خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | علم النفس والاجتماع

ماذا يمكن أن تقدم لنا علوم النفس والاجتماع من معرفة ؟ كيف يمكن أن نستفيد منها ونستلهم منها ؟

حديث (إيريك فروم) عن الحياة الامتلاكية والحياة الوجودية

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت، وهو الابن الوحيد لوالدين يهوديين أرثوذكسيين، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

كتب (فروم) عددًا من الكتب، كان من أواخرها كتاب (الامتلاك أو الوجود؛ الأسس النفسية لمحتمع جديد)، من ترجمة الأستاذ (حميد لشهب)، والذي كتب فيه عن أسلوبين للحياة؛ هما أسلوب الحياة الامتلاكية، وأسلوب الحياة الوجودية. يقول في أحد أجزاء الكتاب عن الحاجة إلى الامتلاك:

إن عدم القيام بأي خطوة للأمام، والبقاء حيث يوجد المرء، باختصار الاعتماد على ما يمتلكه المرء هو غرور؛ ذلك أن المرء يعرف ما يملكه ويشعر بالأمان في الشعور بهذه المعرفة ويمكنه التشبث بها. نخاف القيام بخطوة في المجهول، في غير الآمن، ولهذا السبب فإننا نتجنبه، وحتى وإن كانت الخطوة التي علينا القيام بها غير خطيرة، بعد القيام بها، فإنها تظهر لنا كما تظهر لنا عواقبها قبل القيام بها خطيرة وتعبة. فالقديم هو وحده الذي يكون آمنًا أو على الأقل يظهر هكذا. فكل خطوة جديدة تخبئ خطر الإخفاق، ويُعدّ هذا من أسباب خوف الإنسان من الحرية.

ويتابع بعد ذلك:

على الرغم من الأمن المضمون عن طريق الامتلاك فإننا نعجب بالناس الذين لهم رؤية لما هو جديد ويُعبِّدون طرقًا جديدة ولهم الشجاعة للسير قُدمًا. ويجسد البطل في الميثولوجيا نمط الحياة هذا. فالبطل هو الإنسان الذي تكون له الشجاعة على مغادرة ما عنده – وطنه، عائلته، ممتلكاته – والهجرة إلى الخارج، ليس من دون خوف، بل من دون الخضوع إلى هذا الخارج.

[…] نُعجب بهؤلاء الأبطال، لأننا نشعر في قرارة أنفسنا بأنه يجب أن يكون طريقهم طريقنا – لو كان بإمكاننا المشي عليه. ولكن بما أننا نخاف فإننا نعتقد بأننا لا نستطيع القيام بهذا وبأن الوحيد الذي يمكنه الإقدام عليه هو البطل. وهكذا يصبح البطل مثالًا نقتديه، نُصعد عليه كفاءاتنا للتقدم إلى الأمام، لكننا نبقى نحن في الواقع لأننا لسنا أبطالًا.

ويصف بعد ذلك معيارًا للحياة الامتلاكية، فيقول:

يمكن للمرء أن يقرأ رد الفعل في وجوه الناس في بعض الأحيان. […] غالبًا ما يمكن ملاحظة البهجة من دون الرغبة في الامتلاك في السلوك تجاه الأطفال الصغار. أعتقد أن الأمر يتعلق هنا كذلك بجزء وافر من خداع الذات، بحيث إننا نرى أنفسنا في دور صديق للطفل. وعلى الرغم من هذا الشك، فإنني أعتقد أن رد الفعل العفوي والحقيقي تجاه الأطفال يوجد بما فيه الكفاية. قد يكون سبب هذا هو أن غالبية الناس لا تخاف من الأطفال، بالمقارنة بالشباب والراشدين. وغياب هذا الخوف هو الذي يسمح لنا بأن نحب ما لا يمكننا أن نحبه إذا كان الخوف أمامنا.

[…] يمكن القول بصفة عامة بأن العلاقة بين البشر، عندما تكون محكومة بتوجه امتلاكي، تكون مطبوعة بالمنافسة والتضاد والخوف. ويكمن عنصر التضاد في مثل هذه العلاقة في خاصية الامتلاك نفسه؛ عندما يكون الامتلاك أساسًا شعوريًا بهويتي، “لأنني أمتلك”، فإن الرغبة في المزيد من الامتلاك هي التي تقود المرء.

ويتابع قائلًا:

لا نجد هذه الأهمية الكبيرة للامتلاك، الملكية الخاصة، في نمط الحياة الوجودية، فلا أحتاج امتلاك شيء ما لكي أتمتع به أو أستعمله. يمكن لأكثر من شخص، بل لملايين الناس، في الواقع، الفرحة باستعمال شيء، ولا يكون من الضروري امتلاك هذا الشيء من طرف شخص واحد، للتمتع به. ولا يُجنب هذا الأمر الفعلي الخصام، لكنه يُمكن من تقاسم أعمق مُعاش إنساني للسعادة، يعني تقاسم فرحة ما.

وأخيرًا يبدأ في وصف أسلوب الحياة الوجودي، فيقول:

يتميز النشاط الوجودي بشروط أساسية وهي الاستقلال والحرية وحضور العقل النقدي. أما سمته الأساسية فتتمثل في النشاط / الحيوية، والإيجابية والفعل، لا بمعنى النشاط الظاهري / الخارجي، أي الانشغال بشخص أو شيء ما، بل المقصود هو النشاط الداخلي، يعني الاستعمال المثمر للطاقة الإنسانية. أن يكون الإنسان نشيطًا يعني التعبير عن الملكات والقدرات والمواهب الذاتية، يتمتع كل كائن بشري بقدر منها، حتى وإن اختفت مقاديره. ويعني نشاط الإنسان العثور على ذاته والنمو والتطور والتدفق والحب وتجاوز حدود سجن الذات المعزولة لذاتها وبذاتها والشغف بما يشتغل عليه ومن أجله ويحسن الإصغاء للذات وللآخرين ويكون معطاء مع نفسه ومع الآخرين.

علم النفس الفردي: قوة النظرية وتميزها

من المعلوم في حقل العلاج النفسي ونظريات الشخصية، أنه وبعد ثورة العلاج المعرفي السلوكي والنظريات الإنسانية الوجودية لم يَعُد يُنظر للتحليل النفسي كما في السابق [على وجه الخصوص: التحليل النفسي الكلاسيكي] وأصبح البعض يراها مجرد نظرية تاريخية في علم النفس والطب النفسي، إلا أن النظرية التحليلية التي بقيت متماسكة بكيانها ومفاهيمها بل وتزداد قوةً وشعبيةً وحضوراً في العلاج النفسي هي نظرية: (علم النفس الفردي) للطبيب وعالم النفس (الفرد آدلر). [Alfred Adler, 1870-1937]
وذلك لأنها نَظَرت للإنسان نظرة حقيقية عميقة كما هوَ، فلم تبالغ به وتجعله فوق منزلته، ولم تنزل به ليكون كالحيوان أو كالآلة، وأتت بمفاهيم تكاد تُشكِّل المحاور الرئيسية لأي إنسان على وجه الأرض؛ الذات الخلَّاقة، أسلوب الحياة، عقدة الشعور بالنقص والقصور، الشعور الاجتماعي.


الذات الخلَّاقة:

ينظر (آدلر) للذات الخلَّاقه بأنها الرأس أو الهرم لأعماله، ويشير (آدلر) إلى أن الذات الخلَّاقة هي التي تجعل للحياه هدف ومعنى، و تجعلنا نشعر بالطاقة و تُحرِّكنا بقوة نحو تحقيق الأهداف [آل تركي، ٢٠١٥م].
كما يرى (آدلر) أن هناك قوه تعطي الإنسان القدرة على التَّفرُّد لينقل الحقائق الموضوعية إلى حوادث شخصية ذات معنى وقد سمَّاها بالذات الخلَّاقة، والذات الخلَّاقة تحفظ الشخص من أن يكون ضحية للناحية البيولوجية والظروف الاجتماعية، وهي تُحرِّك الشخص تجاه فردية أكثر واستقلالية أكثر [عبداللطيف، ٢٠١٣، نقلاً عن: الشناوي، ١٩٩٣، prochaska,1994].
يقول (آدلر):

لا تخلو دراسة تَصوُّر الفرد عن معنى الحياة من الفائدة لأنه في نهاية الأمر هي القاعدة التي تؤطِّر تفكيره وانفعاله ومن ثم نشاطه، ولكن المعنى الحقيقي للحياة يتكشَّف في المقاومة التي يواجهها الفرد عندما يتصرف بطريقة خاطئة، إن مشكلة التعليم والثقافة والشفاء تكون في مد جسر بين معطيين: معنى حقيقي للحياة؛ وسلوك خاطئ يقوم به الفرد…حين يتشبَّث فرويد بفكرته حول الموت الذي يجذب الكائنات البشرية، إلى حد أنهم يتشهونه في أحلامهم، نجد أن هذه الفكرة غير ناضجة وقابلة للكثير من النقاش والجدل.
لا شك أن هناك أناس يُفضِّلون الموت على الكفاح والعمل ضد المعضلات الخارجية القاسية التي يواجهونها، ذلك لأنهم يخشون لغرورهم وكبريائهم الفشل في حل هذه المعضلات! هؤلاء هم أنفسهم الذين يرغبون بشكل أبدي أن يَظلُّوا في أحضان أمهاتهم، وأن يقوم الآخرون بالعمل الموكل إليهم بدلاً عنهم، هم المُدلَّلون ذوو النفوس الصغيرة التي لا طائل منها في حياة تستوجب العمل والصراع المرير كي تأخذ معناها…إن الشعور بالرضا والألم الذي يرافق هذا الصراع ليس سوى عامل مساعد للفرد في طريقه، والبحث الخالد عن الأمان هو الذي يدفع الفرد إلى الانتصار على الواقع الحالي الماثل أمامه، وذلك من أجل فرض واقع أفضل، فالحياة البشرية تصبح مستحيلة دون دورة الحضارة هذه والتي لا تتوقف عن دفعنا للأمام [آدلر، ٢٠١٩م].


أسلوب الحياة:

هو الذي يجعل الفرد يتكيَّف مع بيئته ويواجه العقبات التي تعترض في حياته، ومن خلاله يحقق الانسان أهدافه، وهو الذي يجعل الأطفال كذلك يناضلون بطرق وبأشكال فردية من أجل تحقيق الكمال والتفوق، فمثلاً الطفل الذي يُنتَقد كثيراً من قِبل الأطفال الآخرين في الحي، غالباً ما يُطوِّر أسلوباً ونمطاً لفظياً معيناً للتعامل وللتأثير على الأطفال الآخرين والتحايل عليهم، ومن ثم فإن هذا السلوك يمكن أن يُعوِّض عن النقص الذي تعرَّض له الطفل جرَّاء انتقادات الآخرين له، ويعتقد آدلر أن أسلوب الحياة يرتكز على التغلب على سلسلة من القصور والنواقص لدى الفرد، ومعظم هذه الامور يمكن أن تنشأ في سن الرابعة والخامسة من العمر، وبالتالي يصبح من الصعب على الإنسان تغير أسلوب حياته بعد ذلك. في الحياه بعد ذلك.
ويشير (آدلر) إلى أن أسلوب الحياة يمكن أن يُفهَم من خلال مراقبة كيفية قيام الأفراد بمعالجة ثلاثة مهمات رئيسية مترابطة: المهنه، المجتمع، الحب [علاء الدين، ٢٠١٣م].
يقول (آدلر):

من الواضح أننا لسنا متأثرين بالوقائع ولكن بتصورنا حولها…نصل الى نتيجه مفادها أن كل واحد منا يحمل في ذاته تصور عن نفسه وعن مشكلات الحياة وخطَّاً معيناً يتبعه فيها، وقانوناً ديناميكياً يحركه دون أن يفهمه أو يدرك كنهه، هذا القانون الديناميكي يولد في الإطار الضيق للطفولة، ويتطور تبعاً لاختيار محدد تقريباً، وذلك باستخدام حر للقوى الفطرية وللانطباعات حول العالم الخارجي، دون القدرة على التعبير عنها أو تعريفها بصيغة رياضية.
منذ وقت طويل وأنا أحاول الإحاطة بمسائل الحياة هذه وتحديدها بثلاثة أشكال: الحياة في المجتمع، العمل، الحب. من السهل معرفة الأهمية التي تأخذها هذه المسائل في فرض وجودها علينا دون أن نستطيع شيئاً للتخلص منها، ذلك لأن جميع مواقفنا تُشكِّل الجواب الذي نقدمه بفضل نمط حياتنا. وبما أن هذه المسائل الثلاث مرتبطة ببعضها، خاصة وأنها تتطلب درجه كافية من الشعور الاجتماعي لحلها نرى أنه من السهولة أيضاً فهم أن نمط حياة كل واحد منَّا ينعكس بطريقة واضحة تقريبا في مواقفه اتجاهها…في الحب الذي يسد حاجة الفرد على المستوى النفسي والجسدي أيضاً، يبدو الشعور الاجتماعي كمبدأ خلَّاق مباشر لقدرنا، وكذلك في الصداقة وعلاقات الأطفال فيما بينهم ومع آبائهم، إن الحب الذي نتكلم عنه هنا هو علاقة بين اثنين من جنسين مختلفين يقوم بدوره في دوام النسل واستمرارية النوع البشري في الوجود، لذا لا يوجد مشكلة بشرية تُعنَى بخلاص الفرد في المجتمع في كالحب، إن مشكلة بين اثنين لها نظامها الخاص، ولا يمكن حلها بطريقة مُرضيَة بالطريقة نفسها التي يتعرض لها الشخص الواحد. كي تستكمل مشكلة الحب شروطها على الشريكين أن ينسيا نفسيهما كاملاً، فيتحد أحدهما بالآخر كي يُشكِّلا كلَّاً واحداً من جديد.
أن نأخذ الحب كمفهوم سطحي، أي كما نراه في العلاقات السريعة المختلطة أو الدعارة أو الانحرافات…إلخ، يعني أن نُجرِّده من قيمته الفضلى وبريقه وسحره الجمالي. إن رفض علاقة دائمة يزرع الشك وعدم الثقة في نفوس الشركاء، ويجعلهم عاجزين عن الوفاء والإخلاص نحو بعضهم، فمشكلات كهذه حتى لو كانت متنوعة حسب الأوضاع، يمكن لها أن تبدو كإشارة لشعور اجتماعي ناقص في حالات الحب جميعها أو الزواج التعس، وفي حالات العجز جميعها للقيام بالأعمال التي ننتظرها منهم. لاشك عندي البتَّة أن الحط من قيمة الحب والانتقاص من قدره، وهو ما يعني انتكاساً في الشعور الاجتماعي، يفتح الباب أمام الأمراض وتدمير الحياه الفردية والعائلية والشعوب بأكملها [آدلر، ٢٠١٩م].


الشعور بالنقص:

يرى (آدلر) أن الشعور بالنقص هو الذي يحرك الإنسان نحو التميز ومحاولة الوصول للكمال، والنقص يشمل النقص الجسمي والعقلي والاجتماعي الحقيقي أو المتوهم. ويعتقد آدلر أن جميع الناس يمرون بمشاعر النقص، ولكن منهم من تدفعه تلك المشاعر للنجاح والتميز ومنهم من تكون سبب في إصابته بالعصاب [آل تركي، ٢٠١٥م].
يقول (آدلر):

منذ وقت طويل، و أنا أُصرّ على أنَّ معنى الكائن البشري يكمن في شعوره بالدونية…وهو يشبه إلى حد كبير التوتر المؤلم الذي يتطلب حلاً للتخلص منه…يمكن للتوتر في بعض الظروف أن يترافق مع آلام دائمة أو عابرة، كما يحدث أحياناً في سفر من نحب، أو فقدان صديق وفي، وكما يقوم الرضيع بحركاته كي يعبر عن حاجاته ونقصها، ومحاولته بتحسين وضعه، وإيجاد الحلول الحيوية، كذلك تاريخ البشرية، والذي يشبه إلى حد بعيد الشعور بالدونية في محاولته وبحثه الدؤوب عن إيجاد حلول لكل ما يصادفه من عوائق في الحياة … بيد أنّ الحضارة في تقدّم مستمر، وهي تحيط بنا من كل جانب من جوانب الحياة، وتُبيِّن لنا حاجتها الدائمة للأمان، وتُرينا الإنسان بكل وضوح في حالته العاطفيّة الدائمة، وهو يشعر بالدونية التي تخصه، وتدفعه دفعاً كي يتحرك، ويعمل بكل طاقته للوصول إلى أقصى درجة من درجات الأمان … يهيمن الشعور بالدونية على الحياة النفسيّة، وإننا لنرى ذلك
بوضوح في شعورنا الدائم بالنقص فيما نملك، وبعدم الكمال بما نقوم به من أفعال تُفرض علينا…يبدو الشعور البشري بالدونية، والذي عادة ما يُستنفد في الصراع من أجل التقدم، أكثر حركة وحيويّة في عواصف الحياة ومخاضاتها، وأكثر وضوحاً في التجارب القاسية التي تواجه الفرد، إنه يعبر عن نفسه بشكل مختلف تبعاً للأوضاع التي يصادفها ، وإذا ما أردنا الإيجاز في التعبير عن تجلياته في كل حالة من هذه الحالات، فإننا نجده يمثل نمط حياة كلّ فرد على حدة، وهو يظهر بأشكال متشابهة في مواقف الحياة جميعها [آدلر، ٢٠١٩م].


المراجع:

١.ادلر، الفرد.معنى الحياة. ط١. دمشق: دار الفرقد. ٢٠١٩م.

٢.علاء الدين، جهاد محمود. نظريات الإرشاد النفسي (التحليل النفسي والسلوكية). ط١. عمَّان: الأهلية للنشر والتوزيع. ٢٠١٣م.

٣.أبو أسعد، أحمد عبداللطيف. علم نفس الشخصية. ط٢. الأردن: عالم الكتب الحديث. ٢٠١٣م.

٤.آل تركي، خالد تركي. التحليل النفسي بصورة مبسطة. ط١. مصر: دار العلوم العربية للنشر والتوزيع. ٢٠١٥م.

اقتراح (بهاء طاهر) لتجديد الخطاب الثقافي

محمد بهاء الدين طاهر [مواليد عام 1935م] أو كما يُعرف بـ(بهاء طاهر)؛ مؤلف روائي وقاص ومترجم مصري ينتمي إلى جيل الستينيات، منح الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن روايته (واحة الغروب) حصل على (ليسانس الآداب) في التاريخ عام 1956 من جامعة القاهرة، ودبلوم الدراسات العليا في الإعلام، شعبة إذاعة وتلفزيون سنة 1973.

تنوعت إنتاجات (بهاء طاهر) بين الروايات؛ مثل روايته (الحب في المنفى) و(قالت ضحى) و(خالتي صفية والدير)، أو القصص القصيرة؛ مثل مجموعة (أنا الملك جئت) و(لم أعرف أن الواويس تطير) و(الخطوبة)، أو الكتب الفلسفية والنقدية؛ مثل (أبناء رفاعة) و(في مديح الرواية) و(10 مسرحيات مصرية)، وأخيرًا سيرته الذاتية (السيرة في المنفى)، والتي أورد فيها فصلًا عن الثقافة العربية وكيفية تجديد الخطاب الثقافي.

كانت آرائي صادمة.

أقول أنه لا يوجد خطاب ثقافي من الأساس، الخطاب يحتاج لمُرسل ومستقبِل؛ المرسل أصابه العطب، والمستقبل لم يعد موجودًا.

يتابع بعد ذلك:

كثيرًا ما أذكرهم بقصة (جان فالجان) لـ(فيكتور هوغو)، وأقول لو أن الثقافة في العموم مهتمة بأن تتحول المواقف الثقافية الكبرى لجزء من مناهج التعليم لتبدّل الحال، ولكانت الثقافة العربية تغيرت كثيرًا، لو تعلمنا منذ الصغر بشكل ملموس معاني العدالة والخير والمساواة، كان العالم بأسره سيتغير، فمن غير المؤثر أن نكتب عن هذه المعاني فقط، دون تطبيق حقيقي ومخلص، بل الأهم والمؤثر أكثر أن يعيش الصغار -الذين لهم حقّ علينا نحن الكبار- هذه القصص والمواقف الملهمة، ليس بالتلقين فحسب، وإنما بالمحاكاة.

علينا أن ننبذ الأفكار الجامدة من قبيل: “كل شيء على ما يرام .. نتعامل كأننا مثقفون .. كأننا ديموقراطيون .. كأننا لسنا لا متعصبين ولا عنصريين!”

أي آسف!

على الإعلام الحقيقي ووزارة التربية والتعليم والمختصين والنخبة التحرك حثيثًا لوضع مناهج وأطر جديدة فكرية، وإنقاذ الهوية الثقافية.

لا بدّ من البعد عن الإنساء، كفانا إنشاءً .. وأن نسعى لتطبيق جوهر الوعي الخالص في حياتنا الثقافية بشكل فاعل.

من حوالي ربع قرن تقريبًا، كتبت في جريدة (الليموند) الفرنسية جملة لا تُنسى: “الحكومة المصرية تتظاهر بأنها تمنح الموظفين مرتبات، وفي المقابل الموظفون يتظاهرون أنهم يعملون”. 

ينتقل بعد ذلك، (بهاء طاهر) إلى حالة التعليم والقراءة الحرة، فيقول:

بالطبع، أبسط الأحلام التي أتمنى تحقيقها، تغيير الخطاب الثقافي برمّته، هذا الخطاب المتكلّس، فما زلنا نتعامل مع الثقافة كأنها أمر شرفي، جوائز ومهرجانات واحتفالات ليس أكثر ولا أقل.

لكننا لم نفكر أبدًا كيف تتحول الثقافة إلى جزء من حياة المجتمع؟

أتذكر وأنا تلميذ في ثانوي أن د. (طه حسين) كان وزيرًا للمعارف، وكان من رأيه -وهذا ما كتبه في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) سنة 1937- أن القراءة الحرة ينبغي أن تكون بمثابة ثلث المناهج التعليمية على الأقل. 

تم بالفعل تطبيق هذا في العام والنصف الذي كان فيه وزيرًا، وقد وُزّعت علينا في المدارس كتب مجانية للقراءة فقط، وبفضل هذه التجربة بدأ أناس كثيرون جدًا الاهتمام بالقراءة والثقافة.

لا أذكر أن هذا الأمر تكرر إلا مرة واحدة، عندما قرروا تدريس أحد كتب العبقريات لـ(عباس محمود العقاد) ورواية (كفاح طيبة) لـ(نجيب محفوظ). ولم يتكرر الأمر منذ سنوات بعيدة.

في الغرب يعلمون التلاميذ اللغة من خلال كلمات لكبار الكتّاب، مثلًا يشرحون جملة للطلبة استعملها (ألبير كامو) أو (تشيخوف) أو (دوماس) أو (دوستويفسكي) في إحدى رواياته، وهنا يبقى جزء من الوعي الكامن لثقافة التلميذ أن هذه اللغة صنعها كبار الأدباء والمثقفين، لكن الآن للأسف يتم فرض نصوص على التلاميذ عفا عليها الدهر، نصوص مرهقة، غير فعالة على الإطلاق.

وأخيرًآ، يتحدث (بهاء طاهر) عن اقتراحه لتجديد الخطاب الثقافي، فيقول:

كيف يمكن أن نجعلهم على صلة بثقافتهم المعاصرة؟

اقترحت من قبل أن يقرأ المسؤولون كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) لـ(طه حسين)، وأن ينفذوا أفكاره بحذافيرها، لأنه -للأسف- لا يوجد برنامج لتغيير ثقافة مصر إلا برنامج (طه حسين) الذي كُتب عام 1937.

اقترحت الاهتمام بالمعلم، بطريقة التعليم، فالتعليم لا يعتمد على أسلوب التلقين قدر أن يكون نوعًا من التدريب على الديموقراطية، ألا ننادي جميعًا بالديموقراطية؟

[…] ليتنا طبقنا أفكار (طه حسين) منذ هذا الوقت!

لو كانت طُبّقت لكنا أنقذنا الوطن من براثن التطرف الديني، هذا الكتب كان سيعلّم المصريين احترام الاختلاف، أي الرأي العام يتم الرد عليه بالرأي وليس بالهمجية والقنبلة والتطرف والتمرد.

يتحدث (طه حسين) في هذا الكتاب عن كيفية تحويل الديموقراطية إلى أسلوب حياة فاعل، وليس مجرد مفاهيم راكدة جامدة مكتوبة داخل الكتب ولا يتم تطبيقها أو الاستفادة منها، فبدون تطبيق الديموقراطية، تختنق المجتمعات، ووجهة نظري أنه لن لتم القضاء على الفقر ولا على الأمية إلا بتطبيق الديموقراطية.

والديموقراطية في أساسها أن يكون كل الناس جزءًا من عملية التغيير. كم عامًا أمامنا لنصبح هكذا؟

هل ظلم غوستاف لوبون الجماهير أم وصفها؟


غوستاف لو بون (1841-1931) هو طبيب ومؤرخ فرنسي، ولد في منطقة النورماندي بفرنسا، درس الطب ثم الفيزياء النظرية ثم اتجه للانثروبولوجيا واهتم بالحضارة الشرقية وكتب فيها عدة مؤلفات، يُعد من أشهرها كتابه (سيكولوجية الجماهير)

اهتم بعلم النفس الاجتماعي وأنتج فيه مجموعة من الأبحاث المؤثرة عن سلوك الجماعة، والثقافة الشعبية، ووسائل التأثير في الجموع، مما جعل من أبحاثه مرجعًا أساسيًّا في علم النفس، ولدى الباحثين في وسائل الإعلام في النصف الأول من القرن العشرين.

يُعرف غوستاف لوبون للجماهير بأنها “اجتماع مجموعة من الافراد لأجل هدف محدد”.

أما في علم النفس، فلها معنى آخر، ففي بعض الظروف يتولد في الجمع من الناس صفات تخالف كثيراً صفات الأفراد المؤلف هو منها، حيث تختفي الذات الشاعرة وتتوجه مشاعر جميع الأفراد نحو صوب واحد، فتتولد من ذلك روح عامة وقتية بالضرورة إلا أنها ذات صفات مميزة واضحة تمام الوضوح ، وحينئذ يصير ذلك الجمع لفيفاً مخصوصاً لم أجد لتسميته كلمة أليق من لفظ الجماعة المنظمة أو الجماعة النفسية ، فكأن ذلك اللفيف ذات واحدة، وبذلك يصير خاضعاً لناموس الوحدة الفكرية الذي تخضع الجماعات لحكمه. 

يرى (لو بون) أن الجماعات تتصف بصفات تختلف عن صفات الفرد ذاته، بمعنى أن صفات الفرد تموه بين صفات بقية الأفراد و ينتج مزيجاً مختلفاً عن صفات كل منهم على حدة، وفي الغالب تصبح صفات الجماعات أسوأ من صفات الفرد وحده، و تنحدر في الفكر إلى درجة غياب العقل والمنطق، وبالتالي يمكنها القيام بأسوأ الأعمال. 

هذه الصفات العامة في الطباع المحكومة باللاشعورية الموجودة في جميع أفراد كل أمة بدرجة واحدة تقريباً هي التي لها المقام الأول في حركة الجماعات، فتختفي مقدرة الأفراد العقلية في روح الجماعة وتنزوي بذلك شخصيتهم، وبعبارة أخرى تبتلع الخواص المتشابهة تلك الخواص المتغايرة وتسود الصفات اللاشعورية.

ولكون الجماعات إنما تعمل متأثرة بتلك الصفات الاعتيادية يتبين لنا السر في عدم قدرتها أبداً على الإتيان بأعمال تقتضي فكراً عالياً وعقلاً رجيحاً، حتى إنك لا تجد فرقاً كبيراً فيما يقرره جمع من نخبة الرجال ذوي الكفاءات المختلفة وما يقرره جمع كله من البلداء في موضوع المنفعة العامة؛ لأنهم لا يمكنهم أن يشتركوا في هذا العمل إلا بالصفات العادية التي هي لكل الناس، فالذي يغلب في الجماعات إنما هي البلاهة لا الفطنة، وما كل الناس بأعقل من (فولتير) كما يقولون غالباً ،بل الواقع أن (فولتير) أعقل من كل الناس إذا أردنا بكل الناس الجماعات.

بحسب (لو بون) فمشاعر الجماعات متأججة ومندفعة على الدوام، وفي أكثر من موضع يصف الجماعات بأنها همجية وبربرية.

ليست قابلية الاندفاع والتقلب كل ما تمتاز به الجماعة، بل هي مع ذلك كالهمجي لا تطيق وجود حائلاً بينها و ما تريد، والذي يساعدها على ألا تعقل الحيلولة أن الكثرة تُحدث فيها شعورا بقوة لا حد لها ،فتصور المستحيل بعيد عن الفرد في الجماعة.

ولكن على الرغم من تلك النظرة القاتمة نحو الجماهير فهو يرى شيئاً نافعاً من وراء ذلك الاندفاع اللاعقلاني؛ إذ لولاه لما قامت التضحيات باسم الدين والوطن.

بقي أن الجماعة كما أنها أهل لارتكاب القتل والتدمير بالنار وكل أنواع الجرائم ،هي أهل للاخلاص في العمل و لتضحية المنافع الذاتية والنزاهة بدرجة أرقى مما يقدر الفرد، بل هي أقرب منه إلى تلبية من يناديها باسم الشرف والفخار أو باسم الدين والوطن إلى حد المخاطرة بالأرواح.

كان (لو بون) كما يبدو منبهراً بالتنويم المغناطيسي الذي كان في طور التطوير في تلك الفترة فكان يُشبه الجماهير بالواقع تحت تأثير التنويم المغناطيسي بلا وعي تام او ادراك لأفعاله.

الجماعات كالذوات التي لا تتعقل في حدة التخيل وفعله الدائم، وفي قابليتها للتأثر الشديد، فالصورة التي تحضرها من إنسان أو واقعة أو رزء تكاد تؤثر فيها كما لو كانت الحقيقة بعينها، وحال الجماعات أشبه بالمنوم الذي تقف فيه حركة العقل هنيهة فتحضر في ذهنه صور مؤثرة جداً، لكنها تزول بمجرد التأمل فيها.

ولذا يعتقد (لو بون) أن على خطباء الجماهير استعمال خطابات لا تعتمد على العقل والمنطق؛ بل على المفردات البسيطة و العواطف.

ولهذا فإن الخطباء الذين عرفوا كيف تتأثر إنما يخاطبون شعورها دون العقل، لأنه لا سلطان لقواعد المنطق عليها فلأجل إقناع الجماعة ينبغي الوقوف أولا على المشاعر القائمة بها والتظاهر بموافقتها فيها، ثم يحاول الخطيب تعديلها باستعمال مقارنات بسيطة عادية تشخص أمامها صوراً مؤثرة.

لا يتوقف رأي (غوستاف لو بون) على انحطاط عقلية الجماهير فحسب بل إلى قوادهم أيضاً فهو يرى أنهم لا يمتازون بميزات متفردة على بقية الجموع، بل هم أقلهم عقلاً و هم مندفعون و لا يملكون حكمة أو بصيرة.

ليس القواد غالباً من أهل الرأي والحصافة ، بل هم من أهل العمل و الإقدام ،وهم قليلو التبصر .على أنه ليس في قدرتهم أن يكونوا بصراء؛ لأن التأمل يؤدي غالباً إلى الشك ثم إلى السكون ، وهم يخرجون عادة من بين ذوي الأعصاب المريضة المتهوسين الذين اضطربت قواهم العقلية إلى النصف ، وأمسوا على شفا جرف الجنون؛ لا ينفع الدليل على فساد ما اعتقدوا كيفما كان معتقدهم باطلاً ،ولا تثنيهم حجة عن طلب ما قصدوا بالغاً منه الخطل ما بلغ،ولا يؤثر فيهم الاحتقار ولا الاضطهاد، بل ذلك يزيدهم تهوساً و عناداً حتى إنهم يفقدون غريزة المحافظة على النفس فلا يبتغون في الغالب أجراً على عملهم إلا أن يكونوا من ضحاياه.

و تنسحب نظرة (لو بون) أيضاً على المجالس النيابية بالرغم من اعترافه بأنها أحسن الوسائل التي اهتدت إليها الأمم في حكم نفسها، وأنها أرقى أشكال الحكومات عند المفكرين والعلماء.

ومن خواص المجالس النيابية أنها إذا تحرك شعورها وارتقت في الهياج إلى درجة معلومة تصير كالجماعات العادية المختلفة العناصر سواء بسواء ، فتغلو إلى النهاية في مشاعرها ، وتذهب إلى أقصى مراتب الشجاعة و آخر درجات التطرف في القسوة؛ إذ ذاك لا يصير الرجل نفسه بل يبعد عنها بعداً يحمله على تقرير ما يخالف منافعه كل المخالفة.

لقاء (مايك والاس) التلفزيوني مع (إيريك فروم)

إيريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية. له العديد من المؤلفات العميقة، منها كتابه العظيم (الإنسان بين الجوهر والمظهر).

نقدّم لكم هنا في ساقية، وبترجمة حصزية، اللقاء الصحفي الذي أجراه (مايك والاس) مع (فروم). يقول (والاس) في مقدمة اللقاء:

الدكتور (إيريك فروم)، أحد أكثر المحللين النفسيين تأثيرا في العالم، رجل أُشيد بعمله باعتباره خطوة مهمة إلى التقدم انطلاقاً من نظريات (سيغموند فرويد). قال الدكتور (فروم) مؤخراً: “لم يكن هناك قطّ مجتمع أفضل من الولايات المتحدة في عام 1958″، لكنه أضاف: ” إذا استمرت الولايات المتحدة في نفس الاتجاه الذي تتبعه حاليا، فإنها تخاطر بتدمير نفسها.” سنخوض في الأسباب خلال لحظات.

مقابلات (مايك والاس)، مقدمة من شركة البث الأمريكية (ABC) بالتعاون مع صندوق الدعم للجمهورية، تقدم لكم سلسلة تلفزيونية خاصة تناقش مشاكل النجاة والحرية في أمريكا.


مساء الخير، محدثكم (مايك والاس). في الأسابيع الأخيرة، ناقشنا مشاكل المجتمع الحر وما عليه فعله للبقاء على قيد الحياة. والليلة، سنحاول قياس تأثير مجتمعنا الحر علينا كأفراد ، سواء كنا سعداء كما نود أن نعتقد، أو أحرار في التفكير والشعور. ضيفنا هو الدكتور (إريك فروم)، محلل نفسي وناقد اجتماعي مشهور عالميًا لدراساته عن الإنسان وبحثه عن الحرية.

دكتور (فروم)، أولاً دعني أسألك هذا السؤال. تعرضت الولايات المتحدة للانتقاد، وأعتقد أنك تتفق، تعرضت للانتقاد من عدة مناطق على أنها عبارة عن مجتمع مادي وربما مجتمع ضحل. لكنك قلت مؤخراً: “لم يكن هناك قطّ مجتمع أفضل من الولايات المتحدة عام 1958”. ماذا تقصد بذلك؟

نعم، أعني ذلك نسبيا بالطبع. لا يدعو التاريخ البشري حتى الآن إلى التباهي، إن نظرنا للأمر من ناحية الأفكار. وما عنيتُه أنا هو أننا إذا قارنّا المجتمع الأمريكي مع معظم المجتمعات الأخرى، فإنه مجتمع حقق إنجازات عظيمة. ثروة مادية أكبر من أي شعب آخر، تحرر نسبي من الاضطهاد، سهولة نسبية في التنقل ونشر الفن والموسيقى والأفكار وهو أمر فريد من نوعه. لذلك ، أود أن أقول مقارنةً بالقرن التاسع عشر، مقارنة بمعظم تاريخنا السابق، إنه مجتمع أفضل من أي مجتمع صنعه الإنسان. لكن هذا لا يعني أنه جيد.

هنا تكمن المشكلة، إذ أنك أدليتَ بتصريح مناقض كما يبدو، لأنك قلتَ في وقت سابق هذا الأسبوع “إذا استمرت الولايات المتحدة في نفس الاتجاه الذي تتبعه حاليا، فإنها تخاطر بتدمير نفسها” كيف هذا؟ وبأي طريقة؟

نعم سيد (والاس)، أود أن أقول وسأتحدث بشكل عام، أن حماسنا للسيطرة على الطبيعة ولإنتاج المزيد والمزيد من السلع المادية قد حوّل الوسائل إلى غايات. أردنا الاستفادة من حلول مشاكل القرن التاسع عشر لحل مشاكل القرن العشرين بهدف إعطاء الإنسان فرصة أكبر لحياة كريمة ولكن ما حدث في الحقيقة هو أن الإنتاج والاستهلاك توقفا عن كونهما وسائل وأصبحا غايات بحد ذاتهما، ونحن الآن مهووسون بالإنتاج ومهووسون بالاستهلاك.

حسنا، باستخدام هذه النقطة كبداية لحديثنا أرغب في فهم وجهة نظرك كمحلل نفسي في عدة مواضيع محددة عما يحدث لنا كأفراد. على سبيل المثال، ما قولك عما يحدث للإنسان، الإنسان الأمريكي، في علاقته مع عمله؟

أعتقد أن عمله إلى حد كبير لا معنى له، لعدم وجود ارتباط بينهما، إذ أصبح الإنسان شيئا فشيئا جزءا من آلة كبرى، آلة اجتماعية تحكمها بيروقراطية عظمى وأعتقد أن الإنسان الأمريكي يكره عمله في أوقات كثيرة دون قصد لأنه يشعر أنه محاصر ومسجون، لأنه يشعر أنه يسخر معظم طاقته لأمر لا معنى له في أصله.

إن عمله وسيلة لكسب لقمة العيش وهذا هو المعنى الأصل، هذا بالتأكيد أمر محترم ومعقول وضروري.

نعم، لكن هذا ليس كافيا لجعلك سعيدا. كونك تقضي ثمان ساعات في اليوم في أمر ليس له معنى أو فائدة في أصله عدا أنه وسيلة لكسب المال.

نعم، بالمعنى والفائدة في العمل، واعذرني على التفصيل في الحديث، ماذا تعني تحديدا، عندما يعمل الرجل في مصنع ما بمفتاح مسامير على سبيل المثال، ما المعنى الأعمق الذي تبحث عنه؟

هناك متعة خاصة يملكها حرفيو العصور الوسطى على سبيل المثال ولا زالت في بلد مثل المكسيك اليوم، متعة خلق شيء ما. والآن، قد تجد عددا لا بأس به من العمّال المهرة الذين يملكون هذه المتعة، ربما عامل في مصنع للحديد أو عامل يستخدم آلات معقدة ويشعر أنه يصنع فارقا بعمله هذا، أما البائع الذي يبيع سلعا لا فائدة منها يشعر أنه محتال ويكره هذه السلعة ككرهه لـ… شيء ما.

لكنك تقول سلعاً لا فائدة منها، وإن باع فرشات أسنان أو سيارات؟

نعم، الفائدة أمر نسبي. على سبيل المثال، حتى يغطي الشخص نفقاته لفترة محددة فعليه إقناع الناس بشراء أشياء يعلم أنهم ليسوا بحاجة لها. عندها تكون هذه الأشياء دون فائدة لهؤلاء الناس وإن كانت ذات فائدة كمادة منفردة.

في كتابتك عن الناس في أمريكا، قلتَ مرارا، وتحدثتَ مرارا عما أسميتَه “التوجه التسويقي”. ماذا تعني بالتوجه التسويقي دكتور (فروم)؟

أعني بذلك أن طريقتنا الأساسية في ربط أنفسنا بالآخرين هي كما تربط الأشياء بعضها ببعض في الأسواق. نريد أن نقايض شخصياتنا، أو كما يقال حزمة شخصياتنا بشيء ما. هذا ليس صحيحا بالنسبة للعمال، فالعامل ليس مضطرا لبيع شخصيته ولا لبيع ابتسامته. ولكن الأشخاص الذين يمكن تسميتهم بالمندفعين، أولئك الذين يتعاملون مع الشخصيات والناس والرجال، والذين يتلاعبون، وهذا مصطلح محترم نوعا ما، الذين يتلاعبون بالناس والإشارات والكلمات، يضطر هؤلاء لبيع ما هو أكثر من مجرد خدمات، عليهم بيع شخصياتهم نوعا ما كجزء من الصفقة ، وهناك استثناءات.

إذا فإحساسه بقيمته الخاصة يعتمد على القيمة التي يدفعها السوق؟

بالضبط، كحقيبة يد لا يمكن بيعها لعدم وجود طلب كاف عليها وبالتالي لا فائدة منها ماديا. وإن استطاعت الحقيبة أن تفكر فستشعر بنقص كبير لأنها لم تشترَ، وستشعر أنها دون فائدة. كذلك الإنسان الذي يعتبر نفسه مادة، وإن لم ينجح في بيع نفسه فسيشعر أنه مادة فعلا.

حسناً، لننتقل إلى علاقاتنا الاجتماعية، في مشاعرنا تجاه الجيران والأصدقاء، مالذي يحدث للإنسان في هذه المسائل؟

أريد أن أبدأ بقولي أن علاقتنا الاجتماعية ضحلة نسبيا، إننا خائفون من العلاقات العاطفية مع الناس. وهناك العديد ممن هم كذلك حتى مع أزواجهم وزوجاتهم. إننا نستبدل، أو بالأصح نُخفي هذا الخوف من العواطف بنوع من المودة الظاهرية وهذا أمر لطيف فعلا ولكنه لا يزال ضحلا جدا. وأعتقد أن هناك إجابة أخرى لسؤالك أود أن أعبر عنها، في الحقيقة، إن نظرت إلى الفرد الأمريكي الطبيعي، وقد أظهرت الدراسات ذلك، إنه يهتم بشأنه الخاص فقط، أي بثروته وماله وعائلته، لكنه ليس مهتما بمجتمعه، صحيح أنه يتحدث عنه لكن ما أعنيه بالاهتمام هو القلق الذي قد يفقدك نومك أحيانا. والأمريكي الطبيعي لا يفوّت نومه قطّ من أجل أمر متعلق مجتمعه أو ببلده، وبكل هذا أعني أنه قد فصل حياته الخاصة عن وجوده كجزء من مجتمعه وترك كل ذلك للمختصين وللحكومة.

أتعتقد أن هذا ما يحدث للإنسان الأمريكي، وبالطبع أنا لا نتحدث عن الإنسان الأمريكي كذكر فقط بل عن الإنسانة الأمريكية كذلك دكتور (فروم)، في علاقته بالسياسة وأفكاره السياسية؟

نعم بالطبع. لقد تخلينا بنفس الطريقة عن مسؤولياتنا وما يحدث في بلدنا وتركنا القرار للمختصين المسؤولين، أما المواطن فلا يشعر أن بإمكانه اتخاذ القرارات أو أن عليه أصلا أن يتخذ أي قرار أو أن يتحمل أية مسؤولية، أعتقد أن هناك العديد من التطورات مؤخرا تثبت ذلك.

مثل؟

على سبيل المثال، إننا نواجه احتمالية اندلاع حرب أو دمار ما في الزمن الحالي يهدد وجود دولتنا ويهدد العالم بأكمله، يعرف الناس هذه.

المعلومة ويقرؤونها في الصحف، يقرأ الناس أن الهجوم الأول قد يودي بحياة مائة مليون ضحية أمريكية، ومع ذلك يتحدثون عن الموضوع وكأنهم يتحدثون عن عيب في كربون سيارة على سبيل المثال. في الحقيقة، لقد أولوا اهتماماً أكبر لأوبئة الإنفلونزا أكثر من اهتمامهم بالقنبلة الذرية، لأن ..

ألا تظن أن في ذلك شيء من المبالغة، دكتور (فروم)؟

أتمنى لو كان الأمر كذلك حقيقة، لأن ما أراه هو عدد قليل نسبياً من الأشخاص الذين يهتمون ويشعرون بالخطر الذي يهددنا والذين يشعرون بمسؤولية القيام بشيء ما حيال ذلك.

حسناً، ربما عندما تتحدث عن مسؤولية القيام بشيء ما، فربما يكون ببساطة أننا نجد صعوبة بالغة في وضع بصمتنا في هذا المجتمع المتفكك الذي نعيش فيه. يريد كل فرد أن يفعل شيئًا ما ولكنه يجد صعوبة في التأثير والتغيير.

أعتقد أنك تشير هنا إلى أحد العيوب الأساسية في نظامنا، وهي أن المواطن الفرد ليس له تأثير ولا لرأيه قيمة في اتخاذ القرارات وأعتقد أن ذلك بحد ذاته يؤدي إلى قدر كبير من البلادة السياسية والغباء. صحيح أن على الفرد أن يفكر أولا ثم يتصرف، لكنه صحيح أيضا أنه إن يُتح يكن للفرد إمكانية التصرف فسيصبح التفكير فارغا وغبيا.

لنتحدث عن الإنسان وعلاقته بالحب والزواج؟

حسنا، أرى أن الحب أمر يتحدث عنه الجميع، والحاجة إلى الحب هي أحد الاحتياجات الأساسية للإنسان، وتحديدا تجربة الاتحاد مع شخص آخر والتحول من كائنين مختلفين إلى كائن واحد، ومع ذلك أرى أن الحب في يومنا هذا أصبح ظاهرة نادرة نوعا ما. لدينا الكثير من المشاعر ولدينا الكثير من الأوهام عن الحب وتحديدا أنه أمر نقع فيه، والحقيقة هي أنه لا يمكن لأحد أن يقع في الحب، بل قد يعيش في الحب. وهذا يعني أن تصبح المحبة أو تصبح القدرة على الحب أحد أهم الأمور في الحياة.

ولكن مالسبب في صعوبة عيشنا بِحُبّ كبشر، ما مشكلتنا من وجهة نظرك؟

لأننا منشغلون بالأشياء، منشغلون بالنجاح، منشغلون بالمال، منشغلون بالأدوات. وأهم الأمور التي نتحدث عنها في خطبنا الدينية هي أمور لا نلقي لها بالا في الأغلب. الحب ليس سهلا، كل الأديان المهمة تعتبر الحب من أهم الإنجازات، ولو كان الحب سهلا، أو بالسهولة التي يتحدثون عنها، فبالتأكيد أن القادة الدينيين العظماء لم يكونوا سوى سُذّج.

حسنا، لقد ذكرتَ ما نفكر فيه أو نتحدث عنه في خطبنا الدينية. ماذا عن الإنسان وعلاقته بدينه؟

أعتقد أنك ستجد الظاهرة نفسها. لدينا صحوة دينية اليوم في أمريكا، كما يقول الكثيرون. وشخصيا، أرى أن 90% من هذه الصحوة الدينية تُعتبر خطرا عظيما تواجهه التجارب الدينية الحقيقية.

لماذا؟

لأن هذه الحركة المسماة بالصحوة الدينية هي محاولة لدمج فكرة (ديل كارنيجي) عن كسب الأصدقاء والوصول إلى النجاح ومعايير الإنجيل بعهديه القديم والجديد. وبطريقة ذكية نوعا ما، وأحيانا ليست ذكية، يحاول الناس دمج اثنينهما. وهذا في الحقيقة يتناقض تماما مع روح تقاليدنا الدينية الحقة. يمكنني شرح ذلك بطريقة أخرى سيد والاس، يمكنني أن أقول أن الإنسان اليوم بانشغاله بالإنتاج والاستهلاك بكونهما غايات ليس لديه سوى القليل من الطاقة والوقت لتكريس نفسه للتجربة الدينية الحقيقية، لذا ..

عندما تتحدث عن التجربة الدينية الحقيقية، ماذا تعني بذلك؟

أعني بذلك القدرة على الشعور بحب عميق واتحاد عميق مع أقراني ومع الطبيعة، وإن كنت مؤمنا إيمانا تقليديا سأقول مع الرب. ولكن لا يهمني وجود الرب هنا أو عدم وجوده. المهم هو التجربة التي يخوضها الشخص.

الصورة التي ترسمها للمجتمع، ونحن هنا نتحدث عن المجتمع الغربي، أو المجتمع الأمريكي، الصورة التي ترسمها عنه صورة كئيبة للغاية. الآن، أحد الأمور الرئيسية التي تشغلنا، ودعني أوضّح، بطبيعة الحال أن شاغلنا الرئيسي كبشر، على الأقل في هذا الجزء من العالم هو أن ننجو ونعيش أحرارا، ونحقق ذاتنا. كيف يؤثر كل ما قلتَه على قدرتنا على أن ننجو ونعيش أحرارا في هذا العالم الذي يمر بأزمة حرجة حاليا؟

لقد تطرقتَ إلى نقطة مهمة هنا، وهي أن علينا اتخاذ قرار بشأن قيمنا، إذا كانت قيمنا السامية هي تطوير تقاليد غربية لإنسان يعتبر أهم ما في حياته هو الإنسان. وحب الإنسان، واحترام الإنسان، وكرامة الإنسان هي القيم السامية، فلا يمكننا إذا أن نتساءل عما إذا كان من الأفضل لحياتنا إسقاط هذه القيم. إن كانت تلك هي قيمنا السامية فيجب ألا نتخلى عنها وسواء عشنا أو متنا، لن نغير هذه القيم. ولكن إن بدأنا بافتراضات كإمكانية التعايش مع الروس إن تحولنا إلى مجتمع مُسيَّر، أو كما سمعت أحدهم يقول إن درّبنا جنودنا ليكونوا كالأتراك الذين حاربوا بشجاعة في كوريا. إن كنا مستعدين لتغيير جذري لحياتنا من أجل أن “نحيا” فلنفعل ذلك إذا وهذا ما سيهدد حياتنا، لأن نجاتنا هي نجاة كل أمة، مبنية على صدق وعمق الأفكار التي تعلنها وتتبناها، أعتقد أن خطرنا هو أننا نقول مالا نشعر به ولا نفعله.

ماذا تعني؟

أعني أننا نتحدث عن المساواة وعن السعادة وعن الحرية وعن قيم الدين الروحية وعن علاقتنا بربنا. ونتصرف في حياتنا اليومية بناء على مبادئ مختلفة وقد تكون متناقضة.

حسنا، أريد أن أطلب الآن أن توضح، ذكرتَ المساواة والسعادة والحرية؟

نعم، سأحاول. بالمساواة، أعني بنفس الطريقة التي فُهمَت بها مسبقا وهي الطريقة التي ذكرت في الإنجيل، أننا جميعا سواسية إذ خُلقنا في صورة ربنا. وإن تجنبت اللغة اللاهوتية سأقول أننا جميعا سواسية بطريقة ترفض أن يصبح إنسان وسيلة وغرضا لإنسان آخر، كل إنسان هو غاية بحد ذاته. نتحدث اليوم عن المساواة، لكني أعتقد أن ما يعنيه أغلب الناس هو التشابه، أن جميع البشر متشابهون، وهم متخوفون من أنهم إن لم يكونوا متشابهين فبالتالي لن يكونوا سواسية.

والسعادة؟

السعادة كلمة يفخر بها تراثنا الثقافي بأكمله، أعتقد أنك إن سألت الناس عن معانيهم للسعادة فهي تجربة الاستهلاك اللامحدود، وهو ما شرحه السيد (هاكسلي) في كتابه (عالم جديد شجاع)، أعتقد أنك إن سألت الناس عن مفهومهم عن الجنة فإن إجابتهم الصريحة هي أنها متجر كبير مليء بالأشياء الجديدة التي يعاد تجديدها أسبوعيا ومالٌ يمكنك به شراء كل شيء جديد. السعادة اليوم بالنسبة لمعظم الناس كما أعتقد هي الراحة بالشرب الأبدي المستمر من هذا المشروب وذاك وذاك.

وماذا يجب أن تكون السعادة؟

السعادة هي أمر ينتج عن التقارب الشديد، الخالص، الخلاق، الواعي، المتجاوب مع كل ما في الحياة من أناس وطبيعة. لا تستثني السعادة الحزن، إن تجاوب الشخص مع الحياة فسيكون سعيدا مرة وحزينا مرة أخرى، المهم أنه يتجاوب.

والأمر الثالث، الديمقراطية الحرة؟

حسنا، أستخدم كل هذه الكلمات عادة بعفوية. أود القول أن الديمقراطية كانت تعني يوما تنظيم المجتمع ونقله إلى حالة تجعل كل مواطن فيه يشعر بالمسؤولية ويتصرف بمسؤولية ويشارك في اتخاذ القرار. أرى أن الديمقراطية اليوم وفي الواقع تعني إلى حد كبير الموافقة بالتلاعب، ليس الموافقة الإجبارية بل الموافقة بالتلاعب والذي ساعد فيه أكثر وأكثر ما يحدث في شارع ماديسون.

حسنا إذا، الآن وقد حددنا أصل المشكلة، أخبرني كيف أصبحنا هكذا؟ ماذا حدث لنا؟ كيف انحرفنا عن الطريق؟

أعتقد أننا انحرفنا عن الطريق كما هي الحال مع معظم المجتمعات، حين اتبعنا هدفا واحدا بنجاح وأشغَلَنا اتّباعنا لهذا الهدف عن رؤية أهداف أخرى أكثر شمولا وأهمية، أعني بذلك أننا توجهنا إلى طريق مسدود. وحتى أكون دقيقا أكثر، أعتقد أننا انحرفنا أكثر وأكثر عندما اتجهنا إلى إنتاج الأشياء، وحينها خلقنا شقا بين العقل والعاطفة، لأنك إن أردتَ إنتاج تقنيات معاصرة فعليك الاعتماد على العقل وقد فعلنا ذلك باستثمارنا في الناس وجعلهم أذكياء وعباقرة ولكن حياتنا العاطفية أصبحت فقيرة.

أتتحدث عن الرأسمالية؟

نعم، أتحدث عن الرأسمالية وعن النظام الصناعي الذي أُنشئ منذ مائة عام أو مائتي عام

هل تقترح نظاما آخر؟ نظاما يقوي الإنسان ويساعده في فهم نفسه وتحقيق ذاته؟

نعم بالطبع. أنا اشتراكي، لكن أودّ أن أضيف أن ما أفهمه عن الاشتراكية هو عكس ما يعنيه الكثير من الناس أو معظم الناس اليوم بالاشتراكية.

اشرح.

إنني أفهم الاشتراكية أنها المجتمع الذي لا يكون فيه هدف الإنتاج هو الربح بل الفائدة، يساهم فيها المواطن الفرد باتخاذه المسؤولية في عمله وفي المنظومة الاجتماعية بأكملها والتي لا يكون فيها مجرد وسيلة تم توظيفها من المسؤولين.

لكن الدولة ستوظفه على أية حال، أليس كذلك دكتور (فروم)؟

نعم.

ألستَ تضع الفرد الاشتراكي تحت تصرف الدولة؟ ألا يقلل هذا من قيمة الفرد؟

حسنًا، علينا أن نوضح شيئا هنا، إذا زعم الروس أنهم اشتراكيون، فهذه برأيي هي مجرد كذبة. ليس لديهم اشتراكية على الإطلاق، لديهم ما يمكن أن أسميه الدولة الرأسمالية. نظامهم هو أكثر نظام رجعي ومقاوم للتغيير اليوم، أكثر من أي مكان آخر، في أوروبا، أو في أمريكا كذلك. وفي الواقع امتلاك الدولة للصناعة لا تسمى اشتراكية. في الواقع، لا فرق بين صناعة بريطانية دولية وصناعة محركات فورد الهندسية فيما يخص واقع العمل في المصانع.

حسنا إذا، ماهي الاشتراكية؟ إن لم تكن هذه اشتراكية، فما هي؟

حسنا، حتى أكون دقيقا أود القول أن الاشتراكية هي كإدارة مشروع ما من قبل كل من يعمل في هذا المشروع. أعتبر الاشتراكية مزيجا بين الحد الأدنى من المركزية الضرورية لدولة صناعية حديثة والحد الأعلى من اللامركزية. ما أود قوله سيد والاس، هو أننا مبدعون جدا عندما يتعلق الأمر بالتقنيات والعلم، أما عندما يتعلق الأمر بالتغيير في المنظومة الاجتماعية فإننا نفتقد إلى الخيال تماما، إذا أردنا …

ولكن دكتور (فروم)، ما زلت أفكر أثناء حديثك أننا أُخبرنا من عدة جهات بأن لدينا اشتراكية زاحفة تتجه الآن إلى الولايات المتحدة وبالتأكيد أنها بلد أكثر اشتراكية اليوم مما كانت عليه قبل 20 أو 25 سنة ومع ذلك أنت نفسك تشتكي من البيروقراطية، أنت نفسك تشتكي من أن الفرد فقد طريقه في البلد التي نعيش فيها، وفي الوقت نفسه تدعو إلى المزيد من الاشتراكية. ألستَ تضيف سمّاً إلى السم الذي يتم حقنه بالفعل في نظامنا، إذا كانت الاشتراكية سم فعلا؟

نعم، ولكن الاشتراكية كما أراها هي نقيض البلد المحكومة بيروقراطيا. نتحدث اليوم كثيرا عن روسيا، لكني أخشى أننا خلال 20 سنة، سنصبح نحن وروسيا أكثر تشابها لا اختلافا.

لماذا؟

لأن ما هو شائع في كلا المجتمعين هو تطورهما إلى مجتمعات مشوهة تديرها بيروقراطيات عظمى، تتحكم بالبشر. يفعلها الروس بالإجبار ونفعلها نحن بالإقناع. إنني أقدر الاختلاف الهائل حيث يمكننا التعبير عن الأفكار دون خوف من التعرض للقتل أو السجن، لكنني أعتقد أن الروس قد يتخلصون هذا من الإرهاب خلال 20 أو 30 عامًا عندما يكونون أغنى وعند عدم حاجتهم إلى استخدام هذه الأساليب القمعية. الشيء المشترك بيننا هو وجود عدد كبير من الناس ووجود بيروقراطية عظمى تتلاعب بالجميع للتحكم في تصرفاتهم مع إيهامهم أنهم يتخذون قراراتهم الخاصة وآرائهم الخاصة.

حتى الآن، أنا شخصياً إن سمحت لي أن أعبر عن رأيي أتفق معك، ولكني أجد صعوبة في الاتفاق مع حلّك، أتفق مع التشخيص ولكن أختلف مع العلاج، لأني لا أفهم اشتراكيتك على ما أعتقد.

إنه أمر صعب جدا. لأن الروس قد نجحوا في شيء واحد، لقد خدعوا العالم بادعائهم أنهم يمثلون الاشتراكية ويمثلون أفكار ماركس وقد قدّمنا لادعائهم أعظم خدمة باتفاقنا مع ما يقولون. سأحتاج وقتا كبيرا للتوضيح أن الاشتراكية من المنظور الديمقراطي والتي عناها ماركس والتي كما فهمتها هي نقيض المجتمع المحكوم تماما، المحكوم ببيروقراطية عظمى. كيف يمكن تحقيق ذلك، كيف يمكن إثارة المسؤولية الفردية وتعزيزها، هذه مسألة تخوض في النظام الاجتماعي وتحتاج الكثير من التفاصيل.

أين يمكنني ويمكن لمشاهدينا الليلة معرفة المزيد عن هذا؟

حاولت شرح ذلك في أحد كتبي، (المجتمع العاقل) “The Sane Society“، أريد أن أذكر أن (ماركس) وإنجيل العهد القديم يتشاركان في شيء ما وأرجو تقبّل المقارنة، كثير من الناس يتحدثون عنهما ولا يوجد من يقرأ لهما فعلا، والحقيقة أن هناك العديد من كتابات (ماركس) المهمة التي لم تترجم إلى الإنجليزية حتى.

إذا فنصيحتك هي قراءة ما كتبه الدكتور (إيريك فروم) و(كارل ماركس).

ليس تماما، لكني أفخر بهذه الصحبة

سؤال أخير يا دكتور، أثناء قراءة المجتمع العاقل، ويؤسفني أن أقول أن عليك الإجابة في نصف دقيقة، أشعر بشيء من اليأس من (إيريك فروم) تجاه مستقبل هذا العالم.

سيد (والاس)، إنني أشعر بقلق، قلق شديد تجاه أمر واحد وهو احتمالية الوقوع أو صعوبة تجنب حرب ذرية، واهتمامي الوحيد اليوم هو أن نستمر في وضع سياسة خلف سياسة حتى تمكننا من تجنب كارثة أقل ما يقال عنها أنها لا توصف. عدا ذلك، لدي إيمان كبير بإمكانيات الناس والذين أثبتوا قدراتهم سلفا، وأؤمن أننا إن تجنبنا الحرب فسنستطيع أن نحيي قيمنا الحقيقية في الحياة، لكن علينا أولا رؤيتها ولذا علينا نقد وضعنا الحالي.

شكرا دكتور (فروم) على مجيئك وقضاء هذا الوقت معنا.

سواء وافقتم على حله أم لا، يشير الدكتور (إريك فروم) إلى مشكلة ملحة. في رأيه، تميل أمريكا إلى تقديس الآلات بدلاً من الإنسان، نفضّل النجاح على التعقل. يقول الدكتور (فروم) أن المجتمع الذي يريد أن يتمتع بالحرية السياسية فعليه أن يحصّن نفسه من هذا الاستعباد الروحي