خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الكتابة

الدليل إلى عالم الكتابة والأدب أخذاً وعطاءً، قراءةً وإنتاجاً.

نيل قايمان يتساءل: من أين تأتي بأفكارك؟

 

نيل قايمان

نيل قايمان (مواليد 1960)، هو كاتب إنجليزي، نُشرت له عدد من القصص القصيرة، والروايات، والقصص المصوّرة أيضًا، بالإضافة إلى عدد من الأعمال الأخرى. من أشهر أعماله؛ سلسلة القصص المصوّرة (ساندمان)، أو رجل الرمل. ومن الروايات؛ (الآلهة الأمريكية)، (كارولاين)، (المحيط في آخر الطريق)، و(ستاردست).

في مدونته الشخصية، كتب (قايمان) مقالة عن السؤال الذي يُطرح عليه بشكل متكرر، ألا وهو “من أين تحصل على أفكارك؟”، ننقله لكم بترجمة حصرية. يقول فيه:

 

كل مهنة لها شراكها. الأطباء، على سبيل المثال، دائما ما يتم سؤالهم للحصول على المشورة الطبية المجانية، ويطلب من المحامين المعلومات القانونية، ويقال لمتعهد الموتى كيف ان مهنته لاشك مثيرة للاهتمام قبل أن يغير الناس مجرى الحديث بسرعة. وكذلك نحن الكتاب نُسأل: “من اين نحصل على افكارنا؟”

في البداية، كنت أجيب الناس بإجابات ليست مسلية جدا، أحد إجاباتي التي أتهرب بها : “من نادي فكرة الشهر”، أو “من محل افكار صغيرة في بوغنور ريجيس”، أو “من كتاب قديم مليء بالافكار في قبو منزلي”، أو حتى “من بيت أتكينز”. والإجابة الاخيرة مقصورة على فئة معينة، وربما تحتاج إلى تفسير قليلا. (بيت اتكينز) هو صديقي كاتب السيناريو والروائي، وقررنا منذ فترة أنه عندما يطرح علي هذا السؤال أن أجيب بأنني احصل على الأفكار منه، وهو كان يجيب بأنه يحصل على الافكار مني. بدأ هذا ذا معنى في ذلك الوقت.

ثم سئمت من الإجابات الغير مسلية، في الوقت الحالي صرت أخبر الناس الحقيقة: أنا اخترعها؛ أقول لهم، آتي بها من رأسي.
الناس لا يحبون هذه الإجابة. أنا لا أعرف لم لا. يبدون غير سعداء بها، كما لو كنت أحاول أن أخفي شيئا عنهم . وكأن هناك سرا كبيرا، و لأسباب خاصة بي، لا أريد أن أقول لهم كيف يتم ذلك.
وبالطبع هذا ليس صحيحا. أولا، أنا نفسي لا أعرف من أين تأتي الأفكار، أو مالذي يجعلها تأتي، أو ما إذا كانت ستتوقف في يوم من الأيام. ثانيا، أشك في أن أحدا ممن يسأل يريد ان يستمع إلى محاضرة مدتها ثلاث ساعات عن العملية الإبداعية. وثالثا، إن الأفكار ليست بتلك الأهمية. حقا أنها ليست كذلك. الجميع لديهم فكرة لكتاب، فيلم، قصة، مسلسل تلفزيوني.
كل كاتب نشر اعماله كان يملك الفكرة، الناس الذين يأتون إليك ليخبروك ان لديهم فكرة. ويا إلهي هل من المستبعد والغريب انهم يريدون ان يشركوك بها ، في الغالب سيكون الاقتراح بهذا الشكل، سيخبروك بالفكرة “الجزء الصعب”، وانت ستأخذها وتحولها إلى رواية “الجزء السهل من العملية”، وبالطبع في النهاية بإمكانكم ان تتقاسموا المال مناصفة بينكم.
أنا متفهم ومتسامح بدرجة معقولة مع هؤلاء الناس. وأنا أقول لهم، حقيقة، أن لدي عدد كبير جدا من الأفكار ، و القليل جدا من الوقت. وبعدها أتمنى لهم حظا سعيدا.
الأفكار ليست هي الشيء الصعب. انها عنصر صغير من الكل. إن الأصعب من ذلك هو صنع أشخاص معقوليين يمكنهم القيام بالقليل أو الكثير مما يقال لهم. والأصعب على الإطلاق هو عملية الجلوس ببساطة ووضع كلمة واحدة تلو الأخرى لتشييد ماتحاول إنشاءه: ان تجعله مثيرا للاهتمام، تجعله جديد من نوعه.
ولكن لا زال السؤال الذي يريد الناس معرفة إجابته. في حالتي، يريدون ايضا أن يعرفوا إن كنت أحصل على الافكار من أحلامي. الجواب: لا. منطق الحلم ليس منطق القصة، اكتب حلما، وسترى ما أعنيه، بل حتى أفضل من ذلك، أخبر أحدا بأحلامك؛ “حسنا، كنت في هذا البيت الذي كان أيضا مدرستي القديمة، وهناك كانت هذه الممرضة التي كانت كذلك ساحرة عجوز، والتي ذهبت بعيدا ولكن كان هناك ورقة شجر ولا أستطيع النظر إليها والتي أعلم أنه إذا لمستها سيحدث شيء مروع …”، كنت أشاهد أعينهم تلتمع وهم يستمعون إلي، وأنا لا أعطي أجوبة صريحة .. حتى وقت قريب.
ابنتي (هولي)، ذات السبع سنوات، طلبت مني ان أحضر لمدرستها لكي ألقي خطابا، كان المعلم متحمسا، “أصبح الأطفال يؤلفون كتبهم الخاصه مؤخرا، لذا إن حضورك سيكون شيقا كونك كاتبا محترفا.  ومن الممكن ايضا ان تخبرهم ببعض القصص، إنهم يحبون القصص”، فجئت .
جلسوا على الأرض، وكان لي كرسي، حدق بوجهي خمسين زوجا من الأعين لأطفال في السابعة من العمر. “عندما كنت في سنكم، قال لي الكبار أني لا أصنع شيئا، والآن، إنهم يعطوني المال من أجل ذلك”. تحدثت لمدة عشرين دقيقة، ثم بدأوا يطرحوا علي الأسئلة.
وأخيرا سألني أحدهم: “من أين تحصل على أفكارك؟”. وأدركت أنني أدين لهم بإجابة. لم يكونوا بالعمر الذي يمكنهم من معرفة أكثر مما يعرفوه. وإنه سؤال معقول تماما، إن لم يكن يُطلب مني اسبوعيا.
هذا هو ما قلته لهم:
يمكنك الحصول على أفكار من أحلام اليقظة. و من الشعور بالملل. يمكنك الحصول على الأفكار في كل وقت. والفرق الوحيد بين الكتاب وغيرهم من الناس هو أننا نلاحظ انفسنا عندما نجد فكرة. تحصل على الافكار عندما تسأل نفسك أسئلة بسيطة. من أهم الأسئلة هو سؤال: ماذا لو ..؟ “ماذا لو استيقظت بأجنحة؟ ماذا لو تحولت أختك إلى فأرة؟ ماذا لو اكتشفت ان المدرس ينوي ان يأكل احدا منكم في نهاية الفصل الدراسي؟ لكنك لا تعرف من”.
سؤال مهم آخر هو، فقط إذا ..! “فقط إذا كانت الحياة الحقيقية مشابهة  لمسرحيات هوليوود الموسيقية. فقط إذا كنت استطيع تقليص نفسي لأصبح بحجم زر صغير. فقط  إذا كان هنالك  شبح يقوم بأداء واجباتي المنزلية”.
وبعد ذلك هناك أيضا: أتساءل !!
“أتساءل عما تفعله عندما تكون وحدها …” وسؤال لو استمر هذا الوضع سوف..! وأليس من المثير للاهتمام إذا ..! “أليس من المثير للاهتمام إذا اصبح العالم محكوما من قبل القطط؟”
هذه الأسئلة وشبيهاتها، هي بدورها، تشكل المزيد من الاسئلة، “حسنا، إذا كانت القطط تحكم العالم سابقا، لماذا تغير الوضع؟ وكيف تشعر القططة  حيال ذلك؟”، إن الاسئلة هي احد مصادر الافكار!!
الفكرة ليس عليها ان تكون عقدة، الفكرة هي مكان لكي تبدأ الكتابه منه. أما العقد فهي تنشئ بنفسها عندما يقوم الشخص بطرح الاسئلة عن الفكرة التي بدأ بها.
وأحيانا الفكرة تكون شخص، “كان هنالك صبي يريد أن يعرف عن السحر”. في بعض الأحيان تكون مكان “منذ زمن بعيد كان هنالك قلعة، وكانت هي المكان الوحيد هناك …”. في بعض الأحيان انها صورة “امرأة، تجلس في غرفة مظلمة مليئة الوجوه الفارغة”.
وغالبا ما تأتي الأفكار عندما نجمع  أمرين لم يجتمعوا من قبل. “إذا تعرض إنسان للعض من قبل مستذئب سيتحول إلى ذئب، ولكن ماذا سيحدث إذا تعرضت سمكة إلى العض من قبل مستذئب؟ وماذا سيحدث إذا تعرض كرسي للعض من قبل مستذئب؟”.

إن كتابة الروايات هي عملية تخيل؛ أيا كان ما تكتبه، وأيا كان نوعه، مهمتك هي أن تجعله مقنع ومثير للاهتمام وجديد.
وعندما تمتلك الفكرة – الذي هو، بعد كل شيء، شيء لتتمسك به عندما تبدأ – ستفكر بماذا بعد؟
حسنا، بعد ذلك ستكتب. تضع كلمة واحدة تلو الأخرى حتى تنتهي من القصة – هذا هو كل مافي الأمر.
أحيانا لن تنجح الفكرة، أو على الأقل ليس كما تصورت في البداية. في بعض الأحيان لن تعمل على الإطلاق. و في أحيان أخرى عليك التخلص منها تماما و البدء من جديد.
أتذكر قبل بضعة سنوات، عندما خطرت لي “قصة ساندمان”. كان الأمر يبدو كما أن للأمر علاقة بالشيطانة التي تعطى الكتاب والفنانين والشعراء الأفكار في مقابل جزء من اعمارهم. لقد أسميتها الجنس والبنفسج.
وبدت قصة واضحة المعالم، و لكن فقط عندما بدأت في الكتابة، اكتشفت أنها كانت كمحاولة يائسة لربط الرمل الناعم؛ في كل مرة كنت أعتقد أنني تمكنت من ذلك، اجد ان القصة تقطر من خلال أصابعي وتتلاشى.
لقد كتبت في ذلك الوقت: “لقد بدأت هذه القصة مرتين، وبلغت نصف الطريق في كل مرة، فقط لمشاهدته يموت على الشاشة”.

“ساندمان”، وهو كوميك  مرعب. بدا لي كما لو أن لاشيء كتبته قبع في داخلي مثل هذه القصة، وأنا الآن على وشك التخلي عنها، مع الموعد النهائي للكتابة الذي اصبح شيئا من الماضي. وربما أشعر بذلك لأن هذه القصة قريبة جدا من قلبي. إنها أفكار – والقدرة على وضعها على الورق، وتحويلها إلى قصص – هذا هو الذي يجعلني كاتبا. وهذا هو الذي يجعلني غير مجبر على الاستيقاظ في وقت مبكر من الصباح والجلوس على متن قطار مع أشخاص لا أعرفهم والذهاب إلى عمل أزدريه.
إن فكرتي عن الجحيم هو ورقة بيضاء. أو شاشة فارغة. وأنا، أحدق في ذلك، غير قادر على التفكير في شيء واحد يستحق الكتابة
؛ حرف واحد يمكن للناس ان يؤمنوا به ، قصة واحدة لم تحكى من قبل.
نعم أتخيل اني أحدق في ورقة بيضاء .. إلى الأبد!

لقد كتبت في طريقي للخروج من الجحيم، ومع ذلك أصبحت يائسا، وهذه إجابة اخرى أستخدمها مع مسألة: “من اين تحصل على افكارك”. “من اليأس”. “اليأس والملل”، و”المواعيد النهائية”. جميع هذه الإجابات صحيحة إلى حد ما. عندما تحيط بي هذه االاشياء وتأخذ رعبي الشخصي والفكرة الأساسية لتصنع قصة تدعى الملحمة، وهو ما يفسر، إلى حد ما، المكان الذي يحصل منه الكتاب على أفكارهم منه. انها من  كتاب بعنوان “أرض الأحلام”. يمكنك قراءته إذا أردت. وفي مكان ما في كتابة هذه القصة، توقفت عن خشية إفلات الافكار مني
من أين أحصل على افكاري؟

أنا اخترعها …

من رأسي!

 


[المصدر]

أودري لورد: الشعر ليس ترفاً.

51_PORT_1

أودري جيرالدين لورد (1934-1992)، كاتبة أميريكية كاريبية، شاعرة وناشطة. معاصرة لمثيلاتها من الشاعرات النسويات (سيلفيا بلاث) و(أدريانا ريتش) اللاتي كنّ يسعين نحو تغيير تقاليد النثر والشعر لأن تكون كسيرة ذاتية أكثر، كانت (لورد) جامعةً الأنواع كلها، كانت الحياة بالنسبة لها نصاً فصار كل شيئ أشبه بالسيرة الذاتية فعلاً.

ركزت (لورد) في قضاياها على الإختلاف بين جماعات النساء وبين الأفراد كذلك، كما قالت مرة: أنا أُعرّف بكل جماعة كنت جزءًا فيها، كما عرّفت عن نفسها “سلسلة متصلة من النساء” و“مهرجانٍ من الأصوات”، قائلة: كل ماهو دخيل علينا، هو في آن الوقت نقطة ضعفٌ وقوة؛ ولكن بدون المجتمع لا تتحقق الحرية، لا مستقبل، فقط هدنة ركيكة ومؤقتة بيني وبين القمعوكما قال عنها النقاد أيضاً، بأن التعددية الثقافية في ذاتها، كانت منعكسة عليها في نصوصها. في حين ان الثقافات الفردية هي كياناتٌ لم تعد منفصلة ومستقله لكنها تنصهر في دوائر أكبر دون أن تفقد أهميتها الفردية. رفْضُ لورد لأن تصنّف إجتماعياً وأدبياً، كان بمثابةِ سمة تميزها كفرد بعيداً جداً عن الصور النمطية.

هنا في هذه المقالة تحت عنوان Poetry is not a Luxury (الشعر ليس ترفًا) التي نُشرت لأول مرة في مجلة Charysails العدد الثالث (١٩٧٧)، ثم جُمعت فيما بعد في كتاب (Sister Outsiderالذي حوى عدداً من مقالاتها وخطاباتها الخالدة. أنقلها لكم بترجمة حصرية.

تتحدث (لورد) الشاعرة النسوية، عن بالغ أهمية الشعر في كونه الكلمة الأعلى والمسموعة للوصول إلى التغيير، في كونه لغة عميقة رقيقة تترجم مطالب حقيقية. تحدثت لورد عن قدرة القصيدة الخارقة، على تسمية أفكارنا وتصنيفها. حاثّة على أن يكون صوت الأفكار عالياً، فلطالما كان صوت (لورد) عالياً، في مواجهة الصمت السائد والقمع.

جودة الضوء الذي نستشف به حيواتنا تنعكس على ثمرة مانعيشه، وعلى جميع التغييرات التي نتمنى استمطارها، من خلال هذه الحيوات، وعبر هذا الضوء الذي نشكّل به أفكارنا، سعياً وراء هذا السحر وتحقيقه. هذا هو ضوء الشعر، الشعر الذي من خلاله نطلق التسميات على تلك الأفكار التي قبل أن تكون قصيدة، لا إسم لها ولا شكل، كانت على وشك الولادة وهاهي تتنفس الآن. استمطار الخبرات هذا الذي يولد الأفكار من ينبوع الشعر الحقيقي، كمفهوم ولادة الحلم، والشعور بولادة الفكرة، وولادة المعرفة التي تسبق الفهم. كما تُعلمنا استيعاب حميمية هذا التبصر واستقراءه، واستخدام ثمرة هذا التبصر للسيطرة على حياتنا، حتى تفقد هذه المخاوف التي تتحكم في حياتنا وتشكّل صمتنا سيطرتها علينا.

الشعر في داخل كل منّا، هنا بداخل مكامن قوتنا التي هي بداية كل التغيير، فقالت (لورد):

نحن معشر النساء، هناك بقعة داكنة تختبئ داخل كل واحدة منا وتنمو حتى تسمو بروحها، قوية جميلة في مواجهة كوابيس الضعف والوهن. هذه القدرات في دواخلنا داكنة ومختبئة، وهاهي تنجو وتكبر لتصبح أقوى عبر الظلام. هذه المكامن العميقة في كل واحدة منا هي مدخَرٌ عظيم من القوة والإبداع، مدخر عظيم من مشاعر وانطباعاتٍ لم تُختبر ولم تُسجل بعد. مكمن القوة في داخل كل واحدة منا ليس أبيضاً ولا طافياً على السطح، بل داكن وعريق وعميقٌ جداً. عندما ننظر للحياة في طابع أوروبي فقط كمشكلة يمكن حلها، فإننا نعتمد فقط على أفكارنا لتحررنا، لذا كان قيماً وثميناً جداً ماقاله لنا الآباء البيض . ولكننا حينما أصبحنا على مقربة شديدة من عراقتنا، هذا الوعي الغير أوروبي للحياة كوضعٍ مجرب تم التفاعل معه؛ فإننا نتعلم أكثر وأكثر كيف نثمّن ونقدر هذه المشاعر حق قدرها، وكيف نحترم مكامن قوانا الداخلية التي من خلالها تكون المعرفة الحقة والأفعال الرنانة. وفي هذا الوقت من الزمان، فإنني أؤمن بأننا النساء نحمل في ذواتنا القدرة على الإلتحام والربط بين هذين الأسلوبين الضروريين للنجاة، وها نحن الآن نقترب من هذا المزيج في قصائدنا.  أنا أتحدث هنا عن الشعر كاستمطارٍ إلهامي للتجارب، لا كمفردة عابثة عقيمة أحياناً، كما شوه الآباء البيض مفردة الشعر لتؤدي بمعناها إلى تغطية يائسة للخيال دون تبصر.

قيمة الشعر الحقيقية، آلية القصيدة في منح التصور الفعلي الصحيح للأشياء:

بالنسبة لنا نحن النساء، فالشعر ليس رفاهية ولا كماليّ، الشعر ضرورة محضة لوجودنا. الشعر يشكل جودة الضوء الموجه نحو آمالنا وطموحاتنا للنجاة والتغيير، لغة ثم فكرة ثم أفعال ملموسة. الشعر هو الوسيلة لتسمية اللامسمى ليكون فكرة. القصيدة هي رتق لآفاق آمالنا ومخاوفنا البعيدة التي نحتتها تجاربنا الصلدة في الحياة اليومية. ها وقد أصبح أمر الإستجلاء الصادق لمشاعرنا متعارفٌ عليه ومقبولٌ، كالأرض الخصبة المحرمة لتَوالُد أكثر الأفكار جرأة وراديكالية؛ أصبحت هذه المشاعر باختلافاتها الملاذ الآمن للتغيير وتصوّر أي عمل هادف. الآن، أستطيع على الأقل تسمية عشرة أفكار قد أجدها مبالغٌ بها أو غير قابلة للنقاش ومريبة، ولكن فقط إن ظهرت بعد حلم أو قصيدة. هذا الأمر ليس خيالاً فاسداً أو فارغاً، بل تنبؤ منضبط وواعٍ إلى المعنى الحقيقي لـنعم، هذا الأمر يناسبني. إننا نستطيع تدريب ذواتنا لتحترم مشاعرنا وتترجمها إلى لغة لتصبح في متناول العالم، وعلى اعتبار أن هذه اللغة لم توجد بعد، فإن هذا هو دور الشعر للمساهمة في رواجها. الشعر ليس فقط أحلاماً ورؤىً، إنه هيكل بناء حياتنا، هو الأساس لمستقبل التغيير، والجسر لعبور مخاوفنا التي لم توجد بعد. سواء كانت قدراتنا لحظية أو أبدية، فليس من السهل الحفاظ على الإعتقاد بفعاليتها. نستطيع أحياناً أن نعمل بجد للبدء بمَدّ جسرٍ للمقاومة الحقيقة في سبيل كل الموتات التي ظننا أننا سنعيشها يوماً. ولكن ما إن يواجه الجسر هذا تهديداً أو قمعاً من قبل فرضيات مفرطة في السخف، كنا قد عايشناها حتى الخوف، أو حتى بسبب الإنسحاب من تلك الاتفاقات التي كنا نُحذّر منها لحفظ سلامتنا.  نرى أنفسنا قلصنا وخففنا من الإتهامات زوراً، في حق الشمولية، القابلية للتغير، والشهوانية.

الاحتياج للتغيير في حياتنا هو محفز القصيدة الأول، ومطوّعٌ لطريق السعي وراء الحرية:

ومن هو صاحب السؤال: هل أراني أغير هالتك؟ أفكارك؟ أحلامك؟ أم أنني محضاً أجرك إلى تلك الأعمال الإنتقالية الفاعلة؟ وبالرغم من أن هذا الأخير لا يعني المهمة بحد ذاتها، فإنه أمر كان ولابد من ظهوره في السياق بسبب الاحتياج للتغيير الحقيقي في كل أساس من أسس حياتنا. “أنا أفكر إذن أنا موجود” كالمرأة السوداء فيما بيننا، تلك الشاعرة التي تهمس في أحلامنا أنا أشعر، إذن أنا حرة”. تجعلنا نوقن بأن الشعر يجمع اللغة للتعبير وتوثيق هذا الاحتياج الثوري، السعي الحفيف وراء الحرية.

على كلٍ، فالخبرات علمتنا بأن الأفعال الحتمية هي ضرورة دائماً. أبناؤنا لن يحلمون إلا إن عاشوا، ولن يعيشوا إلا بالغذاء، ومن يستطيع أن يغذيهم بالطعام الحقيقي الذي لا يجعل أحلامهم باختلافٍ بالغٍ عن أحلامنا؟ ويصيح طفلٌ: إن كنت تريدنا أن نغير العالم يوماً، فإننا يجب أن نعيش كفاية للننضج”.

سطوة مواصلة تخيل أفكار جديدة على الطرق التي نحددها -عبر الشعر- لتجديد أفكارنا الساكنة قديماً في رؤوسنا، تلك الأفكار التي آلمتنا يوماً وعبرتنا وكان الشعر هو بلسمها الوحيد:

أحياناً نكبل أنفسنا بإحلامٍ لأفكار جديدة، وتكون نجاتنا هنا في الرأس، العقل وحده هو من يضمن لنا الحرية، ولكن ليس هنالك أي أفكار جديدة تنتظرنا على جناحٍ من الريح لتنقذنا نحن النساء، نحن البشر. هنالك فقط، أفكار قديمة تناساها الجميع، وبتكوين جديد واستقراء وإدراك من ذواتنا جنباً إلى جنب سننجح في محاولةٍ إظهارها. ويجب علينا تشجيع أنفسنا وبعضنا الآخر في محاولة تجنب هرطقة الأفعال التي تمليها علينا أحلامنا، والكثير من وضاعة أفكارنا القديمة. وفي طليعة تحركنا نحو التغيير، لا يوجد هنالك سوى الشعر كتلميح لاحتمالٍ حقيقي. قصائدنا هي من تعيد تشكيل مضامين ذواتنا، ومانشعره ونخشى جعله حقيقة، مخاوفنا، آمالنا، ورهبتنا الأعز. لم تكن مشاعرنا تهدف للنجاة، عبر أشكال الحياة التي تحددها المعيشة من قبل قوة خفية، والتجريد المؤسسي من الإنسانية، بل تم الحفاظ عليها هنا، في حين إعتقادنا بأنه من غير الممكن تجنب تنامياتها أو نشوة عهودها السابقة، هذه المشاعر التي أعتُقِد بأنها قد تركع للأفكار كما اعتُقِد يوماً بأن تركع النساء للرجال. لكن المرأة تنجو بحياتها، والشاعرة كذلك، فلا آلام جديدة، فقد عبرتنا كلها قبلاً، خبأناها في ذات المكان الذي خبأنا بهِ قوتنا. طفت على سطح أحلامنا، وكانت أحلامنا هي من تضع النقاط على حروف الحرية، هذه الأحلام صارت مفهومة عبر قصائدنا التي تمدنا بالقوة وتشجعنا لنرى، لنشعر، لنتحدث ونتجرأ.

(لورد) تختم هنا بجعل الشعر التزاماً وليس رفاهية، التزاماً تجاه أفكارنا ومستقبل التغيير:

ما نحتاجه لنحلم هو أن نرحل بأرواحنا إلى أعمق نقطة مباشرة نحو الالتزام، الذي لم يكن يوماً رفاهية، ولو استسلمت شرارة قوتنا، فإننا نستسلم عن صنع مستقبل لعالمنا. وإن غابت الأفكار المتجددة، فهنالك طرق جديدة لجعلنا نشعر بها، باختبار هذا الفكرة كيف ستكون شعوراً يُعاش في الساعة السابعة من صباح الأحد، بعد تناول الغداء، وخلال حبٍّ غامر ، نصنع حرباً وولادة، نبعث حياةً في موتانا، بينما نعاني من أشواق قديمة، ونتعارك مع محاذير قديمة ومخاوف من الصمت والعجز والوحدة، بينما نتذوق طعم القوة والإمكانيات الجديدة.

في فضاءات الكتابة، عبدالسلام بنعبدالعالي (ج.2)

ben-abdelaali

عبدالسلام بنعبدالعالي (مواليد 1945)، كاتب ومفكر مغربي حاصل على دكتوراه في الفلسفة، وهو أستاذ جامعي بجامعة محمد الخامس بالرباط، له كثير من المقالات والدراسات العلمية، وقد نشرت له مجموعة كتب. من بينها؛ (منطق الخلل)، (في الانفصال)، (الفلسفة السياسية عند الفارابي). كما ترجم العديد من الكتب عن الفرنسية مثل: (أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية) للكاتب (عبدالفتاح كيليطو) و(أسئلة الكتابة) – للكاتب (موريس بلانشو).

الجزء الأول من المقالة (هنا)

بين النص والتعليق

يناقش (بنعبدالعالي) مسألة الكتب الشارحة لكتب أخرى، وفيما يذكر هذه المسألة يستشهد بالمقالات والتعليقات أدناها، مالذي نراه في التعليق؟ لا يعدو أن يكون تأييدًا أو نقدًا، أو كما يقول: هي إما تعليقات معلم يوضح السلبيات، أو تعليقات تلميذ شاكر لمعلمه. يتراءى لنا حين نفكر في الكتب التي تشرح كتبًا أخرى، أننا أمام كتاب أقل من الأصل، أو هو دونه في المستوى، وقد شاع بيننا -تأييدًا للمستشرقين على حد قول المؤلف- أن مفكريننا ماهم في أحسن الأحوال إلا شرّاح معلّقون لمعلمين –غربيين طبعا- سبقوهم، باعتبار الأفضلية لكُتّاب المتن طبعًا، والأفضلية للمعلم الأول، والتنقيص للشارح أو المعلق، المعلمَين بعد المعلم الأول. ماذا يقول بنعبدالعالي في هذا السياق:

غني عن التأكيد أن الشعرية المعاصرة، بل ربما الفكر المعاصر في مجمله، لم يعد يعتمد هذه التفرقة بين من يكتب ومن يعلق من جهة أخرى، بين من يؤلف ومن يشرح، من يفكر ومن ينتقد. فما دُعي موتًا للمؤلف صوحب في الوقت ذاته ببعث من ظلّوا ظلًا له كالقارئ والناقد والمترجم، والمعلّق. وهكذا فربما لن نجانب الصواب إن جزمنا أن كبار المفكرين المعاصرين هم مجرد معلّقين… أن نعلّق على مفكر هو أن نجعل فكره يمتد، هو أن نجعل الفكر يمتـد… قد يكون من المتعذر أن نقول إن ماكتبه (بلانشو) في الترجمة مثلا هو مجرد تعليق على كتاب (بنيامين)، كما قد يتعذر الجزم ما إذا كان ماكتبه (دولوز) هو “مجرد” تعليق حول مؤلفات (فوكو) … فنحن أمام كوكبة من الكتّاب تكتب النص نفسه، كل يعمل على أن يجعل النص يمتد ويمتد، إلى حد أنه يتعذر علينا أن نحدد من المعلق ومن المعلّق عليه، من الأول ومن يليه، من المؤلف ومن الشارح، من الكاتب ومن الناقد.


السرقات الأدبية

عن رأي (بنعبد العالي) حول السرقات الأدبية، يقول:

كتب (بلانشو): “من الذي سيولي عنايته لقول جديد؟ قول لم يُنقل؟ ليس المهم أن نقول قولًا، وإنما أن نكرر القول، وأن نقوله كل مرة وكأنه سيقال للمرة الأولى.”

ماهي السرقة الأدبية والحالة هذه؟ هي أن نكرر القول دون أن يبدو كأنه يقال لأول مرة… السرقة هي فشل المحتوى في أن يلبس شكلا جديدًا، هي عجز الأسلوب أن يرقى إلى إعادة صياغة المضمون. إنها كتابة مخفقة، ولكنها تظل من صميم الكتابة، من صميم كل تأليف سواء كان موسيقى أو نحتًا أو صياغة. الكتابة لا مفرّ لها من أن تكرر القول، ولا محيد لها عن النقل. السرقة “لعنة” كل كتابة، حتى أن (ابن رشيق) لا يتردد في “العمدة” في الجزم بأن لا أحد من الشعراء يقدر أن يدعي السلامة منها.

كل كتابة هي كتابة فوق كتابة، كل كتابة طرس شفاف. فكأن النصوص تكتب ذاتها.


النسيان من أجل الكتابة:

يقول (بورخيس): “ما ندعوه إبداعًا هو مزيج من نسيان ماقرأناه ومن تذكره”، ويضيف (بنعبد العالي) عن فضل النسيان الذي اعتُقد لوقت طويل أنه ليس أكثر من إهمال وإغفال:

عندما نُصح كل مقبل على نظم الشعر قديما أن يحفظ ديوان الأشعار عن ظهر قلب، لينساها فيما بعد، فليس ذلك إلا لكون النسيان قوة حارسة “بفضلها يحافظ على سرّ الأشياء”. فكل شاعر هو، مبدئيا، منقب في الآثار التي طواها النسيان أو كاد، كل شاعر مصارع لقوة جبارة هي قوة النسيان. فالشاعر، كما يؤكد (بلانشو)، يتكلم كما لو كان يتذكر، لكن إن كان يتذكر فبفعل النسيان.

 

10 نصائح عن أسلوب الكتابة من نيتشه

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء.

تحت عنوان “نحو تعليم الأسلوب الفني” قامت (لو أندرياس سالومي) بنشر النصائح العشرة للكتابة والتي أرسلها (نيتشه) لها كوصايا، حيث قام بكتابتها ضمن سلسلة من الرسائل لتقوم (سالومي) بنشرها بعد حوالي عشرين عاماً.
يقول (نيتشه) في نصائحه:
  1. الحياة هي أهم ضرورة يجب أخذها بالحسبان، فالكتابة نمط حياة يجب أن يحيا.
  2. يجب أن يكون أسلوب الكتابة ملائماً للجمهور الذي تود مخاطبته (حسب قانون العلاقة المتبادلة).
  3. يجب على الكاتب أولاً أن يحدد بدقة ما الذي سيقوله وما الذي سيقدمه، وذلك قبل أن يبدأ بالكتابة. ففي هذه الحالة يجب أن تكون الكتابة أشبه بعملية محاكاة.
  4. بما أن الكاتب يفتقد للأساليب التي يجب عليه امتلاكها كمتحدث أو محاور، فيتوجب عليه أن يستخدم في نموذجه العام نوعاً معبراً من التقديم الضروري، فالنسخة المكتوبة ستكون أكثر ضعفاً.
  5. إن غنى النص بالإيماءات يعكس مدى غنى الحياة. حيث يجب على المرء أن يتعلم ضرورة الإحساس بكل شيء تماماً مثل الإيماءات أو الإشارات، وذلك مثل ما يتعلق بطول الجملة، موضع علامات الترقيم، اختيار الكلمات، مواضع التوقف وتسلسل الحوارات.
  6. كن حذراً عند استخدام النقاط. فالأشخاص الذين يتمتعون بنفس طويل أثناء التحدث هم المخولون باستخدام تلك النقاط. فمعظم الأشخاص يرون أن تلك النقاط هي شكل من أشكال التكلّف أو التصنّع.
  7. إن أسلوب الكتابة يجب أن يقدم ما يعتقد به الكاتب بفكرة معينة، ولا يجب عليه تقديم ما يفكر به فقط بل ما يشعر به أيضاً.
  8. كلما كانت الحقيقة التي يريد أن يقدمها الكاتب أكثر تجريداً، وجب عليه أن يقوم بإغواء الحواس أولاً.
  9. إن الاستراتيجية التي يستخدمها كاتب النثر الجيد تتألف من عملية اختيار وسائله التي تجعله يقترب من الشعر دون الوصول إليه.
  10. إن حرمان القارئ من أكثر الاعتراضات وضوحاً ليس بالأسلوب الذكي أو الجيد. فالأسلوب الذكي يقتضي ترك القارئ ليعبر بمفرده عن جوهر الحكمة لدينا.

[المصدر]

في فضاءات الكتابة، عبدالسلام بنعبدالعالي (ج.1)

ben-abdelaali

عبدالسلام بنعبدالعالي (مواليد 1945)، كاتب ومفكر مغربي حاصل على دكتوراه في الفلسفة، وهو أستاذ جامعي بجامعة محمد الخامس بالرباط، له كثير من المقالات والدراسات العلمية، وقد نشرت له مجموعة كتب. من بينها؛ (منطق الخلل)، (في الانفصال)، (الفلسفة السياسية عند الفارابي). كما ترجم العديد من الكتب عن الفرنسية مثل: (أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية) للكاتب (عبدالفتاح كيليطو) و(أسئلة الكتابة) – للكاتب (موريس بلانشو).

 

الكتابة بيدين

وردت في كتابه (الكتابة بيدين) عدة مقالات حول الكتابة وتحدث عنها من نواحٍ مختلفة، يبدأ أولها بالمقال الذي جاء الكتاب على اسمه وهو “الكتابة بيدين” مالذي يعنيه أن يكتب مؤلفان مشتركان كتابًا واحدًا؟ يتساءل (بنعبدالعالي):

فماذا يعني التأليف (والتفكير) بصيغة المثنى؟ هل يتعلق الأمر بتآزر فكرين وتعاونهما؟ أم بانصهار يولّد عنصرًا ثالثا لا هو هذا الطرف ولا ذاك؟ هل يتعلق الأمر بتكامل أم باتّحاد؟ بلغة الرياضيات: هل يتعلق الأمر بجمع أم بطرح؟ أم بضرب أم برفع إلى أسّ؟

يورد في مقاله جوابًا لـ(جيل دولوز) حين كتب مع (فيليكس غواتاري) كتبًا عديدة، وقعاها باسم مشترك، حيث يقول (دولوز):

لم يكن يهمنا أن نعمل معًا، بقدر ماكان يهمنا هذا الحدث الغريب وهو أن نعمل بيننا. كنا نكفّ عن أن نكون مؤلفًا، وهذا البين-بين كان يحيل إلى آخرَين مختلفَين عن هذا الطرف أو ذاك.

يعلق (بنعبدالعالي) على جواب (دولوز) قائلًا:

هذا التفاوت، هذا الإرجاء سرعان ماينعكس على كل طرف ليجعله في انفلات عن ذاته، فكأن كلا الطرفين يبحث في الآخر عما يبعده هو عن نفسه… رياضيًا يمكن أن نقول إننا لسنا بصدد جمع وطرح، لسنا في الحساب العددي، وإنما في حساب التفاضل والتكامل. إننا لا نجمع جمعًا حسابيًا، بل جمعًا تكامليًا، أي أننا نضُمّ الفروق والاختلافات: “لم نكن نعمل معًا، كنا نعمل بين الاثنين.. لم نكن نعمل، كنا نتساوم ونتفاوض”.


النص بين الكاتب والناقد

في تساؤل حولة مكانة الناقد من النص وكاتبه، يطرح (بنعبدالعالي) قولًا  لـ(بورخيس) يقول فيه:

كل مرة أقرأ فيها مقالا ينتقدني أكون على اتفاق تام مع صاحبه، بل إنني أعتقد أنه كان بإمكاني أن أكتب أنا نفسي أحسن من ذلك المقال. لربما كان عليّ أن أنصح أعدائي المزعومين بأن يبعثوا إليّ بانتقاداتهم، قبل نشرها، ضامنًا لهم عوني ومساعدتي. كم وددت أن أكتب باسم مستعار مقالا قاسيًا عن نفسي.

يناقش المؤلف رأيه حول أن الكتابة ليست عملية إرادية بالكامل، وأن الكاتب يعي أن كتابته هي مفعول لعوامل تتجاوزه، لذا يطلب من الناقد أن يتمم نقص الكتابة ويرى برأي (بورخيس) أن الكاتب يجب أن يمد يد العون للناقد، ليكشف معه مافلت من رقابته، ومانسيه ممّا قرأه فظن أنه من إبداعه. ماهي العوامل المختلفة التي تؤثر على الكتابة؟ يذكرها (بنعبدالعالي): “النشر والقراءة والترجمة والتعليق، والجنس الذي تنتمي إليه الكتابة واللغة التي تكتب بها، والفضاء الذي تنشر فيه والأداة التي تخط بها، والمصادر التي تعتمد عليها”.

ثم يضيف:

إذا كان الكاتب يبدو مفعولًا  أكثر منه فاعلا فما الذي يتبقى للناقد والحالة هذه؟ الظاهر أن الكاتب الأرجنتيني –يقصد (بورخيس)- لا يكتفي بأن يدعو الناقد إلى التعاون مع المؤلف وإنما إلى أن يغدو هو نفسه مؤلفًا، يدعوه ليشارك المؤلف عملية الكتابة ويتقاسم معه همومها ومسؤوليّتها. يدعوه لأن يمد “يد” المساعدة. لن تغدو مهمة النقد، والحالة هذه، الوقوف على الجوانب السلبية والإيجابية للنص، وإنما محاولة “سدّ نقص” الكتابة، أو على حد تعبير (دولوز): “جعل النـص يمتـدّ“… حينئذ تغدو الكتابة عودة لا متناهية لما سبق أن كُتب، ويغدو كل إبداع “نشأة مستأنفة“، نشأة تستعين بأياد متعددة متباينة لخط نصّ لا يفتأ يُكتب ويُستنسخ ويُتناسخ. مع التأكيد على بناء هذه الأفعال جميعها للمجهول.