خلاصات هذا القسم

الأرشيف | المعرفة والفكر الفلسفي

ما هي الفلسفة الملهمة التي يمكن أن نحيا بها اليوم؟ وكيف يمكن للمعرفة أن تلهمنا وتحسن من حياتنا اليومية؟

إشكالية التحيز عند المسيري

d8a7d984d985d8b3d98ad8b1d98a

من أهم أفكار د. عبد الوهاب المسيري –مفكر مصري- والتي استخدمها في العديد من كتبه وأههمها موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، هي فكرة النموذج. واختصاراً هي تجريد نموذج من الواقع بحيث يربط بين عناصر لأول وهلة تبدو لا صلة لها ببعضها، ثم اختبار هذه العلاقة، بعدها يتم اعتماد النموذج، وهذا النموذج يكون خريطة عن طريقها نركز على المعلومات ذات العلاقة بموضوع الدراسة مباشرة، واستبعاد تلك التي لا تخص للموضوع مباشرة، بحيث لا يتشتت جهدنا، ولا يكون مجرد حشر لمعلومات لا تكون صورة تفسيرية للواقع، يقول :

إحدى الصفات المهمة للنموذج أنه يساعد على الرؤية المتعمقة المركبة كلما ازداد تركيبية، وكلما اتسع نطاقه ليضم معلومات وظواهر كانت مهملة أو مهمشة في الماضي. خذ على سبيل المثال الإمبريالية الغربية، ينظر إليها الكثيرون بحسبانها “انحرافاً” عن مسار الحضارة الغربية الليبرالي الديموقراطي الإنساني ..إلخ، ومن ثم يستبعدون كماً هائلاً من المعلومات. إن غيرنا النموذج بأن نزيده تركيبية ونوسع نطاقه، ورأينا الإمبريالية بحسبانها جزء عضوياً من هذه الحضارة وتعبيراً متعيناً عن شيء أساسي وجوهري فيها، فإن عدداً كبيراً من المعلومات الجديدة سيدخل في نطاق النموذج التحليلي، وتصبح ذات أهمية محورية تفسيرية. سنكتشف -على سبيل المثال- أن إبادة الشعوب الأخرى ليست مسألة إنحراف، وإنما نمط عام متكرر: ملايين الهنود في الأمريكيتين- السكان الأصليون في استراليا- سكان الخانات التركية المجاورة لروسيا على يد الدولة القيصرية- إلقاء القنبلة الذرية على اليابان (دون حاجة عسكرية ماسة لذلك)-  الفلسطينيون (الطرد والإبادة)- الجزائريون- شعب فيتنام. كما سنكتشف مثلاً أن قفزة الولايات المتحدة في الثلاثينيات من القرن الماضي تعود إلى حد كبير إلى العمالة السوداء الرخيصة (التي قدمها ملايين العبيد السود)، وأن مجموع ما سلبته إنجلترا من الهند إبان ثورتها الصناعية يفوق كل ما أنتجته في تلك الفترة. إن حساباتنا ستكون مختلفة، والمعلومات التي نبحث عنها ستكون مختلفة، وستظهر لنا بلاهة التحدث عن “التقدم الغربي” بحسبانه نتيجة عناصر خاصة بالمجتمعات الغربية.

ويتحدث عن ذات الموضوع في مكان آخر، خاصة فيما يتعلق بالتحيز الحضاري –وهو إشكالية شغلته كثيراً- وكيف أن كل ما يأتينا وتشربناه من الحضارة الغربية يكون محملاً بتحيز الغرب، فنستبطن نحن تحيزاتهم ضدنا وضد غيرنا من الشعوب، وننظر للعالم ولأنفسنا بتحيزاتهم هم، فيقول في معرض نقضه لفكرة (تقدم الغرب) التي كان يلهج بها كثير من الكتاب والمثقفين في عصره:

إننا سنكون بشراً من الدرجة الثالثة بشكل دائم، وإذا حثثنا الخطى أصبحنا من الدرجة الثانية، وهذا أقصى ما نطمح إليه، لأن الدرجة الأولى هي الغرب ذاته الذي يتحرك باستمرار في الاتجاه الذي قرره لنفسه، والذي قررته له حركياته التي لا هدف لها، هذا يجعل من الضروري استرداد الإمبريالية كمقولة تحليلية، فلا يمكن دراسة تاريخ الديموقراطية في الغرب وتاريخ المجتمع المدني دون دراسة المشروع الغربي الإمبريالي. فديموقراطية إنجلترا تستند إلى حقيقة أن هذا البلد حقق الأمن الاجتماعي في الداخل، عن طريق تصدير كل مشكلاته إلى الشرق، (وما الصهيونية سوى تصدير المسألة اليهودية إلى الوطن العربي). وهناك إحصائيتين في غاية الدلالة: الأولى بخصوص ما نهبته إنجلترا من الهند وأنه يفوق كل ما أنتجته إبان الثورة الصناعية (فما بالك بحجم ما نهب من الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؟). والثاني بخصوص الرأسمالية الأمريكية وقفزتها الهائلة التي حققتها في منتصف القرن التاسع عشر من خلال عدة عناصر كان من أهمها صناعة المنسوجات القطنية، والتي تستند على محصولات القطن الرخيصة. هذه المحصولات كان ينتجها آلاف العبيد السود، الذين يشكلون عمالة رخيصة تمت سرقتها من إفريقيا ثم الهيمنة عليها وقسرها على أن تعيش تحت أقسى أنواع الظلم ودون حد الكفاف. إن الإمبريالية ليست غزوة استعمارية ولا مجرد انحراف عن مسار الغرب، وإنما هي من صميم هذه الحضارة، ولذا لا بد من أخذها في الحسبان باعتبارها مقولة تحليلية.

ثم يطرح المسيري موضوع الدولة الصهيونية، والتي يراها جيباً استيطانياً زرعه الغرب لعدة أغراض من بينها التخلص من يهود شرق أوروبا:

هذه الحضارة الغربية الحديثة التي تدافع عن الحرية وحقوق الإنسان والعدل والمساواة والعدالة وكمية أخرى من القيم النبيلة السامية، لماذا لا تصدر لنا هذه القيم فيما تصدره من سلع وأشياء؟ وعبر تاريخ مصر الحديثة والجزائر الحديث وسوريا الحديثة، من كان يقف ضد الديموقراطية والاستنارة؟ ألم تكن جيوش أوربا هي التي تقصف بالمدافع الجماهير العربية التي تطالب بحريتها وحقوقها؟ ألم تكن هذه الجماهير هي التي ترفع لواء القيم الغربية، النبيلة السامية وتموت من أجلها، بينما تقف لهم جيوش أوربا بالمرصاد؟ من الممثل الرئيس للحضارة الغربية في شرقنا العربي؟ أليست هي الدولة الصهيونية؟ دولة قامت على أرض الآخرين، ولا تستمد شرعيتها من العقل أو الاستنارة أو قيم نبيلة أو سامية، وإنما من منطق القوة وشريعة الغاب، دولة تصدر عن فلسفة عنصرية غيبية إرهابية، وتشرع قوانين عنصرية غيبية إرهابية، وتمتلك جهازاً “أمنياً” قوياً لقمع العرب في داخل الأرض المحتلة، وفي ضربهم خارجها؟

لماذا اعترض سقراط على الكتابة ؟ رسالة سقراط إلى جيل الانترنت

Portrait Herm of

اعترض سقراط على الكتابة بشكل كبير، وفي معرِض اعتراضه يقدم لنا سقراط -كما نقل لنا أفلاطون– أقوى وأعمق الدروس التي أحوج ما نكون لها اليوم حيث التمييز بين المعلومات والمعرفة. سقراط كان يعتقد بأن الاعتماد على الكتابة سوف يُجهز على الذاكرة والنقطة الأهم كان يرى بأن القراءة ستدفع الطلاب للتفكير بأنهم حازوا على المعرفة، في حين أنهم  حازوا على المعلومات فقط.

في محاورة “فيدروس” -التي كتبها أفلاطون على لسان سقراط- يحكي سقراط قصة آلهة مصرية اسمها تحوت، مكتشفة الحروف الأبجدية، وماذا قال الملك الإله المصري “آمون” (تاموز باليونانية) لتوت عن هذا الاختراع.

هذا الاختراع سينتهي بمن سيعلمونه إلى ضعف التذكر لأنهم سيتوقفون عن تمرين ذاكرتهم. سيثقون بالحروف الأبجدية الخارجية المكتوبة ولن يتذكروا بأنفسهم. إنك لم تجد علاجاً للذاكرة ولكن للتداعي… أما بخصوص الحكمة فإن ما قدمته لتلاميذك ليس هو الحقيقة بل مظهرها، فهم حين يتجرعون بفضلك المعلومات بغير استيعاب يبدون قادرين على الحكم في كل شيء بينما هم في معظم الأحيان جهلة لا يمكن تحملهم ومن ثم يكونون أشباه الحكماء من الرجال لا الحكماء

وللكتابة يا فايدروس تلك الصفة العجيبة التي توجد أيضاً في التصوير، وذلك لأن الصور المرسومة تبدو كما لو كانت كائنات حية، ولكنها تظل صامتة لو أننا وجهنا إليها سؤالاً، وكذلك الحال في الكلام المكتوب. إنك لتظنه يكاد ينطق كأنما يسري فيه الفكر ولكنك إذا ما استجوبته بقصد استيضاح أمر ما فإنه يكتفي بترديد نفس الشيء، وهناك أمر آخر هو أن الشيء بعد ان يكتب يظل ينتقل من اليمين إلى اليسار بغير مبالاة، فيساق إلى من يفهمون وإلى من لا يعنيهم منه شيئاً على السواء وهو فضلاً عن ذلك لا يدري إلى مَنْ مِن الناس يتجه أو لا يتجه. ومن جهة أخرى حين تتجه إلى موضوعه أصوات المعارضة أو حين يُحتقر ظلماً يصبح في حاجة لمساعدة مؤلفه لأنه لا يستطيع وحده أن يدرأ الخطر عن نفسه ولا يقدر على الدفاع عن نفسه.

ويمهد سقراط لصديقه فايدروس

أليس هنالك نوع من الكلام أفضل بكثير من هذا النوع وله من القوة ماهو أعظم وأبعد ؟ .. إنه ذلك الحديث المصحوب بالعلم المنقوش في نفس الرجل الذي يدرس، إنه الحديث الذي لا يقوى على الدفاع عن نفسه، وهو الذي يعلم لمن ينبغي أن نوجه الكلام ولمن لا ينبغي أن نوجهه… حديث حي ذو نفس.

ويتساءل سقراط

إن كان لدى الزارع الماهر بذور يهتم بها ويتمنى ان تثمر فهل يذهب بها على التو وفي فصل الصيف فيبذرها كي يراها تزدهر في ثمانية أيام ؟ أم أنه يفعل ذلك بغرض اللهو كأن يكون بسبب العيد مثلاً لو فرض أنه حدث فعلاً؟ أليس المعقول أنه يعتني بها فيسترشد بفن الزراعة كي يبذرها في الأرض المناسبة ثم يسعد بجنيها بعد ثمانية أشهر حين يبلغ ما بذره تمام نضجه ؟…. وفيما يتعلق بمن حصل على علم العدل والجمال والخير، أتظن أنه سيكون أقل تعقلاً من الزارع عند استعماله لبذوره ؟

إذن من يعني بالأمر لن يأخذ قلماً يكتب به على الماء أحاديث ليست قادرة فقط على الدفاع عن نفسها بالكلام بل هي غير قادرة على تعليم الحقيقة بالطريقة الصحيحة.. لا إن هذا ليس مُحتملاً- فلا يوجد في الواقع أحد يبذر حقائق الكتابة هذه إلا بغرض التسلية أو لكي يحتفظ بها صاحبها لنفسه على أنها كنز من الذكريات ينتفع به حين يبلغ الشيخوخة ذات النسيان، او من كان مثله يتبع نفس الطريق.

ويضيف

ولكن يبدو لي أن هناك شيئاً أجمل حين نتجه إلى هذه الغاية، وهو أنه إذا وجدنا نفساً قابلة لأن نبذر فيها بالعلم وقواعد الجدل أحاديث قادرة على تأييد نفسها وتأييد من أنبتها ولا تظل عقيمة بل تحمل البذور التي تنبت في النفوس الأخرى أحاديث أخرى مزدهرة دائماً تجدد البذر حتى تضمن له الخلود وتحقق لمن يحصل عليها أكبر نصيب من السعادة الممكنة للإنسان على الأرض.

وبهذا التأييد للتعليم الشفهي على التدريس الكتابي يختتم أفلاطون -على لسان معلمه سقراط- رسالته إلى جيل الانترنت.

المصدر

سر كآبة المدن الفاضلة عند برتراند راسل

image

الفيلسوف البريطاني والناقد الاجتماعي ذائع الصيت برتراند راسل يتحدث -في كتابه “أسس لإعادة البناء الاجتماعي”- عن سر كآبة “المدن الفاضلة” التي طالما اقترحها الفلاسفة على مر الزمن.

كل المدن الفاضلة التي تم اقتراحها حتى الآن هي مضجرة إلى حد لا يحتمل. يفضل اي إنسان فيه ذرة واحدة من الحيوية العيش في هذا العالم بكل مافيه من أهوال مرعبة على أن يعيش في جمهورية أفلاطون أو بين الحوريات التي وصفها جونثان سويفت. يقوم بناة المدن الفضلى برسم مدنهم بعدما قدموا افتراضاً خاطئاً عما تكون الحياة الفاضلة. يعتقدون أن من الممكن تصور مجتمع ما وطريقة حياة ما تُلقب بالفاضلة للمرة الأولى ومن بعدها تبقى فاضلة هكذا إلى الأبد. ولكن يفوتهم ان الجزء الأكبر من سعادة الانسان يتوقف على الحركة والعمل بينما لا يتوقف إلا جزء قليل من سعادته على التمتع الصامت. إن الملذات الناتجة عن التمتع الصامت ذاتها لا تولد في الناس حالة رضى إلا إذا حصلت في مناسبات تتخلل العمل . يشابه المصلحون الاجتماعيون بناة المدن الفاضلة في تغافلهم عن هذه الحقيقة الواضحة للطبيعة الانسانية. يطمح المصلحون الاجتماعيون في ضمان وقت أطول للراحة وفي فرص أكثر للتمتع بهذه الراحة، أكثر مما يطمحون لجعل العمل ذاته أكثر كغاية واكثر تناسقاً مع الميل إلى العمل، ولا يفطنون للمطالبة بجعل العمل منفذاً أفضل للإبداع والرغبة في استخدام كل قوى الانسان الطبيعية. العمل في كل أنحاء العالم وعند كل من يعتمد على أجرة يومية تقريباً ليس إلا مجرد عمل وليس تحقيقاً للرغبة في الحركة والنشاط.

الثقافة بين العلم والسحر؛ عند د.زكي محمود

د. زكي نجيب محمود

قدّم د.(زكي نجيب محمود) للثقافة العربية الكثير من الكتب القيّمة، فضلًا عن ترجماته ومساهماته في إثراء المحتوى العربي، واختياراته المهمة في الترجمة أيضًا؛ مثل سلسلة (تاريخ الفلسفة الغربية) للفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) – بالمشاركة مع أستاذه (أحمد أمين) – أو ترجمته لأجزاء من (قصة الحضارة) للمؤرخ الأمريكي (ويل ديورانت).

كما قام بتأليف عدد من الكتب الفكرية والفلسفية الرائعة؛ أشهرها هو كتابه (تجديد الفكر العربي)، والذي تنشره (دار الشروق) المصرية. يقول د.(زكي نجيب) في الكتاب متسائلًا فيما لو كانت ثقافتنا العربية؛ ثقافة العالِم أم ثقافة الساحر؟ فيقول:

السحر والعلم كلاهما محاولة لرد الظواهر إلى عللها أو أسبابها، غير أن الساحر لا يقلقه أن يرد الظاهرة البادية للعين إلى علة غيبية ليس في وسع الإنسان أن يستحدثها أو أن يسيطر عليها، وأما العالِم فهو لا يقر نفسًا إلا إذا رد الظاهرة المحسوسة إلى علة محسوسة كذلك، ليمكن بعد ذلك أن نوجد هذه العلة المحسوسة فتتبعها الظاهرة إذا أردنا.

[…]

الساحر والعالم يقفان معًا إلى جانب مريض ليعملا على شفائه: فأما الساحر فيربط الظاهرة المرضية بالجن والعفاريت، وأما العالم فيربطها بجرثومة معينة، فبينما يصبح الطريق مفتوحًا أمام العالم للبحث عن الوسيلة التي يقتل بها تلك الجرثومة ليزول المرض.

ترى الطريق مغلقًا أمام الساحر ؛ لأنه لا يدري كيف يغالب هؤلاء الجن والعفاريت لينزاحوا عن المريض فينزاح المرض، لذلك يلجأ إلى وسائل لا علاقة إطلاقًا بينها وبين المرض وشفائه، كأن يدق الطبول أو يحرق البخور أو يكتب الأحجية والتمائم.

[…]

يختتم د.(زكي نجيب محمود) متسائلًا، ويترك للقارئ مساحته الشخصية في الإجابة على هذه الأسئلة:

فهل أقول إننا في حياتنا الثقافية ما زلنا في مرحلة السحر التي تعالج الأمور بغير أسبابها الطبيعية،

وإننا لولا علم الغرب وعلماؤه، لتعرّت حياتنا الفكرية على حقيقتها،

فإذا هي لا تختلف كثيرًا عن حياة الإنسان البدائي في بعض مراحلها الأولية ؟!

د. زكي نجيب محمود – تجديد الفكر العربي


المصدر:

  • كتاب (تجديد الفكر العربي)، د.(زكي نجيب محمود) [دار الشروق]

تكوين الهوية الذاتية لدى الشباب عند مصطفى حجازي

د. مصطفى حجازي

الدكتور (مصطفى حجازي)، أكاديمي ومفكر لبناني. حاصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة ليون بفرنسا. شغل مناصب استشارية مختلفة لعدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة، كتب في المجالات التالية: علم النفس، والبحوث والدراسات السكانية، الشباب المراهقون، الصحة العقلية، والسلوك النفسي. وصدرت له العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية، الكتب التي قام بتأليفها هي كالتالي:

يتحدث د. مصطفى في هذا الاقتباس عن تكوين الهوية. فيقول مستفتحًا:

لا يوجد إنسان بدون هوية ذاتية، أو هوية مواطنة أو هوية حضارية، إنها من مكونات الوجود الأساسية. ولذلك فلا مبرر إطلاقًا للخوف من أن يصبح الشاب العربي بلا هوية. تكمن المسألة في نوعية هذه الهوية، وليس في وجودها أو غيابها.

الهوية الإنسانية ذات جذور بيولوجية راسخة تتمثل في التعلق بالأرض والانتماء إلى مجال حيوي. ويتساوى الإنسان في ذلك مع كل الكائنات الحية التي لها مجال حيوي تدافع عنه بضراوة.

[…]

يتحدث د.(حجازي) بعد ذلك في موضع آخر من كتابه عن تكوين الهوية لدى كلٍ من الأطفال والمراهقين والشباب، فيقول مبتدئًا بمرحلة الطفولة:

الطفل يبحث عن هوية ويبني هوية، بدءًآ من اسمه الشخصي واسم عائلته ومكانته بين الأخوة، ثم توسعًا إلى الأسرة الممتدة والحي والمدرسة والوطن والمنطقة الحضارية. إنها عملية مدفوعة ذاتيًا، لا تفرض أو تخلق من فوق، بل هي توجه على صعيد المحتوى والقيمة. تُطرح الهوية الذاتية بحدة خاصة، تتخذ تسمية “أزمة الأصالة” في المراهقة وأول الشباب.

[…ّ]

تتجلى الصحة النفسية للمراهق ومرحلة أوائل الشباب في بزوغ هوية شخصية متماسكة، وصورة عن الذات واضحة ومصدر قيمة، واعتزاز بالكيان الذاتي، مما يشكل مدخل العبور إلى سن الرشد. وفي المقابل يمثل الفشل في بناء هوية متكاملة وطغيان انتشار الأدوار إلى الضياع والتشتت في النظرة إلى الذات، والوقوع في مشاعر الضياع والغربة عن هذه الذات، مما يشكل المدخل إلى الاضطرابات النفسية والسلوكية.

[…]

يتابع بعد ذلك حديثه عن بناء الهوية المتماسكة لدى الشباب، فيقول:

ينخرط الشباب في بناء الهوية المتماسكة من خلال الشغل على مفهوم الذات؛ ما هي هذه الذات وما سيرورتها وما خصائصها، وتميّزها؟ وتنشط في هذه الحالة مسألة الاستبطان والتأمل الذاتي، والوعي الحاد بالذات والكيان الشخصي، التي تشكل أحد خصائص مرحلة الشباب.

[…]

ولا يتحقق الشباب كتجربة ذاتية، إلا إذا قام كل منهم بقدر أدنى من الاشتغال بالذات، وبناء الموقع والمكانة والدلالة ضمن الجماعات المرجعية. وكلما تبلور مفهوم متماسك ومصدر قيمة عن الذات، عبر الشاب إلى مرحلة النضج والرشد، كما يذهب إليه (إريك أريكسون) في حديثه عن مراحل العمر الثمانية ومهامها.

د. مصطفى حجازي – الشباب الخليجي والمستقبل


المصدر:

آندرو نيوبيرج يوضح علاقة الدين بالتوتر

GB.AFG.06.0102

أندرو نيو بيرج -عالم الأعصاب ومؤلف “مبادئ العصبية العقائدية”- يشير إلى الأثر الحاسم للعقائد الدينية في جعل الفرد سلبياً أو إيجابياً في نظرته للعالم، ويدعو إلى تبني النظرات الأكثر إيجابية في تعاملها مع العالم ومع الآخرين.

لو نظرت إلى النصوص العالمية عن الأديان و العقائد الروحانية والعبادات وكيف ترتبط بصحة الإنسان، ترى أن الأغلبية العظمى من الدراسات تشير إلى الآثار الإيجابية حين يكون الناس مؤمنين أو روحانيين، حيث يميلون لأن يصبحوا في درجة متدنية من الضغط والتوتر ويميلون لأن يصبحوا في صحة أفضل في العموم. كما يتمكنون من التغلِّب على عديد من المسائل والمشاكل بفاعلية أكبر.

لكن في أحيانٍ أخرى من الممكن أن يكون الدين والروحانيَّة سلبيين، فعندما يكابد الناس من أجل عقائدهم الدينية والروحانية، وعندما تعصف بهم أفكار إقصائية تغذّي مشاعر الحنق والكره في الناس. هذه الحالات في الحقيقة ترفع مستوى الضغط والتوتر ، ومن الممكن أن تكون ضارةً بصحة الإنسان. إذن فواحدة من هذه الأشياء التي عادة أدفع الناس للتفكير بها هي أن ينظروا إلى معتقداتهم الدينية والروحانية التي تدفعهم للنظر إلى العالم والناس بطريقة أكثر شفقة. فهل معتقداتك تدفعك للشعور بالراحة أو بتوتر أقل أم تفعل بك العكس ؟ إذا كانت تجعلك تشعر بضغط و توتر أكبر و حنق وكرهٍ أكثر تجاه الناس ، فأظن أنه من المهم أن تعيد النظر في هذه المعتقدات.. وترى ما إذا كانت هناك معتقدات أكثر إيجابية يمكن أن تتبناها.

أظن أن هذه النصوص توضح أنه بمقدار ما يركز عقلك على العواطف الإيجابية والمشاعر الإيجابية من الشفقة والحبّ الشامل للآخرين، سيعمل عقلك بشكل أفضل، كما أن سلوكك الخارجي سيعمل بصورة أفضل. ولكنك إذا استمريت في التركيز على الجوانب السلبية من الدين -مثل فكرة أن الله غاضب عليك، أو أن أولئك الذين لا يتفقون معك في مخطئين بالكليّة كما أنهم أشراراً- هذه الأنواع من الأفكار ستؤدي بك بشكل مؤكد إلى الشعور بالكثير من التوتر والضغط. أحد الأهداف -بالنسبة لي- في بحث الإلهيّات العصبيّة (neurotheology) هو محاولة إيجاد وسائل لمعرفة الآثار السلبية والإيجابية، ومحاولة توجيه الناس لتبني نظرة إيجابية للأفكار الدينية والروحانية.

المصدر من موقع بيغ ثينك. كما يمكنك مشاهدة هذا الفيديو المترجم والمميز الذي يجيب فيه نيوبيرج عن قدرتنا الكامنة والمُبرمجة على أداء الممارسات الدينية والروحية، وعما إذا كان الإيمان بالله مغروس في تركيبة أدمغتنا البيولوجية.

برتراند راسل وبحث الإنسان عن الدوام

في كتابه “تاريخ الفلسفة الغربية” يتحدث برتراند راسل عن غريزة الفلاسفة والبشر عموما للبحث عن شيء يتصف بالدوام، في عدة فقرات ممتعة.

إن البحث عن شيء يتصف بالدوام هو من أعمق الغرائز التي تؤدي بالإنسان إلى الفلسفة، ولا شك أنه مشتق من حب الإنسان لداره ورغبته في مأوى يسكن إليه من الخطر .ولذا نرى هذا الميل على أشده عند أولئك الذين هم أكثر من سواهم تعرضاً للكوارث والدين ينشد هذا الدوام في صورتين : الله والخلود ، فليس في الله تغير ولا ظل فيه للتحول وكذلك الحياة بعد الموت سرمدية لا يطرأ عليها تغير. فلما جاء القرن التاسع عشر ببشره حوّل أنظار الناس عن هذه الأفكار الساكنة، حتى أن اللاهوت الحديث الحر يعتقد أن عالم السماء في تقدم وأن الله في تطور. لكن حتى في هذه الفكرة لا تزال تلمس شيئاً من الدوام ، وهو التقدم نفسه وما ينطوي عليه من هدف منشود، فإذا نزلت بالناس أدنى الكوارث فالأغلب أن يرتدوا بآمالهم إلى ماكانت تتعلق به قديما من صور أسمى من أرضنا هذه وما عليها. فإذا مايئس الإنسان من الحياة فوق هذه الأرض لم يعد أمامه غير السماء يبحث فيها عن السلام . لقد شكى الشعراء من قوة “الزمن” الذي يكتسح أمامه كل ما يولونه الحب.. غير أنهم يضيفون إلى مثل هذا القول إيمانهم بأن أشعارهم هي التي تستحيل على الفناء..

أما المتصوفة الذين يميلون إلى التفلسف فتراهم لا يستطيعون إنكار أن كل ما هو في الزمن صائر إلى الزوال ولذلك ابتكروا فكرة الأبدية وهم لايعنون بها مقاومة تناهض الزمن الذي لا ينتهي، بل يريدون بها وجوداً خارج نطاق الزمن بأجمعه، فالحياة الأبدية في نظر بعض رجال اللاهوت لا تعني وجوداً خلال كل لحظة زمنية من لحظات الزمن المقبل بل تعني نوعاً من الوجود مستقلاً عن الزمن كل الاستقلال ليس فيه “قبل ” و “بعد” وبالتالي يستحيل فيه التغير استحالة منطقية. وقد نتج من هذه الفكرة نظم فكرية تحاول أن تضع هذه الفكرة في نثر رصين بالحجج التي تجبرك على الإيمان بها.

بل إن هرقليطس نفسه رغم قوة ايمانه بالتغير أبقى على “شيء” يكون له الدوام ، فلئن خلت فلسفته من فكرة الأبدية “متميزة من فكرة الزمن الذي يمتد إلى غير نهاية” -التي جاءتنا من بارمنيدس- إلا أنه وجد في فلسفته أن النار الأبدية لا تخبو أبدا، فالعالم “كان أبداً، ولا يزال ، ولن يزال إلى الأبد ناراً لا تخبو فيها الحياة”. لكن البشر شيءٌ يتحول تحولاً لا ينقطع ودوامها هو أقرب إلى دوام الفاعلية منه إلى دوام العنصر الثابت ولو أنه لا ينبغي أن نعزو هذه الفكرة إلى هرقليطس.

وحاول العلم ماحاولته الفلسفة من هروب يفر به من مذهب التغير الدائم بأن يلتمس قاعدة ثابتة وسط الظواهر المتغايرة. والظاهر أن الكيمياء قد أشبعت هذه الرغبة عند الإنسان إذ وجد أن النار التي يبدو أنها تُفنى ما تلحق به، لاتفعل في الحقيقة أكثر من تحويل المادة من صورة إلى صورة فالعناصر يعاد تركيبها على صورة جديدة لكن كل ذرة مما كان موجوداً قبل الاحتراق لا تزال موجودة بعد تمام الاحتراق، وبناءً على ذلك زعم الزاعمون أن الذرات لا يطرأ عليها فناء وأن كل ما يصيب العالم من تغير إن هو إلا إعادة ترتيب العناصر التي لاتفنى. وظلت هذه النظرة سائدة حتى كُشف عن فاعلية الإشعاع وما يترتب عليها من نتيجة هي أن الذرات يمكن ان يطرأ عليها الانحلال.

لكن علماء الطبيعة لم يفزعوا لهذا وابتكروا وحدات جديدة أضأل حجماً من الذرات وأطلقوا عليها اسم “الكترونات” و”بروتونات” وهي التي تتألف الذرات من تركيبها وافترض العلماء مدى بضعة أعوام أن هذه الوحدات تتصف بعدم قابليتها للفناء وهو ماكانت توصف به الذرات فيما مضى لكن شاء سوء الحظ أن يتبين أن البروتونات والالكترونات يمكن أن تلتقي وأن تنفجر فلا يكون عن ذلك مادة جديدة بل يتكون موجة من الطاقة تنتشر في الكون بسرعة الضوء. وهكذا حلت الطاقة محل المادة من حيث اعتبارها أساساً ثابتاً لكن الطاقة تختلف عن المادة في أنها ليست تهذيبا لفكرة العامة عن “الشيء” وإنما هي مجرد صفة تميز العمليات الفيزيقية. ويجوز لنا أن نجمح بخيالنا فنجعل هذه الطاقة هي النار التي دعا إليها هرقليطس، على أن نتصور الاحتراق نفسه لا ما يحترق، فـ”مايحترق” قد اختفى من علم الطبيعة الحديث.

واذا ما انتقلنا من الصغير إلى الكبير وجدنا علم الفلك لم يعد يسمح لنا أن نعتبر الأجرام السماوية سرمدية، فالكواكب خرجت من الشمس وخرجت الشمس من السديم، وقد دام وجودها حيناً وسيدوم وجودها حينا آخر لكنها عاجلاً أو آجلاً وربما كان ذلك بعد مليون مليون عام ستنفجر وتدمر الكواكب كلها. على الأقل هذا ما يقوله علماء الفلك. وإذا ما دنا هذا اليوم الآخر ربما وجدوا أنهم قد أخطؤوا الحساب.

إن مذهب التغير الدائم كما بشر به هرقليطس يبعث الأسى ، وليس في وسع العلم كما رأينا أن يفنده، وإن من بين الغايات الرئيسية التي يطمح إليها الفلاسفة أن يحيوا الآمال التي يظهر أن العلم قد قضى عليها. ولهذا جاهد الفلاسفة جهاداً لا يفتر في البحث عن شيء لا يخضع لحكم الزمن.

متى يحق للإنسان نقد العلوم ؟ الإجابة عند الغزالي

متى يحق للإنسان نقد أي علم من العلوم ؟ أبو حامد الغزالي يجيب.

علمت يقيناً أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة. وإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فسادً حقا