خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | المعرفة

ماهي المعرفة الحقيقية ؟ وكيف نكتسبها ؟ وهل هناك علاقة خفية بين المعرفة وبين أخلاقنا ؟ وماهي غاية المعرفة ؟

قيمة العلوم الإنسانية، وفوائد القراءة عند جوديث بتلر

judith-butler-foto-540x304

جوديث بتلر من مواليد عام 1956، وهي فيلسوفة أمريكية، لها إسهامات في مجالات الفلسفة النسوية، نظرية النوع والمثلية، الفلسفة السياسية، والأخلاق. وهي أستاذ في قسم الأدب المقارن والبلاغة في (جامعة كاليفورنيا-بركلي). حصلت بتلر على دكتوراة الفلسفة من (جامعة يل) عام 1984، وكانت أطروحتها التي نشرت فيما بعد بعنوان “موضوعات الرغبة: تأثيرات هگلي على فرنسا القرن العشرين”. في أواخر الثمانينات تقلدت (بتلر) عدد من المناصب، وكان لها اسهامات في تأثيرات ما بعد البنوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية “المصطلحات الافتراضية” للنسوية.

تسلمت الفيلسوفة (جوديث بتلر) الدكتوراه الفخرية من (جامعة مكغيل)، و أثناء حفل منحها الدكتوراه القت خطابًا استهلته بالحديث عن الأدب كآداة للمشاركة الوجدانية، نترجمه لكم بشكل حصري. تقول (بتلر) في خطابها:

تتيح لنا العلوم الإنسانية تعلم كيفية القراءة بتأنّ وبتقدير ونظرة نقدية، لنجد أنفسنا، بشكل غير متوقع، بداخل النصوص القديمة التي نقرأها فتتيح لنا إيجاد طرق مختلفة للحياة والتفكّر والفعل وتأمل ما وقع في أزمنة وأماكن لم نتعرف عليها ابدًا .. تتيح لنا العلوم الإنسانية فرصة لنقرأ عبر مختلف اللغات والثقافات مما يعطي لنا فرصة لفهم وجهات النظر المختلفة في هذا العالم .. كيف نظن إذًا أن بإمكاننا العيش معًا بدون امتلاك هذه القدرة على رؤية ما هو أبعد من أمكاننا؟ أن نجد أنفسنا مرتبطين بأناسًا لم نعرفهم ابدًا بشكل مباشر ونفهم أننا، بشكل دائم ومباشر، نتشارك هذا العالم؟

وقالت (بتلر) عن أهمية القراءة:

في وضع مثالي، فإننا ننسى أنفسنا في ما نقرأ، فقط لنعود لنجد أنفسنا وقد تحولت وأصبحت جزءًا من عالم أكثر إتساعًا – باختصار إننا نصبح أكثر نقدًا وإنفتاحًا تجاه أفكارنا وأفعالنا.

وأضافت (بتلر) معلقة عن القراءة كشرط ضروري لتحقيق الديموقراطية:

تقتضي الديموقراطية الحقيقية أن نتعلم كيفية القراءة جيدًا، ليس فقط قراءة النصوص بل الصور والأصوات ايضًا؛ أن نتعلم الترجمة عبر اللغات وأجهز الإعلام ووسائل الاستماع  والتعبير والتمثيل وصناعة الفن وصياغة النظريات.

وأشارت (بتلر) إلى أن الرغبة في عدم المعرفة هي بمثابة وقود لدفع العلوم الإنسانية بعيدًا، فقالت:

يجب علينا أن ننفض الغبار عما نظن أننا نعلمه سابقًا لنمد خيالنا بالتجارب الحية والتي تكون مؤلمة في بعض الأحيان.

وتعليقًا على  أن دراسة العلوم الإنسانية أعدت الشباب ليقتحموا هذا العالم “ليتولوا هذه المسؤلية الرائعة والمثيرة”، عرضت (بتلر) وجهة نظر رائعة عن النظرية النقدية كأساس لـ اللاعنف فقالت:

أنت ستحتاج لكل هذه المهارات لتمضي من التزامنا الأخلاقي أن نحيا مع هؤلاء المختلفين عنا إلى المطالبة بتوثيق تاريخنا ومعاناتنا في نفس الوقت الذي نطالب بذلك للآخرين .. وأن نمارس شغفنا بدون أن نتسبب بألم للآخرين .. وأن نفهم الفرق بين التعصب والتشويه والحكم النقدي.

الخطوة الأولى للاعنف هي أن نبدأ التفكير بشكل نقدي وأن نطالب الآخرين أن يفعلوا الشيء ذاته.

Continue Reading →

إدوارد سعيد في حديثه عن النظام التعليمي

408195b

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني.

في كتابة (خيانة المثقفين)، تحدث (إدوارد) عن النظام التعليمي العالمي، فقال:

لسوء الحظ أن كل أنظمة التعليم المعروفة اليوم لا تزال قومية خفية أو ضمنية. إلى حد ما، هذه ضرورة للغة والسياق والحقيقة الوجودية. إن كنتَ فرنسيا مثلًا، يجب أن تتعلم اللغة القومية، وتتعلم تاريخ البلاد وتفهم مجتمعه لكي تعيش فيه. في المجتمعات الأقل ليبرالية، هناك ضرورة أكبر لتعليم الشباب بأن لغتهم وثقافتهم متفوقة وبالاستنتاج تكون الثقافات الأخرى أقل أهمية أو بطريقة ما أجنبية وغير مرغوبة لكي تبدو غير جذابة.

أتمنى لو أستطيع القول بأن الطرق العامة الأحدث للتعليم والتطوير الثقافي تلهم المرء بحماس أكبر، لكنها للأسف لا تفلح في ذلك.

التفكير المشترك عن العولمة تغلب على الشعور لدرجة يجب أن تكون فيها وظيفة التعليم، في رأيي، تعزيز روح المقاومة بدل الامتثال، والتفويض الفردي بدلا من الجبرية الجمعية. وإلا كيف سنشجع طلابنا على التمييز بين العدل والظلم، بين الأفكار العقائدية – الأرثوذكسية–عن الديمقراطية وبين الديمقراطية التشاركية الحقيقية؟ أولا وقبل كل شيء، كيف نستطيع أن نحفز الناس من خلال التعليم ليصنعوا تاريخهم بأنفسهم، وأن يكون التاريخ نفسه تنافس حول القضايا الأخلاقية الأساسية التي تشمل السلطة والمسؤولين والشعور الأخلاقي؟ دعني الآن أقدم وجهة نظر بديلة عن النظرة التقليدية الموجودة في تقرير اللجنة العالمية.

هناك سطر لازمني منذ سنوات كثيرة في مقال عن (ليوناردو دا فينشي) لشاعر أوائل القرن العشرين الكبير (بول فاليري). واصفا عقل (ليوناردو) في قوته وأناقته، يقول (فاليري): “إن الفنان الإيطالي لم يستطع التفكير إلا بالجسر كلما فكر بالهاوية”. كلام مجازي. الهاوية البديل عمّا يقدّم لنا كثابت ونهائي ومستحيل تجاوزه. بغض النظر عن مدى عمق وصعوبة المشهد الذي قدّم نفسه له، كان لدى (ليوناردو) المقدرة على التفكير في بديل ما دائمًا، طريقة ما لحل المشكلة، هبة ما لعدم القبول السلبي لما قُدّم له، كما لو أن المشهد الذي تخيله يمكن دائما تخيله بطريقة مختلفة وربما بطريقة مفعمة بأمل أكبر.

طبعا، كان (ليوناردو) عبقريا، وفي كل طريقة يمكن تخيلها لم يكن شخصًا عاديًا قليلٌ منّا من يجرؤ على مقارنة نفسه به. لكني أعتقد أن إحدى فوائد التعليم هي، عدا عن إعطائنا أساليب ومهارات للتعامل مع مجالات من الخبرة مثل الطب أو القانون أو الإنسانيات، يعطينا أيضا الفرصة لنرى الأشياء بصورة مختلفة، وأن نحاول بطريقتنا الخاصة بأن نبني جسورًا فوق الهاوية. لا يعني هذا بأن لا يفترض في التعليم أن يكون حول اكتساب المعرفة – طبعا هو كذلك – لكن المعرفة أكثر من مجرد تكديس للمعلومات. قال (جان بول سارتر) مرةً عن صديق درس في أعظم الجامعات الفرنسية؛ (إيكول بوليتكنيك): “صديقي ذكي بشكل لا يُصدّق حقًّا. هو يعرف كل شيء، لكن ذلك كل ما يعرفه”.

ثم يقول بعد ذلك:

أحد أصعب الأشياء بالنسبة لي كمعلم هو أن أعطي طلابي كل ما أعرفه عن الموضوع، وأحاول شرحه بشكل كامل بقدر ما أستطيع وبعد ذلك أجعلهم يشعرون بعض الرضا حول ما قلته أيضا أو على الأقل الشك به بعيدا عن حالة الرفضية الآلية، الشكوكية هي الخطوة الأولى لتشييد بناء فوق هاوية. إن لم تستطع أن تلهم طلابك لفعل ذلك، إن لم تستطع أن تحركهم ليفهموا بأن التعليم هو تعليم ذاتي فعلا وليس قبول بلا نقاش لما يقوله المسؤول “السلطة” أخيرا، حينها عليك أن تدرك بأنك سلمتهم إلى عبودية فكرية وبالتالي أخلاقية.

ألبرتو مانغويل : ملاحظات نحو تعريف المكتبة المثالية

مانغويل

ألبرتو مانغويل، من مواليد 1948. الكاتب والروائي والمترجم والمحرر الارجنتيني/الكندي المعروف الذي عنيَ بالإطلاع الواسع على أهم الأعمال الأدبية العالمية وجمعِها. تناول موضوع القراءة الحيّز الأكبر والرئيسي في أبرز أطروحاته ومؤلفاته الأدبية كـ : (تاريخ القراءة)، (المكتبة في الليل) و (يوميات القراءة). في كتابه الآخر (فن القراءة) يقوم مانغويل بسرد ملاحظات هامة حول تعريف ما أسماه “المكتبة المثالية” محاولا الإلمام بكل التفاصيل المكتبية المثالية من منظور فني وأدبي واسع.

المكتبة المثالية مصممة من أجل قارئ واحد معين، يجب أن يحس كل قارئ، أو قارئة، بأنه القارئ المختار.

كُتب فوق باب المكتبة المثالية مرادفٌ لشعار (رابليه): “إقرأ ما شئت”.

المكتبة المثالية افتراضية ومادية في آن واحد. إنها توفر النصوص بكافة الأشكال والتجليات والتقنيات المتاحة.

المكتبة المثالية مكتبةٌ يسهل الوصول إليها، لا ينبغي أن تحول بين القارئ والكتب أدراجٌ عالية، أو أرضيات زلقة أو أبوابٌ متعددة مشوّشة أو حراسٌ مخيفون.

للمكتبة المثالية مقاعد وثيرة مدعمة بمسندين الذراعين وظهر مقوّس، كتلك المقاعد في قاعة لابروست المأسوف عليها في المكتبة الوطنية الفرنسية، للمكتبة المثالية مناضد فسيحة، حبَّذا سطوحها من جلد أملس، ومآخذ كهربائية للأجهزة الإلكترونية “شريطة تشغيلها بمطلق الصمت” ومصابيح فردية خافتة الإنارة تذكرك بمصابيح القراءة الزجاجية الخضراء في الثانوية الوطنية في” بوينس آيرس”.
سنة ١٢٥٠، قارن (ريشار دو فورنيفال) المكتبة المثالية بحديقةٍ مسوّرة.

المكتبة المثالية تحتوي الكتب بشكل رئيسي، لكنها لا تقتصر عليها، إنها تجمع أيضاً الخرائط والرسوم والحواسيب والموسيقى والتسجيلات الصوتية والأفلام والصور الفوتوغرافية. المكتبة المثالية مكان للقراءة، بكل ما يشير إليه هذا التعبير في أوسع معانيه.
رفوف المكتبة المثالية مفتوحة أمام كل قارئ.
يجب منح فرصة الحرية إلى القارئ لملاقاة ما لا يتوقع.
لا رفَّ في المكتبة المثالية أعلى أو أخفض مما تطاله يد القارئ. لا تحتاج المكتبة المثالية إلى حركات بهلوانية.
ليس الجو في المكتبة المثالية مسرفاً في التدفئة أو مسرفاً في التبريد.
المكتبة المثالية تنظم محتوياتها دون إصابات في التصنيف على كتبها.
ليس هناك أيُّ قسم ذو ترتيب نهائي في المكتبة المثالية.
خريطة المكتبة المثالية هي فهرسها.
في المكتبة المثالية وفرةٌ من الطعام والشراب وآلات التصوير الضوئي،
والحصول عليها يسير.
المكتبة المثالية منعزلة ومشاعٌ للجميع في آنٍ معاً، حميمة ومفتوحة للتواصل الاجتماعي، مصممة للتأمل والحوار، للتبحر والتساؤل، تضنُّ وتجود، ملأى باليأس من كثرة ما ينبغي قراءته وبالرجاء المتطلع إلى ما لم يُقرأ بعد.

المكتبة المثالية تحمل وعد كل كتابٍ ممكن.
لكل كتابٍ في المكتبة المثالية صداه في كتابٍ آخر.
المكتبة المثالية مقتطفات مختارة سرمدية ودائمة التجدد.
ليس للمكتبة المثالية ساعة محددة تغلق فيها أبوابها.
المكتبة المثالية تسمح بالخربشة على كتبها.

المكتبة المثالية عامة وسرية في آنٍ معاً. إنها تحتوي كل الكلاسيكيات المجمع عليها وكل الكلاسيكيات التي لا تعرفها إلا قلّة قليلة من القرّاء.
في المكتبة المثالية تتجاوز (الكوميديا الإلهية) لـ(دانتي) مع الكلمات الاخيرة للموتى لـ(فيل كوزينو)، ومقالات (مونتنيي) مع (مونتنيي) أو (الحياة المكتوبة) لـ(إدواردو لورنتسو)، (مدام بوفاري) لـ(فلوبير) مع قصص (عروس الأوديسة) لـ(إدغاردو كوزارينسكي)، (الأخوة كارامازوف) لـ(دوستويفسكي)، مع (دوستويفسكي) يقرأ (هيغل) في سيبيريا ويجهش بالبكاء لـ(لازلو فولدينيي).

مهمة القارئ، في المكتبة المثالية، هي قلب النظام الراسخ.

يتباين عدد الكتب في المكتبة المثالية، يُقال إن مكتبة الإسكندرية احتوت سبعمائة ألف لفافة مخطوطة؛ لم يتجاوز عدد الكتب على رفوف (خورخي لويس بورخيس) خمسمائة مجلّد؛ كان للأطفال في معسكر الإعتقال النازي بيركناو مكتبةٌ سرية تتألف من ثمانية كتب ثمينة كان إخفاؤها واجباً في مكان مختلف كل ليلة.
تقع المكتبة المثالية في العقل، حتى عند تشييدها من الجدران والرفوف والكتب. المكتبة المثالية هي المكتبة المستعادة عبر الذاكرة.

توحي المكتبة المثالية بنص واحد مستمر ليس له بدايةٌ واضحة المعالم ولا نهايةٌ يمكن التكّهن بها.

ليس هناك في المكتبة المثالية كتبٌ ممنوعة لا كتبٌ يوصى بها.

المكتبة المثالية أليفةٌ لدى كل من سان جيروم ونعوم تشوميسكي،

في المكتبة المثالية ما مِن قارئ يراوده الشعور بأنه شخصٌ غير مرغوب فيه.

كل صفحة في المكتبة المثالية هي الأولى. لا صفحة أخيرة بين صفحاتها.
كمثل فكرة بول فاليري عن( عقلٍ يتألف من صناديق)، ثمة أقسام في المكتبة المثالية تتوالى لافتاتها على هذا النحو : للدراسة في فرصة مؤاتية أنسب. ما لا يخطر على بال. لا جدوى من التعمّق أكثر. محتوياتٌ لم يتفحصها أحد، أشغالٌ بلا طائل. كنز معروف يتعذّر تفحُّصه إلا في حياة ثانية.عاجل.خطير.رهيف. مستحيل .مهمل.محجوز، دعه للآخرين! نقطة قوّتي. صعب. إلخ.

المكتبة المثالية تُبطل مفعول لعنة بابل.

ترمز المكتبة المثالية إلى كلِّ ما يمثّل المجتمع. يعتمد المجتمع على مكتباته ليعرف مَن هو لأن المكتبات هي ذاكرة المجتمع.

تستطيع المكتبة المثالية أن تكبر إلى ما لا نهاية من دون حاجة إلى مكان مادي إضافي. وتستطيع أن تقدم معرفةً بكل شيء من دون حاجة إلى المزيد من الوقت المادي. المكتبة المثالية موجودةٌ كمستحيلٍ جميل، خارج الزمان وخارج المكان.

كانت مستودعات القدماء لحفظ عظام الموتى منقوشة بالكلمات التالية : “ما أنتم عليه، كنّاه فيما مضى؛ ما نحن عليه، أنتم إليه صائرون”. قد تُقال الكلمات نفسها في كتب المكتبة المثالية وقرائها.
المكتبة المثالية ليست مستودعاً لحفظ عظام الموتى.
بعضٌ من أقدم المكتبات صانها الكهنةُ المصريون القدماء الذين أمدّوا الأرواح الراحلة بالكتب لترشدهم عبر مملكة الموتى. تحافظ المكتبة المثالية على وظيفة إرشاد الروح هذه.
المكتبة المثالية تجدد مجموعتها وتحافظ عليها في آن واحد. المكتبة المثالية مطواعة.
ثمة كتب معينة كُلَّ منها، بحد ذاته، مكتبةٌ مثالية. أمثلة : (موبي ديك) لـ(ملفيل)، (الكوميديا الإلهية) لـ(دانتي)، (مذكرات ما وراء القبر) لـ(شاتوبريان).

ما من حاجة إلى بوصلة في المكتبة المثالية، فـ مظهرها المادي وبنيتها الذهنية متطابقان.

المهندس المعماري للمكتبة المثالية هو ، أولا وأخيراً، قارئ مثالي.
المهمة المستحيلة لكل طاغية هي تدميرُ المكتبة المثالية.
المهمة المستحيلة لكل قارئ هي إعادةُ بناء المكتبة المثالية.
تحتوي المكتبة المثالية -كأي مكتبة أخرى- سطراً واحداً على الأقل كُتبْ خصيصاً من أجلك.

الفرق بين المتعلم والمثقف عند هشام شرابي

C20N1

هشام شرابي (1927-2005)، هو مفكر فلسطيني ولد في يافا، ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، هاجر إلى الولايات المتحدة وعمل أستاذا لتاريخ الفكر الأوروبي والعلوم السياسية في جامعة جورجتاون بواشنطن. ساهم في إنشاء عدة مؤسسات تُعنى بشؤون الوطن العربي والقضية الفلسطينية. له عدة مؤلفات عن النظام الاجتماعي والأسري للمجتمعات العربية، الهدف منها اكتشاف كيف يمكن النهوض بمجتمع فاعل وذلك بنقد تناقضاته.

في مقدمة كتابه (مقدمات لدراسة المجتمع العربي)، يكتب (شرابي) عن تجربته الخاصة في إعادة النظر بأفكاره السابقة واكتشاف مدى عمق الثقافة المسيطرة في تشكيل وعيه وفكره، حتى وإن وصل لأعلى الدرجات العلمية، مدركا أن أولى خطوات التحرير هي التحرير الذاتي والتخلص من عبودية الفكر المسيطر وهي عملية غاية في الصعوبة تتطلب إعادة النظر في جميع ثوابت الموروث وإخضاعها لتمحيص ونقد مستمر وشامل. يظهر هنا دور المثقف في التغيير، لكن هناك لبس مستمد من الجهل العام في اعتبار أن كل متعلم هو بالضرورة مثقف. في كتابه يفرق (شرابي) بين المتعلم والمثقف موضحا:

للثقافة والمثقفين مكانة خاصة في المجتمعات الفقيرة النامية، والجهل يرسم صورة مضخمة للعلم والمتعلمين، ويعطي المثقف مركزا متميزا ويتوقع منه المستحيل. وفي تصور هذه المجتمعات يختلط المثقف بالمتعلم، ويصبح كل من حصل على قسط من العلم، في نظرها، مثقفا. الواقع ان المثقف ليس من أحسن القراءة والكتابة، أو من حصل على شهادة علمية (هناك أميون بين حملة شهادة الدكتوراه)، بل إن ما يميز المثقف في أي مجتمع صفتان أساسيتان:

الوعي الاجتماعي الذي يُمكن الفرد من رؤية المجتمع وقضاياه من زاوية شاملة، ومن تحليل هذه القضايا على مستوى نظري متماسك.

والدور الاجتماعي الذي يمكن وعيه الاجتماعي من أن يلعبه، بالإضافة إلى القدرات الخاصة التي يضفيها عليه اختصاصه المهني أو كفايته الفكرية.

وعليه، فمجرد العلم حتى لو كان جامعيا لا يضفي على الفرد صفة المثقف بصورة آلية، فالعلم ما هو إلا اكتساب موضوعي ولا يشكل ثقافة في حد ذاته، إنه يصبح ثقافة بالمعنى الشامل إذا توفر لدى المتعلم الوعي الاجتماعي، ذلك العامل الذاتي الذي من خلاله فقط يصبح الفرد مثقفا، حتى لو لم يعرف القراءة والكتابة، ومن دونه يبقى أميا، حتى لو كان طبيبا أو أستاذا جامعيا.

إرادة البحث عند برتراند راسل

Bertrand Russell

براترند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي ومؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني، في محاضرته “البروباغندا الرسمية والتفكير الحر” والتي ترجمها عدي الزعبي يبشر راسل “بإرادة الشك” في مقابل “إرادة الاعتقاد” وفي ذلك يقول:

اعتاد وليم جيمس أن يبشر “بإرادة الاعتقاد” من جهتي أريد أن أبشر بإرادة الشك، فكل معتقداتنا ليست صحيحة تمامًا، في كل منها غمامة من الغموض والخطأ، طرق زيادة درجة صحة معتقداتنا معروفة جيدًا، وتكمن في الإنصات إلى كل الأطراف، ومحاولة التحقق من كل الوقائع ذات الصلة والسيطرة على انحيازاتنا عن طريق النقاش مع من يحملون انحيازات مختلفة، وتطوير استعداد للتخلي عن أي فرضية تثبت خطلها، تُمارَس هذه الطرق في العلوم، وقد أسست مجموع المعرفة العلمية، كل من يملك النظرة العلمية حقيقة مستعد للاعتراف بأن ما نعتبره معرفة علمية في الوقت الحاضر يتطلب بالتأكيد تصحيحًا مع تقدم الاكتشافات، مع ذلك، هذه المعرفة قريبة بما يكفي من الحقيقة في معظم الأمور العملية، وليس جميعها. في العلوم، حيث نجد ما يقارب المعرفة الأصيلة فقط، موقف الإنسان متردد ومليء بالشك.

على العكس من ذلك، في الدين والسياسة، وعلى الرغم من غياب ما يقارب المعرفة العلمية حتى الآن، يرى كل إنسان أنه من الضروري أن يملك رأيًا دوغمائيًا، وأن يدعم موقفه بنشر المجاعات والسجون والحروب، وأن يحرس نفسه جيدًا من أي منافسة مع الحجج المختلفة، لو أمكن فقط إقناع الناس بتبني إطار فكري مؤقت لا أدري في هذه الأمور، لأمكن علاج تسعة أعشار الشرور في العالم، ستصبح الحرب مستحيلة، لأن كل طرف سيدرك أن كلا الطرفين على خطأ، سيتقلص الاضطهاد، سيهدف التعليم إلى توسيع العقل، لا إلى تقليصه، سيتم اختيار الناس للعمل بناء على ملاءمتهم له، وليس لقبول الدوغمات اللاعقلانية لأولئك الذين في السلطة، الشك العقلاني وحده، إن وجد، سيكفي للوصول إلى الألفية.

ثم يتحدث عن النظرية النسبية لأينشتاين واستقبالها عالميًا كنموذج رائع عن المزاج العلمي في السنوات الأخيرة، رغم أنها قلبت كامل الإطار النظري للفيزياء التقليدية، وتضرر منها علم الديناميك التقليدي بنفس الطريقة التي أضر داروين بها سفر التكوين، ورغم ذلك أبدى الفيزيائيون استعدادهم للتقبل طالما حضر الدليل دون ادعاء منهم أو من أينشتاين بأنه قال الكلمة الأخيرة ويرى أن هذا التقبل المنفتح النقدي هو السلوك الحقيقي للعلم .. ويتساءل:

ما الذي سيحدث لو قام أينشتاين بتقديم شيء مساوٍ في جدته في حقل الدين أو السياسة؟ سيجد الإنكليز عناصر من البروسانية في نظريته، وأعداء السامية سيعتبرونها خطة صهيونية، القوميون في جميع البلدان سيجدونها ملوثة بدعوة سلمية مفرطة، وسيعلنون أنها مجرد محاولة للتهرب من خدمة العلم، كل بروفيسور من الطراز القديم سيطلب من “اسكوتلند-يارد” أن تمنع استيراد كتبه وسيطرد الأساتذة المقتنعون بنظرياته.

أما هو سيسيطر على أحد البلدان المتأخرة حيث سيصبح من غير القانوني تعليم أي شيء عدا نظرياته، التي ستنمو لتصبح مجموعة تعاليم مبهمة لا يفهمها أحد، سيتم تقرير صحة أم خطل معتقداته على أرض المعركة، دون جمع أي دليل جديد معها أو ضدها. هذه الطريقة هي النتيجة المنطقية لتعاليم وليم جيمس في إرادة الإيمان.

المطلوب ليس إرادة الإيمان، بل إرادة البحث، والتي تشكل بالضبط النقيض لها.