خلاصات هذا القسم

الأرشيف | فقه الحياة

كيف نحسن من حياتنا، ومن تعاملنا مع المصاعب اليومية؟

محمد صادق دياب: لا تهدي طفلك طائرًا، ولا حبيبتك وردة

محمد صادق دياب (1943-2011) أديب وكاتب سعودي ولد بمدينة جدة، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي فيه، ثم حصل على بكالوريوس التربية وعلم النفس من كلية التربية في جامعة أم القرى عام 1390 هـ، بعدها تحصل دياب على الماجستير في علم النفس التربوي من جامعة ويسكنسن الأمريكية عام 1976 وحصل على شهادة الدكتوراة عام 2009 في علم الاجتماع لكنه لم يود ان يلقب بالدكتور.

اشتهرت كتابات (دياب) ببساطتها وقدرتها على الوصول إلى الجميع، وبالإضافة إلى ثرائه المعرفي فقد ساهمت مقالاته وخواطره التي داوم على نشرها في مختلف الصحف المحلية والعربية في تشكيل فكر جيل كامل من الشباب العربي.

في كتابه (امرأة وفنجان قهوة)، كتب (دياب) خاطرة بعنوان “لا تهدي طفلك طائرًا، ولا حبيبتك وردة”، ويعلل هذا العنوان في أولى أسطر المقالة، فيقول:

أن تهدي طفلك طائرًا في قفص،

فهذه أولى خطوات إعداده كسجّان.

أن تقطف لحبيبتك وردة،

فهذه فاتحة التعريف بأنك قاتلٌ للجمال.

وكعادة (دياب) في مقالاته وخواطره، فلا يطرح مشكلة ولا ينهى عن أمر دون أن يطرح بديلًا أفضل. وهو ما يظهر في بقية الخاطرة، إذ يقول:

خذ طفلك إلى الفضاء الرحب،

ودعه يغرّد مع العصافير.

خذ حبيبتك إلى الخميلة،

وقل لها: “إنك من فصيلة الأزهار”

يتابع بعد ذلك في خاطرته معللًا:

فالطير في السماء نجمة،

والوردة في غصنها حياة.

فدع العصافير

تقتات من كفك حبّا،

ومن قلبك حبًا،

واشرح صدرك موانئ،

تسافر إليها الورود بعبقها مطمئنة،

فالعصافير لا تغني على نوافذ القساة،

ولا تمطر الأغصان وردًا.

رسالة الشاعر الفيلسوف (ديفيد وايت)، عن سحر التجربة الأولى

ما زلت أتذكر ما راودني عند نظرتي الأولى للقمر، بواسطة تلسكوب صغير، قد قام بتهريبه والدي من ألمانيا الشرقية؛ لطالما كان القمر هناك، وها أنا للتو أشعر بقربه، وكم هو حقيقي، وكأن أصابعي ذات الستة اعوام بإمكانها ملامسة خشونة ذلك السطح المتوهج. مشاعر ذهول مصحوبة برعشة لرؤية شيء ملأني بالدهشة ولا يُمكن أن أؤخذ بعيدًا عنه، شيئًا يبدو وكأنه بات ينتظرني لوقت طويل، حتى أعثر عليه. وبعد قرابة عقد من الزمن استطاع سحر المرة الأولى أن يأخذني مرة أخرى لنفس تلك الاحاسيس عند قراءة رواية (إلى الفنار).

وعلى الرغم من بساطة لغتي الانجليزية، إلا أن زاوية مظلمة في عقلي تناغمت مع عذوبة سيمفونية (فرجينيا وولف)، واستنارت بأحرفها.

إن للمرة الأولى في معرفة أو اكتشاف وجود شيء ما جمالًا لايتكرر، يفوق القبلة الأولى ذاتها جمالًا. لعل ذلك يكمن في حدوثها دائمًا بلا ترقب، بعظمة تجليها تمامًا مثل ظهور المالك الحزين ازرق اللون عند بزوغ الفجر على أطراف بحيرة يحيط بها الضباب. يتجلى سحرها مابين غلافين لكتاب رائع أو قصيدة تنتهي بانعطافة مذهلة. بكل مرة أولى تنتظر أن يُكشف عنها لتُظهر ماتخبئه من ملذات.

أشار الراوي (أمبرتو إيكو) الى أن في الكتب التي لم نقرأها ونتذوقها بعد، قيمة ولربما لذة أكبر من تلك التي قرأناها، وهذا مايُطلق عليه “anti-library”.

وبعد جيل، وجه الشاعر والفيلسوف (ديڤيد وايت) رسالته في كتاب (رسائل للقارئ الصغير)؛ مائة وواحد وعشرون رسائل مصوّرة موجهة للأطفال .. وضح في رسالته إيمانه بالطاقة الملهمة في الكتب والقادرة على تشكيلنا وذلك بكل ماتحتويه من شعراء، فيزيائيين، عازفون، فنانين. وآخرون ملهمون من أيضًا وصلوا الى ماهم عليه من خلال القراءة.

كتب (وايت):

عزيزي الصديق الصغير،

أتمنى بشدة أن أكون في مكانك الآن، أتمنى لو كنت واقفًا حيثُ أنت،

 أتمنى لو كان بإمكاني مقايضة كل ما تعلمته خلال قرائتي مُقابل هذه اللحظات، 

كنت لأقايض كامل مكتبتي الزاخرة بآلاف الكتب، وكل رحلة ومغامرة خضتها بين صفحاتها، 

وكل الأفكار التي تمحورت حول العالم وذاتي و الضحكات والمآسي واللحظات الصادمة ولحظات الارتياح، 

كل تلك الكتب التي ادهشتني وعاودت قرائتها مرارًا وتكرارًا، 

سأقايض كل هذا لأجل أن أحظى بفرصة عيش المرة الأولى.

أتمنى بشدة أن أكون في مكانك الآن وكل تلك الكتب من حولي تنتظر مني الولوج الى صفحاتها، 

سيكون من الرائع التعرف على كولريدج وسماع صوته لأول مرة، 

أود لو يُمحى من ذاكرتي كل ماتعلمته عن شكسبير وجين اوستن، 

وأن أغمر مرة أخرى بحقيقة وجود روزاليند، أو اليزابيث بينيت. ولاحقًا، ايميلي ديكنسون! 

لأجد نفسي في نهاية المطاف أتبع خطواتهم بكل خجل وارتياب ويداي تحاولان ان تكتب ولو قليلًا مما كتبوه،

 أتمنى أن أعود لأخطو أولى خطواتي في عالم القراءة والكتابة وأنظر له بأعين يافعة، كم أتمنى ذلك.

أتمنى لو كنت مكانك الآن وأنا مفعم بشغف المعرفة، والقراءة، والكتابة. 

أتمنى لو أفتح الباب وأعبر وسط كل الكتب التي قرأتها أو كتبتها وكأني لم أفعل من قبل.

أتمنى جدًا أن أكون في مكانك الآن.

خالص الشكر،

ديڤيد وايت.


[المصدر]

عن اللحظات الأمهات .. اللحظات حاسمة في توجيه صاحبها وتشكيله، كما يصفها زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود ( 1905-1993م)، فيلسوف وكاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري، من مؤلفاته (المنطق الوضعي) في جزأين، و(موقف من الميتافيزيقا) و(تجديد الفكر العربي). كما تعد أحد أبرز مؤلفاته هي (قصة نفس)، والتي تمثل سيرة ذاتية سيكلوجية له. ضمن الكتاب الأخير، كتب (زكي نجيب محمود):

ليست لحظات الزمن في حياة الإنسان سواسية كلها من حيث قوتها في توجيه الأحداث، وأثرها في تكوين الشخصية وتشكيلها، فمنها ما قد يمضي ولا أثر له، ومنها ما يكون له من بعد الأثر وعمقه ما يظل يؤثر في مجرى الحياة إلى ختامها، ولا عجب أن تجيء حيوات الأفراد متفاوتة الوزن والقيمة، متباينة الخصوبة والثمر. فمنها ما تتابع فيه اللحظات على وتيرة واحدة، حتى لكأنها في نهاية الأمر لحظة واحدة مكررة معادة، فضلًا عما تتصف به هذه اللحظة الواحدة من خواء؛ لذلك فهي حياة تمضي وكأنها لم تكن شيئا. لكن منها كذلك حياة تجيء لحظاتها ثقالا بأحمالها، فتمضي تاركة وراءها أثرًا يبقى على وجه الدهر أمدًا طويلا، وبأمثال هذه اللحظات الحبالى تُصنع الحضارات وتُبنى.

يقول بعدها:

إن النظر إلى حياة بمجموعة أحداثها، كالنظر إلى صورة فنية لا يسير عليها البصر في خط مستقيم بادئا في حافة الإطار إلى حافة الإطار هناك، بل إنه ليقع أول ما يقع على نقطة مركزية فيها، كشجرة فارعة على يمينها، أو قمة شامخة على يسارها، أو بقعة لونية في أي موضع منها تلفت النظر إليها لتكون له نقطة ابتداء، ثم ينساب البصر في مختلف الاتجاهات، عائدًا آنًا بعد آن إلى نقطة البدء، فكأنما هذه النقطة المركزية ينبوع تفجرت منه سائر النقاط، وكذلك قل عند النظر إلى حياة فرد من الأفراد بمجموعة أحداثها، فهناك كذلك يتجه الانتبهاه إلى لحظات أمهات كانت حاسمة في توجيه صاحب تلك الحياة.

ثم تساءل بعدها عن معايير هذه اللحظات المحورية في تشكيل الإنسان، وإذا ما كانت لحظة الميلاد أحداها، فيجيب:

إنه لوهم غريب هذا الوهم الذي يوهم الإنسان باتصال شخصه من لحظة الميلاد إلى لحظته الراهنة! نعم إنها وسيلة نافعة لغيري من الناس أن يعدّوني فردًا واحدًا متصل الحياة، بدأ في اللحظة الفلانية ولبث ينتقل هنا وهناك حتى انتهى إلى ما هو عليه الآن. أقول إنها وسيلة نافعة للناس لكي يسهل عليهم عدّ الأفراد عند الإحصاء، ولكن ما لي أنا وما ينفع الناس عند العدّ والحساب؟ المرجع عندي هو خبرتي كما أحياها واعيًا بها، وليس ذلك الطفل الذي يروون لي عن زمان مولده ومكانه وجزءًا من تلك الخبرة الحية الواعية.

تعرف أيضًا على نظرة (زكي نجيب محمود) إلى الفن، أو وجهة نظره إلى الفارق بين الجوهر والتاريخ.

الحياة عقد إيجار

نشأت وأنا أخاف الموت واعتدت على ترك التلفاز يعمل أثناء نومي ليلاً حتي لاتنجرف أفكاري نحو النهاية المحتومة، رأيت مقطورات في فيلم مخيف عام 2012 مما سبب لي صعوبة في التنفس وانخراط في البكاء. حينما كنت بعمر السابعة أو الثامنة كانت فكرة إنتهاء حياتي وهلاكي أنا وأحبائي تملأني بالبؤس. هذا ما أنبثقت عنه ذاكرتي كأول أفكار روادتني عن الموت وكلما كبرت في السن قلَّت نوبات القلق الوجودي لدي فقد أصبح لدي أشياء أخرى لكي أقلق بشأنها.

عندما كنت طفلاً دمر الركود الإقتصادي عائلتي فتركنا العيش في بيت مستقر وانتقلت مع أمي من مكان لآخر، لم يكن لدي وقت للتفكير في الموت ولكن مع ذلك لم يغادر الموت قط تفكيري. ركزت على أن أكون مُنتجاً وأضمن مستقبلاً أفضل ومع ذلك لم أتمهل لأستريح أو لأجد السعادة في أيامي التى أقضيها.

على حد تعبير (أوغسطينوس):

لقد ضاق صدري بسبب التعب من مشقة الحياة والخوف من الموت.

مع ذلك كان ينتابني شعور غريب بالإرتياح طوال الوقت الذى كنت ألهث فيه خلف تحقيق أعلى المعايير التي أضعها بنفسي كنت أشعر أنني بخير حتى لو لم أكن سعيداً . ولكن وجهة نظري تغيرت حينما التحقت بأول سنة لي في الجامعة والتحقت بدورة الفلسفة الهلنستية، فقد أثَّرت بي مقالة (سينيكا) “الحياة قصيرة” التى يخاطب فيها الفيلسوف الراقي (بولينيوس) [من المحتمل يقصد (ومبيوس بولينوس) والذي كان سيناتوراً رومانياً وربما صهر (سينيكا)] في العام الذي عاد فيه إلى روما من المنفى في كورسيكا.

يبدأ المقال:

يا (بولينوس) معظم البشر يشتكون مر الشكوى من قسوة الطبيعة، لأنهم يعيشون حياه قصيرة وحتى هذة الحياة القصيرة تمر سريعاً بخلاف عدد قليل لاتقسو عليهم الحياة فإن معظم البشر يجدون أن الحياة نبذتهم قبل حتى أن يعدوا أنفسهم ليستمتعوا بالحياة.

لقد شعرت وكأن (سينيكا) تشاهدني، لم يخطر في بالي أبداً من قبل أنني كنت أضيع وقتي وحياتي بتجاهلي لإقتناص السعادة من الوقت الحاضر.

من المحتم لأن الدافع الخفي خلف سعيي لتحقيق طموحاتى العالية والذي لا يتوافق مع معدل وفاتي ولا مع حالتي البائسة في ظروفي الحالية. لو أنني استمريت في السعي لتحقيق أهداف أعلى مع تجنب التفكير في الموت أو حتى تجاهل وجود الموت باعتباره واقع سيخلق هذا لدي شعور وهمي بأن الحياة لن تنتهي في نهاية المطاف فإن التقليل من شأن الموت سيؤذينا. في الواقع فكرة عدم وجودنا في المستقبل تشجعنا على الإستفادة من الحياة التى لدينا الآن بينما لازلنا نملكها.

كتب (سينيكا):

حياتنا ليست قصيرة ولكننا نجعلها كذلك لأننا نضيع الوقت فيما لايفيد ولكنها طويلة لمن يرتب أولوياته بشكل صحيح.

ألقت كلماته في وجهي كأساً من الماء البارد، أيقظني من غفلتي، عقدت العزم وبدأت أقضي وقتي في فعل أشياء استمتعت بها حقًا وهممت بفعل ما شعرت أنه جديرا بإهتمامي مثل المشي على الشاطئ وقراءة المزيد من الفلسفة و الإهتمام بقضايا ذات صلة بالعدالة الإجتماعية وممارسة الرياضة.

لعل أكثر ما يسير إستيائنا من الموت هو ليس لأنه ينهي وجودنا فحسب ولكن لأنه ينهي أحلامنا وأمالنا المستقبلية.

نحن مضطرون لتقبل عدم وجود خاتمة.

عند الموت لن يعرف المرء أبداً كيف ستسير الأمور، لن نعرف مطلقاً إذا كان البشر سوف يكتشفوا أسرار الكون الأبدية أو أنهم سيخرجوا من درب التبانه إلى مجرات أخرى ليستعمروها.
جد جد جدي الأكبر لم يكن يعلم عن وجودي ولم يكن يأمل حتى بأن يعرف عني وكذلك لن أعرف أى شيء عن حفيد حفيد حفيدي الأصغر ولا أعرف إن كان سينجح أم سيفشل أو حتى سيولد.
عدم وجودنا مطلقا إلى جانب جهلنا التام هو ما يقتتات علينا.
غالبا ما يُمجِّد البشر هبة الحياة و لكنهم يعادون فكرة الموت في النهاية وخسارة هذة الهبة ولكن الجبن في مواجهة الطبيعة وإنكار الموت لايعني سوى أن تعيش في الوهم.
على حد تعبير (ماركوس أوريليوس):

كن حراً وأنظر للأشياء باعتبارك رجلاً أو كائناً بشريا أو مواطناً أو مخلوق مصيره الموت.

بالرغم من عدم نجاحي دائماً حاولت تغيير أفكاري بشأن الموت بالأخص الإنتحارية منها مما رفع من روحي المعنوية.

لأنني أتعامل مع وجودي في الحياة على أنه هو كل ما أملك، فلم أعد أرى سبباً لتعجل النهاية الحتمية بغض النظر عن سرعة إنتهاء الحياة.
تذكُّر أنني سأموت يوماً ما يشجعني. فلم يعد الموت يكبلني، ولم تعد كآبته تخنقني.

كما ذكر (ميشيل دي مونتين) في كتاباته (الخبرات):

لأحمق هو من يسع في الدنيا متبطراً قلقاً على ما ستمنعه عنه الدنيا في المستقبل.

ومع ذلك لا أستطيع التخلي عنها بدون ندم ولكنها كشيء من طبيعته الفناء فإن عدم كره الموت محتمل لمن لايستمتع بحياته.
يحتاج الأمر لحسن إدارة للحصول على حياة ممتعة.
دعونا لانؤجل الاستمتاع بالمستقبل لكن لنقتنص مسببات السعادة في الحال وهنا بينما نهتم بمستقبلنا، كلاهما معا. إغترف من الحياة المزدهرة بدلاً من الإنجراف في الغفلة والعادات.
لا تضيع وقتك فيما لا يفيد واقتنص من وقت فراغك للاستمتاع بكل يوم.
تأمل في حياتك التي عشتها وذكرياتك الحميمة مع ترك مساحة للإستمتاع بأخرى جديدة.
كما كتب (سينيكا):

لكن أولئك الذين ينسون الماضي ويتجاهلون الحاضر ويخافون على المستقبل لديهم حياة قصيرة جدًا ومليئة بالقلق: وعندما يواجهون الموت، يدرك هؤلاء البائسون بعد فوات الأوان، بأنهم شغلو أنفسهم بما لايُرجى منه فائدة.

علمني (ميشيل دي مونتين) و(سينيكا) و(ماركوس أوريليوس) أن الحياة ما هي إلا عقد إيجار. إنه شيء نستعيره ونعيده، وليس هبة أبدية، لذلك يجب أن نبذل مجهوداً متضافراً لإستخدامه بحكمة. فكر في إيجاز الحياة حتى لا تضيع منك -فقط عندها ستبدو حياتك طويلة-.


[المصدر]

قوة الفرح؛ في أن تتوافق مع نفسك ومع العالم

من لا يرغب في الفرح؟ القوة التي تهزنا والانفعال الذي يمدنا بالحيوية لتذوق الوجود.

في كتابه (قوة الفرح) يحاول الفيلسوف الفرنسي (فريدريك لونوار) أن يفسر هذا الشعور. ويتحدث عن مسارين مهمين لبلوغه: طريق يقطعه المرء نحو ذاته، وطريق يتجه صوب الآخر. على المرء أن يهيء نفسه لتلقي الفرح بالانتباه والحضور، وبالثقة والعطاء والتواصل مع العالم بطريقة صحيحة.

تشغلنا في الأغلب آلاف الهموم وهكذا يختنق ذهننا ولا نعود منتبهين بحال من الأحوال لحياتنا.

[…] وهكذا لو كنا ننظر إلى منظر طبيعي بديع ونحن نفكر في نموذج التأمين الاجتماعي الذي لم نملأه بعد، فليس ثمة فرصة كبيرة ليصادفنا الفرح.

وعن الحضور يقول أنه مرحلة تأتي بعد الانتباه، بحيث يشمل وجودنا كله:

الكثير من الناس يعيشون بقلوب مصفحة، أو يحيطونها بغشاء يحميها من المعاناة لكنه قد يعيق وصول الفرح والمشاعر العميقة إليهم.الحضور ليس حسيا فقط. هو ليس تلقيا عاديا لكنه استقبال سخي للواقع والعالم، والآخر. لأننا نعلم أن من شأن هذا أن يثرينا داخليا وربما يسبب لنا الفرح. وأيضا لأن بوسعنا أن نمنحهم شيئا بالمقابل، تجربة أو فرحا ما. ليس كم الأشياء التي ننجزها ولكن نوعية الحضور الذي نضعه في كل فعل من أفعالنا هو مايضفي قيمة على الحياة.

الحضور ليس حسيا فقط. هو ليس تلقيا عاديا لكنه استقبال سخي للواقع والعالم، والآخر. لأننا نعلم أن من شأن هذا أن يثرينا داخليا وربما يسبب لنا الفرح. وأيضا لأن بوسعنا أن نمنحهم شيئا بالمقابل، تجربة أو فرحا ما. ليس كم الأشياء التي ننجزها ولكن نوعية الحضور الذي نضعه في كل فعل من أفعالنا هو مايضفي قيمة على الحياة.

لكي ينفتح قلبك لابد أن تثق بالحياة.

[…] إن الفرح لا ينمو في الظلام، لكنه ينتشر في نور الصباح.

نعيش رهن عالم متسارع مليء بالخيارات لكننا مقيدين بضيق الوقت وكثرة المشاغل، فنميل دائما لكل مايعود علينا بالنفع.

لكي يتفتح الفرح لا يتعين البقاء رهن هذا البعد النفعي الموجود باستمرار والذي يحول بيننا وبين الانفتاح ويحول دون حضورنا الدائم. يأتي الفرح في الغالب في أوقات لا نتوقعها، ولانتوقع أن نجني منه شيئا.

المسار الثاني للفرح هو مسار حب ومشاركة وخلق الروابط الصحيحة والحقيقية. حيث يوضح:

يختار الأصدقاء والرفقاء الحقيقيون بعضهم بعضا. وهذه العلاقة ليست محتومة أو مفروضة، لكنها تتطلب خيارا ولابد من رعايتها كي تزدهر.

[…] الحب الحقيقي لا يقيّد بل يحرر. ولا يخنق الآخر بل يعلمه أن يتنفس على نحو أفضل. يعلم أن الآخر لا ينتمي اليه لكن يمنح نفسه له بحريته.

على بوابات الأمل تأملات رائعة عن اللوذ إلى آدمية البشر في الأوقات العصيبة

 

“كيف نكون بهذا التفاؤل وهذا الحذر لكي لا نتعثر، لكننا نتعثر، ثم ننهض ونقول: حسنًا؟” هذا هو السؤال الذي طرحته الفنانة الأمريكية (مايرا كالمنوهي تتأمل السعادة والوجود. ما الذي يدفعنا إلى النهوض بعد الخسارة، بعد انفطار القلب، بعد الفشل؟ ما هذا الحبل الثابت الذي يشدنا من أعماقنا، تلك الأعماق التي نعرفها بالكاد، حتى تأتي تلك اللحظة عندما يختفي ضوء السطح بالكامل ولا يمكننا الوصول إليه؟

هذا تحديدًا هو ما تتطرق إليه سيدة الدين (فيكتوريا سافورد) في مقالها الرائع بعنوان “العمل الأصغر في العمل الأعظم”، من كتاب (المستحيل يأخذ وقتًا أطول: المثابرة والأمل في الأوقات العصيبة) وهي مجموعة من التأملات المريحة للنفس بقلم عدد من الشخصيات اللامعة مثل الشاعر التشيلي (بابلو نيرودا)، والشاعرة الأمريكية (مايا أنجيلو)، والشاعرة الأمريكية (ديان أكيرمن)، والكاتبة الأمريكية (أليس والكر)، والصحافي الأمريكي (بيل مويرز)، والزعيم الجنوب أفريقي (نيلسون مانديلا)، وقام بتحريرها الناشط الاجتماعي (بول ليب)، وتحمل نفس عنوان كلمات الأغنية الشهيرة لمغنية الجاز الأمريكية من أصل أفريقي (بيلي هوليداي“الصعب سأقوم به الآن، أما المستحيل فسيأخذ وقتًا أطول.”

تتأمل (سافورد) الدافع لدى الرجال والنساء الذين شاركوا في أولى مسيرات الفخر للمثليين والمثليات والمتحولين جنسيًا منذ أربعة عقود مضت، ماذا كان هذا الدافع غير الشجاعة والخيال. وتعبر (سافورد) عن وجهة نظر رائعة تذكرنا بقصيدة الشاعر الأمريكي (تشارلز بوكوفسكي) عن الدافع الذي لا يمكن كبحة ويدفع العمل الإبداعي، فتنقل لنا ما يمكن أن يقوله هؤلاء المتظاهرين الحالمين:

بمجرد أن تلمح العالم في صورته المحتملة، وصورته التي يجب أن يكون عليها، وصورته التي سيكون عليها، مهما كانت تلك الرؤية بالنسبة لك، سيكون من المستحيل أن تعيش في ظل الإذعان والرضا عن النفس بعد اليوم في العالم في الصورة التي هو عليها الآن…فتخرج، وتسير، وتتظاهر، وهي الطريقة ذاتها التي تخرج بها الزهرة إلى الوجود وتزهر، وذلك لأن ليس لها مهنة أخرى، فلا عمل آخر لها سوى هذا.

[…]

إنني مهتمة بما يدعوه الشاعر الايرلندي (شيموس هيني) بنقطة التقاء الأمل والتاريخ، حيث تلتقي الأحداث الماضية مع تفسيرنا لها، فتلتقي الأحداث الماضية في منتصف الطريق مع الأشخاص الذين يمثلون، من بين ما نمثله من مجموعة هائلة من الأشياء، كائنات روحانية وكل ما يتضمن الإبداع والخيال والحكمة الجنونية والحكمة القديمة والتعاطف الانفعالي والشجاعة الإيثارية والتوقير الشديد للحياة، وحبنا بعضنا لبعض بالتأكيد، وذلك الحب الذي ينشأ منا لشيء أكبر من ذواتنا، سميه ما شئت. إنني مهتمة بالمكان والأماكن التي يلتقي فيها التاريخ بالأمل المنبعث من النفس البشرية والذي يمثل اشتياق الحياة لنفسها. إنني مهتمة بالأمل في هذه الحياة، فلا أمل آخر بالنسبة لي. مهتمة بتلك الموجة العارمة من العدالة التي يمكن أن تخرج لو أننا سمحنا لها بذلك.

وتقول متأملةً تلك “الكارثة المحددة بعينها” التي حدثت في الحادي عشر من سبتمبر وكيف “ساد صمت رهيب” بين من شهدوا تلك الكارثة. إذ ترى (سافورد) أن ذلك الاشتياق، وذلك الأمل الذي تعنيه يكون أكثر حدةً وتأثيرًا في مثل تلك اللحظات من الضجة الشيطانية، فتوضح ذلك باستخدام حكاية لاذعة:

لدي صديقة حرفتها الكلمات، إنها ليست قسيسة لكنها طبيبة نفسية تعمل في العيادة الصحية في إحدى كليات البنات المرموقة. حدث أن كنا نجلس ذات مرة بعد مرور فترة ليست بالطويلة على قيام إحدى الطالبات بالانتحار في مهجع الكلية، وكانت الطبيبة تعرف تلك الطالبة وكانت تقدم لها المشورة الطبية، وقد تأثرت صديقتي الطبيبة والمعالجة بتلك الخسارة تأثرًا شديدًا في تلك الأيام القلائل الأولى ليس على نحو غير مهني، ولكن بعمق، وبكل ما في كلمة عمق من معنى، تمامًا كما كنا سنفعل لو كانت تلك الطالبة في رعاية أحدنا.

وفي لحظةٍ ما نظرت إلى أعلى، والدموع تنهمر على وجهها، نظرة تحدي، ولا يمكن وصفها سوى بهذه الكلمة، وتحدثت بوضوح عن مهنتها كما لو كانت تُقسِم من جديد، أو تأخذ على نفسها عهدًا جديدًا من بين حطام ذلك اليوم، وأظن ذلك، لقد تحدثت بصراحة عن مهنتها ومهنتكم ومهنتي، فقالت: “تعرفين أني لا يمكنني إنقاذهم، فلست هنا لكي أنقذ أي إنسان أو أنقذ العالم، فكل ما يمكنني فعله، وهو ما يُطلب مني القيام به، هو أن أغرس قدمي عند بوابة الأمل، فأحيانًا يدخلون منها وأحيانًا يمرون أمامها. لكنني أقف هناك كل يوم وأنادي حتى آخر رمق مني، وأشير إليهم، وأحثهم على الدخول من أجل الحياة الجميلة والحب…

فهناك شيء ما لكل منا هنا، على ما أعتقد. فمهما كان نوع المهنة التي نقوم بها ،فإننا نقف انطلاقاً منها ونحن نشير، وننادي، ونغني، ونصرخ، وأقدامنا مغروسة عند بوابة الأمل. علينا أن نرفع من معنويات هذا العالم، وكذلك شعبنا الجميل والمحطم. وأن نكون شهودًا على إمكانية العيش بكرامة، وشجاعة، وسعادة تناسب البشر، وقد يكون ذلك هو معنى أن “نعيش مهمتنا“.

وهذه المهمة تختلف بطبيعة الحال بالنسبة لكلٍ منا، فلا يمكن أن نكون جميعنا أطباء نفسيين نبعد البائسين عن حافة الهواية، ولا يجب علينا ذلك.”ففي هذا العصر “عصر الأوقات العصيبة” كما يقول عنوان الكتاب، نجد أن وسائل الإعلان باتت تروّج للكثير من هذا الخوف، وأقل القليل من ذلك الأمل الذي نحتاج إليه بشدة. ما يذكرنا بتلك الفكرة الملحة التي لا يمكن أن ننساها، والتي أكدّ عليها الكاتب الأمريكي (إ. ب. وايت) ومفادها أن واجب الكاتب هو “رفع معنويات الناس وليس خذلانهم.”

وتقوم (سافورد) تلك الكاتبة النادرة بتلك المهمة الصعبة برفع معنويات الناس على نحوٍ لا يوصف من الجمال والروعة، وتتأمل ما يجب علينا القيام به، وما ندين به لأنفسنا ولبعضها بعضًا، من أجل ترسيخ أقدامنا بلطف ودون تردد في المهمة التي نقوم بها فتكتب:

إننا نقف في المكان الذي سنقف فيه، نقف فوق قطع صغيرة من الأرض حيث “يُطلب” منا الوقوف على الأرجح، وإن كان الله وحده يعلم ما معنى ذلك، بين المصلين، وفي الفصول، والمكاتب، والمصانع، وحقول الخس والمشمش، وفي المستشفيات، وفي السجون، وعلى جانبي البوابة في مختلف الأوقات، وفي الشوارع، وفي الجماعات المجتمعية، وهي أرض مقدسة إن شرفناها، إذا باركناها ببركة التضحية والمخاطرة…

إن مهمتنا هي أن نغرس أقدامنا عند بوابات الأمل، وليس بوابات التفاؤل الحذر الأضيق إلى حدٍ ما، ولا بوابات المنطق السليم القوية والمملة، ولا بوابات تزكية النفس الصارمة، وذلك الصرير العالي الصادر من مفصلاتها الحادة والغاضبة، لا يمكن أن يسمعنا الناس هناك، ولا يمكنهم العبور، ولا بوابات البساتين المبهجة الرقيقة التي لسان حالها “كل شيء سيكون على ما يرام“، وإنما في مكان مختلف، ومنعزل في بعض الأحيان، إنه المكان حيث تُقال الحقيقة، عن روح كل منا أولاً  وحالها، إنه مكان المقاومة والتحدي، إنها تلك القطعة من الأرض التي ترى منها العالم كما هو، وكما يمكن أن يكون، وكما سيكون، إنه المكان الذي تلمح منه ليس فقط الصراع، ولكن البهجة في ذلك الصراع، ونحن نقف هناك نشير وننادي ونخبر الناس بما نراه ونطلب منهم أن يخبرونا بما يرونه.


[المصدر]

فن الحماس الودي؛ غوته والرأي الوحيد الأجدر بالتعبير عن حياة و عمل الآخرين

 

كتب (برتراند راسل) في (تأمل الطبيعة البشرية):

البناء والتدمير يلبيان الرغبة في السلطة على حد سواء، لكن كقاعده عامة يعد البناء أكثرصعوبة وبالتالي فإنه يعطي شعوراً اكثر بالرضا للشخص الذي يمكنه تحقيقه.

بعد جيل ، أعاد تكرار هذا الرأي (دبليو.إتشأودنفي (الإصرار):

ذلك ان الانتقاد الجدير بالاهتمام هو الاحتفالكقناعة حملتها وتمسكت بها بنفسي في حياتي لفتره طويله.

قبل (اودن) و(راسل) خلال بفتره طويله سابقه، عبّر مفكر عملاق في اللغه آخر بوضوح عن هذه الاخلاقيات بدقه لامثيل لهايوهان فولفغانغ فون غوته (١٧٤٩ ١٨٢٤قدم طباقاً موسيقياً جميلاً للاندفاع نحو النقد محاطاً بالسخريه التي كانت منتشرة لقرون منذ ذلك الوقت

لقد اقتنعت بشكلٍ كبير انه كلما اضطر شخص للتعبير عن رأيه بكتابات او تصرفات الآخرين، اذا لم يكن بدافع الحماسه من جانب واحد، او لمصلحة المحبة للشخص او العمل، من الصعوبه بمكان ابداء النتيجة، إن التعاطف والتمتع بمانراه حقيقة هو الواقع الوحيد، ومن واقع كهذا، الحقيقه هي ما تظهر كنتاج طبيعي و ماعداه يُعَد غروراً.

ان حفظ ونقل الموقف الاصلي خلال القرون والثقافات هو تحدٍ ليس بالهيّن، تجاوز حدود الوقت و الترجمة، شاعت كلمات (غوته) من خلال (جون بوروز) ١٨٩٦، (ويتماندراسة)، بالاصل في عام ١٨٨٧  في مجلة ماكميلان، ادعت المجلة ان (غوته) كان في سن الشيخوخه في وقت عرضه لهذه الحقيقة المركزية للعمل الإبداعي، لكن هذا غير صحيح. لقد تمكنت من تتبع أصل كلماته إلى اختلاف، من المحتمل أن يكون بسبب الترجمة، مكتوب في مقتبسه، مشيرًا إلى أن هذا الإيمان بالتعاطف والاحتفال باعتباره التعليق الحقيقي الوحيد على الفن والحياة كان روحًا مفعمة بالحيوية منذ فترة طويلة للشاعر المطّلع. في رسالة الى (فردريك شيلر) من ربيع ١٧٩٦، ترجمها (جوروج اتش كالفرت) ونُشِرتْ عام ١٨٤٥. كتب (غوته) البالغ من العمر ٤٦:

في التعامل مع الكتابات على أنها أفعال، ما لم يتكلم المرء بعاطفة محبة، بحماس جزئي معين، تكون النتيجة معيبة إلى حد كبير بحيث لا يكون لها قيمة تذكرالمتعة، البهجة، التعاطف في الأشياء، هي كل ما هو حقيقي، وهذا يعيد إنتاج الواقعفيما عدا ذلك، كل شيء فارغ وعبث.

الاستكمال مع (ريبيكا سولنيت) في فن الانتقاد المضاد الصعب، واعادة النظر (غوته) في ذهن المبتدئين، اليأس بشجاعة، ونظريته في علم نفس اللون والعاطفة.


[المصدر]

الشاعر والفيلسوف ديفيد وايت يتحدث: عن الحب ومقاومة التصنيف الإجباري للعلاقات

 

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

نسمّي الأشياء غالبا لنتحكم بها، ولكن ما يستحق الحب لا يريد أن يُحصر في حدود ضيقة تجعلنا نتذكره بمجرد ذكر كلمة. من نواح عدّة، سمّانا الحب فعلا قبل أن نسميه.

في مقدمة كتاب Figuring (الاكتشاف) – وهو كتاب مليء بالعلاقات الشخصية المعقدة التي لا يمكن تصنيفها والتي تحاكي وتطارد الشخصيات التاريخية التي ساعدت في تكوين عالمنا الحالي- أعربتُ عن أسفي بأننا نخلط بين مسميات الأشياء والأشياء نفسها.

يفحص الشاعر والفيلسوف (ديفيد وايت) أوعية المفاهيم هذه المشوهة والضرورية في الوقت ذاته في إحدى المقالات القصيرة الجميلة من كتابه  (المواساة: العزاء والعناية والمعاني الضمنية للكلمات اليومية)، كتاب لطالما أحببته.

تحت كلمة “التسمية“، يعي (وايت) صعوبة فنّ إعطاء الحب مساحته الخاصة ليكون كما هو، لا ما نريده أن يكون أو نتوقع منه أن يكون، أو نطالب منه أن يكون بافتراضات مسبقة وتضييق الخناق عليه والالتزام بآراء المجتمع.

يكتب:

تسمية الحب في وقت مبكر جدا هو أمر جميل لكنه مريع للإنسان في الوقت ذاته. تأتي معظم خيباتنا من محاولة تسمية الأشخاص أو الأشياء التي نحبها وطريقة حبها مبكرا في رحلة الاستكشاف غير الآمنة أصلاً.

لا يمكننا أن نعي منذ البداية، عندما نهب أنفسنا لشخص، أو للعمل، أو للزواج، أو لقضية ما نوع الحب الذي سنخوض فيه. وعند مطالبتنا بردة فعل محددة ومماثلة قبل أن تزهر العلاقة بشكل تام، فإننا نشعر بخيبة الأمل أو بالفقدان، وأثناء مرورنا بتلك الفترة الحزينة قد نفوّت على أنفسنا مشاعر محبة ممكنة فعلا لكنها لم تكن كما نريد بالضبط أو نتوقع منذ البداية. عند شعورنا بهذا الحرمان، نتقمص شخصية خائب الأمل في الحب، خيبة أملنا التي قد نفتخر بها والتي قد تمنعنا من إدراك أن انعدام ردة الفعل المماثلة من الشخص أو الموقف هو بكل بساطة دعوة صعبة إلى شكل من أشكال المودة أعمق لكنه صعب التمييز.

التعايش مع حبٍّ متغير التفاصيل وكاسر للقوانين هي تجربة تؤدي إلى الجنون لأنها تعبث بأسس شخصياتنا وكينونيّتنا بغموضها وزلزلتها وقوتها واتجاهها الذي يصعب التحكم فيه. لا يستطيع تذوق حلاوة هذه الفترة سوى عمالقة واثقون تمام الثقة، عمالقة كـ(يوهانس برامز) و(كلارا شومان) في حبّهما الذي يتعدى المسميات، استطاعا تذوق حلاوة هذا الحب غير المصنف ولا المعرف بدل أن ينمو مرّاً بسبب عدم توافقه مع القوالب المفروضة للارتباط والمودة.

الحب الحقيقي برأي (وايت) هو الذي نشعر به في أعماقنا، حبٌّ يعرّف نفسه بتصرفاته الخاصة به، لا بالتزامه واتباعه لقوانين موضوعة مسبقا:

تصرف الحب بحدّ ذاته، دائما ما يتبع الطريق الذي تتبعه كل مهنة. ليس فقط في اتباعه الطريق الصعب وإيجاد أشكاله المختلفة من التواضع والتذلل اللطيف، بل حتى وبشكل غريب عبر تعرضه الشديد لأشكاله المختلفة والمذهلة، حيث يُطلب منّا باستمرار وعكس إرادتنا أن نمنح بطرق مختلفة دون معرفة العائد الغامض أو طريقته أو وقته أو كيفيته.

قد يكون صحيحا أن التسمية قد تمنح الأشياء المسماة “كرامة“، إلا إن الأسماء والتصنيفات هي أوعية. أوعية تقسم المفاهيم والتركيبات – التي غالبا ما تكون فوضوية ودائما مليئة بالشائبات، ومليئة بالغموض أكثر من أصولها اللغوية – على خزائن دلالات أنيقة. لكن اللغة تتعامل ببساطة وتجاهل مع ما تحاول احتواءه وتصنيفه أنه بسيط وأن تعقيده لا يتجاوز المسميات. نحيطها بأوعية حتى نسيطر عليها، وعند إحكامنا السيطرة فإننا نتنازل عن الغموض الجميل والمخيف للوجود

يقول (وايت):

نسمّي الأشياء غالبا لنتحكم بها، ولكن ما يستحق الحب لا يريد أن يُحصر في حدود ضيقة تجعلنا نتذكره بمجرد ذكر كلمة. من نواح عدّة، سمّانا الحب فعلا قبل أن نسميه، قبل أن نقول الكلمات الصحيحة أو نفهم ما الذي حدث لنا ويستمر بالحدوث لنا: هي دعوة للفن الأصعب على الإطلاق، الحب دون أي تسمية

كتاب (المواساة)، الذي يتحدث فيه وايت أيضا عن الغضب والتسامح ومعنى النضج الحقيقي ومعنى الصداقة الحقيقي والحب والخيبة، هو قراءة إحيائية ومثقِّفة بإجماعها. اتبع هذه القطعة بكلام كارل ساغان عن العيش مع المجهول، و(خليل جبران) عن الشجاعة في مواجهة المجهول في الحب، و(آني ديلارد) عن العيش مع الغموض ثم أعد قراءة قصيدة وايت الجميلة عن العمل سويا في عالم منفصل.


[المصدر]

مسألة الحياة في بداية القرن الواحد والعشرين .. مقالة مطولة

ميشال مورنج، هو كاتب وفيلسوف فرنسي، من مواليد عام 1950م. له عدد من الكتب والأبحاث، من أشهرها كتابه (تاريخ الأحياء الجزئية) وكتاب (تفسير الحياة).

نشر (مورنج) مقالة مطولة، ننقلها لكم من اللغة الفرنسية إلى العربية، بشكل حصري، تحدث فيها (مورنج) عن الحياة في القرن الواحد والعشرين. كما نحب أن نشكر الأستاذ السيد (ويليام العطوة) على مساهمته في تدقيق ومراجعة هذه المقالة.

يفتتح (مورنج) مقالته، فيقول:

بعد أن اختفى لعشرات من السنين من كتابات علماء الأحياء، طُرِح سؤال “ما هي الحياة؟” من جديد، في المجلات العلمية كما في المنشورات المبسّطة.

لقد قمنا بتحليل الصلة بين اختفائه المؤقت وبين تطور البيولوجيا الجزيئية في عدة منشورات. ولكن إذا نظرنا إلى الوراء؛ لم يكن غياب هذا السؤال إلاّ موجزًا طوال تاريخ علوم الحياة. هل هذا يعني أنه لا توجد طريقة جديدة لطرح هذا السؤال في يومنا هذا؟ وهل أن وضعه – وهو الّذي يحوم فوق رؤوس جميع علماء الأحياء الّذين يجب عليهم الرد إن كانوا لا يرغبون برؤية دورهم يختفي لصالح التخصصات أخرى – لم يتغيّر كثيرًا؟

في هذه المقالة؛ نود تقديم فرضية أخرى: يعود السؤال بطريقة جديدة كلّيًا، حيث سيخوض معنى الحياة مجال العقلانية لأول مرة، وسيواجه عواقب فلسفية خطيرة.


ثلاث مشكلات مرتبطة

عند تسليط الضوء على تساؤل: “ماهي الحياة؟” سيكون مبهمًا، ولكن من الضروري تسليط الضوء في آن واحد على سؤالين آخرين مرتبطين به “كيف نشأت الحياة؟”، “وهل بالإمكان تغيير الكائنات الحية وخلقها من جديد؟”

ترتبط المشاكل الثلاث ارتباطًا وثيقًا : إن الردّ على سؤال “ماهي الحياة؟” معناه أيضًا افتراض سيناريو منطقي لظهور الحياة أو التحكم بها أو حتى لخلقها من العدم. فلقد ارتبط الفهم والفعل  ارتباطا وثيقًا خلال التطور التاريخي لكافة العلوم.

ولكن أتعلق الأمر بمسألة الأصل أو بسؤال الفعل، فالفترة الحالية تميزت بفرادتها.. فهي ليست كتلك السناريوهات عن نشأة الحياة، والتجارب التي تهدف لإعادة خلقها من جديد أو على الأقل محاولة محاكاتها في المختبر التي لم تُقترح منذ قرن تقريباً مع أول اختبارات البيولوجيا التخليقية في بداية القرن العشرين والنماذج التي اقترحها أوبارين وهالدان في عام ١٩٢٠ م. ولكن فحص جميع الأبحاث التي أجريت في وقتنا الحالي حول أصل الحياة يعطي صورة جديدة تمامًا، على الرغم من أن هذا الحقل لا يزال يتميز بتنوع كبير في الأساليب والافتراضات التجريبية مع وجود تناقضات حادة، ولا يزال يترك مجالًا لافتراضات “بعيدة المنال” لن تكون مقبولة بالنسبة لفروع العلوم الأخرى، ومع ذلك تم تنظيمها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لقد تحول إلى مجال تخصصّي جديرٍ بالاحترام. أصبحت مسألة نشأة الحياة مسألة علمية من الممكن حلها، إن لم تكن سهلة المنال،  في وجود استثمار علمي كافي.

وعلى نفس المنوال؛ قام الإنسان بدوره بتغيير الكائن الحيّ، فقد قام باتخاذ خطوة جلية في تطوير الهندسة الوراثية، ولم تكن محض تنبؤات يطمح بها بشكل مبالغ بعض أنصار التعديل الجيني. إن التعديلات الجينية محفوفة بالمصاعب؛ كبعض مشاريع إنتاج نباتات تستطيع التقاط النتروجين مباشرة من الغلاف الجوي فهي مجرد أحلام حتى الآن. النباتات الوحيدة المعدلة وراثيًا والمتاحة هي النباتات المقاومة للمبيدات الحشرية وتعتبر تعديلات بسيطة جذًا بالنظر إلى بقية التطلعات. بالمقابل؛ أكثر الكائنات المعدلة وراثيًا هي البكتيريا لإنتاج مركبات مفيدة للصناعات الكيماوية والأدوية.

وبالرغم من ذلك؛ أصبح اليوم من الممكن تغيير الحياة أو على الأقل التحكم بها من خلال إجراء محدد؛ ويجب عدم الاستهانة بأي خطوة يتم إجراءها. إن عودة مصطلح البيولوجيا التركيبية بعد اضمحلاله منذ بداية القرن العشرين يعكس مدى الوعي بهذه الإمكانيات الحديثة كالعمل على الحياة إلى الوصول إلى خلق أشكال جديدة لها.

وبالتالي فإنه في نفس مقدار التفاؤل يجري البحث عن نشأة الحياة، كما العمل على البيولوجيا التركيبية. قد تكون هذه الثقة بالمستقبل محض أوهام وفقاعة قد تنفجر في السنوات القادمة. ولكننا لا نعتقد ذلك لأن ثورة الأبحاث حول نشأة الحياة والنهوض بتقنيات الهندسة تُظهر لنا تطورًا في العلوم – وفي فلسفة العلوم- وعناصر إيجابية تحدث تغييرًا لا رجعة فيه في مسألة الحياة في المجال العلمي؛ فالعقبات قد اختفت، و يسمح النهج العلمي، الأقل تكبّرًا، لغنى تعددية الإختصاصات بأن تعمل بشكل كامل، وهذا ما هو ضروري بالنسبة لسؤال كسؤال الحياة.


عقباتٌ ابيستيمولوجية وفلسفية تمّ تجاوزها

نحن لسنا بحاجة إلى مراجعة علوم الحياة منذ ظهورها في العصور القديمة لفهم التغيرات الحديثة فيها، يمكننا أن نكتفي بالعلوم التي ظهرت بعد ظهور العلم الحديث على يدي غاليليو وديكارت في القرون الأخيرة. تراوحت علوم الحياة في منتصف القرن السابع عشر، بجانب دورها في جدولة الأشكال الحية، بين اتجاهين متعارضين ومتصادمين كذلك، أحدهما الإنكار؛ كما فعل الطب الفيزيائي في نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر الذي أنكر كل خصوصية للظواهر الحية و إختزال تعقّداتها بشكل فجّ إلى بعض الآليات الكيميائية الفيزيائية البسيطة، مع بعض النجاحات المحدودة،  والآخر الذي أثبت عدم قابليتها على الاختزال هذا من أجل أن يكون قادرًا على حصر دراسة الظواهر البيولوجية من خلال الأساليب الكيميائية الفيزيائية متى ما أثبتت انها مفيدة ، وتركت مسألة الحياة لميدان المعرفة العلمية إلى الأبد.

كان هذا موقف بعض الحيواتيين vitalistes  الفرنسيين مثل بوردينو . إنّ مبدأ الحياة المفترض وجوده وقتها لم يكن مختلفًا عن مبدأ الجاذبية الكونية كما عند نيوتن: “ما” يجب القبول به من أجل تفسير الظواهر الطبيعية.

قام علماء الأحياء الجزيئية في الستينيات باستكمال هذا الجهد دون حل أو تجاوز. وبالنسبة لكثير منهم، لم يكن هناك أسرار للحياة ـ أو لم يعد هناك أسرار-  لأن جميع الظواهر التي لوحظت في العالم كانت نتيجة للنشاط الفيزيائي الكيميائي؛ وفي الوقت ذاته، تميزت الكائنات الحية عن غير الحية بالمعلومات الوراثية والشفرات الجينية التي تستخدمها. سمح لنا الاستخدام غير المبرر لمصطلح المعلومات الوراثية بالحفاظ على غموض معين حول “طبيعة” خصوصية الأحياء.

لا يبدو لنا ذلك تحوّلاً داخليًا في علم الأحياء بقدر كونه تطورًا فلسفيًا و ابيستيمولوجيًا وعلميًا أوسع نطاقًا مكّن من التغلب على العقبة السابقة وتجنب هذا الخيار المحبِط. اقتحمت فكرتان شيئًا فشيئًا العقول وحررت المبادئ العلمية؛ الأولى هي قبول ضرورة تعدد التفسيرات في العلوم والثانية هي فكرة أن شيئًا جديدًا يمكن أن يظهر في النظام الطبيعي يمكن وصفه بشكلٍ جيّد. إن كل منهما ستحتاجان وقتًا طويلًا لدراستها، وسنطرح هنا بعض المعايير الأساسية فقط لهذه الدراسات و نعود الى بعض الأبحاث المتخصصة.

وجدت التفسيرات المتعددة فرصة في مساحة من الحرية في فشل المشروع الفيزيائي المادي لحلقة فيينا. وأثبتت أن إعادة بناء العلم على أسس سليمة، أي مبادئ الفيزياء، أنه مشروع مستحيل. لكن هذا الانفتاح لمجال الحرية الفلسفية لم يكن بالتأكيد كافياً بل ظهور علوم جديدة ومستقلة جزئياً عن تلك التي سبقتها، والتي أثبتت مع ذلك أنها فعالة بشكل ملحوظ في “معالجة” موضوعاتها، هو ما كان من شأنه أن يمتلك تأثيرًا كبيرًا.

إن التخصصات مثل فيزياء الجوامد أو المعلوماتية نجت من الخنق المنهجي للتخصصات الموجودة من قبل. من خلال أدواتها وأساليبها الخاصة، استطاعت أن تضع بصمتها على المشهد العام للتخصصات العلمية دون القلق المفرط حول علاقتها وتوافقها مع غيرها من التخصصات المُقاربة. هذا التغيير في الساحة العلمية لم يكن سهلاً، فقد واجهت المعلوماتية، على سبيل المثال، صعوبة للاعتراف بها كعلم مستقل وليس مجرد فرع من الرياضيات التطبيقية.

من جانب علوم الحياة؛ أظهرت مقاومة النظرية التركيبية للتطور الحاجة للتفسيرات المتعددة بشكل أقل من علم البيئة بسبب التأثير المنتشر للبيولوجيا الجزيئية. إن مقاومة هذا التوحيد القسري لم يستمر بدون صعوبات، فلم يرَ علماء البيولوجيا الجزيئية وجودًا لهذه التخصصات الأخرى، ولم يمتلكوا أي فكرة – مختلفة – عن طبيعة التفسيرات التي اقترحتها. ومع ذلك كانت النتيجة: جنبًا الى جنب المقاربة الجزيئية الإختزالية ، نمت ، وتطوّرت بطريقة بارعة، تخصصاتٌ امتلكت مبادىءَ تفسيرية مختلفة تمامًا.

في الثمانينيات من القرن الماضي، اندلع الجدال بين الفلاسفة حول إمكانية توحيد العلوم أو عدمها، إذا كان أصل هذا النقاش بالتأكيد موجودًا في تطور داخلي لفلسفة العلم؛ فهو بالتأكيد ليس غريبًا على التطور الموازي للمشهد العلمي للتخصصات العلمية. إن الزعزعة التدريجية، من خلال عمل محللي العلوم، من  كارل بوبر حتى علماء الاجتماع، لأسس المعرفة العلمية، جعل بلا شك هذا القبول للتفسيرات المتعددة أسهل.

بالنسبة لغالبية العلماء – وعلى ما يبدو أيضًا الفلاسفة – ليس من الواضح ما إذا كان المشهد المجزأ الحالي للتخصصات العلمية هو مجرد حالة مؤقتة قبل توحيد قادم، أو حقيقة لا مفر منها ستستمر في إثبات نفسها، حتى انّها سوف تتفاقم. ومع ذلك، فإن طبيعة الإجابة على هذا السؤال لا تغير الموقف الحالي تجاه هذا التنوع التفسيري، يجب أن تهدف الجهود إلى الحد منه من خلال تمفصل هذه المخططات التوضيحية المختلفة، وليس السعي – على الأقل الآن – إلى نظرية توحيد وهمية. لقد حلّلنا كذلك الأسباب المعرفية والاجتماعية على حد سواء التي تفترض هذا الاعتقاد المشترك على نطاق واسع اليوم من قبل الباحثين في علوم الحياة. سواء كان هذا الربطُ – أم لا – هو الخطوة الأولى في عملية التوحيد لا يغير شيئًا ممّا هو الهدف اليوم في علوم الحياة، ولكن أيضًا في العديد من التخصصات الأخرى. أصبح من الواضح أن التفسير العالمي للظواهر الحية يتطلب التعبير عن ثلاثة مخططات تفسيرية مختلفة على الأقل: كيميائية فيزيائية (جزيئية) وتطورية وفيزيائية. ويعد هذا صحيحًا عندما يحاول المرء أن يصف المراحل التي كانت يجب أن تسمح بتكوين الحياة وهي: تفسير الكيمياء الفيزيائية للتكوين التلقائي للجزيئات الأولى والجزيئات الكبيرة تتبعها تفسيرات تستدعي التنظيم الذاتي لهذه المكوّنات، تليها عملية (داروينية) لاختيار الجزيئات الأولى و / أو المجموعات الجزيئية الأولى. يُستخدم التمفصل، المؤقت هذه المرة، بين نفس المبادئ التفسيرية الثلاثة من أجل شرحِ أصل الحياة .

الحاجز الابيستيمولوجي الثاني الذي “قفز” مؤخرًا هو استحالة تفسير نشأة الجِدّة nouveauté  في انموذج توضيحي. إن التاريخ الفلسفي لمفهوم الإنبثاق l’émergence  قديم ومعقد، ولكن، كما أسلفنا؛ نعتقد أن الحدث الرئيسي الذي منحه مكانة معترف بها في فلسفة الحديثة للعلوم هو المكان الموجود بشكل شبه طبيعي في بعض العلوم من الكيمياء الفيزيائية حتى فيزياء الجوامد. هذا التطبيع naturalisation  للإنبثاق جعل من الممكن تصور أن الأنظمة المعقدة يمكن أن تكتسب خصائص جديدة – مثل الحياة– من خلال تجاوز الحد في عدد وطبيعة العلاقات بين المكونات الأولية المختلفة. يبقى استخدام مفهوم الإنبثاق خارج التخصصات التي وجد فيها مكانًا علميًا معترفًا به مجازيًا. ولا يهم إن كانت الاستعارة قوية بما فيه الكفاية أو لا، و الإحالة إلى استخدامه العلمي واضحةً كفاية، بحيث يتم قبول احتمال القفزات النوعية في أداء النظام.

مع هذين التحوّلين الابيستيمولوجيين؛ يمكن لدراسة الأحياء أن تتطور ، بشكل تام، كظاهرة علمية. لم يحن الوقت للتنبؤ بما تمنحه عودة السؤال “ما هي الحياة؟ والتوسع السريع في البحث عن اصولها. ومع ذلك؛ سنكون على استعداد للمراهنة على أنّ ابتذال مقولة الإنبثاق في المجال العلمي، وقبول تعدد التفسيرات اللازمة للظواهر الحية؛ سوف يؤدّي إلى إدخال دراسة “سؤال” الحياة في فترة من التقدم المستمر، وهو ما يمنعه حتى اللحظة البحث عن تفسيرٍ “أوحد” للحياة.


كيف سيصبح التساؤل الفلسفي عن الحياة و  عن الوعي؟

دعونا نعترف بأننا على صواب، وأن مسألة الحياة أصبحت بالتأكيد مسألة علمية. تكون كذلك من خلال قطع الصلة بين الحياة والفكر الواعي والخيط الوحيد الذي ما زال يربطهما مرة أخرى هو ببساطة مقولة الإنبثاق. إن ظهور الوعي المفكِّر سيكون أيضًا ظاهرة منبثقة، ولكن من طبيعة متمايزة تمامًا. وستكون هذه القطيعة حدثًا جديدًا تمامًا. حتى بالنسبة للبيولوجيا الجزيئية، التي اتهمت بأنها تسببت في “موت الحياة“، حافظت، بفضل مقولة المعلومة، على مقامٍ مشترك بين الحياة والفكر، وهو ما أظهر الفيلسوف جورج كانغيلهم ترسّخه في التقاليد الفلسفية. لا شيء من هذا القبيل في يومنا هذا، حيث فقدت مقولة المعلومة قوتها التوضيحية لصالح الآليات الكيميائية الفيزيائية. ماذا ستكون عواقب هذا القطيعة؟ وماهي المكانة التي سوف يتبوّأها فكرٌ فلسفيّ عن الحياة؟ سيكون ممكنًا تبني موقفين فلسفيين: التخلي النهائي عن سؤال الحياة لصالح العلماء، أو الحفاظ على فلسفة الحياة، وستكون المخاطر المتصّلة، على التواليّ، نضوب الفلسفة، أو انفصالها التام عن العلم.

هل هذه بداية لعملية مماثلة من “علمنة” scientificisation  الوعي؟ يمكن للعديد من الأعمال الراهنة، المتصّلة بأشكالٍ مختلفةٍ من التصوير الطبيّ، أن توحي بذلك. أو ربّما سوف يجعل قطع الصلة بين الحياة و الوعي من هذا الأخير، وبشكلٍ اوضح،  ليس شاهدًا على تعلّقٍ ماضويّ بالمقولات الميتافيزيقية، ولكن دليلاً فلسفيًا يستحيل اختزاله أبدًا الى معرفةٍ علمية؛ و ليس خطوةً قادمة من عملية تطبيع، و لكن، وفي روح الفينومينولوجيا، إستجوابًا لم تتوقف الفلسفة عن توجيهه للعلوم، و التي لم تتكمن يومًا من الردّ عليه.


[المصدر]

 

لينا دنهام: رسائل مفعمة بالأمل عن الحب والجنس والصداقة والموت.

إنها مزية استثنائية أن يولد المرء في الجسم الذي يريده، وأن يعتنق جوهر النوع الذي يمثله، حتى عندما يدرك ما يواجهه، بل وأثناء محاولة إعادة تعريفه.

“أنا أقول دومًا ما في رأسي”، هكذا تصرخ (إلويس) البالغة من العمر ست سنوات في الفيلم المقتبس عن كتب الأطفال الشهيرة التي أبدعتها الكاتبة الأمريكية (كاي ثومبسون) في عام 1955 وجاءت في بداية ذلك التحول الثقافي البارز وكانت تصور فتاة نضجت مبكرًا وتناصر الحركة النسوية الأولى وتتمتع بروح عتيقة ومفردات مبهرة. لقد كانت حرية التعبير التي تتمتع بها (إلويس) أكثر من مجرد مجاز سردي، فاستعدادها لتجسيد حياتها الداخلية بكل ما تحتويه من ظلمة وضياء كان يرمز إلى التغيرات التي شهدتها الكاتبة (ثومبسون) (1909-1998) والاتجاهات التي كانت هي نفسها تسعي من خلالها بمنتهي اللطف والدهاء لتغيير التيار الثقافي بواسطة كتب (إلويس)، وكما يؤكد المؤلف البريطاني (توكين) على نحوٍ معروف وكذلك ما ردده سنداك فيما بعد، لم تكن (ثومبسون) تؤمن بوجود ما يسمى الكتابة “للأطفال” ولهذا فهي لم تنظر مطلقًا إلى تلك السلسة البارزة من الكتب التي ألفتها على أنها “كتب للأطفال“.

وليس من قبيل المصادفة أن بطلة قصص (ثومبسون) المحبوبة تظهر في صورة وشم على جسد الممثلة والكاتبة الأمريكية (لينا دنهام) مثل العديد غيرها من الصور في الكتب الكلاسيكية المصورة، وتُعد (دنهام) في كثير من الجوانب هي (إلويس) هذا العصر الحديث على نحو تعمدته (دنهام)، فهي تقول دائمًا ما في رأسها من الأفكار التي تتميز بالرؤى الاستثنائية والذكاء العاطفي والضعف دون خوف، في الوقت الذي يحاول فيه جيل آخر من النساء والرجال السعي لفهم تلك النوعية من النساء وحبهّن للمخاطرة عبر شفا الهاوية ، وتحاول دنهام استكشاف جوهر تلك الهاوية: الحب والعمل والجنس والصداقة والجسد والعلاج وجميع تلك الوسطية الشائكة للحياة، إذ تستكشف ذلك بنفس القدر من الطرافة والدفء والحكمة في كتاب (لست ذلك النوع من الفتيات: شابة تتحدث عن “تجربتها”).

وفي إحدى الفقرات التي تعبر على وجه الخصوص عن أفكار (إلويس) الجديدة في مقدمة الكتاب، تتذكر (دنهام) شرائها نسخة مستعملة من كتاب المؤلفة (هيلين غورلي) براون لعام 1982 (لدي كل شيء)، وتجادل بأنه رغم أن نصيحة (غورلي) قابلة للنقاش فيجب أن نقول شيء ما، يجب أن نقول شيء ما، لمجرد ممارسة شجاعة التعبير عما في الرأس، وخاصةً عندما يتعلق الأمر بامرأة تعيش وسط ثقافة حيث ـــــرغم ما نتمتع به من نوايا حسنةــــ يكون العكس هو المتوقع فتكتب:

ليس أشجع بالنسبة لي من الشخص الذي يعلن أن قصته تستحق أن يسردها، وخاصةً إذا كان امرأةً، فرغم ذلك الجهد الذي عملنا به، وتلك المرحلة المتقدمة التي وصلنا إليها، لا تزال ثمة العديد والعديد من القوى التي تتآمر على النساء لإقناعهن بأن همومهن تافهة، وآرائهن لا حاجة لها، وقصصهن ينقصها الوقار اللازم لكي تكون ذي جدوى، وأن الكتابة الذاتية عند النساء لا تزيد عن كونها نوع من الممارسة الزائفة، وأنه يجب علينا تقدير هذا العالم الجديد للنساء ثم نجلس ونغلق أفواهنا.

وتستغل (دنهام) تلك النقطة لتضيفها إلى دوافعها لتأليف الكتاب:

أريد إحياء ما لدي من القصص، بل والأكثر من ذلك أنّي مضطرة لذلك حتى احتفظ باتزاني العقلي…ولو تمكنت من استخدام ما تعلمت في جعل مهمة واحدة حقيرة أكثر سهولة بالنسبة لي، أو منعكم من ممارسة ذلك النوع من الجنس الذي تشعرون فيه بأنه يجب عدم خلع الأحذية في حال أردتم الهروب أثناء الممارسة، عندئذٍ يكون كل خطأ ارتكبته يستحق العناء…فأنا لست خبيرة في العلاقات الجنسية، ولا طبيبة نفسية، ولا أخصائية غذائية، وأنا لست أمًا لثلاثة أطفال ولا أملك مصنع ملابس ناجح، ولكني فتاة أهتم بشدة بأن يكون لدي كل شيء، وفيما يلي رسائل مفعمة بالأمل من الخطوط الأمامية لهذا الصراع.

تكتب (دنهام) تلك الرسائل بنوع من الصدق المتلاشي داخليًا وخارجيًا معًا، ولا يتأتى ذلك للكثير منا، ودائمًا ما تقدم تلك الرسائل بنوعٍ من تداخل ثنائية النقص والكمال ، الذي تتميز بهما وكذلك ثقافتنا، فهي تبحث على سبيل المثال في ذلك الوباء المنتشر بشدة والمتمثل في إرضاء الآخرين، وهي تتناول تلك النقطة من زاوية نادرًا ما نتجرأ على التفكير فيها:

لا أشعر بالغيرة التقليدية، من الرفيق أو الرضيع أو الحساب البنكي، لكني أغبط أساليب الوجود عند غيري من النساء.

[…]

كنت أحسد السمات الذكورية إن لم يكن الرجال أنفسهم، إني أغار من تلك السهولة التي تميزهم في القيام بأدوارهم المهنية: عدم الاعتذار، وعدم بذل قصاري الجهد للتأكد من أن من حولهم ليسوا مستائين مما يحاولون القيام به؛ فأنا أرى أن الرجال غالبًا لا تكون لديهم غريزة إرضاء الآخرين، وهي تلك الغريزة التي أعتبرها اللعنة التي تصيب وجودي بوصفي أنثى، لقد شاهدت الرجال وهم يطلبون العشاء، ويطلبون النبيذ المروّع، والمزيد من الخبز بثقة لم أتمكن من إتقانها قط، وفكرت في نفسي وقلت: ياله من عملٍ فذٍ، لكني أرى كذلك أن كوني أنثى هو هدية لا مثيل لها، وسعادة مقدسة، على نحو شديد العمق حتى أنني لا يمكنني التعبير عنه، إنها مزية استثنائية أن يولد المرء في الجسم الذي يريده، وأن يعتنق جوهر الجنس الذي يمثله، حتى عندما يدرك ما يواجهه، بل وحتى أثناء محاولة إعادة تعريفه.

أعرف أني عندما سأعاني من سكرات الموت وأتذكر الماضي سأندم على المجادلة مع النساء، هؤلاء النساء اللائي حاولت إبهارهن وفهمهن وتعذبت بسببهن، هؤلاء النساء اللائي أريد رؤيتهن ثانيةً، أريد رؤيتهن وهن يبتسمن ويضحكن ويقلن: لقد جرت الأمور على ما يُرام.

لو لم أكن متحفظة بشدة من أستمرار استخدام كلمة “حساس” لوصف الكتابة النسائية، وإبعادها برقة عن عالم الكتابة الواقعية،لتحدثت عن تلك الحساسية التي لا مثيل لها التي تميز دنهام، فجميع أنحاء كتابها زاخرة بها، ولكن لعل أكثر المواضع التي تتضح فيها هذه الحساسية هو ذلك الفصل الذي تتذكر فيه اختها الصغيرة (غريس) وهي تعلن عن مثليتها الجنسية:

كنت في الثالثة والعشرين من العمر حينها،ومتطفلة بكل معنى الكلمة، أخذت بعض شرائح المكرونة ووضعتها في فمي، بينما (غريس) تتحدث عن ذلك الموعد الغرامي المروع مع صبي “مغفل” من إحدى المدارس في إحدى المناطق التي يقطنها الأثرياء.

تنهدت وقالت: “إنه طويل أكثر من الازم، ولطيف، ويحاول أكثر من الازم أن يكون فكهاً، لقد وضع منديل مائدة على يده وقال: “انظري! لدي غطاء لليد.” ثم أضافت “انه رسّام كارتوني، ويعاني من مرض السكري.”

قلت لها: “إنه رائع”، وبعد ذلك وقبل أن أفكر في الأمر قلت: “ما أنتِ؟ هل أنتِ مثلية؟

فقالت: “في الحقيقة، نعم”، قالتها وهي تضحك وقد احتفظت برباطة الجأش التي كانت تميزها منذ مولدها.

بدأت تخرج مني شهقة، ليس لأني لم أكن أريدها أن تكون مثلية…لا، كنت أصرخ لأني فهمت فجأة ضآلة ما أعرفه بالفعل: عما تعانيه من آلام، وعن أسرارها، وأوهامها التي كانت تدور في رأسها عندما تستلقي على سريرها ليلاً بذاتها الداخلية.

وفي فصل آخر تمارس (دنهام) تلك الموهبة اللافتة للنظر التي تتميز بها وهي استخدام الأفكار الثقافية الشائعة في هذا العصر ـــــ وهي مقالات القوائم في هذه الحالة ـــــ باستخفاف ولكن دون تحمل عبء السخرية إلى حدٍ ما، ذلك العبء الذي يعوق تحقيق الأهداف، وذلك من أجل توضيح أن الوسط لا يحدد طبيعة الرسالة ولكن الجوهر، ولا يجب ألا تكون المادة خالية من الفكاهة لكي تكون جادة، فتقول تحت عنوان “الأشياء السبعة عشر التي تعلمتها من والدي“:

  1. الموت آتي إلينا جميعاً.

  2. لا توجد أفكار سيئة ولكن أفعال سيئة فقط.

  3. “أيها الرجال، إحترسوا: النساء قادمات من أجل مداعبتكم.”

  4. الثقة ستجعلك تخلع كل شيء أثناء الجنس حتى الأحذية والجوارب.

  5. جميع الأطفال فنانون مدهشون، فالبالغون هم من يجب أن نقلق عليهم.

  6. إذا كنت في حفلة وكانت لا تعجبك، قل أنك ستذهب للاطمئنان على سيارتك ثم أخرج بسرعة، ولا تنظر في عين أحد.

  7. عواطف السكارى ليست حقيقية.

  8. يمكنك إعداد وجبة خفيفة رائعة بتحمير البطاطا الحلوة في فرن الميكروويف ثم تغطيتها بزيت بذور الكتان.

  9. لم يفت الأوان مطلقًا للتعلم.

  10. “سيارة الفولفو سيئة بما يكفي، لن أضع معطف على ذلك الكلب اللعين.”

  11. المد المرتفع يرفع جميع القوارب.

  12. من المريع أن يحصل من تكرههم على الأشياء التي تريدها.

  13. هل توقف الإبداع لديك؟ خذ إجازة من العمل لمشاهدة أحد أفلام الجريمة والغموض، فدائمًا ما يحلون لغز الجريمة، وهو ما سيحدث لك أنت أيضًا.

  14. لا يجب أن تكون لامعًا في حياتك لكي تكون لامعًا في عملك.

  15. ارتدي بذلة عند الذهاب إلى قسم المركبات لتسريع الأمور قليلاً.

  16. لا تطلق نكات عن إخفاء المخدرات أو الأسلحة أو العملة أمام ضباط الشرطة أو العاملين في إدارة أمن النقل والمواصلات الأمريكية، فالاحتجاز ليس مزحة.

  17. التأقلم هو الأهم.

وتخصص (دنهام) فصلاً كاملاً لأول درس من تلك الدروس التي تعلمتها من والدها، وهو علاقتنا المعقدة بالموت وكذلك قلق البشر على الدوام من الزوال:

أعتقد أن هناك قدراً كبيراً من حقيقية كوننا سنذهب جميعًا للموت، تأتيني تلك الفكرة في لحظات غير مناسبة على نحو لا يصدقه عقل، عندما أقف في أحد الحانات مثلاً و بعد أن تمكنت من إضحاك شاب جذاب للتّو،سأضحك أيضًا وربما أرقص قليلاً، ثم يسير كل شيء بالحركة البطيئة لثانية وأفكر: هل يدرك هؤلاء الناس أننا سنذهب إلى المكان ذاته في النهاية؟ وعندما أتمكن من المشاركة في المحادثة ثانيةً أقول لنفسي إن ذلك الإدراك الخاطف للموت أثرى تجربتي وذكرني بأن كل ما يجب عليّ حينها هو الانطلاق في الضحك وإمالة الشعر من جانب إلى آخر وقول الصراحة: . لماذا لا؟ ولكن في بعض الأحيان يظل ذلك الإحساس بداخلي ويذكرني بأني طفلة أشعر بأن الخوف يتملكني ولكن دون أن أمتلك الكلمات التي تهدئني، أظن أنه عندما يتعلق الأمر بالموت لا أحد فينا يملك الكلمات بالفعل.

أتمنى أن أكون واحدة من هؤلاء الشابات اللائي يبدو أن لا وعي لديهن على الإطلاق بأن أجسادهن الجذابة والجميلة معرضة للخطر (ربما يجب أن يكون لدى المرء جسد جذاب وجميل لكي يشعر بذلك). الخداع الجميل للنفس: أليس هذا هو جوهر الشباب؟ أن تظن أنك خالد حتى يأتي يوم تصير فيه في الستين تقريبًا وفجأة تُصدم: فترى ذلك الشبح الكئيب للموت فتراجع نفسك وقد تتبنى طفل محتاج، وتقرر أن تعيش باقي حياتك بأسلوب يمكنك الافتخار به.

لكني لست واحدة من هؤلاء الشابات، لقد انتابني هاجس الموت منذ ولادتي.

[…]

والحقيقة هي أنني كنت أدور حول موضوع الموت دون وعي لفترة من الوقت، لقد نشأت في حي سوهو في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين وأوائل التسعينيات من القرن ذاته، وكنت واعية لمرض الإيدز وعدد الوفيات بسبب ذلك المرض بين أوساط المبدعين، وكانت موضوعات مثل المرض، والفقدان، ومن يتولى الفن والعقارات وفواتير العلاج تسود جميع حفلات العشاء، وعندما مرض العديد من أصدقاء والداي تعلمت كيف أدرك نظرة المعاناة في الوجوه: خدود غائرة وبقع غريبة على الوجه وزيادة في الوزن، وكنت أعلم معنى ذلك: سوف يصبح ذلك الشخص مجرد ذكرى قريبًا، مجرد اسم على جائزة تُمنح للطلبة الزائرين، مجرد ذكرى بعيدة.


[المصدر]