خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | علم النفس والاجتماع

ماذا يمكن أن تقدم لنا علوم النفس والاجتماع من معرفة ؟ كيف يمكن أن نستفيد منها ونستلهم منها ؟

قواعد إريك فروم الست في فن الإصغاء

“الحب والفهم لاينفصلان عن بعضهما فهما يمثلان عملية عقلية، و انفصالهما يسد الباب أمام الفهم الأساسي”

بحسب ماكتبت (حنة آرندت): “لا يُعطى الرأي في التجارب إلا بعد ذكرها”، عن رأيها  في مدى إضفاء اللغة الواقعية على الوجود بتعبيرها، “ولطالما لم تذكر هذه التجارب فيصح القول بأن لا وجود لها”. ولكن إن ذُكرت التجربة ولم تلق آذاناً صاغية، فسيصبح نصف واقعها مبتور وانسجامها الأساسي مختل توازنه.

عَرف الفيزيائي العظيم (ديفيد بوهم) هذا بقوله: “علينا العيش بإنسجام مع أنفسنا ومع البيئة”، وبإختصار كتب في أطروحته المتميزة بشأن “معضلة التواصل”:

إننا بحاجة إلى أن نكون قادرين على التواصل بحرية في حركة إبداعية حيث لا أحد يتمسك فيها بأفكاره دومًا أو يدافع عنها بصورة أخرى.

أما عن كيفية فعل هذا، هو ما كشفه الفيلسوف والمحلل النفسي المؤثر (إريك فروم)، الذي ولد في 1900 وتوفي في عام 1980، في حلقة دراسية عقدت في سويسرا عام 1974 والتي نشرت بعد وفاته في كتاب يحمل عنوان (فن الإصغاء).

ويناقش في فن الإصغاء قائلًا أنه”فن أشبه بفهم الشعر” وحاله من حال الفنون الأخرى التي لها أصولها وقواعدها الخاصة. واستنادًا إلى ممارسته في المعالجة النفسية على مدار 50 عاماً، يقدم لنا ست إرشادات لإتقان فهم هذا الفن:

  • القاعدة الأساسية لممارسة هذا الفن بالتركيز التام للمستمع.

  • يجب أن يكون خال الذهن، أن يكون متحرراً على النحو الأمثل من القلق وكذلك من الجشع.

  • التمتع بمخيلة تعمل بحرية ملموسة وبدرجة كافية للتعبير عنها بالكلمات.

  • التمتع بقدر كبير وقوي من التعاطف مع الآخرين يكفي للشعور بتجارب الآخرين وكأنها تجربته الشخصية.

  • حالة التعاطف هذه، تعد جانبًا أساسيًا للمقدرة على الحب. إن فهم الآخر يعني محبته، دون أن يكون ذلك نابع من إحساس شهواني.

  • الحب والفهم لا ينفصلان عن بعضهما، يمثلان عملية عقلية، و انفصالهما يسد الباب أمام الفهم الأساسي.


[المصدر]

المثالية وأوهام الحب والسعادة لدى كيركيغارد

“إننا نصف أيقاظ مقارنةً بما يجب أن نكون عليه”، كما كتب (ويليام جيمس) في مفكرته (كيف نكون أشخاص إسثنائيين.)، “إننا  نستخدم جزءًا صغيرًا من مواردنا العقلية والبدنية الممكنة“. قبل قرن ونصف وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، جابه رائد من رواد العقول البشرية النيرة (سورين كيركيجارد) صراعاً مع المشكلة الأزلية المتمثلة في استغلال هذه  الموارد كاملة في تحقيق المثل العليا للفرد.

كتب (سورين كيركيجارد) في مذكرته والتي نشرت لاحقًا بإسم (مذكرات سورين كيركيجارد)، والتي فسر فيها الفيلسوف الدنماركي العظيم سبب كراهية الأعداء وهيمنة الأقليات وعن الخلاص من مرارة الألم الملازمة للإبداع. إذ يعتبر كيركيجارد أن العظمة متجسدة في الأفكار الموازية للطموح والتواضع.

وفي مدخل مقاله (يوميات نوفمبر 1846) كتب مايلي:

أدركت أكثر وأكثر أنني جُبلت لدرجة أنني لن أنجح في تحقيق مُثُلِي العليا، ومن منظور آخر، وتحديداً من منظورٍ إنساني، فإنني سأتخطى

الكثير من مثلي العليا. في حين يهدف معظم الناس عادة إلى تحقيق ُمثُل عليا، إسثنائية وعظيمة لن يبلغوها أبدًا. إذ أنني أشعر بالأسى والحزن الشديد لأن مُثُلي لم تشبعني يوماً. وإنني متأكد من أن الآخرين سيسخرون من مُثُلي تلك. لقد كان أسماها الزواج وتكريس حياتي لها.

وهأنذا، بعدما يئست من بلوغ هذا الهدف وصرت وحيدًا، وصرت مؤلفًا أيضًا، ومن يدري لربما أصير مؤلفًا مرموقًا.

لقد كنت قانعاً بإعتباري نصف مجنون، رغم أن هذا ليس سوى قالب سلبي بإعتباري جزءاً خارجاً عن المألوف، وقد يظل هذا القالب الأساسي يلازمني وبذلك لن أحقق شيئاً لكوني جزءًا ساكنًا وصغير جدًا.

إن ما جعل (كيركيجارد) استثنائيًا، على الرغم من رفضه لهذه الفكرة، هو قدرته على تحويل هذه الاستقلالية إلى قوة إحياء ومنح كلتا اعبائه؛ مثاليته الجامحة، وحزنه القاتل، بالمضي معه قدمًا وباتزان.

في مقال آخر بعنوان “كيف فهمت نشاطي ككاتب“، جسد (كيركيجارد) هذه الحالة بشكل جميل بوصفه:

لقد تصورت نفسي معتزمًا بالدفاع عما هو معتاد، في زمنٍ كهلٍ ومخيبٍ للآمال، وجعل إدراك هذا شيئًا مرغوبًا ومتاحًا لأخوتي في البشرية، ولأن الزمن قد يضلهم بالسعي وراء الأشياء النادرة والإستثنائية. فإنني فهمت أن مهمتي هي أن أكون هذا الشخص التعيس الذي لم يستطع إسعاد نفسه، والذي يحب جميع البشر ويرغب بمساعدتهم على وجه التحديد في تحقيق السعادة.

ويحذر (كيركيجارد) من جعل الجهد المبذول في إسعاد الآخرين مجرد وسيلةً لإرضاء الذات النرجسية:

لقد كنت شديد الحذر من أن تدنس جهودي بالغرور الساعي إلى تحقيق الذات. لقد خدمت الفكر والحقيقةر.. خدمت الحقيقة قبل كل شيء، فلم ابتغِ منها أي مقاصد علمانية أو دنيوية. لذا عملت بما أملاه علي ضميري.

في سيرته الذاتية بعنوان (مسار حياتي) الذي نشر عام 1852، كتب (كيركيجارد):

المثل الفضلى ليست بالفهم فحسب بل بالعمل، وتتضمن هذه تحمل جميع الأعباء المنطوية عليها.


[المصدر]

عالم الاجتماع (السيد ياسين)؛ الإرهاب كأعلى صوت لعراك العولمة


هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

في خضم معارك التجليات الحديثة لمابعد الحداثة تأتي العولمة أولاً لفرض الهيمنة على العالم، في حين يتجذر التراث داخل الذات كصورة هويّة،
بمثابة قالب ينصب فيه مجموع الانوات، بلغة أخرى اتحاد “الأنا” مع “نحن” حيث أنها تتكون من منظومة متماسكة من المفاهيم العقائدية والتراثية، الخبرات وكل الأوضاع التي مرت بها الجماعة والتي أفرزت سلوك علمي وفكري يطبع الجماعة بصفات معينة خاصة بها دون جماعات أخرى مما يجعلها متميزة عنها في اللغة، الدين، الثقافة،لتحقيق المكانة والتميز الاجتماعي و الإنتماء الذي هو أحد الحاجات الخمس التي ذكرها (أبراهام ماسلو) في هرم الحاجات الضرورية للإنسان لتوليد الإحساس بالأمان.

ولكي نفهم الإرهاب وطبيعته وأسبابه، لابد لنا في البداية أن نحلل وندرس بعمق ظاهرة التطرف الأيديولوجي، من حيث تعريفه ومصادره ونتائجه وطرق مواجهته.
في الفكر العلمي العالمي دراسات متعددة عن التطرف الأيديولوجي والإرهاب، بحيث يحار الباحث أي دراسة يعتمد عليها إن أراد أن يقدم تعريفاً للتطرف الأيديولوجي وأبعاده المتعددة بغير أن يغوص في خضم النظريات العلمية المتعمقة بلغتها الصعبة، التي ليس من السهل على القارئ العادي أن يلم بها ويفهمها.

عالم الاجتماع المصري (السيد ياسين) رحمه الله [1933-2017]، مهتم بالتحليل السياسي و السوسيولوجي والسيكولوجي للتطرف الإيديولوجي يذكر إنه “لا يمكن فهم الظاهرة الإرهابية إلا بوضعها في سياقها العالمي ونعني التوصيف الدقيق للتحولات الكبرى التي حدثت في العالم منذ أواخر القرن العشرين
أهم هذه التحولات على الإطلاق هو الانتقال من نموذج المجتمع الصناعي الذي عاش قروناً منذ قيام الثورة الصناعية إلى النموذج المعلوماتي العولمي ويمكن القول إن هذا النموذج الجديد لم يكن يمكن خلقة إلا بعد أن قامت ثورة الاتصالات الكبرى بمفرداتها الأساسية، وهي البث الفضائي التلفزيوني، والذي جعل البشر في كل أنحاء الأرض، على رغم تعدد الثقافات، يعيشون أحداث العالم السياسية والاقتصادية والثقافية في الزمن الواقعي لها مما جعل العالم كله متصلاً بعضه ببعض.
يُطرح سؤال عن آلية فهم مجتمع المعلومات العالمي بما يتضمنه من آليات تقع على المستوى الفردي ثم الإجتماعي والسياسي؟
يسلط الضوء (ياسين) على مقتضب جوهر نظرية كاستلز:

لقد نشأ بعد اختراع الإنترنت صراع ثنائي القطبية بين «الشبكة والذات»
ويقصد بالشبكة : التشكيلات التنظيمية الجديدة التي قامت على أساس الاستخدام الواسع المدى للميديا الاتصالية المتشابكة والتي تميز أكثر القطاعات الاقتصادية المتقدمة، وينطبق ذلك على الشركات الكبرى المتنافسة تنافساً شديداً، وكذلك بالنسبة للمجتمعات المحلية والحركات الاجتماعية، وأبرزها الحركات السياسية الاحتجاجية المضادة للنظم الشمولية والسلطوية، إضافة إلى الحركات المتطرفة بمختلف تنوعاتها، والتي أصبحت تملأ ساحة المعمورة.
وعن الذات: فيُرمز لها بالأنشطة التي يحاول فيها الناس تأكيد هوياتهم، وخصوصاً أننا نعيش عصر العولمة الذي يسعى إلى توحيد النظام الاقتصادي العالمي في ضوء فلسفة الليبرالية الجديدة، كما يطمح إلى فرض ثقافة عالمية غربية المنشأ قد تؤدي إلى زوال الثقافات الوطنية المحلية.

وعن اللاعب الأساسي في عراك هذا الثنائي لمحاولة صد الاعتداء الثقافي العالمي على هوياتهم الدينية أو الثقافية يؤكد لنا المفكر (ياسين):

أن الهوية الوسيلة المثلى ضد موجات العالمية الهادرة التي تحاول القضاء على الخصوصيات الثقافية، وخصوصاً بالنسبة لشعوب العالم الثالث.
ومن هنا بزغت تشكيلات اجتماعية جديدة تدور حول الهويات «الأولية» والتي قد يكون تركيزها على الدين أو السلالة أو القومية. وهذه الهويات ينظر إليها دعاتها وكأنها خلايا بيولوجية اجتماعية جبلية غير قابلة للتغيير، وذلك في مواجهة التغيرات السريعة التي يمكن أن تلحق بالآفاق الاجتماعية.

أما عن نوع أنماط الهوية التي يتبع تعريف كاستلز بأنها عملية بناء المعنى استناداً إلى سمة ثقافية ما أو بالنسبة لمجموعة سمات ثقافية تكون لها الأسبقية بالنسبة لمصادر المعنى الأخرى وتنقسم الى ثلاث:

الأولى هي: هوية إضفاء الشرعية التي تستند إليها المؤسسات المسيطرة في المجتمع لكي تبسط رواق سيطرتها على باقي الفاعلين.

وهناك هوية المقاومة وينتجها هؤلاء الذين يشعرون أن وضعهم أو ظروفهم تؤدي إلى استبعادهم بحكم منطق الهيمنة.

أما الهوية الأخيرة فهي المشروع المستقبلي التي تصوغها الحركات الاجتماعية التي تسعى إلى التغيير الشامل والانقلابي للمجتمع قد تلجأ في مراحل تطورها إلى القيام بالإرهاب الصريح.

والسؤال عن أغنى البحوث في مجال دراسة الإرهاب وقع اختيار المفكر على ماحرره دافيد تاهلر وآخرون في عام 2003 بحث بعنوان “تحسين مستوى فهم العسكريين الأميركيين للبيئات غير المستقرة المهيأة للجماعات المتطرفة التي تمارس العنف: استبصارات من العلم الاجتماعي” 
يبين بعض محتواه (السيد ياسين) فيقول:

المبهر في هذا البحث أنه تضمن مسحاً شاملاً لكل النظريات السائدة في العلم الاجتماعي بفروعه المختلفة، والتي تتعلق ببيئات الصراع القلقة من وجهة النظر العلمية. ليس ذلك فقط ولكن البحث حدد اثني عشر عاملاً من العوامل المرتبطة بالبيئات المعرضة للصراعات وبعد ذلك قدم مصفوفات متكاملة تبين أنواع التفاعل المختلفة بين هذه العوامل، وحلل البحث ثلاث نظريات سوسيولوجية هي:

  1. نظرية الصراع: التوزيع غير المتكافئ للقوة والموارد داخل المجتمعات ينتج الصراعات. وهذه الصراعات لديها القدرة على تغيير العلاقات الاجتماعية القائمة في هذا المجتمع.
  2. نظرية الحركة الاجتماعية:تطرح الإطار التصوري لفهم كيف ولماذا ينشأ العمل الجماعي والخلاف السياسي. إذ تفترض أن الأفراد يلجأون الى العمل الجماعي عبر طرق؛ بتعبئة الموارد، وتوفير الفرص ضمن سياق سياسي عام، وصياغة رسائل وخطابات منظمي الحركة، وتجادل نظرية تعبئة الموارد بأن نشوء الحركات أو أعمال التمرد، تحتاج لوجود مؤسسة والتدفق المستمر للموارد المادية والمالية والبشرية. وبالتالي فإن نجاح الحركة يعتمد على مدى حشد هذه الموارد.
  3. نظرية «الشبكة الاجتماعية» وهي ميدان سوسيولوجي واعد لفهم واستدامة العمل الجماعي، وكذلك التمرد. فتقدم النظرية إطاراً لدراسة بناء الشبكات وقوة العلاقات بين أعضاء الشبكة، تجادل النظرية بأن بنية الشبكة ورصد العلاقات الناشئة بين أعضاء الجماعة وفي تشكيل هوية الأفراد الأكثر نفوذاً، وتقيس العلاقات والتفاعلات بين الفاعلين الأفراد داخل الشبكة، وتستخدم مخططات الشبكة لفهم تدفق السلطة والموارد؛ المال، والمرافق، المعدات، والمعلومات عبر التنظيم وكيف تؤثر الشبكة على تجنيد المؤيدين.

وفي التساؤل عن موقع تمثل مشكلة التطرف الإيديولوجي:

يذكر أن المشكلة الرئيسية بالنسبة للتطرف وخصوصاً في الصراعات الممتدة، لا تتمثل في عنف الأنشطة التي تقوم بها الجماعات المتطرفة ولكنها في الاتجاهات المتطرفة التي تتمثل في جمودها وثباتها وعدم تسامحها مع الغير، وبالتالي عدم قابليتها للتغير.

وهنا يتضح الانشطار الثقافي وتوسع دائرة الهوة بين نوعان من الإتجاهات يتبنى أحدهما الخطاب العصري والثاني التقليدي ويقرر سماته الأساسية:

أنه يتشبث بالماضي، وهذا الماضي المختار المتخيل يختلف بحسب هوية صاحب الخطاب. وهو خطاب يهرب من مواجهة الواقع، ولا يعترف بالتغيرات العالمية، أو على الأقل يحاول التهوين من شأنها، أو يدعو بصورة خطابية للنضال ضدها، بدون معرفة القوانين التي تحكمها. ومن سماته أيضا إلقاء مسئولية القصور والانحراف على القدر أو الضعف البشرى أو على الأعداء.

عن علاقة الجنون بالفن، يكتب محمد صادق دياب

محمد صادق دياب (1943-2011) أديب وكاتب سعودي ولد بمدينة جدة، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي فيه، ثم حصل على بكالوريوس التربية وعلم النفس من كلية التربية في جامعة أم القرى عام 1390 هـ، بعدها تحصل دياب على الماجستير في علم النفس التربوي من جامعة ويسكنسن الأمريكية عام 1976 وحصل على شهادة الدكتوراة عام 2009 في علم الاجتماع لكنه لم يود ان يلقب بالدكتور .

في كتابه (عباقرة الفن والأدب، جنونهم وفنونهم)، كتب (محمد صادق دياب) فصلًا عن علاقة الجنون بالفن، فيقول استفتاحًا:

إذا لم يكن الشعر أقدم الفنون في الجزيرة العربية فإنه بالتأكيد أبرزها وبالتالي فإن شخصية الشاعر تبدو وكأنها النموذج الأول للشخصيات الفنية التي احتك بما المجتمع العربي في جاهليته فاستثارت غرابتها لديه كوامن الخيال بحثًا عن تفسير ممكن أو مستحيل يبرر حالة الخروج عن الاعتيادية في شخصية الشاعر أو الفنان.

[…] وحالة الدهشة هذه التي سببتها الشخصية الفنية من خلال غموضها وتميزها لم تقتصر على المجتمع العربي وحده فلقد ظهر في أوروبا في فترات متأخرة من يتشكك حتى في سلامة الفنان العقلية يدعم ذلك آراء مجموعة من علماء التحليل النفسي ترى أن الإبداع الفني عبارة عن ظاهرة بيولوجية نفسية ويفترض النظر إليه على أنه تعويض تصعيدي عن رغبات غريزية أساسية ظلت بلا ارتواء بسبب عوائق في العالم الداخلي أو الخارجي وأن الإبداع الفني لا يصفى دائمًا الصرعات في أكثر الأحيان معرضًا لضروب الإخفاق والعصاب غير أن الإبداع الفني يحرره بمقدار ما يبدع.

يذكر بعد ذلك (محمد دياب) السبب وراء هذه الآراء، فيقول:

ولعل مما أسهم في قبول مثل هذه الآراء ما لوحظ ويلاحظ على سلوكيات مجموعة من عباقرة الفن والأدب مثال (فان كوخ) و(هنريك أبسن) و(ديكينز) و(زولا) و(بلزاك) و(روسو) وغيرهم. 

فلو تأملنا حياة ذلك الرسام العبقري (فان كوخ) لاعترتنا الدهشة ونحن نقرأ كيف قطع أذنه نادما على شجار مع صديق وكيف وضعها بعد ذلك داخل مناديل ليقدمها إلى حبيبته كبرهان على صدق حبه لأنها قد طلبت أذنه ذات مرة وهي تداعبه.

ونمضي في متابعة سيرة هذا العبقري وهو يقضي جزءًا من عمره في المصحات العقلية قبل أن تصل مأساويته إلى ذروتها بإطلاق النار على نفسه ليسدل الستار على حياة حافلة بالفنون والجنون وبالعطاء والشقاء.

[…] وسوف نتاجوز ما يقال عن الروائي (بلزاك) ووقوعه تحت تأثير فكرة التشاؤم والتفاؤل بصورة متطرفة كما سنتجاوز وقوع الفيلسوف والكاتب (جان جاك روسو) تحت هيمنة نزعة الشك في كل من حوله […] ولكننا سنتأمل مجموعة المنتحرين من عباقرة الفن والأدب ونحن نضع في اعتبارنا أن لحظة الانتحار غالبًا ما تنبت في ذرى الجنون فتهزنا وجوه وأسماء كبيرة أمثال الروائي الياباني (ياسوناري كاواباتا) الذي انتحر بطريقة “الهاراكيري” الشهيرة وكذلك (همنجواي) الذي أنهى حياته بطلقة من مسدسه ولن نستطيع تجاوز الحديث في هذا المجال قبل أن تستوقفنا أسماء وشخصيات أخرى كشخصية الرسام المصري الشهير (صلاح جاهين) الذين أنهى حياته بجرعة كبيرة من المهدئات وهو نفس الأسلوب الذي اتبعه القاص الأمريكي (جاك لندن) لإسدال الستار.

كل هذه السلوكيات تضافرت مع آراء علماء التحليل النفسي رافعة أصابع الاتهام بمرض الفنان.

ينتقل بعد ذلك (محمد دياب) إلى المدافعين عن الفنان، فيقول:

هناك مستويان من الدفاع حظي بهما الفنان في هذه القضية .. فالبعض لم يكنر عصابية الفنان ولكن حاول أن يكسب هذا العصاب شيئًا من الإيجابية بينما أنكر البعض هذا الاتهام في مجمله.

يستعرض بعد ذلك عددًا من المدافعين عن الفنان. فيكتب (دياب):

يقول (ترلنج): “إنه ليس من شك في أن ما نسميه مرضًا عقليًا يمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة الروحية. فبعض العصابين من الناس قادرين على أن يروا أجزاء معينة من الواقع وأن يروها في قوة أكثر مما يستطيع غيرهم ذلك، إنهم أكثر قدرة على الفهم من الناس العاديين وكثير من مرضى العصاب أو العقل يكونون في أحوال بعينها أقرب صلة بواقع اللاشعور من الناس السويين .. وأكثر من هذا فالمحتمل أن يكون التعبير عن المعنى العصابي أو العقل المرضي للواقع أكثر كثافة وحدة من التعبير العادي”.

[…] كما يحاول الدكتور (سامي الدوروبي) في كتابه القيم (علم النفس والأدب) أن يفرد فصلًا خاصًا بعنوان “التحليل النفسي للأديب” حاول فيه مناقشة بعض آراء علماء التحليل النفسي مؤكدًا أنه ليس من المحتم أن مظاهر العصاب التي نلاحظها على الفنان هي التي تدفع إلى الإبداع الفني ويتساءل أي هذين الأمرين نتيجة وأيهما سبب؟ أيهما علة وأيهما معلول؟ هل أصبح فنانًا لأنه عصابي أم أنه أصبح يتصف بكثير من صفات العصابين لأنه فنان ويستعرض رأي (يونج) الذي يميل إلى الأخذ بالتفسير الثاني والذي يشير إلى أن القوة الإبداعية تمتص شتى الحوافز البشرية.

يختتم (دياب) الفصل، قائلًا:

والخلاصة التي نستخرجها من هذه المناقشة هي أن شخصية الفنان “العبقري” بجنونه وفنونه لا تزال لغزًا يستعصي بل ويتمرد على تفسيرات العلم وعبثًا تسعى السيكولوجية إلى التأطير الإبداع وكشف جوهر العبقرية المبدعة رغم محاولتها إرجاع ذلك إلى ارتفاع نسبة الذكاء كما جاء في دراسة (كوكس) Cox إلى القدرة الخاصة كما وردت في دراسة (سوبر) Super أو الوظائف النفسية كما يشير (جليفورد).

الخيال عند إنسان مابعد الحداثة

رانيير فونك، مواليد 1943، وهو فيلسوف ألماني معاصر.

في كتابه (الأنا والنحن ؛ التحليل النفسي لإنسان مابعد الحداثة)، يستفتح (رانيير) كلامه بأن يقول:

لا تتحول القدرة الذاتية أو الكفاءة الخاصة إلى خاصية ذاتية أو ملك ذاتي إلا عن طريق ممارستها وبالتالي فإن التمرين وحده هو الذي يحافظ على قدرة معينة من القدرات الإنسانية.

إن الذي لم يعد يمارس قدرته على التخيل، يصبح دون تخيل ويكون عليه تعويض عجزه على التخيل ونقص الصور والتمثلات الداخلية عن طريق تقنيات إنتاج التخيل أو عن طريق استهلاك الصور الخارجية الخيالية. ذلك أن التخيل هو نتيجة صور التمثل الداخلية، نتوقع من خلالها أوضاعًا واقعية معينة ونحاكيها ونكررها، دون أن نعيشها بالفعل أو دون أن نكون مضطرين لعيشها.

ويكمل حديثه عن الخيال فيقول:

تحقق التخيلات أهدافًا مختلفة. يمكنها أن تستعمل للهروب من الواقع واللجوء إلى أحلام اليقظة ويمكنها أن تعوض الشريك إذا كانت تخيلات جنسية أو المساهمة في تكثيف الإشباع الجنسي، كما أنها تمكن من معاش الحرية والتصالح والخلاص، إذا كانت ذات طبيعة دينية. وقد تسمح بمعاش التقليل من العجز وتزيد في القوة الذاتية إذا عيشت كتهديد أو اضطهاد أو إدانة. وقد تقلل من عتبة ممارسة العنف في الواقع. وعلى الرغم من أن التخيلات لا تكون دائمًا مفيدة، بل قد تكون هدامة أو مليئة بالخيال القسري، فإنها تمثل مبدئيًا قدرة إنسانية مهمة للغاية.

دون صور خيالية داخلية، لن يكون هناك فن ولا أدب ولا شعر ولا أفلام ولا علم ولا رؤى ولا اكتشافات ولا يوطيوبيات ولا أمل. ذلك أن القدرة على التخيل هي قدرة إنسانية أساسية، تشبه القدرة على التفكير وعلى وعي الذات.

ثم يتطرق إلى ضياع القدرة على التخيل، قائلا:

يمكن أن تضيع القدرة على التخيل، عندما لا تُمارس. كما أن التصور المُقدّم/ المقترح بقوة يقود إلى تقلص القدرة على التخيل، ذلك أن سرعة تتابع الصور تعيق صور الخيال، بل تُعوضها. وعلى الرغم من كل تعويض، لا تمارس القدرة على التخيل إلا بقدر قليل جدًا وتفقد قوتها وأرضيتها / أساسها. وفي الوقت نفسه يزيد غياب التخيل بطريقة تصبح فيها القدرة على التخيل مُحددة وتابعة أكثر فأكثر للصور الخيالية المُقدمة.

تنتمي الصور الخيالية والخيال بالفعل وبقوة إلى حياتنا اليومية، بيحث إنه لا يمكن التفكير في أي حياة ولا في أي تنظيم بدونها. حتى وإن لم تكن هناك أي حياة خالية من الخيال، بل حياة لم يعد المرء فيعا ينتج أفكاره الخاصة، وبالمقارنة مع تطور العنصر البشري، لم يعد للإنسان أي تفكير خاص، بل يستهلك فقط ما يُعرض أمامه. لا يوجد التخيل الذاتي إذن إلا كتخيل مكتسب وكصور مقتبسة من الخيالات المقترحة.

ويختتم حديثه، فيقول:

تكمن نتيجة فقدان الخيال بسبب إمكانيات مشاهدة الصور في ارتفاع الملل. فعندما لا يُمارس النشاط العقلي الداخلي الذاتي / الخاص ويُعوض بما يُقدم للمرء من صور، فإن المرء يكون في حاجة إلى مؤثرات وتنشيط خارجية، لتجاوز الموت والملل.