خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | المعرفة

ماهي المعرفة الحقيقية ؟ وكيف نكتسبها ؟ وهل هناك علاقة خفية بين المعرفة وبين أخلاقنا ؟ وماهي غاية المعرفة ؟

نظريات تشوميسكي في التعلم والتعليم

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، التعلم، وكيف يتم اكتساب المعارات والمعارف، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية التعلم: ما هو التعلم؟ كيف يتم اكتساب المهارات والمعارف؟

وفقا لـ(تشومسكي)، تحدد اللغة ما يعنيه أن تكون إنسانا ودراسة اللغة وسيلة لدراسة العقل البشري. “على الرغم من أن وجود لغة ليست شرطا اساسي لامتلاك العقل، ولكنها أفضل دليل لدراسة طبيعة العقل” (سميث، 1999). وفيما يتعلق بتعلم اللغة، يزعم تشومسكي أن بعض جوانب اللغة يتم تدريسها بوضوح في المدرسة مثل التهجئة الإملائية للكلمات وأشكال المفردات التقنية؛ ومع ذلك، فإن الجوانب الأساسية للغة “عالمية”. ونحن نعلم جميعا نفس اللغة البشرية الفريدة. هذا المفهوم من قواعد اللغة العالمية هو مجموعة من المبادئ اللغوية التي وهبنا اياها عند الولادة بحكم كوننا بشرا (سميث، 1999). ويؤكد (تشومسكي) أيضا أن هناك “فترة سانحة” وراثيا لاقتناء اللغة هي في السنوات الاولى. وإذا لم يتعلم الطفل لغته الأولى خلال هذه الفترة، فإنه لن يحقق “مرحلة الإتقان” لأي لغة (سميث، 1999).

وقد قدم (تشومسكي) في كثير من الأحيان العديد من أنواع الأدلة المختلفة لصالح الادعاء بأن اللغة هي في جزء كبير منها وراثية بما في ذلك جانب السرعة وجانب اهمية السن في امتلاك اللغة. أننا لسنا بحاجة إلى “تعلم” أن لغتنا تحتوي على الأسماء والأفعال. كل اللغات تحتوي على أسماء و أفعال وهذا نعره بالبديهة (سميث، 1999). ولكننا  نحتاج إلى تعلم الاصوات داخل اللغة التي ترتبط مع الأسماء والأفعال.

ويؤكد (تشومسكي) أيضا أن هناك كيانا بيولوجيا، عضو ذهني محدود يتطور لدى الأطفال على طول أحد المسارات، التي يتم تحديدها مسبقا قبل أي خبرة من مرحلة الطفولة. إنه جهاز اللغة الذي ينشئ، القواعد النحوية، الموجود في الدماغ والذي يلعب دورا محوريا في امتلاك الشخص للغة. تصف لغة الإنسان الطبيعة المميزة للعقل. إن الاستخدام العادي للغة يمكن ان يعتبر كنشاط إبداعي. ويشير تشومسكي إلى أننا لن نفهم، وربما لن نفهم أبدا ما الذي يجعله من الإمكان بأي حال للذكاء البشري العادي استخدام اللغة كأداة لنقل الفكر والشعور (مكجيلفراي، 2005)

ثم يتحدث عن أحد نظريات التعلم، وهي النقل:

نظرية النقل: ما الذي سُيدرس ؟ بأي الأساليب؟ ما هو المنهج؟

وفقا لـ(تشومسكي)، الهدف من التدريس هو المساعدة في النمو المثمر ومساعدة الطلاب على أن يصبحوا مهتمين بعملية التعلم. ويذكر ان “الطلاب عادة ما يكونون مهتمين، فإذا تم الحفاظ على إهتمام وفضول الأطفال الموجود مسبقا او حتى إثارته، فإنهم سيستطيعوا ان يفعلوا كل أنواع الأشياء بطرق لا يمكن تخيلها … هيليب؛ “ (تشومسكي، 1992). وبعبارة أخرى، إن دور المعلم هو ان يبقي الأطفال مشاركين ومندمجين في عملية التعلم ومهتمين بالاستكشاف وبالاستقلال. ويجب ان ينصب التركيز على عملية تعلم الطلاب بدلا من عملية تدريس المعلمين.

في مقابلة مع (ليليان ر. بوتنام) في خريف عام 1987، سئل (تشومسكي) “… إذا كان معلمي الصفوف الأولية على دراية بعملك، ما هي أنواع التغييرات التي قد يقوموا بها في تعليمهم للقراءة؟ وما هي الاقتراحات التي قد تساعدهم؟” فأجاب (تشومسكي): “أنا متردد حتى في أن أقترح جوابا على هذا السؤال، إذ يتعين على الممارسين أن يقرروا بأنفسهم ما هو مفيد في العلوم وما ليس بمفيد، وبصفتي لغوي، ليس لدي مؤهلات أو معارف معينة تمكنني أو تخولني أن أصف طرق تدريس اللغة، وكشخص، لدي أفكاري الخاصة حول الموضوع، استنادا إلى تجربتي الخاصة كمعلم لغة للأطفال، اما بحسب تأملاتي وحكمي الشخصي، أن على أي مستوى،سواءا من الحضانة إلى الدراسات العليا، التعليم هو إلى حد كبير مسألة تشجيع التنمية الطبيعية الموحودة داخل الانسان ، وأفضل أسلوب للتدريس هو توضيح أن الموضوع يستحق التعلم، والسماح للطفل – أو للكبار – بإستخدام الفضول الطبيعي الموجود فيهم وإهتمامهم الفطري بالحقيقة و بالفهم في سبيل النضج والتطوير، وهذا هو حوالي 90٪ من المشكلة اننا نركز لى اللامحتوى بدلا من قدر الإهتمام بالمحتوى من جهة الطالب، و في مقابلة مع غاري أولسون وليستر فيجلي، يقول تشومسكي أن التدريس هو في الغالب “الحس السليم الفطري”. ولا يهم ما تم تغطيته من المادة العلمية ولكن كم طورت من القدرة والكفاءة على الاكتشاف والفضول (2007)

ومن ثم تطرّق إلى المجتمع، دوروه في التعليم:

نظرية المجتمع: ما هو المجتمع اليوم؟ ما هي المؤسسات المشاركة في العملية التعليمية؟

يصف (تشومسكي) المجتمع اليوم بأنه “حضارة صناعية حديثة” وان القوة الدافعة لهذه الحضارة هي “المكسب المادي” (تشومسكي، 2007). واي حضارة قائمة على المبدأ الاقتصادي و المكاسب المادية هي حضارة معرضة للخطر.

إذا كان المجتمع الصناعي الحديث يطمح إلى التغيير، فإن “متطلبات الحياة، ناهيك عن العدالة، تتطلب تخطيطا اجتماعيا رشيدا لمصلحة المجتمع ككل، و الآن ذلك يعني المجتمع العالمي” (تشومسكي، 2007). وھذا یعني أن المجتمع سیحتاج إلی النظر أولا في “المصلحة المتبادلة” للمجتمع بدلا من “المصلحة الذاتیة” عند التخطیط الاجتماعي (تشومسکي،  008 2)

ووفقا لـ(كوهين وروجر) (1991)، يعتقد (تشومسكي) أن هناك أملا في المجتمع، وهو “يقع على خلفية مفهومه للطبيعة البشرية” و “مفهوم غريزة الحرية التي تقع في جوهره” (ص 14 ). وهو يفترض أن “القيود المفروضة على حرية الإنسان لم تكن مطلوبة قط للبقاء وللعيش في اي حقبة سابقة لى مر التاريخ” سوف تميل إلى التخلي عنها، نتيجة للطبيعة الأخلاقية للبشر، و“غريزة الحرية”، و “الجهود المستمرة للتغلب على الهياكل الاستبدادية وتوسيع نطاق الحرية” التي تنتج عن تلك الغريزة “(كوهين، 1991). وبعبارة أخرى، فإن التعدي على حقوق الإنسان في المجتمع يتعارض مع طبيعتنا الإنسانية الغريزية، ومن ثم سيتم التحقيق في الداعي لإنكار هذه  الحريات. ويشكل الرق وحقوق المرأة أمثلة على هذه الانتهاكات غير المبررة (أرنوف، 2005).

إن المجتمع الحقيقي “الديمقراطي” هو الذي لا يحكمه تسلسل هرمي قائم على الاحتفاظ بالسلطة. “المجتمع الديمقراطي حقا هو المجتمع الذي تتاح فيه للجمهور في المشاركة الفعالة والبناءة لتشكيل السياسة الاجتماعية: في مجتمعهم المباشر، في مكان العمل، وفي المجتمع ككل” (أرنوف، 2005). يسعى (تشومسكي) أن يغير “الهياكل الاستبدادية”، بـ“مؤسسات ديمقراطية تقوم على منظمات عاملية تشاركية كاملة (مذهبه)”. ويطالب أيضا (مغيلفراي، 2005) من “المؤسسات القوية” إنشاء هيكل يعطي العمال مزيدا من الاستقلال الذاتي على جميع مستويات المؤسسة. “وهو يعلم أن الشكل الراهن الوحيد للوصول إلى السلطة يتمثل في التصويت للممثلين في أشكال الحكم المحلية والبلدية والإقليمية والوطنية، في رأي (تشومسكي) المجتمع يجب ان يكون محررا جدا للأثرياء، كما  للفقراء، للممتازين وللمحرومين ايضا، لكي يتمكنوا من العيش في مجتمع يقدر جوهر الإنسان لا بحجة ومتطلبات الإنتاج” (ماكجيلفراي، 2005).إنه يأمل في مجتمع حرر نفسه من المطامع المادية وكرس قواه لما هو غرزي كامن في طبيعته البشرية للبحث عن التغيير من أجل حقوق الإنسان اولا وللمصلحة المشتركة للمجتمعات بأسرها ثانيا .

(تشومسكي) يربط بعلاقة مماثلة فيما يتعلق المؤسسات التعليمية في مجتمع اليوم. وفقا لـ(تشومسكي)، المؤسسات التعليمية اليوم مماثلة للمصانع. يتم تعليم الطلاب من قبل “النخب الليبرالية” أو “المثقفين” لزيادة الطاعة والمطابقة ، الامتثال و التماثل . “النخب الليبرالية” أو “المثقفون هم الذين يكتبون التاريخ” الذي يدرس في المدارس و “يجب أن نكون حذرين بشأن” دروس التاريخ المزعومة ، ولا  تستغرب أن تكتشف أن نسخة التاريخ المقدمة تخدم ذاتها وكتابها (أرنوف، 2005)

يعتبر (تشومسكي) المؤسسات التعليمية اليوم المكان الذي لا يملك البشر فيه طابع جوهري وأخلاقي وفكري، أنهم ببساطة يشكلون مادة يتم تشكيلها إلى مديرين ومؤدلجين للقطاع الخاص – هم يدركون بالطبع ما هو جيد وحقيقي (أرنوف، 2005). بدلا من ذلك، يجب أن تهتم المؤسسات التعليمية “بما يكتشفه الطالب بنفسه عندما يثار فضوله الطبيعي ودافعه الإبداعي ، سيكون هذا أساسا لمزيد من الاستكشاف و السبر والتساؤلات والتي قد تؤدي إلىى مساهمة فكرية كبيرة” (أرنوف، 2005)

 


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الثالث من أربع مقالات، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية. نُشرت المقالة الأولى والثانية مسبقًا، وستتبع بالجزء الأخير.

تشوميسكي، عن الإنسان والمعرفة

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، عن نظرية المعرفة، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية المعرفة: النحو التوليدي والنظرية المعرفي:

غالبية كتابات (تشومسكي) فيما عدا ما يتصل بطبيعة المعرفة تتعلق ببناء اللغة واستخداماتها. فمثلا نظريته عن النحو التوليدي، على الرغم من التطور المستمر لها، تقف بمثابة نموذج لوجهة نظره حول طرق العقل البشري في أخذ وتخزين المعلومات. وصحيح ان كثير من هذه النظريات قابلة للتطبيق في مجال اللغة، ولكنها بمثابة رأي صارخ عن أفكاره حول التعليم وكيف يتشكل الفكر وبقية المعارف البشرية.

“لقد تم تشكيل الفكر عبر قرون من الوعي الإنساني، من خلال التصورات والمعاني التي تربطنا بالطبيعة، لذلك إن أصغر كيان حي، سواء اكان ذرة أو جزيئا، هو بالتأكيد موجود في بنية الأرض وفي جميع مخلوقاتها، سواء كانوا بشرا او من اي اشكال الحياة الأخرى “. معرفة اللغة: أصلها وطبيعتها واستخدامها، ص. إكسي (تشومسكي، 1986) .

نظرية (تشومسكي) عن النحو التوليدي هي في جوهرها وصف الطريقة التي يتعلم الناس بها التواصل. جوهر هذه النظرية هو فكرة أن كل لغات البشر تنشأ من مصدر مشترك، وهي مجموعة فطرية من القواعد والنهج النحوية التي هي جزء من العقل البشري. هذا هو نهج طبيعي جدا، ولكن واحد التي وجدت قبول متزايد من أي وقت مضى بين الخبراء في هذا المجال (تشومسكي،1986).

إن النهج الأساسي المستخدم في نظرية المعرفة مشابه جدا للنهج المستخدم في نظرية معالجة المعلومات. وفقا لـ(تشومسكي)، من أجل الحفاظ على المعرفة، يجب أن تكون هنالك معرفة سابقة موجودة بالفعل لكي ترتبط المعلومات الجديدة بها. ويشار إلى هذه العملية على أنها “بناء” على المعرفة السابقة.

بسبب التشابه في مفاهيم الشبكات الأولية في نظرية معالجة المعلومات، يفترض (تشومسكي) أنه بمجرد ان تدمج المعرفة وخاصة المعرفة الإجرائية في شبكة ما، تصبح غير قابلة للاختزال وللتبسيط (تشومسكي، 2000). فبمجرد ان يتحول شيء واحد إلى شيء معروف ويتصل بشكل ناجح ، سيصبح متصلا بشكل فوري بشبكته الموجودة في ذهن المتعلم. بكلمات تشومسكي؛ “لاحظ أن اعتبارات مماثلة تبين أن المهارة – على سبيل المثال :مهارة ركوب دراجة – لا يمكن تحليلها من حيث القدرات والتصرفات، وما إلى ذلك؛ إذ يبدو أن هناك عنصرا إدراكيا غير قابل للاختزال”. – آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل، ص 52 (تشومسكي، 2000)

وجهة نظر (تشومسكي) للمعرفة كما يتوقع المرء من لغوي كانت تركز على الإدراك بشكل كبير. إن إطاره النظري يقترب من مفهوم “المعرفة” كظاهرة إدراكية محضة، منفصلة عن قدرة الفرد على تطبيق تلك المعرفة مباشرة على العالم، إنها ظاهرة إدركية وهي في جوهرها مضادة للسلوك. (تشومسكي) نفسه يقول ؛ “لاحظ أخيرا أن تناول المعرفة وإدراكها من ناحية القدرة، ثبت انها غير منتجة تماما ، وهي مجرد معرفة” – آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل، ص 52 (تشومسكي، 2000 )

وهكذا نرى ان فكرة النحو  الغرزي والطبيعي هي التي برزت. كذلك يشير (تشومسكي) ان بعض الوظائف الأساسية للدماغ البشري تنتقل كما الغرائز عن  طريق الطبيعة البشرية المحضة. فعلى سبيل المثال لا يتم تعليمنا كيفية التنفس . إن مفهوم المصفوفة العقلية الكامنة التي تسترشد بها كل لغة الإنسان هو مجرد خروج عن وجهات النظر التقليدية حول أصل التواصل اللفظي (تشومسكي، 2000)

هذا الرأي قائم ويستند عل الطبيعة البشرية. يشير (تشومسكي) ان كل لغة تنشىء اليوم، لها جذر مشترك في مركز اللغة الموجود في الدماغ البشري. ويمكن أن تعزى الأشكال المختلفة التي نشأت بها اللغات إلى انها مجرد طرق ونهج متنوعة للربط بين الكلام وبناء الجمل، ليست تطورا ثقافيا فحسب من خلال أجيال من التجربة والخطأ، ولكنها كانت في الاساس إعادة تشكيل لغرائز كانت موجودة بالفعل منذ الازل.

وفي نقطة أخرى عن الطبيعة البشرية، كُتب:

نظرية الطبيعة البشرية: ما هو الإنسان؟ كيف يختلف عن الكائنات الأخرى؟ ما هي حدود الإمكانيات البشرية؟

(نعوم تشومسكي) لديه وجهة نظر طبيعية جدا أو فطرية للطبيعة البشرية. فوفقا لـ(تشومسكي)، (سوبر، 1998) يرى الإنسان كائن بيولوجي وحيوي مثل أي كائن آخر، إلا أنه يتمتع بقدرة فكرية فريدة قادرة على التفكير والتعقل والتعبير عن الافكار والمنطق (التواصل)، وأن هذه القدرة مشروطة بالحرية. انها مرتبطة داخليا بتكويننا الوراثي تماما مثل نظمنا البصرية والعضلية و النظم البيولوجية الأخرى. خلال مقابلة مع (ميشال فوكو)، قال (تشومسكي) (1971):

“إذا كان هذا الافتراض صحيحا لاحظ كيف أن كل طفل إنساني عادي يكون السلوك الابداعي المعرفي بشكل تلقائي ، وأن الاطفال جميعا وكلهم يفعلونها بنفس الطريقة وتقريبا بلا جهد يذكر ، بينما قد يستغرق الامر قرون من المهارة ليستطيع المرء ان ينتقل من الأدلة إلى النظرية العلمية، فإن الشخص الملاحظ ، إذا كان عقلانيا، سيستنتج أن بنية المعرفة المكتسبة في حالة اللغة هي في الأساس اساسية في العقل البشري “

ويكمن جذر هذا المفهوم في أنه إذا كان الإنسان سليم وراثيا، فسيكون قادرا على تطوير هذه القدرات بغض النظر عن الظروف البيئية ، مثل، مكان ولادته ، أو ممن ولد. هذه الطبيعة البيولوجية والحيوية من خواصنا الاصيلة المهمة جدا والتي من شأنها أن تسمح للإنسان الحصول واستخدام قدرات عديدة مثل التفكير والمنطق والاتصال بالاخرين.

بالإضافة إلى وجهة نظره الطبيعية للبشر وقدراتهم على التفكير والتواصل، يعتقد أيضا أن هذه السمات وخاصة السمات الاخلاقية يمكن العثور عليها عبر الثقافات المختلفة. (تشومسكي) (1998) يدعم هذه الفكرة بالدليل ان الناس من ثقافات مختلفة يمكن ان يقوموا بإيجاد أرضية مشتركة تقبل النقاش لانهم يحملون نفس القوانين الاخلاقية مهما كانت خلفيتهم الثقافية ،ويقول في مقابلة مع (كيت سوبر):

“يمكننا أن نبدأ في رؤية الطبيعة البشرية على انها قدرات معينة لتطوير صفات عقلية معينة، ولكن يمكن أن تذهب أبعد من ذلك، وتبدأ في اكتشاف الجوانب العالمية في هذه الصفات التي تحددها الطبيعة البشرية، فعلى سبيل المثال، منذ وقت ليس ببعيد تحدثت مع اناس في قبائل الأمازون، وبدا لي أن لديهم نفس مفهوم الرذيلة والفضيلة الذي لدي، من المهم ان ندرك انه فقط منخلال تقاسم هذه القيم الاخلاقية نغدو قادرين على التواصل مع بعضنا – لكي نتحدث عن مشاكل وتحديات حقيقية تؤرقنا مثل إجبار سلطات الدولة على الخروج من الغابات، وأعتقد أننا محقين إذا افترضنا انه: لم يكن لدينا أي مشكلة في التواصل رغم أننا كنا مختلفين جدا من الناحية الثقافية”

(تشومسكي) يسقط ويوسع هذه الفضائل  الاخلاقية العالمية إلى كل ثقافة وإلى كل فرد، ويذكر البشر أن يفعلوا الأشياء التي بها تعزيز لحياة الإنسان. ويشرح (تشومسكي) (1998) ذلك بالقول:

“يفسر الناس أعمالهم على أنها تعمل لصالح البشر، حتى في اكثر مستويات الفساد والإجرام يفسروه بدافع نبيل ، فلم يكن النازيون يتباهون أنهم يريدون قتل اليهود، ولكنهم قدموا تبريرات مجنونة – حتى انهم استخدموا تبرير “الدفاع عن النفس”.

والخلاصة منهذا  هي أن الناس “يبررون” لماذا يفعلون الأشياء التي يقومون بها، وهذه الظاهرة عالمية في جميع الثقافات.

ولعل الجانب الأهم في اعتقاد تشومسكي للطبيعة البشرية يكمن في وجهة نظره الأساسية في قدرتنا على أن نكون مبدعين وأن نملك حرية التعبير عن هذا الإبداع. وهذه الحرية ضرورية لإظهار وتنمية هذه القدرات الإبداعية. يمكننا أن نفكر في هذا من خلال التفكير في البشر القليلين الاوليين الذين بدأوا في استحضار لغة مشتركة. بعد العديد من المحاكمات لوضع التنهيدات والزمجرة والتنهد معا والتعاون مع بعضهم البعض، خلق اسلافنا العديد من اللغات التي نعرفها اليوم. وعند هذا المفهوم “التعبير عن إبداعنا بحرية” تورط (تشومسكي) في السياسة. وقال (تشومسكي) (1988):

“بناءً على هذا الرأي عن الطبيعة والاحتياجات البشرية، يحاول المرء أن يفكر في وسائط التنظيم الاجتماعي التي من شأنها أن تسمح للحرية الكاملة لتطوير وتنمية الفرد ، وفي تطوير جميع  إمكانيات الأفراد ايا كان الاتجاه الذي سيتخذونه، من المهم أن نسمح للانسان ايا كان أن يكون إنسانا بشكل تام بكامل حريته وبكامل إبداعه “. (144)

ويبدو أن هذا الوضع بالتحديد يعيق بعض المواقف الحالية للدول والحكومات. فبعض الجماعات تقاوم هذه الحجة القائلة بأن الناس يجب أن يكونوا أحرار في التعبير عن إبداعهم الخاص، ويشيرون بهذا الصدد إلى الإبداع الخلاق أو المدمر، كما كان الحال مع النازيين واليهود خلال المحرقة. وفي حين أن هذا قد يكون صحيحا من حيث النقاش السياسي فإنه لا يزال غير قادر على ان يرفض أن هذا جزء من الطبيعة البشرية.

 


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الثاني من أربع مقالات، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية. نُشرت المقالة الأولى مسبقًا، وستتبع بالجزئين الأخيرين.

ما هي المعرفة والمهارات التي تستحق التعلم؟ تشوميسكي يجيب

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، تحدثوا عن المعارف والمهارات التي تستحق التعلم، وأهداف التعليم، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية القيمة: ما هي المعرفة والمهارات التي تستحق التعلم؟ و ما هي أهداف التعليم؟

إن المعرفة توصف بأنها: “المهارات المكتسبة من قبل شخص ما من خلال الخبرة والتعليم والتطبيق العملي أو فهم الموضوع”. ما بالنسبة لقاموس أكسفورد فيحدد المعرفة بالتالي: “هي الوقائع، والمعلومات المكتسبة و الفهم النظري والعملي للموضوع”.

يرى (تشومسكي) ان المدارس تستخدم كأداة لنقل المعرفة؛ ولكن المشكلة هي ان المهارات والمعرفة التي تدرس غالبا ما تكون غير جديرة بالتعلم. إن الهدف من التعليم الحالي، وفقا لـ(تشومسكي)، هو إنتاج بشر يحملون قيم التكديس والجمع وحب السيطرة، ولكن بدلا من ذلك يجب ان يكون هدف التعليم إنتاج بشر لديهم الحرية في المشاركة والعمل ولكن تحت شروط عادلة.

فالتعليم الحالي يحمل نهجا آليا غير واعي، وهو في معظمه تدريب بلا معنى “استعدادا لامتحانات الاختيار من متعدد”. وتتجلى هذه الآلية غير المجدية في المناهج الدراسية التي تفرضها الولاية حيث تكون الاختبارات الموحدة ضرورية لقياس نمو الطلاب والنجاح التعليمي. ويرى (تشومسكي) أن “قيمة التعليم الحقيقية تكمن في تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب وتحفيزهم لاكتساب المعرفة المفيدة لهم والعمل بها”. ولكن بدلا من ذلك ،يكلف الطالب بالالتزام بمناهج الدولة المكتوبة حيث تكون الاختبارات القياسية ضرورية وقائمة على المنهج . وهكذا يتم دفع الطلاب عن غير قصد للتعلم من خلال حفظ الحقائق، وليس من خلال التفكير النقدي.

ويشير ايضا إلى نقطة في غاية الأهمية وهي ان المجتمع لا يزيد من جودة التعليم الا بما يكفي لمتطلبات السوق. ببساطة يتم تدريب الطلاب على أن يكونوا عمال مطاوعين وممتثلين. بهذه الطريقة يتم تحجيم عملية التعليم إلى “معلمين ذوي معرفة كافية لنقل المعلومات” فحسب ، بدلا من مساعدة الطلاب على التفكير بمستوى أعلى. وفي مقابلة مع (دونالدو ماسيدو)، وصف (تشومسكي) التعليم بعبارة: “إن ما يحدث في مدارسنا هو مستوى عميق من التلقين حيث يصبح المعلمين بمثابة عاملون يقومون بمهمة ما تم التعاقد معهم للقيام بها”. و تقوم المدارس بتدريس وفرض الطاعة بل تستخدم كنظام لفرض التحكم والإجبار. ويوضح (تشومسكي) أن الطفل المتعلم بتعريف المجتمع هو الذي تم ترويضه ليطيع السلطة والهيكل المجتمعي.

(تشومسكي) يشكو من أن الأطفال لا يتم تعليمهم ليتحدوا السائد ويفكروا بشكل مستقل ، ولكن يتم تدريسهم ليكرروا، يتبعوا الأوامر ويطيعوا. ويصف التعليم بأنه فترة مبكرة من الانظمة والتوجيه، مع منظومة من المعتقدات الكاذبة. واستنادا إلى هذه التحليلات، ينبغي أن تكون أهداف التعليم تشجيع وتنمية القدرة والطاقة والمدارك الطبيعية للطفل.


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الأول من أربع مقالات، ستُنشر تِباعًا، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية.

آلبيرتو مانغويل وحديثه عن المكتبة بوصفها منزلًا

مانغويل

للعلاقة مع الكتاب والمكتبة فنون ومذاهب شتى، كيف تنشئ المكتبة؟ ومتى؟ لكل  قارئ وصاحب مكتبة، سيرته الخاصة مع الكتاب والمكتبة .(ألبرتو مانغويل)، الكاتب، والناشر، والروائي أيضاً، يجيب عن ذلك في كتابه (فن القراءة)، في مقالته المعنونة “المكتبة منزلاً”.

يقول (مانغويل):

انقضت سبع سنين وأنا أقيم في منزل حجري قديم كان صاحبه كاهن كنيسة، في قرية تعداد بيوتها أقل من عشرة، جنوب وادي اللوار في فرنسا. اخترت المكان لأن هناك حظيرة تجاور المنزل نفسه، تداعت أجزاء منها منذ قرون، كبيرة بما فيه الكفاية لتستوعب مكتبتي التي تناهز كتبها ثلاثين ألف كتاب لملمتها على امتداد ستة عقود من الترحلات. كنت أعلم أنني سأعثر على مكاني حالما تجد الكتب مكاناً لها.

ليست مكتبتي (في هذه الحظيرة) بهيمة واحدة بل هي هجين من البهائم أخرى كثيرة، حيوان فانتازي يتركب من المكتبات العديدة التي بنيتها ثم هجرتها، المرة تلو الأخرى، طوال حياتي. لا أستطيع أن أتذكر وقتاً لم تكن لدي فيه مكتبة ما. مكتبتي الحالية نوع من السيرة الذاتية عديدة الطبقات، كل كتاب محتفظ باللحظة التي قرأتها فيه للمرة الأولى. الخربشات على الهوامش، تاريخ لقاء عابر على ورقة فارغة في بداية الكتاب، تذكرة الباص الحائلة التي أشرت بها إلى صفحة معينة لسبب أجهله في الوقت الراهن، جميعها تحاول أن تذكرني بمن كنته حينذاك. لكنها تخفق في معظم الأحوال. اكتراث ذاكرتي بي أقل من اكتراثها بكتبي، وتذكر القصة التي قرأتها ذات مرة أسهل علي من تذكر الشاب الذي قرأها وقتذاك.

إحدى أولى ذكرياتي (لا بد أن عمري وقتذاك كان سنتين أو ثلاثاً) هي رف كامل من الكتب على الحائط يعلو سرير طفولتي كانت مربيتي تختار منه قصة قبل النوم. كانت هذه هي مكتبتي الأولى، وعندما تعلمت القراءة بنفسي، بعد نحو سنة من ذلك، أصبح ذلك الرف ملكا لي عقب نقله الآن إلى ارتفاع آمن عن الأرض. أتذكر ترتيبي كتبي وإعادة ترتيبها بحسب قواعد سرية اخترعتها لنفسي: يجب وضع سلسلة الكتب الذهبية كلها في مجموعة وحدة، لا يسمح لمجموعات الحكايات الخرافية السميكة بملامسة الكتب بالغة الضآلة لـ(بياتريكس بوتر) يمنع جلوس الحيوانات المحنطة على الرف نفسه مع الكتب. قلت لنفسي إن أموراً رهيبة سوف تحدث إذا انتهكت هذه القواعد. التطير وفن المكتبات يتضافران في آصرة متينة.

تأسست مكتبتي الأولى في بيت في تل أبيب حيث كان أبي سفير الأرجنتين، مكتبتي الثانية كبرت في بوينس آيرس خلال مراهقتي. قبل العودة إلى الأرجنتين طلب أبي من سكرتيرته أن تشتري عدداً كافياً من الكتب لملء رفوف مكتبته في بيتا الجديد، نفذت أمره، فأرسلت في طلب صناديق كاملة من المجلدات لدى بائع كتب مستعملة، وعندما حاولت ترتيبها اكتشفت أن الكثير من المجلدات أكبر حجماً من الرفوف. لم تتورع عن قصقصتها لتصل إلى الحجم المناسب، ومن ثم تجليدها بجلد أخضر غامق أضفى لونه على المكان، مع اللون الغامق لخشب البلوط، أجواء غابة ناعمة. اختلست كتباً من تلك المكتبة لأوسع مكتبتي التي كانت تغطي ثلاثة جدران في غرفة نومي. كانت قراءة هذه الكتب المختونة تستلزم جهداً إضافياً للعثور على بديل للجزء المفقود في كل صفحة، وهو تمرين دربني من دون شك لكي أقرأ في وقت لاحق روايات (وليم بوروز) “المقطعة“.

مكتبة مراهقتي احتوت تقريباً كل كتاب لا أزال على اهتمامي به اليوم، أضيفت إليها بضعة كتب أساسية. أعانني على بنائها معلمون كرماء، وباعة كتب شغوفون، وأصدقاء كان إهداء كتاب بالنسبة إليهم تعبيراً بالغاً عن الحميمية والثقة. أطيافهم تخيم بلطف على رفوفي، ولا تزال الكتب التي أعطوني إياها محتفظة بأصواتهم، وهكذا حين أفتح الآن (حكايات قوطية) لـ(إبيساك دينيسن) أو (القصائد الأولى) لـ(بلاس دي  أوتيرو) ينتابني انطباع بأنني لا أقرأ الكتاب بنفسي وإنما أسمعه يلقى على مسامعي. هذا واحد من الأسباب التي تفسر عدم شعوري بالوحدة أبداً في مكتبتي.

تركت كتبي ورائي عندما أبحرت إلى أوروبا 1969، قبل فترة من حكم الدكتاتورية العسكرية. وعلى ما أظن، لو كنت قد بقيت في الأرجنتين، كما  فعل الكثير الكثير من أصدقائي، لتعين علي إتلاف مكتبتي خوفاً من مداهمات البوليس. ففي تلك الأيام الرهيبة كانت تهمة التخريب واردة لأتفه الأسباب، حتى إذا شوهد المرء ومعه كتاب مشبوه؛ اعتقل شخص أعرفه، بتهمة الشيوعية، لأنه كان يحمل معه رواية (الأحمر والأسود) لـ(ستاندال). اكتشفت السمكريون الأرجنتينيون أن هناك إقبالاً غير مسبوق على خدماتهم، لأن قراء كثراً حاولوا إحراق كتبهم في أحواض مراحيضهم فتصدع بورسلانها.

أينما استقر بي المطاف راحت مكتبة تكبر من تلقائها. في باريس وفي لندن، في قيظ تاهيتي الرطب، حيث عملت كناشر خمس سنين طوالاً (لا تزال آثار التراب البولينزي واضحة على نسختي من أعمال ملفيل)، في تورونتو وكالياري، كنت أجمع الكتب ثم أوسدها الصناديق عندما تأزف ساعة المغادرة، لتنتظر بفارغ الصير داخل المخازن الأشبه بالقبور يحدوها أمل بالقيامة لا يعول عليه. وكنت في كل مرة أسأل نفسي كيف حدث ذلك، كيف تكدس هذا الركام من الورق والحبر الذي  سيغطي جدراني كاللبلاب مرة أخرى.

المكتبة القائمة الآن، بين جدران طويلة تحمل أحجارها في بعض المواضع تواقيع بنائي منازلها الفارهة في القرن الخامس عشر، آوَت، تحت سقف من عوارض خشبية تعرضت لتقلبات الطقس، بقايا تلك المكتبات السابقة كلها، بما فيها كتب من أولى مكتباتي تتضمن الحكايات الخرافية لـ(الأخوين غريم) في مجلدين، مطبوعين بأحرف قوطية الطراز تقبض النفس، ونسخة مليئة بالخربشات من (خياط غلوسستر) لـ(بياتريكس بوتر). ثمة بضعة كتب فقط سيعتبرها المولع الجاد بالكتب جديرة بالاهتمام: نسخة من الكتاب المقدس مزينة بالرسوم نسختها رهبان دير ألماني في القرن الثالث عشر، هدية من الروائي (يهودا إيلبرغ)، بضعة من كتب معاصرة معدة ككتب فنانين، بضع نسخ موقعة وأخرى من الطبعات الأولى. لكني لا أملك المال ولا المعرفة لأغدو مقتنياً محترفاً، وفي مكتبتي تجلس كتب (بنغوين) غضة الإهاب بريقها عائد إلى فرط الاستخدام، مسرورة جنباً إلى جنب مع كتب مخضرمة عابسة فاخرة التجليد.

ولأن مكتبتي, خلافاً للمكتبات العامة، لا تستلزم قواعد عامة يجب أن يفهمها القراء الآخرون ويتشاركوها، فقد رتبتها ببساطة تبعاً لما تقتضيه احتياجاتي وتصوراتي. ثمة منطق مضحك يحكم جغرافيتها. تتحدد أقسامها الرئيسة بحسب اللغة التي كتبت بها الكتب: أي من دون تمييز بين الأنواع، فجميع الكتب المكتوبة أصلا بالإسبانية، أو الفرنسية أو الإنكليزية أو العربية، تجتمع معاً على نفس الرفوف. أسمح لنفسي باستثناءات كثيرة على أية حال. بعض الموضوعات مثل الكتب عن تاريخ الكتاب، دراسات الكتاب المقدس، الروايات المختلفة لـ(أسطورة فاوست)، فلسفات عصر النهضة وآدابها، دراسات المثليين، كتب الحيوان القروسطية، لها أقسامها المستقلة. ثمة أفضلية لكتاب معينين: لدي آلاف من الروايات البوليسية مقابل قصص معدودة جداً من أدب الجاسوسية، مؤلفات (أفلاطون) أكثر من (أرسطو)، أعمال (زولا) الكاملة ويكاد يغيب (موباسان)، الأعمال الكاملة لـ(سينثيا أوزيك) و(جون هوكس) ولا شيء تقريباً لأي من المؤلفين على قائمة الأكثر مبيعاً في النيويورك تايمز. لدي العشرات من كتب رديئة جداً لا أتخلص منها، فقد تعينني ذات يوم إذا احتجت إلى مثال عن كتاب أحسبه رديئاً. الكتاب الوحيد الذي حظرت دخوله إلى مكتبتي كان رواية (بريت إيستون إيليس) مجنون أمريكي التي أحسست أنها قد أمرضت الرفوف بتوصيفاتها المهووسة بتعمد إيلام الآخرين. وضعته في سلة القمامة، لم أعطه لأحد لأنني لا أعطي كتاباً لا أحبه. كما أنني لا أعير الكتب. وإذا أردت من أحد أن يقرأ كتاباً اشتريت نسخة وأهديته إياها. في اعتقادي، إن إعارة كتاب تحريض على سرقته.

إن مكتبتي في نهاية الأمر، ككل المكتبات، ستفيض عن المساحة المخصصة لها. فبعد انقضاء قرابة سبع سنين على إنشائها وصل امتدادها إلى صدارة المنزل التي كنت آمل بإبقائها خالية من رفوف الكتب. كتب الرحلات، وكتب عن الموسيقى والأفلام، وكتب مختارات متنوعة الأشكال تغطي الآن جدران غرف عديدة. رواياتي البوليسية تملأ واحدة من غرف نوم الضيوف، وتعرف الآن  باسم مألوف هو غرفة الجريمة. ثمة قصة لـ(خوليو كورتاثار) هي (المنزل السليب)، وفيها يضطر أخ وأخت إلى الانتقال من غرفة إلى أخرى لأن هناك شيئاً لا يسمى يحتل منزلهم برمته شبراً بعد شبر، ويرغمهم في النهاية على الخروج إلى الشارع. أتكهن بأن كتبي، على غرار ذلك الغازي المجهول الاسم، ستتم اجتياحها التدريجي ذات يوم. سأكون آنئذ مطروداً إلى الحديقة، ولأنني أعرف مسلك الكتب، فما أخشاه هو أن ذلك المكان بأمانة الظاهري قد لا يأمن طموح مكتبتي الجائعة.

عبدالرحمن منيف وأحاديث حول الثقافة الوطنية

منيف

عبد الرحمن منيف (1933 – 2004) روائي سعودي. يعد (منيف) أحد أهم الروائيين العرب في القرن العشرين؛ حيث استطاع في رواياته أن يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي العربي، والنقلات الثقافية العنيفة التي شهدتها المجتمعات العربية خاصة في دول الخليج العربي أو ما يدعى بالدول النفطية، ربما ساعده في هذا أنه أساسا خبير بترول عمل في العديد من شركات النفط مما جعله مدركا لاقتصاديات النفط، لكن الجانب الأهم كان معايشته وإحساسه العميق بحجم التغيرات التي أحدثتها الثورة النفطية في صميم وبنية المجتمعات الخليجية العربية.

في كتابه (بين الثقافة والسياسة)، والذي طرح فيه (منيف) عددًا كبيرًا من الأسئلة بلا جواب، تحدث فيه عن عدة أمور، منها بعض من الأفكار حول الثقافة. يقول منيف عن مكانة الثقافة للمجتمع:

إن ثقافة أي شعب تمثل السمات الأساسية التي تكوّن وجدانه، وتعكس مدى صلابته، وتحدد كيف يفكر وكيف يواجه الأزمات، وأخيرًا كيف يعبر عن موقفه، خاصة وأن الثقافة لا تستطيع الهروب من المشاكل والهموم الحقيقية للناس، ولا التنكر لطموحاتهم وأحلامهم، كما أنها خير معبّر عن الروابط الأساسية وتطلعات المستقبل أكثر مما ترتهن للطارئ والجزئي، كما تفعل السياسة غالبًا.

ويتابع حديثه:

ولأن جوهر الثقافة الوطنية هو الوعي التاريخي للعصر والواقع معًا، وإدراك حقيقة الأخطار والتحديات، فمن خلالها إذن نستطيع قراءة الأفكار وآمال المستقبل، ومن قولها الجهير أو الرامز نلتقط الهموم، كما نحس المخاوف، مخاوف الأيام القادمة، كما نقرأ من خلالها التحديات، وما يدبره لنا العدو لكي يوقع بنا، وهكذا تصبح الثقافة الوطنية مواجهة واسعة وكبيرة بين خيارين وإرادتين، خيار وطني دافعه الحرية والكرامة الوطنية ومقاومة التبعية، وخيار العدو الذي يريد الهيمنة والإلحاق والاستغلال. ومن خلال صراع الإرادتين تتحدد المواقف ويحكم عليها. وبذلك تتجاوز الثقافة مجرد تسجيل المواقف أو البراعات اللغوية والأسلوبية، لأن حقيقتها تتجلى في رفض ما يريد العدو فرضه أو تكريسه، وفي انتهاج فعل مغاير لمسار الإلحاق والتبعية، وتحريض القوى الحية في المجتمع لكي تختار ما يعبر عن مصلحتها وطموحها.

ويقول:

الثقافة هي الرصيد الروحي لحضارة من الحضارات. هي تراثها وطاقتها على التجدد والمتابعة والإبداع، وهي القدرة على التحدي والاستمرار. أي أن الثقافة تصنع عقل الأمة ووجدانها، وبالتالي فهي التي تحمي هذا العقل وتزيده معرفة وإدراكًا، وهي التي تغني الوجدان وتجعله أكثر ثراء وأسرع استجابة لقيم الحق والعدل والجمال.

يستمر (منيف) بعد ذلك، فيشرح “الثقافة الوطنية”، قائلًا:

الثقافة الوطنية هي مجموعة من الأفكار والقيم والصيغ والتعبيرات التي لا تقتصر على الكتابة، أيًا كان نوعها، فقط، وإنما تشمل أيضًا المعايير القيمية والسلوكية التي تُعتمد وتوجّه، مضافًا إليها الطاقات والنشاطات التي يمارسها الناس تعبيرًا عن موقف، أو تحديدًا لعلاقة، خاصة مع الآخر. وهي بمقدار ما تكون فكرًا فإنها ممارسة أيضًا. أي بكلمات أخرى: إن الثقافة الوطنية هي مجموعة من القيم الأساسية، والمتطورة في نفس الوقت، المرتكزة جوهريًا غلى مبادئ الحق والعدالة والحرية والكرامة، إن على المستوى العالمي، أو على مستوى كل بلد، أي الوطني، بما في ذلك مقاومة الظلم أيًا كان مصدره، والدفاع عن الأرض والكرامة الوطنية تجاه أية قوة خارجية غازية، وهي تعبير عن الحق في الوطن والحرية، ومسؤولية في الدفاع عن الوطن والحرية.

هذه القيم، وما يماثلها والتي يفترض أن تشكل جوهر الثقافة الوطنية، تتطلب مقارنة بما كان سائدًا ونقده، لاستخلاص المواقف أكثر صحة وأكثر فعالية، من أجل إقامة معادلة جديدة تأخذ بعين الاعتبار أخطاء الماضي، ولترميم العلاقة بين أطراف يفترض أن تكمّل بعضها، وأن تساهم معًا في دور وطني من أجل بناء ثقافة وطنية جديدة تلائم طبيعة المرحلة وتحدياتها.