خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الكتابة

الدليل إلى عالم الكتابة والأدب أخذاً وعطاءً، قراءةً وإنتاجاً.

كيف تصبح كاتبًا عظيمًا؟ جورج أورويل أنموذجًا

ريك آرثر بلير (1903-1950)، الاسم الحقيقي لـ(جورج أورويل) ، وهو الاسم المستعار له والذي اشتهر به. هو صحافي وروائي بريطاني. عمله كان يشتهر بالوضوح والذكاء وخفة الدم والتحذير من غياب العدالة الاجتماعية ومعارضة الحكم الشمولي وإيمانه بالاشتراكية الديمقراطية. يعتبر القرن العشرين أفضل القرون التي أرّخت الثقافة الإنجليزية، كتب (أورويل) في النقد الأدبي والشعر الخيالي والصحافة الجدلية.

كتب (هنري ستيد) مقالة بعنوان “كيف تصبح كاتبًا عظيمًا؟” جعلها حديثًا عن (أورويل) تحديدًا. ننقلها لكم في ساقية بترجمة حصرية.

حياة يقودها الفضول يعقبها عالم من الجرأة
(جورج أورويل) الكاتب الذي أثّر فيني كثيرًا، عرفته من خلال قراءتي لروايته الشهيرة (1984) والتي قراءتها بغرض أنّه يجب عليّ قراءتها. (أورويل) أحد رواد الثقافة ليس فقط على نطاق انجلترا بل العالم أجمع، شعرت بالذنب لأنني لم أقرأ له كلمة واحدة قبل عدة سنوات ولكن بعد ذلك قرأت العديد من أعماله وما تبقى قراءته فقط هي رواية (ابنة القس) وبعض من المقالات الغامضة، لم يكن هناك كاتب له مثل الأثر العميق الذي يشعرني به (جورج أورويل) لذلك كتبت هنا بعضًا من الدروس التي استخلصتها من كتاباته.
ولد (جورج أورويل)، والذي كان اسمه الحقيقي (إيريك آرثر بلير)، في الهند البريطانية سنة 1903 حيث كانت عائلته ثرية لحد ما على غرار وصف أورويل نشأته بـ“الطبقة المتوسطة” وقد كتب منذ الصغر عن ملاحظته لعائلته الفقيرة مقارنة بأقرانه من الأطفال الآخرين في كلية إيتون.
لم يكن بوسع عائلة (أورويل) التكفّل بمصاريف إرساله للجامعة لذلك قرر الانضمام إلى الشرطة الإمبراطورية، والتي كانت تسبق مديرية الشرطة الهندية حيث وقع عليها الاختيار لتكون في بورما، يعود قراره لافتتانه بالشرق، أيضًا كانت لأعمال الكاتب (روديارد كبلينغ) الأثر الكبير عليه.
في سنة 1922 بدأت مغامرات (أورويل) منذ اللحظة التي سافر فيها على متن سفينة (إس إس هيرتفوردشاير) عابرًا قناة السويس وما وراء سيلان للانضمام إلى الشرطة الإمبراطورية الهندية في بورما.


أمضى (أورويل) خمسُ سنوات ونصف في بورما، كتب عن تجاربه في روايته (أيام البورمية Burmese Days) عام 1934 حيث كانت هذه الرواية انعكاس لهلاك الإمبراطورية البريطانية، كانت مجرد تجربة شخصية للمكافحة من أجل التعايش مع روتين الطبقة المهنية.
أصبح (أورويل) يتحدّث اللغة البورمية بطلاقة بل أنّه أيضًا تأثر في بعض عاداتهم مثل وضع الوشوم على مفاصل اصابعه اعتقادًا أنّها تحمي من الثعابين، وقد شعر لاحقًا بتأنيب الضمير لمشاركته تحت الحكم البريطاني في الشرق وذلك الشعور كان واضحًا في روايته (أيام البورمية).
يصدف أن تكون وحيدًا في غابة مليئة بجمال الطير والشجر والزهر، جمال يختبئ وراء كل تلك الكلمات في حال كانت هناك روح تشاركها، الجمال لا معنى له في الوحدة” [جورج أورويل: أيام البورمية]

يظهر أورويل مرتديًا زيًا عسكريًا في الصف الخلفي الثالث من اليسار، أثناء فترة التدريب في شرطة بورما عام 1923.

إحدى مقالاته القصيرة والرائعة جدًا كناية عن الاستعمار البريطاني بعنوان (إطلاق نار على فيل) ذكر فيها تجربته حين قتل فيلًا كان متجهًا نحو المدينة التي يعيش فيها، حيث احتشد سكانها حوله ليجلب الفيل لهم بينما كان خائفًا ومترددًا ولكنّه لا يريد أن يظهر بصورة ضعيفة، شعر بالضغط حتّى لا يكون أحمقًا أمامهم وليثبت قوة أصحاب البشرة البيضاء.
عاد (أورويل) إلى انجلترا سنة 1927 وبدأ في استكشاف القرى الفقيرة، سافر متخفيًا ولم يبين وضعه المادي المتوسط وبقي في مسكن مشترك مع آخرين، في هذه المرحلة أدرك أورويل حقيقة الفقر وبدأ يتعاطف مع الفقراء والعوائل البسيطة.
ومن الجدير بالذكر حال المتسولين ونظرة المجتمع لهم، ولو أننا أدركنا حقيقة أنهم بشر عاديون وأنّه لا يسع للمرء أن يختار مستوى معيشته” [جورج أورويل: متشرد في لندن وباريس]
كانت مغامرة (أورويل) التالية في باريس حيث انتقل للعيش في مناطق الطبقة العاملة وعثر على عمل في أحد المطاعم. في كتابه (متشرد في لندن وباريس) كان وصف لحال الفقر وكفاحه، كتب عن روتين واستعباد الفقراء الفرنسيين وعن مصادفة بعض الأشخاص غريبي الأطوار في أحياء باريس الفقيرة.


شارع دو كوك في المقاطعة الخامسة

في سنة 1929 مرض (أورويل) ونُقل إلى مستشفى في باريس وهناك كتب تقرير بياني (كيف يموت الفقراء) تحدّث فيها عن الموت والمرض في مستشفى فرنسي متهالك، أعجبت جدًا بهذه المقالة رغم أنّها كانت مروعة إلا أنّها حقيقية واقعية ومن ذلك يمكننا القول بأن مهارة الكتابة لدى (أورويل) خلقت من رحم المعاناة.


يموت البشر هناك كالحيوانات لا أحد يهتم لهم ولا يقف بجانبهم أو حتّى يلاحظ موتهم إلى أن يحين صباح الغد
عاد (أورويل) في ديسمبر سنة 1929 وبقي هناك حتّى سنة 1932 وخلال تلك الفترة أمضى وقته في كتابة المراجعات وعمل كمدرس خاص وشارك في العديد من الحملات السرية باعتباره مشردًا ليكتشف الوجه الآخر من انجلترا حتّى تم اعتقاله عن عمد ليقضي يومين في زنزانة السجن. ثم قضى العامين التاليين معلمًا في ثانوية هاوثورنس وبعدها التحق بأعضاء التدريس في جامعة فرايس ولكنه ترك مجال التعليم بعد إصابته بالالتهاب الرئوي لينعم بفترة نقاهة. بعدها أصبح يعمل مساعدًا بدوام جزئي في مكتبة مستعملة تدعى (ركن محبي الكتب Booklovers’ Corner) وهنا حيث كتب (أورويل) (دع الدريقة تطير) وهي حكاية عن رجل يحاول التخلص من الضغوط المجتمعية للنظرة الطبقية والمكانية، وبعد سنوات من الفقر والحزن أصبح الرجل غني وتخلى عن مبادئه المثالية.
الخطأ الذي ترتكبه لا يمكنك أن تراه كمن يعيش في مجتمع فاسد دون أن يفسد بذاته. في نهاية الأمر، ما الذي تحققه حين ترفض المال؟ أنت تتصرف كمن يعارض نظامنا الاقتصادي لكن ليس بيده حيلة، إمّا أن تغير النظام بأكمله أو تقف مكتوف اليدين، هناك شخص واحد بإمكانه إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح إن فهمت ما أعنيه” [جورج أورويل: دع الدريقة تطير]

خلال أوائل 1936 أمضى أورويل وقته في المناطق الصناعية لبريطانيا العظمى مثل ويغان ومانشستر وشيفيلد وبارنسلي، وهناك نشر كتابه (جسر ويغان) في سنة 1937 وهو عبارة عن توثيق لتحقيقاته في الظروف الاجتماعية شمال إنجلترا حيث عاش في مساكن رخيصة ودوّن ملاحظاته حول مستوى معيشة الناس في فترة كساد كبير وجد أن العديد كانوا في حالة من الفقر المدقع ومن هنا بدأ (أورويل) يرسّخ تشكيكه في نظام الاشتراكية.


ساشا
كان العمل في المناجم إحدى مغامراته في تلك الفترة حيث عمل في منجم فحم بريين هول في ويغان والتي كانت مذهلة حقًا من خلال وصفه تفاصيل لم تخطر في ذهني أبدًا عن الإرهاق والمعاناة التي تصيب عمّال المناجم وفي الحقيقة من خلال قراءتي لكتابه شعرت بالحنين لأن العديد من أسلافي كانوا عمّال في المناجم.
لم أشعر بأن هناك شخص ما أقل منّي مكانة سوى عامل المناجم” [جورج أورويل: جسر ويغان]

وضع مركز الاستخبارات أورويل تحت المراقبة وذلك بسبب كتاباته التي تميل للاشتراكية.
اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية في صيف 1936 حيث انطلق (أورويل) إلى برشلونة للانضمام إلى القوات الجمهورية وهناك حيث التقى بجيمس ماكنير وهو رجل سياسي اشتراكي بريطاني، لمتابعة أخبار الأزمة السياسية المستمرة في اسبانيا، واستشهد (ماكنير) بمقولة عن (أورويل) “أتيت لمحاربة حكم النازية
سرعان ما تم ترقية (أورويل) لرتبة عريف وإرساله لجبهة أراغون حيث شهد هناك شهد ضغطًا من العمل لكنها غالبًا ما كانت منطقة هادئة.


الحرب الأهلية الاسبانية
في منتصف سنة 1937 أصيبت حنجرة أورويل برصاصة قناص كادت أن تصيب شريانه، هرع به إلى مستشفى في ليريدا غرب كاتالونيا حيث هناك كانت الصراعات الداخلية في ذلك الوقت تزداد في الجانب الجمهوري وأصبح الوضع السياسي متقلّب ولعدّة أسباب سياسية صعبة، حظر الشيوعيون المنظمات التي تخالف أيديولوجيتهم بما فيهم التروتسكيين و الأناركيين ولهذا أجُبر (أورويل) على الفرار من كاتالونيا. وفي كتابه (تحية إلى كاتالونيا) ذكر تجاربه بما حدث له في كاتالونيا، أنصح بقراءته لمن هو مهتم بتاريخ الحرب الأهلية واضطراب الأوضاع السياسية في اسبانيا.
لاحظت دائمًا أنّي لا أشعر بالخوف من الإصابة تحت القصف كما أشعر بالخوف أنّي لا أعلم أين ستصيبني الرصاصة وتطرحني أرضًا من شدة الألم” [جورج أورويل: تحية إلى كاتالونيا]

آنذاك تدهورت صحة (أورويل) حيث قضى بقية حياته في إنجلترا يدوّن مراجعات للمنشورات الأدبية وينهي العديد من الروايات والمقالات وقد قضى فترة قصيرة في مراكش وكتب مقالًا مفصلًا عن حياة النّاس المسلوبة أرضهم من الاحتلال الفرنسي.
أكثر النّاس المهمشين هم من يملكون حرفة بأيديهم حتى وإن بذلوا قصار جهدهم لا يزالون مهمشين” [جورج أورويل: مراكش]

خلال الحرب عمل في إذاعة البي بي سي BBC البريطانية ولاحقًا أصبح محرر أدبيًا في تريبيون. نشرت أكثر أعماله شهرة روايتي (مزرعة الحيوانات) و (1984) في سنة 1945 و1949 على التوالي، حيث كانتا ثمرة خبرات حياته من بداية تشرده حتّى محاربته لفرانكو في اسبانيا، تتجلى أفكاره بين النازية والشيوعية والفقر والامبريالية في روايتين رائعتين حظيتا بمكانة أدبية منذ ذلك الوقت حتّى يومنا هذا.

أنت متعلم بطيء يا ونستون
كيف يمكنني مساعدتك؟ انظر امام عيني، اثنين واثنين يساوي أربعة
في بعض الأحيان يا ونستون يكون الناتج خمسة وفي بعض الأحيان الناتج ثلاثة، ومرات تظهر جميع النواتج عليك أن تبذل مجهود أكثر، ليس من السهل أن تصبح عاقلًا” [جورج أورويل: 1984]

وفي سنة 1947 بدأت صحته تتدهور بسرعة حيث تم تشخيص حالته بمرض السل وأمضى معظم أيامه المتبقية في سرير المستشفى كتب (1984) في حالة صحية سيئة، كان (أورويل) مصمماً على إنهاء الرواية، انتهى منها في ديسمبر 1948 حيث ذكر الأطباء الذين كانوا يشرفون على حالة (أورويل) أنهم يسمعون صوت النقر على الآلة الكاتبة طوال اليوم.
وفي 21 يناير 1950 توفي (جورج أورويل) عن عمر يناهز 46 سنة في مستشفى كلية الجامعة في لندن.

موت (أورويل) في أوج مسيرته الفنية هي خسارة أدبية كبيرة، أود تصديق أن هناك المزيد من أعماله لأنّي أعتقد انه كان سيقدّم الكثير للعالم، ورغم موته في سن صغير بقي حاضرًا في أذهاننا، فعمله لا يقل اطلاعا وبصيرة عمّا كانت عليه في ذلك الوقت.
أظن أن ذلك يندرج تحت فكرة شائعة، وهي أنه يتعين على المرء الموت في أوجّ عطائه لكيلا تشيخ أفكاره ويتلاشى من ذاكرة الناس. إنها فكرة تتّسم بالسوداوية ومع أني لا أملك ذرة شك بأنّ لوجودها سببًا، العديد من الشخصيات التاريخية العظيمة فارقوا الحياة في عمر صغير على سبيل المثال (هنري الخامس) لولاه لما حظينا بفرحة الانتصار على الجيش الفرنسي في معركة أجينكور.
الفضول هو من قاد (أورويل) لعالم من الجرأة والحكمة، لم يكن خائفًا من استكشاف أحلك أنحاء العالم حتّى أنّه أغرق نفسه في الفقر وحارب النازية، خسر في عديد من الخنادق حيث هناك ولدت قصص عظيمة، وذلك ما ينبغي أن يتحلّى به كل كاتب وفنّان دون أدنى شك أو خوف من الانغماس في أسوأ الظروف ليجيب على جميع الأسئلة ويقف محدّقًا أمام وجه الحقيقة المرّة.


[المصدر]

رؤية كولن ويلسون في الكتابة الإبداعية

كولن هنري ولسون (1931-2013) كاتب إنجليزي ولد في ليسستر في إنجلترا. من أشهر كتبه كتابي (اللامنتمي) و(ما بعد اللامنتمي).

في كتاب (حلم غاية ما)، والذي نقلته إلى العربية الأستاذة (لطفية الدليمي)، أدرجت المترجمة مقالًا في بداية الكتاب بعنوان “صنعة الإبداع”، والذي نُشر في كتاب (فن الرواية).

يقول (كولن) في افتتاحية مقالته:

حصل في ربيع العام ١٩٧٤ أن تعاقدتُ مع جامعة روتغرز الأمريكية في نيوجيرسي على تدريس منهج الكتابة الإبداعية، وكان ذلك نقطة مفصلية حاسمة في حياتي، إذ سبق لي قبل ثماني سنوات من ذلك التاريخ أن حاولت تدريس الكتابة الإبداعية في إحدى الكليات بولاية فيرجينيا وانتهيت إلى قناعة حاسمة أن هذه المادة عصية على التدريس، ولا يقتصر الأمر على هذا وحسب، بل ويتعين عدم تريسها بأي شكل من الأشكال!

فقد شعرت أن المبدأ الأساسي للإبداع هو القانون الدارويني التطويري القائل ببقاء الأصلح ؛ إذ لطالما رأيت الكتابة الإبداعية عملية شاقة كارتقاء تلة عالية، حيث يتساقط الضعفاء على جانبي التلة بينما يواصل الأقوياء الارتقاء بتمهل حتى يصبحوا كتّابًا جيدين. إن تشجيع هؤلاء الذين يمكن لهم أن يكونوا كتّاب المستقبل عملية شبيهة بوضع السماد في مزرعة تمتلئ بالأعشاب الضارة.

يكمل بعد ذلك (كولن) حديثه عمّا يفتقده التدريس الإبداعي، فيقول:

ولدهشتي اكتشفت أن معظم الطلاب شارك في دورات للكتابة الإبداعية من قبل، ولما بدأت التدقيق في النظر بماهية ما يعانونه بدأت أدرك جوهر الخطأ الذي انزلقوا إليه من غير تحسب ؛ تعلّم هؤلاء كيف يكتبون مثل (جيمس جويس) و(إرنست همنغواي) و(وليم فوكنز) و(فيرجينيا وولف)، إلا أنهم لم يعلموا شيئًا عمّا سيكتبون، وقد حصلوا على نتائج مسهبة تشير لهم بالكتابة عن أنفسهم، وكانت المسودات الأولى للقصص التي سلّموها لي عبارة عن سير ذاتية أقرب إلى أدب الاعترافات، في حين وصف بعضهم مقاطع زمنية مرّت بحياتهم.

[…] أعاد كل هذا إلى ذهني تعليقًا رائعًا كان (فوكنز) قد ذكره عندما سئِل مرّة عمّا يراه في جيل (نورمان ميلّر) من الكتّاب، حيث قال بوضوح: “هم يكتبون بطريقة جيّدة، لكن ليس لديهم ما يقولونه!”.

يستكمل بعد ذلك (كولن) حديثه قائلًا:

كان السؤال الأول الذي طرحته على نفسي يتناول إمكانية تدريس منهج في الكتابة الإبداعية يعيّن طلابي على معرفة ما يكتبون، فعندما يجلس كاتب أمام صفحة بيضاء موضوعة أمامه فهذا لا يعني أن ليس لديه ما يقوله، بل العكس هو ما يحصل على الأغلب إذ يكون لديه حشد من الأمور الكثيرة الجاهزة التي تغريه بكتاية رواية – هي سيرة ذاتية أيضًا في الغالب – تشبه رواية (الحرب والسلام) لكن المشكلة الممضة هي أن كل تلك الأمور تفور في أعماق الكاتب، وليس أمامها سوى منفذ ضيق وحيد يسمح بخروجها إلى العلن، وربّما يبدأ الكاتب بتقليد بعض الكتّاب الآخرين ؛ (همنغواي) أو (جويس) أو (سالينغر)، لا يسبب أنه يشعر بغياب صوته الخاص، بل لشعوره أن نمطًا مجربًا وناجحًا من أنماط الكتابة قد يساعده على التدفق الحر في الكتابة ثم يكتشف بعد أيام أو أسابيع من بدء محاولته تلك أن تدفقه الموعود لم يبدأ أو قد يكون في أفضل الحالات رذاذًا شاحبًا يبعث على أشد حالات الأسى والإشفاق، وعندها يبدأ الكاتب بفهم ما كان يعنيه (همنغواي) بعبارته النبوئية: “تبدو الكتابة عملًا سهلًا للوهلة الأولى، غير أنها في واقع الأمر أشق الأعمال في العالم“.

إن مشكلة هذا الكاتب ونظرائه من الكتاب الناشئين هي أنه غير قادر أن يكون بمثابة (سقراط) معاصر يطرح الأسئلة المناسبة مثلما كان يفعل (سقراط) من قبل، وتبينت آنذاك أن الحيلة الأساسية للإبداع هي في معرفة الكاتب كيف يطرح الأسئلة المناسبة وكيف يجيب عليها بنفسه، وقد قلت مفردة “حيلة” لأن الإبداع ليس سرًا مقدسًا أو أحجية طلسمية تكتنفها الألغاز، بل هو في جوهره موهبة حل المشكلات ؛ فالكاتب لحظة بدء الكتابة يضع أمامه مشكلة – وهنا أؤكد أن تكون المشكلة أمرًا يهمه على الصعيد الشخصي-، وقد يحصل أن لا يهدف الكاتب إلى إيجاد حل لتلك المشكلة غير أنه يتحتم عليه إذا ما أراد التعبير عنها تعبيرًا واضحًا أن يجد الحلول لعدد من المشكلات التكتيكية الخالصة: من أين يبدأ؟ وما الذي يتوجب عليه أن يدرجه أو يهمله؟

نصائح للروائي الشاب، من أمبيرتو إيكو

أمبيرتو إيكو (1932-2016)، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

في أحد اللقاءات الصحفية، سُئل (إيكو) عن نصائحٍ للكاتب الشاب. فكان الرد الأول:

بألا يغتر بنفسه، بأنه قد أصبح فنانًا.

وألا يأخذ نفسه على محمل الجد.

بألا يظن بأنه تعرض للإلهام، فكما تعلم بأن العبقرية هي ١٠٪ من الإلهام، و٩٠٪ من الجهد.

ثم تحدث (إيكو) عن الروائيين الذين يغرقون العالم برواياتهم، فقال:

ثمة أمرٌ آخر أعجز عن استيعابه؛ أولئك الروائيين الذين ينشرون كتابًا في كل عام.

إنهم يبددون تلك المتعة في قضاء ستة أع،ام، أو سبعة أو ثمانية، في الإعداد، في إعداد القصة.

تطرق (أمبيرتو) بعد ذلك إلى نقطة أخرى، فيقول:

دائمًا ما أنزعج ممن يرغب بنشر كتاباته في شبابه.

أذكر بأن شابًا طلب مني نصائحًا في كيفية الكتابة، فأجبته بأنه لا يمكن أن يكون جنرالًا، ما لم يكن قبلها عريفًا، قم رقيبًا، ثم ملازمًا.

امضِ في طريقك خطوة فخطوة. إياك بالتظاهر فورًاباستحقاقك لجائزة نوبل للآداب، لأن هذا ما يقتل كل مستقبل أدبي.

عبدالله العروي يجيب عن: لماذا حقق الأدب الروسي هذا الانتشار الواسع؟

عبد الله العروي مثقف وكاتب مغربي معروف. لديه العديد من الأعمال الفلسفية التأصيلية في مفاهيم عديدة ولعل أبرزها مفهوم الحرية. و احتوى نتاجه الإبداعي على دراسات في النقد الإيديولوجي وفي تاريخ الأفكار والأنظمة وأيضا العديد من النصوص الروائية.

نجيب في هذه المقالة عن تساؤل يخص دستوفسكي والرواية الروسية، باقتباس من كتاب (من التاريخ إلى الحب) في حوار أجراه (محمد الداهي) مع (عبدالله العروي) عن الرواية ونقدها فيقول:

لوحظ، إلى حد قريب الانتشار الواسع للأدب الروسي في جلّ بقاع العالم بما في ذلك فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، فروايات (ديستويفسكي)، (تولستوي)، و(سولجنستن)، (سولفييف) و(غوركي) .. الخ حققت نجاحا كبيراً في مبيعاتها وفي استمالة وفتن عدد كبير من القراء. وفي هذا الصدد نورد تعبيراً مجازيًا للشاعر البولوني ميلوز، زيصلو C.Z.MI-LOSZ الحائز على جائزة نوبل في الآداب لسنة 1981: “أن ترى الفيل لايمكن لك أن تزعم أنك لاتراه. إن العظيم يهيمن دائمًا”. لم فرض الأدب الروسي عامة والإنتاج الروائي خاصة همينته على العالم بأجمعه؟ ولم أنتجت روسيا بالذات روائيين من حجم (دوستويفسكي)؟

هذا سؤال عويص جداً، بالطبع لأن له جوانب متعددة، يمكن أن يكون للكاتب تأثير واسع. يمكن أن يؤثر في مجتمعات مختلفة لأسباب عدة، ومع ذلك لايكون في قمة الفن الروائي. فدوستوفسكي مثلاً لاشك أنه من كبار الروائيين، لكن هل هو من المبدعين في هذا الفن؟ أنا لا أشاطر، تمامًا، من يقول بهذا الرأي. لماذا؟ لسبب واضح بالنسبة لي، وهو أنني حين أعود إلى الكيفية التي كتب بها ديستوفسكي قصصه، يجب على الإنسان  ألا ينسى أن هناك دوافع شبه مادية تحكمت في الكيفية التي تصور بها (دوستوفسكي) فن القصة. كان مفروضًا عليه أولاً أن يكتب رواية طويلة جداً، إذ، في القرن التاسع عشر، كان الكاتب يتعيش من روايته. فعليه أن يكتب رواية طويلة جداً مليئة بالشخوص والمفاجآت والأدوار .. الخ..، وهذه ظاهرة نعانيها عند ديكنز أو بلزاك..إلخ.

ثانيا: إنه كان لايكتب الرواية بل كان يمليها إلى حد أن زوجته الثانية “آنا جريجوربيفنا” كانت هي الكاتبة التي تكتب مايمليه على نحو مختصر، ثم بعد ذلك تنشره. وهذا بالطبع له تأثير على تقنية الرواية كونك تملي عوض أن تكتب بيدك وقلمك.

ثالثًا: وهذا واضح بالنسبة لمن يقرأ الكتاب الذي يحمل عنوان يوميات كاتب “Joutnal d’un ecrivain”، وهو عبارة عن مقالات كان ينشرها (ديستوفسكي) في مجلة دورية (سنوية) يشرف هو نفسه عليها. وكان هو المساهم الوحيد فيها تقريبًا. فمن يقرأ هذه المقالات يرَ أن الأفكار الموجودة فيها، وهي أفكار سياسية واجتماعية وتاريخية، تتكلم عن الجنس السلافي، وعن الديين المسيحي، وخاصة الاورثوذوكسي، عن علاقة السلاف بالجرمان والأتراك..الخ، ويلاحظ أن هذه الأفكار هي بالضبط، الافكار التي توجد مشخصة في رواياته الكبرى مثلا: (الأخوة كرامازوف). فمن يقرأ هذه الرواية ستطالعه خذخ الجملة: “كل منا يريد أن يغتال أباه”. فالمرء يتعجب من هذه الجملة، سيقول هذا هو التعمق في نفسانية الإنسان، لكن، إذا تذكر أن المعنى الوحيد وهو أن الأب عنده هو روسيا، وأن الكلام هو على اتجاهين حيث يمثل كل أخ اتجاها. الاتجاه الغربي وهو التنكر لروسيا، واتجاه للماضي وهو نوع آخر. وبجانبهما الأخ الثالث (أليوشا) هو الذي يتردد بين الاخوين، ولايعرف من كان أكثر تنكرًا لروسيا؛ أي من اغتال أباه، حينئذ تكمن النقطة في تشخيص القضية وتجسيدها وفي جعل القضية قضية تاريخ وجعلها قضية نفسانية وقضية شخص. ولكن عندما يعبر عنها تمر من التعبير الفردي والنفساني إلى التغيير التاريخي، وتتضح الامور فتبدو واضحة تمامًا ولم يبق في ذلك شيء من التعمق الذي يبدو للقارئ السطحي والساذج. وما يقال عن (الاخوة كرامازوف) يقال عن باقي الروايات. فلذلك تبقى نقطة، وهي كيف تفسر أن هذا الكاتب يكتب في مسائل خاصة جداً بروسيا، وهي قضايا محددة اجتماعيًا وتاريخيا: اجتماعيا لأنه يتكلم باسم أولئك الذين كانوا من قبل أقنانا ولم يتحرروا إلا فيما بعد. لا ينبغي أن ننسى أن جد (دوستوفسكي) كان قنًا مملوكا لايملك نفسه ولاحريته، ولذلك هذه هي علاقته مع (تولستوي): هي علاقة القن بالنبيل الشريف الذي كان دائما وباستمرار حرا، وله صفحات حول هذه المقارنة، وهي من أهم ماكتب في فن تولستوي، فإذن هناك جانب اجتماعي، وهناك جانب تاريخي وهو روسيا أمام أوروبا. ولازلنا نرى للان أهمية هذا الجانب ،

فأقول: كيف نفسر أن هذه أمور خاصة بروسيا، ومع ذلك ومع ذلك يتفهمها القارئ في المغرب واوروبا والصين وأمريكا اللاتينية؟

أظن وهذا هو رأيي، أن هذه النقطة ليست خاصة بروسيا وإنما هنا يكمن الإبداع، فهذه النقطة نجد مايشبهها في الآداب الأوروبية الأخرى. نجدها، مثلاً، في انجلترا في قصص الروايات التاريخية لوالترسكوت. لكن حين كتبها هذا الأخير كانت مشكلة قديمة مرت عليها 3 قروون، وصار يتكلم عنها كشيء من ماض في روايات تاريخية. كذلك نجد الشيء نفسه عند الفرنسيين أو الألمان، لكن، وباستمرار، باعتبارها مشكلة متجاوزة، في حين إن روسيا تتداخل فيها الأزمنة وتصبح المشكلة قديمة بالنسبة للآخرين. ولكنها حاضرة بالنسبة لروسيا، ومستقبلية بالنسبة لشعوب أخرى. فهي دائمًا في برنامج العمل يقرأها الأوروبي الغربي، ويتفهمها لأنها من ماضيه. ويقرأها السلافي ويتفهمها لأنها حاضرة، وباستمرار تجد الشعوب الأخرى تجاوبًا معها عندما تحس الشعوب أنها تمر بالأزمة نفسها. ففي نظري هذا هو السر في مايمكن أن نسميه وقتية (ديستوفسكي) الدائمة، لاتتجاوز أبدًا.

ولكن، وكما نرى، هذه ظاهرة تاريخية واجتماعية، مالجانب الفني؟

قيل، مرة لـ(همنغواي)، اقرأ (ديستوفسكي). وبعد قراءته قال: كيف يمكن لكاتب كبير مثله أن يكون أسلوبه بهذه السهولة، وعدم الدقة في انتقاء الكلمات والتعابير المناسبة؟ وهذا واضح في رواياته، ومع ذلك نعتبره من كبار الكتّاب، مع أننا لانجد عنده جملة واحدة يمكن أن نعتبرها دقيقة في تعبيرها .. نقول إن ذلك يدل، فقط، على أن الرواية في بعض الأحيان تكون قصة طويلة يتغلب فيها الجانب التاريخي والاجتماعي على الجانب الفني. عندما يقال، مثلا، شاعرية (دستوفسكي)، يجب أن نعلم أننا نتكلم عن هذه الشاعرية كما لو كنّا نتكلم عن شاعرية فيلم أو مسلسل سينمائي، وليست شاعرية اللغة وإنما شاعرية المناظر .. على أي حال، في نظري، لايمثل (دستوفسكي) في فصل من روايته (المراهق) وهي قصة غير معروفة، لكن تعتبر من أروع ماكتب، أقصر من رواياته الأخرى لكنها عميقة جدًا، وفيها قسم لم ينشر، فيه ثمان صفحات يميز فيه عمله وعمل (تولستوي). يقال أن (تولستوي)، باعتباره سليل أسرة نبيلة، سليل روسيا الحاكمة، يعيش في جو الجمال، ويعبر عن الجمال دون إرهاق أو مجاهدة، أما أنا – سليل المسعبدين- فلا أعرف من الجمال شيئا، وأحاول أن أصل إلى جمال آخر، جمال لم يحلم به أبدًا (تولستوي)، وبالفعل لمّا تفكر في جو دوستوفسكي تجده بعيدا عن الهاجس الجمالي، جو الحزن والفقر والقتامة، ولكن، من خلال كل ذلك له هاجس من نوع آخر، الجمال الروحي. فعنده صفحة من أروع ماكتب عن جمال المرأة الروسية. فهي لاتكون جميلة إلا مدة عشر سنوات بين عشرين وثلاثين سنة؛ ولهذا السبب فجمال المرأة الروسية جمال عابر جدًا. فهذاالحس بالجمال لا أجده عند (نجيب محفوظ).

هل الكاتب المبدع كائن غريب؟

كلما رأيت كاتباً مبدعاً يرتدي ملابس غريبة، صارخة أو متنافرة الألوان، وقد اطلق شعر رأسه، على طريقة الهيبيز، وترك لحيته تنمو لتغطي معظم وجهه. أقول كلما رأيت مثل هذا الإنسان، تساءلت بيني وبين نفسي: هل هذه هي علامات النبوغ أو العبقرية حقاً، أم أن في الأمر التباساً ما؟

لم تدرس شخصية الكاتب وعملية الخلق الفني إلا قليلاً. ويبدو الكاتب في نظر الآخرين كائناً غريباً ونادراً. الناس يعتقدون أن الكاتب المبدع يجب أن يشذ عن أعراف وتقاليد مجتمعه، ويتمرد على محيطه بكسر التابوهات، أو يعاني من اضطراب عقلي طفيف، ويرى الحياة بنظرة غير مألوفة؛ ويكون غريب الأطوار والسلوك.

في الواقع، ليس الأمر على هذا النحو، فالكتّاب المبدعون مختلفون عن بعضهم البعض، في مظهرهم وسلوكهم ومنهج حياتهم ،وتتباين حظوظهم من الموهبة، والذكاء والثقافة، والخبرة، والصحة النفسية، ولكن السمات الشخصية التي تساعد على الكتابة الإبداعية موجودة. ويدرسها علم سيكولوجية الإبداع  الذي يساعد على الكشف عما هو مفيد حقا في شخصية الكاتب.


دوافع الكتابة

الكاتب الحقيقي لا يستطيع الا أن يكتب مدفوعاً بهاجس داخلي لا يمكن له مقاومته أو فهمه، ولا يكتب من أجل المال، أو المجد والشهرة. الكتابة الحقة تنبع من داخل النفس، ولا تفرض من الخارج.

الكتّاب يعرفون ان الكتابة في موضوع معين بناء على تكليف هذه الجهة أو تلك، ليس عملا مملا فقط، بل يلحق الضرر بقدراتهم الإبداعية لأنه يقحم في عالمهم شيئا غريبا. وبعد تكرار مثل هذه الكتابات يلاحظون هبوط قدراتهم الأبداعية في التخييل وخلق الصور النابضة بالحياة. القلم المتفرد يختنق في الواقع الحياتي ويفقد ما يبدعه الخيال. من الأفضل للكاتب أن يعمل في غسل السيارات من أن يكتب بناءً على تكليف دار نشر أو مجلة ما.  


 نظرة متميزة الى الحياة والعالم

الناس يوجهون اللوم الى الكاتب المبدع، لعدم اهتمامه بأخبار الساسة أو النجوم، أو التسوّق، أو الرياضة او الأغاني الأستعراضية أو صرعات الموضة. الكاتب يعيش في عالم آخر ويتحدث أحياناً عن النجوم وضوء القمر وعن اشياء عديمة الفائدة للناس. ويمكن النظر الى هذا النوع من اللوم كمجاملة للكاتب. لأن مهنة الكتابة تتطلب العزلة وصفاء الذهن والتأمل من اجل التحليق على أجنحة الخيال، وخلق عالم آخر افتراضي في ذهن الكاتب المبدع. وهذه العملية تؤدي الى الإنفصال عن العالم الواقعي مؤقتاً، والتفرغ للكتابة وإزاحة كل ما يعيقها وتوجيه كل قوى الكاتب نحوها.

 الإنغماس في صعوبات الحياة اليومية قد يحرم الكاتب من التركيز على عمله والحد من زخم الطاقة المطلوبة لخلق عمل أدبي ممتع ومتفرد.


الميل إلى الحوار الداخلي

نقد آخر يوجه في العادة الى الكاتب المبدع، وهو إنغماسه في حوارات داخلية صامتة بينه وبين نفسه أو الحديث في بعض الأحيان إلى نفسه بصوت مسموع. قد ينظر البعض الى هذا الأمر على أنها علامة مبكرة من أعراض الإختلال العقلي والنفسي. ولكن الحوار الداخلي بالنسبة الى الكاتب  – إحدى الطرق الرئيسية لإنشاء النص. وتفسير ذلك، أن أفكار الشخص البالغ تتشكل عن طريق الكلمات أولاً، ومن ثمّ الصور. الكاتب حين يحدّث نفسه بالحوار الداخلي ويصف المشاعر والأحاسيس انما يصوغ انطباعاته بالكلمات، التي قد تتحول الى صور فنية حية اذا كان يمتلك مهارة الكتابة الإبداعية.


الدقة

مع الحوار الداخلي ترتبط عادة أخرى مفيدة للكاتب، وهي السعي للحصول على التعريف الصحيح الدقيق لما يحدث. والبحث عن الكلمة التي تصف الواقع بأكبر قدر ممكن من الدقة، وهذا الإحساس المرهف بالكلمة وإيقاعها في سياق الجملة، قد يكتسب طابع الوسواس القهري. لأن ما لا يمكن وصفه بالكلمات لن يكون له وجود قطعاً.

ان النص الفني الذي نقرؤه في سهولة ويسر، شديد الصعوبة في كتابته. فالكاتب يتخير كل لفظ بدقة ليؤدي معنى معينا يحيث لا يمكنك ان تحذفه أو تكتب لفظا آخر بدلاً عنه. لذلك قد يكتب الكاتب الجملة الواحدة مرات عديدة حتى يصل الى اللفظ المناسب الذي يتطلبه المعنى. بمعنى آخر أن النص الفني الحقيقي يتميز بطلب الحتمية والدقة والوضوح.


حب الأستطلاع

حب الاستطلاع خاصية يتميز بها الكاتب المبدع الذي يتلهف لرؤية اماكن جديدة وتسجيل انطباعاته عنها. وبعد كل زيارة يعود ليكتب بطاقة جديدة مدفوعا بما تركت الزيارة  في نفسه من آثار قوية.

(تشيخوف) سافر الى منطقة (ساخالين) في اقصى الشمال الروسي، وقام برحلة طويلة مرهقة استغرقت عدة أشهر، من أجل الإطلاع على ظروف الحياة في هذه المنطقة النائية الموحشة، وأوضاع المعتقلين والمبعدين فيها، وعاد ليكتب كتابه القيم (ساخالين) الذي أثار ضجة كبيرة، اضطرت معها السلطة القيصرية الى تحسين ظروف الحياة في المعتقلات والمنافي. (اسحاق بابل) عقد صداقة غريبة مع مسؤول المخابرات السوفيتية، وعندما سأله الشاعر (اوسيب ماندلشتام) عن سبب دخوله الى ” عش الزنابير ” وخطورة ذلك على حياته، أجاب بكل بساطة :

أريد أن أشمّ رائحة مطبخ القمع.

حب الإستطلاع وراء كل عمل إبداعي، لذا يسعى الكاتب الى الحصول على المادة الخام لأعماله الأدبية، وهذا السعي يختلف عن فضول الفرد العادي الذي يتسمع ما يتحدث به جيرانه وراء الجدار أو مراقبة شجارفي الشارع من خلال نافذة في المنزل.