خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | فقه الأخلاق

ماهو دور البيئة في التأثير على أخلاقنا؟ كيف نحافظ على المسؤولية الأخلاقية ؟ هل الإنسان مجرماً بطبعه ؟ كيف نفهم من دوافع الشر الموجودة فينا؟

نصيحة (كانط) للقلب المفطور: رسالة لطالبة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

درس عددٌ من الفلاسفة أعمال (إيمانويل كانط) ومساهماته و أخلاقيته، لكن قلة منهم شكلوا حيواتهم بناءً عليها.

في سنة 1791 تلقى (كانط) رسالة من (ماريا فون هيربيرت) النمساوية وهي إحدى مريدي فلسفته. بعثتُ له تسأله النصح للتعايش مع انفطار قلبها مؤخرًا، مأساة شديدة جدًا دفعتها للتفكير بإنهاء حياتها حتى أدركت أن ذلك سيكون منافٍ لأعمال (كانط) وفلسفته.

كانط العظيم؛

أراسلك طلبًا للمساعدة كما يدعو المؤمن ربه يسأله، طلبًا للراحة، أو لنصيحة تجهزني للموت. تثبت كتاباتك وجود حياة آخرة. لكنّي في هذه الحياة لم أجد أي شيء، أي شيء مطلقًا سيحل بديلًا للخير الذي خسرته، أحببتُ شخصًا كان في عينيّ يتضمن في دواخله كل ما هو جدير بالاهتمام؛ لذلك عشتُ لأجله فقط، وكل شيء مقارنة به كان مجرد توافه رخيصة قميئة. حسنًا، أهنتُ هذا الشخص بسبب كذبة كبيرة طال أمدها وكشفتها له الآن، رغم عدم وجود مصلحة شخصية فيها لي، ولم أرتكب أي خطيئة أو رذيلة في حياتي لأحتاج لإخفائها.

لكن الكذبة كانت كافية، وتلاشى حبه. ولكونه رجل شريف لم يرفض صداقتي. لكن ذاك الشعور في بواطننا الذي انبثق مرة فجأة وقادنا لبعضنا اختفى: آه لقلبي الذي يتشظى لآلاف الشظايا! لو لم أقرأ الكثير من أعمالك كنتُ بلا شك سأنهي حياتي. لكن الخلاصة التي استقيتها من نظريتك أوقفتني: من الخطأ أن أموت؛ لأن حياتي هي عذابي، بل وعليّ أن أعيش لوجودي. ضع نفسك الآن في مكاني وإما ِالعني أو أرحني. قرأتُ كتابك (تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق) وقرأت عن الحتمية القاطعة ولم تساعدني ولو قليلًا. هجرني عقلي فقط حين احتجته. أجبني، أناشدك أو أنك لا تتصرف تبعًا لحتميتك القاطعة.

حدد (كانط) القيمة المتأصلة في الحياة الرشيدة وأدان الانتحار لكونه معارض منطقي لنموذجه الأخلاقي لاختيار القرارات.

وكان رد (كانط) مثيرًا للاهتمام نوعًا ما:

لابد أن رسالتك هذه عميقة الشعور نابعة من قلب خُلق لأجل الفضيلة والصدق؛ لأنه منفتح جدًا على تلقي هذه الخصال. عليّ كما طلبتِ -تحديدًا- أن أضع نفسي في مكانك، وأصف لك مسكنًا أخلاقيًا خالصًا. لا أعلم إن كانت علاقتك هذه علاقة زواج أو صداقة، لكن لا فارق واضح بينهما. فالحب سواءً كان للشريك أم للصديق الافتراض المُسبق لذات الاحترام المتبادل للشخص الآخر ما هو إلا وهم جسدي سريع العطب.

هذا النوع من الحب الذي يريد أن يكشف نفسه بالكلية، ويتوقع من الآخر كشفًا مماثلًا لمكنونات قلبه يُضعفه التكتم المرتاب. وهذا هو النموذج الأمثل لمطالب الصداقة. لكن شيئًا في دواخلنا يُحد من هذه الصراحة، عائقٌ لتدفق ما يعتمل في القلب المتبادل هذا مما يجعل الواحد يحتفظ بجزء من أفكاره حبيسة في باطنه، حتى حين يكون الآخر الأشد حميمة له. اشتكى الحكماء القدماء من الريبة السرية كما قال (أرسطو): “أصدقائي الأعزاء لا وجود للصديق!”.

لا يمكننا أن نتوقع الصراحة من الآخرين؛ لأن خوف كل واحد من تعرية ذاته وكشفها بالكلية سيجعل الآخرين يحتقرونه. لكن يظل غياب الصراحة هذه، هذه المقاومة مختلفٌ كليًا عن الخداع. ما هو الصدق سوى رجلٌ يقول الحقيقة لكن ناقصة. أما المخادع أو فهو من يلفظ ما يعرف أنه كذب. ومثل هذا القول يُسمى في نظرية الفضيلة كذبًا. لربما كان غير مؤذٍ لكنه لا يعد بريئًا. هو انتهاك جسيم لواجب الواحد تجاه نفسه: إنه يقوض كرامة الإنسانية في نفسك، ويهاجم جذور تفكيرنا. كما ترين طلبتِ مشورة طبيب لا يتزلف. أتحدث نيابة عن حبيبك وأعرض موقفه بالحجج التي تبرر تزعزع عاطفته نحوك.

اسألي نفسك هل تلومينها لتهورها بالاعتراف أم للأخلاقية المتأصلة في الكذبة. إذا كان للسبب الأول فأنتِ نادمة على إتمام مهمتك. ولِم؟ لأنها تسببت بخسارتك لثقة صديقك. لا يحرك هذا الندم أي شيء أخلاقي؛ لأنه ناتج عن إدراك ووعي لا بالفعل ذاته بل بعواقبه. لكن إذا كان لومك لذاتك مُستندًا على حكم أخلاقي لسلوكك، فإن الطبيب الذي سينصحك بنبذه من عقلك سيكون فقير أخلاقٍ.

حين يتكشف التغير في موقفك لمحبوبك سيحتاج وقتًا فقط لانطفاء آثار سخطه المبرر رويدًا رويدًا، ولتحول بروده لحب أشد رسوخًا وثباتًا. أما إن لم يحدث ذلك فهذا يعني أن دفء عاطفته المبكر كان حسيًا شهوانيًا أكثر من كونه أخلاقيًا، و قد اختفى على أي حال: سوء حظ يواجهنا في الحياة عادةً، وحين نواجهه علينا أن نتحلى برباطة الجأش. طالما أن قيمة الحياة تتضمن المتعة التي ننالها من الآخرين فستكون مبالغًا بها كثيرًا.

بالتالي يا صديقتي العزيزة تجدين التقسيمات التقليدية للموعظة: التوجيه، الجزاء، والراحة. كرسي نفسك للاثنتين الأولى: حين يظهر أثرهما ستُوجد الراحة من نفسها.

كانت وصفة (كانط) الأخيرة: الزمن. وحده الزمن قادرٌ على شفاء الألم الشعوري الذي تحسه في قلبها، ويسمح لحبهما بالتجدد والإذكاء مرة أخرى. وإن لم يشفي الزمن جرحها فإن حبهما كان في أصله “حسيًا وجسديًا” لا أخلاقيًا”.

ردت (فون هيربيرت) عليه وهنا مقتطف مختصر من ردها:

رؤيتي واضحة الآن. أشعر بخواء شاسع تمدد داخلي، وحولي؛ لذلك أحس نفسي زائدة عن الحاجة، غير ضرورية. لا شيء يجذبني. يعذبني ضجر وسأم يجعل الحياة لا تُطاق. لا تظن أني متعجرفة بقولي هذا لكن متطلبات الأخلاق سهلة جدًا بالنسبة لي. سأتصرف بلهفة ضعفي ما تتطلب مني. تنبع هيبة الأخلاق فقط من جاذبيتها للخطيئة، ولا تكلفني مقاومتها أي جهد… لم أعد أدرس العلوم الطبيعية أو الفنون  بعد الآن؛ لأني لا أشعر أني عبقرية كفاية لتوسيع نطاقها، و عن نفسي لا حاجة لمعرفتها. لا أبالي بكل ما لا يؤثر في الحتمية القطعية، ولا في وعي الفائق بالرغم من أنيّ تخلصت من كل هذه الأفكار أيضًا.

ربما أنت قادرٌ على رؤية رغبتي بشيء واحد فقط تحديدًا لقصر هذه الحياة عديمة الجدوى، التي اقتنعتُ بأنها ما كانت لتسوء أو تتحسن أكثر. إذا كنتَ تعتقد أني ما زلتُ شابة وكل يوم يثير اهتمامي فقط بالقدر الذي يقربني من موتي، يمكنك أن تحكم على مدى إحسانك الذي يمكن أن تبلغه إذا كنتَ تسأل نفسك هذا السؤال عن كثب. أسألك لأن تصوري عن الأخلاق صامت هنا بينما يتحدث بحزم في كل المسائل الأخرى. وإذا كنت غير قادرٍ على منحي الجواب الذي أسعى له. أتوسل إليك أن تمنحني شيئًا ينزع هذا الخواء الذي لا يُحتمل من روحي.

لم يرد (كانط) على هذه الرسالة أبدًا.

في سنة 1803 انتحرت (ماريا فون هيربيرت).


[المصدر]

قواعد السلوك عند أندريه جيد الشاب

يجب أن نسعى كبشر لتحقيق غاية واحدة فقط، وأن نستمر في هذا المسعى بلا توقف. فمن المؤكد عند ذلك أننا سنحصل على ما نريد.

يُعد المؤلف الفرنسي (أندريه جيد) (1869 – 1951) أحد الكتاب الأكثر تأثيرًا في القرن العشرين، ويرجع ذلك إلى حدٍ كبير وعلى نحو يدعو إلى المفارقة، إلى إيمانه الراسخ بأن الكاتب الكبير يجب عليه دومًا أن يسبح ضد تيار عصره. لقد كرّس حياته لمشكلة الحرية الشخصية، وأصبح نصيرًا مخلصًا للمضطهدين. ولطالما كانت أعماله بمثابة الإلهام للإصلاحات القضائية في “الكونغو” كما ساعدت في تخفيف قبضة الاستعمار، وكانت تدعم عملية إصلاح السجون، وتحقيق ظروف أكثر آدمية للمسجونين، ووضعت الأساس الفلسفي للمساواة في الزواج قبل قرنٍ من تحقق تلك المساواة قانونيًا. وكانت ضريبة ذلك الإخلاص الذي تمتع به (أندريه جيد) في قول الحقيقة بشجاعة في وجه السلطة هو تعرضه المستمر وعلى نحوٍ ممنهج لازدراء المؤسسة الأدبية، فكان بعيدًا كل البعد عن ترشيحات الجوائز المختلفة، ولكن  حدث وقبل وفاته بفترة قصيرة أن قامت الأكاديمية السويدية بمنحه جائزة نوبل في الآداب لما أبداه من “حب شجاع للحقيقة وفهم نفسي عميق لها”، ولكن حتى بعد تسلمه لتلك الجائزة أعلن جيد الذي كان يبلغ من العمر الثامنة والسبعين حينها وبفخر لأحد الصحفيين أنه لو طُلب منه التنازل عن أيًا من أعماله التي كانت تقوّض السلطة حتى يتأهل للحصول على هذا الوسام المرموق لكان غض الطرف بسعادة “عن جائزة نوبل”.

لكننا لا نجد هذا “الحب الشجاع للحقيقة والفهم النفسي العميق لها” على نحوٍ أكثر وضوحًا ودقةً منه في تلك العقود الستة من حياة جيد التي كرسها لكتابة يومياته التي خطّها وسردها في إطار نظرة داخلية متعمقة لذاته تعكس على نحوٍ رائع الفكرة التي تقول “كلما زادت رغبة الشخص في التطرق إلى أدق تفاصيل حياته زاد انتشاره على المستوى العالمي”، ولا يمكننا أن نجد هذه الحياة التي تدّب في أعمق أعماق جوهر شخصية جيد وفهمه الأكثر عالمية للخبرة البشرية بشكل كامل و أكثر ثراءً إلا في كتابه: يوميات أندريه جيد.ففي ذلك الكتاب وجدت الكاتبة الشابة سوزان سونتاغ ما اسمته “تلك المشاركة الفكرية المثالية” كما كتبت في يومياتها الخاصة“انتهيت من قراءة هذا الكتاب في الثانية والنصف صباحًا من اليوم ذاته الذي حصلت عليه فيه، كان عليّ أن أقرأه ببطء أكثر، ويجب أن أقرأه مجددًا عدة مرات.”، ولم تكن سونتاغ الوحيدة في ذلك الشعور، فلا يمكن التوقف عن تكرار قراءة يوميات جيد باستمرار مثلما لا يمكن إنهاؤها دون الشعور بالتحوّل التام.

في إحدى اليوميات الأولى من يوميات شهر نوفمبر من عام 1890 نجد المؤلف البالغ من العمر 21 عاماً فقط يتصارع مع تلك المهمة التي ستصبح فيما بعد مهمة البحث المميزة في حياته بوصفه مفكرًا وكاتبًا: إنها السعي نحو وضع إطار أخلاقي يجمع بين الحرية وضبط النفس، فنجد جيد يحدد بشكل مفصل ما يطمح إليه لتحقيق السلوك القويم فيكتب:

لا أزال أخرقًا، فيجب أن يكون هدفي ألا أكون أخرقًا إلا عندما أريد ذلك، فيجب أن أتعلم أن أظل صامتًا…يجب أن أتعلم أن أتعامل مع ذاتي بجدية، وألا أنظر إلى نفسي بغطرسة، وأن يكون لدي عينين أكثر تنقلاً ووجه أقل تنقلاً، يجب أن أكبت ضحكتي عندما ألقي النكات، وألا أصفق لكل النكات التي يلقيها الآخرون عليّ، وألا أبدي الود للجميع دون تحيز، يجب عليّ أن أربك غيري في اللحظة المناسبة و بتعبيرات جامدة، وعلى وجه الخصوص يجب عليّ ألا امتدح شخصين بالطريقة ذاتها، يجب عليّ أن استخدم طريقة مختلفة تجاه كل فرد ولا أخالف تلك الطريقة إلا عندما أريد ذلك.

ويقدم لنا جيد تحت عنوان “قواعد السلوك” موجزًا لتلك الالتزامات الأخلاقية التي فرضها على نفسه:

النقطة الأولى هي: ضرورة وجود القاعدة.

ثانياً: تتوقف الأخلاق على وضع ترتيب هرمي للأشياء، ومن ثم استخدام الأقل منها للحصول على الأعلى، وهذه هي الاستراتيجية المثالية.

ثالثاً. لا تفقد غايتك مطلقًا، ولا تفضّل وسيلتك دائماً.

رابعاً. أنظر إلى نفسك على أنك وسيلة، وبالتالي لا تفضّل نفسك مطلقًا بوصفك الغاية المختارة على العمل.

(وعند تلك المرحلة سيكون هناك فراغًا سيثور فيه السؤال عن طريقة اختيار العمل وحرية اختيار ذلك العمل. ولكن… هل يمكن للشخص الاختيار؟)

كما يضيف جيد تحذيرًا آخر ضد التركيز على الذات بوصفها الوسيلة:

التفكير في خلاص الذات: أنانية.

يجب على البطل ألا يفكر حتى في خلاصه الذاتي. وذلك لأنه قد نهض طوعًا و على نحوٍ مهلك ليكرّس نفسه للآخرين وليتحمل اللعنات من أجل الآخرين، وكل ذلك فقط لكي تنجلي الحقيقة وتظهر.

وبعد عدة أشهر وفي ربيع عام 1891 يعود (أندريه جيد) إلى مسألة الانضباط في إظهار الغاية عن طريق الوسيلة فيضيف:

يجب أن نسعى لتحقيق غاية واحدة فقط، وأن نستمر في هذا المسعى بلا توقف. ومن المؤكد عند ذلك أننا سنحقق ما نريد، لكني كنت أرغب في كل شيء وبالتالي لم أحصل على شيء، وفي كل مرة كنت أكتشف ـــــ وبعد فوات الأوان ــــ أن شيئًا ما كان يجيئ إليّ بينما كنت أركض وراء شيء آخر.

ثم يقرر:

ليست هناك حلول وسط (سواءً أخلاقية أو فنية)، ولعل من الخطير للغاية بالنسبة لي أن أستمر في رؤية الآخرين، وذلك لأن لدي دائمًا رغبة هائلة لإرضاء الآخرين، ربما أني في حاجة إلى الخلوة… (ولكن يجب ألا تكون ثمة “ربما” في مسائل السلوكيات. فلا حاجة لعلامات الاستفهام.أن أجيب على كل شيء مقدمًا، يالها من مهمة مضحكة! ياله من طيش!).

وياله من إنذار شخصي يقدمه لنفسه أخيراً بين قوسين ويمثل فكرة “الاحتمالات” في دلالة على رغبة جيد المستمرة في زيادة فكره تعقيدًا وتناقضًا، وهي موهبته الأعظم في يومياته التي تُعد كنزًا أبديًا في فهم النفس البشرية والثقة الإبداعية.


[المصدر]

روسو: أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر!

جان جاك روسو (1712-1778) هو كاتب وأديب وفيلسوف من سويسرا، يعد من أهم كتّاب عصر التنوير في القرن الثامن عشر. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب، وألهمت أجيالًا من الإصلاحيين لإحداث تغييرات في النظم السياسية لبلدانهم. 

في كتابه (عقيدة قس جبال السافوا) أو (دين الفطرة)، تحدث بصيغة خطاب “يلقيه قس من جبال السافوا على مسامع شاب فقد الإيمان وكاد يتحول إلى صعلوك زنديق بسبب المآسي التي عاشها“.

عرض (روسو) في كتابه “ثنائية الخير والشر”، وكيف أن من طبيعة الإنسان أن يكون في حالة تذبذب بين عنصرين مختلفين “الخير والشر“، فهو إما مقيدٌ بأغلال الشهوات، أو حرٌ طليق بانجذابه لصوت الضمير:

أتأمل طبيعة الإنسان أنه ينطوي على عنصرين مختلفين. أحدهما يجذبه نحو الحقائق الأزلية، يدعوه إلى حب العدل والفضيلة، إلى اقتحام العالم العلوي الذي يبهج قلب الحكيم، والثاني يربطه بذاته السفلى، يجعله أسير حواسّه، مطاوعًا لأدواتها، أي الشهوات، معاكسًا بذلك كل مايلهمه العنصر الأول.
كنت أقول في نفسي وأنا أشعر بتجاذب وتصارع هاتين الحركتين المتعاكستين: لا وحدة في الإنسان، أريد ولا أريد، أشعر في آن أني حرّ وأني مقيّد، أرى الخير، أحبّه ثم أفعل الشرّ، متحمس نشيط عندما أنصت للعقل، متخاذل ضعيف عندما انصاع للشهوة. وما يحزّ في قلبي عند الانزلاق هو أني أعلم أني كنت قادرًا على الصمود.

يذكر (روسو) الحكمة الإلهية في أن يكون للإنسان حرية الإختيار بين طريق الشر أو الخير بكامل إرادته:

من يتذمر من أن الرب لايثني الإنسان عن فعل الشر يعترض في الواقع على أنه حاباه بطبيعة ممتازة وأضفى على أفعاله صفة الأخلاق التي تزيدها شرفًا وتكريمًا، إذ بها ندبه إلى التحلّي بالفضيلة. وضعنا فوق هذه الأرض أحرارًا لنختار، وبلانا بالشهوات ليمتحننا ووهبنا الضمير لنقاومها.
ولأن منع الشر لايتم إلا بنفي حرية الشر وهو شر أكبر إذ يطعن في قيمة الإنسان الذي أوجده الرب لا ليفعل الشر بل ليُقبل على الخير مختارًا.

وعن أصل الشر يقول (روسو):

أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر، فاعله أنت لا أحد سواك. لا شر في الكون إلا ما تفعل أو ما تتحمل، هذا وذاك صادر عنك. شر عام ينشأ حتمًا عن فوضى شاملة، ولا أرى في الكون سوى النظام. شر خاص هو الذي يشعر به كائن يتألم، وهذا شعور لم يتسلمه الإنسان من الطبيعة، بل جرّه الإنسان على نفسه.
من يدّعي أنه ارتكب الجريمة مُكرهًا كذاب بقدر ماهو شرير. هلا رأى أن الضعف الذي يشكو منه متأصل فيه، أن مبدأ السوء من الجسد الفاني الذي هو مصدرها.

يتساءل (روسو) بعد ذلك” كيف تتوقف نفوسنا عن مواصلة الشر؟ ويجيب:

حيثما تتوقف حاجاتنا الزائلة، حيثما تختفي تطلعاتنا السخيفة، تضمحلّ فينا الشهوات، وتنعدم الجرائم.
النفوس الزكية هل يحتمل أن يلحقها انحراف من أي نوع كان؟ لا ينقصها شيء، فلماذا ترتكب الشر ؟ بعد أن تُجرد النفس من الحواس الخسيسة، وتعود سعادتها تتلخص في تأمل الكائنات، لم تعد تتطلع إلا للخير.
حتى أحقق الغاية من إيجادي على الأرض تماشيًا مع مشيئة من أسكنني فيها. أستشير قلبي في كل نازلة: ما استشعرته خيرًا فهو خير و مابدا لي شرًا فهو شر. أصدق دليلٍ  هو الضمير. الضمير هو صوت الروح والشهوة صوت الجسد. أي عجب أن يتعارض الاثنان؟ إلى أيهما يجب أن نصغي؟ كثيرًا ما يخدعنا العقل، فوجب الاحتراز منه، أما الضمير فلا يخدع أبدًا. هو الدليل الأمين. مقامه من النفس مقام الغريزة من الجسد. من يستنير به يطيع الطبيعة، ولا يخاف أبدًا أن يتيه.

الخير غريزة فطرية في ذات الإنسان، تغريه ولا شيء يحجب ضميره عنها، غير أنه يحتاج إلى جهد لتذوق حلاوتها:

هل تعتقد أنه يوجد في الدنيا فرد فاسد الخلق إلى حدّ أنه لم يغرِه قط فعل الخير؟ هذا الإغراء فطري حلو إلى درجة أن لا أحد يصمد له في كل مناسبة، واللذة التي يخلفها في النفس فعل الخير تكفي للإغراء به مرة بعد أخرى.
الصعوبة كلها في الاستجابة له أول مرة. هناك ألف عارض يمنع من الإصغاء لنداء القلب. حذرٌ خادع يحصر مفهوم الخير في نطاق الذات فيلزم القيام بألف جهد شاق لتجاوز هذا الحاجز. متعةُ الإحسان في إتيانه. لا يتذوقها إلا المحسن بعد أن يكون يستحقها. لا شيء أحبّ إلى النفس من الفضيلة، لكن لا يحبها إلا من تحلّى بها.

لنلق نظرة على شعوب الأرض ولنتصفح أخبارهم.
كم مختلفة شعائرهم الدينية! بعضها وحشي صادم. كم متباينة أعرافهم وعاداتهم! رغم هذا نجد عند الجميع وفي كل مكان، المفاهيم نفسها عن العدل والمرؤة، التعريف نفسه للخير والشر.

 

هيلين كلير و دوامة أبيقور

هيلين كلير (1968-1880)، أديبة ومحاضرة وناشطة أمريكية. عانت (هيلين) من المرض في سن أثنى عشر شهراً وافترض أطباء الاطفال بأنها مصابة بحمى القرمزية والتي يصنف بمرض التهاب الرأس مما أدى إلى فقدانها السمع والبصر تماماً، ولها عدد من المؤلفات التي تنضج بالشكر لله على نعمة الحواس وتدعو إلى استعمالها فيما خُلقت، وقد كتبت في أحدى مقالتها وصف لحياة أولئك الغير قادرين على تقدير نعمة البصر والحياة كما ينبغي بكلماتها العميقة:

يجب علينا أن نعيش كل يوم ونحن نقدر تمام التقدير وندرك تمام الإدراك النعم التي تحيط بنا والتي غالباً ما تفقد قدسيتها عندما يمر أمامنا الزمان في هذا المشهد الدائم الذي يمضي بأيامه و شهوره  وأعوامه .. أولئك طبعاً هم الذين يعيشون دوامة الفيلسوف (أبيقور) الذي كان يزعم أن المتعة هي الهدف الرئيسي من الحياة بيد أن أغلب الناس يريدون أن يعيشوا في عذاب وهم يشعرون بحقيقة الفناء الوشيك لكن معظمنا مع ذلك يأخذ الحياة على أنها منحة دائمة. نحن نفهم أن لابد من يوم أت لامحالة نسلم فيها الروح بيد أننا غالباً ما نتصور أن هذا اليوم بعيد جداً؛ إن هذا السبات نفسه هو الذي يهيمن علينا.

وعن فقدان البشر لقيمة حواسهم وتسخرها للعيش بمتعة، كتبت قائلة:

فيما يتعلق باستعمال حواسنا و طاقاتنا. إن الاصم وحده هو الذي يقدر نعمة السمع ؛ وكذلك الكفيف وحده هو الذي يقدر ضروب السعادة التي تكمن في نعمة البصر إن هذه الملاحظة تنطبق عملياً على أولئك الذين فقدوا حاسة البصر أو حاسة السمع في حياتهم المبكرة، لكن الذين لم يسبق لهم أن اشتكوا من الحرمان ولم يسبق لهم أن فقدوا بصراً أو سمعاً ؛ أولئك قليلاً ما يحسون بعظمة نعمة الاستفادة من هذه الحاسة المقدسة. أن أبصار هؤلاء تقع على كثير من المناظر، كما أن أسماعهم تتلقى مختلف الأصوات، ولكن بقليل من التقدير، بل ربما دون اكتراث ودون إمعان إنها فحوى الكلمة التي تُردد: “لا يعرف المرء مقدار النعمة إلا عندما تسلب منه ولا يعرف مقدار عافيته إلا عندما يكون طريح الفراش”.

وقد خصصت الكاتبة حوارات عميقة حول تقدير أصدقائها لنعمة البصر قائلة:

لقد كان يلذ لي أحياناً أن أسال رفاقي الذين يبصرون وقد زارتني في الايام الماضية صديقة من أعز صديقاتي كانت قد رجعت توها من جولة لها طويلة في إحدى الغابات المجاورة، سألتها ماذا رأت وماذا لاحظت؟ فكان جوابها بالحرف “لا شيء يستحق الذكر!!” ولو أنني لم أكن معتادة على مثل هذا الجواب لداخلني الشك فيما سمعت. لقد اقتنعت منذ زمن بعيد أن هؤلاء الذين يبصرون لا يرون الا قليلاً ! قلت في نفسي: “كيف يكون من الممكن أن يتجول المرء لمدة ساعة من الزمن بين منعطفات الغابة ولا يرى شيئاً يستحق الذكر ؟!” يصرخ قلبي من أعماقه في بعض الاحيان وفي شوق متزايد ليشاهد هذه الاشياء، فإذا كنت أستطيع أن أحصل على متعة مثل هذه بمجرد لمس عابر، فأي جمال وأي بهاء أشعر به وأنا أرى ذلك رؤيا العين! قد يكون من الإنسانية أن نقدر قليلاً الاشياء التي لدينا، وأن نتوق إلى الأشياء التي ليست في متناولنا، بيد أن ما يدعو إلى الإشفاق الكبير في عالم النور أن نلاحظ أن حاسة البصر تعد لدينا مجرد أداة زهيدة أكثر من كونها وسيلة تضفي على الحياة الكمال والجمال. فلو كنت رئيسة جامعة لفرضت مادة إجبارية جول موضوع: “كيف تستفيد من عيونك”، ويكون على معلم  هذه المادة أن يحاول إفهام طلبته الوسائل التي تمكنهم أن يضاعفوا المتع التي تزدان بها حياتهم عن طريق الرؤية الحقيقية للأشياء التي تمر أمامهم دون أن يعبروها أدنى اهتمام، نعم .. يكون عليه أن يحاول إيقاظ طاقة طلابه وبعثها من نومها وفتورها.

ليس العقل هو ما يميّز الإنسان، كما يقول طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن، من مواليد عام 1944. وهو فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. ويُعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينات من القرن العشرين.

هنا يبيّن الدكتور (طه عبدالرحمن) الفرق بين الإنسان والحيوان، ويجيب على من قال بأن العقل هو الذي يمتاز به الإنسان عن غيره من المخلوقات. هذا المفهوم يتردد على الألسنة، وكأنها إحدى المسلمات التي لا يمكن الحيدة عنها، فيقول الدكتور في كتابه (سؤال العمل):

إن فكرة أن الانسان تميّز عن الحيوان بعقله ، فكرة تلقاها علماء المسلمين بالقبول جيلا إثر جيل حتى أصبحت من الحقائق الثابتة، وهو أن الإنسان حيوان ناطق، أي قائل عاقل، هذا التعريف للإنسان غير مسلّم، فلِم لا يجوز أن تكون القوة العقلية من قوى الإنسان من جنس قوة الادراك التي يملكها الحيوان والتي يهتدي بها إلى مراعيه وموارده، ويميّز بها بين المضار والمنافع، متجنّبا للمضار ومقبلا على المنافع، كما يتعرف بها على أقرب المسالك التي توصّله إلى حضيرته ولو بعد محاولات متتالية يخطئ فيها بقدر ما يصيب.

غريب حقا أن يرتضي علماء المسلمين تخصيص الإنسان بالعقل دون غيره، وأن لا يساورهم شك في صحته، ولا يُحتج علينا بالآية الكريمة:
{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} أو بالآية: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}. فيقال إن ذكر الأنعام جاء في سياق نفي العقل عنهم بالكلية، فيكون المراد بتشبيه الغافلين بهم نزول رتبتهم عن رتبة العاقلين، لكن هذا التأويل يقع في خطأين:
أحدهما: أنه يتجاهل أن الأنعام في الواقع، تُبصر وتسمع وتفقه (أي تعقل)، وأن القرآن لاينفي عنها وجود هذه الادراكات الظاهرة، وإنما الذي ينفيه هو وجود إدراكات أخرى من جنسها تعلو عيها وتليق برتبة الإنسان، وهي التي أشبه الغافلون الأنعام في الخلو منها، وإلا فهم يبصرون ويسمعون ويفقهون كما تبصر وتسمع وتفقه الأنعام.
الثاني: أن هذا التأويل يُغفل الأهميّة التي يكتسيها أحد اللوازم المترتّبة على وصف الغافلين بأنهم أضل من الأنعام، وهذا اللازم هو بالذات ” أن الأنعام أهدى سبيلا “، والواقع أنه لا هادي لها إلا ما جُعل فيها من عقل يُرشدها إلى مأكلها ومشربها ومربضها ولو كان عقلا أدنى من عقل الانسان والانسان الغافل أي غير العاقل، لا هادي له ولو كان عقله أعلى من عقل الأنعام، فتكون رتبته دون رتبتها.
إذا بطل أن العقلانية هي الحد الفاصل بين الانسان والحيوان، وجب أن يكون الحد الفاصل بينهما في شيء يُثبت به تفوّق الانسان ويتحقق به كماله، وما هذا الشيء الفاصل إلا الأخلاق، فالأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلا عن أفق الحيوان.

يتابع بعد ذلك حديثه قائلًا:

ومن الأدلة على أن الأخلاقية هي التي تميّز الانسان عن الحيوان، طلب للانسان للكمال، وذلك أن يكون السعي إلى الصلاح يقتضي أن يكون الساعي قادرا على استحضار في نفسه القيم المثلى، والحيوان ليس بمقدوره أن ينفصل عن واقعه المادي، متطلعا إلى واقع أفضل منه ماديا أو معنوي.

وأخيرا ألا ترى كيف أن أيّ تصرّف تثبت “لا أخلاقيته” يصير معدودا في التصرّفات “اللاإنسانية“، بينما التصرف الخالي من العقلانية لا يعدّ خلوا من الإنسانية !

وهكذا، يتبيّن أن الإنسانية لا تتحدد، كما اشتهر بالعقلانية، وإنما تتحدد بالأخلاقية، بحيث يكون للإنسان من الإنسانية على قدر ما يكون له من الأخلاقية.