خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | عام

قصة إختفاء آغاثا كريستي العجيبة

آغاثا كريستي

ولدت (آغاثا ماري كلاريسيا) ملير المعروفة بـ(آغاثا كريستي) في الخامس عشر من سبتمبر عام 1890 بتوركوي ديفون في إنجلترا ، وهي الابنة الصغرى من الأبناء الثلاثة لـ(كلارا) و(فريدريك ملير) ، اشتهرت (آغاثا) بمسرحيتها (مصيدة الفئران) التي صنفت كأفضل وأطول عمل مسرحي في التاريخ، وكتبت مايقارب 66 رواية بوليسية و14 مجموعة من القصص القصيرة.
تعرفت (أغاثا) بعمر الثانية والعشرين بزوجها الطيار الماهر الذي كان يعمل بإكستر (آرتشابيلد) أو (آرتشي كريستي)، والذي حصلت على لقب (كريستي) منه.
في أحد حفلات رقص في سنة 1912 وارتبطا بعلاقة حب وتزوجا في رأس السنة لعام 1914 في فترة عودة (آرتشي) لقضاء الإجازة بعد عودته من عمله من فرنسا أثناء اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وفِي فترة انشغال زوجها للقتال في أنحاء أوروبا لسنوات قليلة، عملت (آغاثا) كممرضة متطوعة في مستشفى الصليب الأحمر بتوركاي مسقط رأسها، و قيل بأن من أسباب الإلهام للكتابة وابتكارها لشخصية المحقق البلجيكي المشهورة في رواياتها (هرقل باوارو) أولئك اللاجئون البلجيكيون الذين كانوا يتواجدون بتوركاي، بالإضافة لتحدي شقيقتها الكبرى (مارغريت) واثبات قدرتها على الكتابة فنشرت أول قصصها البوليسية (قضية ستايلز الغامضة) في مجلة (ڤانتي فير) متبعةً أساليب الغموض والإثارة في كتاباتها.آغاثا كريستي في طفولتها
وبعد إنتهاء الحرب وعودة (آرشي) وتوليه منصباً في وزارة الطيران انتقل الزوجان إلى لندن، ووقعت (آغاثا) عقدها مع شركة (بودلي هيد للنشر) في عام 1919 لتنشر أولى رواياتها وانتقلت فيما بعد للتوقيع مع (دار كولنز للنشر) وذلك بعد حصولها على عرض ٍمغري مقابل مائتي جنيه إسترليني إضافية، وحصدت أولى ثمار عملها بشراء منزل جديد في بيركشير بستايلز وانتقلت إليه مع زوجها وابنتهما (روزاليند).
وعلى الرغم من النجاحات والمكاسب التي حققتها (كريستي) إلا انها كانت شديدة الحرص في النفقات وتصر على التحكم بزمام الأمور المالية فكانت تجبر أسرتها بإتخاذ أسلوب معيشي متواضع، وهذا بلا شك كان نتيجة لما حل بعائلة (ملير) من فقر وبعد إصابة والدها، رجل الأعمال الأمريكي، بعدد من النوبات القلبية التي أدت إلى وفاته في تشرين الثاني / نوڤمبر 1901 وهي طفلة بعمر ال 11 عاماً.
وعلق البعض على أن هذه الرقابة الصارمة على موارد الأسرة المالية كانت السبب في توتر العلاقة مع زوجها (آرشي)، للحد الذي دفعه لارتباطه بعلاقة مع مساعدته (نانسي نيل) ابنة الـ25 ربيعاً.
فإكتشاف علاقته معها كانت بمثابة “القشة التي قسمت ظهر البعير” على (كريستي) بطلبها الطلاق منه، وخاصة ان هذا تبع وفاة والدتها الحبيبة جراء اصابتها بمرض الالتهاب الشُعبي.
وبهكذا تبتدأ قصة (اللغز العجيب) الذي لا ينسى أبداً، ففي ليلة الثالث من ديسمبر عام 1926 نشب شجار بين الزوجين وعلى اثره ترك (آرشي) المنزل لقضاء إجازة نهاية الأسبوع بعيداً مع أصدقائه ومعهم عشيقته (نانسي) وبعده خرجت (آغاثا) في نفس الليلة تاركةً ابنتهما مع الخادمة في المنزل .

من اليمين آغاثا وزوجها آرتشي سنة 1922

من اليمين : آغاثا وزوجها آرتشي سنة 1922

وفِي صباح اليوم التالي عثرت شرطة ساري على سيارة (آغاثا) متروكة على بعد أميال، ومغمورة جزئياً داخل شجيرات في غيلدفورد ساري نتيجة لحادث، ومما أثار الغموض بأن السائق في عداد المفقودين وان المصابيح الأمامية مضاءة، وعثر على حقيبة و معطف في المقعد الخلفي.
وفجأة اصبح اختفاء الكاتبة العجيب، يتصدر العناوين الرئيسية للصحف وحددت على أثرها مكافئة هائلة لمن يأتي بأي مشاهدة أو أي دليل جديد.
وفِي أعقاب اختفائها، أشارت أصابع الإتهام الى (آرتشي كريستي) وعشيقته (نانسي نيل) بأن لهم يداً في اختفاء (آغاثا)، وباشر رجال الشرطة مع آلاف من المتطوعين المتحمسين للبحث عنها، فقد تم جرف احدى البحيرات التي كانت تسمى بـ“البركة الصامتة” للعثور عليها، وبهذا يصبح مصير (آغاثا) كمصير أحد شخصياتها البائس.
خاضت شخصيات مشهورة حل هذا اللغز كوزير الداخلية آنذاك (ويليام جوينسون هيكس) للضغط على الشرطة لتستعجل البحث على الكاتبة بالإضافة الى مشاركة زميلها الكاتب (آرثر كونان دويل) فاستعان بعراف باستخدامه لأحد قفازات (آغاثا) كمرشدٍ للعثور عليها.
وبعد مضي عشر أيام على الاختفاء، اتصل رئيس النادليين من أحد الفنادق في هاروغيت بيوركشير على الشرطة، ليخبرهم بالبشرى الساره وانه عثر على الكاتبة متخفية بهوية ضيفة قادمة من جنوب أفريقيا تدعى (تيريسيا نايل) وبدت ودودة وبكامل حيويتها.
سافر (آرتشي) مع الشرطة الى يوركشير وأخذ مقعداً في زاوية غرفة الطعام بالفندق ليشاهد زوجته المبتعدة منذ ايام تتجول، وأخذ مكان على طاولة أخرى وأمسك الصحيفة المتصدرة عنواينها اختفاء الكاتبة وباشر بالقراءة، وأحاطت الحيرة والدهشة الجو العام، فبحسب ما لاحظه الشهود انه عندما تم الإشارة على زوجها الذي تزوجته منذ ما يقارب 12 عاماً لم تتمكن (آغاثا) من تذكره.

الفندق الذي عثر فيه على آغاثا بعد إختفائها

الفندق الذي عثر فيه على آغاثا بعد إختفائها

وأصبح سبب إختفائها العجيب، محل جدل كبير لسنوات وتراوحت الآراء حول ذلك فمنهم رجح انه نتيجة لانهيار عصبي تعرضت له بعد وفاة والدتها والحرج من علاقة زوجها بأخرى، ومنهم من سخر من الموضوع بأنها حيلة ترويجية لأحد كتاباتها.
وفِي ذلك الوقت صرح (آرشي كريستي) بأن اثنين من الأطباء أكدا على ان (آغاثا) تعاني من مرض فقدان الذاكرة واحتمالية إصاباتها بإرتجاج في الدماغ ومما يوافق هذا التفسير هو صعوبة تعرفها على زوجها بعد حادثة الاختفاء.
وبعد فترة وجيزة ، انفصل الزوجان (آغاثا) و(آرشي) ليذهب كلاً منهما الى طريقه المنفصلة وبعد ذلك، تزوجت (آغاثا) من عالم الآثار (ماكس مالوان) وتزوج (آرشي) (نانسي نيل)، وبات موضوع اختفائها أسيراً للصمت فلم يتطرق إليه احد مرة أخرى ولم يذكر حتى في سيرة حياتها التي نشرت بعد رحيلها في نوڤمبر 1977، وهكذا يبقى السر الأكثر إثارة للجدل والإهتمام من أسرار (كريستي) دون حل.


[المصدر]

 

إيريك فروم وكلماته عن الملل الحديث

إريك فروم

 

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

يتحدث (فروم) في كتابه (حب الحياة)، وهو عبارة عن نصوص ومقالات مختارة من ترجمة الأستاذ (حميد شهيب)، عن ما وصفه بـ“الملل الحديث”، فيقول مستفتحًا حديثه:

عندما نتحدث عن القوة التي تسكن داخل الإنسان فإن الكثيرين قد لا يفهمون ما نقصده. فعادة ما نعتقد أن القوة هي الطاقة التي توجد في الآلات وليس في الإنسان. وعندما نتحدث عن القوة عند الإنسان، فإنه يكون من المفترض أن يصنع الآلات ويستعملها. إن إعجابنا بقوة الآلة تكبر باستمرار، في حين يتراجع التفكير في قوة الإنسان. والجملة التي نجدها عند الشاعر اليوناني في (أنتيجون) Antigone “هناك الكثير من العجائب في العالم، لكن ليس هناك أعجب من الإنسان” لم يعد لها معنى يذكر.

ويتابع بعد ذلك:

يجب علينا أن نعيد التفكير عندما نهتم بالوعي وبالقوة التي تكمن في الإنسان. لا يتعلق الأمر فقط بقوة إمكانية الكلام والتفكير، بل وكذلك بالامتلاك الدائم لفكر أكبر، لتطوير نضج أكبر، وقوة حب أو فن، وكل هذا موجود عند الإنسان، ولا ينتظر إلا أن يحقق. إن النشاط والحيوية عند المفكرين […] هي بالضبط قوة الخلق، وتمظهر قوة الإنسان، التي تكون في غالب الأحيان إما موجّهة توجيهًا آخر أو مكبوتة.

ثم يضع (فروم) يده على أحد مسببات “الملل الحديث” فيقول بأن الفعل لأجل المكافأة أو العقاب، أو ردة فعل للمؤثرات الخارجية، هو أحد معالِم العصر، التي تقود إلى هذا الملل:

وتهتم سيكلوجيتنا السلوكية الحالية بالتالي؛ إن الإنسان هو كائن رد الفعل، يُحدِث المرء مؤثِّرًا، ثم يتم رد الفعل. يمكن للمرء أن يعمل هذا مع الفئران، مع القردة، مع الإنسان وحتى مع القطط على الرغم من صعوبة ذلك. ولسوء الحظ فإن الأمر أسهل مع الإنسان. يعتقد المرء أن كل سلوك الإنسان مبني على مبدأ المكافأة والعقاب. وهذان الأخيران هما المؤثران الكبيران في حياته. ويُنتظر منه أن يسلك ككل حيوان آخر، يعمل ما هو مكافؤ عليه، ويترك كل ما هو معاقب عليه. لا يجب أن يكون معاقبًا بالفعل، لأن التهديد بالعقاب يكون كافيًا. على كل حال يكون من الضروري أن يعاقب من حين لآخر بعض الأشخاص كمثال، لكي لا يصبح التهديد فارغ من أي معنى.

ويكمل حديثه عن النقطة السابقة، قائلًا:

إن “النشاط” كرد فعل على مؤثر، أو كدفع المرء لرد الفعل على شكل مرض هو في الأساس خمول شغوف، على الرغم من كل التمظهرات الخارجية. ولكلمة الشغف/العشق/الوله علاقة مع المعاناة/المكابدة. عندما يتحدث المرء عن إنسان عاشق فإن يستعمل تعبيرًا مناقضًا. لقد قال (شلايماخر) مرة: “إن الغيرة هي شغف يبحث بحماس ما يحققه المضض”. ولا ينطبق ذلك على الغيرة وحسب، بل على كل عشق يوجد عند الإنسان؛ الإدمان على البحث عن الشرف، عن المال، عن السلطة، على الأكل. فكل الإدمانات هي شغف يسبب الألم، إنها خمول.

ثم ينتقل إلى نقطة أخرى رئيسية في حديثه، فيقول:

هناك واقعة جد مهمة في ثقافتنا، تتمثل في كون الناس ليسوا واعيين بما في الكفاية بالمضض الذي يحدثه الملل. إذا كان المرء وحيدًا، وعندما لا يستطيع لسبب من الأسباب شغل نفسه بنفسه، فإنه يشعر، عندما لا يمتلك في نفسه مصدر القيام بشيء حيوي أو وعي ذاته، بالملل كحمل ثقيل، كشلل لا يمكنه شرحه بنفسه. إن الملل هو أصعب عذاب، وهو حديث ويقضي على كل ما حوله. والإنسان الذي يكون معرضًا للملل دون مقاومة هذا الأخير لا يشعر بأنه إنسان محبط. لماذا؟ لماذا لا يعرف الكثير من الناس الشر الذي يمثله الملل، والعذاب الذي يحدثه؟

أعتقد بأن الجواب على هذا السؤال جد بسيط؛ إننا ننتج الكثير من الأشياء التي بإمكانها أن تساعدنا للقضاء على الملل. فإما أن يتناول المرء أقراصًا مهدئة أو أنه يشرب أو يذهب من حفل إلى آخر، أو أنه يتخاصم مع الزوجة أو يترك وسائل الإعلام تنسيه أو أنه يمارس الجنس لكي ينسى الملل. فالكثير من أنشطتنا هي محاولات لكي لا يصل الملل إلى وعينالكن لا يجب على المرء أن ينسى هذا الشعور القاتم الذي يعمنا عندما نشاهد فيلمًا سخيفًا أو عندما نريد أن نقضي على الملل بطريقة سخيفة. لا يجب أن ننسى إذًا عذابات الضمير الذي نشعر به في داخلنا، عندما نلاحظ بأن الأمر كان مملًا، وبأن المرء لم يستفد من وقته، بل إنه قتل هذا الوقت. ما يثير الانتباه في ثقافتنا إذًا هو أننا نعمل كل شيء لكي ننقذ الوقت، لكي نقتصد الوقت، وعندما ننقذه أو نقتصده، فإننا نقتله، لأننا لا نعرف ماذا يمكننا عمله بهذا الوقت.

 

كيفية التعافي من آلام الفقد برأي بيرل باك

Image result for Pearl Buck

بيرل باك (1892-1973)، كاتبة وروائية أمريكية. ولدت لأبوين أمريكيين يعملان في الصين. عاشت (باك) معظم طفولتها في الصين، إلى أن عادت، في سن السابعة عشر، إلى وطنها أمريكا، حيث التحقت بإحدى الكليات الجامعية. كتبت (باك) العديد من الروايات والقصص القصيرة، من أشهرها رواية (الأرض الطيبة) التي نشرت عام 1931.

في عام 1938 حصلت على جائزة نوبل في الأدب. كما ساهمت (باك) في إثراء أدب الطفل، فكتبت العديد من قصص الأطفال، من بينها رواية (الموجة الكبرى)، التي نشرت عام 1947، وترجمها إلى العربية (سالي رءوف) ونشرها المجلس القومي للترجمة، في سلسلة (عالم الطفل)، عام 2013.

Image result for ‫الموجة الكبرى‬‎
تحكي الرواية عن (كينو)، الفتى الصغير، الذي يعيش على جانب إحدى الجبال في اليابان مع أسرته، وعن صديقه (جيا) الذي يعيش في قرية صيادين عند سفح الجبل. مع بداية الرواية يسمع (كينو) عن (الموجة الكبرى)، التي يخافها جميع أهل القرية، صغارًا وكبارًا. وذات يوم حدث ما كان يخافه أهل القرية، وجاءت الموجة الكبرى وأغرقت المنازل عند سفح الجبل، وفقد (جيا) عائلته.

تأثر (كينو) بما حدث لعائلة (جيا)، وذهب إلى أبيه حزينًا يشعر بالهزيمة وأخبره أنه لا يظن أن صديقه (جيا) سيصبح قادرًا على الشعور بالسعادة بعد الآن، فرد عليه والده قائلًا:

بل سيصبح سعيدًا ذات يوم. فالحياة دائمًا أقوى من الموت. سيشعر (جيا) عندما يستيقظ أنه لن يستطيع ابدًا أن يصبح سعيدًا مرة خرى. سيبكي ويبكي ويجب أن ندعه يبكي، لكنه لا يستطيع أن يستمر دائمًا في البكاء. بعد أيام قليلة، سيتوقف عن البكاء الدائم.. سيبكي بعض الوقت فقط. سيجلس حزينًا وصامتًا، ويجب أن نتيح له أن يحزن، ويجب الا نحمله على الكلام .. لكن ذات يوم سيشعر بالجوع ويأكل شيئًا مما تطوه أمنا، وسيبدأ في الشعور بأنه تحسن، ولن يواصل البكاء بعدئذ خلال النهار، لكنه سيفعل ذلك ليلًا. ويجب أن نتركه يبكي في الليل. لكن خلال كل هذا الوقت سيقوم جسمه بتجديد نفسه .. دمه الذي يتدفق من شرايينه، عظامه التي تنمو، وعقله الذي سيبدأ ثانية في التفكير، كل هذا سيجعله يعيش.

فرد (كينو) على والده بأن (جيا) لن يستطيع نسيان عائلته التي فقدها، فرد عليه أبيه:

إنه لا يستطيع ولا يجب أن ينساهم. لكن تمامًا كما عاش معهم وهم أحياء، سيعيش معهم وهم أموات. ذات يوم سيتقبل موتهم باعتباره جزء جزءًا من حياته، وعندئذ لن يعود إلى البكاء. سيحملهم في ذاكرته وأفكاره.. لحمه ودمه جزء منهم.. وطالما هو يعيش فإنهم ايضًا سيعيشون معه.

 

رسالة ميساك مانوشيان الأخيرة

99329-660x330

كاتب هذه الرسالة هو (ميساك مانوشيان) (1906-1944) شاعر ومناضل فرنسي من أصل أرمني، انتقل من دار أيتام في لبنان إلى فرنسا، وأصبح عضوا ناشطًا في صفوف الحركة الشيوعية الفرنسية المناوئة للنازية. أعدمه النازيّون رميا بالرصاص لمشاركته في أعمال المقاومة عام 1944م. يعد اليوم في فرنسا أحد أشهر أبطال المقاومة الفرنسية.

وقد تُرجمت هذه الرسالة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، حصريًا لدى ساقية. يقول في رسالته:

عزيزتي ميليني.. فتاتي اليتيمة والتي أحب،

بعد ساعات قليلة، لن أعود موجودًا في هذا العالم، سيعدمونني هذه الظهيرة عند الساعة الثالثة. أشعر كما لو أنه حادث لا أستطيع تصديقه، ولكنني أعلم الآن أنني لن أستطيع رؤيتك مجددًا، وللأبد.

ماذا يمكنني أن أكتب لك؟ أشعر بتخبط ما أريد قوله، وفي ذات الوقت أشعر أنني أعلمه بوضوح.

التحقتُ كجنديّ متطوع بقوات التحرير، وها أنا الآن أموت على بعد خطوات من النصر وبلوغ الهدف. لكل هؤلاء الذين سيحيون من بعدنا، لكل الذين سيذوقون غدًا حلاوة الحرية والسلام، أتمنى لكم السعادة. إنني على يقين بأن الشعب الفرنسي وكل المقاتلين من أجل الحرية سيتذكروننا بشرف وافتخار. أود أن أعلن الآن، وأنا على حافة الموت، أنني لم أبغض الشعب الألماني أبدا، ولم أكن أبغض الذي هم عليه، فكل منّا سيحصل على مايستحقه من ثواب أو عقاب.

بعد هذه الحرب التي لن تستمر طويلا، سيعيش الشعب الألماني وبقية الشعوب الأخرى في وحدة وسلام، كم أتمنى لهم السعادة. وأكثر ما أندم وآسفُ عليه، هو أنني لم أستطع إسعادك. كم تمنيتُ، كما رغبتِ أنتِ دائمًا، أن يكون لي طفل منك. لذا أود منك أن تتزوجي بعدي الشخص الذي يقدر على إسعادك. سأترك كل ممتلكاتي وأعمالي في حوزتك أنت وأختك وأبناء أخي وأختي. وبما أنني سأموت كجندي نظامي في قوات التحرير الفرنسية، يمكنك بعد الحرب أن تطالبي بحقك في معاش الحرب بصفتك زوجةً لي. يمكنك أيضا بمساعدة أصدقائي –الذين سيرغبون في تكريمي- أن تتولي أمر قصائدي ونصوصي، وتعديلها ونشر ماترين أنه يستحق أن يُقرأ. حاولي قدر استطاعتك أن توصلي مذكراتي لوالديّ في أرمينيا.

سأموت الآن، مع ثلاث وعشرين جنديًا من رفاقي. سأموت بشجاعة، وبسلام ضمير مرتاح، لأنني أعلم أني لم أتعمد أذية أحد، وإن كنت فعلت، فقد كانت دون بغض ولا رغبة حقيقية بالأذية.

أنظر الآن إلى السماء، وسطوع الشمس، والطبيعة التي لطالما أحببتها، في مشهد أخير أودع به الحياة وأودعكم جميعا به، زوجتي الحبيبة وأصدقائي الأعزاء.

إنني أغفر لكل الذين أساؤوا إلي، وكل الذين كانوا يرغبون أن يسيئوا إليّ، عدا ذلك الذي خاننا لأجل أن ينفذ بجلده، وأولئك الذين باعونا للموت.

قبلاتي الحارة لك أنت وأختك، وكل أصدقائي الذين عرفتهم من قريب أو بعيد. سأحملكم دائما في قلبي.

الوداع.

صديقك، ورفيقك، وزوجـك،

ميساك مانوشيان.

Continue Reading →

المازني عن التربية

وليس هذا مقالًا في الكرم أو الشجاعة أو غيرها من الصفات المستحسنة المحمودة، وإنما أردت أن أقول إن كل ما في الإنسان من عيب ونقص يستطاع علاجه وتقويمه، وتهذيبه وتثقيفه — إلى حد ما على الأقل — إلا ما خرج خلقة وفطرة عن حد الصحة كل الخروج، فلا علاج له ولاسبيل إلى إصلاح فيه، فإنك لا تستطيع — مثلًا — أن تذهب حدبة الأحدب، أو أن توسع الرأس إذا جاء ضيِّقًا بالخلقة، ليتسنى لحشوه أن يبلغ الغاية من النماء، ولكنك فيما عدا هذا الذي تقل فيه حيلة الإنسان، لا يعجزك أن تصلح وتهـذب على قدر ما رُزِقت من فطنة وقدرة وحسن تدبُّر.

وأردت أن أقول شيئًا آخر أرجو أن يشفع لي فيه عند القراء الإخلاصُ، وحسن الطوية، وإرادة الخير، وذلك أننا معشر المصريين أسوأ الأمم تربية وتنشئة، وأنا مثال حي لهذه التنشئة السيئة، فما رباني أبي؛ لأنه فارق الدنيا وأنا طفل في التاسعة، وأكبر ظني أنه لو كان عاش لما أحسن تأديبي، فقد كان مشغولًا بنسائه وبما أقبلت عليه الدنيا من نعمة زائلة، وما أكثر من حُرِموا مثلي مزية تأديب الوالد، لموته في صباهم، أو لقلة غنائه وجهله بأساليب التأديب، وإنما ربتني أمي، وكانت أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولكنها على هذا ذكية حاذقة، وقد ربتني على الصدق والأمانة والوفاء واحترام الذات، وأنا شاكر لها وداعٍ، وأعتقد مخلصًا أنها ما رأت مني قط عقوقًا، ولكنها — رحمها الله — لم تكن تستطيع أن تعالج النقص الذي أشعر به، والذي يثقل على نفسي ويحدث أثره فيها وأنا لا أدري، فكثرت عندي — على الأيام — العقد النفسية، أو مركبات النقص كما تسمى، فأنا فقير والفقر يشعرني ذلة، وقصير قميء، والقصر يوهمني أني هيِّن تتخطاه العين، وضعيف خرع، والضعف يورثني خوفًا وجبنًا، وقد كسرت ساقي بغير ذنب جنيته — فما كسرها إلا الذي حاول أن يجبرها — على حد قول المثل «جاء يكحلها فأعماها» — فقوي شعوري بالنقص من كل وجه، وزدت جبنًا وتحفظًا وانطواءً على نفسي، ولبثت زمنًا طويلًا أحرم نفسي ما يفوز به البر والفاجر، وكنت أتمرد أحيانًا على نفسي، فأسطو وأتقحم وأتطاول، وأخرج عن كل طور معقول أو رشيد، وهذا من الاختلال لا الصحة، وإني لأعرف ناسًا كثيرين يصفونني — جزاهم الله خيرًا — بالتواضع والحياء، ولكني أعرف من نفسي أن هذا من الضعف والجبن، ولو وجدت من يهذبني ويصلح من حالي لتهذبت وصلحت، ولعدت أكفأ للحياة، وأقدر على معاناتها والجهاد فيها، وإني لأعالج نفسي بعد أن كبرت وعلمت وجربت، ولكن العلاج على الكبر شاقٌّ مضنٍ، وإن كان لا يخلو من توفيق. وما زلت إلى اليوم كافرًا بما يسمى «الحب»؛ لأني لما أشعر به من نقص لا أقدر أن أتصور أن امرأة — ولو كانت دميمة مشوهة — يمكن أن ترى فيَّ ما يغريها بمبادلتي هذه العاطفة، وشديد النفور من المجالس الحافلة، والانقباض عنها؛ لأني أحس أن نقصي مجسم مجسد لكل ذي عينين، فأنا أوثر أن أتقي أو ألقى ما أكره، وإذا كانت فيَّ عفة أو نزاهة فهي عن جبن، وحسبك من جبني أني أمرُّ بمراكز البوليس أو الشرطة في الطريق فأقرأ في سري الآية الكريمة () وما ارتكبت جرمًا ولا خطر لي ارتكابه! وإني لأغالب نفسي، فأنجح حينًا وأخفق أحيانًا؛ لأنه استقر في أعماقها من أيام الصبى ما يعز اقتلاعه، ولأني لم أجد من يهديني ويرشدني ويوجهني وجهة صالحة — لا في المدرسة، ولا في البيت، ولا من الإخوان، وما أقل ما يفيدني فهمي وعلمي بعد أن ارتفعت بي السن، وصرت كما يقول بعض الكتاب الإنجليز «حزمة من العادات». وإني لأروضن نفسي على الشجاعة والإقدام، وإني لأتشجع أحيانًا ولا أتهيب، فأحمد العاقبة ولا أندم، ويسرني حمل نفسي على ما كانت تفرق من مثله وتجانبه، ولكن هيهات أن أبلغ من ذلك ما أريد، أو ما أقدر عليه من الرياضة، وإن كنت لا يائسًا ولا مقصِّرًا في الاجتهاد.

وأمثالي كثيرون، عدد الحصى والرمال، فما أنا ببدع ولا شذوذ، والأكثر فيمن ترى تنقصه الشجاعة، وذلك هو العيب الأكبر الذي يورثنا إياه نحن المصريين المساكين سوءُ التربية. وليست الشجاعة أن تكون وقحًا سليط اللسان متقحمًا على الناس، ولا أن تجتزئ حين تكون آمنًا مطمئنًا، ولكن الشجاعة أن تُقدِم وأنت عارف بالصعاب، ومدرك لنقصك، وأن تكون حسن التقدير دقيق الوزن للقيم الحقيقية للأمور والأحوال، وغير مغالٍ بما تتوقع أن تلقاه، وموطِّنًا نفسك على أمر ولو كان فيه مما تخاف أو ترجو أن لا يكون.

وتربيتنا سيئة — بل غاية في السوء — لأنها تفقدنا الشجاعة وتسلبنا الثقة بالنفس، وتزيد شعورنا بالنقص قوة وعمقًا، وتقضي على احترامنا لأنفسنا، وتنسينا الواجبات إذ تعرفنا بالحقوق، وتعودنا التحقير والإذلال، وتروضنا على السكون وانحطاط الشأن وهوان الحال، وتضعف — بل تمحو — إيماننا بأنَّ لنا — جماعة وأفرادًا — قيمة في الحياة، وأملًا في إدراك الآمال وتحقيق المقاصد. اجلس إلى من شئتَ، واستدرجه إلى الإعراب عن دخيلة نفسه، واسمع ما يقول في بني قومه، وفي آمال بلاده وفي مساعي أبنائها، وما يُتوقع لها، تسمع عجبًا! وهل تسمع إلا طعنًا وتنقصًا واستبعادًا لنجاح المسعى؟ ولماذا؟ لا لأن الأمل بعيد، بل لأن الثقة بالنفس ضعيفة، ولأننا تعلمنا — علَّمونا في المدارس وفي البيوت — أن نحتقر أنفسنا ونستصغر شأننا، ونبالغ في احترام الأجنبي وإكباره، أَلَا ترى كيف أننا ما زلنا نسمي الأجنبي — حتى الجرسون الذي يخدمنا في المقهى — «الخواجة»؟

كان لنا — وأنا طالب في المدرسة الخديوية — مدرِّس مصري يخرج عن موضوع الدرس، ويستطرد إلى الكلام في «مصطفى كامل» الزعيم الوطني في تلك الأيام، وكنا جميعًا شبانًا متحمسين، فيغلق النوافذ أولًا، ثم يسرع في وصف مظالم الحكم المصري، وعدل الإنجليز بعد أن احتلوا البلاد، وكيف قضوا على هذا الظلم، فكنت أستغرب أن يغلق النوافذ، ولو سمعه الإنجليز الرؤساء لرضوا عنه ورقَّوه وأغدقوا عليه نِعَمهم! وقد أفضيت له ذات مرة بعجبي هذا، فكان جزائي أن خاطب الناظر الإنجليزي في أمري، فعاقبني بالحبس بقية أيام السنة كلها!

في هذا الجو في الذل واحتقار النفس وتفضيل الأجنبي، والإقرار العملي واللفظي بالعبودية له — ولو كان من هلافيت أوربا وصياعها — نشأنا، وقد خلصت لنا أمور التعليم، ولكن تربيتنا لا تزال تجري على الأساليب القديمة التي لا يمكن أن تخرج للأمة إلا ضعافًا مهازيل، والتلاميذ والطلبة يتمردون ويتركون الدرس ويقومون بالمظاهرات، فهل يدري القارئ لماذا يفعلون ذلك؟ لو كانوا يثقون بأنفسهم وبمواطنيهم ثقة حقيقية غير زائفة أو فاترة، لاطمأنوا، ولما أحسوا بحاجة إلى الخروج والمظاهرات، ولكنهم لا يثقون؛ لأنهم لم يتعودوا الثقة لا بالنفس ولا بالغير، فهم قلقون غير مطمئنين، وليس العلاج أن يضربوا ويمنعوا بالقوة، فإن جدوى هذا لا تتعدى المحافظة على الأمن والنظام — وهي واجبة ولا شك — ولكن العلاج أن تُهذَّب أساليب التربية والتعليم بحيث توجد الثقة بالنفس وبالغير، فيوجد معها الاطمئنان والسكينة، وتنتفي بواعث القلق والجزع التي تغري بغير السداد.

سيقول القارئ ما هذا المقال الذي يبدأ بشيء فيخرج إلى خلافه، وهو على حق، ولكني ما قلت إلا ما أعتقد أنه صحيح، فلعل ذلك يشفع لي.