خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | المعرفة

ماهي المعرفة الحقيقية ؟ وكيف نكتسبها ؟ وهل هناك علاقة خفية بين المعرفة وبين أخلاقنا ؟ وماهي غاية المعرفة ؟

حين تنقذ المكتبات الأرواحَ

كتبت (أرسولا لو غوين) في أحد تأملاتها في كتاب (قدسية المكتبات العامة): “تُعتِقنا المعرفة، وتحررنا الفنون، أما المكتبة العظيمة فهي الحرية بعينها”. وكتب (جوزيف ميلز) في قصيدته حول مدح المكتبات: “لو صدقنا أُمناء المكتبات القول لقالوا أنه مامن أحد يمضي وقتًا في المكتبة إلا أصابته نفحات التغيير”.

عهد من جمال قطعته الفتاة الصغيرة (ستورم ريز) التي قضت حياتها بين المشقات والصعوبات لتلك القوة السحرية التي تمتلكا المكتبات العامة. فلقد نشأت (ريز) في مجتمع معتق بالفقر المتقع حيث يفتقد الناس لأبسط مقومات العيشة الكريمة السوية، وبقيت حياتها على هذه السجية حتى وضعتها الصدفة ذات يوم أمام واحدة من المكتبات المتنقلة فقلبت حياتها رأسًا على عقب حتى غدت فيما بعد أمينة مكتبة.

وهذه هي قصة (ريز) حسبما ظهرت في كتاب (شغف العمل والغرض منه).

كانت ظروف العمل والمعيشة في حقول المزارعين المهاجرين قاسية جدًا، فلقد كان والداي مدمنَي كحول وكنت أتعرض للضرب والاعتداء والتجاهل في اليوم غير مرة. وتعلمت كيف أقاتل بالسكين كيما أذود الخطر عن نفسي حتى قبل أن أتعلم ركوب الدراجة.

تشعر بنفسك كحبة تحت طاحونة رحى يومًا بعد يوم ولا شيئ تتطلع إليه أو تحلم به سوى ملء معدتك التي تتضور جوعًا. تحث السير إلى المدينة فيتراءى لك مشهد المنازل بديعة التصميم فاخرة الأثاث باذخة الجمال متناثرة على جانبي الطريق، لكنك تعلم في قرارة نفسك أنه محرم عليك أن تقطن في أي منها وإن بلغت من الكبر عتيًا. فأنت أقل شأنا من أن تحلم وأكثر وضاعة من أن تأمل.

وحين بلغت الحادية عشرة من عمري مرت بنا حافلة كتب متنقلة، خلتها في بادئ الأمر حافلةً للمعمدين فلقد اعتداوا على المجيء لإمدادنا ببعض الأسمال والطعام والبطانيات. وحين أدركت أنها ليست كذلك داعبني الفضول فاختلست النظر إلى الداخل عبر الباب، وما إن فعلت ذلك حتى أخذت بي الدهشة فتراجعت كمن به مس. لم يكن مسموحًا لي باقتناء الكتب لثقل وزنها، وحيث أنك لا تثبت في مكان وسجيتك الترحال، كان يجب الإبقاء على الأمتعة خفيفةً سهلة الحمل. صحيح أنني قرأت بعض الكتب حين كان جائزًا لي ارتياد المدرسة، لكنني لم أمتلك أيًا منها أبدَا.

ولحسن الحظ لمحني الرجل داخل الحافلة فافترّ ثغره عن ابتسامة لطيفة ودعاني إلى الدخول، لقد كنت متوترة جدًا. قال لي: “يمكنك استعارة ما شئتِ من الكتب شريطة إعادتها بعد أسبوعين اثنين“، طالعته بدهشة وسألته: “ومالمقابل؟“، فأنشأ يشرح لي أنه لا مقابل البتة وسألني عن المجالات التي أهتم بالقراءة حولها.

عادت بي الذاكرة حينها إلى ذلك اليوم الذي أخبرنا فيه أحد كبار السن عن اليوم الذي انفجر فيه بركان ماونت رينير وعن الدمار الذي خلفه، فأخبرت الرجل في الحافلة أني قلقة حيال انفجارات البراكين في الجبال فقال لي: “أتعملين أمرًا؟ كلما زادت معرفتك حول أمر ما، قل خوفك منه”، وأعطاني كتابًا عن البراكين. وبينا أنا في طريقي للخروج وقعت عيني على كتاب يتحدث عن الديناصورات فقلت: “يبدو هذا الكتاب أنيقًا”، فأعطاني إياه أيضًا إلى جانب كتاب آخر يتحدث عن صبي لأبوين مزارعين. شكرت الرجل وقفلت عائدةً إلى منزلي والتهمت الكتب التهامًا.

عدت إلى حافلة الكتب بعد انقضاء اسبوعين على زيارتي الأخيرة فأعطاني الرجل مزيدًا من الكتب وكانت هذه هي نقطة البداية. فما إن بلغت الخامسة عشر من عمري حتى أدركت أن هناك عالمًا خارج حدود هذا المخيم يناديني كيما ألِجه وغمرتني ثقة كبيرة بأنني سأجد مكاني هناك. لقد قرأت عن أناس يشبهونني وآخرين مختلفين عني ورأيت مدى اتساع هذا الكون مما أمدني بالشجاعة للمغادرة. لقد فعلتها في النهاية، فلقد كنت مؤمنةً أن الأمل ليس كلمة وحسب.

وما إن خرجت حتى التحقت بواحدة من المدارس المهنية ثم تخرجت منها بدرجة كاتبة اختزالية، وهو نوع من الكتابة الرمزية الغرض منه الإيجاز وزيادة سرعة الكتابة. وبعد ذلك كان افتتاح مكتبة مقاطعة بيرسي فتقدمت للعمل هناك وتم توظيفي. قضيت بعدها ما يربو على اثنين وثلاثين عامًا أساعد الآخرين في بناء الألفة بينهم وبين المكتبة، فلقد نشأ في داخلي التزام عميق ودؤوب تجاهها، فالمكتبات تنقذ الأرواح.


[المصدر]

فارابية الموسيقى

image

الفارابي شيخ الفلسفة الحكيم أبو نصر، كما جاءت ترجمته في سير أعلام النبلاء، هو محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ التركي الفارابي المنطقي أحد الأذكياء، كان زاهداً، تأثر بـ(أرسطو) وتعددت مجالاته واهتماماته، برع بضرب العود ويذكر أنه قام بالعزف في مجلس الملك سيف الدولة بن حمدان “… فنام كلّ من في المجلس. فتركهم نياما وخرج “.

وقام الأستاذ (سالم العيّادي) في كتابه (الموسيقى و منزلتها في فلسفة الفارابي) بالبحث في المنزلة الإبستمولوجية للموسيقى النظرية في نسق العلوم عند (الفارابي).
يقول (الفارابي):

“إن صناعة الموسيقى النظرية هيئة تنطق عالمة بالألحان ولواحقها عن تصورات صادقة سابقة حاصلة في النفس”

يكون العلم النظري بالموسيقى ممكن دون تجاوز الوجود العملي – الحسي للنغم و الألحان و ذلك أولاً بدلالة “النطق”، والذي يعرفه (الفارابي):

“هيئات الموسيقى و ما بداخله من وجود إنشائي للنغم و الألحان بين ما لنا فعله – و ما ليس لنا فعله”

فنظرية (الفارابي) في الموسيقى لا تنكشف أسسها إلا إذا انكشف بعد النطق. وهناك وجهين لمفهوم النطق لدى (الفارابي) الأول منه:

ابستمولوجي يندرج مفهوم النطق بمقتضاه في مبحث شرائط العلم النظري، الوجه الثاني تواصلي يندرج هذا المفهوم بمقتضاه في مبحث المقومات التعليمية للمعرفة، ولمّا كان (الفارابي) لا يفصل بين المبحثين و لا يجعل البعد التواصلي للمعرفة شيئاً ما مضافاً إلى شرائط العلم إضافة خارجية فإن المعرفة لا تنشأ ولا تكتمل -من حيث هي شأن إنساني- إلا و لها الاستعداد الذاتي للتعميم إنتاجاً و تحصيلاً.
إن التفكير في الموسيقى كثيراً ما ينتهي إلى تعطيل التفكير فيها لتسرب المفاهيم و الفرضيات الميتافيزيقية التي تحولها لضرب من اللغز أو تردها لضرب من العبقرية تقتضي فطرة إلاهية كالتي تُنسب لـ(فيثاغورس) مثلاً، لذلك التصريف (الفارابي) لمفهوم “النطق” يمثل محاولة جذرية لعقلنة الموجود الموسيقي إجرائياً و أنسنته مذهبياً من حيث أن كلا الفعلين شرط ضروري لكمال العلم، واسم “النطق” يتمثل في القوة النفسانية المفطورة في الإنسان التي بها يميز التمييز الخاص بالإنسان دون ما سواه من الحيوان وهي التي بها يحصل للإنسان المعقولات والعلوم والصنائع وبها تكون الروّية وبها يميز الجميل والقبيح من الأفعال.

و يقول (الفارابي) في صناعة الموسيقى:

“أما الصنائع النظرية فإن معارفها كلها ينبغي أن تكون بحيث ينطق عنها”

ولأن هيئة الموسيقى النظرية هيئة “نطق” بالمعنى الذي سبق تحديده، فيصبح الموجود الموسيقي “معقول” يمكن الوقوف على مبادئه و استنباط ما يلزم عنها كما يمكن قوله قولاً تعليمياً تقويمياً يجعل منه شأناً إنسانياً يمكن التواصل فيه.
و لأن الموجود الموسيقي “معقولاً” و كان وجوده حاصلاً بالصناعة وليس بالطبيعة فإن الموسيقى العملية “الصناعة” مستعدة -من جهة ما هي صناعة إنسانية- للعقلنة، أي الاستنباط التحليلي بناء على المفهوم ذاته، فالمعقول من الألحان ليس شيئاً آخراً مغايراً أنطولوجياً للمحسوس منها بالصناعة إذا يقول (الفارابي):

“والألحان وما ينسب إليها هي من الأشياء التي تُحس وتُتَخيل وتُعقَل”

فإذاً الموجود الموسيقي “معقولاً” و كان وجوده صناعيّا فإن الهيئات الموسيقى العلمية “ناطقة” هي الأخرى.
فإذا كانت الألحان تتميز “بمعقوليتها” و بإستعدادها لفعل العقل المتمثل في “قوة التصور” و في “العبارة عنه” فإن هذه المعقولية لا تقتصر فقط على الوجود النظري للألحان وإنما هي قائمة أيضاً في وجودها العملي، بل إن هذه المعقولية النظرية ذاتها ليست إلا “صورة” الوجود العملي للألحان، فالموسيقى “معقولة” وإن كانت “واقعة فنية” تقوم على “الذوق” و “الخيال“.
نصل إلى أن الموسيقى عن (الفارابي) ليست من جنس الصنائع المهنية و لا هي من جنس أحوال السالكين وإنما هي فعل إنساني يمكن تصوره عقلياً على النحو الذي يجعل العلم به و يجعل قوله تعليمياً ممكنين .

هناك تصورات ترى الموجود الموسيقي شيئاً ما متعالياً على الصناعة الإنسانية مثلما يشير (فيثاغورس) الذي جعل من الموسيقى مبدأ كوني لا تمثل الموسيقى الانسانية بالإضافة إليه إلا وجود ناقص و ما الطابع الصوفي الذي تلبست به المفردات الرياضية الفيثاغورية إلا علامة على عجز أدوات التحليل على “تعقل” ما لا يمكن “عقله“، فموسيقى السماء عصية على الحصر المفهومي كما أن الإحساس بها وسماعها يقتضي فطرة فوق إنسانية .
أو هي ترى في الذات المبدعة ضرباً من الحضور اللاإنساني كما يقول أفلاطون فالنص الأفلاطوني لا يخلو من “تجاوز” لحدود ما هو إنساني صرف ، و لا يرى في الموسيقى واقعة إنسانية محضة و إنما يردها إلى قوة غريبة و متعالية، ويؤكد إضافة لذلك على وجمد تناغم محض و سماوي لا تمثل الموسيقى الانسانية بالاضافة إليه إلا محاكاة ينبغي تجاوزها على نحو ما .

ونرى (الغزالي) يصف التلقي الوجدي للألحان فيه غياب تام للبشرية، ويتجلى هذا النفي المزدوج في نمط تلقي “السالك المتصوف” للألحان فللسماع مثلاً لدى (الغزالي) مكانة مهمة في الرياضة الصوفية تعبر عن الحضور الوجدي الذي يكتمل في الدرجة القصوى لمقام “الفهم” – درجة الصديقين – التي يعزب فيها السامع عن نفسه و يصبح “كالمدهوش الغائص في بحر عين الشهود“.
وهكذا ينظر إلى الموسيقى في جميع هذه الحالات كشيء ما يتجاوز “النطق” بالمعنى الفارابي لهذا المفهوم.
ومضة: الفارابي أول من اخترع آلة القانون و الآت موسيقية أخرى، وبذكر العود أعلاه قام بتطويره وإضافة تحسينات عليه ومن ذلك العود الثماني “المثمن” أي بعدد ثمان أوتار و الذي وجده مخططه العواد (نصير شمه) و قام بنقله من الورق للواقع بصناعة (فوزي منشد).

قيمة العلوم الإنسانية، وفوائد القراءة عند جوديث بتلر

judith-butler-foto-540x304

جوديث بتلر من مواليد عام 1956، وهي فيلسوفة أمريكية، لها إسهامات في مجالات الفلسفة النسوية، نظرية النوع والمثلية، الفلسفة السياسية، والأخلاق. وهي أستاذ في قسم الأدب المقارن والبلاغة في (جامعة كاليفورنيا-بركلي). حصلت بتلر على دكتوراة الفلسفة من (جامعة يل) عام 1984، وكانت أطروحتها التي نشرت فيما بعد بعنوان “موضوعات الرغبة: تأثيرات هگلي على فرنسا القرن العشرين”. في أواخر الثمانينات تقلدت (بتلر) عدد من المناصب، وكان لها اسهامات في تأثيرات ما بعد البنوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية “المصطلحات الافتراضية” للنسوية.

تسلمت الفيلسوفة (جوديث بتلر) الدكتوراه الفخرية من (جامعة مكغيل)، و أثناء حفل منحها الدكتوراه القت خطابًا استهلته بالحديث عن الأدب كآداة للمشاركة الوجدانية، نترجمه لكم بشكل حصري. تقول (بتلر) في خطابها:

تتيح لنا العلوم الإنسانية تعلم كيفية القراءة بتأنّ وبتقدير ونظرة نقدية، لنجد أنفسنا، بشكل غير متوقع، بداخل النصوص القديمة التي نقرأها فتتيح لنا إيجاد طرق مختلفة للحياة والتفكّر والفعل وتأمل ما وقع في أزمنة وأماكن لم نتعرف عليها ابدًا .. تتيح لنا العلوم الإنسانية فرصة لنقرأ عبر مختلف اللغات والثقافات مما يعطي لنا فرصة لفهم وجهات النظر المختلفة في هذا العالم .. كيف نظن إذًا أن بإمكاننا العيش معًا بدون امتلاك هذه القدرة على رؤية ما هو أبعد من أمكاننا؟ أن نجد أنفسنا مرتبطين بأناسًا لم نعرفهم ابدًا بشكل مباشر ونفهم أننا، بشكل دائم ومباشر، نتشارك هذا العالم؟

وقالت (بتلر) عن أهمية القراءة:

في وضع مثالي، فإننا ننسى أنفسنا في ما نقرأ، فقط لنعود لنجد أنفسنا وقد تحولت وأصبحت جزءًا من عالم أكثر إتساعًا – باختصار إننا نصبح أكثر نقدًا وإنفتاحًا تجاه أفكارنا وأفعالنا.

وأضافت (بتلر) معلقة عن القراءة كشرط ضروري لتحقيق الديموقراطية:

تقتضي الديموقراطية الحقيقية أن نتعلم كيفية القراءة جيدًا، ليس فقط قراءة النصوص بل الصور والأصوات ايضًا؛ أن نتعلم الترجمة عبر اللغات وأجهز الإعلام ووسائل الاستماع  والتعبير والتمثيل وصناعة الفن وصياغة النظريات.

وأشارت (بتلر) إلى أن الرغبة في عدم المعرفة هي بمثابة وقود لدفع العلوم الإنسانية بعيدًا، فقالت:

يجب علينا أن ننفض الغبار عما نظن أننا نعلمه سابقًا لنمد خيالنا بالتجارب الحية والتي تكون مؤلمة في بعض الأحيان.

وتعليقًا على  أن دراسة العلوم الإنسانية أعدت الشباب ليقتحموا هذا العالم “ليتولوا هذه المسؤلية الرائعة والمثيرة”، عرضت (بتلر) وجهة نظر رائعة عن النظرية النقدية كأساس لـ اللاعنف فقالت:

أنت ستحتاج لكل هذه المهارات لتمضي من التزامنا الأخلاقي أن نحيا مع هؤلاء المختلفين عنا إلى المطالبة بتوثيق تاريخنا ومعاناتنا في نفس الوقت الذي نطالب بذلك للآخرين .. وأن نمارس شغفنا بدون أن نتسبب بألم للآخرين .. وأن نفهم الفرق بين التعصب والتشويه والحكم النقدي.

الخطوة الأولى للاعنف هي أن نبدأ التفكير بشكل نقدي وأن نطالب الآخرين أن يفعلوا الشيء ذاته.

Continue Reading →

إدوارد سعيد في حديثه عن النظام التعليمي

408195b

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني.

في كتابة (خيانة المثقفين)، تحدث (إدوارد) عن النظام التعليمي العالمي، فقال:

لسوء الحظ أن كل أنظمة التعليم المعروفة اليوم لا تزال قومية خفية أو ضمنية. إلى حد ما، هذه ضرورة للغة والسياق والحقيقة الوجودية. إن كنتَ فرنسيا مثلًا، يجب أن تتعلم اللغة القومية، وتتعلم تاريخ البلاد وتفهم مجتمعه لكي تعيش فيه. في المجتمعات الأقل ليبرالية، هناك ضرورة أكبر لتعليم الشباب بأن لغتهم وثقافتهم متفوقة وبالاستنتاج تكون الثقافات الأخرى أقل أهمية أو بطريقة ما أجنبية وغير مرغوبة لكي تبدو غير جذابة.

أتمنى لو أستطيع القول بأن الطرق العامة الأحدث للتعليم والتطوير الثقافي تلهم المرء بحماس أكبر، لكنها للأسف لا تفلح في ذلك.

التفكير المشترك عن العولمة تغلب على الشعور لدرجة يجب أن تكون فيها وظيفة التعليم، في رأيي، تعزيز روح المقاومة بدل الامتثال، والتفويض الفردي بدلا من الجبرية الجمعية. وإلا كيف سنشجع طلابنا على التمييز بين العدل والظلم، بين الأفكار العقائدية – الأرثوذكسية–عن الديمقراطية وبين الديمقراطية التشاركية الحقيقية؟ أولا وقبل كل شيء، كيف نستطيع أن نحفز الناس من خلال التعليم ليصنعوا تاريخهم بأنفسهم، وأن يكون التاريخ نفسه تنافس حول القضايا الأخلاقية الأساسية التي تشمل السلطة والمسؤولين والشعور الأخلاقي؟ دعني الآن أقدم وجهة نظر بديلة عن النظرة التقليدية الموجودة في تقرير اللجنة العالمية.

هناك سطر لازمني منذ سنوات كثيرة في مقال عن (ليوناردو دا فينشي) لشاعر أوائل القرن العشرين الكبير (بول فاليري). واصفا عقل (ليوناردو) في قوته وأناقته، يقول (فاليري): “إن الفنان الإيطالي لم يستطع التفكير إلا بالجسر كلما فكر بالهاوية”. كلام مجازي. الهاوية البديل عمّا يقدّم لنا كثابت ونهائي ومستحيل تجاوزه. بغض النظر عن مدى عمق وصعوبة المشهد الذي قدّم نفسه له، كان لدى (ليوناردو) المقدرة على التفكير في بديل ما دائمًا، طريقة ما لحل المشكلة، هبة ما لعدم القبول السلبي لما قُدّم له، كما لو أن المشهد الذي تخيله يمكن دائما تخيله بطريقة مختلفة وربما بطريقة مفعمة بأمل أكبر.

طبعا، كان (ليوناردو) عبقريا، وفي كل طريقة يمكن تخيلها لم يكن شخصًا عاديًا قليلٌ منّا من يجرؤ على مقارنة نفسه به. لكني أعتقد أن إحدى فوائد التعليم هي، عدا عن إعطائنا أساليب ومهارات للتعامل مع مجالات من الخبرة مثل الطب أو القانون أو الإنسانيات، يعطينا أيضا الفرصة لنرى الأشياء بصورة مختلفة، وأن نحاول بطريقتنا الخاصة بأن نبني جسورًا فوق الهاوية. لا يعني هذا بأن لا يفترض في التعليم أن يكون حول اكتساب المعرفة – طبعا هو كذلك – لكن المعرفة أكثر من مجرد تكديس للمعلومات. قال (جان بول سارتر) مرةً عن صديق درس في أعظم الجامعات الفرنسية؛ (إيكول بوليتكنيك): “صديقي ذكي بشكل لا يُصدّق حقًّا. هو يعرف كل شيء، لكن ذلك كل ما يعرفه”.

ثم يقول بعد ذلك:

أحد أصعب الأشياء بالنسبة لي كمعلم هو أن أعطي طلابي كل ما أعرفه عن الموضوع، وأحاول شرحه بشكل كامل بقدر ما أستطيع وبعد ذلك أجعلهم يشعرون بعض الرضا حول ما قلته أيضا أو على الأقل الشك به بعيدا عن حالة الرفضية الآلية، الشكوكية هي الخطوة الأولى لتشييد بناء فوق هاوية. إن لم تستطع أن تلهم طلابك لفعل ذلك، إن لم تستطع أن تحركهم ليفهموا بأن التعليم هو تعليم ذاتي فعلا وليس قبول بلا نقاش لما يقوله المسؤول “السلطة” أخيرا، حينها عليك أن تدرك بأنك سلمتهم إلى عبودية فكرية وبالتالي أخلاقية.

ألبرتو مانغويل : ملاحظات نحو تعريف المكتبة المثالية

مانغويل

ألبرتو مانغويل، من مواليد 1948. الكاتب والروائي والمترجم والمحرر الارجنتيني/الكندي المعروف الذي عنيَ بالإطلاع الواسع على أهم الأعمال الأدبية العالمية وجمعِها. تناول موضوع القراءة الحيّز الأكبر والرئيسي في أبرز أطروحاته ومؤلفاته الأدبية كـ : (تاريخ القراءة)، (المكتبة في الليل) و (يوميات القراءة). في كتابه الآخر (فن القراءة) يقوم مانغويل بسرد ملاحظات هامة حول تعريف ما أسماه “المكتبة المثالية” محاولا الإلمام بكل التفاصيل المكتبية المثالية من منظور فني وأدبي واسع.

المكتبة المثالية مصممة من أجل قارئ واحد معين، يجب أن يحس كل قارئ، أو قارئة، بأنه القارئ المختار.

كُتب فوق باب المكتبة المثالية مرادفٌ لشعار (رابليه): “إقرأ ما شئت”.

المكتبة المثالية افتراضية ومادية في آن واحد. إنها توفر النصوص بكافة الأشكال والتجليات والتقنيات المتاحة.

المكتبة المثالية مكتبةٌ يسهل الوصول إليها، لا ينبغي أن تحول بين القارئ والكتب أدراجٌ عالية، أو أرضيات زلقة أو أبوابٌ متعددة مشوّشة أو حراسٌ مخيفون.

للمكتبة المثالية مقاعد وثيرة مدعمة بمسندين الذراعين وظهر مقوّس، كتلك المقاعد في قاعة لابروست المأسوف عليها في المكتبة الوطنية الفرنسية، للمكتبة المثالية مناضد فسيحة، حبَّذا سطوحها من جلد أملس، ومآخذ كهربائية للأجهزة الإلكترونية “شريطة تشغيلها بمطلق الصمت” ومصابيح فردية خافتة الإنارة تذكرك بمصابيح القراءة الزجاجية الخضراء في الثانوية الوطنية في” بوينس آيرس”.
سنة ١٢٥٠، قارن (ريشار دو فورنيفال) المكتبة المثالية بحديقةٍ مسوّرة.

المكتبة المثالية تحتوي الكتب بشكل رئيسي، لكنها لا تقتصر عليها، إنها تجمع أيضاً الخرائط والرسوم والحواسيب والموسيقى والتسجيلات الصوتية والأفلام والصور الفوتوغرافية. المكتبة المثالية مكان للقراءة، بكل ما يشير إليه هذا التعبير في أوسع معانيه.
رفوف المكتبة المثالية مفتوحة أمام كل قارئ.
يجب منح فرصة الحرية إلى القارئ لملاقاة ما لا يتوقع.
لا رفَّ في المكتبة المثالية أعلى أو أخفض مما تطاله يد القارئ. لا تحتاج المكتبة المثالية إلى حركات بهلوانية.
ليس الجو في المكتبة المثالية مسرفاً في التدفئة أو مسرفاً في التبريد.
المكتبة المثالية تنظم محتوياتها دون إصابات في التصنيف على كتبها.
ليس هناك أيُّ قسم ذو ترتيب نهائي في المكتبة المثالية.
خريطة المكتبة المثالية هي فهرسها.
في المكتبة المثالية وفرةٌ من الطعام والشراب وآلات التصوير الضوئي،
والحصول عليها يسير.
المكتبة المثالية منعزلة ومشاعٌ للجميع في آنٍ معاً، حميمة ومفتوحة للتواصل الاجتماعي، مصممة للتأمل والحوار، للتبحر والتساؤل، تضنُّ وتجود، ملأى باليأس من كثرة ما ينبغي قراءته وبالرجاء المتطلع إلى ما لم يُقرأ بعد.

المكتبة المثالية تحمل وعد كل كتابٍ ممكن.
لكل كتابٍ في المكتبة المثالية صداه في كتابٍ آخر.
المكتبة المثالية مقتطفات مختارة سرمدية ودائمة التجدد.
ليس للمكتبة المثالية ساعة محددة تغلق فيها أبوابها.
المكتبة المثالية تسمح بالخربشة على كتبها.

المكتبة المثالية عامة وسرية في آنٍ معاً. إنها تحتوي كل الكلاسيكيات المجمع عليها وكل الكلاسيكيات التي لا تعرفها إلا قلّة قليلة من القرّاء.
في المكتبة المثالية تتجاوز (الكوميديا الإلهية) لـ(دانتي) مع الكلمات الاخيرة للموتى لـ(فيل كوزينو)، ومقالات (مونتنيي) مع (مونتنيي) أو (الحياة المكتوبة) لـ(إدواردو لورنتسو)، (مدام بوفاري) لـ(فلوبير) مع قصص (عروس الأوديسة) لـ(إدغاردو كوزارينسكي)، (الأخوة كارامازوف) لـ(دوستويفسكي)، مع (دوستويفسكي) يقرأ (هيغل) في سيبيريا ويجهش بالبكاء لـ(لازلو فولدينيي).

مهمة القارئ، في المكتبة المثالية، هي قلب النظام الراسخ.

يتباين عدد الكتب في المكتبة المثالية، يُقال إن مكتبة الإسكندرية احتوت سبعمائة ألف لفافة مخطوطة؛ لم يتجاوز عدد الكتب على رفوف (خورخي لويس بورخيس) خمسمائة مجلّد؛ كان للأطفال في معسكر الإعتقال النازي بيركناو مكتبةٌ سرية تتألف من ثمانية كتب ثمينة كان إخفاؤها واجباً في مكان مختلف كل ليلة.
تقع المكتبة المثالية في العقل، حتى عند تشييدها من الجدران والرفوف والكتب. المكتبة المثالية هي المكتبة المستعادة عبر الذاكرة.

توحي المكتبة المثالية بنص واحد مستمر ليس له بدايةٌ واضحة المعالم ولا نهايةٌ يمكن التكّهن بها.

ليس هناك في المكتبة المثالية كتبٌ ممنوعة لا كتبٌ يوصى بها.

المكتبة المثالية أليفةٌ لدى كل من سان جيروم ونعوم تشوميسكي،

في المكتبة المثالية ما مِن قارئ يراوده الشعور بأنه شخصٌ غير مرغوب فيه.

كل صفحة في المكتبة المثالية هي الأولى. لا صفحة أخيرة بين صفحاتها.
كمثل فكرة بول فاليري عن( عقلٍ يتألف من صناديق)، ثمة أقسام في المكتبة المثالية تتوالى لافتاتها على هذا النحو : للدراسة في فرصة مؤاتية أنسب. ما لا يخطر على بال. لا جدوى من التعمّق أكثر. محتوياتٌ لم يتفحصها أحد، أشغالٌ بلا طائل. كنز معروف يتعذّر تفحُّصه إلا في حياة ثانية.عاجل.خطير.رهيف. مستحيل .مهمل.محجوز، دعه للآخرين! نقطة قوّتي. صعب. إلخ.

المكتبة المثالية تُبطل مفعول لعنة بابل.

ترمز المكتبة المثالية إلى كلِّ ما يمثّل المجتمع. يعتمد المجتمع على مكتباته ليعرف مَن هو لأن المكتبات هي ذاكرة المجتمع.

تستطيع المكتبة المثالية أن تكبر إلى ما لا نهاية من دون حاجة إلى مكان مادي إضافي. وتستطيع أن تقدم معرفةً بكل شيء من دون حاجة إلى المزيد من الوقت المادي. المكتبة المثالية موجودةٌ كمستحيلٍ جميل، خارج الزمان وخارج المكان.

كانت مستودعات القدماء لحفظ عظام الموتى منقوشة بالكلمات التالية : “ما أنتم عليه، كنّاه فيما مضى؛ ما نحن عليه، أنتم إليه صائرون”. قد تُقال الكلمات نفسها في كتب المكتبة المثالية وقرائها.
المكتبة المثالية ليست مستودعاً لحفظ عظام الموتى.
بعضٌ من أقدم المكتبات صانها الكهنةُ المصريون القدماء الذين أمدّوا الأرواح الراحلة بالكتب لترشدهم عبر مملكة الموتى. تحافظ المكتبة المثالية على وظيفة إرشاد الروح هذه.
المكتبة المثالية تجدد مجموعتها وتحافظ عليها في آن واحد. المكتبة المثالية مطواعة.
ثمة كتب معينة كُلَّ منها، بحد ذاته، مكتبةٌ مثالية. أمثلة : (موبي ديك) لـ(ملفيل)، (الكوميديا الإلهية) لـ(دانتي)، (مذكرات ما وراء القبر) لـ(شاتوبريان).

ما من حاجة إلى بوصلة في المكتبة المثالية، فـ مظهرها المادي وبنيتها الذهنية متطابقان.

المهندس المعماري للمكتبة المثالية هو ، أولا وأخيراً، قارئ مثالي.
المهمة المستحيلة لكل طاغية هي تدميرُ المكتبة المثالية.
المهمة المستحيلة لكل قارئ هي إعادةُ بناء المكتبة المثالية.
تحتوي المكتبة المثالية -كأي مكتبة أخرى- سطراً واحداً على الأقل كُتبْ خصيصاً من أجلك.