خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | المعرفة

ماهي المعرفة الحقيقية ؟ وكيف نكتسبها ؟ وهل هناك علاقة خفية بين المعرفة وبين أخلاقنا ؟ وماهي غاية المعرفة ؟

العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، برأي حليم بركات

حليم بركات

حليم بركات (مواليد 1933) عالم اجتماع واستاذ جامعي وروائي سوري. له العديد من الدراسات والروايات والمقالات المنشورة.

في كتابه (غربة الكاتب العربي)، تطرّق إلى أنواع العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، أو المثقف والسلطة. فيقول مبتدئًا حديثه:

يمكننا، كما أرى، أن نميز العلاقات والمواقف التالية على الأقل:

(1) علاقة اللامبالاة: قد تسود في مجتمع ما علاقة اللا علاقة بين الكاتب والسلطة. في هذه الحالة لا تهتم السلطة بالكاتب، ولا يبدو أن الكاتب يقوم بمحاولات جادة لردم الهوة الفاصلة بينه وبين السلطة أو حتى لإقامة جسر بينه وبينها، فتقتصر علاقتهما على النواحي الثانوية وبطريقة غير مباشرة.

[…] يتمثل هذا النوع من العلاقة إلى حد بعيد بموقف الدولة اللبنانية من الكتابة ويتجاوب الكاتب اللبناني مع هذا الموقف. لا تهتم السلطات اللبنانية بشؤون الكتابة وقضاياها ولا تتأثد بها، ولا تتدخل بشؤونها. ويشعر الكاتب نتيجة ذلك أن بإمكانه أن يعبر عن آرائه بحرية ودون أي ضغط مصطنع. المجال فسيح أمامه للتحدث حول القضايا التي يريد. وإذا ما تدخلت السلطة بشؤونه يكون ذلك بضغط من إرادة خارج إرادتها. في الحالات القليلة التي تعرضت فيها الدولة اللبنانية للمفكرين أو لإنتاجهم، كما حدث تجاه (عبدالله القصيمي) و(صادق العظم) و(ليلى بعلبكي)، لم تكن الدولة هي المبتدئة بل إنها فعلت ذلك بضغط من فئات داخلية وخارجية يصعب على الدولة أن تغضبها.

بعد ذلك ينتقل (حليم بركات) إلى النوع الثاني من العلاقة:

(2) علاقة الاضطهاد: هذه العلاقة هي عكس علاقة اللامبالاة في كثير من اتجاهاتها ومناحي تصرفها. إنها علاقة تصادم بين الكتّاب والسلطة تجعل هذه الأخيرة تلجأ إلى ممارسة الاضطهاد عن طريق السجن والنفي ومراقبة الكتاب والمجلات والصحف ومنع الأفكار التي تتعرض مع أفكار الدولة.

[…] وإنني أميل إلى الاعتقاد أن الاضطهاد، ولا سيما ذلك النوع العنيف المباشر، يمارس في الدول العربية الرجعية أكثر مما يمارس في الدول العربية التقدمية التي تلجأ إلى الاضطهاد غير المباشر وإلى الوصاية كما سنرى في القسم اللاحق من هذه الدراسة. إن الدول الرجعية أكثر ميلًا إلى استعمال الاضطهاد المباشر لأسباب عديدة من أهمها أن هذه الدول أقل قدرة على كسب تأييد المفكرين من الدول التقدمية. والسبب الأهم هو كون المفكرين أكثر الفئات إمكانية على التحرر من مصالح الطبقات التي ينتمون إليها وأشدها رغبة في تغيير المجتمع ومساندة الحركات اليسارية.

وفي حديثه عن هذا الشكل من العلاقة، ذكر نقطة مهمة:

من مميزات الكتابة في الدول العربية المحافظة، وخاصة في العراق في الخمسينات، أن الكتّاب يلجؤون إلى الرمز في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ويميلون إلى تأليه الشعب والكتابة عن آلامه وحرمانه. لذلك بلغ أدب العراق في تلك الفترة درجة فنية رفيعة، وليس صدفة أن الشعر العربي الحديث انطلق بزخم من أرض العراق على أيدي أدباء عانوا الاضطهاد كـ(بدر شاكر السياب) و(عبدالوهاب البياتي) و(بلند الحيدري).

ثم ينتقل إلى النوع الثالث من العلاقات، والذي تمت الإشارة إليه مسبقًا:

(3) علاقة الوصاية: فيما تمارس الدول العربية الرجعية الاضطهاد، تمارس الدول العربية التقدمية الوصاية إزاء معظم الكتّاب وخاصة أولئك الذين يؤيدونها أو يشاركونها في أهدافها كما تمارس الاضطهاد في حالات نادرة إزاء الكتّاب الذين يناهضونها والذين ينتمون إلى أحزاب تعمل سرًا لتعديل الحكم أو تقويضه. لكن الطابع العام للعلاقة القائمة في الدول العربية التقدمية كمصر وسوريا والجزائر والعراق، هو طابع الوصاية.

[…] طبعًا، لم تتمكن الدول العربية التقدمية من أن تقيم وصايتها على جميع الكتّاب فيها. هناك الذين اختاروا النفي إلى الخارج، والذين اختاروا العزلة في الداخل ناذرين أنفسهم لفنّهم، والذين اختاروا الصمت والموت البطيء، والذين اختاروا أن يناهضوا السلطة والاتجاهات السائدة سرًا فكان مصير بعضهم الاضطهاد المباشر العنيف واللامباشر النفسي.

وأخيرًا، يتحدث عن الشكل الأخير للعلاقة، فيقول:

(4) علاقة المشاركة: هناك أخيرًا علاقة المشاركة الحرة التي يمارس فيها الكاتب دوره الفعال في تقرير مصير المجتمع وفي إنماء طاقاته الفنية دون رهبة من قصاص أو اعتداء على حقوقه المدنية. قد يتعاون الكاتب مع الدولة دونما إلزام خارجي، وقد ينقدها ويكشف تناقضاتها دون أن يتعرض للاضطهاد. هناك، بكلام آخر، مناخ عام يساعد على قيام حوار حر دائم بين السلطة والكاتب. والدولة ليست لا مبالية تجاه الثقافة والفكر، بل ترى من مهماتها الأساسية رفع مستوى الثقافة العامة ونشر العلم ومساعدته عن طريق توفير المدارس والجامعات ومؤسسات الأبحاث وتسهيل التبادل الثقافي مع المجتمعات الأخرى. كذلك ترى من واجباتها توفير مجالات الاتصال الدائم بالتيارات الفكرية والاستفادة من آرائها، والمحافظة على حقوق المفكرين وحريتهم أكانوا مؤيدين أم معارضين.

تأملات في “تاريخ راسلاس” لصموئيل جونسون

samuel johnson
ولد صاموئيل جونسون عام 1709 بمقاطعة ستافورد شاير، وهو ابن بائع فقير، بدأ بكسب عيشه عن طريق الكتابة للصحف، لحين اصداره للقاموس التاريخي الأول باللغة الإنجليزية الذى تسبب في شهرته، ارتاح من العوز بعد ان خصصت له الحكومة مرتبا سنويا، اعتبر اعظم شخصية ادبية في عصره في انجلترا خلال الفترة الأخيرة من حياته من اشهر اعماله: قصيدة (عبث الأمنيات الإنسانية)، مقالاته الدورية، روايته الأخلاقية  (راسلاس)، تحريره لمسرحيات (شكسبير)، سلسلته الطويلة (مقدمات حياتية ونقدية) أعمال الشعراء الإنجليز، توفي عام 1784 .

كتب هذه الرواية ردا على كتاب انتشر في زمنه، اسمه (بحث في طبيعة الشر واصله) لكاتب اسمه (سوم جنتز)، نشر لتقديم تفسير ديني لزلزال حدث في ذلك الوقت، وقتل ثلث سكان مدينة لشبونة، يستند كتاب سوم على نظرية الفيلسوف (ليبنتز)، القائلة أن هذا العالم خير العوالم الممكنة، وأن اساسه انسجام جميع عناصره، انسجاما يتمشى مع الحكمة الإلهية، وما نظنه شر لابد أن يكون خيرا في النهاية، واستند (جونسون) في رده على هذا الكتاب إلى مسيحية تقليدية، ترى الحياة بعد خروج آدم من الجنة مرحلة مليئة بالآلام التي يمكن تفسير بعضها وبعضها لا يفسر، وأنه لا أمل في الخلاص من هذا الشقاء، إلا بالفناء واتصال الروح بالملأ الأعلى، فكان رد (جونسون) ينطوي على الكثير من الشجاعة  ومواجهة الحقيقة، وحمل الناس على آلا يخدعوا انفسهم بأنفسهم.

وفي سنه 1759ماتت امه، وكان بحاجة للإنفاق على دفنها، فكتب هذه القصة الفلسفية، واسماها: (راسلاس: أمير الحبشة)، في سبع ليال، فكانت رد على نظرية التفاؤل لـ(ليبتنز) وسوم جنتز، واسم “راسيلاس” هو اسم بطل القصة، واستعاره المؤلف من كتاب اسمه رحلة إلى الحبشة للأب (لوبو).
يستهل المؤلف الرواية برسالة إلى القارئ – ربما إلى ذاته – يخبره مسبقا بالسبب الذى كًتبت من أجله: “الاعتبار”، فيقول:

أنتم يا من تنصتون إلى همسات الخيال بثقة عمياء، وتتشبثون بخدع الأمل تشبث الملهوف، يا من تتوقعون أن الشيخوخة ستحقق ما نعلقه على الشباب من آمال ووعود، وتظنون أن نقص اليوم سيكمله الغد، اعتبروا بحياة (راسلاس) امير الحبشة.

يقول أيضًا في روايته:

أنا خائف بان خيالك يطغى على مهارتك، وبأنك تعلمني الآن ما تتمناه، وليس ما تعرف.

ويقول أيضًا في فلسفة:

المتناقضان لا يمكن أن يكونا صحيحين معا، ولكن التناقض ينسب للبشر، ومن الممكن أن يكون صحيحا.

ويقول عن المعرفة:

المعرفة احد اساليب السعادة، الجهل حرمان مطلق، لا يولد أي شيء، إنه خواء للعقل، تجلس الروح فيه دونما حراك، إننا نستمع بالعلم دائما، ونتألم عندما ننسى!

وفي موضع آخر يقول:

لا تشغل بالك بآمال أو مخاوف أخرى، غير ما تؤيده الحكمة والعقل، فإنه إذا سرتك تنبؤات بالخير، فقد تسوءك وتفزعك علامات الشر، وتصبح حياتك كلها فريسة للخرافة.

ثم يقول أيضًا:

الإنسان الذى يركز على تفضيله لأشياء محددة دون غيرها، ويصر عليها بشكل قاطع، فإنه يجب أن يعيش ويموت وهو يستمر في البحث والعمل، لكن الحكماء يختارون لأنفسهم بالتأكيد، طريقة الحياة التي يعتقدون بأنها غالبا ما تجعلهم سعداء.

وفي موضع آخر، يقول:

تريث في ثقتك واعجابك  بمعلمي الأخلاق، فإنهم الملائكة حين يتكلمون، ولكنهم يعيشون كالبشر.

ويقول:

الأشياء الخارجية تتغير بشكل طبيعي أما الحقيقة والمنطق هما دائما نفسهما لا يتبدلان.

يقول (جونسون) أيضًا:

كل شكل من اشكال الحياة خير، لمن يعيش عيشة صالحة.

ويقول عن العزلة:

لقد عشت في عزلة مدة خمسة عشرة عاما، سررت بالتغيير المفاجيء. في البداية، وبعد أن ذهبت بهجة التجديد بدأت اشغل ساعاتي في تفحص النباتات، لقد اصبحت لبعض الوقت غير مستقلا ومشوش الذهن، لقد اضطرب عقلي بالشك، وبزخرفات الخيال، تشوش خيالي بمشاهد حمقاء، وبدأت أرثي لفقداني الكثير ولكسبي القليل جدا، لقد قررت أن اعود إلى العالم غدا، حياة العزلة للإنسان تكون تعيسة بالتاكيد ولكن ليست بالضرورة ورعة .

ثم يتحدث أيضًا عن السعادة قائلًا:

لا يوجد شيء اكثر عبثا من البحث وراء سعادة قد وضعتها الطبيعة بلطف في متناولنا، إن الطريق لأن تكون سعيدا هو في العيش طبعا للطبيعة، أن نعيش طبقا للطبيعة، هو أن نتصرف مع الأخذ بعين الإعتبار جيدا، التلاؤم الناتج عن علاقات ونوعيات الأسباب والمؤثرات، وبأن نتوافق مع الخطط الكبيرة والثابتة للسعادة الكونية، وبأن نتضافر مع الترتيبات والنزعة العامة لنظام الأشياء الحالي.

وتحدث أيضًا عن الأجيال والحكمة، فقال:

إن وجهات النظر للأبناء والأهل، للشباب والمسنين، متعارضة بشكل طبيعي بفعل التأثيرات المتعارضة للأمل واليأس، للتوقعات والخبرة، هذا التعارض يكون دون جريمة أو حماقة ترتكب من قبل أي من الطرفين؛ كيف لأحد الأطراف أن يستحسن ما يراه امامه غير حقيقي.

وفي حديث عن الأخطاء، يقول:

الذى لديه الكثير ليقوم بإنجازه لا بد له من ارتكاب الخطأ، وسوف يعاني من نتائج ذلك الخطأ، واذا كان من الممكن أن يتصرف دائما بشكل صحيح فإن الأشخاص السيئين سيعترضونه بمكرهم والجيدين بخطئهم.

وعن الشر وفلسفته، وعلاقة ذلك بالسعادة، يقول:

جميع النقاشات التي تدور عن الشرور الحتمية والضرورية، نقاشات غير مجديه، دعونا نتوقف عن النظر في الأشياء التي ربما لن تحدث، إن مهمتنا هي النظر فيما تستطيع مخلوقات مثلنا انجازه، أي كل واحد يجتهد من أجل تحقيق سعادته الخاصة عن طريق تنمية سعادة الآخرين ضمن دائرته، مهما كانت ضيقة.

وفي الاختلاف:

نختلف عن أنفسنا بالقدر الذى يختلف فيه بعضنا عن الآخر، عندما نرى فقط جزءا من سؤال ما، لكن عندما ندرك الكل فورا كما هي الحال في الإحصاءات الرقمية، فإن الجميع يوافق على حكم واحد ولا أحد يغير رأيه ابدا.

في الاختيار بين الخير الفردي، والخير المجتمعي، يقول:

الخير للكل هو خير للأجزاء،  فما هو الأفضل للبشرية يجب أن يكون الأفضل بالنسبة للأفراد ايضا.

ويقول:

الأشياء التي تتماثل أمامنا الآن بحاجة إلى انتباه شديد، وهي تستحق هذا.

لا شك أن رواية (حونسون)، تحمل في طياتها الكثير من الحكمة. من ذلك مقولته التالية:

لكي نعرف أي شيء يجب أن نعرف مؤثراته، لكي نرى البشر يجب أن نرى اعمالهم، لكي نحكم بشكل صحيح على الحاضر يجب أن نعكسه علىالماضي، لأن جميع الأحكام هي نسبية، الوضع الحالي للأشياء هو نتيجة لوضعها السابق، ومن الطبيعي أن نبحث أين تكمن منابع الخير الذى نستمتع به أو منابع الشرالذى نتألم منه.

أما الجهل، يقول عنه:

الجهل جريمة عندما يكون اراديا، من يرفض أن يعلم الآخرين كيف بالإمكان منع الشر فإنه سيتهم بأنه شرير.

وفي دراسة التاريخ، يقول:

لا يوجد جزء من التاريخ اكثر فائدة بشكل عام، من ذلك الذى يروي تقدم العقل البشري، والحركة التدريجية للعقل والتقدم المتلاحق للعلم، والاختلاف بين العلم والجهل .

ويقول في موضع آخر:

المثال دائما أشد تأثيرا من المبدأ، عندما تصطدم العين أو الخيال بعمل فذ، فالانتقال القادم للعقل النشيط، يكون في التفكير بالوسائل التي نفذ بها هذا العمل، وبهذا نوسع ادراكنا بأفكار جديدة، وربما نعيد بعض الفنون الضائعة للبشرية.

وفي الحياة الاجتماعية، والحب، يقول:

من ليس لديه شخص يحبه ويثق به لديه القليل ليأمل به.

ويقول أيضًا في المعرفة والتعليم:

الثروة تكون عديمة النفع إذا لم تمنح، المعرفة كذلك إذا لم تنقل للآخرين. لذا يجب أن ينقلا للآخرين، حب الخير هو الوحيد الذى من الممكن أن يمنح الراحة، التي نستطيع الاستمتاع بها دون شريك لنا، وبإمكاننا ممارسة الخير ونحن منعزلون.

ويقول في موضع آخر:

حالة العقل الذى يرهق بفاجعة مفاجئة، تشبه حالة عقل سكان أرض حديثة الخلق، الذين عندما يأتي الليل عليهم للمرة الأولى فإنهم يفترضون بأن النهار لن يعود ثانية.

وفي وصف العقول:

إن عقولنا كاجسامنا في تحول دائم، في كل ساعة يفقد شيء ما، ويطلب شيء ما، والمسافة لديها التأثير نفسه على العقل، كما هي على العين، فبينما ننزلق مع تيار الوقت، فكل ما نتركه خلفنا يتضائل تدريجيا، بينما يتزايد حجم الأشياء التي نقترب منها.

وعن السخرية، يقول:

ليس من الحكمة أو الإحسان أن نسخر من اعمق المشاعر الإنسانية القليلون من يمتلكون معرفة هذا الإنسان، والقليلون من يمارسون فضائله، لكن الجميع من الممكن أن يعاني من الشقاء الذى يعانيه هو.

وعن الخيال:

لا يوجد انسان لا يطغى خياله في بعض الأحيان على عقله، عقله الذى ينظم انتباهه كليا بإرادته، والذى يجعل افكاره تاتي وتذهب بأمره هو  لكن إذا كانت هذه المقدرة شيئا بإمكاننا التحكم به وكبحه، فإنها ستكون غير ظاهرة للاخرين، ولا تعتبر فسادا في القدرات العقلية، ولا يقال عنها بأنها جنون، إلا عندما تصبح غير متحكم بها وتؤثر على الكلام والتصرفات بشكل ظاهر، وتتعزز سيطرة الخيال بالتدريج، فتصبح في البداية ضرورة ملحة، ومن ثم تصبح تحكمية، بعدها يعمل الخيال على أنه وقائع، وتتثبت الأفكار الزائفة في العقل، وتمضي الحياة في احلام الذهول والحسرة، هذه هي تأثيرات الأشياء المتخيلة، عندما نصوغها في البداية نعرف جيدا بأنها غير حقيقية، ولكننا نتآلف معها بالتدريج، ومع الوقت لا نتمكن من رؤية عيوبها.

وفي الخديعة:

خيانة ضد جمهورية الإنسانية العظيمة استعمال فضائل أي انسان كوسيلة لخداعه، سواء كان ذلك لأسباب كبيرة أم صغيرة، جميع انواع الغش تضعف الثقة وتفترمن همة السعي وراء الخير، وربما يوقف عدم الثقة الذى يتولد صوت النصيحة، عند ذلك اين سنجد القدرة على اعادة احسانه إلى البشرية أو اعادة هدوء البال إلى نفسه.

ويقول في قطعة، تعكس الحكمة التي كُتبت بها الرواية:

إن الإنسان الذى يتخذ قرارات ضد اشياء يعرفها، بسبب احتمال وجود بعض الأشياء التي لا يعرفها، ذلك الإنسان الذى يضع احتمالا افتراضيا ضد عقيدة راسخة، لا يجب بأن نعترف به بين الكائنات العاقلة، إذا نقضت الأشياء المعروفة بالنسبة إلينا، من قبل اشياء لا نعرفها، فإنه لن يكون هناك أي كائن بشري بإمكانه الوصول إلى اليقين، إلا العالم بكل شيء. 

ونختم بهذه المقولة من الرواية:

إن هؤلاء الذين يستلقون امامنا هنا ( الموتى )، وهم حكماء وأقوياء الأزمنة القديمة، ينبهوننا لكي نتذكر قصر الحياة التي نعيش، ولربما اختطفهم الموت بينما هم مشغولون مثلنا نحن في خيار الحياة.

فلسفة (بروس لي) في التعلم

Bruce Lee

 

كتب (نيتشه) في أطروحته الخالدة عن التعليم: “‏لا يستطيع أحد أن يبني لك، لك وحدك، جسرا تعبر عليه نهر الحياة”. وجادل (ألبرت آينشتاين) في رسالة نصح لابنه الصغير أن سر تعلم أي شي يكمن في “فعل شيء تجد الأنس فيه والمتعة بحيث تنسى الشعور بمرور الوقت” ومع ذلك، فإن نظام التعليم الغربي المهيمن يعتمد على طريقة التلقين والتحفيظ عن ظهر قلب للمعلومات، وهي طريقة تفتقر للمتعة وكئيبة نوعا للتعلم خاصة في عصر التقنية والمعلومات.

أنشأ فنان الفنون القتالية الأسطوري والفيلسوف الغير مقدر بروس لي (1940 – 1973) واحدة من أبسط وأروع وأهم وجهات النظر للتعلم المثمر. في هذا المقتطف من حلقة حديثة لبودكاست للرائع (بروس لي)، تحكي ابنته (شانون لي) فلسفة أباها في التعلم، التي تم نشرها في كتاب أباها المسمى (حياة الفنان). حكى (لي) أسرار الحكمة المدفونة في تحقيق الإدراك الذاتي، وأصل استعارته الشهيره للمرونة.

التعلم هو الاكتشاف؛ اكتشاف أسباب جهلنا. مع ذلك فإن أفضل طريقة للتعلم ليست بحساب المعلومات، بل بالكشف عن ذواتنا وما هو موجود فينا، فعندما نكتشف شيء ما فنحن بالواقع نكشف عن قدراتنا وإمكانياتنا لتحقيق رغباتنا وما نصبو إليه، نرى ما يجري من حولنا لاكتشاف كيفية إثراء حياتنا وإيجاد وسائل تسمح لنا بالتعامل مع الأوضاع الصعبة.

في قلب فلسفة (لي) للتعلم، نجد الفروق الأساسية للتعلم في التقييد بأشكال متعددة منها التلقين الثابت، والتعلم للتحرر في شكل ديناميكية متوسعة ذاتيًا. ويعيد النظر في الموضوع في قسم آخر من الكتاب:

ليس علينا “كسب” الحرية، لأن الحرية لطالما كانت دائما معنا، ولا شيء يمكن أن نكتسبه في النهاية من خلال الالتزام الصارم والمخلص لبعض الصيغ المحددة. الصيغ بإمكانها فقط منع الحرية والتشكيلات تسحق الإبداع وتفرض الرداءة. التعلم بالطبع ليس مجرد التقليد أو القدرة على تراكم وتطابق المعلومات الثابتة، بل هو عملية مستمرة للاكتشاف اللامتناهي.

وعلاوة على ذلك في الكتاب، يتناول (لي) مفارقة التعلم من منظور مستوحى من (زِن) ويضيف ملاحظة مهمة:

التعلم المكتسب هو التعلم المفقود. المعرفة أو المهارة التي حققتها ستصبح “نسيًا منسيًا”، وستطفو في الفراغ بلا عرقلة وبشكل مريح. التعلم مهم لكن لا تصبح عبدًا له، وقبل كل شيء، عقلك هو الأساس فلا تؤوي أي شيء خارجي أو زائد عن الحاجة. لا يمكن أن تكون سيد المعرفة التقنية الخاصة بك حتى تزيل جميع العقبات النفسية، وتبقي العقل في حالة فراغ وتطهير من أي تقنية حصلت عليها بلا جهد واعٍ.

 


[المصدر]

نظريتي الفرصة والتوافق في التعليم عند تشوميسكي

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، عن نظريتي التوافق والتعليم، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية الفرصة: من الذي يجب ان يتعلم؟ من الذي يجب ان يدرس؟

إذا كان لأحد ان يدرس (تشومسكي) وكتاباته، فسيكون قادرا على العثور على مفهوم ضمني يوضح واحدة من أكبر تطلعات (تشومسكي) في مسألة حقوق الإنسان مفادها “يجب أن يكون الناس أحرارا وأن يكون لهم حرية ان يعبروا عن أنفسهم بالتعاون مع الآخرين”، و ألا تكون هذه الحرية مضطهدة من قبل هيئة حاكمة ايا كانت. يقول (إدجلي) (2005): “إذا كان البشر مبدعون أساسا مع” غريزة للحرية “لتحقيق المشاريع التعاونية، إذا فالدول والرأسمالية بالتأكيد ستعمل ضد الطبيعة البشرية، لأن السلطة تكمن في أيدي عدد قليل، وبالتالي يتم إنكار الشروط الضرورية للنشاط الإنتاجي التعاوني والإبداعي الإنساني “. إن (تشومسكي) ينادي بأن يقدم  التعليم لجميع من يريدون التعليم، وأنه لا ينبغي إعفاء أحد من هذه الفرصة، ولكن  في الوقت نفسه، لا ينبغي إجبار أحد على التعليم. المفتاح لفكرته هو أنه يجب أن يكون التعليم لأولئك الذين يريدن وليس لاولئك الذين يجبرون.

وتتبع فكرة (تشومسكي) عن من سيجري تعليمه نفس النمط الذي جرى على من يجب تدريسه؛ أولئك الذين يريدون أن يتعلموا. ما يريد ايصاله هو أن المدرسة يجب تتبع طريقة ديمقراطية للتعليم ولا تستخدم الإجبار بأي شكل. وكما يقول (تشومسكي) (2000) عن أسلوبه الخاص في التدريس: “لا أحاول إقناع الناس، على الأقل ليس بوعي، ربما أفعل، وإذا كان الأمر كذلك، فذلك خطأ، فالطريقة الصحيحة للقيام بالأشياء ليست محاولة اقناع الناس إن كنت على حق ولكن تحديهم للتفكير بذلك من خلال لأنفسهم”.

ننتقل إلى النظرية الأخرى، وهي نظرية التوافق:

نظرية التوافق: ما هو الإجماع؟ لماذا لا يوافق الناس؟ كيف يتحقق توافق الآراء؟ ماهي الآراء التي لها الأسبقية؟

ويقول (تشومسكي)، بعبارات عريضة جدا، أن الإجماع هو الاتفاق المتبادل بين البشر اذي يحدث بشكل تلقائي عندما يتحملوا مسؤولية إدارة وحكم أنفسهم. فيتوصل مجتمع ما إلى توافق في الآراء من خلال تعاون متماسك يطمح إلى التوصل إلى اتفاق متبادل بين أفراد المجتمع. والهدف من هذا التعاون في الرأي تمثيل المثل العليا للبشر والمخاوف الموجودة في المجتمع بدلا من المصلحة الذاتية لشخص معين أو لمجموعة أو منظمة مهيمنة. إن هذه معالجة واسعة النطاق ومثالية للغاية لهذه الظاهرة. على الرغم من أن (تشومسكي) يخاطب مجتمع محدد، إلا انه يفكر بأفق رحب .

المجتمع الحقيقي يعتبر المثل العليا والشواغل وحرية المجتمع استحقاقا. وهذه الاستحقاقات إذا تم تحديها من قبل مجلس حاكم سيؤدي إلى قيود لا مبرر لها وإلى تنازع. سيختلف المجتمع عندما تخرج سلطته في إدارة شواغله وسلامته المالية الى سلطة خارجية. “إن القيود المفروضة على حرية الإنسان والغير مطلوبة للبقاء سوف تميل إلى أن تنحى نتيجة للطبيعة عند البشر”، و نتيجة لـ“غريزة الحرية”، وإلى “الجهود المبذولة للتغلب على البنى الإستبدادية الناجم عن تلك الغريز “ (كوهين أند روجرز، 1991 )

وفيما يتعلق بتوافق الآراء، يرى (تشومسكي) أن القادة في الولايات المتحدة كانوا يستخدمون وسائط الإعلام التقليدية كشكل من أشكال الدعاية للاستفادة من اتفاق الحشود من خلال تزييف الحقائق لمصلحتهم الخاصة. وكان هذا هو الحال في كثير من الحالات عندما حكومة الولايات المتحدة وبعض الحكومات الأوروبية عندما وجهت سلطتها للاستفادة والاحتياز على القوى الاقتصادية سواء اكانت هذه القوى عبارة عن الأرض أو النفط أو اي سلعة أخرى تعمل كوسيلة لتحقيق غاية ما (تشومسكي وهيرمان ، 1988 )

“عادة ما يملك المثقفون المفكرون رؤساء ايدولوجيين واجتماعيين ، وهم يخدمون السلطة أو يسعون هم انفسهم إلى تولي السلطة من خلال السيطرة على الحركات الشعبية التي يعلنون عن أنفسهم فيها بأنهم قادة، فبالنسبة للأشخاص المهووسين بالسيطرة و بالتلاعب من المفيد لهم أن يعتقدوا أن البشر ليس لديهم طبيعة أخلاقية وفكرية جوهرية، بل هم ببساطة ادوات يتم تشكيلها من قبل مدراء الدولة والايدولوجيين واصحاب الافكار – الذين يدركون بالطبع ما هو جيد وحق” (أرنوف، 2005)

ومما يدعو للسخرية إلى حد ما، أن تحذير (تشومسكي) من المفكرين يأتي في مواجهة حقيقة أنه هو نفسه يُنظر إليه من قبل الكثيرين على انه مفكر. ولكن لأسباب تتعلق بنقده الصريح لسياسات حكومة الولايات المتحدة ووسائط الإعلام التي يرى أنها تدعم تلك السياسات، اصبح (تشومسكي) يرى انه معادي للولايات المتحدة، وكثيرا ما يستخدم كمثال على “الفكر الليبرالي“. نظريات (نعوم تشومسكي) حول الإجماع هي في الواقع صورة للديمقراطية المثالية، حيث كل فرد متساوي، أو شبه متساو، على الاقل في فرصته للتقدم في المجتمع. ويبدو أن هذا الرأي قد أثار وانتج الكثير من انتقاداته لسياسة حكومة الولايات المتحدة، سواء سياستها الأجنبية أو المحلية، على مر السنين.


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الرابع والأخير من أربع مقالات، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية. نُشرت المقالات الأولى مُسبقًا.

نظريات تشوميسكي في التعلم والتعليم

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، التعلم، وكيف يتم اكتساب المعارات والمعارف، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية التعلم: ما هو التعلم؟ كيف يتم اكتساب المهارات والمعارف؟

وفقا لـ(تشومسكي)، تحدد اللغة ما يعنيه أن تكون إنسانا ودراسة اللغة وسيلة لدراسة العقل البشري. “على الرغم من أن وجود لغة ليست شرطا اساسي لامتلاك العقل، ولكنها أفضل دليل لدراسة طبيعة العقل” (سميث، 1999). وفيما يتعلق بتعلم اللغة، يزعم تشومسكي أن بعض جوانب اللغة يتم تدريسها بوضوح في المدرسة مثل التهجئة الإملائية للكلمات وأشكال المفردات التقنية؛ ومع ذلك، فإن الجوانب الأساسية للغة “عالمية”. ونحن نعلم جميعا نفس اللغة البشرية الفريدة. هذا المفهوم من قواعد اللغة العالمية هو مجموعة من المبادئ اللغوية التي وهبنا اياها عند الولادة بحكم كوننا بشرا (سميث، 1999). ويؤكد (تشومسكي) أيضا أن هناك “فترة سانحة” وراثيا لاقتناء اللغة هي في السنوات الاولى. وإذا لم يتعلم الطفل لغته الأولى خلال هذه الفترة، فإنه لن يحقق “مرحلة الإتقان” لأي لغة (سميث، 1999).

وقد قدم (تشومسكي) في كثير من الأحيان العديد من أنواع الأدلة المختلفة لصالح الادعاء بأن اللغة هي في جزء كبير منها وراثية بما في ذلك جانب السرعة وجانب اهمية السن في امتلاك اللغة. أننا لسنا بحاجة إلى “تعلم” أن لغتنا تحتوي على الأسماء والأفعال. كل اللغات تحتوي على أسماء و أفعال وهذا نعره بالبديهة (سميث، 1999). ولكننا  نحتاج إلى تعلم الاصوات داخل اللغة التي ترتبط مع الأسماء والأفعال.

ويؤكد (تشومسكي) أيضا أن هناك كيانا بيولوجيا، عضو ذهني محدود يتطور لدى الأطفال على طول أحد المسارات، التي يتم تحديدها مسبقا قبل أي خبرة من مرحلة الطفولة. إنه جهاز اللغة الذي ينشئ، القواعد النحوية، الموجود في الدماغ والذي يلعب دورا محوريا في امتلاك الشخص للغة. تصف لغة الإنسان الطبيعة المميزة للعقل. إن الاستخدام العادي للغة يمكن ان يعتبر كنشاط إبداعي. ويشير تشومسكي إلى أننا لن نفهم، وربما لن نفهم أبدا ما الذي يجعله من الإمكان بأي حال للذكاء البشري العادي استخدام اللغة كأداة لنقل الفكر والشعور (مكجيلفراي، 2005)

ثم يتحدث عن أحد نظريات التعلم، وهي النقل:

نظرية النقل: ما الذي سُيدرس ؟ بأي الأساليب؟ ما هو المنهج؟

وفقا لـ(تشومسكي)، الهدف من التدريس هو المساعدة في النمو المثمر ومساعدة الطلاب على أن يصبحوا مهتمين بعملية التعلم. ويذكر ان “الطلاب عادة ما يكونون مهتمين، فإذا تم الحفاظ على إهتمام وفضول الأطفال الموجود مسبقا او حتى إثارته، فإنهم سيستطيعوا ان يفعلوا كل أنواع الأشياء بطرق لا يمكن تخيلها … هيليب؛ “ (تشومسكي، 1992). وبعبارة أخرى، إن دور المعلم هو ان يبقي الأطفال مشاركين ومندمجين في عملية التعلم ومهتمين بالاستكشاف وبالاستقلال. ويجب ان ينصب التركيز على عملية تعلم الطلاب بدلا من عملية تدريس المعلمين.

في مقابلة مع (ليليان ر. بوتنام) في خريف عام 1987، سئل (تشومسكي) “… إذا كان معلمي الصفوف الأولية على دراية بعملك، ما هي أنواع التغييرات التي قد يقوموا بها في تعليمهم للقراءة؟ وما هي الاقتراحات التي قد تساعدهم؟” فأجاب (تشومسكي): “أنا متردد حتى في أن أقترح جوابا على هذا السؤال، إذ يتعين على الممارسين أن يقرروا بأنفسهم ما هو مفيد في العلوم وما ليس بمفيد، وبصفتي لغوي، ليس لدي مؤهلات أو معارف معينة تمكنني أو تخولني أن أصف طرق تدريس اللغة، وكشخص، لدي أفكاري الخاصة حول الموضوع، استنادا إلى تجربتي الخاصة كمعلم لغة للأطفال، اما بحسب تأملاتي وحكمي الشخصي، أن على أي مستوى،سواءا من الحضانة إلى الدراسات العليا، التعليم هو إلى حد كبير مسألة تشجيع التنمية الطبيعية الموحودة داخل الانسان ، وأفضل أسلوب للتدريس هو توضيح أن الموضوع يستحق التعلم، والسماح للطفل – أو للكبار – بإستخدام الفضول الطبيعي الموجود فيهم وإهتمامهم الفطري بالحقيقة و بالفهم في سبيل النضج والتطوير، وهذا هو حوالي 90٪ من المشكلة اننا نركز لى اللامحتوى بدلا من قدر الإهتمام بالمحتوى من جهة الطالب، و في مقابلة مع غاري أولسون وليستر فيجلي، يقول تشومسكي أن التدريس هو في الغالب “الحس السليم الفطري”. ولا يهم ما تم تغطيته من المادة العلمية ولكن كم طورت من القدرة والكفاءة على الاكتشاف والفضول (2007)

ومن ثم تطرّق إلى المجتمع، دوروه في التعليم:

نظرية المجتمع: ما هو المجتمع اليوم؟ ما هي المؤسسات المشاركة في العملية التعليمية؟

يصف (تشومسكي) المجتمع اليوم بأنه “حضارة صناعية حديثة” وان القوة الدافعة لهذه الحضارة هي “المكسب المادي” (تشومسكي، 2007). واي حضارة قائمة على المبدأ الاقتصادي و المكاسب المادية هي حضارة معرضة للخطر.

إذا كان المجتمع الصناعي الحديث يطمح إلى التغيير، فإن “متطلبات الحياة، ناهيك عن العدالة، تتطلب تخطيطا اجتماعيا رشيدا لمصلحة المجتمع ككل، و الآن ذلك يعني المجتمع العالمي” (تشومسكي، 2007). وھذا یعني أن المجتمع سیحتاج إلی النظر أولا في “المصلحة المتبادلة” للمجتمع بدلا من “المصلحة الذاتیة” عند التخطیط الاجتماعي (تشومسکي،  008 2)

ووفقا لـ(كوهين وروجر) (1991)، يعتقد (تشومسكي) أن هناك أملا في المجتمع، وهو “يقع على خلفية مفهومه للطبيعة البشرية” و “مفهوم غريزة الحرية التي تقع في جوهره” (ص 14 ). وهو يفترض أن “القيود المفروضة على حرية الإنسان لم تكن مطلوبة قط للبقاء وللعيش في اي حقبة سابقة لى مر التاريخ” سوف تميل إلى التخلي عنها، نتيجة للطبيعة الأخلاقية للبشر، و“غريزة الحرية”، و “الجهود المستمرة للتغلب على الهياكل الاستبدادية وتوسيع نطاق الحرية” التي تنتج عن تلك الغريزة “(كوهين، 1991). وبعبارة أخرى، فإن التعدي على حقوق الإنسان في المجتمع يتعارض مع طبيعتنا الإنسانية الغريزية، ومن ثم سيتم التحقيق في الداعي لإنكار هذه  الحريات. ويشكل الرق وحقوق المرأة أمثلة على هذه الانتهاكات غير المبررة (أرنوف، 2005).

إن المجتمع الحقيقي “الديمقراطي” هو الذي لا يحكمه تسلسل هرمي قائم على الاحتفاظ بالسلطة. “المجتمع الديمقراطي حقا هو المجتمع الذي تتاح فيه للجمهور في المشاركة الفعالة والبناءة لتشكيل السياسة الاجتماعية: في مجتمعهم المباشر، في مكان العمل، وفي المجتمع ككل” (أرنوف، 2005). يسعى (تشومسكي) أن يغير “الهياكل الاستبدادية”، بـ“مؤسسات ديمقراطية تقوم على منظمات عاملية تشاركية كاملة (مذهبه)”. ويطالب أيضا (مغيلفراي، 2005) من “المؤسسات القوية” إنشاء هيكل يعطي العمال مزيدا من الاستقلال الذاتي على جميع مستويات المؤسسة. “وهو يعلم أن الشكل الراهن الوحيد للوصول إلى السلطة يتمثل في التصويت للممثلين في أشكال الحكم المحلية والبلدية والإقليمية والوطنية، في رأي (تشومسكي) المجتمع يجب ان يكون محررا جدا للأثرياء، كما  للفقراء، للممتازين وللمحرومين ايضا، لكي يتمكنوا من العيش في مجتمع يقدر جوهر الإنسان لا بحجة ومتطلبات الإنتاج” (ماكجيلفراي، 2005).إنه يأمل في مجتمع حرر نفسه من المطامع المادية وكرس قواه لما هو غرزي كامن في طبيعته البشرية للبحث عن التغيير من أجل حقوق الإنسان اولا وللمصلحة المشتركة للمجتمعات بأسرها ثانيا .

(تشومسكي) يربط بعلاقة مماثلة فيما يتعلق المؤسسات التعليمية في مجتمع اليوم. وفقا لـ(تشومسكي)، المؤسسات التعليمية اليوم مماثلة للمصانع. يتم تعليم الطلاب من قبل “النخب الليبرالية” أو “المثقفين” لزيادة الطاعة والمطابقة ، الامتثال و التماثل . “النخب الليبرالية” أو “المثقفون هم الذين يكتبون التاريخ” الذي يدرس في المدارس و “يجب أن نكون حذرين بشأن” دروس التاريخ المزعومة ، ولا  تستغرب أن تكتشف أن نسخة التاريخ المقدمة تخدم ذاتها وكتابها (أرنوف، 2005)

يعتبر (تشومسكي) المؤسسات التعليمية اليوم المكان الذي لا يملك البشر فيه طابع جوهري وأخلاقي وفكري، أنهم ببساطة يشكلون مادة يتم تشكيلها إلى مديرين ومؤدلجين للقطاع الخاص – هم يدركون بالطبع ما هو جيد وحقيقي (أرنوف، 2005). بدلا من ذلك، يجب أن تهتم المؤسسات التعليمية “بما يكتشفه الطالب بنفسه عندما يثار فضوله الطبيعي ودافعه الإبداعي ، سيكون هذا أساسا لمزيد من الاستكشاف و السبر والتساؤلات والتي قد تؤدي إلىى مساهمة فكرية كبيرة” (أرنوف، 2005)

 


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الثالث من أربع مقالات، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية. نُشرت المقالة الأولى والثانية مسبقًا، وستتبع بالجزء الأخير.