خلاصات هذا القسم

الأرشيف | ترجمات حصرية

مقالات ولقاءات صحفية، مترجمة حصريًا لدى ساقية

قصائد مختارة للشاعرة الروسية المعاصرة لاريسا ميلر

ولدت (لاريسا ميلر إميليانوفنا) في عام ١٩٤٠م، هي شاعرة، وكاتبة، وناقدة ومترجمة، تعيش حاليًا في العاصمة الروسية موسكو. تتمتع الشاعرة بشهرة عالمية كبيرة، حيث ترجمت اعمالها إلى عدة لغات. ننقل لكم عددًا من قصائدها إلى اللغة العربية، حصريًا لدى ساقية.


.١.

بعد ان آمنت

بهذا الكوكب الثلجي،

أحاول أن أعيش عليه بجديّة،

وبعد أن ضِعت في وسط ناره،

وكثرة شعاعه وظلاله،

أعلل نفسي بالأمل الخجول،

في هذا الطريق الطويل،

الذي يقودنا إلى المجهول.


.٢.

تلألأت الثلوج،

في السنوات المظلمة.

وبدت ألوانها مختلفة،

في السنوات المظلمة.

وغنّت طيور الربيع،

وغلت أشواق الربيع.

حين قادوا الأبرياء تحت الحراسة،

تفتحت أشجار الكرز برقّة،

وتمايلت مياه البحيرة،

في تلك السنوات .. السنوات المظلمة.


.٣.

الصمت – هو الفجوة بين الأصوات،

أما البهجة – هي الفجوة بين الآلام،

والنور – هو الفجوة بين الظلام والظلام.

ففي هذه الفجوة، يا عزيزي،

نحن ننشر السلام والسعادة،

وننظر إلى الظلام بتوجس.


.٤.

كونوا سعداء على الفور. أتسمعوني؟

على الفور، لأننا لسنا هنا إلى الأبد، هذا مؤكد.

لأننا هنا فقط لبعض الوقت، فقط للحظة.

وبما أن قدرنا هذه الأرض الصغيرة،

علينا أن نبحث عن السعادة بسرعة،

حتى لا نضطر لأن نعتذر أمام الخالق،

عن ضيق أفقنا وجهلنا،

وعدم القدرة على استيعاب نصيبنا،

من هذه الأيام.


.٥.

الغيوم التي تعيش في السماء،

تموت في المكان نفسه،

تموت بسهولة،

تمرح كأنها تلعب،

تسبح، وتمرّ،

وعند الغروب فجأة،

تتراءى بلونها القرمزي،

ومن ثم تختفي،

لا تعاني، ولا تمرض.


.٦.

لم تتعلم روسيا من دروسها أبدًا،

ولم تعالج جروحها بطريقة واضحة أبدًا،

وأي منهما يصبح ملتهبًا، ينزف دمًا،

توجه الإساءة، ويبقى الخطأ غصّة في الحلق.

لم يكن القرن الجديد لروسيا حقبةً،

ولا عصرًا جديدًا،

إنها تشتم وتغضب، وتسجل دمًا.


.٧.

لا أعلم – هل هذا من حسن الحظ أم من سوء الحظ،

ولكنك غدوت جزءًا لا يتجزأ مني.

في أي شيء تمكن السعادة؟

نعم، في أن تحب وأن تكون محبوبًا،

والتعاسة في أن تكون مجروحًا مرتين.


.٨.

أنا لا أعرف أن أعيش وحيدة، 

وبعيدًا، بعيدًا عنك،

عن قريبًا جدًا، جدًا،

وإلا سأفقد عقلي.

غُرَفنا فارغة وحزينة،

حينما لا نكون فيها.

وكم من الدفء والضوء فيها،

حين تأتي إلى البيت.


.٩.

أشعر دائمًا أني على ما يرام،

حتى لو ساءت حالتي.

سأكون بخير حتى آخر أنفاسي،

فيما لو أنت لم تهجرني، يا حبيبي،

وفيما لو أنا لم ينبغِ عليّ أن أكون وحيدة،

مهما يكن، الحياة لا تبدو جحيمًا،

لو أنك موجود،

لو كنت فقط قريبًا مني.


.١٠.

هل تعلم لمَ أنا هنا؟

لمَ تزهر ورود الحب هنا؟

لمَ يدغدغني العشب،

لمَ يصرّ هذا الجندب كثيرًا،

لمَ تورّد الورد البريّ،

لمَ زخّ المطر بصوتٍ عالٍ جدًا،

ولمَ ضربت الشمس عينيّ،

من أجل أن أحبك.


المصادر:

  • مجلة (كونتينينت ). العدد ١٢٠، عام ٢٠٠٤م
  • مجلة (نوفي بيريغ). العدد ٥٥، عام ٢٠١٧م
  • مجلة (آريون). العدد ٣، عام ٢٠١٧م
  • مجلة (آريون). العدد ١، عام ٢٠١١م
  • مجلة (آريون)، العدد ١، عام ٢٠١٦م
  • روابط للقصائد [1]، [2]

أينشتاين والقوة السياسية للفن

لا شيء يضاهي أثر الفن على النفس، ولا حتى الوصف الواقعي ولا النقاش الثقافي.

كتبت الكاتبة الإيرلندية (آيريس مردوك)، في خطاب اعتقالها عام ١٩٧٢م بعنوان “الفن كقوة مقاومة”، قائلةً «يخشى الحكام الطغاة الفن، إذ يريد الطغاة أن يُعقدوا الأمور لكن الفن يميل لتوضيح الأمور».
وقد قال الروائي النيجيري (تشينوا أتشبي) للروائي الآخر (جيمس بالدوين) في واحدة من أحاديثهم الرائعة المنسية “من يخبرونك ألا تخلط السياسة بالفن، هم نفسهم من يقنعون ويرضون بالوضع الحالي… فهم كأنما يقولون لا تزعج النظام”

وقبل ذلك بجيل كامل، جلس (ألبرت آينشتاين)، في آخر سنواته، على مكتبه في نيوجيرسي وأخذ يكتب رسالة جياشة من التقدير وبث الطمأنينة للرسام اليهودي البولندي (سي لوين) الذي كان قد نشر لتوه عمل مفاجئٍ يجمع الفن والمقاومة. 

ولد (سي لوين) قبل يوم الهدنة بأيام معدودة، وقد كان عمره خمس أعوام حين قرر أن يصبح رسامًا، أو حين علم في نفسه أنه رسام. وفي تلك السنين الأولى فرت عائلته من مكان لآخر حيث كان وضع اليهود في أوربا يزداد سوء على سوء. وبدأ (لوين) خلال فترة لجوئه في برلين يتلقى أولى دروسه الرسمية في الرسم من أحد مناصري الرسام الألماني (بول كلي)، مع تعرضه للنبذ والتنمر في المدرسة لكونه يهودي. ولقد تشكلت مخيلته الغضة وفهمه للعالم بقدر حبه للفن وبقدر المناخ السياسي الذي يفوح منه الحقد قبل أن يتحول إلى أحلك حرب شهدها العالم. 

ولما فرّت عائلة (لوين) إلى أمريكا خوفًا من بطش (هتلر) كان (لوين) لا يزال مراهقًا. وحينما وصل نيويورك كان يحدوه الأمل في حياة جديدة مليئة بالفن وبعيدة عن الاضطهاد. وبدأ يتلقى دروساً في الرسم ويذهب إلى متحف الميتروبوليتن يوميًا.

حتى تعرض للضرب المبرح مرةً على يد شرطيٍ معادٍ للسامية، وسرعان ما راودته الفكرة المرعبة أنه لن يستطيع الفرار من الوحشية المتعصبة، وأن الفن لن يُفصل عن الواقع المضطرب للعالم مما دفعه للإقدام على محاولة انتحار.

بيد أنه نهض في وجه البواعث المدمرة بعزيمة كعزيمة (إبراهام لنكليون) وحول الظلام لدافعٍ للعمل ولتصحيح حال هدا العالم الوحشي المنكسر بنوره وضيائه.

وتطوع (لوين) في الجيش الأمريكي، في وحدة مخابرات سرية تتكون من مهاجرين يجيدون الألمانية، فسافروا إلى ألمانيا من أجل غزو ساحل النورماندي وهي العملية التي ارتكز عليها نجاح اليوم دي D-Day، وتحرير فرنسا، والهزيمة الكبرى للنازيين. وهناك قام (لوين) بالترجمة وتوضيح المنشورات والملصقات لجمع الجنود.

وقد مرّ (لوين) بواحد من أكبر معسكرات الإبادة السياسية بعد أن حُرر، ورأى ما حدث لأرواح لا تعد ولا تحصى لأناس كانوا مثله وتحدثوا نفس لغته وشاركوه نفس الأحلام، لقد رأى القدر الذي نجى منه بشق الأنفس حين فر إلى أمريكا كلاجئ.

وبعد عودته إلى نيويورك بجسم مصاب وروح مجروحة، قضى (لوين) ستة أشهر للتعافي في المستشفى، ومن ثم صب روحه الناجية في مجموعة من اللوحات المثيرة للمشاعر بلغت 55 لوحة بعنوان The Parade تحكي ما تخلفه الحروب من دمار للروح.

وقد رأى (آينشتاين) تلك اللوحات، ومن غير الواضح كيف رآها، لكن غالبًا عن طريق المصورة (لوت جاكوبي)، التي عرضتهم في معرضها بنيويورك. 

ورغم تأثير اللوحات على من رأوها، فإنها أصبحت طي النسيان والإبهام حتى أعيد اكتشافها بعد نصف قرن ونشرت في آخر عام من حياة (لوين) في كتاب Si Lewen’s Parade: An Artist’s Odyssey
وافُتتح الكتاب بالرسالة التي كتبها (آينشتاين) عام 1951 لـ(لوين)، وهي تعد أكثر بيان مثير للعاطفة كتبه (آينشتاين) عن القوة السياسية للفن وجاءت على النحو الآتي: 

أجد أن عملك الفني The Parade غايةً في الإعجاب إذا ما نظرنا إليه بعينٍ فنية. وأكثر إعجابًا هو محاربتك التوجهات الموالية للحرب عبر روح الرسم. لا شيء يضاهي أثر الفن الجيد على النفس، ولا حتى الوصف الخيالي ولا النقاش الثقافي. دائما ما يُقال إن الفن يجب ألا يستخدم في الأغراض السياسية. لكني لا أتفق مطلقاً مع هذا الرأي.

ويضيف (آينشتاين): “لا شك أن فرض توجه فكري أو تعبير معينان على الفنان من الخارج أمر خاطئٌ ومنفر. لكن ميول الفنان العاطفية القوية غالباً ما تولد أعمالاً فنية عظيمة. لا يسعني سوء التفكير في لوحات الفنان (أونوريه دومييه) ضد السياسات الفرنسية الفاسدة في عصره. وزمننا هذا في حاجة لك يا لوين ولأعمالك الفنية”.

وقد توفي (لوين) قبل أيام من إعادة نشر عمله The Parade ذلك قبل انتخابات عام 2016م. ولم يُكتب له أن يعيش ليرى البلاد التي أوته تنهار إلى جمهورية من العنصرية والرهاب من الغير لمدة 4 سنوات. لكنه لم يُكتب له العيش أيضا ليرى نجاة البلاد في الانتخابات التالية من رئيسٍ كان، في عصر غير العصر وفي مكان غير المكان، ليفنى في معسكر اعتقال.


[المصدر]

ترجمة: عبدالرحمن نصر الدين
مراجعة: أحمد بادغيش

كيف نكبر؟ برتراند راسل نحو الحياة الهنيئة

“اجعل اهتماماتك أوسع فأوسع وأكثر موضوعية، حتى تتقلص جدران الأنا، حتى تندمج حياتك في الحياة الكونية”

كتب ذات مرة الكاتب (هنري ميلر)، واصفًا الطريق نحو حياة هنيئة، وهو يشارف على الثمانين من عمره قائلًا “إذا كان بمقدورك أن تقع في الحب مرة تلو والمرة، وأن تصفح عن الزلات وتنساها، وأن تمتنع عن الكآبة والتشاؤم والحقد… فقد قطعت نصف الطريق”

وقبل ذلك بسبع سنوات، أمعن الفيلسوف والمؤرخ وعالم الرياضيات البريطاني الكبير (برتراند راسل) التفكير في السؤال نفسه وفي المرحلة العمرية نفسها في مقال رائع كتبه في عمر الواحد والثمانين بعنوان ” كيف تكبر” ونشر في كتاب Portraits from Memory and Other Essays .

وقد وضع (راسل)، على رأس متطلبات الحياة الهنيئة، التخلص من الأنا الذاتية فكتب:

اجعل اهتماماتك أوسع فأوسع وأكثر موضوعية، حتى تتقلص جدران الأنا، حتى تندمج حياتك في الحياة الكونية. ينبغي أن يكون الإنسان كالنهر، صغير في بدايته، بالكاد تحتويه ضفتيه، ويجري بحماسة بجانب الصخور وعلى الشلالات. رويداً رويداً يتسع النهار، وتتقلص ضفافه، فتجري المياه بهدوء أكثر، وفي النهاية يندمج مع البحر، فيتخلص بسهولة من ذاته.

ويمضي (راسل) فيستشهد بالعالمين (سيجموند فرويد) و(تشارلز داروين)، اللذان يريا الموت كعامل منظمٍ للحياة الحديثة، فيختتم قائلًا:

إن الرجل الذي يرى حياته من هذا المنظور حين يبلغ الشيخوخة، لن يخشى الموت، إذ أن الأمور التي يهتم بها ستستمر. وإذا زاد التعب، مع انقضاء العافية، فإن فكرة الموت لن تؤرقه. أتمنى أن أموت وأن أعمل، علماً مني أن غيري سيكمل ما لم أعد أستطيع إكماله وسأقنع أن ما كان بالإمكان قد كان. 


[المصدر]

ترجمة: عبدالرحمن نصر الدين. 
مراجعة أحمد بادغيش

عن نيوتن، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

“وما الحقيقة إلا ثمرة للصمت والتأمل”

في خمسينات القرن السابع عشر للميلاد، بدأت غمامة الطاعون باجتياح العديد من بلدان أوروبا. حيث ضرب الوباء إيطاليا، أولاً، تلتها إسبانيا و ألمانيا، ثم هولندا. في ذلك الحين، كانت إنكلترا -التي يبدو أن إرادة الله شاءت أن تحميها من ذاك الوباء- تراقب الدول المجاورة لها من خلف جدار القنال الإنكليزي بوَجلٍ شديد، ثم بهدوء يسوده الحذر لمدة وصلت إلى ما يقارب عقدًا من الزمن.

بيد أن العالم بأسره، آنذاك، كان يضع التجارة في مقام رفيع، كما أن قوى العولمة كانت آخذة بالانتشار. وبما أن اقتصاد إنكلترا كان يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التبادل التجاري، فإن موانئها كانت تعج بالسفن المحمّلة بالحرير والشاي والسكر القادم من كافة الحدود المكتشفة في العالم. لكن هذه السفن كانت محملة، أيضا، بالجرذان التي تحمل على أجسادها براغيثا، وهذه البراغيث هي التي تحمل البكتيريا المسببة للمرض؛ والتي كانت عبارة عن مملكة من الكائنات الحية الدقيقة أحادية الخلية، علماً أن الخلية لم تكن مكتشفة بعد، في ذلك الحين؛ إذ تنتقل العدوى من تلك البراغيث إلى جسد الإنسان عند رسوّ السفن.

وهكذا, تم الإعلان عن أول حالة وفاة بالطاعون في لندن في يوم الميلاد عام 1664. تلتها حالة أخرى في شهر شباط \ فبراير, ثم تتالت الحالات بعد ذلك. وهذا ما دفع كاتب اليوميات الإنكليزي (صموئيل بيبس) ليكتب في شهر نيسان\ أبريل من العام ذاته قائلاً:

“في هذه المدينة، ثمة مخاوف كبيرة من المرض. ليحفظنا الرب جميعا.”

صموئيل بيبس

بيد أن الرب لم يكن نظيرًا لانعدام المعرفة العلمية الأساسية بعلمي الأحياء والأوبئة. كانت الوفيات سريعة ومروعة، وسرعان ما أصبحت كثيرة إلى الحد الذي لم يتمكن أحد فيه من حمل الجثث. لتزداد أعداد الضحايا عشرة أضعاف بحلول فصل الصيف. إذ قفز عدد الوفيات من المئات إلى الآلاف في الأسبوع الواحد. لذلك فُرض على المرضى البقاء في منازلهم. كما تم وضع العديد منهم في سفن وتركوا ليلقوا حتفهم بمعزل عن المدينة. أما بيوتهم، فقد رسم عليها من الخارج صليب كبير للدلالة على وجود مصابين في الداخل. وفيما يخص المسرحيات، والرياضات الدموية العنيفة، وما إلى ذلك من تجمعات لحشود الناس، فقد مُنعت منعًا باتًا. كما منع الباعة المتجولون من بيع السلع، وموزعي الصحف اليومية من الهتاف في الشوارع، فانزوى الجميع إلى الداخل. ليخيم على مدينة الصخب والضجيج صمتًا موحشًا وغريبًا. وتغلق الجامعات، هي الأخرى، أبوابها.

عندما أرسلت جامعة “كامبريدج” طلابها إلى منازلهم، كان هنالك شاب شغوف بعلم الرياضيات و الحركة والضوء. هذا الشاب الذي توفي والده الأمي قبل ولادته بثلاثة أشهر. والذي كان يعبد “إله النظام لا الفوضى” وبدأ دراسته الجامعية عن طريق خدمته لبعض الطلاب الأثرياء من أجل تحصيل مصاريف دراسته. حيث أخذ كتبه التي جمعها، وعاد بها إلى مزرعة أمه.

هنا، حيث العزلة والوحدة، إذ يواصل الوباء امتداده بشراسة، كان (إسحق نيوتن) يحلم بنقطة الارتكاز التي تنتشل البشرية من عصور الظلام. في هذا المكان، سواء كانت الحادثة حقيقة أم مشكوك بصحتها؛ سقطت التفاحة. وفي ظل تلك التفاحة بزغت الفكرة الثورية لقانون الجاذبية التي يراها (نيوتن) قوة “يمتد تأثيرها حتى مدار القمر” على طول المسافة الفاصلة  بينه وبين الأرض دون انقطاع أو حدود. في ذات المكان شرع (نيوتن) بحساب تلك القوة التي يعتبرها “عنصرًا ضروريًا لإبقاء القمر في مداره، بفعل قوة الجاذبية على سطح الأرض” في غضون حسابه لهذه القوة، قوة الجاذبية، وكضرورة للقيام بذلك، ابتكر (نيوتن) نظرية التفاضل و التكامل.

في كتابه المميز (إسحاق نيوتن) الذي يعد مقياساً ذهبياً للسيرة الذاتية والسرد القصصي، والذي يجسر الهوة بين العلم و الشعر، كما يعرفنا على القصص الكامنة خلف المشاهير “الوقوف على أكتاف العظماء“* يحدثنا الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) عن (نيوتن) الشاب  الهارب من الطاعون إلى منزل طفولته، إذ يقول:

“لقد أنشأ (نيوتن) رفوف مكتبته بنفسه، وشيّد مكتبة صغيرة. فتح (نيوتن) دفتر ملاحظاته الذي يحتوي على ما يقارب الألف صفحة، والذي كان قد ورثه من زوج أمه وأسماه “كتاب مهمل” وبدأ بملئه بملاحظاته التي سرعان ما تحولت إلى بحوث حقيقية. لقد جلب لنفسه المشاكل؛ فقد تفكر بهذه الملاحظات بهوس شديد، محصياً الإجابات الواردة فيها، وطارحًا المزيد من الأسئلة. لقد تجاوز (نيوتن) حدود المعرفة، على الرغم من عدم علمه بذلك. فكانت سنة الطاعون هي سنة التغيير الجذري بالنسبة له.  فقد جعلت منه تلك الوحدة والعزلة عن العالم الخارجي عالم الرياضيات الأهم في العالم.”

[جيمس جليك] – إسحاق نيوتن

 ومن حسن حظ (نيوتن) أنه عاش حياةً طويلة، فقد بلغ عمره عند وفاته أربعة وثمانين عاما، أي أنه عاش أكثر من ضعف متوسط العمر المتوقع للإنسان في تلك الفترة. حيث حُمل نعشه من قبل اللوردات و النبلاء آنذاك. كان (نيوتن) سيعيد النظر إلى أكثر مراحل حياته الفكرية ثراء  خصوبة وهو يدرك بأن “الحقيقة ليست سوى ثمرة للصمت و التأمل”


*يقصد بها عبارة (نيوتن) الشهيرة التي أجاب بها عندما سئل عن قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون، والوصول إلى قوانين لم يستطع غيره الوصول إليها  ” إذا كانت رؤيتي أبعد من الآخرين، فذلك لأنني أقف على أكتاف العمالقة من العلماء الذين سبقوني” 

بقلم: ماريا بوبوفا
ترجمة: دلال الرمضان
مراجعة وتحرير: أحمد بادغيش

[المصدر]

لقاء مايك والاس التلفزيوني مع عالم النفس والفيلسوف (إيريك فروم)

إيريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية. له العديد من المؤلفات العميقة، منها كتابه الشهير (الإنسان بين الجوهر والمظهر).

نقدّم لكم في ساقية، وبترجمة حصرية، اللقاء الصحفي الذي أجراه (مايك والاس) مع (فروم). يقول (والاس) في مقدمة اللقاء:

الدكتور (إيريك فروم)، أحد أكثر المحللين النفسيين تأثيرًا في العالم. رجل أُشيد بعمله باعتباره خطوة مهمة إلى التقدم انطلاقًا من نظريات (سيغموند فرويد). قال الدكتور (فروم) مؤخراً: «لم يكن هناك مجتمع قطّ أفضل من الولايات المتحدة في عام 1958»، لكنه أضاف: «إذا استمرت الولايات المتحدة في نفس الاتجاه الذي تتبعه حاليًا، فإنها تخاطر بتدمير نفسها». سنخوض في الأسباب خلال لحظات.

مقابلات (مايك والاس)، مقدمة من شركة البث الأمريكية (ABC) بالتعاون مع صندوق الدعم للجمهورية، تقدم لكم سلسلة تلفزيونية خاصة تناقش مشاكل النجاة والحرية في أمريكا.


مساء الخير، مُحدثكم (مايك والاس). في الأسابيع الأخيرة، ناقشنا مشاكل المجتمع الحُر وما عليه فعله للبقاء على قيد الحياة. والليلة، سنحاول قياس تأثير مجتمعنا الحُر علينا كأفراد، سواء كنا سعداء كما نود أن نعتقد، أو أحرارًا في التفكير والشعور. ضيفنا هو الدكتور (إريك فروم)، محلل نفسي وناقد اجتماعي مشهور عالميًا لدراساته عن الإنسان وبحثه عن الحرية.

دكتور (فروم)، دعني أسألك هذا السؤال أولاً. تعرضت الولايات المتحدة للانتقاد، وأعتقد أنك تتفق، تعرضت للانتقاد من عدة مناطق على أنها عبارة عن مجتمع مادي وربما مجتمع ضحل. لكنك قلت مؤخراً: «لم يكن هناك قطّ مجتمع أفضل من الولايات المتحدة عام 1958». ماذا تقصد بذلك؟

نعم، أعني ذلك نسبيًا بالطبع. ولا يدعو التاريخ البشري حتى الآن إلى التباهي، إن نظرنا للأمر من ناحية أفكارنا. وما عنيتُه هو أننا إذا قارنّا المجتمع الأمريكي مع معظم المجتمعات الأخرى، فإنه مجتمع حقق إنجازات عظيمة. ثروة مادية أكبر من أي شعب آخر، تحرر نسبي من الاضطهاد، سهولة نسبية في التنقل ونشر الفن والموسيقى والأفكار وهو أمر فريد من نوعه. لذلك، أود أن أقول مقارنةً بالقرن التاسع عشر، مقارنة بمعظم تاريخنا السابق، إنه مجتمع أفضل من أي مجتمع صنعه الإنسان. لكن هذا لا يعني أنه جيد.

هنا تكمن المشكلة، إذ أنك أدليتَ بتصريح مناقض كما يبدو، لأنك قلتَ في وقت سابق هذا الأسبوع: «إذا استمرت الولايات المتحدة في نفس الاتجاه الذي تتبعه حاليا، فإنها تخاطر بتدمير نفسها» كيف هذا؟ وبأي طريقة؟

نعم سيد (والاس)، أود أن أقول، وسأتحدث بشكل عام، بسبب حماسنا للسيطرة على الطبيعة ولإنتاج المزيد من السلع المادية قد حوّلنا الوسائل إلى غايات. أردنا الاستفادة من حلول مشاكل القرن التاسع عشر لحل مشاكل القرن العشرين بهدف إعطاء الإنسان فرصة أكبر لحياة كريمة ولكن ما حدث في الحقيقة هو أن الإنتاج والاستهلاك توقفا عن كونهما وسائل وأصبحا غايات بحد ذاتهما، ونحن الآن مهووسون بالإنتاج ومهووسون بالاستهلاك.

حسنًا، باستخدام هذه النقطة كبداية لحديثنا أرغب في فهم وجهة نظرك بصفتك محلل نفسي في عدة مواضيع محددة عما يحدث لنا كأفراد. على سبيل المثال، ما قولك عما يحدث للإنسان، الإنسان الأمريكي، في علاقته مع عمله؟

أعتقد أن عمله إلى حد كبير لا معنى له؛ لعدم وجود إرتباط بينهما. إذ أصبح الإنسان شيئا فشيئا جزءًا من آلة كبرى، آلة اجتماعية تحكمها بيروقراطية عظمى. وأعتقد أن الإنسان الأمريكي يكره عمله في أوقات كثيرة دون قصد لأنه يشعر أنه محاصر ومسجون، ولأنه يشعر أنه يسخر معظم طاقته لأمر لا معنى له في أصله.

إن عمله وسيلة لكسب لقمة العيش وهذا هو المعنى الأصل، هذا بالتأكيد أمر محترم ومعقول وضروري.

نعم، لكن هذا ليس كافيًا لجعلك سعيدًا. كونك تقضي ثمانِ ساعات في اليوم في أمر ليس له معنى أو فائدة في أصله عدا أنه وسيلة لكسب المال.

نعم، بالمعنى والفائدة في العمل، واعذرني على التفصيل في الحديث، ماذا تعني تحديدًا، عندما يعمل الرجل في مصنع ما بمفتاح مسامير على سبيل المثال، ما المعنى الأعمق الذي تبحث عنه؟

هناك متعة خاصة يملكها حرفيو العصور الوسطى على سبيل المثال ولا زالت في بلد مثل المكسيك اليوم، متعة خلق شيء ما. والآن، قد تجد عددا لا بأس به من العمّال المهرة الذين يملكون هذه المتعة، ربما عامل في مصنع للحديد أو عامل يستخدم آلات معقدة ويشعر أنه يصنع فارقا بعمله هذا، أما البائع الذي يبيع سلعًا لا فائدة منها يشعر أنه محتال ويكره هذه السلعة ككرهه لـ… شيء ما.

لكنك تقول سلعًا لا فائدة منها، وإن باع فرشاة أسنان أو سيارات؟

نعم، إن مصطلح «عديم النفع» نسبي. فعلى سبيل المثال، حتى يغطي الشخص نفقاته لفترة محددة فعليه إقناع الناس بشراء أشياء يعلم أنهم ليسوا بحاجة لها. عندها تكون هذه الأشياء دون فائدة لهؤلاء الناس وإن كانت ذات فائدة كمادة منفردة.

في كتابتك عن الناس في أمريكا، قلتَ مرارا، وتحدثتَ مرارا عما أسميتَه «التوجه التسويقي». ماذا تعني بالتوجه التسويقي دكتور (فروم

أعني بذلك أن طريقتنا الأساسية في ربط أنفسنا بالآخرين هي كما تربط الأشياء بعضها ببعض في الأسواق. نريد أن نقايض شخصياتنا، أو كما يقال حزمة شخصياتنا بشيء ما. هذا ليس صحيحًا بالنسبة للعمال، فالعامل ليس مضطرًا لبيع شخصيته ولا لبيع ابتسامته. ولكن الأشخاص الذين يمكن تسميتهم بالمندفعين، أولئك الذين يتعاملون مع الشخصيات والناس والرجال، والذين يتلاعبون، وهذا مصطلح محترم نوعا ما، الذين يتلاعبون بالناس والإشارات والكلمات، يضطر هؤلاء لبيع ما هو أكثر من مجرد خدمات، عليهم بيع شخصياتهم نوعا ما كجزء من الصفقة، وهناك استثناءات.

إذا فإحساسه بقيمته الخاصة يعتمد على القيمة التي يدفعها السوق؟

بالضبط، كحقيبة يد لا يمكن بيعها لعدم وجود طلب كاف عليها وبالتالي لا فائدة منها ماديا. وإن استطاعت الحقيبة أن تفكر فستشعر بنقص كبير لأنها لم تشترَ، وستشعر أنها دون فائدة. كذلك الإنسان الذي يعتبر نفسه مادة، وإن لم ينجح في بيع نفسه فسيشعر أنه مُخفِق فعلًا.

حسناً، لننتقل إلى علاقاتنا الاجتماعية، في مشاعرنا تجاه الجيران والأصدقاء، مالذي يحدث للإنسان في هذه المسائل؟

أريد أن أبدأ بقولي أن علاقاتنا الاجتماعية ضحلة نسبيًا. إننا خائفون من العلاقات العاطفية مع الناس. وهناك العديد ممن هم كذلك حتى مع أزواجهم وزوجاتهم. إننا نستبدل، أو بالأصح نُخفي هذا الخوف من العواطف بنوع من المودة الظاهرية وهذا أمرٌ لطيفٌ فعلا ولكنه لا يزال ضحلًا جدا. وأعتقد أن هناك إجابة أخرى لسؤالك أود أن أعبر عنها، في الحقيقة، إن نظرت إلى الفرد الأمريكي الطبيعي، وقد أظهرت الدراسات ذلك، إنه يهتم بشأنه الخاص فقط، أي بصحته وماله وعائلته، لكنه ليس مهتما بمجتمعه. صحيح أنه يتحدث عنه لكن ما أعنيه بالاهتمام هو القلق الذي قد يفقدك نومك أحيانا. والأمريكي الطبيعي لا يفوّت نومه قطّ من أجل أمر متعلق بمجتمعه أو ببلده ككل، وبهذا أعني أنه قد فصل حياته الخاصة عن وجوده كجزء من مجتمعه وترك كل ذلك للمختصين وللحكومة.

أتعتقد أن هذا ما يحدث للإنسان الأمريكي، وبالطبع أنا لا أتحدث عن الإنسان الأمريكي الذكر فقط بل عن الإنسانة الأمريكية كذلك دكتور (فروم)، في علاقته بالسياسة وأفكاره السياسية؟

نعم بالطبع. لقد تخلينا بنفس الطريقة عن مسؤولياتنا وما يحدث في بلدنا وتركنا القرار للمختصين المسؤولين. أما المواطن فلا يشعر أن بإمكانه إتخاذ القرارات أو أن عليه أصلا أن يتخذ أي قرار أو أن يتحمل أية مسؤولية. أعتقد أن هناك العديد من التطورات مؤخرًا تثبت ذلك.

مثلًا؟

على سبيل المثال، إننا نواجه احتمالية اندلاع حرب أو دمار ما في الزمن الحالي يهدد وجود دولتنا ويهدد العالم بأكمله. يعرف الناس هذه المعلومة ويقرؤونها في الصحف. يقرأ الناس أن الهجوم الأول قد يودي بحياة مائة مليون ضحية أمريكية، ومع ذلك يتحدثون عن الموضوع وكأنهم يتحدثون عن عيب في كربون سيارة على سبيل المثال. في الحقيقة، لقد أولوا اهتماماً أكبر لمخاطر أوبئة الإنفلونزا أكثر من اهتمامهم بالقنبلة الذرية، لأن ..

ألا تظن أن في ذلك شيء من المبالغة، دكتور (فروم

أتمنى لو كان الأمر كذلك حقيقة، لأن ما أراه هو عدد قليل نسبياً من الأشخاص الذين يهتمون ويشعرون بالخطر الذي يهددنا والذين يشعرون بمسؤولية القيام بشيء ما حيال ذلك.

حسناً، ربما عندما تتحدث عن مسؤولية القيام بشيء ما، فربما يكون ببساطة أننا نجد صعوبة بالغة في وضع بصمتنا في هذا المجتمع المتفكك الذي نعيش فيه. يريد كل فرد أن يفعل شيئًا ما ولكنه يجد صعوبة في التأثير والتغيير.

أعتقد أنك تشير هنا إلى أحد العيوب الأساسية في نظامنا، وهي أن المواطن الفرد ليس له تأثير ولا لرأيه قيمة في اتخاذ القرارات، وأعتقد أن ذلك بحد ذاته يؤدي إلى قدر كبير من البلادة السياسية والغباء. صحيح أن على الفرد أن يفكر أولا ثم يتصرف، ولكن صحيح أيضا أنه إن يكن للفرد إمكانية التصرف فسيصبح التفكير فارغًا وغبيًا.

لنتحدث عن الإنسان وعلاقته بالحب والزواج؟

حسنًا، أرى أن الحب أمر يتحدث عنه الجميع. والحاجة إلى الحب هي أحد الاحتياجات الأساسية للإنسان، وتحديدا تجربة الاتحاد مع شخص آخر والتحول من كائنين مختلفين إلى كائن واحد، ومع ذلك أرى أن الحب في يومنا هذا أصبح ظاهرة نادرة نوعا ما. لدينا الكثير من المشاعر ولدينا الكثير من الأوهام عن الحب وتحديدا أنه أمر نقع فيه، والحقيقة هي أنه لا يمكن لأحد أن يقع في الحب، بل قد يعيش في الحب. وهذا يعني أن تصبح المحبة أو تصبح القدرة على الحب أحد أهم الأمور في الحياة.

ولكن مالسبب في صعوبة عيشنا بِحُبّ كبشر، ماهي مشكلتنا من وجهة نظرك؟

لأننا منشغلون بالأشياء، منشغلون بالنجاح، منشغلون بالمال، منشغلون بالأدوات. وأهم الأمور التي نتحدث عنها في خطبنا الدينية هي أمور لا نلقي لها بالًا في الأغلب. الحب ليس سهلًا، كل الأديان المهمة تعتبر الحب من أهم الإنجازات. ولو كان الحب سهلا، أو بالسهولة التي يتحدثون عنها، فبالتأكيد أن القادة الدينيون العظماء لم يكونوا سوى سُذّجًا.

حسنا، لقد ذكرتَ ما نفكر فيه أو نتحدث عنه في خطبنا الدينية. ماذا عن الإنسان وعلاقته بدينه؟

أعتقد أنك ستجد الظاهرة نفسها. لدينا صحوة دينية اليوم في أمريكا، كما يقول الكثيرون. وأرى شخصيًا أن 90% من هذه الصحوة الدينية تُعتبر خطرًا عظيمًا تواجهه التجارب الدينية الحقيقية.

لماذا؟

لأن هذه الحركة المسماة بالصحوة الدينية هي محاولة لدمج فكرة (ديل كارنيجي) عن كسب الأصدقاء والوصول إلى النجاح ومعايير الإنجيل بعهديه القديم والجديد. وبطريقة ذكية نوعا ما، وأحيانًا ليست ذكية، يحاول الناس دمج الإثنين معًا. وهذا في الحقيقة يتناقض تماما مع روح تقاليدنا الدينية الحقة.

يمكنني شرح ذلك بطريقة أخرى سيد والاس، يمكنني أن أقول أن الإنسان اليوم بانشغاله بالإنتاج والاستهلاك بكونهما غايات ليس لديه سوى القليل من الطاقة والوقت لتكريس نفسه للتجربة الدينية الحقيقية، لذا ..

عندما تتحدث عن التجربة الدينية الحقيقية، ماذا تعني بذلك؟

أعني بذلك القدرة على الشعور بحب عميق واتحاد عميق مع أقراني ومع الطبيعة، وإن كنت مؤمنا إيمانا تقليديا سأقول مع الرب. ولكن لا يهمني وجود الرب هنا أو عدم وجوده. المهم هو التجربة التي يخوضها الشخص.

الصورة التي ترسمها للمجتمع، ونحن هنا نتحدث عن المجتمع الغربي، أو المجتمع الأمريكي، الصورة التي ترسمها عنه صورة كئيبة للغاية. الآن، أحد الأمور الرئيسة التي تُشغِلنا، ودعني أوضّح، بطبيعة الحال أن شاغلنا الرئيسي كبشر، على الأقل في هذا الجزء من العالم هو أن ننجو ونعيش أحرارا، ونحقق ذاتنا. كيف يؤثر كل ما قلتَه على قدرتنا على أن ننجو ونعيش أحرارا في هذا العالم الذي يمر بأزمة حرجة حاليا؟

لقد تطرقتَ إلى نقطة مهمة هنا، وهي أن علينا اتخاذ قرار بشأن قيمنا، إذا كانت قيمنا السامية هي تطوير تقاليد غربية لإنسان يعتبر أهم ما في حياته هو الإنسان. وحب الإنسان، واحترام الإنسان، وكرامة الإنسان هي القيم السامية، فلا يمكننا إذا أن نتساءل عما إذا كان من الأفضل لحياتنا إسقاط هذه القيم. إن كانت تلك هي قيمنا السامية فيجب ألا نتخلى عنها وسواء عشنا أو متنا، لن نغير هذه القيم. ولكن إن بدأنا بافتراضات كإمكانية التعايش مع الروس إن تحولنا إلى مجتمع مُسيَّر، أو كما سمعت أحدهم يقول إن درّبنا جنودنا ليكونوا كالأتراك الذين حاربوا بشجاعة في كوريا. إن كنا مستعدين لتغيير جذري لحياتنا من أجل أن “نحيا” فلنفعل ذلك إذا. وهذا ما سيهدد حياتنا؛ لأن نجاتنا هي نجاة كل أمة مبنية على صدق وعمق الأفكار التي تعلنها وتتبناها. أعتقد أن خطرنا هو أننا نقول مالا نشعر به ولا نفعله.

ماذا تعني؟

أعني أننا نتحدث عن المساواة وعن السعادة وعن الحرية وعن قيم الدين الروحية وعن علاقتنا بربنا. ونتصرف في حياتنا اليومية بناء على مبادئ مختلفة وقد تكون متناقضة.

حسنا، أريد أن أطلب الآن أن توضح، ذكرتَ المساواة والسعادة والحرية؟

نعم، سأحاول. بالمساواة، أعني بنفس الطريقة التي فُهمَت بها مسبقا وهي الطريقة التي ذكرت في الإنجيل، أننا جميعا سواسية إذ خُلقنا في صورة ربنا. وإن تجنبت اللغة اللاهوتية سأقول أننا جميعا سواسية بطريقة ترفض أن يصبح إنسانًا وسيلة وغرضًا لإنسانٍ آخر. كل إنسان هو غاية بحد ذاته. نتحدث اليوم عن المساواة، لكني أعتقد أن ما يعنيه أغلب الناس هو التشابه، أن جميع البشر متشابهون، وهم متخوفون من أنهم إن لم يكونوا متشابهين فبالتالي لن يكونوا سواسية.

والسعادة؟

السعادة كلمة يفخر بها تراثنا الثقافي بأكمله. أعتقد أنك إن سألت الناس عن معانيهم للسعادة فهي تجربة الاستهلاك اللامحدود. وهو ما شرحه السيد (هاكسلي) في كتابه (عالم جديد شجاع)، أعتقد أنك إن سألت الناس عن مفهومهم عن الجنة فإن إجابتهم الصريحة هي أنها متجر كبير مليء بالأشياء الجديدة التي يعاد تجديدها أسبوعيا، ومالٌ يمكنك به شراء كل شيء جديد. السعادة اليوم بالنسبة لمعظم الناس، كما أعتقد، هي الراحة بالشرب الأبدي المستمر من هذا المشروب وذاك وذاك.

وماذا يجب أن تكون السعادة؟

السعادة هي أمر ينتج عن التقارب الشديد، الخالص، الخلاَّق، الواعي، المتجاوب مع كل ما في الحياة من أناس وطبيعة. لا تستثني السعادة الحزن، إن تجاوبَ الشخص مع الحياة فسيكون سعيدًا مرة وحزينًا مرة أخرى، المهم أنه يتجاوب.

والأمر الثالث، الديمقراطية الحرة؟

حسنا، أستخدم كل هذه الكلمات عادة بعفوية. أود القول أن الديمقراطية كانت تعني يوما تنظيم المجتمع ونقله إلى حالة تجعل كل مواطن فيه يشعر بالمسؤولية ويتصرف بمسؤولية ويشارك في اتخاذ القرار. أرى أن الديمقراطية اليوم وفي الواقع تعني إلى حد كبير الموافقة بالتلاعب، ليس الموافقة الإجبارية بل الموافقة بالتلاعب والذي ساعد فيه أكثر وأكثر ما يحدث في شارع ماديسون.

حسنا إذا، الآن وقد حددنا أصل المشكلة، أخبرني كيف أصبحنا هكذا؟ ماذا حدث لنا؟ كيف انحرفنا عن الطريق دكتور فروم؟

أعتقد أننا انحرفنا عن الطريق كما هي الحال مع معظم المجتمعات، حين اتبعنا هدفا واحدا بنجاح وأشغَلَنا اتّباعنا لهذا الهدف عن رؤية أهداف أخرى أكثر شمولا وأهمية، أعني بذلك أننا توجهنا إلى طريق مسدود. وحتى أكون دقيقا أكثر، أعتقد أننا انحرفنا أكثر وأكثر عندما اتجهنا إلى إنتاج الأشياء، وحينها خلقنا شِقا بين العقل والعاطفة، لأنك إن أردتَ إنتاج تقنيات معاصرة فعليك الاعتماد على العقل وقد فعلنا ذلك باستثمارنا في الناس وجعلهم أذكياء وعباقرة ولكن حياتنا العاطفية أصبحت فقيرة.

أتتحدث عن الرأسمالية؟

نعم، أتحدث عن الرأسمالية وعن النظام الصناعي الذي أُنشئ منذ مائة أو مائتي عام.

هل تقترح نظاما آخر؟ نظاما يقوي الإنسان ويساعده في فهم نفسه وتحقيق ذاته؟

نعم بالطبع. أنا اشتراكي، لكن أودّ أن أضيف أن ما أفهمه عن الاشتراكية هو عكس ما يعنيه الكثير من الناس أو معظم الناس اليوم بالاشتراكية.

اشرح.

إنني أفهم الاشتراكية أنها المجتمع الذي لا يكون فيه هدف الإنتاج هو الربح بل الفائدة، يساهم فيها المواطن الفرد باتخاذه المسؤولية في عمله وفي المنظومة الاجتماعية بأكملها والتي لا يكون فيها مجرد وسيلة تم توظيفها من المسؤولين.

لكن الدولة ستوظفه على أية حال، أليس كذلك دكتور (فروم

نعم.

ألستَ تضع الفرد الاشتراكي تحت تصرف الدولة؟ ألا يقلل هذا من قيمة الفرد؟

حسنًا، علينا أن نوضح شيئا هنا، إذا زعم الروس أنهم اشتراكيون، فهذه برأيي هي مجرد كذبة. ليس لديهم اشتراكية على الإطلاق، لديهم ما يمكن أن أسميه الدولة الرأسمالية. نظامهم هو أكثر نظام رجعي ومقاوم للتغيير اليوم، أكثر من أي مكان آخر، في أوروبا، أو في أمريكا كذلك. وفي الواقع امتلاك الدولة للصناعة لا تسمى اشتراكية. في الواقع، لا فرق بين صناعة بريطانية دولية وصناعة محركات فورد الهندسية فيما يخص واقع العمل في المصانع.

حسنا إذا، ماهي الاشتراكية؟ إن لم تكن هذه اشتراكية، فما هي؟

حسنًا، حتى أكون دقيقًا، أود القول أن الاشتراكية هي كإدارة مشروع ما من قبل كل من يعمل في هذا المشروع. أعتبر الاشتراكية مزيجا بين الحد الأدنى من المركزية الضرورية لدولة صناعية حديثة والحد الأعلى من اللامركزية. ما أود قوله سيد والاس، هو أننا مبدعون جدا عندما يتعلق الأمر بالتقنيات والعلم، أما عندما يتعلق الأمر بالتغيير في المنظومة الاجتماعية فإننا نفتقد إلى الخيال تماما، إذا أردنا …

ولكن دكتور (فروم)، ما زلت أفكر أثناء حديثك أننا أُخبرنا من عدة جهات بأن لدينا اشتراكية زاحفة تتجه الآن إلى الولايات المتحدة وبالتأكيد أنها بلد أكثر اشتراكية اليوم مما كانت عليه قبل 20 أو 25 سنة، ومع ذلك أنت نفسك تشتكي من البيروقراطية، أنت نفسك تشتكي من أن الفرد فقد طريقه في البلد التي نعيش فيها، وفي الوقت نفسه تدعو إلى المزيد من الاشتراكية. ألستَ تضيف سمّاً إلى السم الذي يتم حقنه بالفعل في نظامنا، إذا كانت الاشتراكية سم فعلا؟

نعم، ولكن الاشتراكية كما أراها هي نقيض البلد المحكومة بيروقراطيا. نتحدث اليوم كثيرا عن روسيا، لكني أخشى أننا خلال 20 سنة، سنصبح نحن وروسيا أكثر تشابها لا اختلافا.

لماذا؟

لأن ما هو شائع في كلا المجتمعين هو تطورهما إلى مجتمعات مشوهة تديرها بيروقراطيات عظمى، تتحكم بالبشر. يفعلها الروس بالإجبار ونفعلها نحن بالإقناع. إنني أقدر الاختلاف الهائل حيث يمكننا التعبير عن الأفكار دون خوف من التعرض للقتل أو السجن. لكنني أعتقد أن الروس قد يتخلصون من هذا الإرهاب خلال 20 أو 30 عامًا، عندما يكونون أغنى وعند عدم حاجتهم إلى استخدام هذه الأساليب القمعية. الشيء المشترك بيننا هو وجود عدد كبير من الناس ووجود بيروقراطية عظمى تتلاعب بالجميع للتحكم في تصرفاتهم مع إيهامهم أنهم يتخذون قراراتهم الخاصة وآرائهم الخاصة.

حتى الآن، أنا شخصيًا إن سمحت لي أن أعبر عن رأيي أتفق معك، ولكني أجد صعوبة في الاتفاق مع حلّك، أتفق مع التشخيص ولكن أختلف مع العلاج، لأني لا أفهم اشتراكيتك على ما أعتقد.

إنه أمرٌ صعب جدًا. لأن الروس قد نجحوا في شيء واحد، لقد خدعوا العالم بادعائهم أنهم يمثلون الاشتراكية ويمثلون أفكار (ماركس) وقد قدّمنا لادعائهم أعظم خدمة باتفاقنا مع ما يقولون. سأحتاج وقتا كبيرا للتوضيح أن الاشتراكية من المنظور الديمقراطي والتي عناها (ماركس) والتي كما فهمتها هي نقيض المجتمع المحكوم تماما، المحكوم ببيروقراطية عظمى. كيف يمكن تحقيق ذلك، كيف يمكن إثارة المسؤولية الفردية وتعزيزها، هذه مسألة تخوض في النظام الاجتماعي وتحتاج الكثير من التفاصيل.

أين يمكنني ويمكن لمشاهدينا الليلة معرفة المزيد عن هذا؟

حاولت شرح ذلك في أحد كتبي، (المجتمع العاقل) “The Sane Society”، أريد أن أذكر أن (ماركس) وإنجيل العهد القديم يتشاركان في شيء ما، وأرجو تقبّل المقارنة، كثير من الناس يتحدثون عنهما ولا يوجد من يقرأ لهما فعلا، والحقيقة أن هناك العديد من كتابات (ماركس) المهمة التي لم تترجم إلى الإنجليزية حتى.

إذا فنصيحتك هي قراءة ما كتبه الدكتور (إيريك فروم) و(كارل ماركس).

ليس تماما، لكني أفخر بهذه الصحبة.

سؤال أخير يا دكتور، أثناء قراءة المجتمع العاقل، ويؤسفني أن أقول أن عليك الإجابة في نصف دقيقة، أشعر بشيء من اليأس من (إيريك فروم) تجاه مستقبل هذا العالم.

سيد (والاس)، إنني أشعر بقلق، قلق شديد تجاه أمر واحد وهو احتمالية الوقوع أو صعوبة تجنب حرب ذرية، واهتمامي الوحيد اليوم هو أن نستمر في وضع سياسة خلف سياسة حتى تمكننا من تجنب كارثة أقل ما يقال عنها أنها لا توصف. عدا ذلك، لدي إيمان كبير بإمكانيات الناس والذين أثبتوا قدراتهم سلفا، وأؤمن أننا إن تجنبنا الحرب فسنستطيع أن نحيي قيمنا الحقيقية في الحياة، لكن علينا أولا رؤيتها ولذا علينا نقد وضعنا الحالي.

شكرا دكتور (فروم) على مجيئك وقضاء هذا الوقت معنا.

سواء وافقتم على حله أم لا، يشير الدكتور (إريك فروم) إلى مشكلة ملحة. في رأيه، تميل أمريكا إلى تقديس الآلات بدلاً من الإنسان، نفضّل النجاح على التعقل. يقول الدكتور (فروم) أن المجتمع الذي يريد أن يتمتع بالحرية السياسية فعليه أن يحصّن نفسه من هذا الاستعباد الروحي.

كيف تكتب بأسلوب.. نصائح كورت فونيجت حول الكتابة

إشتُهر الكاتب الأمريكي كورت فونيجت (1922 — 2007) برواياته وقصصه القصيرة. فقد ألَّف أربعة عشر رواية وثلاثة مجموعات قصصية  قصيرة وخمس مسرحيات وأعمالًا غير روائية نُشرت خلال مسيرته المهنية التي امتدت لأكثر من خمسين عامًا. 

إن أكبر جُرم ترتكبه في حقِ نفسك حين لا تعرف ما هو المثير للإهتمام وما هو دون ذلك.

قدَّم إلينا (كورت فونيجت)، منذ الحادي عشر من نوفمبر من عام 1922 وحتى الحادي عشر من إبريل من عام 2007، جُملةً من النصائح الخالدة حول فن وحرفة الكتابة.

فمن نصائحه الثمانية لكتابةٍ قصصيةٍ رائعة إلى رؤيته حول أشكال القصص وصولًا إلى الروتين اليومي العتيد. لكن كان نادرًا أن يتناول هذا الموضوع أي شيء بفاعلية تمزج بين النصائح العملية والجوهر كما تناولتها مقالة فونجيت «كيف تكتب بأسلوب»، التي نُشرت عام 1985 ضمن مقتطفات أدبية رائعة في كتابه (كيفية استخدام قوة الكلمات المطبوعة). فكانت إضافة مذهلة إلى أفضل نصيحة حول الكتابة عبر التاريخ، نترجمها لكم بشكل حصري في ساقية.

يبدأ (فونيجت) بحملة تقريع ضد التقارير الصحفية الخالية من العواطف – وهو أمرٌ جوهري في خضم النقاشات المعاصرة حول ما يجب أن تكون عليه شخصية الكاتب- بالإضافة إلى تأمل أحد العناصر المهمة جدًا في الأسلوب:

يُدرَب المراسلون الصحفيون والكتّاب الفنيون على عدم إظهار ما يشير إلى شخصياتهم في كتاباتهم. مما يجعلهم غريبي الأطوار في عالم الكتابة؛ في حين أن الكثير من الكتّاب الآخرين يقدمون أنفسهم لقرّائهم من خلال كتاباتهم. ونحن نشير إلى هذه الإيحاءات -بقصد أو من غير قصد- بعناصر الأسلوب.

فهذه الإيحاءات تُخبِرنا نحن القرّاء عن الشخص الذي نقضي وقتنا بالقراءة له. هل الكاتب على قدرٍ من العلم أم جاهلًا، ذكيًا أم غبيًا، جادًا أم هازلًا؟ وغير ذلك الكثير.

لم يجب عليك أن تُمعن النظر في أسلوب كتابتك مع فكرة تطويره؟ لأن هذا يُعد بمثابة إحترام تُظهره لقرّائك أيا كان ما تكتبه. إن كتبت أفكارك دون أن تُلقي لها بالًا، فمن المؤكد أن يساور قرّاءك شعورًا بعدم اهتمامك بهم، وسيشار إليك مهووسًا بالأنا، ولربما ذهب بعضهم شأوًا أبعد من ذلك فعزفوا عن القراءة لك.

إن أكبر جُرم ترتكبه في حق نفسك حين لا تعرف ما هو المثير للإهتمام وما هو دون ذلك. ألست أنت في قرارة نفسك تُبدي إعجابًا بكتّاب وتُقصي آخرين وذلك حسب اختيارهم لأطروحاتهم أو ما يدفعك للتفكير بشأنه؟ هل نال استحسانك يومًا كاتبًا أو كاتبة ذوي عقلٍ فارغ لمجرد البراعة والإتقان في استخدام اللغة؟ لا.

لذلك يجب أن يبدأ أسلوبك الخاص من بناتِ أفكارك.

وأنشأ (فونيجت) يخط لنا القواعد الثمانية لكتابة إبداعية:

أولًا: جِد موضوعًا تهتم بشأنه

جد موضوعًا تهتم بشأنه وتشعر في داخلك بأن الآخرين سيبدون اهتمامًا به أيضًا. إنّ ما سيكون عنصرًا مقنعًا وجذابًا في أسلوب كتابتك هو الإهتمام الصادق الذي يشعره القرّاء بما تكتب وليس تلاعبك بألفاظ اللغة.

بالمناسبة، لست أحاول دفعك لكتابة رواية ما –رغم أنني لن أكون آسفًا إن فعلت– تمنحك شعورًا صادقًا بالإهتمام بشيء ما. لكن ربما كانت كتابة عريضة لرئيس البلدية تخبره فيها عن حفرة في الطريق أمام باب منزلك، أو رسالةً تٌعبر فيها عن حُبك للفتاة التي تقطن بجوارك، كفيلةً بمنحك شعور الإهتمام الذي تصبو إليه.

ثانيًا: لا تثرثر دون هدف، وإن شعرت برغبة في ذلك

لن أُسهب في الحديث عن هذا الأمر.

ثالثًا: تحلى بالبساطة

وفيما يخص استخدامك للغة، تذكر دومًا أن جهابذة الأدب مثل (ويليام شيكسبير) و(جيمس جويس) كتبا عبارات بمستوًى طفولي في حين أن أطروحاتهم كانت عميقة إلى مالا نهاية.

«أكون أو لا أكون؟ To be or not to be»

سؤال طرحه (هاملت) في مسرحية لـ(شكسبير)، هي أطول كلمة شكّلتها ثلاثة حروف وحسب. وحين كان (جويس) متحمسًا، كان بمقدوره أن يخطّ عبارات معقدة ومتألقة كقلادة كليوباترا، ولكن هناك جملة استأثرت بإعجابي دون غيرها وهي « لقد كانت مُتعبَة». في تلك المرحلة من القصة، لم تستطع أي كلمة أن تهز قلب القارئ كما فعلت هذه الكلمات الثلاث.

البساطة في اللغة ليست أمرًأ مستحبًا فحسب، بل لربما وصلت إلى القداسة. و كانت الجملة « في بادئ الأمر خلق الله السماء والأرض» التي استُهل بها الإنجيل خير مثال على المهارة الكتابية لشخص في عامه الرابع عشر.

رابعًا: امتلك شجاعة الاقتطاع

لربما كنت أنت أيضًأ قادرًا على صناعة قلادات لكليوباترا، إن صح التعبير. ولكن يجب أن تكون فصاحتك خادمة لكل تلك الأفكار التي في رأسك. وقد تكون هذه قاعدتك: اقتطع من كتابتك كل جملة لا تضيف أدنى توضيح لموضوعك بطريقة أو بأخرى، مهما كانت تلك الجملة جيدة وبليغة.

خامسًا: كن نفسك

أسلوب الكتابة، والذي يٌعد أكثر أمر طبيعي بالنسبة إليك، يتوقف على صدى ما تردده على مسامعك من حديث أيام طفولتك. كانت اللغة الإنجليزية هي اللغة الثالثة للروائي (جوزيف كونراد). وأسلوبه اللاذع حين يستخدم اللغة الإنجليزية في حديثه ليس سوى تأثره باللغة البولندية بلا شك و التي كانت لغته الأم. ومحظوظ حقًا هو الكاتب الذي نشأ في إيرلندا، حيث للغة الإنجليزية هناك وقعٌ عذب موسيقي ومحبب جدًا. أما أنا فقد نشأت في إنديانابوليس، حيث اللغة الدارجة هناك  تشبه صوت مجموعة مناشير تقطع صفيحًا مطليًا بالزنك، وتستخدم الكلمة خالية من أي جماليات.

لا حظت أنني أثق بكتاباتي أكثر من غيرها، وكذلك يفعل الآخرون حين أبدو على حقيقتي كشخص من إنديانابوليس. ما هي البدائل التي أملكها؟ إنها تلك النصيحة التي يوصي بها الأساتذة بشدة، ولا بد أنها قد أُلقيت على مسامعك ذات يوم: أن اكتب كمثقف إنجليزي من القرن الماضي أو من قرون سالفة.

سادسًا: قل ما تعنيه

إعتاد الأساتذة أن يصبوا جام غضبهم علي، ولكن لم يعد الأمر كذلك. فلقد أدركت الآن أن كل تلك المقالات التي اعتدت مقارنة عملي بها لم تكن مهمة بسبب قِدمها أو غرابتها، بل لأن كتّابها قالوا ما يريدون قوله تمامًا. لطالما سألني أساتذتي أن أكتب بدقة، وأن أختار أكثر الكلمات تأثيرًا وعمقًا، وأن أربط فيما بينها بصرامة ودون لبس كما تُجمع أجزاء الآلة. لم يشأ أساتذتي تحويلي إلى رجل إنجليزي في نهاية المطاف. لقد كانوا آملين أن أغدو كاتبًا يسهل فهمه. وأخذ بي الحلم إلى أن أحذو حذو (بابلو بيكاسو) في تعامله مع الطلاء، أو عمالقة موسيقى الجاز في تعاملهم مع الموسيقى.

إن أنا خرقت قواعد علامات الترقيم، وكتبت عبارات لا تحمل من المعاني سوى ما أردت لها أن تحمل، وجمعت هؤلاء معًا على وتر واحد خلطت فيه الحابل بالنابل، فإنني وبكل بساطة لن أستحيل كاتبًا يسهل فهمه. والأمر سيان بالنسبة إليك. لا تتبع أسلوب (بيكاسو) أو عازفي موسيقى الجاز في كتاباتك إن كنت تملك حقًا ما يستحق أن يُقال وتريد أن يفهمك الآخرون.

يطلب منا القرّاء أن تبدو صفحاتنا كتلك الصفحات التي رأوها سابقًا، ولماذا؟ لأن لديهم عملًا صعبًا، ويحتاجون منا كل صنوف المساعدة التي يمكن أن نقدمها لهم في سبيل إنجاز ذلك العمل.  

سابعًا: كن رحيمًا بالقرّاء

لدى القرّاء الآلاف من العلامات الصغيرة التي يجب عليهم قراءتها وتفسيرها في الوقت عينه. عليهم أن يقرؤوا، والقراءة فن صعب جدًا حتى أن معظمهم لا يتقنه تمامًا على الرغم من دراسته له خلال إثني عشر عامًا في المدارس الابتدائية والثانوية.

إذن، يجب أن يُفضي هذا النقاش إلى أن خياراتنا الأسلوبية ككتّاب يجب أن تكون بعيدة كل البعد عن كونها مبهرةً ومتعددة في حين أن قراءنا ليسوا فنانين محترفين.

يسألنا قرّاؤونا أن نكون أساتذة متعاطفين، وصبورين، ومستعدين دائمّا للتبسيط والإيضاح، حتى وإن كان باستطاعتنا، عوضًا عن ذلك، أن نعلو فوق الحشود ونغني كالعنادل.

كانت تلك هي الأخبار السيئة، أما الجيد منها فهو أننا نحن الأمريكيون نعيش في ظل دستور فريد من نوعه، يمنحنا حق الكتابة في كل ما نريد الكتابة عنه دون الخوف من العقاب. ولذلك فإن الجانب الأكثر معنًى ووضوحًا في الأساليب لدينا، ألا وهو اختيارنا لما نريد الكتابة عنه، غير محدود البتة.

ثامنًا: لنصيحة أكثر تفصيلًا

ولمناقشة الأسلوب في نطاق أضيق وأكثر مهنية، أود لفت انتباهك إلى عناصر الأسلوب التي وضعها (ويليام سترانك) و(إلواين بروكس وايت). يُعد (إلواين وايت) أحد أكبر جهابذة مصممي أساليب الأدب الذين أنجبتهم هذه البلاد.

وعليك أن تعي أيضًا أنه ما كان أحدًا ليلقي بالًا عن مدى إجادة أو إخفاق السيد (وايت) في التعبير عن ذاته إن لم يكن لديه أشياء ساحرة يقولها.

[المصدر]

16 مؤشر يظهر لنا الطفل الموهوب عند سيلڤرمان

قدمت الدكتورة (ليندا سيلڤرمان) في كتابها (كيف يمكن للآباء دعم أبناءهم الموهوبين) قائمة بأهم المؤشرات التي قد تدل الآباء مبكرًا على موهبة أطفالهم :

1- يقظة غير عادية في الطفولة الأولى.
2- حاجة أقل إلى النوم في الطفولة الأولى.
3- حيّز انتباه طويل.
4- مستوى نشاط عالٍ.
5- تعرف مبكر إلى من يرعونه والابتسام لهم.
6- ردود فعل شديدة على الضجيج والألم والإحباط.
7- تقدم مبكر خلال مراحل النمو.
8- ذاكرة استثنائية.
9- سرعة في التعلم واستمتاع به.
10- نمو لغوي كبير ومبكر.
11- افتتان بالكتب.
12- فضول شديد.
13- حس فكاهة ممتاز.
14- مهارات تفكير مجرد وحل مشكلات.
15- خيال خصب وحيوي (الرفاق الخياليون مثلًا).
16- حساسية مفرطة وحماس للأشياء والأشخاص.


المصدر