خلاصات هذا القسم

الأرشيف | المعرفة والفكر الفلسفي

ما هي الفلسفة الملهمة التي يمكن أن نحيا بها اليوم؟ وكيف يمكن للمعرفة أن تلهمنا وتحسن من حياتنا اليومية؟

كيف نكبر؟ برتراند راسل نحو الحياة الهنيئة

“اجعل اهتماماتك أوسع فأوسع وأكثر موضوعية، حتى تتقلص جدران الأنا، حتى تندمج حياتك في الحياة الكونية”

كتب ذات مرة الكاتب (هنري ميلر)، واصفًا الطريق نحو حياة هنيئة، وهو يشارف على الثمانين من عمره قائلًا “إذا كان بمقدورك أن تقع في الحب مرة تلو والمرة، وأن تصفح عن الزلات وتنساها، وأن تمتنع عن الكآبة والتشاؤم والحقد… فقد قطعت نصف الطريق”

وقبل ذلك بسبع سنوات، أمعن الفيلسوف والمؤرخ وعالم الرياضيات البريطاني الكبير (برتراند راسل) التفكير في السؤال نفسه وفي المرحلة العمرية نفسها في مقال رائع كتبه في عمر الواحد والثمانين بعنوان ” كيف تكبر” ونشر في كتاب Portraits from Memory and Other Essays .

وقد وضع (راسل)، على رأس متطلبات الحياة الهنيئة، التخلص من الأنا الذاتية فكتب:

اجعل اهتماماتك أوسع فأوسع وأكثر موضوعية، حتى تتقلص جدران الأنا، حتى تندمج حياتك في الحياة الكونية. ينبغي أن يكون الإنسان كالنهر، صغير في بدايته، بالكاد تحتويه ضفتيه، ويجري بحماسة بجانب الصخور وعلى الشلالات. رويداً رويداً يتسع النهار، وتتقلص ضفافه، فتجري المياه بهدوء أكثر، وفي النهاية يندمج مع البحر، فيتخلص بسهولة من ذاته.

ويمضي (راسل) فيستشهد بالعالمين (سيجموند فرويد) و(تشارلز داروين)، اللذان يريا الموت كعامل منظمٍ للحياة الحديثة، فيختتم قائلًا:

إن الرجل الذي يرى حياته من هذا المنظور حين يبلغ الشيخوخة، لن يخشى الموت، إذ أن الأمور التي يهتم بها ستستمر. وإذا زاد التعب، مع انقضاء العافية، فإن فكرة الموت لن تؤرقه. أتمنى أن أموت وأن أعمل، علماً مني أن غيري سيكمل ما لم أعد أستطيع إكماله وسأقنع أن ما كان بالإمكان قد كان. 


[المصدر]

ترجمة: عبدالرحمن نصر الدين. 
مراجعة أحمد بادغيش

لوك فيري يبحث في معنى السعادة والإرادة الحرة

نتيجة بحث الصور عن لوك فيري

في بحث الإنسان عن معنى الحياة وسعيه لإدراك النفس البشرية تتطور الاسئلة حول الشعور بالسعادة في مساعي من المُفكرين والفلاسفة لالتقاط هذا الشعور وإيجاد سُبل تحقيقه. وهذه الرفاهية الذهنية تتجاوز كافة الكائنات الحية فالحيوانات سعيدة باتباعها غرائزها الأساسية والتي تدفعها للشعور بالأمان والطمأنينة، بخلاف الإنسان فتلك التلقائية بعيدة عنه، وكما يقول (كانط): “لو أرادت العناية الإلهية لنا السعادة لما منحتنا الذكاء”.

نتيجة بحث الصور عن لوك فيري مفارقات السعادة

(لوك فيري) -وهو فيلسوف فرنسي مُعاصر- يبحث في كتابه (مفارقات السعادة)، ويقارن ويقارب بين مختلف أقوال الفلاسفة والكتّاب في شأن السعادة. فالسعادة هدف متقلب وأيضًا هش. فبقدر ما أنه شعور فردي إلا أنه لا يرتبط بالفرد وحدة، بعيدًا عن البيئة المحيطة والآخرين. ويفنّد قول أن السعادة تنبع من الداخل فقط وأنه ليس ثمه سعادة في مجتمع تعس. 

نلاحظ أولاً أن السعادة مؤقتة وهشّة في الوقت ذاته، لأنه وبعيدًا عن أن السعادة تتوقف على اشتغالنا على أنفسنا وعلى انسجامنا الداخلي المفترض، هي ترتبط بشكل وثيق، على الأقل لو لم نكن متمركزين حول ذواتنا، بموقف الآخرين وخاصة بالظروف التي يحيا فيها مَن نحبّهم، وعلى حالة العالم الخارجي كذلك. وبالنسبة لغير المؤمن تتقيّد السعادة بالضرورة بحقيقة فناء البشر، وبالحقيقة التي لا مجال لإنكارها بشأن حتمية الانفصال والموت. فمهما فعلنا، سننفصل في يوم أو آخر عمن نعزّهم، وعن كلّ ما تعلقّنا به، والتوصية لأجل تجنّب مثل هذا التمزق بعدم الارتباط بأيّ شيء وتطبيق فكرة”عدم التعلق” تشبة إلقاء أنفسنا في الماء كي نتجنب المطر. وليس المقصود نفي الفضائل المحتملة لـ”الاشتغال على الذات”، وللقيام بتحليل ما، ولفهم أفضل للنفس وللعالم عبر الفلسفة والعلوم والأدب والفن، فمن المحتمل جدًا بل حتى من المؤكّد أنّ ذلك ينتج فهما ووعيًا أكثر بالذات، ويُفضي إلى حالة من الصفاء، ولكن هل بوسعه أن يحقق السعادة؟ أشكّ كثيرًا.

ويقول أيضًا أن السعادة ليست بعيدة المنال لكنها متعلقه برغباتنا المتناقضة والمتغيّرة، فلا يمكن -في كل الأحوال- الاتفاق على تعريفها بطريقة مُرضية دائمًا. وقد ذكر أبرز سبع نشاطات يجد الناس السعادة من خلالها ويبحثها في ضوء خطابات متعددة وهي أن تُحب، وأن تعجب بشيء ما -الدهشة، وأن تتحرر، وأن يتسع أفقك، وأن تتعلم وتبدع، وأن تعمل.

وفي تفكيكه لـ”الإرادة الحرة” والتي لا تنافي القَدر بل هي ما يفعله الفرد بالهبات والإمكانيات التي حازها منذ بداية وجوده، يذكر هنا في تعبير لما قاله (كانط) في تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق

سيستحيل علينا تقريبًا التفكير في الهبات والمواهب الطبيعية بوصفها تحمل في ذاتها قيمة أخلاقية ما، كما لو أنّ حقيقة كونك ذكيًا، أو ضخمًا، أو قويًا، أو جميلًا، أو ماهرًا في ما يخص النشاطات الجسدية أو حتى الذهنية تمثل في حد ذاتها فضيلة، بغض النظر عن قدرة هذه الصفات على إغوائنا أحيانًا على مستوى لا يرتبط بالأخلاق، مثل الأنشطة الرياضية والعلوم والفنون على سبيل المثال. بالنسبة لنا، نحن الجمهوريين المحدثين بموقفنا النقدي من الأخلاق الأرستقراطية، لا علاقة لهذا الإغواء بالأخلاق لأنه يرتبط بمجالات أخرى. حجة كانط هنا، التي تشغل بعض السطور فقط، تعبر فعلًا عن قطيعة حقيقة مع أفكار العالم الأرستقراطي: من البديهي أن القوة والذكاء والجمال صفات محايدة، فهي ليست جيدة ولا سيئة في ذاتها، لأن كل واحد يقرّ، لو أعمل تفكيره لحظة، أنّ بوسع الجميع استخدامها في فعل الخير أو إتيان الشر! […] إذا ليست الصفات الطبيعية للإنسان ما يُمثل الفضيلة، لكن ترتبط الفضيلة بما نصنعه نحن بهذه الصفات، بالحرية والعمل، أو كما قال (كانط) عن حق في النص الذي سنشرع في ذكره بـ“الإرادة الخيّرة”. ولهذا السبب وحده توصف هذه الإرادة بأنها “خيّرة”.

الحرية والتي تعني إمكانية الاختيار بين بدائل متنوعة تُضلل الفرد كما لم يكن (كانط) متفائلًا بشأن علاقتها بالسعادة ومن بعده (فرويد) و(نيتشه)، فيقّرون بأن فكرة حرية الإرادة مُضللة وتتسبّب فعليًا في تعاستنا.

فبعيدًا عن أن تكون عنصرًا يساعد على تحقيق السعادة، لا تكف فكرة الحرية عن إفساد الحياة بداخلنا وتغمرنا باستمرار في ما أطلق عليه (سبينوزا) “الأهواء الحزينة”: الأسف، والندم، ومشاعر الحزن، والمخاوف، والإحساس بالذنب، وكل المشاعر المرتبطة بمفهوم المسؤولية، والاعتقاد أنّه كان بوسعنا وربّما كان علينا أن نفعل ما فعلناه لكن بشكل مختلف، واتّخاذ قرار آخر واختيار بدائل أُخرى طالما كنا أحرارًا وبالتالي مسؤولين عن أفعالنا. ومن هنا نرى كيف أنّ الشيء الذي بمقدوره أن يسعدنا، وهو في هذه الحالة تمتّعنا بالحرية، هو ما يُحيلنا تُعساء أيضًا -وهي الفكرة التي أعتبرها، كما تفهمون الآن، المنطق وراء كل تفكير جاد نوعًا ما في مسألة السعادة.

وأخيرًا يقول أن الحرية اختبارًا لمسؤولية الفرد وفي معنى أن يكون إنسانًا.

من هنا ربما نشرع في فهم أنّه لو كان الحرمان من الحرية شراً، فتطبيقها لا يضمن تحقيق السعادة، وهي الفكرة التي اقترحتها في الصفحات الأولى من هذه الكتاب. وأن تكون حراً يعني أن تتحمل مسؤولية اختياراتك، وأن تأخذها على محمل الجد، وأن تشعر أنك مسؤول أكثر مما تشعر أنك بريء، ويقودنا ذلك أحيانًا، وهو ماتتطلبه التراجيديا، إلى التضحية براحتنا باسم القيم التي تفوق السعادة: الكرامة الإنسانية، ومقاومة القمع، ومقاومة الشمولية، والبربرية أو حتى وببساطة الالتزام بالدفاع عمّن نحب. وكما هو واضح دومًا، ما يجعلنا سعداء بوسعه أن يحيلنا تعساء أيضًا – لهذا، تغرق فلسفات السعادة حتمًا في نهاية المطاف، في سلمية زائفة بسبب افتقادها الحس التراجيدي.

بقلم: زينب الحربي
مراجعة: أحمد بادغيش

مفهوم الاستقلالية الفلسفي عند المفكر طه عبدالرحمن

مثلما أن الفلسفة بدأت بالدهشة وبطرح السؤال فكذلك مشروع (طه عبد الرحمن) الداعي إلى الاستقلال والإبداع الفلسفيين للأمة العربية والاسلامية بدأ بسؤال هو الآخر، سؤال طرحه (طه) بعد هزيمة الجيوش العربية 1967 بالشكل التالي: “أي عقل هذا الذي هزمنا ونحن أمة كثيرة بعددها، راسخة في تاريخها؟”[1] مما جعله يترك إلهامه الشعري نحو رسالته التي سيمضي مشواره الأكاديمي الزاخر في تأسيس مبادئها وأسسها ليتبعه جيل من الأكاديميين والمفكرين كتلاميذ وكمكملين لمنهجه المعرفي.

بالنسبة لـ(طه عبد الرحمن) فإن العقل الذي هزم المسلمين لم يكن عقلاً جباراً ولم يكن يحمل في آلياته المعرفية والمنطقية ما يؤهله للانتصار، بل بالعكس فقد كان عقلاً محدوداً وتلك المحدودية ناتجة من كون المنطقيات والعقليات نفسها التي تسيّر نمط تفكيره، والتي تخصص فيها (طه عبد الرحمن) دراسة وتدريساً، محدودة هي الأخرى، وكان بإمكان الأمة الاسلامية أن تقدّم عقلاً أوسع وأكثر انفتاحاً من العقل الذي هزمها لكنها لم تتحمل مسؤوليتها التاريخية والدينية.

فقد ظلت طيلة تاريخها منبهرة بهذا النظام المسمى فلسفة، لذا لم تستطع أن تقدّم فيه إلا تقليداً وتبعيةً سواء قديماً أو حديثاً، وإن كان المتقدمون يُعذرون في كون الفلسفة قد أتتهم على شكل علوم وفكر، وإن كانوا أبدعوا وطوّروا في الأول واكتفوا بالتقليد في الثاني، إلا أن المتأخرين لا يوجد لديهم عذر في الاستمرار بالتقليد والتبعية للغرب، فهذا الانبهار لم يمكنهم من الإبداع فيه بل يكاد يكون قاتلاً للإبداع الفلسفي وآن أوان إحيائه. ولا خيار أمام العرب الآن إلا أن يبدعوا فلسفة خاصة بهم تطرح أسئلتهم الخاصة، وتجيب أجوبتهم الخاصة، لذا فإن ردأ آفتيْ التقليد والتبعية والدعوة إلى الاستقلال والإبداع هما همّ المشروع الطهائي في كل كتبه ودراساته وأهمها مشروعه التأسيسي العظيم: فقه الفلسفة الذي صدر منه حتى الآن جزآن وبقيت منه ثلاثة أخرى.

ويقوم مشروع فقه الفلسفة على مجموعة أفكار أهمها محاولة اكساب العرب القدرة على الإنتاج الفلسفي والمستقل من خلال تجاوز الجمود الذي أصاب النصوص الفلسفية العربية المنقولة والمقلّدة، والتعامل مع القول الفلسفي على أنه قول خطابي موضوعي محكوم بواسطة قوانين معروفة، مثله مثل أي ظاهرة لغوية أخرى وبالتالي فإن المعاملة هنا تتخذ صيغة علمية صريحة، والصيغة العلمية تستدعي وجود علم خاص بالكشف على العلل المختلفة التي أدت إلى ظهور هذه الأغراض الفلسفية أو بتعبير أدق المقاصد الفلسفية، ففقه الفلسفة هو علم يعتمد موضوعه على أدوات وآليات إنتاج الفلسفة قولاً وفعلاً، ومنهجه يعتمد على مناهج ودراسات علوم الآلة من بلاغة ومنطق وحجاج وغيرها.. بالاضافة إلى فقه الفلسفة فإن المشروع الطهوي يرتكز على عدة مقوّمات أخرى منها منهجه التكاملي في الدراسات التراثية ودعوته للإبداع الفلسفي انطلاقاً من المجال التداولي العربي والاسلامي. ولعل كتاباه المعنوان بالحق العربي في الاختلاف الفلسفي[2] والحق الاسلامي في الاختلاف الفكري[2] من أهم ما كتب في مشواره بسبيل خلق فلسفة عربية مبدعة لا مقلّدة ولا تابعة.


الحق العربي في الاختلاف الفلسفي

لكي تستقل أمّة بإجابتها الخاصة ينبغي أن تستقل وتبدع في سؤالها الخاص، فقد كان السؤال اليوناني القديم  سؤالاُ فاحصاُ والسؤال الأوربي الحديث سؤالاً نقدياً وقد آن أوان تجاوز هذين الشكلين بشكل أحدث والذي سمّاه طه عبد الرحمن بـ“السؤال المسؤول” أي “سؤال يسأل عن وضعه كسؤال بقدر ما يسأل عن موضوعه”[2] فالفيلسوف يسأل لأنه مسؤول عن كل أشكال أفعاله ومسؤول عن سؤاله نفسه فالمسؤولية هي التي تجعل من الواجب عليه أن يسأل عن ما يحيط به في الحياة والوجود من مخاطر تحدق به وبأمته، فهو بحسب (طه) يَسأل لأنه يُسأل، وبالتالي فينبغي أن يكون الأصل في الفلسفة هو المسؤولية لا السؤال بذاته، فالأولى تعطيه بعداً أخلاقياً ضرورياً فبنالسبة لطه فلا وجود لتفلسف بدون تخلّق، وتلك من أهم مسلمات مشروعه الفكري.

وما دامت الفلسفة أخلاقاً فلا ينبغي للفيلسوف العربي أن يجيب على كل سؤال يُطرح ولا أن يسأل أي سؤال من أجل التقليد فقط، بل إنه لا يجب عليه أن يسأل إلا السؤال الذي يلزمه وضعه ويلزمه الجواب عنه انطلاقاً من مجاله الثقافي والقومي، من هنا فإن من حق كل قوم أن يتفلسفوا انطلاقا من حاجياتهم ومقتضياتهم الثقافية الخاصة مع الاعتراف لغيرهم بممارسة نفس الحق مما يخلق تنوعاً فلسفياً لا تقليد ولا اتباع فيه لنمط واحد مهيمن، وكل ثقافة تدعو لنمط واحد مهيمن ماهي إلا ثقافة مستبدة أشبه هي بالعقيدة المتسلطة منها بفلسفة حرة، فلا وجود لمطلق في الفلسفة، حتى ولو كان العقل نفسه، فحق الاختلاف الثقافي والاختلاف الفلسفي ينبغي أن يتم الاقرار به لكل الأمم لا ينبغي أن تستأذن فيه أمة أمة أخرى.


دعاوى منع التفلسف

والعرب كأي أمة أخرى لا بد لها أن تسلك طريقها في طلب الاختلاف الفلسفي وأن يكونوا أحراراً في فلسفتهم، فلسفة مختلفة عن الفلسفات المطروحة والمفروضة عليهم، لذا وجب عليهم أن يقاوموا جميع الدعاوي التي تمنعهم من ممارسة حريتهم الفلسفية والطريق في ذلك يبدأ في النظر في تلك الدعاوي ولعل أولها هو القول بكونية الفلسفة وأنها معرفة عقلية تشمل الجميع بأسئلتها وأجوبتها، أفراداً كانوا أو أقواماً.

نقض القول بكونية الفلسفة: يحتمل مفهوم الكونية مدلولان عَبَرَا تاريخ الفلسفة بالتتابع فأولهما هو مدلول “الكلية” وقد ساد خلال الطور الإغريقي ويقول بأن قضايا الفلسفة تصدق على جميع البشر من حيث هي كائنات عاقلة، أي أن الكونية هنا تتخذ صبغة أنطولوجية أو بالتعبير الطهائي ذات صبغة “كيانية”، أما المدلول الثاني الذي ساد في الطور الأوربي الحديث فهو القول بـ“العالمية” أي أن القضايا الفلسفية تعم جميع أقطار الأرض القائمة. ويردّ طه عبد الرحمن على هذه الدعاوي بجملة اعتراضات أهمها ارتباط الفلسفة بالسياق التاريخي الاجتماعي الخاص بأمة ما فلا وجود لفلسفة بدون هذا  السياق الخاص، كما أن أي فلسفة هي مرتبطة بالسياق اللغوي، فبقدر تعدد اللغات كان هناك تعدد في الفلسفات كما أن الاختلاف الأدبي ينتج عنه اختلاف في قضايا الفلسفة فلكل لغة أشكال صرفية ومعاني لغوية وبلاغية لا تتطابق مع بقية لغات العالم وبالتالي فإن المقتضيات البنيوية والدلالية والبيانية ستختلف من فلسفة لأخرى، ثم إن هناك الاختلاف الفكري بين الفلاسفة أنفسهم وأنساقهم الفلسفية وأخيراً التصنيف القومي للفلسفة، فلا يكاد يخلو كتاب يصنف في تاريخ الفلسفة من تصانيف الفلسفات بحسب قوميتها، كالفلسفة الألمانية والفلسفة الانجليزية والفلسفة الفرنسية وغيرها.

فلا وجود إذن لما يقال أنه فلسفة كونية كليانية، فهذا القول باطل على حسب تعبير (طه)، وإذا انتفت صفة الكونية وجبت صفة الجزئية والقومية، فالفلسفة اليونانية كانت فلسفة قومية كما هو تاريخهم وأدبهم وأساطيرهم، وما منع المتقدمين من العرب من التفطن إلى هذه الخاصية هو كونها وصلتهم بسياق علمي مندمج مع كل المعارف من رياضيات وفلك ومنطق وطب وسياسة وغيرها، فما انطبق على هذه العلوم انطبق على الفلسفة نفسها بما هي تفكير نظري.

أما المحدثين من العرب فقد انبهروا بالدعوة الغربية إلى القول بالكونية السياسية للفلسفة وذلك منذ عصر التنوير بمفاهيمه الكبرى العالمية التي لا يرقى إلى كونيتها شك وقد ردّ (طه عبد الرحمن) على هذه الدعوى برد الفلسفة الحديثة إلى أوروبا ثم رد هذه الأخيرة إلى الفلسفة الألمانية ثم القول بأن هذه الأخيرة تم تهويدها من طرف الثقافة اليهودية منذ القرن الثامن عشر وتأثر كبار فلاسفة الألمان بفلاسفة اليهود كما كانوا يقتبسون بعضاً من مفاهيمهم المحورية من التوراة مباشرة وقد تم تسييس هذه الفلسفة اليهودية بما يخدم انتشار فكرة القومية اليهودية وشيئاً فشيئاً بدأ يتشكل فضاء فلسفي يهودي عالمي، يندمج فيه الجميع بما فيه غير اليهودي عن قصد أو عن غير قصد فبدلاً من تهويد الفلسفة الألمانية وحدها تم تهويد الفلسفة بشكل عام.

ولم ينج العرب من الدخول في هذه الدائرة فقد ظلوا يدورون فيها مناقشين نفس مسلماتها ونظرياتها فأصبح يتفلسف بما يخدم عدوه وهو لا يدري بذلك، وأصبح بالتالي يمارس التطبيع عن غير قصد أو وعي، بل أصبح يمارس هذا التطبيع من حيث يريد أن يقاومه، فبدلاً من التيه في الأرض الذي عوقب به اليهود، دخلنا نحن في تيه فكري وفلسفي بحسب طه عبد الرحمن. فلا بد إذن من نهضة فكرية وفلسفية تتيح للعرب وسائل مقاومة تغلغل هذا الفضاء الفلسفي المتهوّد المفروض بواسطة القوة المادية والهيمنة السياسية ويقترح (طه عبد الرحمن) مفهوماً جديداً لمواجهة هذا الفضاء وهو مفهوم: “القومية اليقظة” فهو مفهوم حركي لا متناهي يفرض نفسه بفضل القوة المعنوية والهمة الإنسانية عكس الأول، ويتميز بمجموعة خواص مشتقة منه مثل القيام المنسوب للجماعة التي تتحرك وتعمل لكي ينشأ بين أفراد الجماعة روابط راسخة تحفظ كيان الجماعة والقيام قيام جهادي يقوم في دفع التهديدات وقيام اجتهادي يقوم في جلب ما ينفع القوم، كما يتميز المفهوم بدلالات أخرى هي القوام والقومة التي يستعملها (طه عبد الرحمن) في مكان مفهوم الثورة؛ فالأخيرة لا تحصل إلا في المجال المادي، والقومة لا بد أن تنطلق من مبدأ أو من مسلمة جوهرية وهي أن الخطاب الفلسفي لا بد له أن يكون كلاماً تحته عمل موجّه أو بالتعبير الطهائي “كلاما ذا قيام” وذلك يستدعي وضع خطط واستراتيجيات تكون مناسبة لمواجهة التهويد اليهودي للفلسفة.

أولى تلك الخطط هي خطة المقاومة وتقوم على مبدأ الإعتراض على أي مفهوم منقول من الفضاء الفلسفي العالمي لم يقم أي دليل على صحته أو فائدته للمجال التداولي للفيلسوف العربي، فالمقاومة هنا هي مقاومة مفاهيم، ثم هناك خطة التقويم وتلك تعتمد على معنيين في قومتها وهما إزالة الإعوجاج والتزوّد بالقيّم وتقوم على مبدأ أن تتمتع المفاهيم الفلسفية بأكبر قدر ممكن من الحركية داخل مجال التداول الخاص بالعرب عن طريق وصلها بقيمه العملية، ثم أخيراً خطة الإقامة التي تدعو إلى عدم الاكتفاء بالنقد للمفاهيم الفلسفية وللأسئلة والقضايا المطروحة في الفضاء الفلسفي العالمي المتهوّد بل تسعى إلى إقامة فضاء فلسفي عربي على مبدأ أن نرتقي بالمعاني الطبيعية التي تدور في المجال التداولي العربي إلى رتبة المفاهيم الصناعية، مع الاستدلال عليها وبها لكي تصبح معاني ذات أساس إبداعي فتصبح الأمة قادرة على دخول المعركة الإصطلاحية لتوضيح ماهو متهوّد وما ليس كذلك، فقوة الاصطلاح لم تعد تقل ضرورة عن قوة السلاح، وخلق فضاء فلسفي عربي بخصوصية قومية هو الأولوية الآن.

“ونحن العرب نريد أن نكون أحراراً في فلسفتنا، وليس من سبيل إلى هذه الحرية إلا بأن نجتهد في إنشاء فلسفة خاصة بنا تختلف عن فلسفة أولئك الذين يسعون بشتى الدعاوى إلى أن يحولوا بيننا وبين ممارستنا لحريتنا الفكرية”[2].

ولدرء شبهة تعارض اعتبار العنصر القومي مع اعتبار العنصر الإسلامي يقدّم طه عبد الرحمن عدة أدلة تثبت فساد هذه الشبهة، فبحسبه فالقومية التي تم بناء هذا الفضاء الفلسفي فيها يؤيدها نص التنزيل فلا وحي بغير لسان، ولا رسالة إلا في قوم، وقوم خاتم الأنبياء هم العرب، ولسان هؤلاء هو العربية كما هو لسان الإسلام، فالإسلام لم يكن يوماً معارضاً للقومية بقدر ماهو معارض للقومانية، تلك التي تدعو إلى الجمود على مقومات عربية مخصوصة.


الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري

بعد أن بحث (طه عبد الرحمن) عن الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، وعن خصوصية السؤال العربي عن بقية الأسئلة في أطوار الفلسفة المختلفة، وأوضح أن الحق في الاختلاف يستدعي الحق في الاستقلال في النظرة إلى الأشياء وفي خصوصية استشكال القضايا وبالتالي يتطلب تحرراً فكرياً وتاريخياً، يأتي إلى الحق الاسلامي في تقديم الأجوبة عن أسئلة زمانه، فلكل زمان أسئلته الخاصة وواجب كل أمة أن تقدّم أجوبتها الخاصة عن تلك الأسئلة، أجوبة تتسم بالاستقلالية، والأمة المسلمة بصفتها أمة حاملة لرسالة خالدة وخاتمة لما سبقها وناسخة له، وإن كان الحال الآن لا يشي بذلك لما فيه الأمة من ضعف ووهن وعجز عن أداء الرسالة المنوطة بها ولما تتعرض له من سلب في خيراتها المادية ومن محوٍ لقيّمها الروحية من طرف أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الحقوق والحريات في العالم. لكن يبقى للأمة الإسلامية جوابها الخاص عن أسئلة زمانها فالفكر الطهائي ينظر إلى الأمة الإسلامية على أنها “مجموعة قيّم تسعى إلى أن تساهم في الأحداث المشهودة” وليس بالضرورة إلى أنها واقع متحقّق. ولأن الأسئلة التي تقتضي وجود جواب إسلامي أكثر من أن تحصى فإن طه استغنى عن تعداد تفاصيل هذا الجواب وبدلاً من ذلك ركّز على إبراز “الروح الخاصة التي تميّز الجواب الإسلامي والتي تؤمن للأمة المسلمة حق الاختلاف في فكرها عن الأمم الأخرى ولو كانت أشدّ منها بأساً، كما تدفع عنها ذرائع الذين يرومون حرمانها من هذا الحق ولو كانوا من بني جلدتها؛ ففي هذه الروح غناء عن هذه التفاصيل”[1]. وقد استخلص طه عبد الرحمن من هذه الروح الخاصة التي تميّز الجواب الإسلامي مبدأين أساسيين:

  • الأول هو “مبدأ إختلاف الآيات”، وهو مبدأ مبنيٌ على اختلاف الآيات الكونية، وهنا يقيم طه عبد الرحمن تفريقاً جذرياً بين مفهوم الآية ومفهوم الظاهرة، فالأخيرة هي كل ما يظهر للعيان محدداً بزمان ومكان، أما الآية ف”هي الظاهرة منظوراً إليها من جهة المعنى الذي يزدوج بأوصافها الخارجية دالاً على الحكمة من وجودها”[2] فعالم المعاني هو مملكة الآيات  وعلى من يطلب تلك القيّم أن يعمل بمقتضاها. ونظرة المسلم إلى الأشياء في الأصل أنها نظرة تأمل في الآيات، أو بالتعبير الطهائي “نظرة ملكوتية” ولا يمكن أن تتحول إلى ملاحظة للظواهر أو بالتعبير الطهائي “نظرة مُلكية” إلا إذا قام دليل كالبحث عن قوانين الظاهرة السببية، فالنظر الأول هو بالنسبة لطه نظر أصلي يوصل الانسان إلى الإيمان أما النظر الثاني فهو نظر فرعي يوصله إلى العلم، والفرق بين المسلم وبين الآخر (الغربي خصوصاً) هو أن المسلم يؤسس نظره الأصلي على نظره الفرعي فيكسب الدارين، بينما فضّل الغرب وحداثته الإكتفاء بالنظر الفرعي وأصبح نظرهم متناهياً، لذا لا جدال أن النظر الإسلامي هو الأحق بالشرعية لأنه نظر لا متناهي ومتصل بالزمان المطلق.
  • ثم هناك المبدأ الثاني وهو “اختلاف الناس أنفسهم” وهذا مبنيٌ أساساً على اختلاف الأمم المثبت في محكم التنزيل، ويفرّق طه بين مفهوم الأمة ومفهوم المجتمع، فالمجتمع لا يربط بين أفراده سوى ما يجعلهم يتعاونون في سدّ الحاجيات وأداء الخدمات، وهذا ما أطلق عليه طه “العمل التعاوني” وهو ما دعى إليه القرآن لحفظ المجتمع، فالعمل التعاوني ضروري لحفظ هذه الروابط والعلاقات الاجتماعية المادية، أما الأمّة فهي المجتمع بعد أن يحمل قيّماً يكون مطالباً بايصالها للأمم والمجتمعات الأخرى في سبيل الرقي بالإنسان، فالعمل هنا أخلاقيّ لا ماديّ ولا أخلاق وقيّم أدعى للتبليغ من “قيم الخير” وهيّ قيّم تأمر بإتيان المعروف وترك المنكر، حيث يتعامل جميع أفراد الأمة الواحدة إلى التبليغ عن هذه القيّم من خلال التعامل مع الأشخاص المختلفين ومع أفراد الأمم الأخرى في سبيل هذا “العمل التعارفي” بالتعبير الطهائي، والأخير أسمى من “العمل التعاوني”.

من هنا يبني (طه عبد الرحمن) إذن أحقية الاختلاف الفكري ومشروعية الجواب الإسلامي من اختلاف النظر الملكي عن النظر غير الملكي واختلاف العمل التعارفي عن العمل التعاوني غير الإسلامي، وهذه النظرة وهذا التعامل لا يكتملان بالنسبة لطه إلا إذا استوفيا شرطين مهمين؛ وهما شرط ثبوت حصول الفائدة في الارتقاء بالإنسان في مراتب الكمال العقلي ثم شرط ثبوت حصول الفائدة في الإرتقاء بالإنسان في مراتب الكمال السلوكي، والعلاقة علاقة تأسيس فالنظر الملكي ينبغي أن يتأسس على النظر الملكوتي فالأخير هو وحده القادر على حسم كل نظر ملكي مثبتاً له حصول الفائدة من عدمها، ثم إن العمل التعاوني يتأسس على العمل التعارفي على نفس القاعدة في حصول الفائدة، والأمر هنا يتعلق بقاعدة أخلاقية لا تنكرها الفطرة الانسانية.

 إن روح الجواب الإسلامي عن أسئلة هذا الزمان تظهر في حقيقتين اثنتين أولاهما الإيمان الذي يتم التوصل إليه بالنظر في مختلف الآيات أو النظر الملكوتي ثم وجود التخلّق الذي يتم التوصل إليه عن طريق التعامل مع مختلف الأمم والأشخاص أو كما سماه طه بالعمل التعارفي. فما يميّز الجواب الإسلامي إذن باختلافه الفكري هو “النقد الإيماني” ثم “التخلق التعارفي” وهما يتجاوزان النظرة المادية والتعاونية التي اتسمت بهما الكونية الجديدة. وهاتان الحقيقتان تحدّدان للجواب الإسلامي عدة خصائص أهمّها أنه جواب اختلافي واختلافيته ذات طابعين؛ إيماني وأخلاقي، ثم إن إيمانية الجواب الإسلامي تعتبر أشمل إيمانية لأنها تنطلق من الدين الخاتم الذي جمع ما في بقية الأديان من أسرار الإيمان وزاد عليها، وأخلاقيته أكمل أخلاقية انطلاقا من كون خاتم النبيين ما بعث إلا ليتتم مكارم الأخلاق.


مشروع الإستقلال الفكري مستمر..

إن الفلسفة الحق التي يدعو إليها الفكر الطهائي هي التي يرتبط فيها النظر بالعمل أو التي يرتبط فيها العقل بالأخلاق، والنقد الأخلاقي والإيماني هو صلب هذا الفكر، فالخصوصية الإسلامية خصوصية إيمانية وأخلاقية بالدرجة الأولى  لكنها تنبني على نظر كوني وتقوم على الحوارية والتعارف في مقابل للخصوصية الغربية التي تقوم على الإرغام وفقدان المضمون الأخلاقي، وقد اتخذ النقد الأخلاقي والإيماني في مجمل أعمال طه عبد الرحمن عدة أشكال، ففي نقد الحداثة كتب طه كتابين تأسيسيين هما سؤال الأخلاق وروح الحداثة وقدّم تصوّراً اختلافياً يفضي إلى تعدديّة متجاوزاً احتكارية النموذج الغربي الأحادي لها، فالحداثة برأيه دخلت مأزقاً ناتجاً عن إفلاسها القيمي ينبغي إنقاذها منه وهذا الحل ينبغي أن يميّز بين روح الحداثة وتطبيقاتها، فروحها هي مجموعة من المبادئ والقيّم والتي من الممكن أن تشترك فيها عدة مجالات تداولية مختلفة، أما تطبيقاتها فهي تحقيقات هذه المبادئ وتلك تختلف من مجال تداولي لآخر، فروح الحداثة تتميّز بمبادئ ثلاثة: مبدأ الرشد أي الخروج من تبعية الغير ومبدأ النقد ومبدأ الشمول فهذه المبادئ وإن كانت عامة ولها روح واحدة إلا أن تجلياتها خاصة ومتعددة.

أما الأشكال الأخرى لهذا النقد فقد تركّزت على نقد العولمة بصفتها ضرباً من العنف الخفي والجلي تحاول تحويل العالم إلى متجر واحد ثم تحويل البشرية إلى مجموعة مستهلكين، ثم يأتي نقد العلمانية وقد شغلت أساساً كتبه روح الدين، وبؤس الدهرانية، وشرود مابعد الدهرانية ، فالعلمانية بما هي فصل للدين عن السياسة تقع في ثلاثة محاذير: أولها ضيق الأفق، فهي تحصر الوجود الانساني في ما نراه من عوالم بينما الوجود أكثر اتساعاً مما نراه بحسب طه عبد الرحمن، بل أكثر فما لا نراه أكثر مما نراه، ثم هناك محذور المنطق المتناقض الذي تقع عليه، فبالنسبة لطه فكل منهج أو نظام مهما كان هو دين، فالدعوة إلى الخروج عن الدين هي دعوة إلى دين آخر وهذا تناقض بيّن، ثم المحذور الثالث وهو التأله، ففي طريق نزعها للسيّادة من الإله خلقت إلهاً جديداً هو الفرد نفسه. ثم يأتي الشكل الآخر للنقد الطهائي في نقد “الدهرانية” وقد وضع طه هذه الكلمة لتعني الدعوة التي تطالب بفصل الأخلاق عن الدين واهتم كتابه “بؤس الدهرانية” بهذا النقد مبيّنا فساد تصوراته عن علاقة الإنسان بالإله وعن بطلان دعوته لفصل الأخلاق عن الدين حتى لكأن الأولى دين مستقل وهو فصلٌ يؤدي إلى إلغاء الأخلاق نفسها، فأي دعوة للفصل هي دعوة إلى خلق أخلاق جامدة وفانية بلا روح.

تخليق الحداثة في المشروع الطهائي ماهو إلا دعوة صريحة لإقامة فلسفة إسلامية عربية تتخطى فرض تطبيقات الحداثة وأوهام العولمة وتبتعد عن التبعية والتقليد للفكر الغربي وذلك يستدعي رجوعاً للترّاث لا بصفته نصّا مفصولاً عن الهوية ولا مجرّد مدوّنة معرفية متاحة للقراءة والتأويل، بل التراث بصفته مضامين وآليات تسمح بخلق فيلسوف مرتبط بمجاله التداولي، فيلسوف قادر على تجديد الدين بنظرة تكاملية للتراث ونظرة غير تقديسية لتراث الآخر الفلسفي، فيلسوف قادر على تجاوز المبادئ التي قامت عليها روح الحداثة بحيث يكون قادراً على إكمالها وإتمامها ونقلها إلى مستوى أشمل وأكثر تخلقاً وأكثر ارتباطاً بدينه، وكل ذلك لا يمكن أن يتم بغير الانعطافة اللغوية واعتبار اللغة لا مجرد وسيلة تواصل بل آلية قادرة على أن تصل الفيلسوف بكينونته، وما تحمله من إمكانيات قادرٌ على أن يصل بالفيلسوف إلى أسباب النهوض. 


المصادر:

[1]  طه عبد الرحمن، الحوار أُفُقاً للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية، 2014.

[2]  طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2009.

الرومانتيكية كإرادة إنقاذ للإنسانية.. قراءة في كتاب جذور الرومانتيكية لايزايا برلين

يعتبر كتاب (إيزايا برلين) (جذور الرومانتيكية) أحد أهم الكتب التي تقدم “الرومانتيكية” ليس فقط كمذهب مقابل للكلاسيكية، بل كمذهب غيّر مفاهيم وأسّس لأخرى جديدة ستطغى على حياة الفكر الغربي وعلى وعيه منذ ما بعد عصر التنوير وحتى أيامنا هذه.

لم يأت الكتاب مباشرة من قلم المؤلف إلى المطبعة بل قام المحرر (هنري هاردي) بنسخٍ للمحاضرات التي كان ايزايا برلين قد ألقاها في متحف واشنطن للفنون، فالأخير كان بنيته كتابة كتاب آخر قد يكون مختلفاً ولكن لم يتمكن من ذلك. والكتاب بطبيعة الحال ليس خارج اهتمامات برلين المعرفية الأساسية، فالمفكر البريطاني ذي الأصول الروسية معروف كمنظر سياسي ومدافع عن الليبرالية والتعددية ومهاجم للأنظمة الاستبدادية وللتعصب الفكري، كما أن لديه كتاباً آخر عن الفكر السياسي الرومانتيكي، وكل هذا قاده لأن تكون موضوعة الرومانتيكية هي القلعة المناسبة لافناء العمر في دراستها، فقد كانت تمرداً على عصر التنوير بحسبه، تلك القيم الجامدة والدائرة حول القيم الأحادية للعقل والتقدم والصرامة العلمية والمنهجية الدقيقة، لكن ما يحتاجه العالم هو التعدد والاعتراف بالآخر المختلف مهما كانت طبيعته الفكرية وخلفيته الثقافية.


هرباً من التعريف

يقول (نيتشه) أنه “لا يمكن أن نضع تعريفًا إلا للأشياء التي ليس لها تاريخ” وبكل تأكيد فتاريخ الرومانتيكية طويل ومتجذر في تاريخ الحضارة الغربية، الحديث منه على الأخص، لهذا وفي الفصل الأول المعنون كسعي وراء التعريف يحذّرنا (برلين) أنه لن يدخل في شرك تعريف الرومانتيكية أو تقديم تعميمات لكي يصبح الموضوع مفهومًا لدى القارئ، فهو يتفق مع البروفسور (نورثروب فراي) أنه كلما قلنا أننا تمكنا من وضع تعريف جامع مانع يحدّ المصطلح إذا به ينفلت منا لجهة أخرى أو لزمان آخر قبلي عن حدود التعريف وزمانه، فقد انشغل من كتب عن الرومانتيكية بهرم مقلوب وأضاعو فيه إحساسهم بالاتجاه بحسب وصف برلين، فالموضوع “يشبه ذلك الكهف الذي وصفه فيرجيل حيث تقود جميع الخطا في الاتجاه نفسه. أو كهف بوليفموس من يدخله لا يبدو قادراً على الخروج مرة أخرى”. لذا وجب اتخاذ الحذر الشديد للدخول في أي محاولة للتعريف، ويظل البديل عند (برلين) هو تقديم تصور خاص به عن الرومانتيكية. والحذر والوجل الذي ينبغي اتخاذه هو نتيجة كون الرومانتيكية أحدث الحركات الكبرى التي أثرت وحولت الفكر الغربي، بل هي “التحول الأعظم والفريد الذي حدث في وعي الغرب”، وكل ما حدث في القرنين اللاحقين على القرن الثامن عشر هو بتأثيراتها وأقل أهمية من ظهور الحركة نفسه.


الرومانتيكية نموذج جديد؟

كل حضارة، بل كل فكر يخضع لنماذج مُهيمنة تسيطر عليه وتحدد معالم وجوده ومعالم اختلافه، هذه البراديغمات أو النماذج تُوجّه الكتابات وكل المنتجات الثقافية نحو نمط محدد تخضع له تلك الثقافة سواء كان ذلك المنتج فكرًا أو وعيًا أو أخلاقًا أو سياسة أو غيره، ولكي تدرس أي ثقافة ينبغي أن تتم الإحاطة بالنماذج الخاضعة لها، وهذه النماذج ليست تراكمية، فالتاريخ ليس خطًا متصلا مؤلفًا من نموذج واحد لا انقطاع فيه، وإن كان وجود نموذج عن رؤية كاملة وشاملة متسمة بالمعرفة المطلقة منضبطة بصرامة ساد الفكر الغربي من (أفلاطون) وحتى عصر النهضة إلا أنه لم يكتب له الاستمرار بعد ذلك، وبداية التغيير أو الثورة يكون بحصول تغيير في النظرة إلى العالم ويكون ذلك بتحرير الناس من وهم النموذج السابق وخطأه، لكن النموذج الجديد يبدأ في استعباد الناس أنفسهم بسبب فشله في شرح مجمل الخبرة البشرية، إنها “تبدأ بكونها محرّرة وتنتهي بنوع من الطغيان”. ولكن هل الرومانتيكية نموذج جديد؟.

لعل تلك الطفرات التي تحدث في تاريخ الفكر الانساني تكون علامات واضحة لبدايات نماذج، وازدهار موضوع معين في فترة زمنية محددة يكون آية جلية لميلاد نموذج ونهاية آخر، والعلامة الثانية هي انسحاب تأثيرات ذلك الموضوع على بقية مواضيع الفكر الانساني مثل ما حدث للـ(سوسيولوجيا) والـ(بيولوجيا) في القرن التاسع عشر ومثل طغيان نموذج الـ(سيكولوجيا) على المجالات الفكرية والثقافية الأخرى في القرن العشرين. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار التحولات الهائلة والجذرية التي عرفتها أوربا مع ظهور الحركة الرومانتيكية نموذجا تنطبق عليه القواعد فلم يعد أي شيء كما كان قبلها.

ولكي نحدد هذه التأثيرات بدقة فإن السؤال عن ماهي أو متى ظهرت الرومانتيكية لن يكون مناسباً، فماهية الرومانتيكية صعبة التحديد وفي النهاية فكل مفهوم معزول هو لا شيء وهو حكم قيمي أكثر مما هو تعريف بحسب هنري ديلاكروا، ويكفي الاطلاع على التعريفات التي نقلها برلين في الكتاب لتعطي هذا الاحساس المحير بالتناقض والتشتت في فهم هذه الظاهرة، ونفس الأمر يتعلق بخصائص الحركة، فقد جمع أكثر من أربع صفحات في محاولة تصنيف خصائصها والنتيجة ستكون أكثر غرابة، وكل حديث عن الزمن سيغطي الموضوع أكثر مما يطيق أي كتاب صغير، وقد تبنى مؤرخون فكرة أن الرومانتيكية ليست إلا حالة ذهنية يمكن أن نجدها بكل زمان وكل مكان، عند الروائي الاغريقي هيلودوروس أو هادريان أو حتى عند (أفلاطون) رغم أن (برلين) لا يوافقهم تماماً على ذلك، لذا بدلاً من ذلك قد يكون السؤال الأنسب: أين ظهرت الحركة الرومانتيكية؟

من الشائع لدى معظم المؤرخين وفي الكثير من الكتب المدرسية والجامعية أن الرومانتيكية ظهرت أول ما ظهرت بانجلترا ولكن (ايزايا برلين) لا يوافق أولئك المؤرخين، أو على الأقل لا يوافقهم أن صورتها الدراماتيكية الحادة ظهرت هناك بالبداية، إن الموقف والتحول الكبير الذي حدث وأثرّ في الوعي الغربي وما زال التأثير مستمراً هو ما حدث في الثلث الثاني من القرن الثامن عشر، ولم يكن في انجلترا أو فرنسا، بل كان معظمه في ألمانيا. ففي الوقت الذي شهدت فيه كل من فرنسا وانجلترا ثورتين، إحداهما سياسية واجتماعية والأخرى صناعية كانت ألمانيا خاضعة لامبراطور واحد وطغمة من الأمراء وأقاليم متعددة، وكانت هناك أيضاً زلزلة حرب الثلاثين عاماً التي خلفت بحراً من الدماء لم تستفق منه ألمانيا لمدة طويلة، كان ذلك جارحاً للكرامة الألمانية ولروحها ومانعاً لقيام أي ثورة أو نهضة ثقافية في البلاد، واكتفت الثقافة الألمانية بالحذلقات السكولاستية اللوثرية وبالحياة الباطنية الغنوصية نوعاً ما للروح البشرية، ذاك الجرح الذي سبب عقدة نحو الآخر الفرنسي بالذات وفي نفس الوقت أدى لنوع من الشعور بنقصٍ في الوطنية، قاد إلى حركة تقوية نابعة أساساً من تعاليم لوثر وهي المنبت الخصب الذي برزت فيه الحركة الرومانتيكية لتمد جذورها بعد ذلك.

يبدو واضحاً إذن أنه لا توجد علاقة تربط ما سميّ بالثورة الفرنسية بالحركة الرومانتيكية، فالأولى تبنت مبادئ العقل الكوني والعدالة المطلقة والنظام وغيرها من المبادئ الكونية الكبرى التي تصلح لكل البشر في أي مكان وفي أي زمان، بينما ما حصل في ألمانيا كان كراهية كبيرة للعقل وللغرباء، للفرنسيين خاصةً، إنه نوع من العداء للثقافة ذاتها، وتمجيد للحياة الداخلية الغنية بالأدب المثير الشخصي والعاطفي لكن المليء بالعنف والكاره للعقلانية. كما أنه لا يمكن ربط الرومانتيكية بالثورة الصناعية بشكل مباشر وإن كانت هناك بعض التداعيات ولكن ليس بالشكل الحاد الذي ربطه الماركسيون بالاثنين معتبرين الأولى نتيجة أهوال الثانية.

 إن القيّم التي بشّر بها عصر التنوير والثورة الفرنسية بالدعوة إليها هي أوّل ما هاجمته الثورة الرومانتيكية، ورغم أن تلك القيم قد تكون ظهرت قبل عصر التنوير إلا أن الأخير قدّم نسخته الخاصة لتلك المبادئ ولعل أهمها المبدأ المتمثل في أن كل سؤال حقيقي يمكن الإجابة عليه، إن لم يكن قد أجيب عليه من قبل فاليوم أو في المستقبل، وإن لم نتمكن من الإجابة عليه فلا شك أن الخطأ هو من السؤال وليس من امكانية الإجابة، وكذا فإن كافة الأجوبة المقدمة للأسئلة هي قابلة لأن تعرف ويمكن تعلّم وتعليم طرق اكتشاف تلك الأجوبة، وينبغي أن تكون كل تلك الأجوبة متسقة مع بعضها البعض، فجواب سؤال لا ينبغي أن يكون متناقضاً مع إجابة سؤال آخر وإلا كانت الفوضى. وهذه المبادئ مشتركة ما بين السكولائيين والمسيحيين والتنويريين وكذلك المدرسة الوضعية في القرن العشرين، وهو أول مبدأ تم الهجوم عليه من طرف الرومانتيكيين. وقد كانت أولى الضربات الخفيفة للعقلانية التنويرية قادمة من الوسط التنويري نفسه، من مونتسكيو الذي اعتبر أن البشر ليسوا متشابهين بالضرورة وهم خاضعين لتأثيرات المناخ والتربة والمؤسسات السياسية، وكذلك (هيوم) الذي لم يؤمن بالضرورات الكبرى التي أسبغها العقلانيون على الكون ورآها غير حقيقية مفسراً السببية بنوع من التتابع الدوري، ولكن كلاً من (مونتسكيو) و(هيوم) لم يكونا واعيين بهجومهما بل آمنا تماماً بالعقلانية كخلاص للإنسانية. 

وماذا عن (روسو)؟، يطرح برلين هذا السؤال في كتابه أكثر من مرة معترفاً أن (روسو) قد يكون أحد آباء الرومانتيكية، لكن في المقابل نجد في آراء (روسو) ما يتوافق مع مبادئ الثورة الفرنسية، مع ما يتلاءم مع أفكار (روبسبير) واليعاقبة الفرنسيين، (روسو) صاحب الشذرات التي تدعو للقضاء على كامل البنية الفوقية ومساواتها بالأرض وحرق المجتمع الانساني برمته في سبيل قيام مجتمع آخر غير فاسد وغير منافق، ليس هو (روسو) صاحب (العقد الاجتماعي) القائل بعقل كوني يربط كل البشر بعقد واحد، من هنا يعتبر (برلين) أن الزخم الرومانتيكي الذي تم اعطاءه لـ(روسو) كان مبالغا فيه. لذا فالهجوم الحقيقي لم يكن من فرنسا أو انجلترا.

كان الهجوم الأكبر الذي تعرّض له عصر التنوير قادماً من ألمانيا، من أولئك التقويين اللوثريين المعطوبة روحهم المنعزلين لذواتهم، وكان الهجوم الأول العنيف قادماً من طرف (يوهان جورج هامان)، صديق (ايمانويل كانط)، الذي احتج على (فولتير) صاحب مقولة أن البشر يسعون إلى السعادة في حين أنهم برأي (هامان) يسعون فقط نحو الإبداع بأكثر ما يمكن من الحماس، حتى ولو كان ذلك الحماس سيقود إلى حروب ودمار فذاك جزء من طبيعة البشر وقدرهم، أما الانسان الذي أخرجه المختبر التنويري فهو نوع من الموت في الحياة. أما مواطنه (هيردر) فقد هاجم هو الآخر وثوقية الأجوبة المطلقة واتساقها مع بعضها البعض، فالحقيقة نسبية بالنسبة له وعلى كل مجمتع، على كل فرد أن يعبر عن الحقيقة كما تظهر له في لحظته المكانية والزمانية، لا كما تظهر لمجتمع آخر أو لفرد آخر مختلف عنه، وهذا هو ما يخلق كونا رائعا، لن نراه كذلك بصورته الكاملة، فالله هو وحده فقط من يستطيع رؤية الكون كاملاً.

هناك آباء آخرين للرومانتيكية، لم يعلنوا أنفسهم متبنين لها، بل ربما صرّحوا بكرههم الشديد لها مثل الفيلسوف الألماني (ايمانويل كانط)، أولئك يسميهم (برلين) بالآباء المحافظين، فـ(كانط) لم يخف كرهه للرومانتيكية أو نبذه لكتابات (هامان) و(هردر)، لكنه في المقابل انتصر لها عن طريق فلسفته الأخلاقية والتي دعت بكل صراحة إلى تمجيد الحرية البشرية، فالبشر بشر فقط لأنهم أحرار في اختياراتهم، فبينما كل الأشياء والحيوانات في الطبيعة تخضع لنظام السببية نجد أن البشر على عكس ذلك أحرار الإرادة، وكانت معركة (كانط) الكبرى هي الوقوف ضد فكرة الوصاية التي لا معنى للحرية معها، ففي مقاله الشهر: “ما التنوير” يصرّح أن التنوير هو القدرة على الخروج من القصور الفكري وقدرة الآخرين على التكلم أو التحكم بالنيابة عنك، يقول كانط: “إن الإنسان الذي يعتمد على شخص آخر لا يعود انساناً، فهو فاقد لاستقلاليته، وليس سوى ملكية لشخص آخر”، وحرية البشر تستدعي إنكار الحتمية واللجوء لفكرة الإرادة الإنسانية، فهنا الاستقلال التام، بينما الحتمية نوع من التبعية يقول بكون القوانين خارج الإنسان، لذا كان لا بد من القضاء على الفكرة القائلة بخيرية الطبيعة وعبادتها ومحاكاتها فنياً وهو أمرٌ ثوريٌ قام به (كانط)، فأن يكون الانسان جزءاً من الطبيعة فهذا يعني أنه مقيّد بها وهو أمر سيحطم أي معنى لوجود أخلاق قائمة على مبدأ الحرية.

رغم كل ذلك ظل (كانط) متشبثاً بعقلانيته وبايمانه بوجود أجوبة على الأسئلة الكبرى وبتوافق كل الأجوبة واتساقها مع بعضها، لكن تعاليمه الأخلاقية المبشرة بروح الرومانتيكية ستجد تلاميذ مخلصين يدفعون بها إلى أقصى امكانياتها مثل (فردريك شيلر) المؤمن هو الآخر بالحرية وبالإرادة وبامكانية تجاوز الانسان للطبيعة واخضاعها لإرادته وهي أفكار بثها في إنتاجه المسرحي والشعري، ثم يأتي (فيشته) وقد كان ميالاً للتشكيك نافيا امكانية وجود أجوبة محددة على الأسئلة الكبرى، فالمعرفة تقود إلى معرفة أوسع، وكل جواب يقود إلى سؤال آخر ليعطي بدوره جواباً جديداً، لذا المعرفة التأملية ليست هي الطريق القويم، فالحياة لا تقوم على تلك المعرفة، بل إن الحياة تقوم على الفعل، فالمعرفة مجرد وسيلة لبلوغ الأهداف، أي بعبارة أخرى المعرفة الحقيقية هي معرفة كيف تبقى حياً، وسيقول شليقل معه أن الحرية هي الفعل، أن تكون رومانتيكياً بحريتك، فلا أحد يولد رومانتيكياً. 


موعظة الرومانتيكيين

إن الفكرة القادمة من التنوير والقائلة بأن الحياة نمط مغلق وكامل وحقيقي الوجود وموضوعي، وما دام يمكن الاسترشاد إليه فإنه يمكن تعليمه للآخرين، إن هذه الفكرة هي ما هاجمته الرومانتيكية من جميع الجبهات، فبالنسبة لها الكون في حالة حركة دائمة دون توقف وهو في نفس الوقت لا محدود وعلاقتنا معه علاقة منطلقة من ذواتنا لا من خارجها، لذا فالتعبير عن تلك العلاقة هو تعبير عن اللامحدود بمحدود أي اللغة والأخيرة لا تكفي وتلك هي المعاناة، وهذا ما جعل الرومانتيكيين يلجأون إلى الرموز وإلى المجاز لمحاولة تخطي حاجز اللغة، وبالتالي كانت الرمزية أحد أهم النظريات المركزية في الفكر الرومانتيكي، الرمزية كانت نتيجة لتلك الرغبة في التعبير، لذلك الحنين إلى اللامحدود والغير قابل للاستنفاد، لذا كانت موعظة الرومانتكية الأساسية هي أن تبدع رؤيتك الخاصة بالكون، فالكون هو ما تختار أن تجعله أنت، وأي محاولة للسعي لجعل ترى الأشياء باعتبارها خاضعة لنوع من العقلنة، لخطة ما، ومحاولة وضع مجموعة من القوانين لتلك الرؤية هو نوع من خداع الذات بالنسبة لهم ويعد غباءً انتحارياً، فأولئك الوحيدين الذي كان بامكانهم فهم الواقع هم أولئك الذين فهموا عبثية أي نوع من تلك المحاولات، فبالنسبة لشليقل “فسحر الحياة يكمن في اللغز الذي لا يمكن كشفه”. فكل القواعد ينبغي نسفها فقط لأنها قواعد وأي محاولة ممكنة للقضاء على التقاليد ينبغي أن يقام بها. والسخرية أحد أهم وسائل النسف التي اخترعها الرومانتيكيون، فكل مبدأ يمكن اعتبار نقيضه هو الصحيح، بل أنه يمكن وجود ثلاث افتراضات أخرى مناقضة للأول لكنها كلها صحيحة، فبالنسبة لشليقل أن نسخر هو أن نمتنع عن الموت، أن لا نستقر ونتجمّد. لذا لم يكن مطلوباً من الرومانتيكي أن يحدد موقفه السياسي، فقد يكون رجعياً وقد يكون تقدّمياً، متفائلاً أو متشائماً، مؤمنا بالمؤامرة وبقوى خفية تتحكم من وراء الستار أو كافراً بها، المهم بالأساس هو وضع اليد على القوى اللاواعية المظلمة والتي غفلت عنها الكلاسيكية المتخفية تحت شعار أن الفضيلة مرادفة للمعرفة منذ سقراط وحتى التقاليد المسيحية والتنويرية.

ولكي نختم فينبغي أن نتساءل ما الذي أنتجته الرومانتيكية؟ ما الذي أورثته للعالم؟، قد تكون الحركة الوجودية هي الوريث الشرعي والحقيقي للرومانتيكية بحسب ايزايا برلين، فبفضل تحويلها الحاد لبعض القيّم استطاعت الوجودية أن تظهر بلباس رومانتيكي متمثل بموعظة أنه لا يوجد في العالم ما يمكن الاعتماد عليه. لكن الفاشية أيضاً كانت وريثة للرومانتيكية، لأن الأولى لا تخضع لنظام عقلاني بل لتبنيها لفكرة الإرادة غير المقيدة سواء للفرد أو للجماعة وهو ما يجعلها في اندفاع يصعب كبح جماحه أو تنظيمه وعقلنته وتوقعه.

وبغض النظر عن مسؤولية الرومانتيكية عن الفاشيات إلا أن المجمتعات الحديثة والمجتمع الغربي خاصة يدين لها بالكثير، على المستوى الفني يدين لها بحرية الفنان وعدم قابلية تفسيره تفسيراً تبسيطياً والاعتراف أن الجواب الوحيد على أي سؤال هو أمر منهك وهو المسؤول الأول عن ميلاد الطغاة والمستبدين الذين سيسعون إلى فرض إجابتهم الوحيدة، فالقيم بالنسبة للرومانتيكية متعددة ومختلفة وغير قابلة للحسم. هذا ما نتج عنه دعوة إلى الليبرالية والتسامح وتقدير كبير للحياة نفسها باختلافها وتناقضاتها، ولأنهم كانوا مؤمنين بعدم قابلية الأنشطة الانسانية للتنبؤ فقد انتهوا بدون أن يقصدوا إلى عكس ما دعوا إليه، أي إلى فهم ذاتي وعقلاني للحياة.


بقلم: مولاي ارشيد أحمدو

تساؤل الفيلسوف والمؤرخ ويل ديورانت عن معنى الحياة

ما معنى الحياة لنا؟ ماذا ستكون إجابة الآخرين عن تساؤل كهذا؟ وما معناها لرجلٍ يمضي بقية أيامه زنزانة مثلًا؟ صحيح أن البحث عن الحقيقة أشبه بالجري خلف السراب، لكن علينا ألا نغفل عنها بينما نواصل حياتنا، وقد تكون لدى البعض فكرةٌ مجردةٌ، أو تجارب حياتية لا تمت للمعرفة النظرية لدى الآخرين.

لا حدود للمعرفة، والجدية الصارمة ليست الطريق الأمثل دائمًا، فالحياة جميلة بتنوعها، بسهولها وهضابها، في لحظاتها الحلوة والمرّة، وكما تتفاوت لحظات الحياة يتفاوت معنى الحياة من شخص لآخر، ولكم هو جميل أن نقرأ آراء مختلفة عنها في هذا الكتاب، ومع معنى الحياة لمؤلفها العظيم (ويل ديورانت)؟

هكذا استفتح المترجم (كنان قرحالي) في كتابه عن الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي (ويل ديورانت) [1885-1981] في كتابه (عن معنى الحياة). ففي الخامس عشر من يوليو ١٩٣١، أرسل (ديورانت) إلى عدد من الشخصيات المشهورة، ممن يقيمون داخل الولايات المتحدة أو خارجها. جاء في الرسالة:

عزيزي،

هلا توقفت عن العمل لبرهة وشاركت معي في لعبة الفلسفة؟

أنا أحاول مواجهة سؤالٍ لطالما كان جلينا، أكثر مما هو على استعداد للإجابة عنه: ما معنى، أو قيمة الحياة البشرية؟ سبق أن تم تناول هذا السؤال من قبل المنظرين خصوصًا من (اخناتون) و(لاوتسي) إلى (برغسون) و(سبيلنغلر). إلا أن النتيجة لطالما شكّلت نوعًا من الانتحار الفكري؛ فالفكر، في جوهر تطوره يبدو وكأنه قد دمّر قيمة الحياة ومعناها. فنموّ المعرفة وانتشارها -الأمر الذي صلّى لأجل حدوثه الكثير من المثاليين والإصلاحيين- أدّى إلى خيبة أمل كادت تحطّم روح عرقنا.

لقد قال لنا علماء الفلك إن حياة الإنسان لا تعادل سوى لحظة في حياة نجم، فيما قال لنا الجيولوجيون إن الحضارة ليست سوى فاصل عرضي بين عصرين جليديين. وقال علماء الأحياء إن الحياة في مجملها مجرد صراع وجوديّ بين الأفراد والجماعات والأمم والتحالفات والأنواع، فين حين قال المؤرخون إن “التقدم” مجرد وهم ينتهي مجده بالانحطاط الحتمي. أما علماء النفس فقالوا إن الإرادة والذات امتداد قاصر للموروثات والبيئة، وإن النفس التي كانت يومًا ما طاهرة، ما هي إلا اتقاد دماغي سريع الزوال.

فالثورة الصناعية أدّت إلى دمار المنازل، فيما اكتشاف وسائل منع الحمل آخذ بتدمير العائلة والأخلاقيات القديمة، وربما العرق البشري بكامله [بسبب عقم الاذكياء]. وحُلل الحب على أنه احتقان فيزيولوجية مؤقتة، فيما يتحول الزواج إلى مجرد ملاءمة فيزيولوجية مؤقتة، أرقى قليلًا من حالة الاختلاط الجنسي. أما الديموقراطية فتحولت إلى فساد لم يعرف مثله سوى “الداعية السياسي” الروماني (ميلو). وتلاشت أحلامنا بـ”اليوتوبيا” الاجتماعية، فيما نشهد، يومًا بعد يوم، جشع الإنسان الذي لا يكلّ.

وكل اختراع جديد يجعل القوي أقوى والضعيف أكثر ضعفًا، في حين تحل الآلات الجديدة محل الرجال مضاعفة من أهوال الحروب. أما الغيبيات التي كانت يومًا عزاء حياتنا القصيرة، وملجأنا في الفجيعة والألم، فيبدو أنها اختفت في المشهد، ولا يمكن لأي تيليسكوب أو مجهر اكتشافها. وقد أصبحت الحياة، من خلال المنظور الشامل الذي هو الفلسفة، تفريخًا متناولًا للحشرات البشرية على الأرض. وأكزيما كوكبية قد يتم التخلص منها قريبًا. لا شيء مؤكد فيها سوى الهزيمة والموت – هذا النوم الذي وعلى ما يبدو لا يقظة منه.

ونحن مدفوعون للاستنتاج بأن الخطأ الأعظم كان اكتشاف “الحقيقة”، الذي لم يجعلنا أحرارًا إلا من الأوهام التي سبق أن عزّتنا والقيود التي سبق أن حمتنا. وهي التي لم تجعلنا سعداء، لأن الحقيقة ليست جميلة، ولم تكن تستحق السعي خلفها بكل هذا الشغف.

وعندما ننظر إليها الآن، نتساءل لماذا تسارعنا للعثور عليها، فقد أخذت منا كل أسباب الوجود، عدا المتعة اللحظية والأمل المبتذل بالغد.

أرسل (ديورانت) هذه الرسالة إلى عدد من الأشخاص المؤثرين في المشهد العالمي حينها، مثل (المهاتما غاندي) والروائي الأمريكي (سينكلير لويس) صاحب الرائعتين (بابت) و(الشارع الرئيسي). بالإضافة إلى رئيس جامعة دارتموث (إرنست مارتن هوبكينز)، والناشطة (ماري أيما وولي)، والفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) وغيرهم.

يعقب (ديورانت) على رسالته، فيقول:

ما كانت هذه الرسالة لتعبّر بدقة عن استنتاجاتي الخاصة حول معنى وجودنا، فليس من طبيعتي أن أكون شديد التشاؤم، إلا أنني رغبت بداية في مواجهة الاحتمالات الأكثر مرارة، وفي المراهنة عكس رغباتي، وفي طرح المشكلة بطريقة تحمي من التفاؤل السطحي الذي اعتاد الرجال من خلاله على الالتفاف إلى مشكلات الحياة الأكثر عمقًا.


تحرير: أحمد بادغيش

في جوهر الفنون والفنان، عند الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر

تبرز أهمية (مارتن هايدغر)، الفيلسوف الألماني، بعدد من كتبه، مثل كتاب (مدخل إلى الميتافيزيقيا) في دراسة وتحليل جوهر الأشياء، بما في ذلك أسئلة الوجود والصيرورة والكينونة والواقع. أو كتابه الآخر (الكينونة والزمان)، والذي يُعد كتابه الرئيسي -كتبه عام 1927- ويُعتبر باتفاق عام بين الباحثين؛ أعظم تحليل للوجود البشري. وقد ظهر في [الفلسفة الوجودية] على امتداد هذه الحركة كلها. ومن الممكن النظر إلى تركيزه في هذا الكتاب على موضوعات مثل: الهم، القلق، والإثم، والتناهي.
في كتابه الصادر عن منشورات الجمل والذي حمل عنوان (أصل العمل الفني) من ترجمة الأستاذ (أبوالعيد دودو)، والذي يقول في مقدمته:

“الصيغة الأولى لهذا البحث تُشكّل محتوى محاضرة، كنت قد ألقيتها في 13 نوفمبر1935 في الجمعية العلمية الفنية في مدينة فبرايبورغ بمنطقة برايسغاو، وأعيد إلقاءها في شهر يناير1936 في زيورخ بدعوة من الجمعية الطلابية في الجامعة.”

يبتدئ بعد ذلك في تعريفه للأصل، فيقول:

“الأصل يعني؛ هنا، من أين، وبماذا يكون هذا الشيء وما هو؟ وكيف هو؟
هذا هو الذي عليه الشيء، وكيف هو، نسميه جوهره. أصل الشيء هو مرجع جوهره، والسؤال عن أصل العمل الفني سؤال عن مرجع جوهره.
والعمل ينبع وفقًا للتصور العادي من نشاط الفنان وعن طريق نشاطه. ولكن عن طريق أي شيء وكيف يستطيع الفنان أن يكون ما هو عليه؟ إنه يكون كذلك عن طريق العمل الفني؛ وإذا كان العمل الفني يُثني على الفنان، فلذلك يعني أن عمله هو الذي يجعل الفنان يبرز بوصفه الفنان.
الفنان هو أصل العمل الفني، والعمل الفني هو أصل الفنان. لا وجود لأحدهما دون الآخر!
على أنه في الوقت نفسه لا يحمل أحدهما الآخر وحده، الفنان والعمل الفني هما دائمًا في ذاتهما، وفي علاقتهما المتبادلة، موجودان عن طريق ثالث.
هو الأول .. أي ذلك الذي اتخذ منه الفنان والعمل الفني اسميهما، وهو طريق الفن.”

ويتحدث في موضع آخر من كتابه، بأن “السؤال عن أصل العمل الفني، يُصبح سؤالًا عن جوهر الفن!”، ثم يقول بعد ذلك في مطلع حديثه عن الفن:

“أما السؤال عن ما هو الفن؟ فينبغي أن يُستمد من العمل الفني. ونحن لا نستطيع أن نعرف ما هو العمل الفني، إلا من جوهر الفن.”

بقلم: علي زين
تحرير: أحلام العمري

عن نيوتن، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

“وما الحقيقة إلا ثمرة للصمت والتأمل”

في خمسينات القرن السابع عشر للميلاد، بدأت غمامة الطاعون باجتياح العديد من بلدان أوروبا. حيث ضرب الوباء إيطاليا، أولاً، تلتها إسبانيا و ألمانيا، ثم هولندا. في ذلك الحين، كانت إنكلترا -التي يبدو أن إرادة الله شاءت أن تحميها من ذاك الوباء- تراقب الدول المجاورة لها من خلف جدار القنال الإنكليزي بوَجلٍ شديد، ثم بهدوء يسوده الحذر لمدة وصلت إلى ما يقارب عقدًا من الزمن.

بيد أن العالم بأسره، آنذاك، كان يضع التجارة في مقام رفيع، كما أن قوى العولمة كانت آخذة بالانتشار. وبما أن اقتصاد إنكلترا كان يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التبادل التجاري، فإن موانئها كانت تعج بالسفن المحمّلة بالحرير والشاي والسكر القادم من كافة الحدود المكتشفة في العالم. لكن هذه السفن كانت محملة، أيضا، بالجرذان التي تحمل على أجسادها براغيثا، وهذه البراغيث هي التي تحمل البكتيريا المسببة للمرض؛ والتي كانت عبارة عن مملكة من الكائنات الحية الدقيقة أحادية الخلية، علماً أن الخلية لم تكن مكتشفة بعد، في ذلك الحين؛ إذ تنتقل العدوى من تلك البراغيث إلى جسد الإنسان عند رسوّ السفن.

وهكذا, تم الإعلان عن أول حالة وفاة بالطاعون في لندن في يوم الميلاد عام 1664. تلتها حالة أخرى في شهر شباط \ فبراير, ثم تتالت الحالات بعد ذلك. وهذا ما دفع كاتب اليوميات الإنكليزي (صموئيل بيبس) ليكتب في شهر نيسان\ أبريل من العام ذاته قائلاً:

“في هذه المدينة، ثمة مخاوف كبيرة من المرض. ليحفظنا الرب جميعا.”

صموئيل بيبس

بيد أن الرب لم يكن نظيرًا لانعدام المعرفة العلمية الأساسية بعلمي الأحياء والأوبئة. كانت الوفيات سريعة ومروعة، وسرعان ما أصبحت كثيرة إلى الحد الذي لم يتمكن أحد فيه من حمل الجثث. لتزداد أعداد الضحايا عشرة أضعاف بحلول فصل الصيف. إذ قفز عدد الوفيات من المئات إلى الآلاف في الأسبوع الواحد. لذلك فُرض على المرضى البقاء في منازلهم. كما تم وضع العديد منهم في سفن وتركوا ليلقوا حتفهم بمعزل عن المدينة. أما بيوتهم، فقد رسم عليها من الخارج صليب كبير للدلالة على وجود مصابين في الداخل. وفيما يخص المسرحيات، والرياضات الدموية العنيفة، وما إلى ذلك من تجمعات لحشود الناس، فقد مُنعت منعًا باتًا. كما منع الباعة المتجولون من بيع السلع، وموزعي الصحف اليومية من الهتاف في الشوارع، فانزوى الجميع إلى الداخل. ليخيم على مدينة الصخب والضجيج صمتًا موحشًا وغريبًا. وتغلق الجامعات، هي الأخرى، أبوابها.

عندما أرسلت جامعة “كامبريدج” طلابها إلى منازلهم، كان هنالك شاب شغوف بعلم الرياضيات و الحركة والضوء. هذا الشاب الذي توفي والده الأمي قبل ولادته بثلاثة أشهر. والذي كان يعبد “إله النظام لا الفوضى” وبدأ دراسته الجامعية عن طريق خدمته لبعض الطلاب الأثرياء من أجل تحصيل مصاريف دراسته. حيث أخذ كتبه التي جمعها، وعاد بها إلى مزرعة أمه.

هنا، حيث العزلة والوحدة، إذ يواصل الوباء امتداده بشراسة، كان (إسحق نيوتن) يحلم بنقطة الارتكاز التي تنتشل البشرية من عصور الظلام. في هذا المكان، سواء كانت الحادثة حقيقة أم مشكوك بصحتها؛ سقطت التفاحة. وفي ظل تلك التفاحة بزغت الفكرة الثورية لقانون الجاذبية التي يراها (نيوتن) قوة “يمتد تأثيرها حتى مدار القمر” على طول المسافة الفاصلة  بينه وبين الأرض دون انقطاع أو حدود. في ذات المكان شرع (نيوتن) بحساب تلك القوة التي يعتبرها “عنصرًا ضروريًا لإبقاء القمر في مداره، بفعل قوة الجاذبية على سطح الأرض” في غضون حسابه لهذه القوة، قوة الجاذبية، وكضرورة للقيام بذلك، ابتكر (نيوتن) نظرية التفاضل و التكامل.

في كتابه المميز (إسحاق نيوتن) الذي يعد مقياساً ذهبياً للسيرة الذاتية والسرد القصصي، والذي يجسر الهوة بين العلم و الشعر، كما يعرفنا على القصص الكامنة خلف المشاهير “الوقوف على أكتاف العظماء“* يحدثنا الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) عن (نيوتن) الشاب  الهارب من الطاعون إلى منزل طفولته، إذ يقول:

“لقد أنشأ (نيوتن) رفوف مكتبته بنفسه، وشيّد مكتبة صغيرة. فتح (نيوتن) دفتر ملاحظاته الذي يحتوي على ما يقارب الألف صفحة، والذي كان قد ورثه من زوج أمه وأسماه “كتاب مهمل” وبدأ بملئه بملاحظاته التي سرعان ما تحولت إلى بحوث حقيقية. لقد جلب لنفسه المشاكل؛ فقد تفكر بهذه الملاحظات بهوس شديد، محصياً الإجابات الواردة فيها، وطارحًا المزيد من الأسئلة. لقد تجاوز (نيوتن) حدود المعرفة، على الرغم من عدم علمه بذلك. فكانت سنة الطاعون هي سنة التغيير الجذري بالنسبة له.  فقد جعلت منه تلك الوحدة والعزلة عن العالم الخارجي عالم الرياضيات الأهم في العالم.”

[جيمس جليك] – إسحاق نيوتن

 ومن حسن حظ (نيوتن) أنه عاش حياةً طويلة، فقد بلغ عمره عند وفاته أربعة وثمانين عاما، أي أنه عاش أكثر من ضعف متوسط العمر المتوقع للإنسان في تلك الفترة. حيث حُمل نعشه من قبل اللوردات و النبلاء آنذاك. كان (نيوتن) سيعيد النظر إلى أكثر مراحل حياته الفكرية ثراء  خصوبة وهو يدرك بأن “الحقيقة ليست سوى ثمرة للصمت و التأمل”


*يقصد بها عبارة (نيوتن) الشهيرة التي أجاب بها عندما سئل عن قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون، والوصول إلى قوانين لم يستطع غيره الوصول إليها  ” إذا كانت رؤيتي أبعد من الآخرين، فذلك لأنني أقف على أكتاف العمالقة من العلماء الذين سبقوني” 

بقلم: ماريا بوبوفا
ترجمة: دلال الرمضان
مراجعة وتحرير: أحمد بادغيش

[المصدر]

لماذا نتدارس الرياضيات؟ (راسل) يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في كتابه (عبادة الإنسان الحر)، والذي نقله إلى العربية الأستاذ (محمد عمارة)، تحدث (راسل) عن أحد الأسئلة التي لطالما التقطتها آذاننا حول أهمية علم الرياضيات، والفوائد العائدة على تعلمها. فيتحدث (راسل) مجيبًا في مطلع حديثه عن أحد أهم أهداف الرياضيات:

أحد الأهداف الرئيسية التي تهدف إليها الرياضيات، عندما تدرس بطريقة سليمة، هو إيقاظ إيمان المتعلم بالعقل، وتنمية ثقته في حقيقة ما تم إيضاحه وفي قيمة هذا الإيضاح. هذا الهدف لا يخدمه التدريس القائم حاليًا، ولكن من السهل رؤية الطرق التي يجب أن تخدمه.

ولفهم كيفية تعاملنا مع الرياضيات كأحد تجليات علم المنطق وأساليب الترميز، يقول (راسل):

في بدايات علم الجبر، كان أكثر الأطفال ذكاء يجدون، كقاعدة عامة، صعوبات كبيرة في فهمه، حيث كان استخدام الحروف يمثل لغزًا، ويبدو كما لو أن ليس له من هدف إلا الغموض. وربما كان يستحيل في البداية ألا يُعتقد أن كل حرف يمثل رقمًا بعينه لو كان المدرس يكشف عن الرقم الذي يمثله.

الحقيقة أنه في علم الجبر يتم تعليم العقل في البداية النظر إلى الحقائق العامة، الحقائق التي لا يُقال إنها تنطبق فقط على هذا الشيء أو ذاك، بل على كل شيء فرد من مجموعة من الأشياء. إن القدرة على فهم واكتشاف تلك الحقائق يكمن فيها تمكن العقل من عالم الأشياء الفعلية والممكنة. ومقدرته على التعامل مع ما هو عام يعد إحدى المواهب التي يجب أن يتمتع بها دارس الرياضيات.

ومن ثم يبدأ الجزء الأشد صعوبة في الرياضيات، وهي علم الجبر، والمعادلات غير النهائية. فيتابع (راسل):

عندما يتم تعليم الجبر، تسير الأمور بيسر إلى أن نصل إلى الدراسات التي توجد بها مفاهيم اللانهائية، والمعادلات اللانهائية، وكل الرياضيات العليا. وحل الصعوبات التي كانت تحيط اللانهائية الرياضية ربما كان أعظم الإنجازات التي يفاخر بها عصرنا؛ فمنذ بداية الفكر الإغريقي، كانت تلك الصعوبات معروفة، وفي كل عصر حاولت أعظم العقول الإجابة على السؤال الذي بدا أنه لا إجابة له، والذي سأله (زينو الإلياتي). أخيرًا وجد (جورج كانتور) الإجابة، وتمكن من جعل العقل يقهر مجالًا جديدًا وواسعًا كانت تسيطر عليه الفوضى.

بعيدًا عن آليات تدريس الرياضيات، وعودة إليها ذاتها، وإلى أهميتها، يقول (راسل):

الآن حان الوقت لاكتساح كل ذلك بعيدًا، ولندع الذين يودون الولوج إلى عالم الرياضيات، يتعلمون في نفس اللحظة النظرية الصحيحة، بكل نقائها المنطقي، وبكل التركيز الذي يوفره جوهر مكوناتها.

إذا نظرنا إلى الرياضيات على أنها غاية في ذاتها، وليس تدريبًا تقنيًا للمهندسين -فمن المرغوب فيه بشدة الحفاظ على نقاء وقطيعة تسبيبها- وبالتالي فإن من وصلوا إلى التمرس الكافي بأجزائها الأسهل، يجب أن يوجهوا للخلف قليلًا. فمن الفروض التي قبلوها على أنها ذاتية الدليل إلى الأسس الأصولية التي كان ما يبدو منها في السابق يعد فرضًا يمكن استنتاجه.

يجب أن يتعلموا -وهو ما تظهره نظرية اللانهائية- أن الكثير من المقدمات يبدو ذاتي الدليل للعقل غير المدرب، وأنها بالتمحيص الدقيق تصبح خطأً. بهذه الطريقة يتم توجيههم إلى البحث التحليلي للقواعد الرئيسية، وإلى اختبار الأسس التي ينبني عليها صرح التسبيب المنطقي بكامله، أو باستخدام عبارة أدق؛ يتأسس الجذع الأعظم الذي تخرج منه الفروع الأخرى.

في هذه المرحلة يكون من الأفضل أن تتم دراسة الأجزاء الرئيسية للرياضيات من جديد، دون السؤال عن صحة فرض من الفروض ولكن بالإجابة على السؤال؛ “كيف أمكن إثباته من القواعد المركزية للمنطق؟” الأسئلة من هذا النوع يمكن الآن إجابتها بدقة وتأكد كانا مستحيلين سابقًا، وفي سلسلة التسبيب التي تتطلبها الإجابة، فإن وحدة كل الدراسات الرياضية تفصح عن نفسها.

فالرياضيات هي البحث في المسببات للنتائج المشهودة لكل الأشياء الفعلية والممكنة، كما يقول (راسل) في موضع آخر من حديثه:

عادة ما يصر الفلاسفة على أن قوانين المنطق، التي تتميز بها الرياضيات، هي قوانين للفكر وأنها قوانين تنظم عمليات عقولنا. بهذا الرأي تم الحط من كرامة التسبيب بدرجة كبيرة؛ فلم يعد بحثًا في قلب الجوهر غير المتغير لكل الأشياء الفعلية والممكنة، وإنما أصبح بدلًا من ذلك بحثًا في شيء إنساني بدرجة أو بأخرى، وعرضة لمحدداتنا.

إن تدبر ما ليس إنسانيًا، واكتشاف أن عقولنا قادرة على التعامل مع مواد دامدة وليست من ابتكارات عقولنا، فوق كل ذلك، إدراكٌ بأن الجمال هو شيء ينتمي للعالم الخارجي كما ينتمي للعالم الداخلي.

يختتم (راسل) حديثه عن الرياضيات، وتأثيرها على حياتنا اليومية، بقوله:

تعد الوسائل الرئيسية للتغلب على الإحساس بالمؤلم بالعجز والضعف تجاه قوى معادية، والتي من المؤكد أنه ينتج عن الاعتراف بالقدرة الغامرة لقوى غريبة، وإن تصالحنا باستعراض جمالها الطاغي وبسيطرة القدر -والذي يعد تجسيدًا لهذه القوى- يكون ذلك هو مهمة التراجيديا.

ولكن الرياضيات تأخذنا إلى أبعد مما هو إنساني؛ إلى منطقة الضرورة المطلقة التي يجب أن ينسجم معها، ليس العالم الفعلي فحسب، وإنما كل عالم آخر ممكن. وحتى هنا فإنها تشكل اعتيادًا، أو نجد اعتيادًا مستمرًا، حيث تتحقق مثلنا العليا، ولا تخيب أعظم آمالنا. فقط عندما نفهم بعمق استقلاليتنا الكاملة التي تنتمي للعالم الذي يجده عقلنا، يمكننا أن ندرك الأهمية الشاملة لجمال هذا العالم.

بين اللغة والفكر والتربية، جون ديوي يتأمل

جون ديوي (1859-1952) هو مربٍ وفيلسوف وعالم نفس أمريكي وزعيم من زعماء الفلسفة البراغماتية.

في أحد أبرز كتبه والمعنون بـ(كيف نفكر؟)، والذي نقله إلى العربية د. (محمد علي حرفوش)، تحدث عن علاقة اللغة بالفكر، فابتدأ حديثه قائلًا:

لقد تم الحفاظ على ثلاث وجهات نظر نمطية فيما يتعلق بعلاقة الفكر واللغة:

  • أولًا؛ هما متطابقان

  • ثانيًا؛ الكلمات تقوم مقام زي الفكر أو لباسه، الضروريين ليس من أجل الفكر بل من أجل إيصاله فحسب

  • وثالثًا، وهي وجهة النظر التي سوف ندافع عنها هنا؛ القائلة في حين أن اللغة ليست فكرًا فهي ضرورية من أجل التفكير ومن أجل إيصاله في آن واحد.

يتابع بعد ذلك، موضحًا ما تحتويه مفردة “اللغة” من معانٍ، فيقول: 

وعند القول، من جانب آخر، إن الفكر مستحيل دون لغة، فعلينا أن نتذكر أن اللغة تتضمن أكثر من الكلام الشفهي والمكتوب بكثير. فالإيماءات، والصور، والنُصب، والصور المتخيلة، وحركات الأصابع، وأي شيء يتم استخدامه بطريقة واعية على أنه إشارة، منطقيًا، هو لغة.

والقول بأن اللغة ضرورية للتفكير يكافئ القول بأن الإشارات ضرورية. لا يتعامل الفكر مع الأشياء الصرفة، لكن مع معانيها، واقتراحاتها؛ ولكي يتم استيعاب المعاني، يجب تجسيدها في وجودات محسوسة وخاصة. ودون معنى، الأشياء ليست سوى محفزات عمياء أو مصادر للفرص المتعلقة بالسرور والألم؛ وطالما أن المعاني ليست بذاتها أشياء ملموسة، يجب تثبيتها بواسطة الربط بوجود مادي ما. فالموجودات الموضوعة جانبًا ولا سيّما لتثبيت المعاني وإبلاغها هي إشارات ورموز.

ثم ينتقل إلى فصل آخر بعنوان “انتهاك المناهج اللغوية في التعليم”، قائلًا:

في حال التسليم حرفيًا بالأمر، فإن الحكمة القائلة، “درّس الأشياء، لا الكلمات“، أو “درّس الأشياء قبل الكلمات” ستكون رفضًا للتعليم؛ وهي تقلّص الحياة الذهنية إلى تعديلات مادية وحسية. والتعليم، بالمعنى الصرف، ليس تعلّم الأشياء، بل معاني الأشياء، وتنطوي هذه العملية على استخدام الإشارات، أو اللغة بمعناها التصنيفي.

[…] الرموز هي ذاتها، كما تم توضيحه، وجودات خاصة، ومادية، وحسية، مثل غيرها من الأشياء. وهي رموز فحسب بمقتضى ما تقترحه وتجسده، أي المعني. وهي تقوم مقام هذه المعاني فحسب بالنسبة إلى أي فرد حينما خضع لتجربة متعلقة بوضعية علاقة المعاني بها. من الممكن أن تنفصل الكلمات وتحفظ معنىً ما عندما يكون المعنى أولًا متضمنًا في اتصالنا المباشر مع الأشياء. إن محاولة منح معنى من خلال كلمة فقط دونما أية تعاملات مع شيء هو حرمان الكلمة من المغزى المفهوم؛ ولقد قام المصلحون بالاحتجاج ضد هذه المحاولة، وهي نزعة سائدة إلى حدٍ كبير في التربية.

علاوة على ذلك، هنالك نزعة لافتراض أنه حينما توجد كلمة أو صيغة محددة من الكلام توجد فكرة محددة؛ بينما، في حقيقة الأمر، الراشدون والأطفال على قدم المساواة قادرون على استخدام صيغ صوتية دقيقة ذات معنى أكثر غموضًا وأكثر تشويشًا عما تعنيه.

الجهل الحقيقي أكثر ربحًا لأنه من المرجح أن يكون مترافقًا مع التواضع، والفضول، والانفتاح الذهني؛ بينما القدرة على تكرار عبارة لازمة، ومصطلحات اللغة الخاصة بالحرفة، وحروف الجر المألوفة، تقدّم وهمًا متعلقًا بالتعليم وتغلّف العقل بغلاف عازل حيال الأفكار الجديدة.

يختصر (ديوي) كلماته السابقة، بعد ذلك، في الجملة التالية:

تغدو الكلمات التي تقوم أصلًا مقام الأفكار، باستخدام متكرر، دلالات بحتة؛ وتصبح أشياء مادية يتم التلاعب بها بموجب قواعد محددة، أو يتم اتخاذ ردة فعل تجاهها بواسطة عمليات محددة دون وعي لمعناها.

وأخيرًا، ينتقل (ديوي) إلى فصل أخر بعنوان “استخدام اللغة في التوجهات التربوية”، فيقول مقدّمًا مقترحاته لاستخدام اللغة في خدمة الفكر والتربية:

تبلغ مقولة إن “اللغة تعبير عن الفكر” نصف الحقيقة فقط، ونصف الحقيقة التي من المرجّح أن يترتب عليها خطأ حقيقي. تعبّر اللغة حقًا عن الفكر، لكن ليس في المقام الأول، وليس، في البداية، حتى على نحو واعٍ. والدافع الأولي للغة هو التأثير؛ من خلال تعبير متعلّق بالرغبة والشعور والفكر، على نشاط الآخرين؛ واستخدامها الثانوي هو الدخول في علاقات اجتماعية أكثر حميمية معهم؛ وتوظيفها بصفتها وسيلة توصيل واعية للفكر والمعرفة هي تشكيل ثلاثي، ومتأخر نسبيًا.

[…] وتكمن الصعوبة في تحويل العادات المتعلقة “بالأمور والتسهيلات العادية” إلى عادات مهتمة بـ”الأفكار الدقيقة”. يتطلب الإنجاز الناجح للتحوّل:

  1. توسيع مفردات التلميذ؛ بواسطة احتكاك فكري أوسع مع الأشياء والأشخاص، وأيضًا على نحو بديل، بواسطة تجميع معاني الكلمات من السياق الذي تُسمع أو تُقرأ فيه
  2. جعل مصطلحاته أكثر تحديدًا ودقة؛ باكتشاف ظلال المعاني وتسميتها، وهذا يعني بواسطة جعل المفردات أدق
  3. تشكيل عادات الخطاب المتعاقب؛ فمثلما يوضع كل معنى في سياق موضع معين، وإلى هذا الحد تنتمي كل كلمة في الاستخدام المادي إلى جملة ما، والجملة بدورها تنتمي إلى قصة أكبر، ووصف، أو عملية استنتاج منطقي.

يظهر من ثمة أن الإنسانوي الثاني موصول بما يمكن أن أسميه ثورة الحب. أي اختراع العائلة والزاوج الثابت والاختياري. لوك فيري في مقالة بعنوان: غسق العبقري

لوك فيري، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(جيل دولوز) و(ميشال فوكو) وغيرهم، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة.

في مقالة كتبها (فيري)، حملت عنوان “Le crèpuscule d’un Gènie” أو “غسق العبقري”، ونُشرت في مجلة (LE Point) الفرنسية عام ٢٠١٧، ننقلها إليكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (فيري) في مقالته:

منذ ما يقارب الأربعين سنة، أزمعت على ترجمة أعمال (كانط) الكاملة والتعليق عليها في دار Plèiade للنشر. كنت حينها أدافع عن ما أسميه اليوم  “الإنسانوي الأول” أو بعبارة أخرى “الإنسانوي الجمهوري وريث الأنوار”، كما هو رأس الأمر مع (فولتير) و(كانط)، فالثورة الفرنسية وحقوق الإنسان. أستشعر هاهنا أن الحديث عنها قد أغلق مع الفيلسوف الألماني (يورغن هابرماس)، منظورا لكوني لي العديد من اللقاءات المنعشة معه كما لي أيضا اخرى مع (كارل ابل أوتو).

بعيد أن تطورت لم أتوقف البتة، كذات جمهورية دون مواربة على النظر لـ(كانط) بوصفه أكبر فيلسوف لزمن الحداثة. بيد أن ثمة سؤالين حاسمين يندفعان بقوة في ركن الإنشاءات الجميلة لفكرة الجمهورية و التي قد اكون  أخذتها بالنسبة لي.

السؤال الأول يسير في طرحه صعب في حله:

– لماذا يدافع هذا الأنسانوي الأول عن حقوق الإنسان حيث يمكن بكل يسر تحويل وجهتها و استغلالها كعنصرية للأنظمة الكليانية يمينا او يسارا عند (توكيفيل) أو (جول فيري

– ضمن أية ثورة على الحياة الخاصة؛ الزواج الحب والعائلة، سيهتز تاريخ الإنسانية بما فيه أيضا الجسم السياسي والمنظور الروحي وليس ببساطة الأخلاقي منظورا لفعل يظهر مع الإنسانوي الثاني الذي ليس عنده فقط الأنوار بل حقوق العقل، جمهورية العلوم لكن أيضا يأخذ يدافع عن سرديته خارج الأديان. السؤال ههنا منسوب لشكلنة معنى الحياة؟

منظورا من جهة لكون الكتابة العنصرية الكليانية طافحة في كتابات (كانط) عن العرق، بوضوح كانت فيه بمثابة الفكرة الرئيسية والمحركة لفكرة الجمهورية المباشرة.

حيث لم تكن تنازلا نادرا فقط في ذلك الزمن. بل نتيجة للمبدأ الأشد ترسخا في انكشاف الفروق بين الإنسان والحيوان. فهل قدت الحرية منتزعة من الطبيعة إلى غاية دخولها في منطق الإبتكارات والتاريخ؟ والدليل على ذلك القول هو أن الإنسانية هي النوع الحي الوحيد الذي ما فتأ ينتج تحولات ثقافية وسياسية متظاهرة دوما بشكل جيد عن بقية السوائم وذلك تارة بالتعليم، اللغة، الحياة الاجتماعية إضافة إلى بقية أقرانها.

هذا في كله بعيد أيما بعد في أن يظهر في جنس الحيوان، فيما أبعد في تاريخ مدنه الكبرى و مدارسه و متاحفه ومكتباته. هاهنا أي قول يريد أن يفسخ الفرق بين الإنسان و الحيوان بأي ثمن هو مطالب مسبقا بامتلاك أسباب أخرى لذلك الأمر.

بالنسبة لـ(كانط) كما هو الأمر بالنسبة لـ(روسو)، مرد ذلك أننا مسيرون بالغريزة الطبيعية التي تخبرها أيضا الحيوانات في أفعالها في كل مرة؛ مثلا الغيلم حديث الخروج من البيضة يتجه مباشرة نحو المحيط حال دون توجيه أو حماية من أمه معتمدا على نفسه في المشي أو الزحف، فيحين يقبع ضغير النوع البشري خمسة و عشرين سنة عن طيب خاطر في المنزل وهو نفس الامر تقريبا عند الأنواع الأخرى في حين لا يمكن التعرف علم مدننا من عصر لأخر، مثلما هو الأمر بالنسبة لتلال النمل الأبيض أو بقاء النحل على شاكلته من في ألاف خيوطه. إن الطبيعة تتقدم غير ممزوجة بالتاريخ.

من وجهة النظر التي تؤسس فكرة الجمهورية؛ إن الحرية والتاريخانية هما اللذين يشكلان معا الخاصية الإنسانية. لكن الإشكال الذي يطرح هاهنا من قبل المجتمع الذي يقول هاته بدائية في العالم الغربي، إن الحرية والتاريخ هما بإيجاز قابلية استيعاب الابتكارات والإنشاءات المفتوحة التي تستوعب الخاصة الإنسانية.

  • كيف لايريد الجمهوري الكلاسيكي التعاقد مع القبائل البدائية معتبرا إياها أقرب لعالم الحيوان، لما كانت الإنسانية الأوروبية نتيجة محضة لعصر الأنوار؟
  • كيف نفهم تنظيم الجماعات الأولى لإبتكارتها، وحفاظها على أعرافها في الماضي؟
  • على أي نحو سنفهم التنكر لمصالح الجماعات الحديثة للأعراف و التقاليد القديمة؟

إذن مثلما قال رئيس الجمهورية  الفرنسية سنة 2000: “إن الإنسان الإفريقي لم يدخل التاريخ بعد ….! على هذا النحو لماذا لا نعتبر هذا العنوان المؤقت كما لو أنه وجود ما تحت –إنساني .. أو وجود في الحيوان؟”

نحن نستشعر اليوم بعد فهم الأسباب العميقة، أن هاته الإنسانية ليست بعد لنا. إنما العنصرية الكليانية التي تنتمي إلى هذا العالم المتطور أنها أصبحت هي نفسها كريهة أمام أعيننا ..!

فمالذي حدث بين دفتي القرن الثامن عشر ونهاية القرن العشرين للجمهوري الأول الذي يبدو على أقل تقدير بعيد عنا في هاته النقطة. لنعيشها أكثر مثلما الأمر لـ(كلود ليفي ستراوس) و(كانط) و(توكوفيل) أو حتى مع (جول فيري)؟

للإجابة ثمة ثلاثة وقائع كبرى تكفي فقط لنثيرها، أولا العالم الثوري الذي نعرفه لجماهير كليانية، ولادة المقاومة –الضد الإمبريالية وأخذ حركة المقاومة بعيد الحرب العالمية الثانية.

ثانيا في تاريخ الأفكار وأيضا في وعينا ما زالت الكليانية تعمل مقترنة مع ما يمكن الإصطلاح بتسميته بالنظرة الأنطولوجية (بكسر النون). لنقول بعبارة رشيقة؛ أنّ فكرة المجتمعات التقليدية ليست بالضرورة بدائية، أو مجتمعات ماتحت التقدم أو حتى رجعية في معيار الكوخ الغربي.

لكن هاته المجتمعات منظمة حول الماضي بإحترام لأعرافها وقوانينها وسلم قيمها المتوارثة، المتنقلة عبر قنوات الماضي بما فيها أسلافها  وألهتها. إذن تبين ههنا أنها بنائية بالجوهر وليست هشة ثقافيا أو أخلاقيا باعتبار أن المجتمعات التقليدية ترفض الابتكار وتخير استجلاب الأعراف خطأ من الماضي فقط.

جماع القول، يظهر من ثمة أن الإنسانوي الثاني موصول بما يمكن أن أسميه ثورة الحب. أي اختراع العائلة والزاوج الثابت والاختياري. هي إذن واقعة متفوقة وعاطفية من القرون الوسطى استبدلت من الأساس نظرتنا للمقدس، المقدس ليس الديني إطلاقا لكن بوجه عام هو الذي نعرفه بوصفه التضحية والتدنيس من أجل ذلك نموت ونقتل. ضمن ذلك التاريخ بما يتخلله من حروب نعثر على ثلاثة أسباب: الرب بوصفه منطقة الثورة، ثم الإنسانوي البعيد عنا والكانطية التي نحن بعيدون عنها على أي نحو كان حجمها لأنه ليس فقط واجبا بل جليل وحسن حب المقدس الذي نزل إلى الأرض وإمتزج في أمشاج الإنسانية. هو التعالي في التحايث الذي لم يجد بعد زمنا أو فصلا للعظيم صاحب النقود الثلاثة.


قائمة المصطلحات:

١. الكليانية: مفهوم مستعمل من أجل تعريف الدولة التي تحاول فرض سيطرتها على كافة جوانب الحياة الشخصية والعامة قدر إمكانها في إطار محيطها الضيق، او تسعى لفرض هاته الصيغة من الحكم و إسقاطها على بلدان أخرى تستنزف هياكلها وتمارس عليها نوعا من الإسقاط الممنهج يدمر عمق  البلد المستعمر ويسطو على مختلف جوانب حياته.

٢. الإنسانوية: إسم ظهر في نهاية القرن السادس عشر.خلال الحركة الثقافية لعصر النهضة، ويقصد بها دراسة الكتاب الإغريق –الاتينين باعتبارهم مصدر الثقافة الإنسانية، ثم لتمتد هاته التغطية لتشمل كل الأفكار الأولى للعبقريات التي تطرح على نحو كوني.

٣. الكانطية: هي الفلسفة النقدية التي تتوسل طريقة الفيلسوف (كانط) من أجل دراسة شروط المعرفة الممكنة والإنتقال منه لتأسيس نسق كامل يرتكز على فكرة حاسمة فقط، كأن تقول مثلا أن النقد هو أساس المعرفة وتسحب هاته الفكرة الناظمة على كل النظم العلمية الأخرى.


قائمة الأعلام:

١. إيمانيول كانط (1724-1804) فيلسوف ألماني أسس نسقه العقلاني منذ سنة 1770. حين كانت أطلال الميتافيزيقا تقرض العقل البشري وهو متعال عن ما حوله و هاته الإمكانات المعرفية، كانت مناسبة لرصد حدودها في كتاب (نقد العقل المحض) [1781] يبين أن المعرفة تتعاون مع الحساسية وذلك من اجل إنتاج ظواهر الذهن وتنظيمها لإكتشاف قانون الطبيعة، من ثمة تنسحب منهجيا المعرفة المحضة أي المعرفة الميتافيزيقة. يليه كتاب (نقد العقل العملي) [1788] وهو امتحان مباشر يختبر الظروف الممكنة للاخلاق الإنسانية ومعنى الواجب الذي صاغه (كانط) ويظهر ضمنه أن أفكار مثل خلود النفس وحرية الإنسان والله هي ضرورات لتماسك العقل العملي واعتبارها مسلمات أولية. في النهاية ألف كتابه (نقد ملكة الحكم) [1790] حيث يكشف ضمن هذا الكتاب أن الإنسان كما هو الجميل غائية من دون غاية لا يمكن إدراكها وهي التي تجمع كل العناصر المتنافرة في لية جديدة في عمل فني.

٢. جان جاك روسو (1712-1778) فيلسوف وكاتب من جينيف عاين الأنوار، له العديد من الإسهامات منها في خطاب في (أصل الاتفاوت بين البشر) [1754] يبين فيه أن الإنسان يبلور إنطلاقا من تاريخه أن الامساواة تنطلق في بدايتها فيزيائية.وطبيعية ثم تصير فيما بعد لامساواة إتفاقية منظورا للإستبداد السياسي. ثم كتاب (العقد الإجتماعي) و(إميل) في التربية [1762] يفترض فيه علاج مكمل لتعاطي مع فكرة الحرية المدنية الذي يضمنه القانون من خلال الإرادة العامة و الكتاب الثاني يقدم فيه تعليما قادرا على تكوين مواطن حر.

٣. فرانسوا ماريه فولتير (1694-1778) فيلسوف وكاتب فرنسي، اشتهر بطريقته في الكتابة وإلتزاماته السياسية في عصر الأنور. خاض صراعا طويلا من أجل فكرة التسامح كما أسس للشكوكية في مذهبه التي نعثر عليها مثلا في نقده للأنساق الميتافيزيقية. مثل سخريته من النسق الميتافيزيقي في روايته (كانديد) [1759]. شجع مع (لوك) و(نيوتن) في الدفاع عن التفكير التجريبي كشرط اولي للمعرفة بالعالم.

٤. ألكسيس توكفيل (1805-1859) رجل سياسة و مؤرخ فرنسي من كتبه (تحليل الديمقراطية الأمريكية) [1835]، وكتاب أخر تحت عنوان (نظم الحكم والثورة)  ..كان ليبراليا مستقلا يشكك في فكرة التبادل الحر والإستعمار بل ثورة [1848].

٥. جول فيري (1832-1893) محام ورجل سياسة فرنسي.