خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | عام

المازني عن التربية

وليس هذا مقالًا في الكرم أو الشجاعة أو غيرها من الصفات المستحسنة المحمودة، وإنما أردت أن أقول إن كل ما في الإنسان من عيب ونقص يستطاع علاجه وتقويمه، وتهذيبه وتثقيفه — إلى حد ما على الأقل — إلا ما خرج خلقة وفطرة عن حد الصحة كل الخروج، فلا علاج له ولاسبيل إلى إصلاح فيه، فإنك لا تستطيع — مثلًا — أن تذهب حدبة الأحدب، أو أن توسع الرأس إذا جاء ضيِّقًا بالخلقة، ليتسنى لحشوه أن يبلغ الغاية من النماء، ولكنك فيما عدا هذا الذي تقل فيه حيلة الإنسان، لا يعجزك أن تصلح وتهـذب على قدر ما رُزِقت من فطنة وقدرة وحسن تدبُّر.

وأردت أن أقول شيئًا آخر أرجو أن يشفع لي فيه عند القراء الإخلاصُ، وحسن الطوية، وإرادة الخير، وذلك أننا معشر المصريين أسوأ الأمم تربية وتنشئة، وأنا مثال حي لهذه التنشئة السيئة، فما رباني أبي؛ لأنه فارق الدنيا وأنا طفل في التاسعة، وأكبر ظني أنه لو كان عاش لما أحسن تأديبي، فقد كان مشغولًا بنسائه وبما أقبلت عليه الدنيا من نعمة زائلة، وما أكثر من حُرِموا مثلي مزية تأديب الوالد، لموته في صباهم، أو لقلة غنائه وجهله بأساليب التأديب، وإنما ربتني أمي، وكانت أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولكنها على هذا ذكية حاذقة، وقد ربتني على الصدق والأمانة والوفاء واحترام الذات، وأنا شاكر لها وداعٍ، وأعتقد مخلصًا أنها ما رأت مني قط عقوقًا، ولكنها — رحمها الله — لم تكن تستطيع أن تعالج النقص الذي أشعر به، والذي يثقل على نفسي ويحدث أثره فيها وأنا لا أدري، فكثرت عندي — على الأيام — العقد النفسية، أو مركبات النقص كما تسمى، فأنا فقير والفقر يشعرني ذلة، وقصير قميء، والقصر يوهمني أني هيِّن تتخطاه العين، وضعيف خرع، والضعف يورثني خوفًا وجبنًا، وقد كسرت ساقي بغير ذنب جنيته — فما كسرها إلا الذي حاول أن يجبرها — على حد قول المثل «جاء يكحلها فأعماها» — فقوي شعوري بالنقص من كل وجه، وزدت جبنًا وتحفظًا وانطواءً على نفسي، ولبثت زمنًا طويلًا أحرم نفسي ما يفوز به البر والفاجر، وكنت أتمرد أحيانًا على نفسي، فأسطو وأتقحم وأتطاول، وأخرج عن كل طور معقول أو رشيد، وهذا من الاختلال لا الصحة، وإني لأعرف ناسًا كثيرين يصفونني — جزاهم الله خيرًا — بالتواضع والحياء، ولكني أعرف من نفسي أن هذا من الضعف والجبن، ولو وجدت من يهذبني ويصلح من حالي لتهذبت وصلحت، ولعدت أكفأ للحياة، وأقدر على معاناتها والجهاد فيها، وإني لأعالج نفسي بعد أن كبرت وعلمت وجربت، ولكن العلاج على الكبر شاقٌّ مضنٍ، وإن كان لا يخلو من توفيق. وما زلت إلى اليوم كافرًا بما يسمى «الحب»؛ لأني لما أشعر به من نقص لا أقدر أن أتصور أن امرأة — ولو كانت دميمة مشوهة — يمكن أن ترى فيَّ ما يغريها بمبادلتي هذه العاطفة، وشديد النفور من المجالس الحافلة، والانقباض عنها؛ لأني أحس أن نقصي مجسم مجسد لكل ذي عينين، فأنا أوثر أن أتقي أو ألقى ما أكره، وإذا كانت فيَّ عفة أو نزاهة فهي عن جبن، وحسبك من جبني أني أمرُّ بمراكز البوليس أو الشرطة في الطريق فأقرأ في سري الآية الكريمة () وما ارتكبت جرمًا ولا خطر لي ارتكابه! وإني لأغالب نفسي، فأنجح حينًا وأخفق أحيانًا؛ لأنه استقر في أعماقها من أيام الصبى ما يعز اقتلاعه، ولأني لم أجد من يهديني ويرشدني ويوجهني وجهة صالحة — لا في المدرسة، ولا في البيت، ولا من الإخوان، وما أقل ما يفيدني فهمي وعلمي بعد أن ارتفعت بي السن، وصرت كما يقول بعض الكتاب الإنجليز «حزمة من العادات». وإني لأروضن نفسي على الشجاعة والإقدام، وإني لأتشجع أحيانًا ولا أتهيب، فأحمد العاقبة ولا أندم، ويسرني حمل نفسي على ما كانت تفرق من مثله وتجانبه، ولكن هيهات أن أبلغ من ذلك ما أريد، أو ما أقدر عليه من الرياضة، وإن كنت لا يائسًا ولا مقصِّرًا في الاجتهاد.

وأمثالي كثيرون، عدد الحصى والرمال، فما أنا ببدع ولا شذوذ، والأكثر فيمن ترى تنقصه الشجاعة، وذلك هو العيب الأكبر الذي يورثنا إياه نحن المصريين المساكين سوءُ التربية. وليست الشجاعة أن تكون وقحًا سليط اللسان متقحمًا على الناس، ولا أن تجتزئ حين تكون آمنًا مطمئنًا، ولكن الشجاعة أن تُقدِم وأنت عارف بالصعاب، ومدرك لنقصك، وأن تكون حسن التقدير دقيق الوزن للقيم الحقيقية للأمور والأحوال، وغير مغالٍ بما تتوقع أن تلقاه، وموطِّنًا نفسك على أمر ولو كان فيه مما تخاف أو ترجو أن لا يكون.

وتربيتنا سيئة — بل غاية في السوء — لأنها تفقدنا الشجاعة وتسلبنا الثقة بالنفس، وتزيد شعورنا بالنقص قوة وعمقًا، وتقضي على احترامنا لأنفسنا، وتنسينا الواجبات إذ تعرفنا بالحقوق، وتعودنا التحقير والإذلال، وتروضنا على السكون وانحطاط الشأن وهوان الحال، وتضعف — بل تمحو — إيماننا بأنَّ لنا — جماعة وأفرادًا — قيمة في الحياة، وأملًا في إدراك الآمال وتحقيق المقاصد. اجلس إلى من شئتَ، واستدرجه إلى الإعراب عن دخيلة نفسه، واسمع ما يقول في بني قومه، وفي آمال بلاده وفي مساعي أبنائها، وما يُتوقع لها، تسمع عجبًا! وهل تسمع إلا طعنًا وتنقصًا واستبعادًا لنجاح المسعى؟ ولماذا؟ لا لأن الأمل بعيد، بل لأن الثقة بالنفس ضعيفة، ولأننا تعلمنا — علَّمونا في المدارس وفي البيوت — أن نحتقر أنفسنا ونستصغر شأننا، ونبالغ في احترام الأجنبي وإكباره، أَلَا ترى كيف أننا ما زلنا نسمي الأجنبي — حتى الجرسون الذي يخدمنا في المقهى — «الخواجة»؟

كان لنا — وأنا طالب في المدرسة الخديوية — مدرِّس مصري يخرج عن موضوع الدرس، ويستطرد إلى الكلام في «مصطفى كامل» الزعيم الوطني في تلك الأيام، وكنا جميعًا شبانًا متحمسين، فيغلق النوافذ أولًا، ثم يسرع في وصف مظالم الحكم المصري، وعدل الإنجليز بعد أن احتلوا البلاد، وكيف قضوا على هذا الظلم، فكنت أستغرب أن يغلق النوافذ، ولو سمعه الإنجليز الرؤساء لرضوا عنه ورقَّوه وأغدقوا عليه نِعَمهم! وقد أفضيت له ذات مرة بعجبي هذا، فكان جزائي أن خاطب الناظر الإنجليزي في أمري، فعاقبني بالحبس بقية أيام السنة كلها!

في هذا الجو في الذل واحتقار النفس وتفضيل الأجنبي، والإقرار العملي واللفظي بالعبودية له — ولو كان من هلافيت أوربا وصياعها — نشأنا، وقد خلصت لنا أمور التعليم، ولكن تربيتنا لا تزال تجري على الأساليب القديمة التي لا يمكن أن تخرج للأمة إلا ضعافًا مهازيل، والتلاميذ والطلبة يتمردون ويتركون الدرس ويقومون بالمظاهرات، فهل يدري القارئ لماذا يفعلون ذلك؟ لو كانوا يثقون بأنفسهم وبمواطنيهم ثقة حقيقية غير زائفة أو فاترة، لاطمأنوا، ولما أحسوا بحاجة إلى الخروج والمظاهرات، ولكنهم لا يثقون؛ لأنهم لم يتعودوا الثقة لا بالنفس ولا بالغير، فهم قلقون غير مطمئنين، وليس العلاج أن يضربوا ويمنعوا بالقوة، فإن جدوى هذا لا تتعدى المحافظة على الأمن والنظام — وهي واجبة ولا شك — ولكن العلاج أن تُهذَّب أساليب التربية والتعليم بحيث توجد الثقة بالنفس وبالغير، فيوجد معها الاطمئنان والسكينة، وتنتفي بواعث القلق والجزع التي تغري بغير السداد.

سيقول القارئ ما هذا المقال الذي يبدأ بشيء فيخرج إلى خلافه، وهو على حق، ولكني ما قلت إلا ما أعتقد أنه صحيح، فلعل ذلك يشفع لي.

عن القهوة، عند محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. قد تكون أحد أهم الصفات التي تُعرف عنه هي عشقه للقهوة، وبمناسبة تحديد اليوم (الأول من أكتوبر) بأنه اليوم العالمي للقهوة، ابتداء من 2015، فقد قمنا بتجميع عدة مقولات من كتاب (ذاكرة للنسيان) يتحدث فيها درويش عن معشوقته الأشهر، القهوة، وعن طريقته أو طقوسه أمامها.

فيتحدث مثلًا عن عشقه للقهوة فيقول:
أُريد رائحة القهوة. لا أريد غير رائحة القهوة. ولا أريد من الأيام كلها غير رائحة القهوة، رائحة القهوة لأتماسك، لأقف على قدميّ، لأتحول من زاحف إلى كائن، لأوقف حصتي من هذا الفجر على قدميه. لنمضي معًا، أنا وهذا النهار ، إلى الشارع بحثًا عن مكانٍ آخر.
وفي حديثه عن أحد الفترات التي قضتها بيروت تحت نيران الاحتلال الصهيوني، قال:
كيف أذيع رائحة القهوة في خلاياي، وقذائف البحر تنقضٌّ على واجهة المطبخ المطل على البحر لتنتشر رائحة البارود ومذاق العدم ؟
صرت أقيس المسافة الزمنية بين قذيفتين، ثانية واحدة .. ثانية واحدة أقصر من المسافة بين الزفير والشهيق، أقصر من المسافة بين دقّتيْ قلب .. ثانية واحدة لا تكفي لأن أقف أمام البوتاغاز الملاصق لواجهة الزجاج المطلة على البحر .. ثانية واحدة لا تكفي لأن أفتح زجاجة الماء، ثانية واحدة لا تكفي لأن أصبّ الماء في الغلاية. ثانية واحدة لا تكفي لإشعال عود الثقاب. ولكن ثانية واحدة تكفي لأن أحترق.
ويعود بعد ذلك مكررًا:
أُريد رائحة القهوة. أريد خمس دقائق .. أُريد هدنة لمدة خمسة دقائق من أجل القهوة. لم يعد لي من مطلب شخصي غير إعداد فنجان القهوة. بهذا الهوس حدّدت مهمتي وهدفي. توثبتْ حواسي كلُّها في نداء واحد واشرأبّت عطشى نحو غاية واحدة: القهوة..
ثم يتحدث عن القهوة وإدمانه لها، فيقول:
والقهوة، لمن أدمنها مثلي هي مفتاحُ النهار.
والقهوة، لمن يعرفها مثلي؛ هي أن تصنعها بيديّك، لا أن تأتيك على طبق، لأن حامل الطبق هو حامل الكلام، والقهوة الأولى يفسدها الكلام الأول لأنها عذراء الصباح الصامت. الفجرُ، أعني فجري، نقيضُ الكلام. ورائحة القهوة تتشرّب الأصوات، ولو كانت تحيةً مثل “صباح الخير” وتفسد.
وبعدها يقول:
لذا فإن القهوة هي هذا الصمتُ الصباحي، الباكِر، المتأني، والوحيد الذي تقف فيه وحدك، مع ماء تختاره بكسل وعزلة في سلام مبتكر مع النفس والأشياء، وتسكبه على مهل وعلى مهل في إناء نحاسيّ صغير داكِن وسريّ اللمعان، أصفر مائل إلى البنّي، ثم تضعه على نار خفيفة.. آه لو كانت نار الحطب.
يُبرر:
لأن القهوة؛ فنجان القهوة الأول، هي مرآة اليد. واليدُ التي تصنع القهوة تُشيع نوعية النفس التي تحركها. وهكذا، فالقهوة هي القراءةُ العلنية لكتاب النفس المفتوح .. والساحرة الكاشفة لما يحمله النهار من أسرار.
وعن حالة شرب القهوة:
خُذْ القهوة إلى الممرّ الضيق. صبّها بحنان وافتنان في فنجان أبيض، فالفناجين داكنة اللونج تفسد حرية القهوة .. راقِب خطوط البخار وخيمة الرائحة المتصاعدة. أشعِل سيجارتك الآن، السيجارة الأولى المصنوعة من أجل هذا الفنجان، السيجارة ذات المذاق الكوني التي لا يعادلها مذاق آخر غير مذاق السيجارة التي تتبع عملية الحب، بينما المرأة تدخِّن آخر العرق وخفوت الصوت..
ها أنذا أُولد. امتلأت عروقي بمخدرها المنبّه، بعدما التقت بينبوع حياتها، الكافيين والنيكوتين وطقس لقائهما المخلوق من يدي.
أتسائل: كيف تكتب يدٌ لا تبدع القهوة؟ كم قال لي أطباء القلب، وهم يدخنون: لا تدخِّن ولا تشرب القهوة. وكم مازحتهم: الحمار لا يدخن ولا يشرب القهوة، ولا يكتب.
في تصنيف القهوة تبعًا لأصحابها من مذاقها يقول:
أعرف قهوتي، وقهوة أمي، وقهوة أصدقائي. أعرفها من بعيد وأعرف الفوارق بينها. لا قهوة تشبه قهوة أخرى. ودفاعي عن القهوة هو دفاع عن خصوصية الفارِق. ليس هنالك مذاق اسمه مذاق القهوة، فالقهوة ليستْ مفهومًا وليست مادة واحدة، وليست مطلقًا. لكل شخص قهوته الخاصة، الخاصة إلى حدّ أقيس معه درجة ذوق الشخص وأناقته النفسية بمذاق قهوته.
ثمّة قهوة لها مذاق الكزبرة، ذلك يعني أن مطبخ السيدة ليس مُرتّبًا. وثمّة قهوة لها مذاق عصير الخروب. ذلك يعني أن صاحب البيت بخيل. وثمّة قهوة لها رائحةُ العطر ذلك يعني أن السيدة شديدة الاهتمام بمظاهر الأشياء. وثمّة لها ملمس الطحلب في الفم. ذلك يعني أن صاحبها يساريّ طفولي. وثمّة قهوة لها مذاق القِدم من فرط ما تألّب البُن في الماء الساخن. ذلك يعني أن صاحبها يميني متطرف. وثمّه قهوة لها مذاق الهال الطاغي. ذلك يعني أن السيدة محدثة النعمة..
ويعقّب قائلًا:
لا قهوة تشبه قهوة أخرى. لكل بيت قهوته، ولكل يد قهوتها، لأنه لا نفس تشبه نفسًا أخرى. وأنا أعرف القهوة من بعيد: تسير في خط مستقيم، في البداية ، ثم تتعرح وتتلوى وتتأوّد وتتأوّه وتلتفّ على سفوح ومنحدرات، تتشبّث بسنديانة أو بلوطة، وتتفلّت لتهبط الوادي وتلتفت إلى وراء، وتتفتّت حنينًا إلى صعود الجبل وتصعد حين تتشتت في خيوط التاي الراحل إلى بيتها الأول..
واصِفًا رائحتها:
رائحة القهوة عودة وإعادة إلى الشيء الأول، لأنها تنحدر من سلالة المكان الأول، هي رحلة بدأت من آلاف السنين. ومازالت تعود. القهوة مكان، القهوة مسام تُسرِّب الداخل إلى الخارج، وانفصالٌ يُوَحِّد ما لا يتوحّدُ إلّا فيها هي رائحة القهوة. هي ضدُّ الفطام. ثدي يُرضع الرجال بعيدًا. صياحٌ مولود من مذاق مُرّ، حليب الرجولة، والقهوة جغرافيا.
وأخيرًا، يقول:
القهوة لا تُشرَب على عجل. القهوة أُختُ الوقت. تُحتَسى على مهل .. على مهل .. القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة.
القهوة تأمّل وتغلغل في النفس وفي الذكريات. والقهوة عادة تلازمها بعد السيجارة عادة أخرى هي .. الجريدة..
القهوة في عيون درويش؛ كالحُبّ.. قليلٌّ منه لا يروي؛ والكثير منه لا يُشبِع.