خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الكتابة

الدليل إلى عالم الكتابة والأدب أخذاً وعطاءً، قراءةً وإنتاجاً.

فن الكتابة، وحياة الكتّاب. حوار مع الكاتب البريطاني؛ آيان ماك إيوان

أجرى الحوار: لاين روزن. لصحيفة (ذه انكوايرر)

ترجمة: دلال الرمضان

حوارنا اليوم مع الكاتب البريطاني (آيان ماك إيوان)، الذي تم تصنيفه من قبل صحيفة التايمز البريطانية واحدًا من أفضل خمسين كاتب بريطاني منذ عام 1945. والذي استحوذت رواياته على اهتمام شريحة واسعة من القراء حول العالم. كان من بينها رواية (أمستردام) الحائزة على جائزة مان بوكر لعام 1998، و رواية (الكفارة) الصادرة في عام 2001، والتي تم تحويلها إلى فيلم حاز على جائزة الأوسكار في 2007.

جرى الحوار في مكتبة لندن الأربعاء الماضي. حيث حدثنا (آيان ماك إيوان) عن روايته الجديدة (قشرة الجوزة) المقتبسة عن مسرحية (هاملت) لـ(وليم شكسبير)، والتي تُروى أحداثها من قبل جنين في رحم أمه. عن هذه الرواية، وعن حياته ككاتب، كان لنا معه الحوار التالي:


أظن أن هذا هو كتابك السابع عشر، إن لم أكن مخطئاً؟

إنه عملي القصصي السابع عشر، والروائي الخامس عشر. فأول كتابين لي كانا عبارة عن مجموعة قصصية .

تندرج كتاباتك ضمن العديد من الأجناس الأدبية، بما في ذلك السيناريو السينمائي، والأفلام التلفزيونية، أليس كذلك؟

أجل. لقد وجدت نفسي، مؤخراً، منغمساً في كتابة السيناريو السينمائي بشكل كبير. إذ لدي عملان قيد الإنتاج. وهما مقتبسان من كتابيّ (قانون الطفل) و(على شاطئ تشيسل). حيث ستكون الممثلة الإيرلندية (سيرشا رونان) البطلة في أحدهما .

هل بمقدورك إخبارنا عن الحالة التي تمر بها في غضون ولادة أي عمل أدبي لك؟ كيف تعمل؟ وبأية سرعة تكتب؟ وما هو الأسلوب الذي تتبعه؟

حالما أبدأ في الكتابة فإنها تستحوذ على تفكيري تمامًا. ما يجعلني أصب جُل أفكاري في الموضوع الذي أكتب عنه. وإن حدث أن وصلت حصيلة كتابتي إلى ما يقارب 450 إلى 500 كلمة في اليوم الواحد، حينها سأكون في ذروة سعادتي. يبدأ عملي في التاسعة والنصف صباحاً من كل يوم. و لا أجد أي مبرر للتوقف عن العمل. لأنني أعلم جيداً أنني سأصل إلى تلك اللحظة التي ينتابني فيها التردد، فأتوقف عن العمل ليوم كامل، أو ربما لأسبوع، لأعاود العمل من جديد فيما بعد .

أحياناً، أعمل في وقت متأخر من الليل. وفي أحايين أخرى، إذا سارت الأمور على ما يرام، أعمل في الساعات الأولى من الصباح. غالباً ما أستهل يومي بمراجعة ما كتبته بالأمس. لقد كنت من أوائل من تبنوا فكرة معالجة النصوص في أوائل الثمانينات. إنه لأمر حسن أن يكون الكاتب قادراً على تصحيح ما كتب باستمرار. وفي هذه الحالة، أظن أن عليه أن ينفصل عن النص الخاص به بشكل تام، ليعود للنظر إليه بطريقة حيادية، وكأنه عملٌ لكاتب آخر.

هل سبق لك أن قمت بالتدريس؟

لقد أدرت العديد من النقاشات في عدة حلقات بحثية، مع طلاب عدة، بما في ذلك طلاب كلية الفنون الجميلة، حيث جرت العادة أن أحاورهم بعد إعطائهم الحصة المقررة كل صباح. وحتى قبل أن أقوم بنشر كتابي الأول بمدة طويلة، كنت ألقي محاضرات في ورش تعليم الكتابة في جامعة آيوا. لقد استمتعت كثيراً بعملي. وأظن أن الطالب المجدّ هو من يأتي بفائدة و يغادر بأخرى. إذ لا بد له أن يستفيد من حضوره تلك الورشات. بيد أن أكثر فائدة يمكن أن تجنيها من تلك الورش هي وجود من يترقب أعمالك. أنت بذلك تكسب القارئ. وهذا يعني أنك تكتسب جمهوراً جديداً. إذ ثمة فرق هائل بين وجود ثلة من الناس ممن يقرؤون أعمالك، وبين عدم وجودهم .

ثمة عدد كبير من القراء ممن يستخدمون كلمة واحدة لوصف أعمالك، ألا وهي “محطِّمة” فهل تظن أن بإمكان هذه الكلمة أن تصف القصص التي تكتبها بدقة؟ وهل تحاول، متعمداً، ترك ذلك الأثر العاطفي العميق في نفوس قرائك؟

لا أنوي تحطيم قلوب قرائي بالضرورة. بيد أنني آمل أن يقعوا تحت تأثير ذلك السحر الذي يوقد لديهم فضولاً تجاه النص. ذلك لأن فعل قراءة الرواية التي تخلو من ذلك الإحساس بالترقب، هو فعل باهت يفتقر لأي معنى. يمكن لهذا الإحساس أن يكون ترقباً فكرياً أو عاطفياً، أو مزيجاً منهما معاً. هو شيء يحثك على متابعة القراءة. إذ يرى الكاتب البريطاني (هنري جيمس) أن الوظيفة الأولى للروائي هي أن يحقق المتعة للقارئ. وربما أعي تماماً ما يعنيه بذلك. أما بالنسبة لي، فلا شك أنني سأضع الرواية جانباً، إذا لم تُثر فضولي. أود أن أُحدث شيئاً ما. ولا يجب أن يتعلق ذلك الشيء بتلك الأدوات التي أشتهر بها. آمل، فقط، أن يشعر قرائي بصعوبة ترك الرواية دون الرغبة بالعودة لقراءتها مجدداً.

في روايتك الجديدة (قشرة الجوزة) كيف اخترت صوت الراوي؟ و ما الذي جعلك تحاكي “هاملت“؟ 

لقد أتى ذلك من اتجاهات مختلفة. فبينما كنت أحضر اجتماعاً مملاً، تبادر إلى ذهني السطر الأول من الرواية، والذي يقول: “هأنذا، أقف رأساً على عقب داخل جسد امرأة “ حيث قمت بتدوين بعض الملاحظات. ثم غادرت ذلك الاجتماع .

حين يتعلق الأمر بكتابة الرواية، غالباً ما تتسم البدايات بالبطء. فأية فكرة يمكن أن تبدو فكرة رائعة في يوم بعينه، بيد أنها قد تصبح بخلاف ذلك، بمجرد مضي شهرين من الزمن .

في تلك الأثناء، كنت أشاهد مسرحية (هاملت) إذ بدأت الفكرتان بالتناغم مع أفكاري. وبمجرد أن يأخذ صوت الراوي مكانه المناسب، كما هو حال الخطة التي رسمتها لسير أحداث الرواية، والتي تركز على حث القارئ على التخلي عن شكه، فإن كل الأحداث، بعد ذلك، تسير وفقاً لتسلسلها المنطقي .

تكمن الصعوبة الحقيقية في بداية الرواية. أي في اختيار الأسلوب المتبع في قص الحكاية، على وجه التحديد. وبما أن القصة كانت مرحة، فلا عجب أن أختار أسلوباً مرحاً لسرد أحداثها بلغة شعرية تغلب عليها قافية التفعيلة الخماسية التي كانت بمثابة اعتراف بكون (شكسبير) المصدر الأول لإلهامنا. فلغتنا متشبعة بكلمات ذلك المبدع. فلم يؤثر بنا (شكسبير) بآلاف الأمثلة، والشخوص، والأفكار التي تبناها فقط، بل وصل تأثير كلماته إلى أولئك الذين يرددونها دون معرفتهم به. فحين يرددون العبارة التالية: “كن كل شيء، أو لا شيء” هم يقتبسون عبارة (شكسبير) الشهيرة دون علمهم بذلك. (شكسبير) هو المصدر الذي أعاود اللجوء إليه باستمرار. وهذا نوع من الإجلال للخط الذي سار عليه ذلك المبدع.

كيف يبدو يوم الكاتب (إيان ماك إيوان)؟ وهل بإمكانك الخروج دون أن يتعرف عليك المارة؟ وكيف يتصرف الناس عند معرفة هويتك؟

نعيش أنا وزوجتي في الريف، حيث لا يوجد أحد. إن شهرة الأديب تختلف كل الاختلاف عن شهرة مشاهير الغناء، أو الرياضة، أو التلفاز. فلن تصادف معجباً يحاول أن يشد قميصك، على سبيل المثال. فالقارئ الشغوف بنتاجي الأدبي، إن حدث وتعرف علي، فربما لن يحرك ساكناً. ولعله سيكتفي بالاقتراب مني بكل احترام، وبالقول: “تعجبني تلك الرواية” ومن ثم ينصرف بكل هدوء. حياتي تسير كحياة باقي البشر. قد يختلس المارة النظر إلي في الشارع أحياناً. بيد أن ذلك لا يحدث سوى في الفترات التي أصدر فيها رواية جديدة.

ما الذي تعنيه لك فرصة اللقاء بقرائك، والتفاعل معهم؟

عندما تلتقي بقرائك، فإنك تقابل مجموعة من الناس انتقيتها بنفسك. حذارِ أن يخطر ببالك أن العالم كله يقرأ كتاباتك، وأن الجميع معجب بك. إن لقاء القراء تجربة ممتعة للغاية. لقد صادفت قراءً بأعمار متفاوتة؛ بدءًا من عمر السابعة عشر، وحتى عمر الثمانين سنة، أو حتى التسعين، ممن قرأوا أعمالي طوال حياتهم. حين زرت حديقة ذات يوم، برفقة ابني، في وسط لندن -حيث كنا نسكن – كان الناس يتنزهون في وقت الغداء. جلبت رزمة من الكتب التي كان من بينها كتبي، وأخرى لكتاب آخرين. ثم قمت بتوزيعها على المارة. كانت كل امرأة تطلب مني ثلاث كتب، في حين كان الرجال يردون بالقول: “لا، شكراً لك”

أيقنت حينها صدق شعوري بأن “فن الرواية سيؤول للتلاشي، لولا جمهوره من القارئات” 


[المصدر]

لقاء باريس ريفيو مع كورت فونيجت، بعنوان “فن الخيال”

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

أجرى المقابلة كلا من: (ديفيد هايمان)، (ديفيد ميكايليس)، (جورج بيمبتون)، و(ريتشارد رودس).

نُشرت هذه المقابلة في مجلة (باريس ريفيو)، العدد 69، في ربيع عام 1977م. 

هذه المقابلة مع (كورت فونيجت) هي في الأصل تجميع لأربع مقابلات أجريت مع المؤلف على مدى العشر السنوات الماضية. تجميع هذه المقابلات مرت على نطاق عمل واسع ومكثف قام بها المؤلف نفسه، والذي ينظر إلى حديثه بقلق بالغ. يمكن اعتبار ما سيأتي مقابلة أجراها مع نفسه.

مقدمة أول مقابلة، والتي أجريت في ويست بارنستابل، ماساتشوستس، عندما كان (فونيجت) في الرابعة والأربعين، تضمنت على ما يلي: 

رجل عائلي من المحاربين القدامى، محنك ذو عظام عريضة ومفاصل ضعيفة، جلس على الكرسي مرتديا سترة شعثاء بنسيج صوفي خشن، وبدلة كامبريدج رمادية وقميص بروكس بروذر ازرق منسدل للأسفل واضعاً يداه في جيبه. يعصف المقابلة بالسعال والعطاس، الناتج من نزلة برد الخريف والتدخين طوال حياته. صوته غرب أوسطي جهور رنان مع نبرات صوتية ساخرة.

من وقت لآخر يقوم بتوشح الابتسامة الواعية للرجل الذي رأى واحتوى بداخله كل شيء تقريبا: الاكتئاب، الحرب، احتمالية أن يموت بعنف، تفاهة شركة العلاقات العامة، 6 أطفال، دخل غير منتظم، وتقدير متأخر.

آخر هذه المقابلات أجريت خلال صيف 1976 بعد سنوات من أول مقابلة. تم وصفه في ذلك الوقت “… يتحرك بوداعة ككلب العائلة العجوز”

بشكل عام كان مظهره أشعث؛ شعر طويل مجعد،و شارب، وابتسامة مملؤة بالعاطفة، توحي بأنه رجل يحزنه ويسعده ما يجري من حوله، استأجر منزل جيرالد ميرفي لفصل الصيف كان يعمل في غرفة نوم صغيرة في نهاية الممر حيث مورفين (الفنان والمفعم بالحيوية وصديق الفن المتوفي في عام 1964). يمكن لـ(فونيجت) أن ينظر إلى الحديقة الأمامية من خلال نافذة صغيرة من مكتبه؛ ويوجد خلفه سرير أبيض ذو ستائرمنسدلة. وبجوار الآلة الكاتبة التي فوق المكتب نسخ من مقابلة (آندي وارهول)، ورواية (Zone of the Interior) لـ(كلانسي سيغال) والعديد من علب السجائر الفارغة.

يدخن (فونيجت) باستمرار سيجارة من نوع بول مولز منذ 1936م، وأثناء المقابلة يدخن سيجارة من أفضل مالديه من السجائر، صوته منخفض و أجش، وحينما يتحدث، فإن اشعال السجائر وزفير الدخان يتكرران كأنه علامات الترقيم لحديثه. وهناك بعض الامور التي تقاطعه، مثل رنين الهاتف ونباح كلب صغير أشعث اسمه (Pumpkin)، لكنها لم تؤثر على تصرفات (فونيجت) اللطيفة. في الواقع، قال (دان ويكفيلد) ذات مرة عن زملائه من خريجي مدرسة شورتريدج الثانوية، “كان يضحك كثيراً وكان طيبًا مع الجميع”.


أنت جندي سابق في الحرب العالمية الثانية؟

نعم فعلاً. أريد جنازة عسكرية عندما أموت؛ عازفي موسيقى، علم على النعش، فرقة إطلاق النار، و أرض مجوفة.

لماذا؟

لأنها الطريقة الوحيدة التي من خلالها يمكن أن أحقق ما أردته، أكثر من أي شي آخر؛ شيء لم يكن بإمكاني الحصول عليه إلا إذا قتلت أثناء الحرب.

ماهو؟

أن أحظى باستحسان كافة أفراد المجتمع.

ألا تشعر بأنك تحظى به الان؟

يقول أقربائي أنهم سعداء أنني غني، لكنهم ببساطة لا يستطيعون فهمي.

هل كنت من ضمن فرقة المشاة في الحرب؟

نعم، لكني تلقيت تدريباً على مدافع الهاوتزر 240 ملم.

إنه سلاح كبير نوعاً ما.

كان أكبر مدفع متنقل موجود لدى الجيش في ذلك الوقت، حيث يتكون هذا السلاح من ست قطع، تم سحب كل قطعة بواسطة جرارات Caterpillar.  كلما طلب منا أن نطلقه كان يجب علينا تركيبه أولاً. كان علينا أن نكون مبتكرين في ذلك، فنضع كل قطعة فوق الأخرى باستخدام الرافعات، فإن القذيفة نفسها كانت بقطر تسعة ونصف بوصة وتزن ثلاثمائة رطل. لقد بنينا خط سكة حديد صغير يسمح لنا بتوصيل القذيفة من الأرض إلى الجزء الخلفي من المدفع، الذي كان على ارتفاع حوالي ثمانية أقدام من على سطح الأرض. او كما يقولون، إن إغلاق الجزء الخلفي من السلاح كان أشبه بإغلاق باب جمعية القروض والإدخار في البيرو.

لابد أن هناك تأهب عند إطلاق مثل هذا السلاح

ليس تمامًا، نضع القذيفة في المدفع، ثم نضع داخل الفوهة أكياس متفجرة بطيئة للغاية. كانت الأكياس عبارة عن بسكويت رطب خاص بالكلاب على ما أعتقد. ثم نغلق فوهة المدفع، و نطلق المطرقة لتهوي وتصطدم بالغطاء المصنوع من فلمينات الزئبق، والذي بدوره يقذف شعلة من النار على بسكويت الكلاب الرطب. الفكرة الرئيسية، على ما أعتقد، كانت توليد البخار فبعد فترة، كنا نسمع أصوات طهي، أصوات تشبه الى حد كبير أصوات طهي ديك رومي. حتى يمكننا فتح غطاء فوهة المدفع من وقت لآخر بسلامة تامة، لتبريد ظرف القذيفة. في نهاية المطاف، مدافع الهاوتزر دائماً ماتهيج بعد الطلقة و تعود في النهاية بتناغم لآلية الارتداد الخاصة بها على أية حال، ويتعين عليها أن تقذف ظرف القذيفة. ثم يخرج ظرف القذيفة عائماً مثل منطاد Goodyear لو كان لدينا سلالم، لكان بإمكاننا رسم “Fuck Hitler” “على القذيفة أثناء انفصاله عن البندقية. والمروحيات كان من الممكن أن تقلد ذلك وتطلق القذائف ايضا….

هي أقوى الأسلحة الإرهابية

من الحرب الفرنسية البروسية.

ولكن في نهاية المطاف تم إرسالك إلى الخارج، لكن ليس باستخدام هذه الأداة ولكن مع فرقة المشاة 106.

“الغداء في كيس” اعتادوا على توزيع الغداء علينا في أكياس، ساندوتش السلامي و برتقالة.

في المعركة؟

ونحن في الولايات المتحدة 

في الوقت الذي تم تدريبك فيه كجندي مشاة؟

لم أتدرب كجندي مشاة قط. الكتيبة الاستطلاعية كانت من قوات النخبة وتتكون كل كتيبة من 6 أفراد، ولم يكن هناك أي شخص متأكد مما يجب علينا فعله، لذلك كنا نسير إلى غرفة الاستجمام كل صباح، ونلعب بينغ بونغ ونملأ طلبات التقديم لمدرسة تدريب الضباط.

أثناء التدريبات الأساسية لابد أنه كان لديك خلفية عن أسلحة أخرى غير مدافع الهاوتزر.

إذا تعلمت استخدام مدافع هاوتزر التي يبلغ طولها 240 ملمتر، فلن يكون لديك الوقت الكافي حتى لمشاهدة فيلم الأمراض التناسلية.

ماذا حدث عندما وصلت الى الجبهة؟

قلدت جميع أفلام الحرب التي شاهدتها.

هل صوبت نحو أي شخص في الحرب؟

لقد فكرت في ذلك وقمت بتثبيت الحربة مرة استعدادا للتصويب.

هل صوبت؟

لا. لو قام أي شخص آخر بالتصويب لصوبت أيضًا، لكننا لم نرى أحد فقررنا ألا نطلق.

حصل هذا في معركة البلج، أليس كذلك؟ وكانت من أكبر هزائم الأسلحة الأمريكية عبر التاريخ.

على الأرجح. ففي آخر مهمة استطلاعية قمت بها كان علي العثورعلى المدفعيات الخاصة بنا، رغم أن مهمة فرقة الكشافة غالبًا هي البحث عن أسلحة العدو، لكن الأمور كانت سيئة للغاية لدرجة أننا كنا نبحث عن أداوتنا الخاصة. حتى أن الجميع ظن أنه من الرائع إذا استطعت العثور على قائد كتيبتنا.

هل تمانع أن تصف كيف أعتقلك الألمان؟

بكل سرور. كنا بداخل أخدود عميق مثل خنادق الحرب العالمية الأولى، وقد نفذ منا الطعام وتجمع الثلوج من حولنا وقال أحدنا أننا قد نكون في لوكسمبورغ.

من المقصود بـ”كنا”؟

6 افراد من كتيبة الكشافة وحوالي خمسون شخصًا لم نلتق بهم من قبل كما أنه بإمكان الألمان رؤيتنا، فقد تحدثوا إلينا عبر مكبرات الصوت و قالوا إن وضعنا ميؤس منه، وحديث من هذا القبيل. حدث هذا عندما قمنا بتثبيت الحراب، بدا وضعًا خاطئًا لبضع دقائق.

كيف ذلك؟

ستصبح كالنيص محاطاً بهذه الأشواك الحادة في الحقيقة أشفق على أي شخص عليه أن يأتي بعدنا.

لكنهم جاءوا على أي حال ؟

لا. بدلاً من ذلك أرسلوا ثمان وثمانين قذيفة. انفجرت بأعلى الأشجار وكانت أصوات الانفجارات عالية جداً فقد أطلقت فوق رؤسنا مباشرة، وأمطرنا بشظايا صلبة أصابت البعض. مرة أخرى أمرنا الألمان أن نخرج قلنا “حسنًا” و“خذوا الأمور ببساطة” وما إلى ذلك لم نصرخ رفضا، أو أي شيء من هذا القبيل. وعندما أظهر الألمان أنفسهم كانوا يرتدون بدلات بيضاء لتمويهنا لكن لم يكن لدينا أي شي مقارب لهذا اللباس كنا نرتدي الزيتوني الفاتح بغض النظر عن أي فصل من السنة لكننا لم نرتدي غيره.

مالذي قاله الألمان؟

قالوا إن الحرب انتهت بالنسبة لنا، ونحن محظوظون، كوننا واثقين الان بأننا سوف نعيش طيلة أمد الحرب ويبدو أنهم كانوا على يقين تام بذلك. ولكن في الواقع، مع تعقد الأمور ربما أنهم قُتلوا أو أسروا من قبل جيش باتون الثالث في غضون الأيام القليلة المقبلة. 

هل تتحدث الألمانية؟

لقد سمعت والديّ يتحدثناه كثير، لكنهم لم يعلموني إياها، حيث كان هناك غضب ضد كل مايتعلق بالألمان في أمريكا خلال الحرب العالمية الأولى. استخدمت بعض الكلمات التي التقطتها من خاطفينا وسألوني اذا ماكنت ألمانيا فأجبت بنعم، وأرادوا أن يعرفوا لماذا أقف في حرب ضد إخوتي.

وبماذا أجبت؟

وجدت أن السؤال ينم عن جهل وأنه سؤال مضحك بعض الشيء. قام والديَّ بابعادي تماما عن ماضيّ الألماني، إلى درجة أنه لو كان خاطفي بوليفيين او تبتيين لما عرفت الفرق.

بعد أن قبض عليك ،تم ارسالك إلى دريسدن؟ 

العربات التي تم اقتيادنا بها إلى هناك بدت كأنها التي أقلت اليهود والغجر وشهود يهوه وغيرهم إلى معسكرات الإبادة، لكن بالنهاية مازالت عربات نقل. وبالليل هاجمنا البريطانيون عدة مرات بقذائف الموسكيتو، معتقدين أنّنا أحد أنواع الأسلحة الاستراتجية، واستهدفوا حينها سيارة بداخلها معظم ضباط كتيبتنا. وعليّ الاعتراف بأني في كل مرة أقول فيها أنني أكره الضباط، ومازلت أقولها كثيرا، كان علي أن أذكر نفسي أنه لم ينجو أيًا من ضابط من الذين قمت بخدمتهم. كما صادَفنا عيد الميلاد في مكان ما هناك.

وبالنهاية وصلت إلى دريسدن.

أولًا، كنا في سجن جنود ضخم في جنوب دريسدن، وحينها تم فصل الجنود عن ضباط الصف والضباط. بموجب مادة في اتفاقية جنيف، وهي وثيقة إدواردية تقر على أنه يتعين على الجنود العمل بها، كي يحافظوا عليها كان على الجميع أن يقبع في السجن ولأني من الجنود تم إرسالي إلى دريسدن.

ماهو انطباعك عن المدينة قبل القصف؟

أجمل مدينة شاهدتها على الإطلاق. مدينة مليئة بالتماثيل وحدائق الحيوان مثل باريس. كنا نقيم في مسلخ، داخل حظيرة خنازير اسمنتية رديئة وغير مستخدمة. وضعوا لنا أسرة ذو طوابق مفروشة بالقش بداخل الحظيرة، وكنا نذهب كل صباح للعمل في مصنع لشراب الشعير، وهو شراب مخصص للنساء الحوامل. انطلقت حينها صفارات الإنذار اللعينة وكنا قد سمعنا أن هناك مدينة أخرى تشهد نفس الشيء. لكننا لم نتوقع حصول ذلك فعدد ملاجئ الغارات الجوية في المدينة قليل جدًا، و لا توجد مصانع حربية، فقط مصانع السجائر والمستشفيات ومصانع الكلارينيت. و في 13 فبراير 1945 انطلقت صفارات الإنذار ونزلنا حينها طابقين تحت السطح حيث يوجد خزانة لحم كبيرة، الجو كان باردا هناك، والجثث معلقة في كل مكان. وعندما  صعدنا كانت المدينة قد اختفت.

ألم تختنقوا بداخل خزان اللحوم؟

لا، لقد كانت واسعة جدًا، ولم يكن عددنا كبير. والهجوم أيضا لم يبدو كجحيم ففي البداية أسقطوا المتفجرات ليزلولوا كل شيء ثم نشروا المواد الحارقة، وما ان سقطت على درسدن حتى أصبحت عبارة عن حطام؛ اللعنة أحرقوا المدينة بأكملها!

مالذي حصل حينما صعدت للأعلى؟

كان حراسنا من ضباط صف – رقيب، عريف وأربعة جنود؛ بلا قائد ولا مدينة فقد كانوا من مدينة درسدن يقاتلون على جبهتها وأرسلوا إلى أوطانهم من أجل المهمات السهلة. أبقونا تحت الملاحظة لبضع ساعات ولم يكن لديهم علم عمّا يجب عليهم فعله. ذهبوا وتحدثوا مع بعضهم البعض، وأخيرًا، قمنا بشق الطريق عبر الأنقاض وقاموا بإيوائنا في إحدى الضواحي مع بعض الأشخاص من جنوب إفريقيا.

وكتدبير صحي؛ كنا في كل يوم نتجول فيه في المدينة نقوم بحفر الطوابق السفلية والملاجئ لإخراج الجثث. عندما دخلنا لاحدى الملاجئ بدا أنه ملجأ نموذجي وقبو عادي كما هو بالمعتاد، لكن الأمر أشبه بعربة نقل ممتلئة بالأشخاص الذين أصيبوا بسكتة قلبية في آنِ واحد. مجموعة من الأشخاص يجلسون على مقاعدهم وجميعهم فارقوا الحياة. يالها من عاصفة نارية مدهشة، فالقصف لا يأتي بشكل طبيعي بل يتغذى من الأعاصير التي تحدث في وسطه ولا يوجد أي شيء يمكن للشخص استنشاقه.

أخرجنا الجثث الى الخارج، حملناهم في عربات ونقلوا إلى الحدائق، وهي مناطق كبيرة مفتوحة في المدينة لم تكن مليئة بالأنقاض. تم حرق الجثث لمنع انتشار الأمراض والروائح النتنة، و جرت عدة جنائز في المانيا لحرق الجثث. وتم إخفاء مائة وثلاثين ألف جثة تحت الأرض و كانت عملية اخفائهم مروعة.

ذهبنا للعمل ونحن محاطين بجنود ألمان حتى لا يتمكن المدنيون من رؤية مانحن بصدد فعله. فبعد عدة أيام بدأت تنبعث روائح من المدينة وتم افتعال أسلوب جديد، فالحاجة أم الاختراع. كنا نقتحم الملاجئ ونقوم بتجميع الأدوات الثمينة من حضن الأشخاص بدون تحديد هويتهم وتسليمها للحراس. ثم يأتي الجنود ومعهم قذائف اللهب ويقفون أمام الباب ويحرقون الناس بالداخل. وكانت السياسة المتبعة وقتها “اجلب الذهب والمجوهرات ثم احرق جميع من بالداخل”.

يا له من انطباع من شخص يفكر في أن يصبح كاتباً!

كان شيء مروع شي من ضرب الخيال ان أرى كل هذا. كانت لحظة لانكشاف الحقيقة أيضًا، لأن المدنيين الأمريكيين والقوات البرية لم يكن لديهم علم أن القاذفات الأمريكية كانت متورطة كذلك في هذا القصف. لقد ظل سرًا حتى وقت قريب جدًا من نهاية الحرب وكان أحد أسباب إحراقهم درسدن هو أنهم قد أحرقوا بالفعل كل شيء آخر. تعلمون “مالذي سنفعله الليلة؟” وهنا كان الجميع يستعد وألمانيا مازالت تقاتل وهذه كانت الألية المستخدمة لإحراق المدن. كانت آلية سرية لحرق المدن و جعلها تغلي واشعال النار بالعربات. وكان هناك هراء يقال حول جهاز تصويب القنابل في نوردن. ستشاهد في الأخبار مفجر يقف بقرب من أحد النواب حاملا مسدس من نوع دراون 45. هذا هو نوع من الهراء والجحيم الذي كانوا يقومون به. مئات الطائرات تحلق فوق المدن ويسقطون كل شيء عليها.

عندما ذهبت إلى جامعة شيكاغو بعد الحرب ، قام الرجل الذي استجوبني للاعتراف بقصف درسدن. عندما وصل إلى ذلك الجزء من قصة حياتي وقال: “حسنًا، لقد كرهنا أن نفعل ذلك”. لقد علقت هذه الملاحظة في ذهني.

أو رد آخر من ممكن أن يكون “لقد أمرنا بذلك”

كان رده أكثر إنسانية. أظنه شعر أن القصف أمر لابد منه وربما كان كذلك. الشيء الوحيد الذي تعلمه الجميع مدى سرعة إعادة بناء المدينة، قال المهندسون أن إعادة بناء ألمانيا سيستغرق 500 عام لكن في الواقع استغرق الأمر 18 أسبوع.

كونك مررت بهذه التجرية هل تنوي الكتابة عنها؟

عندما تم هدم المدينة لم يكن لدي أي فكرة عن حجم ما حدث. سواءً مالذي يبدو عليه بريمن هامبورغ أو كوفنتري، الأخيرة لم أزرها قط لذلك لم يكن لدي أي تصور سوى الذي شاهدته في التلفاز. عندما عدت إلى الوطن، كنت كاتباً في صحيفة (كورنيل صن)، إلا أنه كان هناك مساحة لكتاباتي ففكرت أن أكتب قصتي عن الحرب. فجميع أصدقائي عادوا إلى مدنهم ولديهم مغامرات رائعة. ذهبت إلى مكتب الصحيفة (Indianapolis News) وقمت بالبحث عما لديهم عن دريسدن. وجدت قطعة بطول نصف بوصة مكتوب عليها عبرت طائراتنا فوق مدينة دريسدن وفقدنا اثنتين منها. استنتجت أن هذه هي أدق التفاصيل التي تم ذكرها عن الحرب العالمية الثانية وكان لدى الأخرين الكثير ليكتبوا. أتذكر و أغبط (آندي روني) الذي هرول سريعًا إلى المطبعة في ذلك الوقت، لم أكن أعرفه ولكن أظن أنه أول شخص قام بنشر قصته عن الحرب بعد انتهاءها تحت مسمى (Air Gunner). 

يا إلهي لم أحظى بمغامرة كلاسيكية كهذه. لكن في كثير من الأحيان أقابل أوروبيًا ونتكلم عن الحرب وعندما أخبره أنني كنت في درسدن تظهر ملامح الدهشة على وجهه ويتحمس لمعرفة المزيد. بعد ذلك، تم نشر كتاب للكاتب (ديفيد إيرفينغ) عن درسدن، يقول فيه أنها كانت أكبر مذبحة في التاريخ الأوروبي. قلت، أقسم بذلك، لقد عاصرت كل شيء! و سأحاول كتابة قصتي الحربية، سواءً كانت ممتعة أم لا، وأحاول أن أقدم شيء ما. بدأت بوصف العملية، بشكل بسيط في مقدمة رواية (المسلخ رقم 5) ورأيت أن يكون أبطالها (فرانك سيناترا) و(جون واين)، لكن بنهاية الأمر قالت فتاة تدعى (ماري أوهير)، زوجة صديقي وكانت متواجدة معي آنذاك: “لقد كنتم مجرد أطفال. ليس من العدل التظاهر بأنكم كنتم رجال مثل (واين) و(سيناترا)، وليس من العدل للأجيال المقبلة كذلك أن تظهر الحرب بصورة جيدة”. لقد كان ذلك استنتاج مهم للغاية بالنسبة لي.

هذه الفكرة قامت بتحويل كامل اهتمامك.

لقد جعلتني أكتب بحرية لكوننا أطفالا حينها: السابعة عشر، الثامنة عشر، التاسعة عشر، العشرون، الحادي والعشرون. كانت وجوهنا طفولية وكسجين لا أذكر أنني حلقت كثيراً وبالحقيقة لم تكن مشكلة.

سؤال آخر عن الحرب: أمازلت تفكر في القنابل الحارقة التي ألقيت على دريسدن؟

كتبت عنه في كتابي (المسلخ رقم 5) الكتاب لايزال في المطبعة. وكوني رجل أعمال، عليّ بين الحين والآخر، أن أفعل شيئًا حيال هذا الأمر. طلب مني (مارسيل أوفلس) أن اشارك في فلمه (ذاكرة العدالة)؛ أن أتحدث عن درسدن باعتباره عملاً وحشيًا. بدلًا من ذلك أخبرته أن يتحدث مع صديقي (برنارد ف. أوهير)، زوج (ماري)، وهذا ما فعله. كان (أوهير) من زملائي في فرقة الكشافة، ثم زميلي أيضا كأسير حرب. و الآن هو محام في ولاية بنسلفانيا .

لماذا لا ترغب بإدلاء شهاتك؟

أحمل اسمًا ألمانيًا. ليس لدي رغبة بأن أدخل في جدال مع أناس يرون أن دريسدن تستحق ماحدث لها. كل ماذكرته في كتابي أن دريسدن تعرضت لقصف حد الجحيم سواءً قبِلنا بذلك أو لا.

كانت أكبر مذبحة في التاريخ الأوروبي، أليس كذلك؟

كانت أسرع عملية قتل لهذا الكم الهائل من الأشخاص؛ حيث قتل 135 ألف في غضون ساعات. بالطبع كانت هناك خطط للقتل بشكل أبطأ.

تعني معسكرات الإبادة.

نعم، لقد قتل الملايين في نهاية المطاف. لكن يرى الكثيرين أن مذبحة دريسدن باعتبار أنها صحيحة، إلا انها كانت محدودة للغاية مقارنة بما قامت به المعسكرات. وكما قلت أنني لا أختلف أبدًا في هذه النقطة، فقد لاحظت مرارًا أن عقوبة الإعدام كانت مطبقة على أي شخص يتواجد في المدن التي تفتقر إلى وسائل دفاعية؛ أطفال، كبار السن، حدائق الحيوانات، والآلاف المؤلفة من النازيين المتطرفين، وبالطبع من ضمنهم أنا وصديقي المقرب (برنارد ف. أوهير). كنا يجب أن نكون ممن تم تصفيتهم جسديًا. فكلما زادت الجثث صح الانتقام.

نشرت مكتبة فرانكلين على ما أعتقد، نسخة ممتازة من كتاب (المسلخ رقم 5).

نعم فقد طلبوا مني كتابة مقدمة جديدة للكتاب.

هل لديك أي أفكار جديدة؟

لقد قلت أن هناك شخص واحد استفاد من هذه الغارة التي كلفت ملايين الدولارات. فالغارة لم تقصر أمد الحرب حتى لنصف ثانية، ولم تضعف الدفاع أو الهجوم الألماني قط، ولم تحرر شخصًا واحدًا من معسكر الإبادة. فقط شخص واحد هو المستفيد ليس اثنان أو خمس او عشرة فقط واحد. 

ومن هو ذلك الشخص؟

أنا. لقد حصلت على 3 دولارات عن كل شخص قتل. هل لك أن تتخيل ذلك؟

ما مدى التقارب الذي تشعر به بينك وبين أقرانك؟

أتقصد إخواني وأخواتي الكتاب؟ هي ودية بالطبع ولكن من الصعب أن أتحدث إليهم لكوننا نحمل اهتمامات مختلفة، هذه معضلة لي لفترة من الزمن لكن بعد ذلك صادقت (شاول شتاينبرغ).

الفنان الجرافيكي؟

بالطبع. قال “أن في جميع الفنون تقريبًا، هناك أشخاص لديهم تأثير واسع في تاريخ الفن، عن طريق نجاحاتهم وإخفاقاتهم وتجاربهم السابقة، وآخرين ممن لم تسنح لهم الفرص لكل هذا”. أضم نفسي مع المجموعة الثانية، فلم أتمكن من ممارسة الأنشطة مع أسلافي الأدباء. لأنني لم أتعلمها بشكل جيد. درست الكيمياء في جامعة كورنيل ثم الأنثروبولوجيا في جامعة شيكاغو. كنت بعمر 35 قبل ان أصبح مهووساً بـ(بليك). وبالاربعين  قبل أن أقرأ عن (مدام بوفاري) وسمعت عن (سيلين) بالخامسة والاربعين. وكنت محظوظا حينما قرأت (Look Homeward, Angel) بالوقت المناسب.

متى؟

في الثامنة عشرة.

لابد أنك كنت تقرأ باستمرار؟

نعم فعلًا. لقد نشأت في منزل مكتظ بالكتب. لكنني لم أضطر أبدًا إلى قراءة كتاب لزيادة محصولي الأكاديمي ،ولا لكتابة مقالة حول موضوع معين، ولم أضطر يومًا لإثبات أنني فهمته ضمن أي مؤتمر. لست بارعًا في مناقشة الكتب وخبرتي في هذا الأمر معدومة.

أي فرد من أفراد عائلتك كان له التأثير الأكبر عليك ككاتب؟

أعتقد أمي، (إديث ليبر فونيجوت). بعد أن خسرت عائلتنا جميع الأموال تقريبًا في فترة الكساد الكبير. اعتقدت والدتي أنه يمكنها أن تجني ثروة جديدة عن طريق الكتابة في المجلات اللامعة، أخذت دورة في كتابة القصص القصيرة بالليل، وقامت بدراسة المجلات كدراسة المقامرين لأوراق اللعب. 

لقد كانت غنية ذات مرة؟

والدي، مهندس معماري بسيط، تزوج واحدة من أغنى الفتيات في المدينة. وكانت هناك ثروة على وشك النهوض مرتكزة على Lieber Lager Beer وبعد ذلك Gold Medal Beer. Lieber Lager Beer أصبحت Gold Medal Beer بعد أن فازت بجائزة في احد معارض باريس.

لابد أنها بيرة جيدة جدا.

لم أتذوقها أبدًا. كان قبيل زماني بوقت طويل. ولكن على حد علمي كانوا يضعون فيه مكون سري لم يسمح أيًا من جدي وخبير الخمور لأي شخص من مشاهدة ما كانوا يضعونه.

هل تعلم ماهو؟

القهوة.

درست والدتك كتابة القصص القصيرة؟

ووالدي يقوم برسم اللوحات في الاستديو الذي أنشأه في الطابق العلوي من المنزل. لم يكن هناك الكثير من العمل للمهندسين المعمارين خلال فترة الكساد الكبير. في الحقيقة لم يتوفرعمل لأي شخص. ومن الغريب رغم ذلك أن أمي كانت على حق؛ فحتى الكتاب في المجلات العادية كانو يجنون كميات وفيرة من المال.

لذا اتخذت والدتك موقفًا فعليًا تجاه الكتابة.

ليس بشكل تام. بالمناسبة كانت امرأة ذكية مثقفة. التحقت بنفس المدرسة الثانوية التي كنت فيها وكانت من القلائل الذين لم يحصلوا سوى على العلامة الكاملة حينما درست هناك. اتجهت بعد ذلك شرقا لاكمال دراستها ثم جالت أوروبا. كانت تتحدث الألمانية والفرنسية بطلاقة، ومازلت أحتفظ بتقاريرها الدراسية في مكان ما “علامة كاملة، علامة كاملة، علامة كاملة”. كانت كاتبة جيدة لكن تبين أنها لم تكن تملك موهبة في الابتذال التي تتطلبها المجلات اللامعة، ومن حسن الحظ أني ولدت محملا بهذه الموهبة، فحينما كبرت تمكنت من تحقيق حلمها كتبت لـ(Saturday Evening Post) ،(Cosmopolitan) وغيرها من المجلات، كان أمرا سهلا بالنسبة لي أسهل من السقوط من على لوح خشبي. تمنيت فقط انها مازالت حية حتى ترى ماكتبت و لكي ترى أحفادها أيضا فقد اصبح لديها عشرة أحفاد، لكن لم تتمكن من رؤية أي أحد منهم. لقد حققت حلمًا اخرًا لها: عشت في كيب كود لسنوات عديدة. كانت دائما ما تريد أن تعيش في كيب كود. من الشائع جدًا أن يحاول الأبناء تحقيق أحلام أمهاتهم المستحيلة. لقد تبنيت أبناء أختي بعد وفاتها، ومن المخيف رؤيتهم وهم يحاولون تحقيق أحلامها المستحيلة.

ماهو حلم شقيقتك؟

أرادت أن تعيش كأنها عضو في العائلة السوسرية روبنسون مع حيوانات أليفة في بيئة منعزلة جدا. ابنها الأكبر جيم يقوم برعي الأغنام بسفوح جبال جامايكا منذ 8 سنوات. بلا هاتف ولا كهرباء.

ارتدت انت ووالداتك ثانوية Indianapolis 

ووالدي ثانوية Shortridge

كانت لديهم صحيفة يومية، على ما أعتقد.

نعم فعلا. The Shortridge Daily Echo. يوجد هناك محل طباعة في المدرسة. بعد المدرسة كان بعض الطلبة يكتبون المقالات واخرون يعدونها للطباعة.

لقد ضحكت للتو على شيء ما.

موقف تافه تذكرته، حصل في الثانوية لا علاقة له بالكتابة.

هل ترغب بأن تشاركه معنا على أية حال؟

أوه! كنت قد تذكرت أمرا حصل في المرحلة الثانوية، في صف التربية المدنية، مادة تتحدث عن كيفية عمل حكوماتنا. طلب منا الأستاذ أن نقف تباعا ونقول مالذي قمنا بعمله بعد المدرسة. كنت أجلس في آخر الفصل، بجوار شخص يدعى (ج. ت. ألبيرغر)، أصبح فيما بعد يعمل كموظف تأمينات في لوس انجلوس، توفي في وقت قريب. على أية حال، كان يشير إلي ويحثني ويتحداني أن أقول الحقيقة. حتى أنه عرض عليا خمسة دولارات لذلك. كان يرغب أن أقف و أقول: “أنا أبني مجسمات الطائرات وأستمني”.

فهمت.

قمت بالعمل أيضا في The Shortridge Daily Echo

هل كان العمل هناك ممتعا؟

ممتع ومريح. وجدت دائما أن الكتابة سهلة. فقد تعلمت أن أكتب لزملائي عوضا عن المعلمين، أغلب الكتاب المبتدئين لم تسنح لهم فرصة الكتابة لأقرانهم، فأنت بذلك تفتح باب الحجيم على نفسك.

إذا بعد الظهيرة دائما ماتذهب إلى مكتب Echo

نعم. وذات مرة بينما كنت أكتب وانا شارد الذهن صادف أن قمت بشم إبطي، وقد شاهدني العديد من الأشخاص وأنا أفعل ذلك ووجدوه أمرًا مضحكا، ومنذ ذلك الحين لقبت بـ“الشمام”.

وفي حفل التخرج السنوي عام 1940, أدرج اسمي كـ(كورت “الشمام” فونيجت، الابن). في الحقيقة لم أكن شمام. فالشمام هو الشخص الذي يحوم حول مقاعد دراجات الفتيات ويستنشقها. ولم اكن افعل ذلك.

“Twerp” أيضا له معنى محدد جدًا ، يعرفه قليل من الناس الآن. نتيجة لقلة تداوله، يعد “Twerp” الآن إهانة عديمة الشكل إلى حد كبير.

ما هو “Twerp” بالمعنى الدقيق للكلمة ، بمعناه الأصلي؟

هو الشخص الذي يقوم بإدخال طقم الأسنان الاصطناعية بين عضلات مؤخرته.

فهمت.

أستسمحك عذرًا بين عضلات مؤخرته أو مؤخرتها. دومًا ما أسيء للنسويات بهذه الطريقة.

لا أفهم لم قد يفعل الشخص شيئا كهذا بأسنانه الاصطناعية.

حتى يقتلعوا الأزرار من مقاعد سيارات الأجرة، هذا ما يثيرهم جنسيًا.

التحقت بجامعة كورنيل بعد جامعة Shortridge؟

أتصور ذلك.

تتصور ذلك؟

كان لي صديق يشرب الكحول بكثرة. وإذا ما سأله أحدهم إذا كان قد شرب في الليلة الماضية، كان يجيب باستمرار وبشكل عابر: “أوه، أتصور ذلك”. لقد أحببت دائما هذه الإجابة. إني أعتبر الحياة كحلم، وكورنل كان حلمًا مزعجًا. جزء منه بسبب الكحول نفسه، والآخر كوني التحقت بمجال لا املك فيها أي موهبة. اتفق أبي وأخي على أنني يجب أن أدرس الكيمياء، كون أخي كان جيدًا في المواد الكيميائية في M.I.T. هو أكبر مني بثماني سنوات. وأكثر مرحًا أيضًا. أهم اكتشافاته الشهيرة هو أن يوديد الفضة يُكوّن في بعض الأحيان المطر أو الثلج.

هل كانت أختك مرحة أيضا؟

أوه. نعم كان لديها طبع قاس غريب فالدعابة التي تمتلكها لم تتناسب مع بقية شخصياتها. كلما سقط أي شخص تراها تضحك بشكل هستيري. وفي إحدى المرات شاهدت امرأة تخرج من الحافلة بشكل أفقي، وضحكت على هذا الأمر لأسابيع .

بشكل أفقي؟

نعم صحيح. يبدو أن حذاء هذه المرأة علق بطريقة ما. على أي حال، فُتح باب الحافلة، وصادف أن أختي كانت تراقب من الرصيف، ثم رأت هذه المرأة تخرج أفقيًا؛ بشكل مستقيم مثل لوح، وجهها للأسفل، وقدماها بعيدتان عن الأرض.

والكوميديا التهريجية؟

بالطبع. أحببنا (لوريل) و(هاردي) هل تعلم ماهي اطرف المواقف التي تحصل في الفيلم؟

لا.

أن يكون لديك شخص يمشي من خلال ما يشبه بركة صغيرة ضحلة، ولكن في الواقع هي بعمق ستة أقدام. أتذكر في الفيلم حينما كان (كاري غرانت) يتجول في المروج الخضراء ليلًا. جاء إلى شجيرة صغيرة، قام بتشذيبها بجمال، الا أنه في الجانب الآخر كان هناك منحدر طوله 25 قدم في الجهة الأخرى. لكن ما أحببته أنا وأختي على وجه الخصوص، هو عندما يغضب شخص على البقية ثم يعصف بغرفة المعاطف، يعود بعدها عاصفًا متشابكًا في العلّاقات والأوشحة.

هل حصلت على شهادة في الكيمياء من جامعة كورنيل؟

رسبت في جميع المواد في منتصف دراستي بالسنة الثالثة. كنت مسرورا لالتحاقي بالجيش والذهاب للحرب. بعد الحرب التحقت بجامعة شيكاغو، سعدتُ بدراستي للانثربولوجيا، وهو علم معظمه من الشعر لا يكاد يوجد فيه أي مادة رياضية. كنت متزوجًا آنذاك، وسرعان ما أنجبت طفلي الأول وهو (مارك). الذي أصيب بالجنون لاحقا ونشر كتاب عظيم عن تلك المرحلة فيما بعد اسمه (The Eden Express)، أنجب للتو طفلا وهو أول حفيد لي، صبي اسمه (زاكاري). ينهي الآن (مارك) سنته الثانية في كلية الطب في جامعة هارفاد، وسيكون الطالب الوحيد من دفعته غير مديون للجامعة عند تخرجه بسبب كتابه. واعتبره تعافٍ جدير بالاحترام بعد هذه النكسة.

هل ساهمت دراستك للانثربولوجيا في تنويع كتاباتك؟

رسخ إلحادي والذي كان معتقد آبائي على كل حال. كان يجري عرض الأديان ودراستها وكأنها من ابتكارات (روب غولدبرغ) مثلما ظننت دائما. لم يسمح لنا باعتبار ثقافة ما متفوقة على أي ثقافة أخرى، وكنا نفتح على أنفسنا أبواب الجحيم في حال ذكرنا للأعراق. كان الوضع مثاليا للغاية.

هل كان أشبه بديانة؟

بالضبط. وهي الديانة الوحيدة، بالنسبة لي، حتى الان.

ماهي أطروحتك العلمية؟

(مهد القطة).

لكنك كتبته بعد أعوام من مغادرتك لشيكاغو، أليس كذلك؟

غادرت شيكاغو وانا لم أكتب رسالتي ولم أحصل على شهادة. جميع الأفكار الذي طرحتها للرسالة رفضت وكنت محبطًا. حصلت على وظيفة موظف علاقات عامة في شركة (جينيرال إلكترونيك) في سكينيكتدي.

بعد 20 عاما تلقيت رسالة من عميد جديد للجامعة والذي كان يبحث في ملفي، أخبرني وفقا لقوانين الجامعة يمكن الاستعاضة عن الأطروحة بنشر عمل عالي الجودة. لذلك كان يحق لي أن أحصل على درجة الماجستير. وقد عرض (مهد القطة) لقسم الانثربولوجيا، وقالوا انه يعتبر عملا انثربولوجياَ بنسبة لا بأس بها. فقاموا بارسال شهادتي عبر البريد الإلكتروني. كنت خريج عام 1972 أو شيء من ذلك.

تهانيا.

ليس شيئًا يستحق الذكر. كان أمرا في غاية السهولة.

بعض الشخصيات في (مهد القطة) كانت لأشخاص تعرفت عليهم في (جينيرال الكتريك)، أليس كذلك؟

الدكتور (فيليكس هونيكر)، أعرف عنه القليل. هو عالم شارد الذهن، كان شخصية كاريكاتورية للدكتور (إيرفينج لانجموير) نجم فريق معمل الأبحاث في (جينيرال الكتريك)، عمل معه شقيقي. كان (لانغموير) شارد الذهن بشكل فضيع. لقد تساءل إحدى المرات بصوت عال: “إذا قامت السلاحف بسحب رأسها للداخل هل عامودها الفقري يلتوي أو يتقلص؟” وقد أضفت هذا في الكتاب. وأضفت عنه أيضا أنه ذات مرة ترك بقشيشا تحت صحنه حينما قامت زوجته بتقديم الفطور له. ومن أهم إسهاماته كانت فكرة اسميتها “ايس-9” هي أحد أشكال المياة المتجمدة في درجة حرارة الغرفة. لم يخبرني عنها مباشرة. لقد كانت خزعبلات حول المختبر، في الوقت الذي جاء فيه (هربرت جورج ويلز) إلى سكينيكتدي. كان ذلك منذة فترة طويلة قبل مجيئي إلى هناك، كنت حينها مجرد طفل أستمع إلى الراديو وأصنع طائرات صغيرة.

حسنا؟

على أية حال، جاء (ويلز) إلى سكنيكتادي، وتم إخبار (لانجمور) بأن يستضيفه. اعتقد (لانجمور) أنه ربما يستطيع أن يسلي (ويلز) بفكرة عن قصة للخيال العلمي؛ حيال نوع من الجليد الذي تجمد ولم يذب في درجة حرارة الغرفة. لم يهتم (ويلز) بالفكرة أو على الأقل لم يستخدمها أبدا. مات (ويلز) وبعده (لانجمور). ثم قلت في نفسي: “من وجد الشي فهو له، فالفكرة ملكي الان”. بالمناسبة (لانجمور) كان أول عالم في القطاع الخاص يفوز بجائزة نوبل.

ما هو شعورك حيال فوز (بيلو) بجائزة نوبل للآداب؟

كان من أفضل الطرق الممكنة لتكريم أدبنا بأكمله

هل كان من السهل عليك التحدث إليه؟

نعم، لقد أتيحت لي ثلاث فرص لمحادثته. كنت في ضيافته في جامعة أيوا، كنت أستاذا وكان محاضرا. سارت الأمور فيما بيننا على مايرام وكانت لدينا أمور مشتركة على كل حال.

ماهي هذه الأمور؟

على حد علمي، أن كلانا من قسم الأنثروبولوجيا بجامعة شيكاغو. لم يسبق له الذهاب لأي رحلات استكشافية في الأنثروبولوجيا، وأنا كذلك. واختلقنا شعوب لما قبل الصناعة؛ أنا في (مهد القطة) وهو في (هندرسون، ملك المطر).

إذا، هو زميلك العالم.

لست عالمًا، وأنا مسرور بذلك الآن، بعد أن تعرضت للضغوطات من قبل أبي و أخي لأصبح عالمًا. أنا أفهم كيفية الاستدلال العلمي، والعمل المسلي، مع ذلك ليس لدي الموهبة الكافية للانضمام اليه. أستمتع بالعمل في الشركات العلمية، أشعر بالسعادة والحماس حينما يخبروني بما يقومون به. قضيت أوقاتي مع العلماء أكثر بكثير مما قضيته مع الأدباء، وكانوا أغلبهم أصدقاء أخي. أستمتع أيضًا بالسباكة والنجارة ومكانيكا السيارات. لم أتعرف إلى أي شخص أدبي إلا في آخر عشر سنوات ابتداءً من العامين التي قمت فها بالتدريس في أيوا. وبشكل غير متوقع كنت صديق (نيلسون ألغرين) و(خوسيه دونوسو) و(فانس بورخيلي) و(دونالد جوستيس) و(جورج ستاربوك) و(مارفين بيل)، لقد كنت مذهولا حقا. الآن، واستنادًا إلى التقييمات التي تلقاها كتابي الأخير (كوميديا تهريجية)، فإن الناس يرغبون في إخراجي من المؤسسة الأدبية، وإعادتي للمكان الذي أتيت منه. 

كانت هناك بعض التعليقات سيئة؟ 

فقط في (The New York Times)، (Time)، (Newsweek)، (Rolling Stone)، (Village Voice)، (The New York Review of Books)، وأحبوني في (مديسين هات).

إلى ماذا تعزو هذا الحقد؟

(كوميديا تهريجية) كان كتاب سيئًا جدًا، وأنا على استعداد تام لقبول ذلك. الجميع يكتب كتب رديئة فلماذا لا أقوم أنا بذلك؟ ماكان غير اعتياديًا في التعليقات هو أنهم أرادوا من الناس الاعتراف بأني لم أكن جيدًا على الإطلاق. وبالفعل لقد طلب المراجع في صحيفة (صنداي تايمز) من النقاد الذين أشادوا بي في الماضي أن يعترفوا الآن علنًا بمدى خطأهم. حاول ناشر كتابي، (سام لورانس)، أن يريحني بالقول إن المؤلفين يتعرضون لهجوم دائمًا عندما يصبحوا أثرياء.

كنت بحاجة الى نوع من الطمأنينة؟

لم أشعر بشعور أسوأ في حياتي. شعرت أنني عدت مجددًا لأنام وافقا على عربة النقل في ألمانيا.

بهذا السوء؟

لا، ولكنها سيئة كفاية. فالنقاد بشكل مفاجئ أرادوا أن يسحقوني كالحشرة. وليس هذا فحسب، بل فجأة، لم يكن لدي المال أيضا. وهناك شكاوي سرية بأني كنت بربريا، وكتبت الكتاب بدون إجراء دراسة منهجية للأدب العظيم، ولست محترمًا نظرا لأني كنت كاتبًا مأجورًا مسرورٌ للغاية في المجلات اللامعة. ولم أقم بسداد رسومي الدراسية.

ألم تعاني؟

حسنا، لقد عانيت. ولكن كشخص تلقى تعليمًا سيئًا في شركة وتجارة مبتذلة. كان من العيب أن أفسد الفن من أجل المال. وبعد ذلك تجاوزت تلك المعضلة بأن أصبحت فاحش الثراء. كان أمرا سيئا للغاية بالنسبة لي وللجميع، لكن اسمي كان يضج في المطابع لذا جميعنا عالقون بي وبكتبي.

هل تعني بذلك أنك عدت من جديد؟

بطريقة ما. أنا الآن عضو في مجلس ولاية نيويورك للفنون، وكثيرًا ما يتحدث بعض الأعضاء الآخرين عن إرسال إشعارات إلى أقسام اللغة الإنجليزية بالكلية حول بعض الفرص الأدبية، وأقول: “أرسلهم إلى أقسام الكيمياء، وأرسلهم إلى دوائر علم الحيوان، أرسلهم إلى أقسام الأنثروبولوجيا وأقسام علم الفلك والفيزياء، وجميع كليات الطب والقانون. هذا هو المكان المحتمل أن يكون فيه الكتاب”.

كنت تؤمن بذلك؟

أعتقد أنه من الممتع للغاية أن يكون لمؤلف الأدبيات شيء آخر في ذهنه غير تاريخ الأدب. الأدب لا يجب أن يخفى بداخل حماقات خاصة، إن صح التعبير.

دعنا نتحدث عن المرأة في كتبك.

لايوجد أي واحدة. لا نساء، في الواقع، ولا حب.

ألا يستحق الامر تفسيرًا؟

إنها مشكلة آلية. الكثير مما يحدث عند سرد القصص الآلية، له علاقة بالمشاكل الفنية لكيفية عمل القصة. على سبيل المثال؛ قصص رعاة البقر وقصص رجال الشرطة تنتهي بإطلاق النار، لأن عمليات إطلاق النار هي أكثر الآليات موثوقية لإنهاء هذه القصص. لا يمكننا قول شي مثل الموت، يا له من شي مصطنع حينما يتم دائما قول “النهاية”.

أحاول أن أبعد الحب العميق عن قصصي لأنه بمجرد ظهور هذا الموضوع، يكاد يكون من المستحيل التحدث عن أي شيء آخر. لا يريد القراء سماع أي شيء آخر. يصبحون سذجًا إزاء الحب. إذا فاز العاشق في القصة بحبه الحقيقي، فهذه هي نهاية القصة، حتى لو كانت الحرب العالمية الثالثة على وشك أن تبدأ، والسماء مكتظة بالصحون الطائرة.

يعني ذلك أنك ابتعدت عن قصص الحب!

لدي شي أخر أريد أن اتحدث عنه. (رالف إيلسون) فعل الشيء نفسه في كتاب (رجل خفي)، إذ كان البطل في هذا الكتاب الرائع قد وجد شخصا يستحق الحب؛ شخصا أصبح مهووسًا به، لكان هذا الأمر هو نهاية القصة. و(سيلين) كذلك في to (رحلة إلى نهاية الليلة). لقد استبعد إمكانية الحب الحقيقي والأخير، حتى تستمر القصة بشكل أطول.

ليس هناك الكثير من الكتاب تحدثوا عن آلياتهم في الكتابة.

أنا شخص تكنوقراطي متعصب أؤمن أنه يمكنهم أن يعبثوا بها مثل (فورد موديل تي).

مالهدف؟

لأُكسِب للقارئ متعة في القراءة.

هل تظن أنك ستكتب يوما ما قصة حب؟

ربما. إنني أعيش فعلًا حياة مليئة بالحب. حتى حينما أعيش هذه الحياة المحبة ويسير كل شي بشكل جيد، أجد نفسي في بعض الأحيان أقول: “يا الهي ألا نستطيع التحدث عن أمر آخر لفترة؟” هل تعلم ما هو المضحك حقا؟

لا؟

تم رمي كتبي من المكتبات المدرسية في جميع أنحاء البلاد، لأنها ذات محتوى فاحش كما يزعمون. رأيت إحدى المرات رسالة مرسلة الى الصحف في المدن الصغيرة، طلب منهم أن يضعوا كتاب (المسلخ رقم 5) بنفس قسم مجلات (Deep Throat) و(Hustle). كيف يمكن لشخص أن يمارس العادة السرية في كتاب (المسلخ رقم 5)؟

يشمل جميع الأنواع.

حسنا. غير موجود النوع الديني الذي بلا رقابة. يجددوني شخص لايحترم اعتقادهم عن الآلهة. ويعتقدون أن الحكومة يجب أن تحمي اسم الإله. كل ما أقوله لهم هو حظا موفقا لهم وللحكومة وللآلهة.

هل تعلم مالذي قاله (لويس منكن) ذات مرة عن المتدينين؟ قال أنه أسيء فهمه إلى حد كبير. قال إنه لم يكرههم، بل ببساطة يجدهم ممتعين.

حينما سألتك قبل مدة أي شخص من عائلتك أثر عليك ككاتب، قلت والدتك. كنت أتوقع أن تذكر شقيقتك، لكونك تحدثت عنها كثير في (كوميديا تهريجية).

قلت في (كوميديا تهريجية) بأنني كنت أكتب لأجلها؛ كل شخص مبدع ناجح يضع شخصًا واحدًا من الجمهور في ذهنه. هذا سر التماسك الفني. يمكن لأي شخص تحقيق ذلك اذا قرر/قررت وضع شخص واحد في ذهنه. لم أكن اعلم أنها الشخص الذي أكتب من أجله إلا بعد وفاتها.

كانت تحب الأدب؟

كانت تكتب بطريقة رائعة جدًا. لم تكن تقرأ كثيرًا، لكن في السنوات الأخيرة، قرأت لـ(هنري ديفيد ثورو). وكذلك أبي لم يقرأ كثيرًا ولكن كانت كتاباته أشبه بحلم. شعرت بالخجل حينما قارنت النثر المكتوب في هذه الرسائل التي كتبها أبي وأختي مع تلك التي أكتبها. 

هل حاولت شقيقتك أيضا أن تجني المال مقابل الكتابة؟

لا ، فقد كانت أيضا نحاتة بارعة. وبختها ذات مرة لعدم بذلها المزيد من الجهد، رغم امتلاكها للموهبة. أجابت أن امتلاكك للموهبة لا يفرض عليك القيام بشي ما حياله. كانت عبارة مذهلة بالنسبة لي. دائما ماعتقدت أنه من المفترض أن يتمسك الناس بمواهبهم ويهربون معها بأقصى سرعة ممكنة.

ومالذي تعتقده الآن؟

‏حسنًا. إن ما قالته أختي في السابق، يبدو لي الآن نوعًا من الحكمة النسائية الغريبة. لدي ابنتان تتمتعان بموهبة كبيرة كتلك التي كانت تتمتع بها أختي، وستهلكان إن فقدتا توزانهما وحسّهما الفكاهي، من خلال انتزاع موهبتهما والركض بيأس في سبيلها بأسرع ما يمكن، ولأبعد مكان ممكن. لقد شاهداني وأنا أفعل هذا الشيء، ولا بد من أن هذا قد بدا لهما ضربًا من الجنون.

على الآلة الكاتبة؟

نعم. برأس أحمق يستمتع بالتدخين.

هل توقفت يوما عن التدخين؟

مرتين. إحداهما حينما كنت مدمنا وتحولت إلى (سانتا كلوز)؛ أصبحت قصيرًا وممتلئًا وقارب وزني الـ250 باوندًا. توقفت حينها لقرابة عام. وبعد ذلك أحضرتني جامعة هاواي إلى أواهيو لأتحدث عن التجربة. في إحدى الليالي كنت أشرب جوز الهند على سطح فندق Ili Kai، وكل ما كان علي فعله لاستكمال حلقة سعادتي هو أن أدخن سيجارة. وفعلت!

والمرة الثانية؟

في الآونة الأخيرة، في العالم الماضي بالتحديد. دفعت لمنظمة موقفي الدخان مائة وخمسين دولارًا لمساعدتي على الإقلاع، على مدار ستة أسابيع. وقد كان تماما كما وعدوني، سهلًا ومفيدًا. حصلت حينها على شهادة تخرج وشارة تقدير. المشكلة الوحيدة هي أني أصبحت أيضًا مجنونًا. كنت سعيدًا وفخورًا جدًا بنفسي، لكن من حولي وجدوني عنيدًا بشكل لايطاق، فظًا وصاخبًا. كما أنني توقفت عن الكتابة. فلم أكتب أية رسائل بعد ذلك. ومن الواضح أنها كانت صفقة سيئة. لذلك عدت للتدخين مرة أخرى. وكما اعتادت الرابطة الوطنية للمصنعين أن تقول: “لا وجود لما يسمى بالغداء المجاني”.

هل تعتقد أنه من الممكن حقا أن يتم تعليم الكتابة الإبداعية؟

بنفس الطريقة التي يتم فيها تعلم لعبة الغولف. يمكن للمحترفين أن يشيروا إلى أخطاء واضحة في تسديدتك. وأعتقد أني فعلت ذلك بشكل جيد في جامعة أيوا لمدة عامين. كان كلا من (غايل غودوين) و(جون إيرفينج) و(جوناثان بينر) و(بروس دوبلر) و(جون كيسي) و(جين كاسي) من طلاب الجامعة. و منذ ذلك الحين قاموا بنشر أعمال رائعة. درست الكتابة الإبداعية في هارفارد وبشكل سيء بعد ذلك، لأن زواجي كان ينهار، و كنت أتنقل كل أسبوع إلى كامبريدج من نيويورك. وبعد ذلك قمت بالتدريس بشكل أسوأ من سابقه في سيتي كوليدج قبل عامين. فكان لدي العديد من المشاريع الأخرى القائمة في نفس الوقت. فلم يعد لدي الرغبة في التدريس مجددا. لا أعرف سوى الطريقة النظرية.

هل يمكن أن تضع “النظرية” في بضع كلمات ؟

صرح بذلك (بول إنجل)، مؤسس ورشة الكتاب في ولاية أيوا. أخبرني أنه إذا عثرت على ورشة العمل في مبنى خاص بك، فيجب أن تُدرج هذه الكلمات على المدخل: “لا تأخذ الأمر على محمل الجد”.

وكيف سيكون ذلك مفيدًا؟

من شأنه أن يذكر الطلبة بأنهم كانوا يتعلمون أداء دعابات عملية.

دعابات عملية؟

إذا جعلت الناس تضحك أو تبكي من أجل علامات سوداء صغيرة على لوح من الورق الأبيض، أليست هذه دعابة؟ الحبكة لجميع القصص الرائعة هي عبارة عن دعابات عملية عظيمة يقع الناس فيها مرارًا وتكرارًا.

هل لك ان تعطينا مثالا؟

الرواية القوطية. تنشر العشرات من الأشياء كل عام، وتباع جميعها. قام صديقي (بوردن ديل) مؤخرًا بكتابة رواية قوطية من أجل المتعة، وسألته عن ماهية الحبكة، وقال: “امرأة شابة تقبل وظيفة في منزل قديم وتُخيفها السراويل”.

أمثلة أخرى؟

الأمثلة الأخرى ليست ممتعة كثيرا في وصفهم؛ شخص ما يقع في مأزق ثم يخرج منها، شخص ما يفقد شيئًا وثم يسترده، شخص ما ظلم ويحصل على انتقامه، سندريلا. شخص ما ينفصل وتتدهور حالته، يقع الناس في حب بعضهم البعض والكثير من الأشخاص يعترضون طريقهم، الشخص الصالح يتهم زوراً بالرذيلة، والشخص الآثم يعتقد أنه صالح. يواجه الشخص التحدي بشجاعة، وينجح أو يفشل؛ شخص يكذب، شخص يسرق، شخص يقتل، شخص يرتكب الزنا.

أعتذرعما سأقوله، لكن هذه الحبكات تبدو قديمة جدًا

أضمن لك أنه لا يوجد مخطط لتجديد القصص، حتى مع عدم وجود حبكة فلن يشعر القارئ بالرضى الحقيقي طالما لم يتم دس إحدى الحبكات التقليدية في مكان ما بالقصة. لا أشيد بهذا النوع من الأحداث باعتبارها تمثيل واقعي للحياة، ولكن كطريقة لإبقاء القراء يقرؤون. حينما كنت أُدرس الكتابة الإبداعية، كنت أخبر الطلاب أن يجعلوا الشخصيات في القصة ترغب بشيء ما على الفور ولو كان كوب ماء. فحتى الشخصيات التي فقدت قدرتها على الحركة بسبب عبثية الحياة، يشربون الماء بين الفينة والأخرى.

كتب أحد تلاميذي قصة عن راهبة عثرت على جزء من خيط الأسنان عالقة بين أضراسها السفلية اليسرى، ولم تستطع التخلص منه طوال اليوم. كانت قصة رائعة. تناولت قضايا أهم بكثير من خيط تنظيف الأسنان، ولكن ما جعل القراء يستمرون بالقراءة كان لهفتهم للحظة إزالة خيط تنظيف الأسنان. لا يمكن لأحد قراءة هذه القصة من غير أن يمرر إصبعه حول فمه. وهنا دعابة عملية بالنسبة للقارئ. حينما تستبعد الحبكة وتستبعد منها شغف الشخص للعثور على أمر ما، فإنك تستبعد القارئ وهذا تفكير لئيم جدا. يمكنك أيضًا استبعاد القارئ من خلال عدم إخباره على الفور بمكان حدوث القصة، ومن هم الأشخاص.

وما الذي يريدونه..

نعم. ويمكنك أن تجعله ينام وذلك بعدم جعل الشخصيات تواجه بعضها البعض. الطلبة قالوا انهم يفضلون عدم تصادم الشخصيات لأن الناس في الحياة الحديثة تتجنب ذلك. قالوا بأن “حياتنا المعاصرة موحشة جدا”. وهذا بنظري هو الكسل. فمهمة الكاتب تنظيم المواجهات وبذلك فإن الشخصيات تفاجؤنا ،وتكشف لنا عن الخبايا، تعلمنا وتمتعنا كذلك. إذا لم يتمكن الكاتب من فعل هذه الأمور أو لن يفعلها، فعليه أن ينسحب من التجارة.

التجارة؟

التجارة. النجارين يبنون المنازل. الميكانيكيين يصلحون السيارات. و رواة القصص يقتنصون أوقات فراغ القراء بطريقة لايشعر معها القارئ بأنه أضاع وقته. 

الموهبة بالتأكيد مطلوبة ؟

في جميع المجالات. كنت تاجرًا لشركة Saab في شركة Cape Cod لفترة من الوقت، وقد التحقت بمدرستهم الميكانيكة، وطردوني. لاني لا أملك موهبة.

ما مدى شيوع موهبة رواية القصص؟

يتكون فصل الكتابة الإبداعية بأي مكان في هذا البلد من عشرين شخص، ستة منهم موهوبين بشكل مذهل. اثنان منهم قد ينشرون شيئًا ما عما قريب.

ما الذي يميز هاذين الاثنين عن البقية؟

لديهم شيء آخر غير الأدب بحد ذاته في أذهانهم. من المحتمل أن يكونوا محتالين أيضًا. أعني أنهم لا يريدون يجلسوا مكتوفين اليدين حتى يتم اكتشافهم من قبل شخص ما. سوف يصرون عليك لقراءته.

كنت رجل علاقات عامة ورجل إعلانات.

أوه، أتصور ذلك.

هل كان هذا مؤلما؟ أقصد، هل شعرت أن موهبتك تهدر، وتضعف؟

لا. هذه أمور عاطفية والعمل على هذا النحو يدمر روح الكتابة لدى الكاتب. في ولاية أيوا اعتدت أنا و(ديك ييتس) على إلقاء محاضرة كل عام حول الكاتب ونظام المشاريع الحرة. والطلبة يكرهون ذلك. كنا نتحدث عن جميع الطرق الملتوية الذي يلجأ لها الكاتب اذا وجدوا أنفسهم يتضورون جوعا حتى الموت. أو في حالة رغبتهم جمع ما يكفي من رأس المال لتمويل كتابة كتاب. نظرًا لأن الناشرين لا يضعون أموالهم في أولى الروايات بعد الآن، وبما أن المجلات قد انتهى عهدها، ولأن التلفزيون لم يعد يشتري من الشباب العاملين لحسابهم الخاص، وبما أن المؤسسات لا تقدم منحًا إلا للمتمكنين القدامى مثلي، فسيتعين على الكتاب الشباب لكي يدعموا انفسهم ان يسلكوا طرق مخزية وغير شرعية، و قريبًا سنجد أنفسنا بلا أدب معاصر. شيء واحد مروّع تفعله أعمال القرصنة للكاتب، وهو تضييع وقتهم الثمين.

ليست مزحة.

انها مأساة. ما زلت أحاول التفكير في جميع الطرق التي يسلكها الكتاب الصغار حتى لو كانت مروعة، ليتشبثوا بالكتابة بطريقة أو بأخرى.

هل ينبغي دعم الكتاب الشباب؟

يجب القيام بشيء ما حيال هذا الأمر، خاصة بعد أن جعلوا من المستحيل أن يدعم الشباب أنفسهم من خلال الأعمال الحرة. كنت في بداياتي رجل أعمال مذهل، لسبب بسيط هو أن هناك الكثير من الأعمال التي كان من الممكن القيام بها. وحينما عملت لدى شركة (جنرال إلكتريك)، كتبت قصة بعنوان (تقرير عن تأثير بارنهاوس)، وهي أول قصة قمت بكتابتها. أرسلتها بعد ذلك بالبريد الإلكتروني إلى كوليرز. وكان (نوكس برغر) هو رئيس تحرير آن ذاك وأخبرني ما هي الأخطاء وكيفية تصحيحها. ففعلت ما قاله، واشترى القصة بمقابل سبعمائة وخمسين دولارًا، مدة عمل ستة أسابيع في (جنرال إلكتريك) كتبت بعدها  قصة أخرى، ودفع لي تسع مائة وخمسين دولارًا، واقترح علي أنه ربما حان الوقت لكي أترك (جنرال إلكتريك) وهذا مافعلته. انتقلت إلى (بروفينستاون) وأخيراتم تسعير قصتي القصيرة بتسع وعشرين مليون دولارًا كما أعتقد. وجلب لي (نوكس) حينها اثنين من الموظفين الذين كانوا ماهرين في سرد القصص؛ (كينيث ليتور)، الذي كان سلفه في كوليرز، و(ماكس ويلكينسون)، الذي كان محرر القصة في (إم جي إم). ودوِّن هذا الأمر لديك، أن (نوكس برجر) الذي كان في سني، اكتشف وشجع الكتاب الشباب أكثر من أي محرر آخر في وقته. لا أعتقد أنه قد تم تدوين هذا الأمر أي مكان. إنها حقيقة معروفة فقط لدى الكتاب، وهي حقيقة يمكن أن تختفي بسهولة، إذا لم يتم كتابتها في مكان ما.

أين هو (نوكس برجر) الآن؟

إنه وكيل أدبي. وفي الواقع إنه يمثل ابني (مارك) أيضًا.

و(ليتور) و(يلكينسون)؟

توفي (ليتور) قبل عشر سنوات أو نحو ذلك. لقد كان عقيدًا في Lafayette Escadrille، على كل حال، في عمر الـ23 عامًا، كان أول رجل قام بتمشيط خندق و كان مستشاري أيضا. تقاعد (ماكس ويلكينسون) في فلوريدا. لقد أحرجه دائمًا أن يكون وكيلا. إذا سأله شخص غريب عما فعله من أجل لقمة العيش، كان يقول دائما أنه يزرع القطن.

هل قمت بتعيين مستشارًا جديدًا الآن؟

لا .أظنني كبرت كفاية لأعثر على واحد. كل ما أكتبه الآن يتم تحريره دون أي تعليق من الناشر الذي يصغرني سنا، أو من قبل المحرر أو أي شخص. شقيقتي لم تعد موجودة كي تلهمني الكتابة. فشعرت فجأة أن هناك فراغ كبير في حياتي.

هل تشعر كما لو كنت في الفضاء بدون أي وسيلة تواصل؟

وبلا جاذبية الأرض لتساعدني على التوازن، إنه أمر مقلق في بعض الأحيان.

هل يوجد شيء اخر تود إضافته؟

هل تعرف القضيب المعدني الذي يوضع على الأبواب الرئيسية للمدارس والمسارح؟ و حينما تدفعه باتجاه الباب سينفتح ؟

نعم؟

اسم العلامة التجارية لأغلبها هو (فون دوبرين). “فون” من (فونجيت). حوصر أحد اقربائي بداخل حريق مسرح إيروكوا في شيكاغو منذ وقت طويل، واخترع القضيب الحديدي مع اثنين آخرين؛ “برين” من (برينزلر)، ونسيت من هو “دو”.

حسنا.

وأريد أن أقول أيضًا ، الفكاهيين في أسرهم هم غالبا الأطفال الأصغر سنًا. عندما كنت أصغر طفل على مائدة العشاء لدينا، كانت هناك طريقة واحدة فقط لجذب انتباه أي شخص، وهو أن أكون مضحكا. كان عليَّ التخصص في هذا. فقد اعتدت على الاستماع إلى الكوميديين في المذياع باهتمام شديد، حتى أتمكن من معرفة كيفية صنع النكات. وبعد أن أصبحت كبيرًا أصبح هذا ما يدور حوله كتبي الآن؛ النكات الفسيفسائية.

هل لديك أي نكات مفضلة؟

كنا نتجادل انا واختي حول أطرف النكات في العالم؛ طبعا بجوار نكتة الرجل الذي اقتحم خزانة المعطف. حينما عملنا معا أصبحنا أكثر ظرافة من (لوريل) و(هاردي). وهذا بالتحديد مايدور حوله كتاب (كوميديا تهريجية).

هل اتفقتم أخيرًا على أفضل نكتة في العالم؟

اتفقنا على اثنين. ومن الصعب تحديد أي منهما هكذا بكل بساطة.

أخبرنا على أية حال.

حسنا . لن تضحك. لم يضحك عليها احد من قبل. انها طرفة قديمة “الغرابان الأسودان”؛ رجلان أبيضان بوجه أسود يدعيان (موران) و(ماك). قاموا بتسجيل روتينهم الخاص على الة الفونوغراف. وبما انهم اثنان من الرجال السود فمن المفترض أن يتحدثان الى بعضهما بخمول، على أية حال قال أحدهما: “أنا حلمت أنني أتناول كعكات الفانيلا”، رد الآخر: “هل هذا صحيح؟”، قال الأول: “وعندما استيقظت، اختفت البطانية”.

اممم!

أخبرتك أنك لن تضحك عليها. النكتة الأخرى تتطلب تعاونك. سوف أطرح عليك سؤالًا، وعليك أن تقول “لا”.

حسنا.

هل تعرف لماذا القشدة أغلى بكثير من الحليب؟

لا.

لأن الأبقار يكرهون الجلوس على تلك الزجاجات الصغيرة. أرأيت لم تضحك أيضا. ولكن أعطيك كلمة شرف أنها طرفة رائعة جدًا، وتم إخراجها ببراعة.

يبدو أنك تفضل (لوريل) و(هاردي) على (تشابلن)، أليس كذلك؟

أنا مهووس بـ(تشابلن)، لكن هناك مسافة كبيرة بينه وبين جمهوره. من الواضح أنه عبقري جدا. فلديه أسلوبه الخاص، إنه رائع مثل (بيكاسو)، وهذا مخيف بالنسبة لي.

هل ستكتب قصة قصيرة أخرى؟

ربما. كتبت منذ 8 سنوات، واعتقدت أنها ستكون أخر قصة لي. فطلب مني (هارلان إليسون) المساهمة في مجموعة كان يعمل عليها قصة باسم : The Big Space Fuck أو (لعنة الفضاء الواسع)، وأظن أني أول شخص يقوم باستخدم كلمة “اللعنة” كعنوان. كان الأمر يتعلق بإطلاق سفينة فضائية برأس حربي مليء بالسائل المنوي إلى “مجرة أندروميدا”. وهذا يذكرني بصديقي الرائع من إنديانابوليس، وهو صديق الوحيد المتبقي لي من هذه المدينة؛ (ويليام فايلي). عندما خضنا الحرب العالمية الثانية، كان من المفترض أن يتبرع الجميع بالدم، تساءل (فايلي) عما إذا كان لا يستطيع إعطاء نصف لتر من السائل المنوي بدلاً من ذلك.

إذا لم يخسر والداك كل أموالهما، فماذا كنت ستفعل الآن؟

لشعرت بسعادة عارمة وأصبحت مهندس معماري في إنديانابوليس، مثل والدي وجدتي. ما زلت أتمنى أن ذلك قد حدث. على أي حال هناك شيء أخر أود قوله، أحد أفضل المهندسين المعماريين الشباب هناك يعيش في منزل أنشأه والدي لعائلتنا في العام الذي ولدت فيه، 1922. ويوجد على زجاج النوافذ الثلاث الصغيرة بجانب الباب الأمامي الأحرف الأولى من اسمي واسم أختي وأخي.

لديك ماضي جيد تتوق إليه.

نعم فعلا. عندما أذهب إلى إنديانابوليس ، نفس السؤال يتبادر الى ذهني مرارًا وتكرارًا: “أين سريري، أين سريري؟” وإذا كان أشباح والدي وجدتي يجوبون تلك المدينة، فيجب عليهم أن يتساءلون أين ذهبت كل مبانيهم. تم تحويل وسط المدينة وكانت معظمها مبانيهم إلى مواقف للسيارات. يجب أن يتساءلوا أيضًا أين ذهب كل أقاربهم. لقد نشأوا في عائلة ممتدة وضخمة لم تعد موجودة. لقد تذوقت هذا، الشيء العائلي الكبير. عندما ذهبت إلى جامعة شيكاغو، وسمعت رئيس قسم الأنثروبولوجيا، (روبرت ريدفيلد)، يحاضر عن المجتمع الشعبي، والتي كانت في الأساس أسرة ممتدة ومعزولة ومستقرة، لم يكن عليه أن يوضح كم هو أمر لطيف.

أي شيء اخر؟

حسنًا ، لقد اكتشفت للتو صلاة للكتاب. سمعت عن صلوات البحارة والملوك والجنود وما إلى ذلك، لكنني لم أسمع أي صلاة للكتاب. هل يمكنني أن أضع ذلك هنا؟

بالتأكيد.

كتبه (صموئيل جونسون) في 3 أبريل 1753، وهو اليوم الذي وقع فيه العقد وطلب منه كتابة أول قاموس كامل للغة الإنجليزية. كان يصلي من أجل نفسه. ربما يجب الاحتفال بالثالث من أبريل بـ“يوم الكتّاب”.

على أي حال ، هذه هي الصلاة: “يا الله، الذي يدعمني حتى هذه اللحظة، أن تمكنني من المضي قدماً في هذا العمل والقيام بالمهمة على اكمل وجه بوضعي الراهن؛ و أن أسلمه في اليوم الأخير، كإثبات للكفاءة التي منحتها لي، وحينها قد أتلقى عفواً من اليسوع المسيح. آمين”.

يبدو أنها هذه رغبة لحمل موهبته بأقصى وأبعد سرعة ممكنة.

نعم فعلا. وكان كاتبًا مأجورًا شهيرًا.

وأنت، هل تعتبر نفسك كاتبًا مآجورًا؟

بطريقةٍ ما.

ما هي؟

ابن الكساد العظيم. وربما ينبغي لنا أن نقول شيئًا في هذه المرحلة، وهو كيف تم إجراء هذه المقابلة، إلا إذا كانت الصراحة تفسد كل شيء بطريقة ما.

دع الأمور تأخذ مجراها.

تم تقديم أربع مقابلات مختلفة، أجريت معي إلى (باريس ريفيو)، وقد قاموا بتجميعها معًا لتشكل مقابلة واحدة وعرضوها علي. سارت الخطة بشكل جيد نسبيا، ولذلك اتصلت بمحاور أخر لجعلها مقابلة واحدة. كنت أنا ذلك المحاور. بكل شفافية، نعم لقد قابلت نفسي.

فهمت. سؤالنا الأخير. إذا كنت مفوض للنشر في الولايات المتحدة، فماذا كنت ستفعل لتخفيف الوضع الحالي المؤسف؟

لا يوجد لدينا نقص من ناحية المؤلفين المبدعين. ما نفتقر إليه هو جمهور من القراء يمكن الاعتماد عليه.

وبالتالي؟

أقترح أن يُطلب من كل شخص عاطل آو عاطلة عن العمل، تقديم تقريرعن كتاب قبل أن يحصل/تحصل على الإعانة.

شكرا لك.

شكرا لك.


[المصدر]

لِم تصعب الكتابة عن الموسيقى في الأدب؟

آن فالنتي، كاتبة أمريكية فازت مجموعتها القصصية المعنونة بـ (By Light We Knew Our Names) بجائزة دزانك.

نشرت (آن فالنتي) مقالة في موقع (مركز السرد)، ننقلها بترجمة حصرية لدى ساقية.

رغم أنني سمعتُ مرارًا وتكرارًا أن تضمين الثقافة الشعبية في الأدب لن يخدمه سوى بتحديد زمان الرواية أو القصة القصيرة إلا أنني أحب دمغ أعمالي الإبداعية زمانيًا. لِم الادعاء بأن شخصيات قصة تقع أحداثها في الحاضر ليست من رابطة معجبي برنامج (الأعزب) الحالمة؟ لا يُفترض بالعوالم الخيالية أن تنشأ في فراغات خاوية، وبالنسبة لي فإن واحدة من أعظم متع العمل على رواية هو اكتشاف سياق عالم الرواية، والثقافة الشعبية التي لربما تأوي لها كل شخصية وتغوص فيها. لكنني لم ألحظ حتى سُئلت خلال مقابلة عن روايتي الأولى -التي نُشرت في شهر أكتوبر من سنة 2003، عن السبب الذي يجعلني أضمن الأفلام والمسلسلات والبرامج التليفزيونية التي تشاهدها كل شخصية، لكني لم أضمن أبدًا أي تفصيل يتعلق بأغاني وفناني الشخصيات المفضلين.

باغتتني هذه الملاحظة على حين غرة: لطالما كانت الموسيقى الشكل الجوهري الأساسي من أشكال الثقافة الشائعة الموجود في حياتي منذ صغري، لذا لا أعلم أبدًا لِم كانت النوع الوحيد من الثقافة غير الموجود في أعمالي الأدبية. نشأتُ أستمع لمجموعات والداي من أسطوانات ألبومات فرقة (Beach Boys) و فرقة (Sly & The Family Stone)، راسمة لوحات بسيطة لمحتويات الألبومين (Led Zeppelin IV) و (Every Good Boy Deserves Favour) لأعلقها على جدران غرفتي. تعلمتُ العزف على البيانو في عمر الثامنة، لأتقن حين بلوغي المدرسة الثانوية إبداعات باخ ومعزوفات سكوت جوبلين من موسيقى الراجتايم. حين كنتُ في الخامسة من عمري اصطحبني والداي لأول حفل موسيقي أحضره لفرقة (The Who) والذي أدى بي إلى مراهقة امتلأت بعروض الفرقتين (Radiohead) و (10,000 Maniacs)، ولجدران غرفة نوم تغطيها منشورات لعروض مقامة في القبو للفرق (Le Tigre)، (The White Stripes)، (Interpol)، (Built to Spill).

عشقتُ الموسيقى كثيرًا قبل أن أصبح كاتبة أدبية، كنتُ صحفية موسيقية أكتب أسبوعيًا مراجعات عن الألبومات والحفلات الموسيقية. أحببتُ ذلك العمل لكني سرعان ما ألفيتُ نفسي أكتب مراجعات تبدو بعيدة كل البعد عن مقدار ولعي الحقيقي بالموسيقا. لم أعرف كيف لي أن أخبر القارئ أنه لربما هز الاستماع لأغنية ما أعماقه، كيف لي أن أترجم تجربة الوقوف صامتة أسفل أضواء المسرح بين جمع مشدوه مسحور لنص غير كافٍ لإيضاحها. انتقلتُ لصحافة الطعام التي كانت الكتابة فيها أسهل جدًا وأكثر دقة لذكر شطيرة مطعم تحوي الكزبرة وصلصة الثوم، نكهتان لا مثيل لهما. وهكذا لم أكتب عن الموسيقى مرة أخرى أبدًا.

لربما سأظل دومًا قريبة جدًا من الموسيقى، لهذا النوع من الحب، لشعور أنني لا أعدل بحقها أبدًا.

رغم انعدامها في أعمالي إلا أنني أحببتُ الطرق المختلفة التي تناول فيها الكُتاب الموسيقى في كتاباتهم. تصف آجا غابل في روايتها الأولى الصادرة سنة 2018 بعنوان ((The Ensemble بجمالية العالم التنافسي للموسيقا الكلاسيكية من منظور أربعة موسيقيين يؤلفون المقطوعة الرباعية فان نيسّ. بإبحار هؤلاء الأصدقاء الأربعة معًا في النجاحات والإخفاقات في مهنتهم تجمع لغة الرواية بثراء بين نغمة الغليساندو و ستاككاتو لعازفي كمان، سيعرف عازف الكمان وعازف التشيللو بطبيعتهما هذا التناغم. قدرتُ الدقة الموجودة في رواية غابل بينما لم أعرف كذلك كيف أضمن تلك اللغة في أعمالي في ظل غياب أبطال العمل الذين يجيدون المصطلحات الموسيقية. كما أعجبت أيضًا بكتاب حنيف عبد الرقيب الذي يضم عددًا من مقالاته بعنوان (They Can’t Kill Us Until They Kill Us) والذي يستطلع ويتقصى بروعة التقاطع بين الموسيقى والثقافة والسياسة. يضع كتاب عبد الرقيب القارئ مباشرة في قلب تجربة حضور الحفلات الموسيقية متباينة ومختلفة كالحضور لبروس سبرينغستين و كارلي لي جيبسن، وهو يفعل ذلك بطريقة توصل للقارئ الثقل العاطفي لهذه الأصوات. ومع ذلك لم أقدر على معرفة طريقة تطبيق ما تعلمته من هذا الكتاب على تجربة شخصياتي في العالم الخيالي.

يرجع السبب لذلك على الأرجح لكوني وبعيدًا عن أعمال كرواية غابل لا أجد نفسي عادةً متأثرةً باستخدام الموسيقى في الأدب. قرأتُ روايات وقصصًا قصيرة ضمن فيها مؤلفوها أسطرًا من أغاني في مشهد من العمل، نصوصٌ تبدو لي عادةً كاختصارات للوصول إلى العواطف والمشاعر التي يثيرها المشهد. أغنية تصدح من الراديو في سيارة مركونة بينما تنقطع علاقة شخصيتين. بطل رواية يرتدي سماعات الرأس ويتجه لرحلة طويلة سيرًا. في أمثلة كهذه تشق كلمات الأغاني طريقها بين النثر باختصار، مقاطع مطبوعة بخط مائل، تبدو هذه الأسطر مختارة لتكون كتعليق على ما يحدث في المشهد. لطالما بدا هذا بالنسبة لي كتسلسل في الحلم في الأدب حيث علينا كقراء أن نلغي بعضًا من الرمزية دون أن يبذل المؤلف جهدًا إضافيًا لتطوير الشخصية أو لكشف موضوعها.

هذا غير عادلٍ طبعًا لأن أغنية على الراديو أو ألبومًا يصدح من المسجلة عادة ما تعني لي في حياتي أكثر بكثير من فكرة لاحقة. جلستُ في سيارة مركونة أفسخ علاقتي بأحدهم بينما كانت أغنية كات باور (Moon Pix) تصدح من مسجلتها. ارتديتُ سماعاتي ومشيتُ لأميال طويلة أستمع لفرقة (Yo La Tengo) لأنني كنتُ في الناحية الأخرى من العالم بعيدةً عن شخصٍ أحبه. لكن حين حاولتُ دمج هذه اللحظات الصغيرة التي تشكل حياتنا وتبنيها في العوالم الخيالية الأدبية لحيوات الشخصيات فشلتْ. حذفتها. لربما ما كان يُفترض بي أن أُدهش وأتفاجئ بتلك الملاحظة لأن الحال هو هكذا: لا تظهر الموسيقى في رواياتي أو قصصي القصيرة رغم حبها طيلة حياتي. لربما من الأسهل أن أضمن أن شخصية ما تعشق مسلسل (Six Feet Under) أسهل من شخصية أخرى شاهدت كل مباراة في دوري مباريات البيسبول (2012 World Series) لحبها لفريق ديترويت تايجرز. لربما سأكون دومًا قريبة جدًا من الموسيقى، لهذا النوع من الحب، للإحساس بأنني أسديها معروفًا هكذا.

جمعتُ قائمة أغاني لكل كتاب كتبته لأتذكر الأنماط والإيقاعات، وكذلك النغمة الشعورية للأصوات التي أحاطت بكتابة الكلمات.

خلال كتابتي لأحدث رواياتي واجهتُ هذا المأزق مرة أخرى. حوار بين أختين في رحلة على الطريق إحداهن تعتقد أن قائمة أغاني رحلتهن ستذكر في الرواية. بل وحتى لأن الموسيقى تُشكل حيواتنا فإن كلتا الأختين سُميتا تيمنًا بأغانٍ من ألبوم والديهما المفضل. وهذه الألبومات هي من القائمة الموسيقية التي سترافهما في الرحلة والتي أذكر منها باختصار هنا وهناك ألبوم (Heart) لفرقة (Little Queen) أو ألبوم (Highway 61 Revisited) لبوب ديلان، لكن وفي النهاية لم أستطع أن أحث نفسي على الاستشهاد بأبيات معينة أو حتى أغنيات محددة، هذه الألبومات مذكورة عرضيًا لربما كاستشهاد ناقص في أقصاها. وبدلًا من إغراق الرواية بالموسيقا التي تستمع لها الأختان بالتأكيد طيلة رحلتهما أنشأتُ لي وحدي قائمة بالأغاني التي استمعتُ لها خلال كتابتي للرواية: (Lord Huron، Sylvan Esso، Yellow Ostrich، Valerie June).

جمعتُ مجموعة أغاني في قائمة مماثلة لكل كتاب كتبته لأتذكر الأنماط والإيقاعات، وكذلك النغمة الشعورية للأصوات التي أحاطت بكتابة الكلمات حتى لو كانت الأغنية تمسني شخصيًا لم أنقلها أبدًا للصفحات. بعد كتابتي لرواية الأولى سألتني صديقة إن كنتُ استمعتُ لعددٍ من أغاني الهيب هوب خلال كتابتي للرواية. وكنتُ فعلتُ. خلال تلك السنة التي كتبت خلالها الرواية كنتُ أستمع بأكملها لمجموعة من الأغاني تضم (Earl Sweatshirt، Kendrick Lamar، Anderson، Paak، Run the Jewels). قالت بأنها كانت تسمع تلك الموسيقى في تراكيب وإيقاعات الجمل.

حتى لو أنني لم أجد طريقة لكتابة الموسيقى في الأعمال الأدبية، وحتى لو ما كنتُ لأجدها أبدًا فعلى الأرجح وفي الوقت الحالي هذه أفضل طريقة يمكنني فيها أن أذيب حبي للموسيقا وأدمجه في الشغف الذي يغمرني للكتابة. لربما لم تحضر شخصياتي أول حفلة لها واقفة في صمت صاخبٍ لأضواء مسرح مشعة ومكبرات صوت متفجرة. لربما فسخت علاقاتها في غرفة نوم ساكنة معتمة بعد منتصف الليل بينما كان الراديو مطفئ. لكن إذا كنتُ دومًا أستمع للموسيقا كما كنتُ دومًا منذ عرفتُ أول مرة ما تعينه كلمة مشغل أسطوانات فلربما كانت الموسيقى هناك في اللغة بغض النظر عن غياب الكتابة عنها. أنا متصالحة في الوقت الراهن مع حالة عادلة كهذه: ما زالت الموسيقى موجودة خلف كل إيقاع لمقطع لفظي، خلف كل كلمة.  


[المصدر]

سوزان سونتاغ، حول تدوين اليوميات

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية. في مذكراتها بين عامي 1947-1963، والتي نُشرت باسم (ولادة ثانية)، بترجمة الأستاذ (عباس المفرجي)، كتبت (سونتاغ) مقالة بعنوان “حول تدوين يوميات”. تقول فيها: 

من السطحي فهم اليوميات كمجرّد وعاء لخصوصية المرء، لأفكاره السرية، مثل صديق حميم مؤتمن لكنّه أصم، أبكم، وأمّي. في اليوميات، أنا لا أعبّر فقط نفسي بصراحة أكثر مما يمكن أن أفعله مع أي شخص آخر؛ أنا أبدع نفسي.

تكمل بعد ذلك، فتقول:

اليوميات هي وسيلة لنقل إحساسي عن الشخصية الذاتية. إنها لا تصوّرني شخصًا مستقلًا على نحو عاطفي وروحي. لذلك، وآسفاه، هي لا تسجّل ببساطة حياتي الفعلية، اليومية، لكنها بالأحرى، في حالات كثيرة، تقدّم بديلًا لها.

في الغالب، ثمة تناقض بين معنى أفعالنا تجاه شخص ما وما نعبّر عنه في يومياتنا من مشاعر تجاه هذا الشخص. لكن هذا لا يعني أن ما نفعله هو ضحل، وما نعترف به لأنفسنا هو العميق فقط. الاعترافات، أقصد الاعترافات الصادقة بالطبع، يمكن أن تكون أكثر ضحالة من الأفعال.

تتحدث (سونتاغ) بعد ذلك عن الكتابة بشكل عام، فتقول:

الكتابة. إنه من المفسد الكتابة بقصد التأويل الأخلاقي، رفع المستوى الأخلاقي للناس.

لا شيء يمنعني من أن أكون كاتبة عدا الكسل. كاتبة جيدة.

لماذا الكتابة مهمة؟ في الدرجة الأولى، بدافع الأنانية، كما أفترض. لأنني أريد أن أكون ذلك الشخص؛ الكاتب، لا بسبب أن هناك أشياء يجب أن أقولها. مع ذلك، لم لا يكون لهذا السبب أيضًا؟ مع قليل من بناء الأنا، كما تشهد عليه هذه اليوميات، سأتغلب على المصاعب لتكون لي الثقة كي أكون “أنا” التي تملك شيئًا لتقوله، وبأنه يجب أن يُقال.

أنايَ هي ضئيلة، حذِرة، سليمة العقل جدًا. الكتاب الجيّدون هم أنانيون صاخبون، حتى إلى درجة الحماقة. سلامة عقلي أنا، أيها النقاد، تصححهم، لكن سلامة عقلهم هي طفيلية على القدرات الإبداعية للعبقري.

لقاء باريس ريڤيو مع پول أوستر، بعنوان فن الخيال

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

بول أوستر، كاتب ومخرج أمريكي مولود في 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية. هنا نقدم لكم حوارًا صحفيًا معه، نُشر في مجلة (باريس ريفيو) الشهيرة، ونُشرت في خريف 2003 [المصدر].

في عام 1985، نُشر كتاب (City of Glass) – احد سلسلة القصص القصيرة الثلاثية الرائدة في نيويورك، من قبل دار Sun and Moon  في مدينة سانفرانسيسكو بعد أن رفضها سبعون ناشرًا في نيويورك، وتم نشر الاقصوصتين الأُخريتين (Ghosts) و (The Locked Room) في السنة التي تليها كان يبلغ (بول اوستر) الثامنة والثلاثون عامًا وبالرغم من كتاباته المنتظمة للتقييمات النقدية وترجماته ونَشر قصيدة النثر الخاص به (White Spaces) عام 1980، إلا أن الثلاثية شكلت الانطلاقة الفعلية لرحلته الادبية. 

كتب (أوستر) عن سنوات ماقبل النشر هذه في كتاب (Hand to Mouth: A Chronicle of Early Failure) عام 1997م. كان قد درس في جامعة كولمبيا في اواخر الستينات، ثم عمل على متن باخرة ناقلة للنفط لعدة اشهر قبل أن ينتقل إلى باريس حيث دبر قوت يومه بعمله مترجمًا، ثم أنشأ مجلة صغيرة تدعى (Little Hand) ودار نشر مستقلة تحمل نفس الاسم مع زوجته الأولى الكاتبة (ليديا دافيس). وفي عام 1972 نُشر أول كاتب يحمل مجموعة من ترجماته بعنوان (A Little Anthology of Surrealist Poems). عاد (أوستر) إلى نيويورك عام 1974 ، وحاول من بين مشاريع اخرى بيع بطاقة لعبة بيسبول قام باختراعها، كما قام بنشر أول قصيدة نثر له عام 1982 بعنوان (The Invention of Solitude) وهي عبارة عن مذكرات وتأملات في حياة والده والتي بدأ بكتابتها بعد فترة وجيزة من وفاته.

استمر (أوستر) بنشر كتاب سنويًا منذ السلسة الثلاثية: رواية (In the Country of Last Things) التي ظهرت عام 1987، ورواياته الاخرى بما فيهن (Moon Palace) عام 1989م، و(The Music of Chance) و(Leviathan) في عام 1992م، و (The Book of Illusions) عام 2002م. تم تكريم (أوستر) بميدالية الفنون التطبيقية والادآب من قبل الحكومة الفرنسية عام 1991 وترقيته لمنصب مسؤول عام 1997.

إن أعمال (أوستر) مميزة مابين روايات ومقالات وترجمات وقصائد ومسرحيات وأغاني وتعاونات مع فنانين، بمافيهم (صوفي كالي) و(سام ماسر) وقد كتب نصوص ثلاث مسرحيات: (Smoke) عام 1995م، و(Blue in the Face) عام 1995م، و(Lulu on the Bridge) عام 1998م، واللاتي تم اخراجهن بشكل ممتاز وروايته التاسعة (Oracle Night) والتي سيتم نشرها في عام 2003م.

بدأت المحادثة التالية في فصل الخريف السابق من خلال مقابلة مباشرة في Unterberg Poetry Center عند شارع رقم 92 في مدينة نيويورك، وتمت في فصل الصيف المنصرم خلال فترة مابعد الظهر بمنزل (أوستر) في مدينة بروكلين حيث يعيش مع زوجته الكاتبة (سيري هوستيفيد)، حيث قام المستضيف الكريم بالاعتذار عن تواجد العمال لتركيب جهاز التكييف المركزي، ومن ثم أخذنا في جولة قصيرة. كانت غرفة المعيشة مُزينة بلوحات صديقيه (سام مايسر) و(دايفيد ريد) وكانت في مقدمة البهو مجموعة من الصور العائلية ورفٍ كتب بطول جدار مكتبه في الدور الارضي، وبالطبع كانت على مكتبه الة الكتابة الشهيرة.


لنبدأ حديثنا عن اسلوبك في العمل، عن كيفية كتابتك.

لطالما كتبت بيدي، وغالبًا ما أستخدام قلم حبرٍ سائل، واحيانًا أستخدام قلم رصاص خصوصًا للتصحيح. ولو كان بإمكاني الكتابة مباشرةً بآلة الكاتبة او الحاسوب لفعلت لولا أن لوحة المفاتيح تُهيبني، لم أستطع يومًا التفكير بوضوح وأصابعي بتلك الوضعية. إن القلم آداة عتيقة، تشعر بالكلمات تتدفق من جسدك فتنقشهاعلى الورقة . لطالما كانت الكتابة ذات حس ملموس بالنسبة لي، إنها تجربة بدنية.

وتكتب في مُفكرة وليس في لوح كتابة او اوراق مخصصة لذلك.

بالفعل، أكتب في المُفكرة دائمًا ولدي نوع محدد من المُفكرات ذات الاوراق المربعة الصغيرة.

وماذا عن آلة الكاتبة الاولمبية؟ إننا نعرف القليل عنها بالفعل، فلقد نشرت كتاب رائع مع الرسام (سام ميسير) العام الماضي يدعى (The Story of My Typewriter).

أمتلكت هذه الالة منذ عام 1974، اي لأكثر من نصف حياتي. اشتريتها مستعملة من صديق لي في الجامعة وأشار إلى أن عمرها يبلغ الاربعين عامًا. إنها ألة دمنة من عصر أخر، لكنها في حال جيدة ولم تعطب قط. كل ماعلي فعله هو تغيير شرائطها بين فينة واخرى، لكني أخشى أن يأتي اليوم الذي لا أجد فيها الشرائط فأضطر لاستخدام الحاسوب والانضمام للقرن الواحد والعشرين.

قصة (بول أوستر) الرائعة في اليوم الذي خرج فيه لشراء آخر شريط للطابعة.

لقد حضرت نفسي وأعددت العتاد، اعتقد أن لدي مايقارب الستون او السبعون شريطة في غرفتي على الارجح أني سأتشبث بهذه الالة حتى النهاية صحيح أنها مُرهقة ومُكلفة، لكنها تبعدني عن الكسل.

كيف ذلك؟

إن آلة الكتابة تجبرني على البدء من جديد بمجرد أن أنتهي، ففي جهاز الحاسوب يمكنك أن تغير وتعدل على النص ومن ثم تطبع نسخة نظيفة، بينما لا يمكنك في ألة الكتابة الحصول على مخطوطة نظيفة.

حتى تبدأ من بداية الورقة. إنه اجراء مضجر بشكل غير معقول. أنهيت كتابك، وعليك الآن إمضاء عدة اسابيع مرتبطًا بعمل آلي بحت متعلق بنسخ ماقمت بكتابته بالفعل وهذا مضر لرقبتك وظهرك، وحتى إن كنت تستطيع كتابة عشرين او ثلاثين صفحة في اليوم فإنك تنهي الصفحات ببطئ ممض وفي هذه اللحظة بذات اتمنى دائمًا أن استخدم جهاز الحاسوب. مع ذلك، في كل مرة ادفع نفسي خلال هذه المرحلة النهائية من الكتاب استنتج انها خطوة اساسية؛ فالنسخ يتيح لي تجربة الكتاب من منظور اخر والغوص في اجواء القصة المسرودة وكيف تبدو بشكل تام وهي ما ادعوعها بـ “القراءة بأصابعي”. من المذهل عدد الاخطاء التي ستجدها اصابعك في حين غفلت عنها عينيك تمامًا مثل التكرار، والتركيب الركيك للجمل، والتناغم الضعيف، إنها لا تخيب مطلقًا. ما أن عتقد أني انهيت الكتاب، اكتشف المزيد من العمل لأنجازه عندما اقوم بنسخه.


لنعود الى المُفكرة للدقيقة. كان (كوين) في كتاب (City of Glass) يسجل ملاحظاته في مُفكرة حمراء، و(آنا بلوم) كاتبة كتاب (In the Country of Last Things) تؤلف خطابها في مُفكرة زرقاء، وفي كتاب (Mr. Vertigo) كان (واليت) يكتب سيرته الذاتية في ثلاثة عشر مجلدًا من دفاتر التعبير، وقام (ويلي جي كريسماس) بطل كتاب (Timbuktu)  بسحب كل أعماله لمدينة بالتيمور ليعطيها لمعلم اللغة الانجليزية في مدرسته الثانوية قبل مماته، والتي كانت مابين قصائد وقصص ومقالات ومذكرات وابيغرامات وتأملات ذاتية بالاضافة إلى أول ثمان مائة سطر من الملحمة المستمرة (Vagabond  Days)، وللمفكرة مكان ايضًا في اخر رواياتك (The Book of Illusions) و(Oracle Night) ودعنا لا نعلق على سلسلة قصصك الحقيقة في كتاب (The Red Notebook) مانحن فاعلين بهذا؟

اعتقد أنني أعتبر المُفكرة بيتًا للكلمات، مكان سري للافكار واختبار النفس. لست مهتمًا بنتيجة الكتابة وحدها، بل في آليتها وخطوة كتابة الكلمات على الورق ولا تسألني لماذا، ربما لذلك علاقة في بداياتي المرتبكة وتجاهل طبيعة الخيال. لطالما تساءلت بصفتي شخص يافع، من اين تأتي الكلمات؟ من قال هذا؟ إن وجود شخصية ثالثة قاصة للرواية في الروايات التقليدية لشيء غريب اعتدنا عليها الان، ولم نعد نستنكرها، لكن حين تتوقف للحظة ثم تفكر فيها قليلًا تجدها مريبة، خاصية روحية للصوت كما لوأنها تأتي من الامكان.. واجدها مربكة. لطالمت اُغرمت بالكتب المنغمسة في نفسها، التي تغرقك في اجواءها كما لو أن الكتاب يجرك الى عالمه، والبطل هو راوي القصة. تعتبر رواية (Wuthering Heights) مثال جيد لهذا النوع من الروايات، كذلك رواية (The Scarlet Letter) فبالرغم من أنها ذات طابع خيالي؛ إلا أنها تعطيك فحوًا ومصداقية ليست موجودة في القصص الاخرى. فهم يطرحون الاعمال على انها وهمية – رغم تجنب الكثير من الكتاب قول ذلك – وقبولك لنقطة ان العمل “وهمي” تعزز بشكل متناقض واقعية القصة، فالكلمات ليست منقوشة على حجر من قبل آلهة كتابة مرئي بل انعكاس مجهود شخص من لحم ودم وهذا امر فاتن جدًا. ويصبح القراء مشاركين في كشف القصة لا مجرد مشاهدين منفصلين عن فحوها.

 

متى اكشفت رغبتك بأن تكون كاتبًا ؟

بعد سنة من استيعابي لعجزي عن أن أكون لاعبًا في الدوري الممتاز للبيسبول. لربما كانت البيسبول اهم شيء في حياتي حتى بلغ عمري السادسة عشرة.

ما مدى مهارتك؟

يصعُب الجزم بذلك، لربما بلغت بطولات دوري الدرجة الثانية لو اني استمريت في اللعب. يمكنني الرمي بشكل ممتاز واعتراض الكرات بقوة، لكن لم اكن راكضًا سريعًا. كنت املك ساعد يدٍ قوي وردود فعل سريعة في موقعي على القاعدة الثالثة الذي لطالما لعبت فيه، لكن رمياتي كانت واسعة غالبًا.

أي شخص معتاد على اعمالك سيعرف انك من محبي البيسبول فهنالك مراجع للعبة البيسبول في كل كتاب من كتبك تقريبًا.

احببت اللعب، ولا زلت احب متابعة المباريات والتفكير فيها بطريقة غامضة، منحتني لعبة البيسبول فكرة عن العالم وفرصة لأكتشف من أكون. كنت عليلًا وانا طفل، اصبت بكل انواع الامراض الجسدية وقضيت وقتًا طويلًا قابعًا امام مكاتب الاطباء برفقة امي عوضًا عن التنزه واللعب في الهواء الطلق مع اصدقائي. لم اكن بصحة جيدة وقويًا كفاية للمشاركة في الالعاب الرياضية حتى بلغت الرابعة او الخامسة، وعندما فعلت رميت نفسي فيها بكل شغف كما لو أني اعوض الوقت الذي ضاع مني، علمتني البيسبول كيفية العيش مع اشخاصًا اخرين، وأن استوعب أنني قادرٌ على تحقيق شيءٍ ما اذا وضعته نصب عيني. وخلف هذه التجربة الشخصية البسيطة هنالك روعة اللعب نفسها فهي مصدر لذة لا متناهي.

الانتقال من لعب البيسبول الى الكتابة غير معتاد لأن الكتابة مشروع فردي.

 

كنت ألعب البسيبول في فصلي الربيع والصيف، واقرأ طوال السنة. انه هوس مبكر واشتد مع تقدمي في العمر فحسب. لا استطيع تخيل أي يشخص يصبح كاتبًا دون أن يكون قارئًا نهمًا مثل اليافعين. يستوعب القارئ الحقيقي أن الكتب عوالم بأنفسها، وان هذه العوالم اغنى واكثر اثارة من اي عالم قد نرتحل اليه، وهذا ما يجعل الرجال والنساء كُتاب حسبما اظن. انها السعادة التي يكتشفونها بالعيش في الكتب، صحيح أنك لم تعش ما يكفي لأن تكتب عنه حتى الان، لكن اللحظة تحين عندما تستوعب ان هذا ما ولدت لاجله.

ماذا عن بداية الهاماتك؟ من هم الكتاب الذين كنت تقرأ لهم في المرحلة الثانوية؟

اغلبهم امريكيون. المشتبه بهم عادةً هم: (فيتزجيرالد) و(هيمينغوي) و(فوكنز) و(دوس باسوس) و(سالينجر)، لكن بدأت في سنواتي الاولى استكشاف الاوروبيون غالبًا والروسيون والفرنسيون.

(تولستوي) و(دوستويفسكي) و(تورغينيف) و(كامو) و(اندريه جيد) بالاضافة لـ(جويس) و(توماس). (جويس) خصوصًا، كان مختلقًا عن البقية بالنسبة لي وانا في الثامنة عشرة.

هل كان له التأثير الاكبر عليك؟

أجل، لفترة ما. رغم أني حاولت تقليد اسلوب كل روائي قرأت له. وبالرغم من أن كل شيء يُلهمك في شبابك وتستمر في تغيير أفكارك كل عدة اشهر كتجربة قبعة جديدة. لاتملك اسلوبًا محددًا لكنك بشكلٍ غير واعٍ تحاكي الكُتاب الذين تحترمهم وتقدرهم.

لقد ذكرت بعض الكُتاب الذين الهموك في عملك خلال مسيرتك (ثيربانتس) و(ديكنز) و(كافكا) و(بيكيت) و(مونتين).

جميعهم في أعماقي. يقبع العشرات من الكُتاب في أعماقي، لكن لا أعتقد ان أعمالي تبدو أو تشير لأي شخصٍ آخر؛ فلست أكتب كتبهم بل أكتب كتبي الخاصة.

يبدو انك مولع بكُتاب القرن الثامن عشر الامريكيون حيث تظهر اسمائهم بتواتر مفاجئ في رواياتك: (إدغار بو) و(ملفيل) و(امرسون) و(ثورو) و(هاوثورن). (هاوثورن) بالذات، لقد استلهمت اسم (فانشو) وهو احدى الشخصيات في رواية (The Locked Room) من (هاوثورن)، وبدأت رواية (the Country of Last Things) باقتباس من (هاوثورن)، واقتبست جزء من قصة (هاوثورن)  المدعوة (Wakefield) ولجعلها ضمن سياق رواية (Ghosts)، وفي رواية (The Book of Illusions) مرة اخرى اقتبست اسم قصة (هاوثورن) (The Birthmark) لتجعلها عنوان حوار مهم بين (زيمير) و(إلما). ولنختمها، نشرت في شهر مايو مقالًا طويلًا عن (هاوثورن)، مقدمة من اجل كتاب (Twenty Days with Julian & Little Bunny by Papa) والذي نُشر من قبل New York Review Books. أيمكنك التعليق على هذا الاهتمام الراسخ بـ(هاوثورن)؟

انه اكثر من اشعر بالقرب منه من بين كل الكُتاب القدماء. الشخص الذي يتحدث إلي بعمق، هنالك شيء يتعلق بمخيلته وينسجم مع مخليتي. مازلت اعود إليه باستمرار ، وأتعلم منه باستمرار انه شخص لا يخشى الافكار، بالاضافة لكونه اخصائي نفسي وقارئ عميق للروح البشرية. كانت رواياته ثورية تمامًا، ولم يُشهد مثلها في أمريكا. اعلم ان (هيمنغوي) قال ان الادباء الامريكيون برزوا من بعد رواية (Huck Finn) ولكني لا اتفق معه. بدأ الامر من رواية (The Scarlet Letter). ولكن الامر اكثر من مجرد روايات وقصص (هاوثورن)، فأنا متعلق بمذكراته التي تحتوي على بعض أقوى واشهر نصوص نثره. لهذا حرصت على نشر (Twenty Days) في مجلد منفصل الذي كان متاحًا في The American Notebooks لسنوات عديدة، ولكن في الطبعة العلمية التي تكلف حوالي التسعين دولارًا والتي يتعنى قلة من الناس قراءتها.  تعتبر المذكرات التي احتفَظَ بها بخصوص رعايته لابنه ذو الخمسة اعوام لمدة ثلاثة أسابيع عام 1851 عمل قائم بذاته، بالاضافة لكونه عمل جذاب للغاية وممتعٌ جدًا بطريقته الفريدة. وهذا فيعطينا انطباع وصورة جديدة كليًا عن (هاوثورن). لم يكن ذاك الشخص الحزين والمُهذب كما اعتقده الناس او ليس أنه ليس كذلك فحسب، بل كان ابًا وزوجًا محب. كان رجلاً يحب السيجار الجيد وكأس أو كأسين من الويسكي، كان مرحًا وكريمًا وعطوفًا وخجولًا للغاية. نعم، كان شخصًا يتمتع بملذات العالم البسيطة.


لقد عملت في عدد من المجالات المختلفة لا القصائد والروايات فحسب، بل في النصوص ايضًا والسير الذاتية والنقد والترجمة هل تبدو انشطة مختلفة بالنسبة لك ام انها مترابطة بطريقة ما ؟

مترابطة اكثر من كونها منفصلة، لكن لكٍل منها اهمية مختلفة بالاضافة لانه يجب الاخذ بالاعتبار مسألة الوقت الذي اقضيه في التطوير الذاتي. لم اقم بممارسة الترجمة او كتابة النقد مذ سنوات مضت، لقد كانت شغلي الشاغل الدي استوعبني عندما كنت صغيراً ، تقريبًا من سن المراهقة المتأخرة وحتى أواخر العشرينات من عمري. وكلاهما كانا لأجل اكتشاف كُتاب آخرين، وأن اتعلم كيف أصبح كاتبًا. كان ذلك التدريبي المهني الخاص بي، اذا صح قول ذلك. وبالرغم من أني تلقيت بعض الطعنات من مزاولتي للترجمة والنقد منذ ذلك الحين، إلا أنه امر لا يستحق الذكر. كانت آخر قصيدة كتبتها عام 1979.

ما الذي حدث؟ لماذا استسلمت؟

ارتطمت بجدار. صببت تركيزي لمدة عشر سنوت على كتابة الشعر، ثم اكتشفت اني كنت ابرز نفسي فحسب واني عالق. كانت لحظة مظلمة ، ظننت ان امري انتهى ككاتب.

لقد مت كشاعر، لكنت في النهاية ولدت من جديد كروائي. كيف حدث ذلك برأيك؟

اعتقد انه حدث في اللحظة التي فهمت فيها انني لم اعد اهتم، عندما توقفت عن الاهتمام بإنشاء الادب. اعلم ان ذلك عجيب، لكن من تلك النقطة اصبحت الكتابة تجربة مختلفة بالنسبة لي ، وعدت اخيرًا من بعد حالة الركود التي دامت لعام تقريبًا. خرجت الكلمات على شكل نثر، وكل ما كان يهم هو قول ما يجب أن يقال دون النظر الى اتفاقيات ما قبل النشر او القلق حول كيفية ظهور النص. كان ذلك في أواخر السبعينيات ، واستمريت اعمل بهذه الروح منذ ذلك الحين.

اول كتاب نثر كان (The Invention of Solitude) والذي كتب بين عامي 1979 و 1981 وكان عملًا غير خيالي.  بعد ذلك اصدرت ثلاث رويات عرفت بـ(ثلاثية نيويورك) (City of Glass) و(Ghosts) و(The Locked Room) ايمكنك تحديد الفرق في الكتابة بين هذين النوعين ؟

إن الجهد المبذول واحد ، والحاجة لايجاد العبارات المناسبة هي نفسها، لكن العمل الخيالي يمنحك حرية اكبر ومرونة بعكس العمل الغير خيالي . وبالمقابل، قد تصبح تلك الحرية مرعبة نوعًا ما: ما التالي؟ كيف اتيقن أن العبارة التي سأكتبها لن تقودني لحافة الهاوية ؟ بينما تعرف  في كتابة السير الذاتية القصة بشكل متكامل ، وكل ما عليك الالتزام به هو قول الحقيقة . لكن هذا لا يجعل العمل سهلًا. في اقتباس الجزء الاول من رواية  (The Invention of Solitude) استخدمت عبارة (هيراقطيس) التي ترجمها (دافنبورت) بشكل غير تقليدي وانيق الى: “كن مستعدًا للامتوقع عند بحثك عن الحقيقة، لصعوبة ايجادها وغموضها حين ايجادها” وفي النهاية، الكتابة هي الكتابة. قد لا تكون (The Invention of Solitude) رواية لكني اعتقد انها تناولت نفس التساؤلات التي في رواياتي نوعًا ما، تعتبر اساس كل اعمالي.

وماذا عن كتابة النصوص؟ لقد شاركت في كتابة ثلاث افلام: (Smoke) و(Blue in the Face) و(Lulu on the Bridge) كيف تختلف كتابة النصوص عن كتابة الروايات ؟

تحتلف في كل شيء عدا عن امر حاسم متشابه وهو انك تحاول ان تقص قصة، لكن الوسائل المتاحة لك متباينة تمامًا. إن الروايات سرد ​​محض، تشبه سيناريوهات المسرح ، وكما هو الحال مع كل تأليف درامي فإن ما يهم هو كلمات الحوار. وبطبيعة الحال، روياتي لا تحتوي على الكثير من الحوارات، لذا كان علي تعلم اسلوب كتابة جديد حتى أستطيع التأليف من اجل فيلم ، وأن اتعلم كيف اضع الكلمات على لسان كائن حي. إن كتابة النصوص عمل مقيد بعكس كتابة الروايات ولذلك نقاط قوة وضعف، مايمكن فعله وما لا يمكن، التوقيت الزمني على سيبل المثال مختلف تمامًا بين الفلام والروايات. ففي الروايات يمكنك طي فترة طويلة من الزمن في عبارة واحدة  ” كنت أمشي كل صباح على مدار عشرين عامًا ، إلى كشك بيع الصحف واشتري نسخة منThe Daily Bugle ” لكن من المستحيل فعل ذلك في فيلم، يمكنك إظهاررجل ينزل للشارع لشراء صحيفة في يوم معين ، وليس يوميًا لمدة عشرين عامًا. فالافلام تأخذ مكانا في الحاضر، وحتى لو استخدمت تقنية شريط ذكريات الماضي سيظهر كتجسيد آخر للحاضر.

لطالما اعجبتني عبارة في كتاب (The Invention of Solitude)  تقول “القصص شكل من أشكال المعرفة” اعتقد انها فكرة مهمة فهنالك نوعً من المعرفة لا يأتي بالضرورة بشكلٍ صريح او على هيئة بيانات وشروحات بل على شكل قصص، وهذا يُذعرُني بصفتي المؤلف لـ(The Red Notebook)

اتفق، ارى هذه القصص كنوع من الـ ars poetica لكن دون نظرية او اي محتوى فلسفي. حدثت لي العديد من الامور الغريبة في حياتي والعديد من الاحداث الغير متوقعة والمستحيلة حتى انه لم يعد بإمكاني تمييز ماهو حقيقي. كل ماكان يمكنني فعله هو الحديث عن الالية التي يمشي عليها الواقع لأجمع دلائل عم يجري في العالم واحاول قدر استطاعتي تسجيلها بكل امنة. استخدمت هذا النهج في رواياتي.

انه ليس اسلوبًا بقدر كونه مبدأ: أن اروي الاحداث كما حدثت بالضبط، لا كيف يجب أن تحدث ولا بالطريقة التي نرغب أن تحدث بها. إن الروايات خيالية بالطبع، وبالتالي نكذب بكل ماتعنيه الكلمة، لكنكل روائي يحاول قول الحقيقة خلال هذه الكذبات . القصص القصيرة في The Red و Notebook present مجتمعة تقدم بيانًا لموقفي حول رؤيتي للعالم و حول انعدام التنبؤ بالتجربة. ليست هنالك أجواء خيالية فيهم، بل يستحيل ان تتوجد

عاهدت نفسك على قول الحقيقة وأنك ستقطع يمينك على ان تحنث هذا العهد. والجدير بالذكر أن النُكْتَة كانت النموذج الأدبي الذي وضعته في ذهني عندما كتبت تلك التحفظ. النكتة هي أنقى وأكثر أشكال الرواية أهمية. يجب ضرب حساب كل كلمة.

لابد أن اقوى قصة في ذلك الكتاب هي قصة The lightning . كنت تبلغ الرابعة عشرة عندما حدثت، خرجت أنت ومجموعة من الأولاد للتنزه في الغابة واستقبلتكم عاصفة رعدية رهيبة بشكل مفاجئ، اصيب الولد الذي كان بجانبك بصاعقة وتوفي. إذا كنا سنتحدث عن كيفية رؤيتك للعالم وكتابتك عنها ، فمن المؤكد أن هذه القصة ركيزة أساسية.

لا شك أن هذه الحادثة غيرت حياتي، كان الولد حيًا في لحظة وميتًا في اللحظة التي تليها. كنت على بعد بضع بوصات عنه ، كانت اول تجربة لي مع موت عشوائي وعدم استقرار مربك. تظن أنك تقف على ارضٍ صلبة فتنشق الارض من تحت قدميك وتختفي.


 

اخبرني عن مشروع National Story Project الذي قمت به مع الاذاعة الوطنية. حسبما فهمت أنهم اُعجبوا بصوتك وارادوا أن يستضيفوك على الهواء.

لابد أن للأمرعلاقة بكل السجائر التي كنت ادخنها طوال السنين. الصوت الأَجَشّ و انسداد الشعب الهوائية والقوة الهامدة، لقد شهدت النتيجة اثناء التسجيل. بدوت كحجرصنفرة يُفرك على سطح ورقة جافة.

 

كانت زوجتك سيري من اقترحت فكرة أن يرسل المستمعون قصصهم فتختار من بينها وتقرأه على الهواء ، قصص حقيقة من حياتهم.

اعتقدت انها فكرة رهيبة؛ فللاذاعة الوطنية ملايين المستمعين حول البلاد. شعرت انه اذا وصلتنا مشاركات كافية سنتمكن من انشاء معرض عن الواقع الامريكي. كان للناس كل الحرية في كتابة ما يشاؤون، امور كبيرة كانت ام صغيرة، هزلية ام مأساوية، والشرطان الوحيدان هما ان تكون المؤلفات واقعية وقصيرة لاتزيد عن الثلاث صفحات.

 

ولم قد ترغب في تحمل مثل هذا العمل الهائل ؟ ستنهي قراءة فوق الاربع الاف قصة في مدة قدرها سنة

اعتقد ان لدي عدة محفزات، اهمها هو الفضول. اردت أن اعرف ما اذا مر الناس بنفس التجارب التي خضتها أكنت غريب الاطوار أم أن الحياة كانت غريبة وغير مفهومة حقًا كما ظننتها؟  مع هذا الكم الهائل من الاحتمالات التي يمكن الاستفادة منها ، كان من الممكن أن يأخذ المشروع أبعاد تجربةٍ فلسفية.

 

وما كانت النتيجة؟

يسعدني القول أني لست الوحيد . الامر جنوني

 

وماكانت المحفزات الاخرى؟

قضيت معضم ايام شبابي قابعًا في الغرفة أقوم بتأليف الكتب، كنت سعيدًا بشكل مثالي، لكني اكتشفت متعة العمل مع الاخرين عندما اُقحمت في عالم الافلام وانا في منتصف التاسعة عشرة سنة. ولعل السبب يعود للعبي بشتى انواع الرياضات في صغري احب كوني جزء من فريق صغير، فريق ذو هدف يساهم كل فرد فيه بتحقيق هذا الهدف. هنالك فرق ضئيل جدًا بين الفوز في مباراة بيسبول واعداد فيلم ، ولعل هذا افضل ماوجدته في العمل على الافلام . احساس التكاتف والطرائف التي يخبرها بعضنا بعضًا والصداقات الي انشأتها . بحلول عام 1999 بلغت رحلتي الشيقة مع الافلام نهايتها وعدت بشكل كامل الى كتابة الروايات. اعتزلت الناس لمدت اسابيع واعتقد هذا ما دفع سيري لأن تبدي اقتراحها. ليس لمجرد كونها فكرة رهيبة، إنما للإعتقادها اني سوف أستمتع بالعمل في امر يشمل اشخاصًا اخرين وكانت محقة ، استمتعت جدًا.

 

هل استغرق ذلك الكثير من الوقت؟

ليس لدرجةٍ تعارض اعمالي الاخرى. كانت القصص تصل برتم بطيء ومنتظم طوال فترة تقديمي للبرنامج. لم يكن الامر بذلك السوء، يستغرق تجهيز البث يومًا الى يومين، وهذا لمرة واحدة فحسب في الشهر.\

 

اشعرت انك تقدم خدمة مجتمعية ؟

اعتقد اني فعلت بدرجة ما ، كانت فرصة لأنخرط في حرب العصابات ضد المسخ

 

المسخ؟

انها ” مجال صناعة الترفية ” كما دعاها الناقد روبرت هيوز ذات مرة . لا تقدم لنا وسائل الإعلام سوى المشاهير والقيل والقال والفضائح والطريقة المشوهة والمضطربة جدًا التي نصف بها أنفسنا على شاشات التلفاز والأفلام حتى أصبحت الحياة الواقعية منسية. ما حصلنا عليه هو الصدمات العنيفة والأوهام الهاربة الباهتة وكل ذلك جريًا خلف الاموال . إن الناس يُعاملون كبلهاء متخلفين لا

كبشرًا، بل مُستهلكين يتم التلاعب بهم ليرغبوا بأشياء لا يحتاجونها. سمه انتصار الرأس مالية او الاقتصاد الحر، سمه ماشئت فهو يحتوي على مقاعد معدودة لتقديم وطرح حياة الواقع الامريكي .

 

هل ظننت ان الاذاعة الوطنية قد تغير كل ذلك ؟

بالطبع لا، ولكني حاولت على الاقل شرخ هذا النظام من خلال اعطاء اشخاص عاديين فرصة لمشاركة قصصهم مع الجمهور، اردت ان اثبت انه لا مثيل للشخص العادي . جميعنا نعيش حياة مشحونة وتُحرقنا مشاعرنا الشرسة وعشنا تجارب لا تُنسى بشكل او بآخر.


احدى ابرز المميزات التي احتوتها روايتك الاولى City of Glass هي انك جسدت نفسك من خلال شخصيةٍ في القصة ، وليس انت فحسب، بل زوجتك وابنك ايضًا.  ذكرنا مسبقًا انك كتبت عدة سير ذاتية، لكن ماذا عن رواياتك؟ هل تعتمد على مواد السيرة الذاتية لكتابة رواياتك أيضًا؟

نوعًا ما ، لكن اقل بكثير مما تعتقد. تناولت كتاب Ghosts بعد كتاب City of Glass   بغض الطرف عن اعلاني بأن القصة بدأت في اليوم الثالث من شهر فبراير عام 1947 وهو يوم ميلادي، لم تحتوي القصة على اي أمر شخصي اخر. لكن كان هنالك بعض المواقف التي اقتبستها بشكل مباشر من حياتي الشخصية في كتابThe Locked Room   وهي شخصية آيفان وايشنغرسكي المؤلف الروسي الكهل وصديقه المفضل فانشاو الذي كان في باريس، انه شخصية حقيقة قابلته عندما كان يبلغ الثمانين من عمره وشهدت الكثير من حياته وانا في باريس بمطلع السبعينات، والجزء المتعلق بإعطاء آيفان الثلاجة لفانشاو حدثت لي بالفعل وبنفس الطريقة، الامر نفسه  ينطبق على المشهد التهريجي عندما قدم إفطار القبطان على ظهر ناقلة النفط وكفاحه للحفاظ على الاطباق في الصينية طوال سيره على الجسر رغم العاصفة التي بلغت سبعين ميلا في الساعة . كانت تلك المرة الوحيدة في حياتي التي شعرت فيها انني في احدى افلام بوستر كيتون . هناك ايضًا القصة المجنونة التي تروي حادثة العمل لمكتب الإحصاء الأمريكي في هارلم عام 1970. كانت احداث القصة اقتباسًا لتجربتي الشخصية بالحرف.

 

أتخبرنا انك فعلًا ابتكرت اشخاصًا وهميين ومنحتهم اسماءًا ثم قدمتها للحكومة الفدرالية؟

اعترف بذلك. آمل أن يكون قانون التقادم قد انقضى الآن وإلا سينتهي بي المطاف ملقًا في السجن لإجراء هذه المقابلة . يجب أن أذكر في دفاعي أن المشرف شجع هذه الممارسة لنفس السبب الذي أعطاه في الرواية ” لا دخان بلا نار، استخدم خيالك ياصديقي عمومًا، لانريد ان نغضب الحكومة أليس كذلك؟  “.

 

ماذا عن الرواية التي عقبت Trilogy ؟ أهنالك أي أسرار أخرى ترغب بمشاركتها معنا ؟

انا افكر . . لا يطرأ في بالي شي من رواية  The Music of Chance كذلك In the Country of  Last Things و Mr. Vertigo ايضًا ، هنالك امران بسيطان في رواية Leviathan وامر اخر مسلي في Timbuktu التي كانت عن كلب الكتابة. جسدت نفسي في هذا الكتاب بصفتي نستر أو أومستر زميلة ويلي السابقة في الكلية ( عجز السيد بونز عن تذكر الاسم بالكامل ) وبالفعل ذهبت إلى إيطالياعندما كنت ابلغ السابعة عشرة لزيارة خالتي التي كانت تعيش هناك منذ أكثر من عقد، وحدث أن إحدى صديقاتها هي إليزابيث مان بورغيزي ابنة توماس مان التي كانت عالمة مشاركة في دراسة للحيوانات، ودُعينا في أحد الأيام إلى منزلها لتناول طعام الغداء ، وتعرفت على كلبها “أولس” ، وهو احد كلاب الساطر الإنجليزية الضخمة وتم تعليمه كيفية كتابة اسمه على آلة كاتبة مخصوصة مستخدمًا انفه. رأيت ذلك بأم عيني لقد كانت واحدة من أكثر الأشياء الغير معقولة والاستثنائية التي شاهدتها على الإطلاق.

 

كانت الاحرف البادئة لأسم الراوي في كتاب Leviathan مأخوذة من اسمك ، بيتر ارون وهو متزوج من امرأة تدعى آريس وهو اسم زوجتك معكوسًا

بالفعل، لكن بيتر ليس متزوجًا بآريس بل من بطلة رواية سيري الأولى The Blindfold

 

علاقة حب خيالية

بالضبط.

 

لم تتطرق لرواية Moon Palace. إنها تبدو سيرة ذاتية اكثر من كونها رواية ، كما أن شخصية فوغ بعمرك تمامًا وذهب الى كولومبيا كما فعلت بالضبط.

فعلًا. أعلم أن الكتاب يبدو شخصيًا للغاية ، لكن لا شيء تقريبًا مبني على حياتي الخاصة. لا يطرأ علي سوى امرين، الأول يتعلق بأبي وأراه كنوع من الانتقام بعد وفاته وطريقة لتسوية الامور نيابة عنه.

كان تسلا شخصية ثانوية في الرواية ، وخصصت عدة صفحات للجدل حول AC-DC الذي اندلع بين إديسون وتيسلا عام 1890 حيث قام آفينغ – وهو العجوز الذي يروي قصة –  بممارسة كل انواع الإساءة على إديسون ، واتضح أنه عندما تخرج والدي من المدرسة الثانوية عام 1929 تم تعيينه من قبل إديسون للعمل كمساعد في المختبر في Menlo Park  . كان والدي موهوبًا جدًا في الالكترونيات ، لكن بعد أسبوعين من العمل اكتشف إديسون أنه يهودي فطرده. لم يخترع الرجل الكرسي الكهربائي فحسب ، بل كان شنيعًا معاديا للسامية واردت التطرق له والعودة من اجل والدي لأسدد ديني.

 

وماهو الامر الاخر ؟

انه الليلة التي اعطي فيها إيفينج الأموال للغرباء في الشارع . استلهمت ذلك المشهد مباشرة من أمر حدث لي عام 1969 وهو لقائي مع هيرولد هيومز المعروف باسم دوك هيومز والذي كان أحد مؤسسي منصة The Paris Review  . لقد كان عملًا ضخمًا، لا اعتقد أني كنت سأستطيع تأليفه وحدي.

 

لقد كتبت بعض الصفحات التي لا تنسى عن دوك هيومز في كتاب Hand to Mouth ، وهي احدى مقالات سيرتك الذاتية ايضًا. يتمحور معضم الكتاب حول صراعاتك عندما كنت شابًا لتبقى عصاميًا وهذا يحتمل العنوان الفرعي الفضولي ” A Chronicle of Early Failure “. ما الذي دعاك للأخذ بهذا العنوان؟

 

لطالما رغبت في كتابة شيء عن المال، ليس التمويل او التجارة إنما تجربة عدم امتلاك اموال كافية- تجربة الفقر. لقد فكرت بهذا المشروع لعدة سنوات ولطالما بدا عنوان عملي “Essay on Want ” لوكيًا تمامًا، ومتشبعًا بطابع الثمانينات وحادًا جدًا. كنت اخطط لكتابة عمل فلسفي جاد، ولكن انقلبت الاوضاع عندما بدأت واصبح الكتاب يقص مشكلتي الشخصية المتعلقة بالتعامل مع الاموال. وبغض النظر عن كونه موضوعًا كئيبًا، كانت روح الكاتب هزلية بشكل كبير. مع ذلك، لم يكن العمل عن نفسي فحسب انما اعتبرته فرصة للكتابة عن بعض الشخصيات المشرقة التي قابلتها في صغري كرد دين لهم. لم ارغب يومًا في العمل المكتبي او التمسك بعمل مستقر وثابت ، بل إني اراها فكرة كريهة. انجذبت لنوع مختلف من الاعمال، وهذا منحني فرصة لقضاء الوقت مع اشخاص لا يشبهوني، اشخاص لم يلتحقوا بالجامعات ولم يقرأوا الكثير من الكتب. إننا نميل إلى الاستخفاف بذكاء الطبقة العاملة في هذه البلاد، ولكني وجدت من تجربتي الشخصية أن معظمهم اذكياء بقدر الذين يديرون العالم عدا انهم ليسوا تواقين بقدرهم وهذا كل مافي الامر، وبالمقابل حديثهم اكثر متعة. عانيت اينما ذهبت حتى أنساق معهم ، قضيت الكثير من الوقت وأنفي مدفون في الكتب و معظم زملائي في العمل يتحدثون من حولي.


من هو ملهمك لشخصية هيكتور مان الكوميدي الصامت في فيلم The Book of Illusions؟

لقد ظهر في عقلي قبل حوالي العشر او الاثنا عشر سنة، وتجولت معه لوقت طويل قبل أن ابدأ بتأليف الكتاب. لكن شخصية هيكتور كانت مكتوبة بشكل تام منذ البداية، ليس اسمه فحسب وكونه ولد في الارجنتين، بل حتى البدلة البيضاء والشارب الاسود والوجه الحسن – كل تلك التفاصيل كانت موجودة.

 

لقد ابتكرته من الامكان، لكن عندما قرأنا وصفك لمواقفه الطريفة لم نستطع تصديق انه ليس نجمًا حقيقيًا.

بدا وكأنه اقتحم عالم الافلام التاريخية.  ألديك فكرة من او ماذا الهمك؟

لست متأكدًا. جسديًا، يحمل هيكتور مان تشابهًا قويًا مع مارسيلو ماستروياني في فيلم Divorce, Italian Style وهو فيلم من أوائل الستينيات. قد يكون الشارب والبدلة البيضاء إلهامًا من هذا الفيلم ، رغم أنني لست متأكدًا. يتشارك هيكتور بعض الخصائص مع ماكس ليندر – وهو من اوائل الكومديين الصامتين الفذين – ولربما كان لريمون قريفيث لمسة ايضًا . لكن معضم افلام قريفيث ضاعت مما جعله شخصية غامضة نوعًا ما . ورغم أنه لعب دورًا متألقًا كما فعل هيكتور وكان له شارب ايضًا إلا أن اداء هيكتور كان ادق و اكثر تجسيدًا فنيًا من قريفيث.

 

لقد كانت تفاصيل الافلام معبرة عن الكلمات تمامًا ، كيف اعتنيت بكتابة هذه العروض؟

إنها تتعلق بتحقيق التوازن الصحيح. يجب أن تكون جميع البيانات البصرية موجودة – التفاصيل المادية للعمل – حتى يتمكن القارئ من “رؤية” ما كان يحدث ، وفي الوقت نفسه كان على النثر أن يتحرك بخطى سريعة لمحاكاة تجربة مشاهدة فيلم الذي يعرض لك أربعة وعشرين لقطة في الثانية الواحدة . وقد تعيقك الكثير من التفاصيل، واحساس بعدم الاكتفاء، والعجز عن الؤية. احتجت لمراجعة هذه الصفحات مرارًا قبل أن اشعر أني انجزتها بشكل صحيح.

 

تعد أفلام هيكتور عنصرًا مهمًا في  الرواية. وبالرغم من أن ديفيد زيمر هو الشخصية الرئيسية ، إلا إنه بمجرد أن بدأت الرواية قُتلت زوجته وولديه في حادث تحطم طائرة. اتضح أننا بالفعل  نعرف ديفيد زيمر من أحد أعمالك السابقة فهو صديق ماركو فوج من رواية Moon Palace . وعرفنا ايضًا من ذلك الكتاب أنه الشخص الذي تلقى خطاب آنا بلوم والذي شكّل في الواقع كامل فحو روايتك السابقة In the  Country of Last Things ولم يرد ذكر فوغ في كتاب The Book of Illusions، ولكن أُشير اليه بسرية بإسم ماركو ابن زيمر الثاني Zimmer’s second son, Marco .

عرفت زيمر منذ وقت طويل لكنه كبر بالعمر اللآن ، وحدثت الكثير من الامور مذ اخرة مرة رأيناه.

 

يروي كتاب The Book of Illusions قصة معقدة للغاية ، ولكنها تعبر في صميمها عن استكشاف الاسى.. كيف نواصل العيش بعد خسارة كارثية ؟ كيف نحيي أنفسنا بعد وفاة شخص نحبه؟ من مَنْظُور مختلف تمامًا، كان هذا هو الشغل الشاغل لشخصية تيمبوكتو، أليس كذلك؟ أو دعني اصيغها بطريقة اخرى، هل تعتقد أنه كان بإمكانك كتابة احدى هذه الكتب قبل عشرة أو خمسة عشر عامًا؟

اشك في ذلك فأنا الآن في الخمسينيات من عمري، والأمور تختلف كلما تقدمت في العمر. مضت الحياة، وتخبرك الحسابات البسيطة أنك اجتزت اضعاف ما بقي لك من السنين – اضعاف مضاعفة . يبدأ جسمك في الانهيار ، وتجتاحك الألآم في مختلف انحاء جسمك بشكل لم تعهده من قبل ، ويموتون احبابك واحدًا تلو الاخر. نصبح مسكونين بالأشباح بحلول عمرالخمسين ويعيش الموتى في اعماقنا فنقضي اوقاتنا نتحدث اليهم كما نتحدث للاحياء. من الصعب على شخص يافع فهم هذا. هذا لا يعني أن من يبلغ الـ 20 عامًا لا يعلم أنه سيموت، لكن فقدان الآخرين يؤثر بشدة على كبار السن – ولا يمكنك التيقن مما ستحدثه هذه الخسائر حتى تواجهها بنفسك. فالحياة قصيرة وهشة جدًا وشديدو الغاموض. في الاخير ، كم يبلغ عدد من نحبهم فعلًا طوال حياتنا ؟ القليل فقط ، القليل جدًا وعندما يتوفى معظمهم ، تتغير خريطة عالمك. وكما قال لي صديقي جورج أوبن ذات مرة عن الكبر: يا له من شيء غريب أن يحدث لصبي صغير.

 

لقد اقتبست هذا السطر في كتابك The Invention of Solitude

انه افضل اقتباس سمعته في حياتي عن الهرم.

 

في كتاب Leviathan قال راوي القصة: ” لا يمكن لأحد أن يجزم من أين تُستلهم الكتاب ، ولا حتى مؤلفة

فالكتب تُولد بدافع الجهل ، وإذا حَيت بعد كتابتها فهي تحيى بالقدر الذي لا يمكن فهمها فحسب ”  لأي درجة تؤمن بذلك ؟

صحيح أنني اتحدث مباشرة من خلال شخصيات كتبي. قد يشبهونني في بعض الأحيان ، أو يستعيرون جوانب من حياتي ، لكنني أميل إلى التفكير فيهم ككائنات مستقلة ذاتيا ، بآرائهم الخاصة وطرقهم الفريدة في التعبير عن أنفسهم  عدا انه في هذه الحالة رأي آرون يطابق رأيي.

 

عندما تشرع في كتابة رواية ، ما مدى يقينك بما تفعله ؟ أتعمل بناءًا على خطة ؟ هل تعرف الحبكة مسبقًا ؟

بدأ كل كتاب كتبته بما أسميه ازيز في الرأس. نوع من الموسيقى او اللحن او الايقاع، ومعظم الجهد المبذول في كتابة الرواية بالنسبة لي هو في محاولة أن أظل وفيًا لذلك الازيز والإيقاع. انه عمل حسي للغاية لا يمكنك تبريره أو الدفاع عنه بطريقة عقلانية ، لكنك تعي تمامًا لحظة ضربك للحن خاطئ ، وعادة ما تكون متأكدًا تمامًا عندما تضرب اللحن المناسب.

 

هل تقفز بين فصول القصة وانت تكتب ؟

لا، يبدأ كل كتاب بجملة استفتاحية وانطلق منها حتى اصل لاخر جملة بتسلسل . كل فقرة على حدة. يكون لدي إحساس بمسار القصة – وغالبًا ما املك أول واخر جملة  قبل أن أبدأ – لكن الامور تستمر في التغير اثناء سردي. لم يسبق أن نشرت كتابًا وانهيته بالشكل التي ظننته سيكون عليه. تختفي احداث وشخصيات وتظهر اخرى، أي ان الكتب تبنى اثناء عملية كتابتها وتأليفها وهذه هي مغامرة العمل. سيكون الامر مثيرًا لو أمكنك تخطيط كل شيء مسبقًا.

 

مع ذلك تبدو كتبك دائمًا ممنهجة ومنظمة نوعاً ما ، بل انها احدى الامور التي تُقدر عليها.

مر كتاب The Book of Illusions بعدة تحولات جذرية طوال مسيرته وكنت اعيد تدبر أفكاري بخصوص القصة وصولاً إلى الصفحات الأخيرة. كما اني تصورت كتاب Timbuktu في البداية ككتاب أطول بكثير. كان من المفترض أن يكون لشخصيتي ويلي والسيد بونزأدوار بسيطة ، ولكن بمجرد أن بدأت كتابة الفصل الأول وقعت في حبهما وقررت إلغاء خطتي وتحول المشروع إلى كتاب غنائي قصير عنهما وبالكاد يحتوي أي حكبة . اما بالنسبة لكتاب Mr. Vertigo، ظننت أني أكتب قصة قصيرة تتكون من ثلاثين أو أربعين صفحة ، لكنه تحول لامر يحتاج لحياة بطولها. لطالما بدت الكتابة هكذا بالنسبة لي أخطو ببطء في طريقي للوعي.

 

هلاّ عدنا لقولك ” كل فقرة على حدة ” ؟

يبدو أن الفقرة الكتابية هي وحدة الانشاء الخاصة بي .  فالسطر هو وحدة قصيدة ، وتقدم الفقرة نفس الغرض في النثر – بالنسبة لي على الأقل –  أستمر في العمل على الفقرة إلى أن أرضى عنها بشكل معقول، اكتب وأعيد الكتابة حتى احصل على التركيب المناسب، والتوازن المناسب ، والموسيقى المناسبة – فتبدو جلية وواضحة دون مجهود ، و”غير مكتوبة”. قد تستغرق هذه الفقرة يومًا لإكمالها أو نصف يوم أو ساعة أو ثلاثة أيام . وما أن انهيها اقوم بطباعتها لألقي نظرة افضل عليها. لذلك لكل كتاب مخطوطة يدوية ومخطوطة مطبوعة لاحقة بالطبع ، ليتنى لي مهاجة الصفحة المكتوبة وأجراء المزيد من المراجعات.

 

وشيئا فشيئا ، تتصاعد الصفحات

أجل ،  ببطئ

 

هل تعرض عملك على اي شخص قبل انهائه ؟

سيري. أنها قارئتي الاولى واثق تمام الثقة في حكمها على رواياتي، أقرأ لها منها شهريًا او كلما انهيت مجموعة جديدة من عشرين أو ثلاثين صفحة. تساعدني القراءة بصوت عالٍ في تحكيم الكتاب ومعرفة أين أخطأت أو فشلت في التعبيرعما كنت أحاول قوله ، حينها تبوح سيري بتعليقاتها. لقد كانت تفعل ذلك منذ اثنا وعشرين عامًا ، وكل ما قالته كان ذكيًا وفطنًا دائمًا. لا استطيع تذكر مرة لم أتبع نصائحها فيها؟

 

وهل تقرأ انت اعمالها ؟

اجل ، احاول ان امنحها ما تقدمه لي . يحتاج كل كاتب إلى قارئ موثوق – شخص يتعاطف مع ما تفعله ويريد أن يكون العمل ممتازا قدر الإمكان – لكن عليك أن تكون صادقًا ، هذا هو الشرط الأساسي. لا أكاذيب ، لا تربيت ظهر زائف ، ولا مدح لشيء لا تعتقد أنه يستحق.

 

لقد اهديت رواية  Leviathan لدون ديليلو عام 1992 وبعد 11 سنة ، اهدى هو رواية Cosmopolis لك . من الواضح أنكما تملكان صداقة طويلة وتحترمان اعمال بعضكما البعض. لمن تقرأ من الروائيين المعاصرون هذه الأيام؟

عدد لا بأس به، غالبًا اكثر مما يمكنني عده. بيتر كاري ، راسل بانكس ، فيليب روث ، إي. إل. دوكتورو ، تشارلز باكستر ، جي إم كويتزي ، ديفيد جروسمان ، أورهان باموق ، سلمان رشدي ، مايكل أونداتجي ، سيري هوستفيدت . . هذا مابدر الى ذهني حاليًا ، لكن إذا سألتني نفس السؤال غداً ، فمن المؤكد أنني سأقدم لك قائمة مختلفة. وعلى عكس ما يريده الكثير من الناس تصديقه ، فإن الروايات في حالة جيدة هذه الأيام، بصحة وقوة كما كانت من قبل. إنها عُرف لا ينضب ، وبغض النظر عما يقوله المتشائمون فهي لن تموت أبدًا؟

 

مالذي يجعلك واثقًا من ذلك ؟

لأن الرواية هي المكان الوحيد في العالم الذي يمكن أن يلتقي فيهما غريبان على أسس العلاقة الحميمة المطلقة. يُنشئ الكاتب والقرأء الكتاب معًا ولا يمكن لفن اخر القيام بذلك. لا يمكن لأي فن آخر التقاط جوهر الحياة البشرية الأساسية.

 

ستنشر روايتك الجديدة  Oracle Night في نهاية العام، أي بعد خمسة عشر شهراً فقط من نشر كتاب The Book of Illusions . لطالما كنت دائمًا خصب الإنتاج ، لكن هذا يبدو قياسيًا نوعًا ما.

في الواقع ، بدأت في كتابة Oracle Night قبل The Book of Illusions  . كتبت العشرين صفحة الأولى أو نحو ذلك ، ثم توقفت لاني لم أستوعب ما كنت أفعله تمامًا . استغرق كتاب The Book of Illusions حوالي الثلاث سنوات لكتابته ، وخلال ذلك الوقت واصلت التفكير في Oracle Night  وعندما عدت إليها أخيرًا انجزتها بسرعة مذهلة . شعرت كما لو كنت أكتب في نشوة.

 

وهل كانت الرحلة سلسة طوال الطريق ، أم واجهتك بعض صعوبات ؟

ليس تمامًا، حتى وصلت للنهاية وهي نحو آخر عشرون صفحة . كنت املك نهاية مختلفة عندما بدأت الكتابة ، لكني لم اُسعد بالنهاية عندما أنهيت الكتاب كما خططت له . كان وحشي للغاية ، و مُهَيّج لدرجة قوضت لهجة الكتاب. لقد علقت لعدة أسابيع بعدها. ولفترة من الوقت ظننت أنني سأضطر إلى ترك الكتاب دون اكماله تماما مثل قصة سيدني في الرواية. بدا الأمر وكأنني وقعت تحت وطأة مشروعي وعشت في نفس النضالات التي واجهها بطلي،  لحسن الحظ صابني الالهام أخيرًا وتمكنت من كتابة اخر عشرين صفحة.

 

مذ لحظة ، استخدمت كلمة العلاقة الحميمة، وهذا اول ما يبادر الذهن فيما يتعلق بهذا الكتاب. إنها رواية حميمة بشكل عميق وربما من أكثر الأعمال التي تعلقت بها على الإطلاق.

إنني اعتبرها مثل الـ chamber piece ، عدد قليل جدًا من الشخصيات وكل الأحداث تدور في حلقة زمنية تبلغ أسبوعين فحسب. عمل معقد جدًا ومنطو على نفسه، جزء ضئيل من اجزاء متشابكة.

 

هنالك العديد من العناصر التي سبق وأن استخدمتها مثل الحواشي .

بالكاد كانت الفكرة اساسية بالطبع ، لكني شعرت انها مهمة لهذه القصة بالذات. يقتصر النص الرئيسي على الحاضر ، الأحداث التي تحدث خلال هذين الأسبوعين ، ولا أريد مقاطعة تدفق السرد في حين تستخدم الحواشي للحديث عن امور حدثت في الماضي.

 

لقد استخدمت الرسومات في كتابين سابقين: الخرائط في كتاب City of Glass والرسم البياني في كتاب Mr. Vertigo  لكن في كتاب Oracle Night كان هناك صورتان – لكتاب دليل وارسو لارقام الهواتف 1937-1938 وكان شادًا للغاية وفعال. كيف حصلت على دفتر الهاتف وما الذي جعلك تقرر تضمين هذه الصور؟

ذهبت إلى وارسو عام 1998 لأول مرة، فقدمها لي ناشر بولندي كهدية. كان هناك شخص يدعى أوستر في ذلك الكتاب – ولا شك أنه قتل على يد النازيين بعد بضع سنوات – وبالطريقة نفسها وجد سيدني ، الراوي لـ Oracle Night شخصًا قد يكون قريبًا له، احتجت للصور حتى اثبت أن الكتاب موجود فعليًا – ولم اكن ادعي الامر. الرواية بأكملها مشبعة بالإشارات إلى تاريخ القرن العشرين الحرب العالمية الثانية والمحرقة ، الحرب العالمية الأولى ، الثورة الثقافية الصينية ، اغتيال كينيدي. إنه كتاب عن الزمن بعد كل شيء ، وهو زائل بقدر هذه الاشارات، فهي جزءٌ أساسيٌ من القصة.

 

تعتبر Oracle Night روايتك الحادية عشرة مع مرور السنوات ، هل اصبحت كتابة الروايات الخيالية اسهل بالنسبة لك ؟

لا، لا اعتقد ذلك. فكل كتاب هو كتاب جديد لم يسبق لي كتابته ، وعلي أن أتعلم كيفية كتابته وانا امضي قدمًا. حقيقة أني ألفت العديد من الكتب في الماضي لا تلعب أي دور بذلك. أشعر دائمًا أنني مبتدئ وأواجه نفس الصعوبات ونفس الحواجز ونفس اليأس وارتكب الكثير من الأخطاء ككاتب ، واشطب العديد من الجمل والأفكار السيئة واتجاهل الكثير من الصفحات الفارغة ، ليكون كل ما تعلمته في الاخير هو مدى غبائي. إنه احتلال متواضع.

 

من الصعب أن تتخيل أن روايتك الأولى City of Glass  تم رفضها من قبل سبعة عشر ناشراً أمريكياً والآن ، بعد عشرين عامًا ، تمت ترجمة كتبك إلى أكثر من ثلاثين لغة. هل توقفت يومًا عن التفكير في مهنتك الغريبة: كل هذا العمل الشاق والصبر والنجاح أيضًا؟

أحاول أن لا افعل يصعب علي رؤية نفسي من منظور خارجي فببساطة أنا لا املك المهارة العقلية لفعل ذلك او على الاقل في مجال عملي، بل على الاخرين الحكم على مافعلت. ولا اعدكم أن املك اجابة لهذا السؤال. اتمنى لو بإستطاعتي ذلك، لكني لم اتقن مهارة أن اكون بمكانين في آن واحد.