج إلى وقت. تكمن أهمية الثقافة العظمى لـ كوبا في أمريكا اللاتينية في كونها جسرا لنقل نوع من الأدب الموجود في أمريكا اللاتينية من سنين عديدة. بمعنى أن ازدهار أدب أمريكا اللاتينية في الولايات المتحدة كان سببه الثورة الكوبية. كل كاتب من أمريكا اللاتينية في ذلك الجيل كان يكتب من عشرين سنة لكنهم لم يحظوا باهتمام الناشرين الأوربيين والأمريكيين. عندما بدأت الثورة الكوبية، كان هناك اهتمام مباشر بـ كوبا وأمريكا اللاتينية. تحولت الثورة إلى مادة جاهزة للاستهلاك ودخلت أمريكا اللاتينية إلى سباق الشهرة. تم اكتشاف روايات لاتينية أمريكية جيدة تستحق الترجمة وتم اعتبارها جزءا من الأدب العالمي. المحزن في الأمر هو أن الاستعمار الثقافي كان سيئا جدا في أمريكا اللاتينية لدرجة جعلت من المستحيل أن يؤمن الأمريكيون اللاتينيون بجودة رواياتهم حتى يخبرهم الناس من الخارج بذلك

أهناك كتّاب أمريكيون لاتينيّون ليسوا معروفين تقدرهم بشكل خاص؟

أشك في وجود أي منهم الآن. أحد أفضل الآثار الناتجة من ازدهار الكتابة في أمريكا اللاتينية هو أنها جعلت الناشرين في بحث مستمر للتأكد من أنهم لن يفوتوا (خوليو كورتاثار) الجديد. ولسوء الحظ ، اهتم الكثير من الكتاب الشباب بشهرتهم أكثر من اهتمامهم بأعمالهم. هناك بروفيسور فرنسي في جامعة تولوز يكتب عن أدب أمريكا اللاتينية، تواصل معه العديد من المؤلفين الشباب يخبرونه ألا يكتب الكثير عني لأني لا أحتاج إلى أحد مع وجود من هم أكثر حاجة مني. ما يتناساه هؤلاء الشباب أني عندما كنت بعمرهم، لم يكتب عني النقاد شيئا، بل عن (ميغيل أنخيل أستورياس). ما أود قوله هو أن هؤلاء الكتاب الشباب يهدرون وقتهم في الكتابة للنقاد بدلاً من العمل على كتاباتهم. أن تكتب أهمّ من أن يُكتب عنك. أحد الأشياء التي أعتقد أنها كانت مهمة للغاية في مهنتي الأدبية هو أني حتى الأربعين من عمري، لم أحصل أبدًا على قرش واحد من حقوق الملكية، على الرغم من أنني كنت قد نشرت خمسة كتب.

هل تعتبر الشهرة في سنّ مبكرة أمرا سيئا؟

إنها سيئة في جميع الأعمار. لكنت أحببت إن لم يعرفني الناس إلا بعد موتي، على الأقل في البلدان الرأسمالية حيث تصبح كالسلعة.

إلى جانب قائمتك المفضلة، ماذا تقرأ هذه الأيام؟

أقرأ أغرب الأشياء، كنت أقرأ (مذكرات محمد علي) قبل أيام. (دراكولا لـ(برام ستوكر) كتاب عظيم، لم أكن لأقرأه قبل سنوات لأني كنت سأراه مضيعة للوقت، ولا أبدأ قراءة كتاب إلا إذا تمت التوصية به من شخص أثق به. لم أعد أقرأ في الخيال، أقرأ الكثير من المذكرات والوثائق حتى وإن كانت وثائق مزورة. وأعيد قراءة كتبي المفضلة، ميزة إعادة القراءة هي أن بإمكانك البدء من أي صفحة لقراءة أجزاء تفضلها. فقدت الفكرة المقدسة التي تنص على قراءة “الأدب” فقط، سأقرأ أي شيء، وأحاول مواكبة العصر، أقرأ معظم المجلات العالمية المهمة كل أسبوع. تعودت منذ القدم البحث عن الأخبار منذ عادة قراءة الفاكس. ولكن بعد قراءة جميع الصحف الهامة من هنا وهناك تأتي زوجتي لتخبرني بالأخبار التي لم أسمع عنها، وعندما أسألها عن المصدر، تخبرني أنها من قسم التجميل من إحدى المجلات، لذا بدأت قراءة مجلات الموضة وجميع أنواع المجلات النسائية وأخبارها وتعلمت الكثير مما لا يمكن تعلمه إلا من هناك، كل ذلك يبقيني مشغولا.

لماذا تظن أن الشهرة مدمرة للكاتب؟

لأنها تقتحم حياتك الخاصة أولا، وتسلب منك الوقت الذي تقضيه مع أصدقائك والوقت الذي تعمل فيه. وتميل إلى عزلك عن العالم الحقيقي. على الكاتب المشهور الذي يريد أن يستمر في الكتابة أن يدفع عن نفسه الشهرة باستمرار. لا أحب أن أقول هذا لأن سأبدو كمنافق، لكني أتمنى حقا لو نُشرت كتبي بعد موتي، حتى لا أضطر للخوض في طريق الشهرة ودخول قوائم الكتّاب العظماء. في حالتي، الميزة الوحيدة للشهرة هي أني استطعت استعمالها في السياسة، عدا ذلك، فهي مزعجة جدا. المشكلة أنك تكون مشهورا طوال الوقت ولا تستطيع تأجيل الموضوع أو تقسيمه على الأيام أو اختيار الأماكن التي تريد أن تكون مشهورا فيها.

هل تنبّأتَ النجاح الباهر لـ(مائة عام من العزلة)؟

علمتُ أنه سيعجب أصدقائي أكثر من بقية كتبي. لكني انبهرت عندما أخبرني الناشر الإسباني أنه سيقوم بطباعة ثمان آلاف نسخة لأني لم أبِع من بقية كتبي أكثر من سبعمائة نسخة. وعندما سألته عن السبب الذي يجعله متعجلا لهذه الدرجة، أخبرني أنه يؤمن أنه كتاب جيد وأننا سنستطيع بيع جميع النسخ بين شهري مايو وديسمبر. وبيعت جميع النسخ خلال أسبوع واحد في منطقة بوينس ايرس.

ولماذا برأيك لاقت (مائة عام من العزلة) هذا القبول؟

ليس لدي أي فكرة. لأني شخصيا ناقد سيء جدا لأعمالي. أكثر سبب أسمعه من الناس هو أن الرواية تحكي قصة حياة الناس الخاصة في أمريكا اللاتينية، فقد كُتب الكتاب من أحد سكانها. يفاجئني هذا السبب لأني عندما بدأت كتابة الكتاب للمرة الأولى أردت تسميته “المنزل”، أردت أن تقع جميع أحداث الرواية داخل منزل، وكل الأحداث خارج المنزل لها تأثير بشكل ما على المنزل. ثم تجنبت لاحقا هذا العنوان، لكن الأحداث في الرواية لم تتجاوز مدينة ماكوندو على كل حال. سبب آخر سمعته أن القارئ بإمكانه تشكيل شخصيات الرواية كما يريد، وأنا لا أريد نقله إلى فيلم، لأن المشاهد سيرى الوجه ولن يستطيع أن يتوه في خياله حينها.

هل كان هناك اهتمام لنقل الرواية إلى فيلم؟

نعم، لقد عرضته وكيلة أعمالي بمليون دولار لتثبيط العروض، وعندما اقتربت العروض من ذلك زادت الرقم إلى ثلاثة ملايين. لكني لست مهتما بنقله إلى فيلم وإن استطعت أن أبقيه دون ذلك فسأفعل. أفضّل أن أبقيها كعلاقة خاصة بين الكتاب وقارئه.

هل تعتقد أن أي كتاب يمكن نقله إلى فيلم بنجاح؟

 لا أستطيع أن أفكر في أي فيلم نُقل عن رواية جيدة وفاق نجاحها. لكني قد أفكر في أفلام كثيرة فاقت نجاح روايات سيئة أصلا.

هل فكرت في صناعة الأفلام؟

مرّ علي وقت أردتُ أن أكون فيه مخرج أفلام، درستُ الإخراج في روما، وأحسست أن السينما هي الوسيط الذي لم يكن له حدود وأن كل شيء ممكن فيها. قدمتُ إلى المكسيك لأني أردت العمل في مجال الأفلام، ليس كمخرج وإنما ككاتب نصوص. لكن هناك حدود في السينما وهي أنها مجال صناعي، مجال صناعي متكامل. من الصعب جدا التعبير عما تريد بالضبط في السينما. لا زلت أفكر فيها، لكنها تبدو لي الآن وكأنها من الكماليات التي قد أريد عملها مع أصدقائي لكن دون أمل في التعبير عما في داخلي، لذا ابتعدت أكثر وأكثر عن السينما. علاقتي بالسينما كعلاقة زوجين لا يستطيعان الانفصال عن بعضهما ولا يستطيعان العيش سوية أيضا. لكن إن خُيّرت بين امتلاك شركة أفلام أو امتلاك صحيفة، فسأختار الصحيفة.

كيف تصف الكتاب الذي تكتبه الآن عن كوبا؟

 أشبّه الكتاب في الحقيقة بأنه مقال طويل في صحيفة عن الحياة في المنازل الكوبية وكيف استطاع الناس التعايش مع العجز الحاصل هناك. ما فاجأني خلال زيارتي العديدة إلى كوبا خلال السنتين الماضيتين هو أن الحصار قد خلق في كوبا نوعا من “ثقافة الضرورات”، حالة اجتماعية تجعل الناس يتعايشون مع بعض الأمور. الجانب الذي أثار اهتمامي هو أن الحصار قد ساهم بشكل ما في تغيير عقلية الناس. لدينا صراع بين المجتمع الرافض للاستهلاك وأكثر مجتمع مندفع بالاستهلاك في العالم. وصل الكتاب إلى مرحلة تحوله من مجرد عمل صحافي بسيط وقصير بعض الشي إلى كتاب طويل ومعقد. لكن ذلك لا يهمني حقا، لأنه ديدن جميع كتبي، بالإضافة إلى أن الكتاب سيثبت بالحقائق التاريخية أن الحياة الحقيقية في منطقة الكاريبي هي بذات الخيال في قصص (مائة عام من العزلة).

هل لديك طموحات بعيدة المدى أو أمور تندم عليها ككاتب؟

أظن أن الإجابة لهذا السؤال تشبه إجابتي لسؤال الشهرة. سئلت قبل فترة عما إذا كنت مهتما بالحصول على جائزة نوبل، أعتقد أن ذلك سيكون ككارثة بالنسبة لي، سأكون مهتما باستحقاقها لكن استلامها سيكون سيئا، لأنه سيعقد مسألة الشهرة بشكل أكبر، والشيء الوحيد الذي ندمت عليه في حياتي هو أني لم أُرزق ببنت.

أهناك مشاريع قادمة تود مناقشتها؟

أنا مقتنع تماما أني سأكتب أفضل كتاب في حياتي، لكني لا أعلم ما هو ومتى سأكتبه. عندما يأتيني هذا الشعور، وهو شعور لازمني منذ فترة فإني أميل إلى البقاء هادئا، حتى أكون متأهبا له عند مروره.


[المصدر]