خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | علم النفس والاجتماع

ماذا يمكن أن تقدم لنا علوم النفس والاجتماع من معرفة ؟ كيف يمكن أن نستفيد منها ونستلهم منها ؟

سونتاج عن حكمة الأدب وخطر الآراء ومهمة الكاتب

 

سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية.

على الكاتب أن لا يكون ماكِنَة آراء.. مهمة الكاتب هي السماح لنا برؤية العالم كما هو مليء بالكثير من الادعاءات والأجزاء والتجارب المختلفة.

“تنتمي الكلمات إلى بعضها” سجلت (فرجينيا وولف) في التسجيل الصوتي الوحيد الباقي لها. “الكلمات أحداث، فهي تحدث أشياء وتغير أشياء” كتبت (أورسولا لي جوين) بعد عقود عديدة لاحقة في تأمل سحر الحوار الحقيقي. أما الشاعر (ديفيد وايت) فلقد أدهشه “جمال الكلمات الخفي والغاوي بغموضه” في رحلته لاسترداد المعاني الأعمق للكلمات الاعتيادية.

لكن ماذا تفعل الكلمات حقًا؟ ما هي المسؤولية التي تحملها الكلمات تجاهنا وما المسؤولية التي نحملها تجاه الكلمات؟

هذا ما تتقصاه (سوزان سونتاغ) في خطابها المذهل لقبول جائزة القدس عام ٢٠٠١ والذي نشر تحت عنوان “ضمير الكلمات” في كتابها (في آنٍ واحد: مقالات وخطابات). الكتاب الذي لا غنى عنه والذي نشر بعد وفاتها من مقتطفات أدبية مختارة أتاحت لنا مقالات عدة لـ(سونتاغ) عن الشجاعة الأخلاقية وقوة المقاومة المنضبطة للظلم، الأدب والحرية ، الجمال مقابل الجاذبية، ونصيحتها للكتاب.

تبدأ (سونتاغ) بقياس مرونة اللغة وقدرة الكلمات على تضخيم المعاني بالقدر نفسه الذي يمكنها به تقليصها.

نحن الكتاب تقلقنا الكلمات. تحمل الكلمات معاني وتشير إلى أشياء. الكلمات أسهم عالقه في الجلد الخشن للواقع. وكلما كانت الكلمات منمقة و متداولة كلما أصبحت تمثل غرف وأنفاق من الممكن أن تتسع أو أن تتداعى. يمكن للكلمات أن تحمل رائحة سيئة وغالبًا سوف تذكرنا بغرف أخرى حيث نفضل السكون أو غرف نظن فيها أننا بالفعل أحياء. من الممكن أيضًا أن تكون مساحات نخسر فيها فن وجزالة الاستقرار. وأخيرًا هذه الغايات العقلية الجسيمة التي لا نستطيع العيش فيها سوف تهجر وتتوارى وتغلق.

على سبيل المثال ماذا نقصد بكلمة “سلام”؟ هل نقصد غياب الاضطراب؟ هل نقصد النسيان؟ هل نقصد الغفران؟ هل نقصد إعياء عظيم ومرهق أم هل نقصد التجرد من الضغينة؟ يبدو لي أن ما يقصده معظم الناس “بالسلام” هو الانتصار. انتصار جانبهم، هذا ما يعنيه لهم “السلام” بينما يعني “السلام” للآخرين الهزيمة. يصبح السلام مساحة لا يعلم الإنسان كيف يستقر فيها.

تأملاً في الاسم الكامل للجائزة التي أنتجت خطابها – جائزة القدس لحرية الفرد في المجتمع – تتفكر (سونتاغ) في علاقة الكاتب بالكلمات كأدوات تمثل الكاتب شخصياً:

ليس مهماً ما يقوله الكاتب، المهم هو الكاتب نفسه.

الكتاب – ومن اقصد هم أعضاء الجماعة الأدبية – هم رموز للاجتهاد، وضرورة، الرؤية الفردية.

ولكن لأن “هناك الكثير مما يبعث التناقضات في كل شيء” كما لاحظت (سونتاغ) بأسى قبل ربع قرن، هنالك جانب مظلم لمفهوم الرؤية الفردية. في نص يتناسب جداً وعصرنا، عصر الانتشار الذاتي والهوية، (سونتاغ) التي عاشت خلال عصر الأنا كتبت:

الدعاية الترويجية الغير منقطعة في عصرنا “للفرد” تبدو لي مشبوهة جدًا فيما تصبح “الفردية” مرادفًا للأنانية. مجتمع رأسمالي يصبح مهتمًا بتمجيد “الفردية” و“الحرية” والذي من الممكن أن يعني أن لهذا المجتمع حق أبدي في تضخيم النفس والحرية في التخزين والاستيلاء والاستغلال والاستنزاف حتى يندثر هذا المجتمع.

أنا لا أؤمن بأن لتهذيب النفس قيمة وراثية وأعتقد أنه ليس هنالك حضارة، استخدم هذا المصطلح بشكل معياري، لا تملك مقياسًا للإيثار والاهتمام بالغير. أنا أؤمن بأن هنالك قيمة متأصلة في تعميق وعينا بما يمكن أن تكون عليه الحياة الإنسانية. إذا خاطبني الأدب كمشروع ، كقارئة أولاً وكاتبة ثانياً فما هو إلا امتداد لتعاطفي مع أنفس ومجالات و أحلام وكلمات واهتمامات أخرى.

في رؤية متضادة ثقافياً اليوم ، كما نرى مهن تبنى على أفكار معلقه متراكمة (سونتاغ) تعطي اعتبارًا لمهمة الكاتب الحقيقية:

على الكاتب أن لا يكون ماكِنَة آراء.. مهمة الكاتب الأولى هي قول الحقيقة لا امتلاك الآراء. يجب عليه أن يرفض مشاركة الأكاذيب والتضليلات. فالأدب هو بيت التباين والفروق الدقيقة ضد أصوات التبسيط ومهمة الكاتب هي أن يجعل تصديق لصوص الفكر صعباً. مهمة الكاتب هي السماح لنا برؤية العالم كما هو مليء بالكثير من الادعاءات والأجزاء والتجارب المختلفة.

إن مهمة الكاتب هي تصوير الحقائق: الحقائق المنحلة وحقائق الفرح. هذا هو جوهر الحكمة الأدبية، تعددية الإنجازات الأدبية، مساعدتنا على فهم أن ما يحدث الآن يحمل في طياته حدثاً آخر.  

كلمات (سونتاغ) تنشر إدراك مؤلم لنزعتنا المعاصره في بناء آراء سريعة وغلط آراء مبنية على المعرفة بما هي أساساً أصداء لردود أفعال أخرى.

تلاحظ (سونتاغ): “من الفظاظة إشاعة آراء للعامة لا يملك الشخص فيها معرفة مباشرة عميقة.  إذا تحدثت عن ما لا أعرف أو عن ما أعرف باستهتار فإن هذا مجرد تسويق للآراء. مشكلة الآراء هي أن الشخص يعلق فيها. وكلما تصرف الكتاب ككتاب فإنهم دائمًا يرون أكثر.”

توثيقًا لقوة الأدب في ضبط الفوارق البسطية للمعنى واحتفالًا بما تسميه الشاعره (إليزابيث ألكسندر) “تعددية المعاني والأصوات والمتحدثين” تضيف (سونتاغ):

إذا كان الأدب، هذا المشروع الضخم الذي تم تنظيمه، في مجال اختصاصنا، منذ ما يقارب آلاف السنين يتضمن الحكمة – وأنا أعتقد بأنه يتضمن الحكمة وأنها في الأصل جوهر ضرورة الأدب لدينا – فهو يتضمنها من خلال عرضه لازدواجية طبيعة مصائرنا الشخصية والجماعية. سوف يذكرنا باحتمالية وجود التناقضات وأحيانًا النزاعات التي لا يمكن اختزالها بين القيم التي نعتز بها كثيرًا.

هذا الإدراك بالتعددية والتكامل تنشأ منه أرفع مهة للأدب وأعظم جزاء. بعد قرون تلت أحد أعظم مؤثريها (هيغل)، والذي حذر من خطورة الآراء الثابتة، تكتب (سونتاغ):

الحكمة في الأدب معاكسة لامتلاك الآراء.  تَوْرِيد الآراء، حتى الآراء الصحيحة – عندما تطلب – يرخص من قيمة ما يقوم به الشعراء والروائيون على أكمل وجه وهو مناصرة التفكر واستكشاف الغموض.

في رؤية مرتبطة ارتباطًا استثنائيًا بالحاضر، فيما يتزايد كفاحنا للعيش مع الحكمة في عصر المعلومات، تردد (سونتاغ) صدى أفكار بطلها والتر ينجامين الأبدية عن الفرق الجوهري بين المعرفة والتنوير، وتقدر مهمة الروائي المطلقة:

لن تستبدل المعرفة التنوير أبدًا. دع المشاهير والسياسيين يتحدثون معنا بدونية، يكذبون. لو أن كونك كاتبًا وصوتًا عامًا من الممكن أن يرمز إلى ما هو أفضل فإن ذلك سيكون اعتبار عملية تكوين الآراء والأحكام مسؤولية صعبة.

مشكلة أخرى مع الآراء هي أنها من محركات شل الحركة الذاتية. من المفترض أن ما يفعله الكتاب باستطاعته أن يحررنا ويهزنا. أن يفتح طرقًا للرأفة واهتمامات جديدة. وأن يسمح لنا بأن نتذكر أنه من الممكن أن نطمح في أن نصبح مختلفين وأفضل مما نحن عليه. أن نتذكر أننا نستطيع أن نتغير.


[المصدر]

تودوروف تساءل؛ كيف نتعامل مع المختلفين؟

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

في كتابه (نحن والآخرون) والذي ترجمته الأستاذة (ربى حمود) إلى اللغة العربية، يتساءل (تودوروف) في خاتمة كتابه؛ “كيف يمكن، كيف ينبغي أن نتصرف تجاه أولئك الذين لا ينتمون إلى الجماعة التي ننتمي إليها؟”

يعتمد الدرس الأول الذي تعلمناه على التخلي عن تأسيس استدلالاتنا على تمييز من هذا النوع. على أن الكائنات الإنسانية قامت باستدلالات من هذا النوع، منذ أبد الدهر، واكتفت بتغيير موضوع المديح، […] حكم البشر على أنفسهم بأنهم أفضل مَن في العالم، وقدّروا أن الآخرين سيئون أو خيّرون تبعًا لبعدهم أو قربهم منهم؛ وعلى العكس من ذلك، […] وجدت الكائنات الإنسانية أن الشعوب الأبعد هي الشعوب الأسعد والأكثر إثارة للإعجاب. في حين أنها لم تجد في تجمعاتنا الخاصة إلا الانحطاط، وفي الحالتين، نحن أمام وهم بصري؛ “نحن” لسنا بالضرورة صالحين، ولا “الآخرون” كذلك.

يلخّص حديثه قائلًا:

كل ما يمكن قوله بهذا الخصوص هو أنه في الانفتاح على الآخرين وفي رفض إقصاءهم دون دراسة، حسنة يمتاز بها الإنسان عن غيره.

ثم يتساءل بعد ذلك: “ما معنى انتماءنا إلى تجمّع ما؟ وكيف نبرر أحكامنا؟”. ويجيب قائلًا:

ليست الكائنات الإنسانية مجرد أفراد منتمين إلى نوع واحد بحد ذاته، بل إنها تنتمي أيضًا إلى تجمعات خاصة ومتنوعة، تولد هذه الكائنات فيها وتتصرف. التجمّع الأقوى حاليًا هو ما يُسمى بالأمة، ونعني بهذا التطابق الكامل تقريبًا بين الدولة والثقافة. الانتماء إلى الإنسانية مختلف تمامًا عن الانتماء إلى الأمة، كان (روسو) يقول: “الإنسان ليس المواطن”، حتى أنه يوجد بين الاثنين نزاع كامن، قد يصبح علنيًا في اليوم الذي نجد فيه أنفسنا مجبرين على الاختيار بين قيم الإنسانية وقيم الأمة. يُحكم على الإنسان ضمن هذا المعنى للكلمة، انطلاقًا من مبادئ أخلاقية، بينما ينشأ سلوك المواطن من وجهة نظر سياسية.

لا يمكن إقصاء أي من وجهي الحياة الإنسانية هذين، ولا يمكن اختزال الواحدة في الأخرى، من الأفضل أن نعي دومًا هذه الثنائية المأساوية أحيانًا. وفي الوقت نفسه، فإن الفصل الجذري بين عناصرها ووضعها في أفلاك لا تتواصل في ما بينها أبدًا، قد يكون وخيم العواقب أيضًا. […] لا تنطبق الأخلاق على السياسة، لكنها تستطيع وضع حواجز لا يحق للسياسة أن تتخطاها. إذ لا يعفينا الانتماء إلى الإنسانية من الانتماء إلى الأمة، ولا يمكن أن يحل محله، لكن على الأحاسيس الإنسانية أن تتمكن من احتواء منطق الدولة.

يتابع حديثه بعد ذلك، فيقول:

وجود شيء ما، لا يعني أنه يجب أن يكون. على كل حال، يعمد الفرد وبشكل جيد جدًا إلى التصحيح بنفسه، فلا يخلط بين الحب والعدالة، إنه يحب ابنه أكثر من ابن جاره، لكن عندما يوجد الاثنان في بيته، فهو يعطيهم حصصًا متساوية من الحلوى. ثم أن الشفقة ليست أقل طبيعية من الأنانية، ومن خصوص الكائن الإنساني أن يرى ما هو أبعد من مصلحته، ولهذا فإن الشعور الأخلاقي موجود.

ويكمل حديثه في موضع آخر، قائلًا:

لا يتحدد ما هو إنساني، حقًا، بهذه السمة الثقافية أو تلك حتمًا. فالكائنات الإنسانية تتأثر بالسياق الذي تأتي من خلاله إلى العالم، ويتغير هذا السياق تبعًا للزمان والمكان. العنصر المشترك بين مجمل الكائنات الإنسانية هو القدرة على رفض هذه التحديات، وبتعبير فيه أقل قدر من الرسمية، سنقول أن الحرية هي السمة المميزة للنوع الإنساني.

الوحدة واحتياج البشر إلى العاطفة عند فان غوخ

فان غوخ

فينسنت فيليم فان غوخ (1853 – 1890) كان رساماً هولندياً، مصنف كأحد فناني الانطباعية. تتضمن رسومه بعضًا من أكثر القطع شهرة وشعبية وأغلاها سعراً في العالم. عانى من نوبات متكررة من المرض العقلي -توجد حولها العديد من النظريات المختلفة- وأثناء إحدى هذه الحوادث الشهيرة، قطع جزءاً من أذنه اليمنى. كان من أشهر فناني التصوير التشكيلي. اتجه للرسم التشكيلي للتعبير عن مشاعره وعاطفته. في آخر خمس سنوات من عمره رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية.

في الخامس عشر من أغسطس 1879، كتب (فان غوخ) رسالة إلى أخيه (ثيو)، يتحدث فيها عن الوحدة، وحاجة البشر إلى العاطفة والألفة، ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (فان غوخ) في رسالته:

عزيزي ثيو،
أنا أكتب إليك لأعبر عن مدى إمتناني لزيارتك. لقد مر وقت طويل منذ أن تقابلنا أو تراسلنا كما كنا نفعل سابقًا. ومع ذلك، فإنه من الأفضل أن نكون مُقربين، لبعض الوقت، على أن نكون عديمي الحياة تجاه بعضنا البعض … على الأقل، أثبتت هذه السويعات التي قضيناها معًا أننا مازلنا ننتمي لأرض الأحياء. عندما رأيتُك مرة أخرى وتجولنا سويًا، شعرت بشيٍئ لم أعد أشعر به كثيرًا، وهو أن الحياة شيئ جيد وثمين، ويجب على الإنسان أن يقدرها. وشعرت أنني سعيد ومفعم بالحياة أكثر مما شعرت به منذ وقت طويل. فمؤخرًا، وبالرغم مني، أصبحت تدريجيًا أشعر باللامبالاة تجاه حياتي، وأحسها أقل قيمة وأهمية، أو هكذا بدت لي.
عندما يعيش الإنسان مع الآخرين ويشعر بعاطفة تجاههم، يكتشف وجود مغزى لحياته وأنه في نهاية الأمر ليس بكائن ضئيل أو قابل للاستبدال، بل صالح لفعل شيئ ما، فتقديرنا السليم لذواتنا يعتمد بشكل كبير على علاقتنا بالآخرين.
سيعاني السجين الممنوع من العمل والمحكوم عليه بالعزلة، بعد مدة طويلة من سجنه، من نتائج كالتي يعاني منها من بقي بلا طعام لمدة طويلة. أنا أحتاج، مثل سائر البشر، إلى المودة والعلاقات الدافئة و الحميمية، فأنا لم أُصنَع من الحجر أو الحديد، فلا يمكن الا أشعر بفراغ أو بغياب شيئ ما، عندما تكون الحياة بدون هذه الأشياء – وأنا أخبرك بكل هذا لتعلم كم كان تأثير زيارتك جيد عليّ.
[…]
وأنا استرجع زيارتك في مخيلتي بإمتنان، تعود أفكاري بي إلى قرارتنا ايضًا: خطط من أجل الإصلاح والتغيير وإثارة الحيوية بداخلي. لقد امتلكت بعض من هذه الخطط في الماضي، حتى الكثير منها في بعض الأحيان، وبشكل مستمر – ولكن، ولا تنزعج من قولي هذا، أنا أخافها قليلًا، لأنني في بعض الأحيان سعيت بالفعل لتحقيقها ولم أجني منها سوى أمال مُحطمة.
التغيير من أجل حياة أفضل، الا يجب علي التعطش إلى ذلك؟ أم أنه يأتي على الإنسان وقت لا يحتاج حينها إلى تحسين حالته؟ أتمنى أن يتغير حالي إلى الأفضل. ولكن أن يكون السبب تحديدًا لأنني أطمح إلى ذلك، فأنا أخاف من العلاج الأكثر ضررًا من المرض.
هل يمكنك لوم مريض على الوقوف في وجه طبيبه ورفض تعاطي العلاج الخاطئ؟ هل من الخطأ أن يُصر شخصًا يعاني من داء السل أو حمى التيفوس أنه سيحتاج إلى علاج أكثر فاعلية من مجرد شرب المياة، وأن يشكك في قوة تأثيرها في حالته؟ سيكون خطأ من الطبيب الذي كتب له هذا العلاج أن يقول: هذا المريض حيوان عنيد وسيلقي بنفسه إلى التهلكة لإنه يرفض تعاطي دواءه – لا، المشكلة ليست في أن المريض غير راغب بذلك، بل لإن ما يسميه الطبيب دواءًا، هو بلا قيمة. فيمكن لهذا الدواء أن يكون ذو تأثير جيد لشيئ ما، لكنه لا يناسب حالته.
هل يمكنك لوم شخص على الشعور باللامبالاة تجاه لوحة صنفت على انها لوحة لميملنج، لكنها لا تملك أي صفة مشتركة مع لوحات ميملنج أكثر من كونها ذات موضوع مماثل للعصر القوطي، ولكن بدون إستحقاق فني؟
والآن، إنني أرى صدقًا أنه سيكون من الأفضل لو أن علاقتنا كانت أكثر قربًا من كلا الطرفين. وإذا شعرت، بجدية، أنني اُشكل عائقًا لك أو لأسرتي في المنزل، أو أنني بلا فائدة لأي منكم … فسيكون من الأفضل لو انني غادرت نهائيًا – عندما أفكر في ذلك، يغمرني شعور بالحزن واليأس. فأنا أجد صعوبة بالغة في تحمل هذه الفكرة، وصعوبة أكبر في تحمل فكرة أنني تسببت بشكلًا ما في الكثر من الحزن والأسى بيننا أو في المنزل، وإذا كان هذا ما حدث بالفعل، فأتمنى الا يتبقى لي الكثير من الوقت على قيد هذه الحياة.
ومع ذلك، عندما تتسبب هذه الفكرة بشعوري بإكتئاب شديد وعميق، يأتيني بعدها بفترة طويلة فكرة أخرى: ربما كان ذلك فقط حلم مرعب، ولاحقًا سأستيقظ وأراه وأفهمه بطريقة أكثر وضوحًا. ام أن ذلك حقيقيًا؟ وهل سيتحسن الحال يومًا ام سيزداد سوءًا؟ ربما يرى الكثيرون انه من الغباء أن تؤمن بالتغيير إلى الأفضل.
في بعض الأحيان يصبح الطقس قارص البرودة، فيقول المرء: “إن البرودة باتت شديدة إلى حد عدم إهتمامي بمجيئ الصيف من عدمه”، فيتغلب الألم على الخير. ولكن، شئنا أم أبينا، يأتي يوم وينتهي فيه هذا الطقس القاس. وفي صباح صاف لإحدى الأيام، تتغير الرياح ويُذيب الدفء آثار البرد والجليد. عندما أقارن حالة الطقس بحالتي النفسية وظروفي، وأراها، مثل الطقس، مُعرضة للتغيير والتحول، أشعر عندها بوجود بعض الأمل في تحسن الأحوال إلى الأفضل.
سأكون سعيدًا للغاية إذا كتبت لي قريبًا مرة أخرى … إلى اللقاء، فلتقبل مصافحتي لك في مخيلتي، ولتصدقني،
المخلص،
فينسنت

مالك بن نبي، وحديث عن أدوار الوثنية

المفكر-الإسلامي-مالك-بن-نبي[1]

مالك بن نبي (1905-1973م) من أبرز المفكرين في القرن العشرين، أهتم بالبحث في مشكلات الحضارة في العالم الإسلامي واعتمد في بحثه منهجا ً مبنياً على أسس من علم الاجتماع وعلم النفس وسنن التاريخ.

يُعدّ المفكر الجزائرى (مالك بن نبى) أحد رُوّاد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين، ويُمكن اعتباره امتدَادًا لـ(ابن خلدون)، ويعد من أكثر المفكرين المعاصرين الذين نبّهوا إلى ضرورة العناية بمشكلات الحضارة.

وكان (بن نبى) أول باحث يُحاول أن يُحدّد أبعاد المشكلة، ويحدد العناصر الأساسية في الإصلاح، ويبعد في البحث عن العوارض، وكان كذلك أول من أودع منهجًا مُحدّدا في بحث مشكلة المسلمين على أساس من علم النفس والاجتماع وسنة التاريخ.

يتحدث (مالك بن نبي) في كتابه (شروط النهضة) عن دور الوثنية في غياب الفكر وحضور الصنم فيقول:

من المعروف أن القرآن الكريم قد أطلق اسم الجاهلية على الفترة التي كانت قبل الإسلام، ولم يشفع لهم شعر رائع، وأدب فذ، من أن يصفهم القرآن بهذا الوصف، لأن التراث الثقافي العربي لم يكن يحوي سوى الديباجة المشرقة الخالية من كل عنصر “خلاق” أو فكرة عميق. وإذا كانت الوثنية في نظر الإسلام جاهلية، فإن الجهل في حقيقته وثنية، لأنه لا يغرس أفكاراً، بل ينصب أصناماً، وهذا هو شأن الجاهلية.

ثم يبين عن غياب الفكرة وحضور الوثنية فيقول:

فلم يكن من باب الصدفة المحضة أن تكون الشعوب البدائية وثنية ساذجة، ولم يكن عجيباً أيضاً أن مر الشعب العربي بتلك المرحلة، حين شيد معبداً للأقطاب (الدراويش) المتصرفين في الكون، ومن سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم، والعكس صحيح أحياناً.

وعن جهل المتعلم يقول:

ألا قاتل الله الجهل، الجهل الذي يلبسه أصحابه ثوب العلم، فإن هذا النوع أخطر على المجتمع من جهل العوام لأن جهل العوام بيّن ظاهر يسهل علاجه، أما الأول فهو متخف في غرور المتعلمين.

معادلة الحضارة عند (مالك بن نبي) من:

الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت

ويرى أن الوثنية هي غياب الفكرة والروح الدافعة للعمل، غياب ذاك الإيمان الذي يضم مركبات الحضارة.

لماذا ندرس العلوم الإنسانية؟ جون هورجان يجيب

جون هورغان

جون هورجان (مواليد 1953)، هو كاتب أمريكي، اشتهر عام 1996 بكتابه (نهاية العلم). نشر العديد من المقالات في عدة صحف شهيرة، منها (ناتشيونال جيوغرافيك)، (نيويورك تايمز)، وغيرها. يدير (هورجان) مركز كتابات العلوم في معهد ستفينسونز التكنولوجية.

في مقالة نشرتها مجلة (Scientific American) العلمية الشهيرة، بعنوان “لماذا ندرس العلوم الإنسانية؟ حديثي مع الطلبة في كلية الهندسة”، نقدمها بترجمة حصرية لدى ساقية، تحدث (هورجان) عن أهمية العلوم الإنسانية، فيقول مستفتحًا:

ما أهمية العلوم الإنسانية ؟ ما الذي سنجنيه من دراسة الفلسفة والتاريخ والأدب و العلوم الناعمة كعلم النفس والسياسة؟ هذا ما حاولت لجنة الانسانيات والعلوم الاجتماعية التي تتكون من مجموعة من كبار الأكاديميين والسياسين والعاملين في قطاع الشركات و الترفيه الإجابة عليه في تقرير مطول تم تقديمه إلى الكونجرس الأمريكي. يهدف التقرير إلى دعم و مواجهة القصور في الاقبال على الإنسانيات، حيث يتنامى انطباع يرى هذه التخصصات كماليات لا يستطيع الطلاب تحمل عناء تكلفتها كما أشارت إلى ذلك صحيفة النيويورك تايمز.

يقول التقرير الذي عُنْوِنَ بـ(جوهر القضية): “في سعينا الجاد لصناعة خطاب عام أكثر مدنية، وقوى عاملة أكثر إبداعاً وقدرة على التكيف، وأمة أكثر أمناً، تقع الإنسانيات والعلوم الإجتماعية في جوهر هذه القضية. حيث تحافظ هذه العلوم على الدولة من خلال كونها مصدراً للقوة المدنية والذاكرة الوطنية والتفاهم الثقافي والقيمة الفردية والمُثل التي نتشاركها جميعاً. كل هذه الأمور تعتبر حساسة وحاسمة للمجتمع الديموقراطي ومن هنا فإن هذه العلوم تحتاج إلى دعمنا.”

في الحقيقة فإني أجد هذا الدفاع عن العلوم الإنسانية فيه من التكلف والغموض الكثير.  خلال السنوات الماضية استطعت أن أصيغ دفاعي الخاص عن الإنسانيات وذلك أثناء تدريسي مقرر جديد للطلبة المستجدين في معهد ستفينسونز التكنولوجية. اشتملت الخطة الدراسية على وجوه الفكر والفلسفة والأدب في الحضارة الغربية كـ(سوفوكليس)، (أفلاطون)، (ثيودوروس)، (شكسبير) و(ديكارت) و(هوبز)، (لوك)، (كانط)، (مِل)، (ماركس) و(نيتشه)، و(ليم جيمس)، (فرويد)، (كينز)، (إليوت). شخصياً، أحب تدريس هذا المقرر، ولكن أعلم بأن أغلب الطلبة لا يودون دراسته. ولذلك قمت بسؤال التلاميذ “كم شخص يود تجاوز هذا المقرر في حال أنه لم يكن مقرر عليهم إجبارياً؟” وبعد طمأنتي بأنهم لن يؤذوا مشاعري ارتفعت كل الأيدي.

وعندما حاولت استقصاء أصل الإشكال، علل الطلاب مجيئهم للجامعة برغبتهم دراسة الهندسة وعلوم الحاسوب والفيزياء والطب والاقتصاد وانتاج الموسيقى الرقمي وما إلى ذلك من تخصصات.  فلا حاجة لهم بدراسة هذه العلوم التي لن تفيدهم بشيء في مسيرتهم المهنية مستقبلاً.


ولطالما كانت الإجابة عن سؤال “هل يعرفون سبب فرض هذا المقرر عليهم؟”  إجابة متحاذقة ومتعجرفة على النحو الآتي “إرادة الجامعة بأن تكون دراستنا أكثر توازناً وشمولاً”. هذه الإجابة أثارت حفيظتي واستغرابي دوماً، فلم أجد لها معنى. فليس الهدف أن تكون قادراً على الثرثرة عن (شكسبير) أو غيره في المناسبات للتباهي إن كان هذا ما تعنيه جملة “أكثر توازناً وشمولاً”. كنت أعقب هذا الحوار بكلمة عن المقرر أقول فيها: “نحن نعيش في زمن أصبح فيه العلم مسيطراً على كل شيء. هذا أمر جيد، فأنا أصبحت كاتب علمي لأنني أرى أن العلوم هي أكثر الأمور حيوية ونشاطاً وتشويقا في الثقافة البشرية، ولذلك أردت أن اكون جزءاً من هذا .”

بالإضافة إلى ذلك، فإن اثنان من أطفالي في عمر الجامعة ولا أخفيكم بأنني سوف أشعر بسعادة غامرة إذا ما قررا أن يكملا مسيرتهم المهنية في علوم كالهندسة أو الطب. وسوف أحثهم على تعلم المزيد من العلوم والرياضيات بقدر استطاعتهم لأن هذه المهارات سوف تزيد من فرص حصولهم على عمل ذو قيمة رفيعة الشأن. إلا أنه وبسبب قوة ونفوذ العلوم نحتاج الإنسانيات الآن أكثر مما مضىى؛ أكثر ما نتلقاه في محاضرات الرياضيات والهندسة من حقائق وإجابات ومعارف تصاغ من قبل المعلم على أنها قطعية وإلزامية غير قابلة للشك. ما تقوم به العلوم الإنسانية هو على النقيض تماماً من هذا، فهي تمنحك القدرة على التشكيك ومسائلة يقينياتك. إن الإنسانيات تقوض دعاوى كل من الدين والعلوم والسياسة، فهي تنزع السلطة والقدسية عنهم. فالقدرة على التشكيك مزية هامة جداً حينما نتحدث عن كل ما هو إنساني، عندما نتسائل من نحن، ومن أين أتينا، وما الذي ينبغي علينا أن نكون عليه. حل العلم مكان الدين في الإجابة عن هذه المسائل فهو يخبرنا بالكثير عن أصولنا ويمنحنا المزيد من المعرفة.


ولكن الإنسانيات دائماً ما تذكرنا بأننا نتملك قدرة هائلة على مخادعة أنفسنا. فهي تركز على الفرد وتمنحه ما يستحقه من الأهمية. هذا الفرد المميز الذي يصعب التنبؤ بتصرفاته وقدرته على التغير. مجتماعاتنا تتغير باستمرار بسبب العلوم والتكنولوجية، ورغم هذا ما زال البشر يقاومون ما تقدمه العلوم من إيضاحات وشروح. الإنسانيات تهتم بشكل أكبر بالتساؤل وتمنحه الأفضلية على الإجابات. ولذلك سوف نتعارك في هذا المقرر مع أسئلة بدهية كبيرة. كماهية الحقيقة؟ كيف نعرف أن ما نفعله صحيح أم خاطئ؟، لماذا نعتقد بأن بعض الأمور صحيحة والأخرى خاطئة ولا يجب فعلها على المستوى الفردي أو الاجتماعي؟

بالإضافة إلى أسئلة، كمعنى الحياة ؟ وما الهدف منها؟ هل يفترض أن نسعى إلى السعادة وأن نجعل منها هدفاً في الحياة؟ إن كانت الإجابة بنعم، فما هي السعادة؟ وهل السعادة هي في ذاتها المنتهى أم أنها مجرد عرض جانبي لأهداف أسمى؟ كحيازة المزيد من المعرفة أو التقليل من معاناة الآخرين؟

يجب أن يجد كلٌ منكم نسخته الخاصة من الإجابة عن هذه التساؤلات. لقد اعتقد (سقراط)، وهو أحد الفلاسفة الذين سوف نتدارسهم معاً، الحكمة هي أن تعرف مدى جهلك وقلة ما تعرفه.

إن استطعت تأدية عملي على أكمل وجه، يجب أن تكونوا قادرين على مسائلة كل من يفرض نفسه عليكم كسلطة معرفية. سوف تُساؤلون كل ما اُملِّي عليكم حول طبيعة الحقيقة، والغاية من الحياة، ومعنى أن تكون إنساناً جيداً. وهذه هي فحوى العلوم الإنسانية وغايتها، فهي تحفظنا من سعينا الدائم نحو الدوغمائية.


[المصدر]