خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | علم النفس والاجتماع

ماذا يمكن أن تقدم لنا علوم النفس والاجتماع من معرفة ؟ كيف يمكن أن نستفيد منها ونستلهم منها ؟

عن علاقة الجنون بالفن، يكتب محمد صادق دياب

محمد صادق دياب (1943-2011) أديب وكاتب سعودي ولد بمدينة جدة، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي فيه، ثم حصل على بكالوريوس التربية وعلم النفس من كلية التربية في جامعة أم القرى عام 1390 هـ، بعدها تحصل دياب على الماجستير في علم النفس التربوي من جامعة ويسكنسن الأمريكية عام 1976 وحصل على شهادة الدكتوراة عام 2009 في علم الاجتماع لكنه لم يود ان يلقب بالدكتور .

في كتابه (عباقرة الفن والأدب، جنونهم وفنونهم)، كتب (محمد صادق دياب) فصلًا عن علاقة الجنون بالفن، فيقول استفتاحًا:

إذا لم يكن الشعر أقدم الفنون في الجزيرة العربية فإنه بالتأكيد أبرزها وبالتالي فإن شخصية الشاعر تبدو وكأنها النموذج الأول للشخصيات الفنية التي احتك بما المجتمع العربي في جاهليته فاستثارت غرابتها لديه كوامن الخيال بحثًا عن تفسير ممكن أو مستحيل يبرر حالة الخروج عن الاعتيادية في شخصية الشاعر أو الفنان.

[…] وحالة الدهشة هذه التي سببتها الشخصية الفنية من خلال غموضها وتميزها لم تقتصر على المجتمع العربي وحده فلقد ظهر في أوروبا في فترات متأخرة من يتشكك حتى في سلامة الفنان العقلية يدعم ذلك آراء مجموعة من علماء التحليل النفسي ترى أن الإبداع الفني عبارة عن ظاهرة بيولوجية نفسية ويفترض النظر إليه على أنه تعويض تصعيدي عن رغبات غريزية أساسية ظلت بلا ارتواء بسبب عوائق في العالم الداخلي أو الخارجي وأن الإبداع الفني لا يصفى دائمًا الصرعات في أكثر الأحيان معرضًا لضروب الإخفاق والعصاب غير أن الإبداع الفني يحرره بمقدار ما يبدع.

يذكر بعد ذلك (محمد دياب) السبب وراء هذه الآراء، فيقول:

ولعل مما أسهم في قبول مثل هذه الآراء ما لوحظ ويلاحظ على سلوكيات مجموعة من عباقرة الفن والأدب مثال (فان كوخ) و(هنريك أبسن) و(ديكينز) و(زولا) و(بلزاك) و(روسو) وغيرهم. 

فلو تأملنا حياة ذلك الرسام العبقري (فان كوخ) لاعترتنا الدهشة ونحن نقرأ كيف قطع أذنه نادما على شجار مع صديق وكيف وضعها بعد ذلك داخل مناديل ليقدمها إلى حبيبته كبرهان على صدق حبه لأنها قد طلبت أذنه ذات مرة وهي تداعبه.

ونمضي في متابعة سيرة هذا العبقري وهو يقضي جزءًا من عمره في المصحات العقلية قبل أن تصل مأساويته إلى ذروتها بإطلاق النار على نفسه ليسدل الستار على حياة حافلة بالفنون والجنون وبالعطاء والشقاء.

[…] وسوف نتاجوز ما يقال عن الروائي (بلزاك) ووقوعه تحت تأثير فكرة التشاؤم والتفاؤل بصورة متطرفة كما سنتجاوز وقوع الفيلسوف والكاتب (جان جاك روسو) تحت هيمنة نزعة الشك في كل من حوله […] ولكننا سنتأمل مجموعة المنتحرين من عباقرة الفن والأدب ونحن نضع في اعتبارنا أن لحظة الانتحار غالبًا ما تنبت في ذرى الجنون فتهزنا وجوه وأسماء كبيرة أمثال الروائي الياباني (ياسوناري كاواباتا) الذي انتحر بطريقة “الهاراكيري” الشهيرة وكذلك (همنجواي) الذي أنهى حياته بطلقة من مسدسه ولن نستطيع تجاوز الحديث في هذا المجال قبل أن تستوقفنا أسماء وشخصيات أخرى كشخصية الرسام المصري الشهير (صلاح جاهين) الذين أنهى حياته بجرعة كبيرة من المهدئات وهو نفس الأسلوب الذي اتبعه القاص الأمريكي (جاك لندن) لإسدال الستار.

كل هذه السلوكيات تضافرت مع آراء علماء التحليل النفسي رافعة أصابع الاتهام بمرض الفنان.

ينتقل بعد ذلك (محمد دياب) إلى المدافعين عن الفنان، فيقول:

هناك مستويان من الدفاع حظي بهما الفنان في هذه القضية .. فالبعض لم يكنر عصابية الفنان ولكن حاول أن يكسب هذا العصاب شيئًا من الإيجابية بينما أنكر البعض هذا الاتهام في مجمله.

يستعرض بعد ذلك عددًا من المدافعين عن الفنان. فيكتب (دياب):

يقول (ترلنج): “إنه ليس من شك في أن ما نسميه مرضًا عقليًا يمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة الروحية. فبعض العصابين من الناس قادرين على أن يروا أجزاء معينة من الواقع وأن يروها في قوة أكثر مما يستطيع غيرهم ذلك، إنهم أكثر قدرة على الفهم من الناس العاديين وكثير من مرضى العصاب أو العقل يكونون في أحوال بعينها أقرب صلة بواقع اللاشعور من الناس السويين .. وأكثر من هذا فالمحتمل أن يكون التعبير عن المعنى العصابي أو العقل المرضي للواقع أكثر كثافة وحدة من التعبير العادي”.

[…] كما يحاول الدكتور (سامي الدوروبي) في كتابه القيم (علم النفس والأدب) أن يفرد فصلًا خاصًا بعنوان “التحليل النفسي للأديب” حاول فيه مناقشة بعض آراء علماء التحليل النفسي مؤكدًا أنه ليس من المحتم أن مظاهر العصاب التي نلاحظها على الفنان هي التي تدفع إلى الإبداع الفني ويتساءل أي هذين الأمرين نتيجة وأيهما سبب؟ أيهما علة وأيهما معلول؟ هل أصبح فنانًا لأنه عصابي أم أنه أصبح يتصف بكثير من صفات العصابين لأنه فنان ويستعرض رأي (يونج) الذي يميل إلى الأخذ بالتفسير الثاني والذي يشير إلى أن القوة الإبداعية تمتص شتى الحوافز البشرية.

يختتم (دياب) الفصل، قائلًا:

والخلاصة التي نستخرجها من هذه المناقشة هي أن شخصية الفنان “العبقري” بجنونه وفنونه لا تزال لغزًا يستعصي بل ويتمرد على تفسيرات العلم وعبثًا تسعى السيكولوجية إلى التأطير الإبداع وكشف جوهر العبقرية المبدعة رغم محاولتها إرجاع ذلك إلى ارتفاع نسبة الذكاء كما جاء في دراسة (كوكس) Cox إلى القدرة الخاصة كما وردت في دراسة (سوبر) Super أو الوظائف النفسية كما يشير (جليفورد).

الخيال عند إنسان مابعد الحداثة

رانيير فونك، مواليد 1943، وهو فيلسوف ألماني معاصر.

في كتابه (الأنا والنحن ؛ التحليل النفسي لإنسان مابعد الحداثة)، يستفتح (رانيير) كلامه بأن يقول:

لا تتحول القدرة الذاتية أو الكفاءة الخاصة إلى خاصية ذاتية أو ملك ذاتي إلا عن طريق ممارستها وبالتالي فإن التمرين وحده هو الذي يحافظ على قدرة معينة من القدرات الإنسانية.

إن الذي لم يعد يمارس قدرته على التخيل، يصبح دون تخيل ويكون عليه تعويض عجزه على التخيل ونقص الصور والتمثلات الداخلية عن طريق تقنيات إنتاج التخيل أو عن طريق استهلاك الصور الخارجية الخيالية. ذلك أن التخيل هو نتيجة صور التمثل الداخلية، نتوقع من خلالها أوضاعًا واقعية معينة ونحاكيها ونكررها، دون أن نعيشها بالفعل أو دون أن نكون مضطرين لعيشها.

ويكمل حديثه عن الخيال فيقول:

تحقق التخيلات أهدافًا مختلفة. يمكنها أن تستعمل للهروب من الواقع واللجوء إلى أحلام اليقظة ويمكنها أن تعوض الشريك إذا كانت تخيلات جنسية أو المساهمة في تكثيف الإشباع الجنسي، كما أنها تمكن من معاش الحرية والتصالح والخلاص، إذا كانت ذات طبيعة دينية. وقد تسمح بمعاش التقليل من العجز وتزيد في القوة الذاتية إذا عيشت كتهديد أو اضطهاد أو إدانة. وقد تقلل من عتبة ممارسة العنف في الواقع. وعلى الرغم من أن التخيلات لا تكون دائمًا مفيدة، بل قد تكون هدامة أو مليئة بالخيال القسري، فإنها تمثل مبدئيًا قدرة إنسانية مهمة للغاية.

دون صور خيالية داخلية، لن يكون هناك فن ولا أدب ولا شعر ولا أفلام ولا علم ولا رؤى ولا اكتشافات ولا يوطيوبيات ولا أمل. ذلك أن القدرة على التخيل هي قدرة إنسانية أساسية، تشبه القدرة على التفكير وعلى وعي الذات.

ثم يتطرق إلى ضياع القدرة على التخيل، قائلا:

يمكن أن تضيع القدرة على التخيل، عندما لا تُمارس. كما أن التصور المُقدّم/ المقترح بقوة يقود إلى تقلص القدرة على التخيل، ذلك أن سرعة تتابع الصور تعيق صور الخيال، بل تُعوضها. وعلى الرغم من كل تعويض، لا تمارس القدرة على التخيل إلا بقدر قليل جدًا وتفقد قوتها وأرضيتها / أساسها. وفي الوقت نفسه يزيد غياب التخيل بطريقة تصبح فيها القدرة على التخيل مُحددة وتابعة أكثر فأكثر للصور الخيالية المُقدمة.

تنتمي الصور الخيالية والخيال بالفعل وبقوة إلى حياتنا اليومية، بيحث إنه لا يمكن التفكير في أي حياة ولا في أي تنظيم بدونها. حتى وإن لم تكن هناك أي حياة خالية من الخيال، بل حياة لم يعد المرء فيعا ينتج أفكاره الخاصة، وبالمقارنة مع تطور العنصر البشري، لم يعد للإنسان أي تفكير خاص، بل يستهلك فقط ما يُعرض أمامه. لا يوجد التخيل الذاتي إذن إلا كتخيل مكتسب وكصور مقتبسة من الخيالات المقترحة.

ويختتم حديثه، فيقول:

تكمن نتيجة فقدان الخيال بسبب إمكانيات مشاهدة الصور في ارتفاع الملل. فعندما لا يُمارس النشاط العقلي الداخلي الذاتي / الخاص ويُعوض بما يُقدم للمرء من صور، فإن المرء يكون في حاجة إلى مؤثرات وتنشيط خارجية، لتجاوز الموت والملل.

كيف أصبحت المرأة هي الآخر؟ برأي دي بوفوار

سيمون دي بوفوار (1908-1986) كاتبة ومفكرة فرنسية، وفيلسوفة وجودية ونسوية إضافة إلى أنها منظرة اجتماعية. كتبت (دي بوفوار) العديد من الروايات والمقالات والسير الذاتية ودراسات حول الفلسفة والسياسة وأيضاً عن القضايا الاجتماعية. اشتهرت (سيمون دي بوفوار) برواياتها اشتهرت بكتابها (الجنس الآخر) والذي كان عبارة عن تحليل مفصل حول اضطهاد المرأة وبمثابة نص تأسيسي للنسوية المعاصرة.

تقول (سيمون دي بوفوار) في كتابها (الجنس الآخر):
نحن لا نولد نساء ولكن نصبح كذلك
وتطرح سؤالا عميقا، “كيف وصل الحال بالمرأة إلى ماهو عليه اليوم؟ أي أن تكون الآخر”.
أوضحت (دي بوفوار) أن المعطيات البيولوجية التي حددت مفهوم الذكر والأنثى بالأعضاء التناسلية ليست مبررا لاعتبار المرأة هي الجنس الآخر، ولا يمكن تقرير مصير المرأة النهائي بناء على تلك المعطيات، كما أنها لا تحدد التمايز بين الجنسين، وأحالت (دي بوفوار) رأيا آخرا من أجل تفسير الآخر بناءً على نظرية (فرويد) الذي يرى أن النقص عند المرأة هو حرمانها من العضو الذكري على اعتبار أنه رمز الامتيازات الممنوحة للصبيان، وبالتالي فإن وجهة نظر التحليل النفسي للمرأة لا تعطي إقناعا كافيا باعتبار المرأة الجنس الآخر.
إذن كيف أصبحت المرأة هي الآخر؟ لو أحلنا الأسباب التاريخية كسبب مباشر لاعتبار المرأة الجنس الآخر، فإننا بالتالي لن نحصل على الإجابة المقنعة.
المجتمع الإنساني كان أمميا وفي العصور المتلاحقة تدرجت المرأة حتى غدت في سيطرة الرجل، وهي السيطرة الأبوية القائمة على الملكية الفردية، وأصبحت المرأة تابعة للرجل باعتبارها ملكه الخاص.
ومنذ تلك الفترة والمرأة تعيش في صراع داخلي حول أنوثتها وكيانها المنفصل، فالفتاة تربى لتصبح امرأة ثم زوجة تابعة لزوجها وخاضعة له بحيث تجد نفسها جنسا آخرا لا وجود له دون الرجل صاحب الكيان المستقل الذي يخضعها لرغباته، وبحسب (دي بوفوار) إن الرجل هو الذي يمسك زمام المبادرة في أغلب الأحيان، وحين تصبح زوجة فإن البيت هو ملاذها ترعى شؤون المنزل و الأطفال.
وهذا يحيلنا إلى حقيقة واضحة وجلية، أن المرأة هي التي جعلت نفسها الآخر، رضيت بمصيرها المحتوم كزوجة وأم، وفرضت عليها نشأتها الاجتماعية أن تكون آخرا مجرد متاع للرجل، خادمة مطيعة في بيت زوجها، لا تنفك عنه فهي جزء من الآخر استسلمت فيه للمجتمع وقيمه، ولم تحاول التمرد. مقتنعة من أنها الآخر، لم تحاول الخروج من عباءة الرجل، ولم تحاول أن تعبر عن رأيها خوفا من هجر الرجل لها ومن نظرة المجتمع.
وقد تطرقت (سيمون دي بوفوار) في كتابها (الجنس الآخر) إلى نقاط مهمة، أن المرأة لا تؤمن بتحريرها، في الحقيقة الحرية تختلف من شخص إلى آخر، هناك نساء مقتنعات بحدود الحرية المتاحة إليهن ويعتبرونها الحرية المنشودة حتى وإن ظلت قابعة في المنزل، فهي ترى حريتها ضمن نطاق منزلها، وتلك أنموذج لامرأة رضخت للواقع ونظام الحياة الذي نعيشه، مؤمنة بقيم مجتمعها و أعرافه فهي تجد في معنى الحرية الفضفاض انحلال أخلاقي.
وعلى النقيض تماما فهناك نساء تمردن على عادات المجتمع وقيوده، ويجدن في الحرية منطلقا لتحقيق رغباتهن وأحلامهن، فالحرية بمعناها الواسع حرية الفكر والتعبير.
أما النقطة الأخرى التي أتارثها (دي بوفوار)، أننا إذا حررنا المرأة فإننا نحرر الرجل ولكنه يخشى ذلك، فهل يخشى الرجل الحرية أم تفوق المرأة عليه؟ هل لأن الرجل بطبيعته مسيطر ويرى نفسه أنه قوي ليمتلك إنسانا ضعيفا هو المرأة ؟.
إن الرجل أيضا مسلوب الإرادة في مجتمعه، يمارس عليه القمع ولا يستطيع التعبير عن رأيه بحرية، لذا فنراه يسيطر على المرأة الضعيفة، لأنه أصلا ضعيف أمام السلطة، وبالتالي فإن المرأة والرجل لن يتحررا مادامت الأنظمة السياسية والاقتصادية غير حرة.
و لربما سيطرة تلك الأنظمة السياسية و الاقتصادية على الرجل جعلته يعتبر المرأة هي الآخر باعتبارها الحلقة الأضعف، محتاجة له متناسيا حقيقة مهمة أنه كذلك لا يمكن الاستغناء عن المرأة فحاجته إليها أكثر من حاجتها إليه.
إن الصراع بين الذكورة والأنوثة لا يزال قائما، كل يحاول الانتصار لنفسه، إلا أن الذكورة انتصرت لأنها تعيش في ظل مجتمع ذكوري يعتمد على حقائق واهية وغذت الأنوثة هي الآخر لأنها تعيش في صراع ذاتي مذبذبا فلم تستطع أن تدافع عن نفسها ولا أن تدافع عن حريتها.

عن التغلب على القلق كما تراه د.فلانيقان

Coping-With-Anxiety-and-Depression-722x406

نشرت Brain & Behavior Research Foundation and Anxiety and Depression Association of America مقالة للدكتورة (روبن ل. فلانيقان) عن التغلب على القلق، ننشره لكم هنا بترجمة حصرية لدى ساقية:

عندما كان أسلافنا القدامى بحاجة للهروب من الضباع الضخمة وأسود الكهف فإن آلية البقاء المهمة تهيؤ الجسم لمواجهة التهديدات. استجابة “القتال أو الطيران أو التجمد” والتي تثير جهازنا بالهرمونات كالأدرينالين والكورتيزول من أجل رفع مستويات الطاقة وتحد من الحواس فهي تثير البشر بشدة.

قد نظل نواجه في الحياة الحديثة إثارة أو مطالبة أو ربما حالات خطيرة. لكن جهاز التنبيه الداخلي لدى البعض تثيره المشاكل الحقيقية بشكل أقل من الضغوطات اليومية وعقولنا.

عندما يحدث ذلك فأننا نسميه القلق. وعندما يحدث على أساس ثابت أو بدرجة كبيرة فإننا نسميه اضطراب القلق.

“يخدعنا القلق بالتفكير على أنه سيحمينا لكن يتجه إلى أن يصبح قلق مزمن فيجعلنا قلقين أكثر”، يقول البروفيسور الطبيب النفسي (باتريكا ثورنتون) في مدينة نيويورك المتخصص في علاج اضطراب القلق.

عندما يستعد الجهاز العصبي السيمباثاوي لتهيأة الجسم للعراك لأي سبب كان سواء حقيقي أو خيالي فكل عضو في الجسم -وذلك يشمل الدماغ- يدخل في العمل. للمبتدئين فإن معدل ضربات القلب تتسارع وتفرز الكبد مزيدا من الجلوكوز وتمسك الرئتين مزيدا من الأكسجين. يعنبر التعرق و وحالة فرط التهوية فروع لهذه العملية.

عمل الجهاز العصبي السمبتاوي هو عودة الدماغ والجسم لحالة الهدوء.


بسبب بعض المزيج من الوراثة وعلم النفس والشخصية فإن الناس تشتعل بسهولة ولديها وقت أصعب للدعم من الرمز الأحمر.

هنالك العديد من الأدلة التي تربط استجابة الإجهاد المفرط بالحالات الطبية كمرض القلب وارتفاع ضغط الدم واضظرابات الدماغ مثل الاكتئاب والقلق والإدمان.

من الممكن أن تكون أعراض القلق جانب من الاكتئاب ففي الحقيقة تثبت البحوث أن نسبة  المصابين باضطراب الاكتئاب يصلون إلى ثلاثة أرباع الناس وتكون لديهم خصائص للقلق أثناء الحالة الاكتئابية و/أو تعايش اضطراب القلق.

عادة ما يكون تشخيص القلق عندما تبدأ الأعراض بشكل ملاحظ كتسارع الأفكار والأرق والألم الجسدي كالغثيان وتحصل بأكثر من ستة أشهر بشكل مستقل عن أي حالة اكتئابية وتؤثر بشكل كبير على الأداء في المنزل والعمل والمدرسة. تؤثر اضطرابات القلق من ٢٠ إلى ٢٥ بالمئة من الأمريكين الشمالين.

الشعور بالقلق في بعض الحالات قد يجعلك أكثر إنتاجية ونجاح مثل عندما تدرس جيدا لاختبار صعب متوتر منه. في كثير من الأحيان تميل اضطرابات القلق إلى تقليص الحواجز في حياتك.

إذا كنت تخاف من الطيران فقد لا تستطيع اقناع حلمك للذهاب خارجا. من الصعب تكوين صداقات إذا كانت النشاطات الإجتماعية تسبب لك الهلع. مجموعة المخاوف غير العقلانية سوف تستنزف طاقتك وانتباهك من الأشياء الأخرى.

لكن العلاج بالأدوية والعلاج النفسي وطريقة إدارة الضغط عموما جدا فعال.


مواجهة المخاوف

لأن القلق قد يأخذ أشكال عديدة فإنه يجب أن يتناسب العالج بالحديث لبعض الأعراض على سبيل المثال فإن العلاج السلوكي المعرفي يعمل جيدا على  القلق غير العائم من اضطراب القلق المعمم. يتمركز هذا العلاج حول تغيير طريقة تفكيرك وبالتالي يتغير شعورك وتصرفك.

يقول  عالم النفس السريري الدكتور (نايك فوراند) مدير العلاج النفسي القائم على الأدلة  وأستاذ مساعد  بجامعة هفسترا نورثويل  في قسم الطب في لونج ايلاند: “تعد معرفة إدارة العقل القلق مهارة لكن يمكن أن تتعلم كيف تصبح شخص نشيط ووقور  وموضوعي أكثر ومتجهز بشكل أفضل للحالات التي تعلم أنك ستكون بها قلقا”.

يمكن أن يؤدي  الإزعاج -الاجترار- إلى استجابة الضغط. لذا يمكن  توقع الأسوأ -التفكير الكارثي-، لا يهم ظهور عدم منطقيته.

يشرح (فوراند) أن مع الاكتئاب والتوتر “الأفكار تميل باتجاه الكارثة”. “نحن نعلم الناس كيف يقومون باستجواب تلك الأفكار  لتكون نوعاما موضوعية حول تلك التنبؤات التي  يفعلونها. ماهي حقيقة الأرجحية التي ستحصل وأين الدليل؟ قد سبق لك وكنت بهذه الحالة وماذا حصل؟”

مذكرات (فوراند) التي تصحح تنبؤاتك غالبا ما تتطلب  وضع نفسك في الحالة التي تجعلك قلقا. إنه من الطبيعي محاولة تجنب الأشياء التي تجعلك منعزلا  سواء متحدث منعزل أو  عامي. لكن في كل مرة تنجو من شيء أو نشاط لعين  فإن لديك دليل أنه لم يتم العثور على مخاوفك.

مواجهة مخاوفك  بطريقة آمنة ومدارة  في جوهر العلاج بالتعرض  والذي يعد فعالا لبعض الرهاب.

وفقا لما تقوله الدكتورة (إلينا دينيسوف) المديرة العيادية في العلاج النفسي أن ممارسة  العلاج المعرفي السلوكي  ترتبط بمدينة تورونتو  أنه من المهم الخروج من استجاية ضغط الجسم بشكل آمن. فهي تستعمل”الركض بفزع” و للتوضيح: انفجار الأدرينالين الذي يقود “الهروب من الكلب الهائج” وتيرة تستمر وقت طويل فقط.

وتقول: “لتغيير السلوك فإنك تحتاج أن تبقى في الحالة لوقت طويل بشكل كاف  حتى يقل القلق بشكل طبيعي من نفسه. ومع الاكتشاف المتكرر  فإن المخ يتعلم أن حالة الخوف ليست كخطر أو كرهبة الفكرة الأصلية “.

غالبا ما يستخدم  المعالجين ما يسمى بالوحدات الذاتية من مقياس الضغط أو SUDS لمقياس الخوف والقلق. المقياس يبدأ من الصفر (“مرتاح تماما”) حتى المئة (“أعلى ضغط/خوف/قلق/عدم ارتيح لم تشعر بها من قبل”).

يقول احتمال الإجتماع  أن الناس الجدد يضعون  الوحدات الذاتية من مقياس الضغط في المستوى الخمسين (“غير مريح لكن يستطيع التكملة للأداء”). طريقة الخطوة  بخطوة لتقليل  ذلك العدد إلى 25 أيا  كان بين  القلق والتوتر المعتدل والقليل قد يبدأ مع  مصافحة أحد في المصعد بعدها البدء في الحديث عن الطقس عند الإنتظار في الطابور. وبالأخير قد تصبح مرتاحا بشكل كاف لتعبر عن قناعاتك عند جماعة من الناس.

إذا كنت تتوتر من القيادة، فقد تبدأ بعشرة دقائق تجرب فيها القيادة بحارة هادئة ثم تطيل الوقت خلف المقود وبعدها تخرج إلى الطرق الرئيسية  أثناء وقت الذروة  وبعدها أثناء وقت الزحام وهكذا.

كثير من الناس أيضا سبق لهم وأن حصل لهم  القلق  الاستباقي  أثناء الأعراض التي تستشيطهم عندما يفكرون حول مواجهة شيء يخيفهم. وأيضا إنه من  الشائع  الخوف من فكرة  نوبة القلق إذا كنت ستكون بحالة مضغوطة  معززين الدورة  بأكملها .

يقول (دينيسوف) أنه ليس من المهم  الحصول على الوحدات الذاتية من مقياس الضغط  حتى الصفر. في الواقع أن الهدف هو تقليل القلق إلى المستوى القابل للتحمل لأنه “لا تريد أن تكون خائف من  علم النفس الخاص بك …عندما تكون خائف من الخوف فهو ينشط تنبيهك. ويجب عليك تدريب  دماغك على عدم الهجوم”.


الأدوية و القبول

أي شخص قد مر بنوبة ذعر  فإنه يصدق أنها تجربة لعينة. كان (رود) الراعي المتقاعد من ولاية نيويورك في منتصف الطريق  في جميع أنحاء العالم عندما ضرب بما شعر كنوبة قلبية.

كان يشعر (رود) بالقلق من المواعيد النهائية والضغوطات اليومية الأخرى قبل الذهاب لرحلة كينيا حيث كان مجمعه مجاور للجامعة. في مقابلة مع مدير الجامعة في  خمسة أيام من رحلة الأسبوعين شعر بألم مركز على الصدر وكأن أحد واقف على جسمه.

غالبا ما يصعب تشخيص اضطراب القلق لأن الأعراض الفيزيائية كفقان القلب والدوخة وقصر النفس والصداع تحاكي عددا من الحالات الطبية. على كل, فعندما أسرع رود إلى المستشفى فإن الطبيب قد تأكد أنه لايوجد لديه مشاكل قلبية. فقد كان طبيا نفسيا عائدا إلى وطنه والذي حدد ما حدث على أنه نوبة ذعر.

بدأ رود بالتعامل مع قلقه بعد حصوله على الكتاب لا تصاب بالهلع: السيطرة على نوبات القلق، للعالم النفس السريري الدكتور ريد ويلسون.

يقول (رود): “نسختي الآن مخططة وبها نقاط تعجب وتخطيط بالأحمر والأزرق”.

فقد وجد تمارين التأمل في الكتاب تساعد كثيرا. فأصبحوا جزء من يومه التعبدي ويدعو أيضا للتقنيات عند الحاجة.

يقول القس والذي يأخذ جرعات قليلة من أدوية القلق “التأمل شكل من أشكال القبول”. “قد تظهر نفس الأعراض بعد حلول ساعة من تأملك لكن الآن بدل من قول ’اللعنة عليها فقد أتت مجددا’ فسأخبر القلق أنني سأفعل أشياء مجددا والتي أعتقد أنها مهمة وإذا أردت المجئ فهم بذلك.

التأمل و الممارسات الذهنية الأخرى  ليست بالشيء السحري لعلاج القلق فلا يوجد علاج واحد طرحته الدراسات الحديثة موضحة كيف تخفف التمارين الأعراض.

فعلى سبيل المثال، تبين نتائج بحث الطب النفسي التي نشرت في يناير  2017 أن دورة الثمانية أسابيع في انخفاض تركيز الذهن على الضغط يساعد المصابين باضطراب القلق المعمم على التعامل مع الضغط بشكل أفضل من دورة تعليمية على إدارة الضغط لمدة ثمانية أسابيع والتي تركز على العادات كالحمية الغذائية والنوم والعافية.


حافظ على هدوء أعصابك واستمر

أي نشاط يساعد  للتقليل من الضغط سيساعد أيضا للتوتر. على سبيل المثال تمرين اليوقا  ففوائده هي تقليل التوتر وأعراض الكآبة وأيضا التمارين عموما. هه الطريقة نجحت مع كثير من الناس وهي التركيز على أخذ النفس خمس مرات وبعمق أو اعتماد طريقة كاتمام عملية الشهيق على ثمان عدات واتمام عملية الزفير على أربع عدات.

غالبا ما ينجح الأفراد بحيلهم الخاصة أيضا كفرك حجر القل أو الاستماع إلى الموسيقى الهادئة. وضعت (أندريا) مؤقت بمكان ما بين 12و17 دقيقة (فهي تقول “لا تسألني لماذا لم أجعلها 15:فأنا لا أعلم,”) وأغلقت عينيها حتى قرع المنبه.

إنها تعد واحدة من الأدوات التي استعملها المدون المحترف  من جنوب فلوريدا في السنوات الأخيرة للحفاظ على القلق. وحلفت أيضا على تطوير حميتها الغذائية. كانت في الغالب تعيش على الطعام المقلي والوجبات الخفيفة الحالية ومشروبات الكافيين. لكنها حولت إلى طعام صحي  جيد لرفع مستويات السيروتونين  والناقل العصبي مع الغذاء المنظم.

وتقول: “الحمية الغذائية المناسبة ستوازن جسمك بأكمله”. “قد لا يخلصك من المشكلة بأكملها لكن قد يساعد في ذلك”.

كانت في أسوأ حالاتها تتذكر وغالبا ما تجد نفسها جالسة على الأرض، تبحث عن هواء، متمنية ألا تفقد وعيها. أما في الجامعة فإن هلعها بالتفكير سيئا جدا عن إذا كانت ستحاط بناس لم تلتق بهم من قبل فقد كانت تحتاج إلى زميلاتها في الصف لتذهب معهم إلى فصولها الدراسية.

في الأوقات التي كانت نوباتها فيها أقل حدة: قد تشعر بدوخة وتوتر وقد تتسارع نبضات قلبها وقد تعرق يداها لكنها تستطيع العمل جيدا حتى تهدأ أعراضها .

ملاحظة أنها لا تريد أن يطغى عليها القلق المنفك منها.

تقول أندريا:”إذا كنت أصاب بالقلق من الخوف فهذا يعتبر أنني أضيف قلقا آخر ليومي”. “يجب علي أن أعرف أن المشاعر صحيحة لكنني أتحرك. أجهلعا تلعب بها وكيف من المفترض أن تكون وبالأخير تذهب بعيدا”.


ماذا، هل أنا قلق؟

غالبا ما تكون اضطرابات القل والأعراض مصحوبة ب علامات داخلية كالأفكار و وتفسير الأحداث بدلا من المخاوف الخارجية للأذى الجسدي.

يقول المعالج النفسي من كولورادو الدكتور (لوري ويسس) كاتب اجعلها تذهب: خفف القلق والضغط السام في دقائق مستعملا كلمات فقط.“نحن ننهي إعادة الإنشاء تماما نفس الشيء الذي نحاول تجنبه في أول مكان” إذا لم نحل تلك الطرق السلبية.

فهي تساعد على: زمام ماذا لو. عليها أن تكتب حتى يخرج القلق من رأسها. (وتستطيع أن تغنيها أو تسجلها بهاتفها). ينصح المعالج النفسي الدكتور (باتريكيا ثورنتون) باتعمال المؤقت ولكن لا يتعدى 15 دقيقة.

وتقول: “قد تعتقد أنك تفعل شيئا عن قلقك عندما تفكر عن كل حالة”. “لكن ذلك يجعلك قلقا أكثر ويبعدك عن عيش حياتك”.

العثور على إشارات مهدئة. عندما يكون قلق رود في أوج ذروته  فإنه يريد ترنيمة سيمون اند قارفنكلز “أصوات الصمت” والتي تغنى مع كلمات الأغنية، ” أهلا بالظلام أيا صديقي القديم فقد جئت لأتحدث معك مرة أخرى”.

ويقول: “يعد القلق شكل من أشكال الظلام لأني شعرت بعدم السيطرة”. “لكن عندما تصبح لديك القدرة أن تعرف ماذا يحصل لك لتتعامل معه وتتقبله حالا فإنك تستطيع تكملة يومك”.

تجنب الإصلاحات السريعة.  الكحول والمخدرات وتجنب السلوك والحلول الأخرى قصيرة المدى لن تفعل شيئا لتساعدك بالتعامل مع نوبات القلق في المرات القادمة. لكن بدلا من ذلك معرفة أن القلق نظام تنبيه طبيعي ومحاولة الوصول إلى دعم وتعلم تقنيات تقليل الضغط لتقيها من الدخول لحياتك.


ما أهمية القلق

اضطراب القلق الاجتماعي: القلق والتوتر المبالغ بهما والذي لم يتقيد بشيء معين  ويستمر لأشهر وقد يضعف الحياة والعلاقات. يؤثر اضطراب  القلق المعمم  على كل من النساء والرجال  والذي يسبب للناس توقع  الكارثة والقلق المفرط عن أي شيء من قضايا خطيرة  إلى المخاوف الروتينية وإلى الأحداث التي تعتبر نسبة حدوثها ضعيفة. تشمل الأعراض الأخرى سرعة الغضب وصعوبة في التركيز والإجهاد والصداع وتوتر وأوجاع العضلات  وصعوبة في البلع والارتجاف و الإرتعاش والتعرق و الهبات الساخنة.

اضطراب الهلع: حلقات  متكررة وغير متوقعة من الخوف المكثف المصحوب بأعراض جسدية كألم الصدر أوخفقان القلب أوقصر النفس  أو دوخة أو ضائقة في البطن. من الممكن أن تحدث نوبات الهلع في أي وقت وقد تكون أثناء النوم.

اضطراب القلق الاجتماعي: القلق الساحق أو الإفراط في الوعي الذاتي  في الحالات الإجتماعية اليومية. قد يكون الرهاب الإجتماعي عام أو مرتبط بنشاط معين كتناول الطعام بجانب الغير.

الرهاب المحدد: ردات فعل قوية وخوفغير منطقي لشيء محدد مثل الجراثيم  و المرتفعات و صوت الرعد و الطيران و الأماكن الضيقة و أنواع محددة من الحيوانات أو الحشرات.

اضطراب الوسواس القهري: تعتبر الهواجيس  أفكار متكررة  أو دوافع مثل الخوف من العدوى أو الخوف من جرح المحب. تعد الدوافع على أنها سلوك متكرر يؤديها الناس للمحاولة على السيطرة أو تقليل القلق مثل التأكد باستمرار على إغلاق الفرن للوقاية من الحريق والتنظيف المستمر لليدين لتجنب تلوث الجراثيم أو السلوك الشاعري كنقر مكبس الضوء مرات محددة.

اضطراب ما بعد الصدمة: التعرض لحادثة مرعبة بحيث أن الضرر الجسدي الخطير قد حصل أو كاد أن يحصل أو التعرض لجرح مشاعر قد يؤدي إلى يقظة مفرطة و كوابيس وذكريات الماضي والعداء وانسحاب اجتماعي و التهيج وأعراض كآبة وتوتر أخرى.


[المصدر]

بين المحب والمحبوب، برأي كارسن ماكلرز

كارسن ماكالرز

كارسن ماكلرز (1917-1967)، روائية أمريكية، وكاتبة مقالات وشاعرة. لديها العديد من الأعمال، منها (أنشودة المقهى الحزين)، والتي ترجمها إلى العربية الأستاذ (علي المجنوني).

تقول في أحد أجزاء سردها:

بادئ ذي بدء، الحب تجربة مشتركة بين شخصين – لكن حقيقة أنها تجربة مشتركة لا تعني أنها متشابهة بالنسبة إلى الفردين المعنيين. فهناك المحب والمحبوب، ولكن ذينيك الاثنين من مقاطعتين مختلفتين، غالبا ما يكون المحبوب مجرد محفز لكل الحب المخزون الموجود بهدوء داخل المحب حتى تلك اللحظة. وبطريقة ما يعرف هذا الأمر كل محب. إنه يشعر في روحه أنه حبه شيء فردي. إنه يهتدي إلى معرفة وحدة جديدة وغريبة، وهذه المعرفة أصل مكابدته. إذن ليس هناك سوى شيء واحد يفعله المحب. يتعين عليه أن يُسكن حبه في جوفه ما استطاع، يتعين عليه أن يخلق لنفسه عالمًا داخليا جديدا كليًا – عالما حادًا وغريبا ومكتملا في ذاته. تجدر الإضافة هنا أن هذا المحب الذي نتحدث عنه ليس بالضرورة أن يكون شابًا يدخر المال من أجل خاتم زواج – هذا المحب قد يكون رجلا أو امرأة أو طفلا أو أي مخلوق بشري على وجه هذه الأرض.

تتحدث بعد ذلك عن الفرد الآخر في تجربة الحب، ألا وهو المحبوب، فتقول:

أما المحبوب فقد يكون له أي وصف أيضًا. أغرب الناس قد يكون باعثًا على الحب محفزا له. قد يكون رجلٌ جدَّا خَرِفًا ومع ذلك لا يحب إلا فتاة غريبة رآها في شوارع تشيساو ذات ظهيرة قبل عقدين من الزمن. قد يحب الواعظ امرأة منحطة. قد يكون المحبوب خائنًا أحمق ميّالًا إلى أردى الطباع. أجل، وقد يرى المحب هذا الشيء بكل وضوح كما يراه أي شخص آخر، غير أن ذلك لا يؤثر مثقال ذرّة على نموّ حبّه. إن شخصًا عاديًا جدًا قد يكون هدفًا لحبّ جامح ومتهور وجميل مثل زنابق المستنقع السامة. وقد يكون رجلٌ خيّرٌ محفزًا لحبّ عنيف ومُهين، أو قد يبعث مخبولٌ ثرثارٌ في روح أحدهم أنشودة رقيقة وبريئة، وهذا فإن قيمة أي حب وطبيعته يحددهما المحب وحده.

تستكمل بعد ذلك حديثها قائلة:

لهذا يُفضل أكثرنا أن يُحبّ عوضًا علي يُحَب. يرغب كل إنسان تقريبا في أن يكون المُحب. والحقيقة الفجّة أن كثيرين لا يطيقون، بطريقة عميقة وغامضة، أن يكونوا محبوبين. إن المحبوب يخشى المحب ويكرهه، ولأكثر الأسباب وجاهة. لأن المحب على الدوام يحاول أن يجرّد محبوبه. يتوق المحب إلى أي علاقة ممكنة مع المحبوب، حتى ولو كان حريًا ألا تجلب له هذه التجربة سوى الألم.