خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | فقه الحياة

كيف نحيا ؟

عبداللطيف اللعبي، وحديث عن السجن والشعور بالذات

عبداللطيف اللعبي

عبد اللطيف اللعبي ولد عام 1942،  وهو كاتب وشاعر ومترجم مغربي مهتم بالآداب الفرنكفونية.  و عضو اتحاد كتاب المغرب،  شارك سنة 1963 في تأسيس المسرح الجامعي المغربي. أعتقل اللعبي بسبب نشاطه السياسي سنة 1972، حيث كان من مؤسسيي الحركة المتطرفة (إلى الأمام)، ولم يسترجع حريته الا سنة 1980 على إثر حملة دولية واسعة. سنة 2009 وعلى أثر سجنه  الذي امتد 10 سنوات. وجد نافذة لكتابة كتابه الاكثر تأثيراً (يوميات قلعة المنفى رسائل السجن 1972- 1980)، متحدثاً  عن تجربته المختلفة والعميقة خلف القضبان فقال في أحدى مقابلاته الصحفية  بهذا الشأن

الجهة التي سجنتني أرادت أن تقطع صلتي بحياتي ، وبالطبيعة من حولي وبأصدقائي، كان هدفها ان تدمر احساسي وشعوري ولقد حاولت ذلك عملياً بالتأكيد أن السجن مكان معركة هدفها تدمير الانسان. ولقد دمر بعضهم فانهزموا وذهبوا، ولكن في الوقت نفسه فالسجن مكان معركة تعلم كيف تواجه الواقع الذي انت جزء منه، وتعلم كيف تفهم هذا الواقع بشكل شامل. الخطوة الاولى لتعرف الواقع؛ هي ان تحدد نفسك، من أنت؟ السجن مدرسة نفاذة وسليمة بهذا المعنى لان المرء لا يستطيع ان يهرب من نفسه، ولا يستطيع أن يكذب على نفسه نحن عادة نمثل انفسنا ولا نواجها بشكل حاسم ولذلك قد تنتهي حياتنا دون ان نعرف من نحن.

وقال أيضًا:

من الضروري ان يراقب الانسان نفسه، لكي يعرف الواقع. الضرورة هنا يشبه معناها اننا لا نستطيع ان نفهم الشجرة دون أن نتخيل جذورها. ففي السجن ادركت في داخلي برا مهجوراً من قبل جسمي وأفكاري، وبعد الوصول إلى هذا البر المجهول نجحت في الحفاظ على هذا الاحساس في داخلي، انه الشعور بالحياة الداخلية.

وفي رسالة، من داخل السجن، إلى زوجته (جوسلين ماري) عام 1973، كتب قائلًا:

من المستغرب انه في كل الظروف التي عشتها هنا إلى الان، وحتى خلال فترة العزلة لم أعرف أبدا شيئاً اسمه السأم .فقد كان رأسي دائما مملوء لحد التخمة وكذلك كان قلبي، حتى انه في بعض الاحيان أجد صعوبة كبيرة في العودة من عالم رؤاي وأحلامي ثم هناك الاشياء التي تعرفينها جيداً، تلك التي أحدثك عنها والتي تعلو على الباقي شيء اخر قد يعتقد البعض ان الوقت في السجن أطول من غيره أعتقد أني أحس بالعكس تماماً فالنهار يمر بسرعة لابأس بها، ربما لان لا شيء يحدث أو ربما لان العمل شيء مفقود. أظن ان القراءة والحلم دورا كبيرا في ذلك ثم ان الوقت غير موزع على شكل ساعات ودقائق، زمن اجتماعي، زمن اقتصادي، واخر ثقافي، انه زمن غير قابل للتوزيع ينقضي من خلال قطع من الانفعالات والاحلام والحوار الاخوي الانساني، فهو زمن يصلني بك دون انقطاع انه زمن الحب والزخم لقد جعلتك تعيشين معي بشكل مختلف هذا المساء. إن حياة السجن حياة متواضعة ولكننا استطعنا ألا نكابدها، ككابوس أو كهوان وضعف جعلنها اهلة بقيمنا الاكيدة، واحتفلنا فيها بانتصار الحب. هل أحزنتك يا حبيبتي؟ لا، لا أريد ذلك كنت أريد أن أجعلك تلمسين خفقات قلبي في تتابع المعيش العادي.

وعن مأساته الشخصية خلف القضبان قال:

لا تعتبر المأساة التي تحدث لك شيئا استثنائياً غير عادي يخصك وحدك، من الضروري ان تفكر بمأساتك في ارتباطها مع مأسي الاخرين. فاذا قمت بالمقارنة فانك ستعرف ان مأساتك ليست مطلقة ولست استثنائية، عندئذ تستطيع أن تراها في نسبيتها، وتستطيع ان تواجهها بهدوء. اذا فكرت بمأساتك ففكر مثلاً بأطفال الصومال، أعني فكر بمعاناة الاخرين بواسطة معاناتك.

كيفية التعافي من آلام الفقد برأي بيرل باك

Image result for Pearl Buck

بيرل باك (1892-1973)، كاتبة وروائية أمريكية. ولدت لأبوين أمريكيين يعملان في الصين. عاشت (باك) معظم طفولتها في الصين، إلى أن عادت، في سن السابعة عشر، إلى وطنها أمريكا، حيث التحقت بإحدى الكليات الجامعية. كتبت (باك) العديد من الروايات والقصص القصيرة، من أشهرها رواية (الأرض الطيبة) التي نشرت عام 1931.

في عام 1938 حصلت على جائزة نوبل في الأدب. كما ساهمت (باك) في إثراء أدب الطفل، فكتبت العديد من قصص الأطفال، من بينها رواية (الموجة الكبرى)، التي نشرت عام 1947، وترجمها إلى العربية (سالي رءوف) ونشرها المجلس القومي للترجمة، في سلسلة (عالم الطفل)، عام 2013.

Image result for ‫الموجة الكبرى‬‎
تحكي الرواية عن (كينو)، الفتى الصغير، الذي يعيش على جانب إحدى الجبال في اليابان مع أسرته، وعن صديقه (جيا) الذي يعيش في قرية صيادين عند سفح الجبل. مع بداية الرواية يسمع (كينو) عن (الموجة الكبرى)، التي يخافها جميع أهل القرية، صغارًا وكبارًا. وذات يوم حدث ما كان يخافه أهل القرية، وجاءت الموجة الكبرى وأغرقت المنازل عند سفح الجبل، وفقد (جيا) عائلته.

تأثر (كينو) بما حدث لعائلة (جيا)، وذهب إلى أبيه حزينًا يشعر بالهزيمة وأخبره أنه لا يظن أن صديقه (جيا) سيصبح قادرًا على الشعور بالسعادة بعد الآن، فرد عليه والده قائلًا:

بل سيصبح سعيدًا ذات يوم. فالحياة دائمًا أقوى من الموت. سيشعر (جيا) عندما يستيقظ أنه لن يستطيع ابدًا أن يصبح سعيدًا مرة خرى. سيبكي ويبكي ويجب أن ندعه يبكي، لكنه لا يستطيع أن يستمر دائمًا في البكاء. بعد أيام قليلة، سيتوقف عن البكاء الدائم.. سيبكي بعض الوقت فقط. سيجلس حزينًا وصامتًا، ويجب أن نتيح له أن يحزن، ويجب الا نحمله على الكلام .. لكن ذات يوم سيشعر بالجوع ويأكل شيئًا مما تطوه أمنا، وسيبدأ في الشعور بأنه تحسن، ولن يواصل البكاء بعدئذ خلال النهار، لكنه سيفعل ذلك ليلًا. ويجب أن نتركه يبكي في الليل. لكن خلال كل هذا الوقت سيقوم جسمه بتجديد نفسه .. دمه الذي يتدفق من شرايينه، عظامه التي تنمو، وعقله الذي سيبدأ ثانية في التفكير، كل هذا سيجعله يعيش.

فرد (كينو) على والده بأن (جيا) لن يستطيع نسيان عائلته التي فقدها، فرد عليه أبيه:

إنه لا يستطيع ولا يجب أن ينساهم. لكن تمامًا كما عاش معهم وهم أحياء، سيعيش معهم وهم أموات. ذات يوم سيتقبل موتهم باعتباره جزء جزءًا من حياته، وعندئذ لن يعود إلى البكاء. سيحملهم في ذاكرته وأفكاره.. لحمه ودمه جزء منهم.. وطالما هو يعيش فإنهم ايضًا سيعيشون معه.

 

دور المسلم ورسالته في القرن العشرين عند مالك بن نبي

المفكر-الإسلامي-مالك-بن-نبي[1]

مالك بن نبي (1905-1973م) من أبرز المفكرين في القرن العشرين، أهتم بالبحث في مشكلات الحضارة في العالم الإسلامي واعتمد في بحثه منهجا ً مبنياً على أسس من علم الاجتماع وعلم النفس وسنن التاريخ. المصدر

ختم مالك بن نبي سلسلة كتبه (مشكلات الحضارة) بكتاب (دور المسلم ورسالته في القرن العشرين ) والذي يحتوي على محاضرتين ألقاهما عام 1972، تحدث فيهما عن ضرورة معرفة المسلم لدوره في القرن العشرين والعمل بمقتضيات هذا الدور، ويعزي أهمية هذا الأمر الى واقع هذا العصر الذي تشهد مجتمعاته المتحضرة تغييراً جوهرياً من الناحية العلمية والنفسية والأخلاقية، تغييراً نتج عن تراكم التجارب والخبرات في مجالات عدة، حيث يقول مالك بن نبي في وصفه لهذا العصر:

 هذا الثلث الأخير من القرن العشرين، كأنه النهر قرب شاطئ البحر وقد بلغ المصب، بعد أن تجمعت فيه جميع روافده من المياه، التي انحدرت من أعالي الجبال في أقصى داخل البلاد. فالثلث الأخير يبدو هكذا تلك الفترة من التاريخ التي تتجمع فيها كل روافد التاريخ، بكل نتائجها النفسية والاجتماعية والسياسية والعلمية، وكل التغيرات المترتبة على هذه النتائج. وعليه فإن هذه المسوغات تكفي لتسويغ اختيارنا له بصفته حقبة زمنية استثنائية في التاريخ، يكون دور المسلم فيها شيئا استثنائيا أيضا، يجب إدراجه بطريقة خاصة في الدور العام الذي حدده له القرآن الكريم بوصفه شاهداً…

التغيير الذي شهدته المجتمعات المتحضرة في معتقداتها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية أدى الى تخليها عن المسوغات الحضارية التقليدية التي حركت تاريخها في الماضي. وفي هذا يقول (مالك بن نبي):

إن الأجيال في هذا المجتمع المتحضر عاشت على رصيد ثقافي ورثته من الأجيال السابقة، أعني أنها عاشت على رصيد المسوّغات التي دفعت عجلة التاريخ في القرون الماضية، وخصوصاً في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. والذي يبدو-خاصة إذا رجعنا إلى فترة ما بعد الحربين العالميتين-أن هذا الرصيد من المسوّغات الضرورية لتحمّل أعباء الحياة، بدأ ينفد، وبدأت الشعوب التي تعيش على محور (واشنطن-موسكو)، الشعوب المتحضرة، بدأت تشعر جميعها بنفاد رصيدها الثقافي، رصيد مسوّغات حياتها التقليدية الموروثة عن أجدادها…لنتصور كيف كان ينشأ الطفل في زمان (كيلنج) مثلاً أو في زمان (أرنست رنان) مثلاً، كان الطفل في ذلك الوقت ينشأ وحوله جو من الأفكار منبتها الاستعمار[…] لذلك لا نستغرب أن نرى رجلاً كـ (ستانلي) في أواخر القرن الماضي، نشأ في هذا الجو وتكونت عنده فكرة الاكتشافات وفكرة الفتوحات، نراه يغادر وطنه وينزل إلى إفريقية الوسطى فيحتل قطاعا كبيراً منها […] أما إذا كان هذا الأوربي جندياً فإن نشأته في هذا الجو، تصور له أن المجال لأداء واجباته الوطنية وواجباته العسكرية، هو قطاع من قطاعات إفريقية وآسية. […] فهذه الأشياء كانت تغمر الحياة الأوربية بفيض من المسوغات. وربما كانت هناك منابع أخرى لهذه المسوغات فقدت أو جَفّ نبعها بعد الحرب العالمية الأولي والثانية، بسبب تطورات تتصل بما حدث مثلاً بشأن الروابط الخفية أو الظاهرة بين مجالي العلم والنفس.

فبقدر ما كانت تتحقق اكتشافات علمية كبرى في أوربة، بقدر ما كانت تترك صداها على المجال النفسي، وأثرها الكبير في التطور الروحي، حتى بدأت تفتر بعض المسوغات الروحية…

فحينما تفقد حياة ما أو مجتمع ما مسوغاته، لابدَّ أن يقوم بعمليات تعويض: يستبدل بمسوغات قديمة أو تقادمت، أو فقدت تأثيرها في الحياة الاجتماعية، بصفتها دوافع قوية للحياة الفكرية والعلمية والعسكرية والاقتصادية، يستبدل بها مسوغات جديدة. […] العالم المتحضر اليوم، يبدو أنه قد أخفق في عملية التعويض، سواء من الجانب الأدبي كمحاولة الوجودية مثلاً، أو من الجانب السياسي كمحاولة الرجوع لأصله الأوربي، بحثاً عن منطلقات جديدة لأفكاره ولنشاطاته الاقتصادية، فكأنما تقطعت أنفاسه، ولم تعد في متداوله تلك الأشياء المتينة التي كان يرتكز عليها في القرن الماضي وبداية هذا القرن.

وفي موضع أخر يقول:

فحضارة القرن العشرين أفقدت أو أتلفت قداسة الوجود، في النفوس وفي الثقافة وفي الضمائر. ولقد أتلفت القداسة لأنها عدتها شيئاً تافهاً لا حاجة لنا به. ولقد انجرت إلى إتلافها بسبب منشأ ثقافتها التي يطلق عليها اليوم (العلمية)، والتي أخضعت كل شيء وكل فكرة إلى مقاييس الكم منذ عهد ديكارت. […] كان الوجود مقدساً في كل تفاصيله، في حياة الحشرات كان مقدساً، وحياة الإنسان كان أكثر قداسة، حتى الأشياء التي تلقى في الشوارع، كانت هناك تفاصيل توحي بقداستها، كان المار في الشارع إذا التقى بصره بِفُتَات الخُبز، ينحني ويلتقط هذا الفتات ثم يقبله ويضعه في مكان طاهر، لأنه كان يشعر بقداسة هذه الأشياء. أما الأوربي فلا يهمه هذا ولا يلتفت إليه لأن هذا الفتات من الخبز، لا قيمة له في نظره الكمي، إذ لا ثمن له، لذا يلقى مع الأشياء الأخرى في سلة المهملات. بقدر ما تراكمت الإمكانيات الحضارية اضمحلت القاعدة الأخلاقية الروحية المعنوية التي تتحمل في كل مجتمع عبء الأثقال الاجتماعية والأثقال المادية، إذ لابدَّ من قاعدة روحية متينة حتى تتحمل هذه الأعباء، هذه الأعباء التي ترزح تحتها أوربة أو الحضارة الغربية اليوم وهي في خضم الأشياء التي تنتجها التكنولوجية.

وعند نفاذ المسوغات الحضارية تحصل أزمة  تضخم الإمكان الحضاري وتضاؤل الإرادة الحضارية، وفي حديثه هن نتائج هذه الأزمة يقول (مالك بن نبي):

إذا ما فقد مجتمع ما مسوغاته ولم يستطع تعويضها بالطرق المشروعة في محاولات مبذولة، عندها يعتريه القلق ويعتريه التيه وتعتريه الحيرة. […] البلد الذي حقق الضمانات الاجتماعية إلى أقصى حد مثل السويد، يتميز بشيء خطير وهو أنه يتصدر رأس القائمة في (إحصائية الانتحار العالمية). فظاهرة الانتحار في العالم، يشغل فيها المكان الأول، البلد الأكثر تقدماً نسبياً من حيث الضمانات الاجتماعية.

إذا شبعت البطون قد تبقى الأرواح متعطشة، تبقى الأرواح متطلعة. وحين لا تجد وجهة تتطلع إليها تفضل الاستقالة من الحياة. هذا إذن ما يحدث، وقد يحدث في بلاد أخرى أكثر من هذا في صورة ما؛ ويبدو أن هناك صوراً أخرى للاستقالة من الحياة… عن طريق الموبقات، عن طريق التدهور الأخلاقي، عن طريق الإدمان على المخدرات، فيصبح المجتمع مهدداً بالخراب، لأن قاعدته الاجتماعية تنهار، أي شبابه ينهار.

وفي موضع أخر يعطي (مالك بن نبي) صورة عن وضع المسلمين حضاريا:benabi_858752684

نحن نعيش أزمتنا الخاصة بنا ونعيشها بكل أبعادها، بعدها الاقتصادي مثلاً، يكفينا أن نذكر، على سبيل المثال، أن أحطَّ المستويات الاقتصادية في العالم، في صورة ما يسمى متوسط دخل الفرد السنوي، هو في البلاد الإسلامية. إن هذا معناه أن أحطَّ الحظوظ في هذه الدنيا أصبح للأمة التي خصها الله بالهداية الإسلامية، وخصها الله برسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في هذه الدنيا. هذه الأمة أصبحت تعاني الأزمات المتنوعة التي قد نجمعها في كلمة واحدة نسميها الأزمة الحضارية، وهي فعلاً أزمة حضارية لا غير إذن نحن نعاني أزمتنا ومن ناحية أخرى تعاني الإنسانية المتحضرة أزمتها.

ولنتقدم كمسلمين فمن الضروري أن نفهم دورنا في هذا العصر ونعمل بمقتضياته، ويرى مالك بن نبي أن دور المسلم يقتضي بناء وتغيير داخلي، حيث أن المسلم إذا أراد ان يبلغ رسالته الى العالم يجب أن يرتقي الى مستوى حضارة هذا العصر، فيبدأ ببناء نفسه اقتصاديا ً وعلميا ً. وفي أهمية هذا التغيير الداخلي يقول مالك بن نبي:

هل ترون الى أرض عطشى تنتظر الري من الماء؟ هل نستطيع ريها بماء يجري تحت مستواها؟ لا لن يسقي الماء الأرض بالصعود إليها، وإنما بالانحدار وذلك بحكم السنن الإلهية عن طريق الجاذبية. سنة الله تقتضي أن ينحدر إلى هذه الأرض إذا كان مستواه يخوله ذلك. إذن إذا أراد المسلم أن يقوم بدور الري بالنسبة للشعوب المتحضرة والمجتمع المتحضر، وأراد-بعبارة أوضح-أن يقدم المسوغات الجديدة التي تنتظرها تلك الأرواح، التي تتألم لفراغها وحيرتها وتيهها، إذا أراد المسلم ذلك، فليرفع مستواه رفعاً يستطيع معه فعلاً القيام بهذا الدور. إذ بمقدار ما يرتفع إلى مستوى الحضارة بمقدار ما يصبح قادراً على تعميم ذلك الفضل، الذي أعطاه الله له (أعني دينه). إذ عندها فقط يصبح قادراً أيضاً على بلوغ قمم الحقيقة الإسلامية، واكتشاف قيم الفضيلة الإسلامية، ومن ثم ينزل إلى هضاب الحضارة المتعطشة، فيرويها بالحقيقة الإسلامية وبالهدى، وبذلك يضيف إليها بعداً جديداً. لأن الحضارة العلمانية، حضارة الصاروخ، حضارة الإلكترون اكتسبت هذه الأشياء، وضيعت بعداً آخر تشعر بفقدانه وهو بُعد السماء.

وليأدي المسلم دوره في القرن العشرين فعليه أمرين الاقتناع والاقناع:

الاقتناع أولاً لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن للمسلم إن لم يقتنع بأن له رسالة أن يبلغ الآخرين هذه الرسالة، أو فحوى هذه الرسالة أو مفعول هذه الرسالة. إذن يجب أن يقتنع هو أولاً. وأنا أعني قناعته برسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين ولا أتكلم عن اقتناعه بدينه.

وفي اقناع الطرف الأخر يقول (مالك بن نبي):

ما هو واضح في تصوري أنا المسلم، ليس واضحاً بالنسبة للآخرين الذين ينبغي علي أن أتقدم إليهم، آخذاً بالاعتبار تصورهم هم لا تصوري أنا عن حقيقة المسلم. لأن حقيقة المسلم محجوبة عن نظر الآخرين. إن حقيقة المسلم، كرامة المسلم، فضيلة المسلم، أخلاق المسلم، شرف المسلم، عزة المسلم؛ كل هذه الأشياء تخفيها عن نظر الآخرين المظاهر الاجتماعية. وهي تشهد بكل أسف في نظر الآخرين على المسلم وضده. فالمسلم فقير، والمسلم جاهل، المسلم كذا … الإحصائيات الموجودة في العالم كذا … إلخ

ومن هنا نرى ما يترتب على المسلم من القيام بواجبات ملحة، حتى يفي بشرط إعجازه في هذا الثلث الأخير نحو نفسه ونحو الآخرين، […] يجب فعلاً أن تتوافر لرسالة المسلم كل شروط الاقتناع وكل شروط الإقناع؟ ولن يتوافر هذا إلا بتغيير. […] يجب على المسلم. الذي يضطلع برسالته أن يفكر في إعجازه، وإعجازه لا يتأتى إلا بتحقيق شرط جوهري، وهو تغيير ما بنفسه وتغيير ما في محيطه مصداقاً للآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 12/13].

إذن لكي يتحقق التغيير في محيطنا يجب أن يتحقق أولاً في أنفسنا. […]عندها يجب على كل مسلم أن يحقق بمفرده شروطاً ثلاثة:

أولًا: أن يعرف نفسه.

ثانيًا: أن يعرف الآخرين، وألا يتعالى عليهم، وألا يتجاهلهم […] ويجب عليه أن يعلم ذلك لأمرين لا لأمر واحد، إما لكي يتقي شرهم عن معرفة وإدراك لكل معطيات نفوسهم، وإما لتبليغهم إشراق الإسلام وإشراق الهداية الإسلامية. فهو إن لم يعرف النفوس فكيف يقدر أن يتصرف معها بحكمة؟ إن لم يعرف نفوس الآخرين وظلت صناديق مغلقة عليه فكيف يبلغها الهداية الإسلامية؟ إنه لن يستطيع. يجب إذن على المسلم بعد أن يعرف نفسه أن يعرف نفوس الآخرين.

ثالثًا: أن يعرِّف الآخرين بنفسه، لكن بالصورة المحببة، بالصورة التي أجريت عليها كل عمليات التغيير بعد التنقية والتصفية من كل رواسب القابلية للاستعمار والتخلف وأصناف التقهقر، كل أصناف التخلف وأصناف التأخر. ويجب عليه أولاً أن يقوم بهذه التصفية حتى يقدم للآخرين صورة مقبولة محببة بوصفها عينة من العينات البشرية التي يصنعها الإسلام، أما إذا تقدم المسلم إلى الآخرين بوصفه عورة يجب أن يستحى منها، فالعورة تستر ولا تكشف، والعورة لا يمكنها أن تبلغ إشعاعاً. الجهل عورة الفقر الذي يسببه كسلنا، وكسلنا عورة، الفوضى عورة وهذه العورات كلها لا تستطيع ولا تتيح لشخصية المسلم أن تبلغ إشراق الإسلام.

رسالة ريلكه، عن معنى الحب الحقيقي

ريلكه
راينر ماريا ريلكه (1875 – 1926)، هو شاعر وروائي نمسائي بوهيمي، يُعرف بأنه يكتب الشعر غنائيًا، ويصف النقّاد أعماله بأنها روحية بطبيعتها.
أعماله تتلخص في رواية واحدة ومجموعة قصائد وسلسلة رسائل يقدم فيها صورًا ترسخ في الذاكرة، تركز رسائله غالبًا على الصعوبة البالغة في التواصل في عصر مليء باللامصداقية، والعزلة، والقلق العميق.
هذه المواضيع الوجودية العميقة جعلت (ريلكه) واحدًا من الشعراء الانتقاليين بين شعر العصر التقليدي والعصر الحديث.من أهم المواضيع التي أثارت (ريلكه) وغيره من الكتاب والشعراء قبله وبعده هو موضوع الحب الذي قالت فيه الكاتبة الأمريكية (سوزان سونتاج): “لاشيء غامض، كل العلاقات الإنسانية واضحة إلا الحب”.

كان لـ(ريلكه) محاولاته أيضًا من خلال مراسلاته مع الشاعر الشاب (فرانز زافير كابس)، ذو التسعة عشر عامًا
ففي رسالته السابعة لصاحبه المكتوبة في ماي ١٩٠٤م يتحدث (ريلكه) عن المعنى الحقيقي للحب والإيجابيات والأعباء المترتبة على الحب في عمر الشباب، أقدمها لكم بترجمة حصرية، فيقول: 

من الجيد أن تحب، الحب أصبح صعبًا. قد يكون أكثر مهامنا صعوبة، الحب اختبارنا ودليلنا النهائي. إذ يجعل كل أعمالنا السابقة تبدو تكريسًا ومجرد استعداد له. لهذا السبب لا بعرف الشباب الحب، لأنهم لا يزالون مبتدئين في كل شيء.
عليّهم أن يتعلموه بكامل مافيهم، بكل قواهم مجتمعة لدى قلوبهم الوحيدة الهشة التي تعلو نبضًا. لابد عليهم أن يتعلموا كيف يحبّوا.
لكن عملية التعلم تحتاج إلي وقت طويل ومجدول، تمامًا كما يتحول الحب إذا استمر لوقت طويل وسار مع سير الحياة إلى عزلة عميقة وشديدة.
ويواصل في رسالته:
الحب كبداية ليس أن تعطي وتندفع وليس أن تتوحد مع شخص ما. لما في ذلك من عدم الوضوح والنقصان والتابعية بل على العكس من ذلك هو دافع شديد للشخص بأن ينضج، بأن يصبح عالمًا في نفسه لأجل الآخر.
هو مطالبة مرهقة على عاتق المحب، شيء يصطفيه ويجعله يقوم بأفعال هائلة، وهذا مايجب أن يصرف الشباب حبّهم فيه، بهذه الطريقة فقط -أن يقوموا بتنمية أنفسهم- ويجتهدوا ليلًا  ونهارًا.
أما الاندماج في الشخص الآخر والاستسلام وكل نوع من المشاركة التي تتطلب اجتماعًا وثبوتًا لوقت طويل فليست مناسبًا لهم، لكنه بشكل ما يعدّ تقريبًا السبب الذي يجعل حيوات البشر لاتزال مرضية.
أعتقد أن رسائل ريلكه تعد أساسًا نصيًا للتطور والنمو وضرورة حياتية لكل شخص ذو عقل متقّد وقلب نابض.

[المصدر]

فريدريك لونوار، في فلسفة عدم التعلق

 

فريدريك لونوار

فريدريك لونوار (مواليد 1962)، فيلسوف وكاتب وعالم اجتماع فرنسي له، العديد من الكتب والراويات.

في مؤلفه الرائع (فن الحياة) يتطرق إلى فلسفة عدم التعلق بالأشياء، كطريقة لنيل حياة مثالية وسعيدة. ففي مقالة حملت عنوان “التعلق وعدم التعلق” يشرح بأسلوب بسيط كيف يكون ذلك، فيقول:

إن عدم التعلق بالأشياء هو إحدى الوسائل الأساسية لعيش “حياة سعيد“. فنحن يهمنا أن يكون لكل منا بيت نملكه، وأن نأكل كل يوم عند شعورنا بالجوع. أما في ما يختص بالأمور الأخرى، فإن السعادة والشقاء يتوقفان أساساً على عوامل أخرى هي: الحب، الحرية، الصحة، ضبط الذات. لذا يتوجب علينا أن نستقبل الحياة كما تعرض علينا وبما تنطوي من يسر وعسر.

فنرضى بفتراتها السعيدة التي ننعم أثناءها أحياناً بمتع نحن بغنى عنها. وبفتراتها الأصعب كذلك التي نقدرها من أجل التنعم بمتع أشد عمقاً. يتراءى لي أن الفلسفة البوذية التي تعتبر كل شيء خاضعاً للتحول والتغير والحركة الدائمة هي عين الصواب . إنها تؤسس لفلسفة “عدم التعلق“: علينا ألا نتعلق بما هو غير ثابت.

إذ بإمكاننا أن نتمتع يوماً بصحة جيدة، وفي اليوم التالي بصحة سيئة، أن نكون أغنياء يوماً، وفقراء في الغد، ولا أحد يسعه أن يضمن ثبات مراتب الشرف والثروة. ثم إن فلسفة عدم التعلق البوذية نجدها في فلسفات العصور القديمة الرئيسة، كما رأينا ذلك في الفصول السابقة التي ذكرت فيها الأبيقوريين والرواقيين، ونجدها كذلك في تعاليم جميع الأديان الكبرى التي لا تشجب المادة أو الملذات الحسية، بل تشجب التعلق بالماديات والمال.

يتحدث بعد ذلك عن المسافة بين التعلق والازدراء، فيقول:

إن عدم التعلق فلسفة لا تحض على التقشف ولا تستوجب ازدراء الماديات، بل تكتفي ببساطة برفض التعلق بها. فمن الطبيعي أن يشعر المرء بالمتعة إن توافرت له حياة مادية رخية، وكان له بيت، وكمبيوتر وسيارة يعملان على أفضل وجه، وإن أتيح له السفر في أوقات لفراغ. المهم هو البقاء في حال من اليقظة وعدم الاستسلام لمغريات التعلق بكل هذه الأمور التي تحت تصرفنا، والتي ينبغي، إذا ما خسرناها، ألا توقعنا في الحزن والأسى، ولا تهز نفوسنا. فنحن لسنا عبيداً لها .. لكننا ملزمون مع ذلك باحترامها، إذ ليس من العدل في شيء، أن نترك منازلنا تتداعى، ونملك بستاناً ولا نعنى باستصلاح أرضه. فاحتقار الماديات، وهو عمل يرثى له، مرتبط في الغالب باحتقار الجسد. هذا ولا يعني عدم التعلق بالأمور الفانية كراهية الجسد أو ازدراءه وازدراء ما يمت بصله إلى المادة، كما هي الحال أحياناً في بعض التيارات الدينية التقشفية. وحب المرء لجسده، على ما قلت آنفاً، والعناية به بشكل صحيح يعتبر من صميم الحياة الروحية ويسهم في ازدهارها. كذلك حب البيئة التي نعيش فيها وتخصيص قليل من الوقت بغية تحسينها وتجميلها يشكل إجراء مماثلاً، لذلك، أكرر، أن نحافظ على المسافة الضرورية كي لا نصبح عبيد أجسادنا وأهوائنا ومساكننا.

لكن الكاتب لا يوافق فلسفة عدم التعلق بالماديات البوذية في امتدادها إلى الأشخاص، فيقول:

فـ(بوذا) يوصي في الواقع بعدم التعلق بالنسبة إلى جميع الكائنات الحية، بمن فيهم الذين هم أقرب إلينا؛ كوالدينا، وزوجاتنا وأبنائنا. هؤلاء أيضاً، يقول (بوذا)، خاضعون، على غرار الكون بأكمله، لقانون عدم الثبات: إنهم سيرحلون ذات يوم، وسينفصلون عنا، ونحن سنتألم من جراء ذاك.

ثم يعقّب (فريدريك لونوار) على رأي (بوذا)، فيقول:

(بوذا) على حق تماماً؛ إذا شئنا تجنب كل أنواع الألم يجدر بنا ألا نتعلق أبداً بأي إنسان كان. ولكن ماذا يحل آنذاك بتجربة الحب، والصداقة اللذين يعتبران شرطاً لاكتمالنا؟ إن انعدام الحب، عطاًء ونيلاً، يجفف النفس. والحال أني لا أعتقد بأن في إمكاننا أن نحب من دون تعلق. ليتنا نستطيع أن نحب ونظل لا مبالين إذا مات الشخص الذي نحب.

بينما تحاول الفلسفة البوذية عدم التعلق بالأشخاص تجنباً لألم فقدانهم يرى الكاتب أن الألم جز طبيعي من الحياة:

فالحياة تقتضي وجع فقدان أشخاص محبوبين. وينبغي قبول ذلك. إن التمزق الناجم عن القطيعة أو الحداد هو الثمن الواجب دفعه للحب. إنه ثمن باهظ، ولكن يبدو لي من الضروري قبوله بوعي تام لنعيش الحياة بصورة كاملة.