خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | فقه الحياة

كيف نحيا ؟

سلافوي جيجك بين أوهام الأمل وشجاعة اليأس

zizek460

سلافوي جيجك، فيلسوف اشتراكي من سلوفانيا ولديه إسهامات متعددة في الفلسفة الغربية الحديثة.

في مقال قصير من (سلافوي جيجك)، نُشر في مجلة (نيوفو) الفرنسية بتاريخ 1 يناير 2018، ونقله للإنجليزية (جوليوس جافروش) بتاريخ 4 يناير 2018 بعنوان: “سلافوي جيجك و أوهام الأمل”. ننقله لكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (جيجك) في مقالته:

 

لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: “سَلاَمٌ وَأَمَانٌ”، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ

تُعتبر جدلية التفكير مزن أهم إسهامات الثقافة الأمريكية عبر سلسلة نكت الأطباء المبتذلة، من فئة: “هناك خبر سعيد والآخر سيء”. فعلى سبيل المثال : الخبر السيء هو أنّ السرطان متفشي في جسدك وستموت خلال شهرٍ واحد، ولكن الخبر السعيد هو إنَّ اكتشفنا إصابتك بمرض ألزهايمر فبالتالي ستنسى الخبر السيء ساعة وصلك لمنزلك. ومن المفترض ان نتتعامل فيما يتعلق بالراديكالية السياسية بنفس النهج تماماً. فبعد الكثير من الأخبار “السيئة“– وبعد رؤية الكثير من الأمل الذي يُسحق بكل وحشية في محيط الممارسات الراديكالية، و يتمزق بين نموذجين على سبيل المثال في حالتهم القصوى مثل أليكسيس تسيبراس و نيكولس مادورو-، و رغم أنَّ فكرة نجاح أشباههم مُغرية إلا أن هذا النوع لن يحظى بفرصة نجاح كونهم مُدانين منذُ البداية، وكل أمل لأي تغيير حقيقي وفعال ليس إلا مجرد “وهم.”

لذا بدلاً من البحث عن النقيض عند الإشارة إلى “الأخبار السيئة” وتبني رؤية سعيدة ، ينبغي أنّ نتعلم تمييز الجيد الكامن في داخل أي سيء عبر إدراك السيء من عدة جوانب. لنتأمل إحتمالية التشغيل الألي الأتوماتيكي والتي تُرعب الكثير من الناس لأنها تقلل من فرص عمل الأفراد فينتج عنها كتلة بشرية من البطالة، ولكن لماذ نخشى هذه الإحتمالية؟ ألا تفتح هذه الإحتمالية فرصة خلق مجتمع جديد فيه نعمل بشكل أقل؟ على أي صعيد سينهض المجتمع إذا تحول الجيد تلقائياً إلى سيء؟

لقد أخطأ (كارل ماركس) عندما قدم إحصائية بديلة عن النهاية الوشيكة للرأسمالية أو على الأقل كما يصفها النهاية الحتمية، و لكن في الواقع الرأسمالية تنجو دائماً، فلم يقدم ماركس تحليل للطريقة التي تُخلد فيها الرأسمالية نفسها، فبعد كل أزمة تنبثق الرأسمالية من جديد.

وكما وصفَ عالم الإجتماع الألماني (فولفجانج شتريك) أن الماركسية شاهدت “الأزمة الآخيرة” للرأسمالية بشكل صحيح، وهي المرحلة التي ندخلها اليوم، ولكن غاب عنها أنّ هذه الأزمة من التدهور و التفكك عملية طويلة الأجل،  وبدون وكيل يعطي التدهور تحول فعلي إلى منظومة اجتماعية عظيمة، وبدون الطريقة الهيغيلية ، لا تستطيع الرأسمالية النهوض وتجاوز مشهد الإنهيار.

يمكن وصف المفارقة التي نعيشها بالآتي: في حين تفشل مقاومة الرأسمالية العالمية مراراً  وتكبح عن الانتشار، فإن المظاهر المتعددة لا تزال تعطي الإشارة على واقعية تَدَمُّر الرأسمالية التدريجي بطريقة غير واضحة وغريبة. وكما لو أنّ القطبين (المقاومة و التدمير الذاتي) يتقدمان على مستويين مختلفين دون نقطة إلتقاء وتوافق، فينتج عن ذلك فشل إحتجاجات المقاومة عن تدمير الكينونة الذاتية المتهالكة، وعدم إيجاد توجيه دقيق كهدف للتحرر من الرأسمالية . كيف وصلنا إلى هنا؟ في حين يحاول الجزء الأعظم من التيار اليساري يائساً حماية حقوق العمال القديمة ضد اعتداءات الرأسمالية العالمية، وبشكل حصري نجد أن حِدة تصاعد نداءات الرأسماليين أنفسهم (من إيوان مسك إلى مارك زوكربيرغ) تتحدث عن مرحلة الما بعد رأسمالية ، وكأن الغاية من تجاوز الرأسمالية كما نعرفها هو نظام الما بعد الجديد المستولى عليه من الرأسمالية .

بعد كل ذلك، كيف بالإمكان إحداث تحول إجتماعي جذري؟ بالتأكيد ليس بأسلوب تحقيق الإنتصارات بهتافات الفوز و عرض واحدة من الكوارث من فئة ثرثرة الإعلام عن إقامة ندوة جدلية للنقاش… ولكن بطريقة ” كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ ” ؛ ” لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ، أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ، كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ “. و لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: «سَلاَمٌ وَأَمَانٌ»، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ” ( من رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي 5:3). أليس هذا هو حال مجتمعاتنا؟ ألسنا مهووسين بالتحديد بـ “السلام والأمان”؟ ونفس الشيء ينطبق على العلاج النفسي حينما تظهر النتيجة دائماً  تأتي كردة فعل غير متوقعة: “ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، و تكون مفاجأة، ولا تكون حصيلة إدراك مشروع يتم صياغته. لأن النظام الرأسمالي العالمي صلب جداً وقادر على مجابهة كل محاولات التخريب، ولتصبح معاداة الرأسمالية فعالة، وتخطي الصراع، يجب الأخذ في الحسبان كل التدابير المضادة، وتحويلها إلى أدوات دفاع و أسلحة متفجرة .

إذا انتظر الفرد اللحظة الصائبة والتي يكون فيها التحول سلس ومستطاع، فلن يصل أبداً، لأن التاريخ لا يقدم لنا الفرص المصيرية على طبق من ذهب، فيتعين على الفرد المجازفة، و أن يتحمل المخاطر ، وأن يحاول أن يتدخل ويتفاعل حتى إذا بدى له أن هدفه الذي يود تحقيقه ( مُوقِن به) لا يمكن الوصول إليه. فمحاولات التدخل وحدها تجعل من المستحيل ممكناً، و سيصل بالطريقة التي لا يمكن التنبؤ بها.

ربما يستطيع فلاديمير لينين تنويرنا هنا، وتقديم نموذج على شجاعة اليأس، فبعد أن شاهدَ بوضوح أخباره السيئة وأن ثورته لن تتوسع وتشمل أوروبا بأكملها، وقبل موته بسنتين، كتب :” ماذا لو كان هناك يأس شامل، نيأس القدرة على تغيير الوضع برمته، ولكننا عبر تحفيز جهود العمال والفلاحين توفرت لنا الفرصة لخلق متطلبات أساسية للنهضة بطريقة مختلفة عن تلك التي تحدث في دول أوروبا الغربية”.

قال جورجيو أغامبين في مقابلة: ” أنَّ التَفَكَّر هو الشجاعة في اليأسِ” ؛ عبر إدراك الصلة الوثيقة بين اللحظة التاريخية وعلاقته بالزمن الذي نعيشة، فبالتالي حتى أن أكثر القراءات التشخيصية تدعوا للتشاؤم، ولكنها عادة تُختتمُ بتصورِ الوهمْ في أنَّ  النورَ ينتظرنا آخر النفق. فالشجاعة الحقيقية لا تكمن في أنّ نتصورَ بديلاً، ولكن في قبول عواقب عدم وجود بديلاً عن السيطرة العالمية التي خَلَفتها الرأسمالية ، فلا يوجد بديل تقليدي يمكن التعرف عليه وتحديده بسهولة. وحلمُ البدائل هو علامة على الجُبْن التنظيريِ، فهي بمثابة صناعة صنم يعقينا عن التفكير من داخل مأزق طريقنا المسدود، وسيحدث ما يحدث لا محاله. وبإختصار، الشجاعة الحقيقية هي بالاعتراف أنَّ النور في آخر النفق هو نور قطارٍ آخر متجه نحونا من الجهة الآخرى.

شيء آخير، حتمي، بعد كل ما ذُكرَ: أنَّ اليوتوبيا المطلقة، اليوم، تتكون من نفس آليات التفكير في التصور أننا إن لم نقم بأي شيء، وببساطة إن حافظنا بحكمة على النظام العالمي القائم، ستستمر الحياة كما هي.


[المصدر]

كيركيجارد: لم يعزّز القلق الإبداع عوضاً عن أن يَعوقه

القلق أعظم قاتلٍ للحبتلك المقولة الشهيرة للكاتبة (أنييس نين). لكن أي شيء هو القلق؟ ماكنهُ تلك المحنة المتفشية والتي لا تزال ذات طبيعة غامضة و متملّصة وكأنما هي جوهر الظلّ؟ ذلك مايفسّره الفيلسوف الدنماركي (سورين كيركيجارد(1813 – 1855م) في كتابة (The Concept of Anxiety) على أنه الدُّوَار الناتج عن كلّ من: الحريّة، تعدّد الإمكانيات الذي يَجبه المرء بالشلل، و كينونة الإنسان اللامحدوده، أي أنه بمعنى ما نوعٌ وجودي من مفارقة حريّة الإختيار. فيقول:

القلق هو مؤهل الروح الحالمة، وبهذه الحيثية يتبوأ مكانه من علم النفس الإنساني. ففي حال اليقظة الفرق بيني وبين الآخرين مُفترض؛ وهو يرتفع أثناء النوم؛ أما في الحلم فلا وجود له. و حقيقة الروح تُجليّ نفسها باستمرار في هيئة تشكّل مُغرٍ بإمكانية تحقّقه بيد أنه يتلاشى بمجرد محاولة إلتقافه، وهذا خواء لايجلب سوى القلق. ولا يستطيع أكثر من ذلك طالما استمرّ بالكاد يظهر. و القلق مختلفٌ تماما عن الخوف والمفاهيم المشابهة التي تحيل إلى أشياء معيّنة، في حين أنه جوهر الحرية كونها إمكانية الإمكانيات.

[…]

نستطيع مقارنة القلق بالدوار. فالمرء الذي ينظر إلى أعماق الهاوية مستشرفاً الفراغ الرهيب يُصاب بالدوار. ولكن مالسبب؟ باعث ذلك كامن في عينيه بقدر ماهو في الهاوية، و حسبنا أن نفترض أنه لم ينظر إلى الأسفل. وبالتالي فإن القلق هو الدوار الناتج عن الحرية و الذي يظهر حين تتطلع الروح إلى افترض التوليفات المختلفة، وتنظر الحرية إلى الأسفل حيث امكانياتها بينما هي متمسكةً بالحدود لتسند نفسها. ثم تستسلم الحريّة للدوار. إلى هنا يقف علم النفس، فلا يمكنهولن يمكنهأن يتجاوز هذه النقطة. في تلك اللحظة عينها تبدّلت كل الأمور، وحين تعلو الحريّة مرة أخرى، تدرك أنها مُذنبة. و بين هاتين اللحظتين تكمن الوثبة، التي لمولنيستطيع العلم تفسيرها. لأن الإنسان المُذنب بالقلق، يكون مذنبا في أكثر الصور إبهاما وإلتباسا.

بحسب (كيركجارد) تتفاوت تعابير القلق في الحدّة:

يمكن أن يعبّر القلق عن نفسه في أي موضع مابين الخَرَس و الصُراخ.

ويضيف أن إِجداب الحياة أو إخصابها مُتوقفٌ على الطريقة التي نتأقلم بها مع القلق:

في الواقع، لم يغرق امرؤ قط إلى دركٍ لا غور بعده، بل من المحتمل أن آخرين قد غرقوا إلى دركٍ أسفل منه. إلا أن الإنسان الذي غرق في الإمكانياتباتت عيناه مشوشتان، ومضطربتانكل من رُبّته الإمكانيات معرّضٌ للخطر، ولا أعني خطر رفقاء السوء و إقتفاء مسالك الظلال كمثل أولئك الذين ربّاهم المحدود، وإنما خطر السقوط؛ أي الإنتحار. إذا ما أساء المرؤ في بداية التعلّم فهم القلق، فلم يَقدهُ إلى الإيمان وإنما نأى به عنه، إذاً فُقد. وعلى صعيد آخر، فإن كل من تتولى الإمكانيات تربيه يرافقه القلق. إلا أنه لا ينخدع بإفتراءاته التي لاحصر لها، ويتذكر الماضي بدقة. وبالتالي فهو يصمد أمام غارات القلق رغم شناعتها. فيصبح القلق خادما روحيا يقوده مرغما إلى حيث يريد الذهاب.

جوهر هذه الفرضية هو الاستيعاب أن القلق قوة مزدوجة قادرة على أن تكون مدمرة وخلّاقة معا، وذلك يعتمد على كيفية مقاربتنا له. ما يراه (كيركجارد) هو أن القلق لازم الإبداع. و يأتي التأويل الأعمق لمعالجته للعلاقة بين الإبداع والقلق من عالم النفس الوجودي الفذّ (رولو مايفي كتابه (The Meaning of Anxiety)، الذي نشر في عام 1950:

لا يُمكن فهم أفكار (كيركيجارد) حول العلاقة بين القلق و الشعور بالذنب إلا عبر التأكيد على أنه دائمًا يتحدث عن القلق في علاقته مع الإبداع. الإنسان يعتريه القلق لأن الإبداع ممكن: سواء في أن ينحت هويّته ويخلقها ويكون نفسه، أو في الإبداع في الأنشطة اليومية التي لا حصر لهاوهما مرحلتان في نفس العملية“. وهو لن يكون قلقا إذا لم تكن هناك أيّة إمكانية إطلاقا. و الآن فإن الخلق و تحقيق الانسان لإمكانيته دائما يتضمن نواحٍ سلبية و أخرى إيجابية. فهو منطو على تدمير الوضع الراهن، وهدم ثوابت بنيوية صلبة داخل النفس، و التقويض التدريجي لما تعلّق به منذ الطفولة، وخلق أساليب مبتكرة وأصيلة للعيش. إذا لم يفعل المرء هذا، فإنه يرفض النمّو، يرفض الإنتفاع بإمكانياته، ويتنصل من مسؤوليته تجاه نفسه.

وبالتالي فإن الإنسان بإحجامه عن تحقيق إمكانيته يجتاحه الشعور بالذنب إزاء ذاته. ولكن الخلق يعني أيضا تحطيم الوضع الراهن، وكسر القوالب القديمة؛ كما أنه يعني ولادة شيء جديد و أصيل في العلاقات الإنسانية، و الأشكال الثقافية، مثل الإبداع عند الفنان. وبالتالي، فإن كل تجربة إبداعية تحمل معها احتمالية العداء أو الإنكار سواء تجاه الآخرين في البيئه المشتركه أو الأنماط المتأصلة في الذات. ولصياغة الأمر في صورة استعارة نقول أنه في كل تجربة إبداعية يُقتل شيء في الماضي لأجل أن يولد شيء في الحاضر. ومن هنا كان الشعور بالذنب دائمًا مصاحباً للقلق عند (كيركجارد): فكلاهما جانبان من معايشة وتحقيق الإمكانيات. و كلما كان الإنسان أكثر إبداعاً، كلما زادت احتمالية شعوره بالذنب والقلق.


[المصدر]

الأمهات و الاكتئاب: كيف تساعدين أطفالك ونفسك

نشرت صحيفة Hopetocope الإلكترونية مقالة للدكتورة (روبن ل. فلانيقان) عن التغلب على القلق، ننشره لكم هنا بترجمة حصرية لدى ساقية:

عندما تعاني الأم من اكتئاب فإن جميع أفراد العائلة يشعرون بذلك، فهي من الممكن أن تتكاسل عن القيام بالأعمال المنزلية اليومية، وأن تختفي بدون سابق إنذار لتنعزل بنفسها، وأن تكون سريعة الغضب على نحو متزايد.

من الممكن أن يبدأ الأطفال الذين لا يعرفون أن الإرهاق و الإنسحاب و شدة الإنفعال هي إحدى أعراض الأمراض النفسية بالتصرف على نحو سيء، أو لوم أنفسهم على التغيرات التي تحدث من حولهم.

كما أن الأخرين في المنزل من البالغين  ليسوا مستبعدين من الضغوط المضافة لاكتئاب الأم، فلمساعدة الأسرة ومساعدتهم أيضاً ليساعدوا أمهم من الضروري أن يكونوا واضحين وصادقين حيال مايجري عندما لا تسير الأمور بشكلٍ جيد.

وذلك يعني إستخدام أسلوب مناسب للعمر للتحدث عن ذلك مع الأطفال، وأسلوب مباشرمع الأزواج.

يتفق الخبراء على أنه ليس هناك مجموعة واحدة من التعليمات تناسب الجميع  حول مايمكن قوله و إستخدامه من الكلمات مع الأطفال.

يقول (كارين إسرائيل) مرشد مهني مرخص له في الصحة النفسية وطبيب نفسي في دالاس تكساس: “يحتاج أن يتخذ كل والدين القرار بناءً على شخصية طفلهم، سيكون بعض الأطفال وحتى صغيري السن منهم رحومين ومتفهمين ومتعاونين بطبيعتهم، بينما سيناضل الأخرون كثيراً مما يجعل كيفية التواصل معهم ضرورية جداً”.

” أهم نقطة هي أن توضح للطفل أنه ليس هوالسبب لحزن أو قلق أو إنفعالية أو غضب أمه “.

نتيجة طبيعية هامة طمئني طفلك بأنكِ تفعلين مافي وسعك لتصبحين في حالة أفضل. في الحقيقة ترى بعض النساء أن إدراك الأثار المنتشرة لاكتئابهن هو بمثابة محفز مهم لشفائهن.

بعد ولادة طفلها الثاني، تدهورت حالة (ماغي) كثيراً لتصاب بأسوأ نوبة اكتئاب حتى الآن فهي بالكاد كانت تأكل وتهمل الإستحمام حتى سألها طفلها الأول ذو العامين ذات صباح هل سيكون يومك سعيداً أم حزيناً؟

وذكرت (ماغي) في اختبار إلينوي للقدرات النفسية واللغوية “هذه كانت النقطة الفاصلة لي”. ” فكرت أنه إلى هنا وحسب، أحتاج للقيام بشيء لكسر هذه الحالة المستمرة حتى لا تؤثر على أطفالي”. 


اكتئابنا يؤثر على سلوك أطفالنا

على الرغم من محاولة البعض للحد من الفوارق إلا أن الأبحاث تشير إلى أن كآبة الأمهات تؤثر على النسل بشكل أكبر من كآبة الأباء. لكن مايبدو واضحا أن اكتئاب الأم والأب على حد سواء في فترة الرضيع وبداية مشيه تؤثر على الطريقة التي يستوعب بها السلوكيات الخارجية.

نُشرت دراسة فرنسية في شهر يونيو من عام ٢٠١٥ في مجلة Pediatrics (طب الأطفال) والتي وجدت أن الأطفال أكثرعرضة لتطوير مشاكل سلوكية وعاطفية إذا كانت أمهاتهم يعانين من اكتئاب مزمن. وقد توصلت أبحاث سابقة إلى إستنتاجات مشابهه، إلا أن هذه الدراسة هي الأولى من حيث إثبات العلاقة بينهم حتى لو كانت الأعراض خفيفة.

لاحظت (ماغي) والتي هي الآن أم لخمسة أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين وتسعة أعوام، أن أطفالها بدأوا بإستيعاب وتحمل إنفعالاتها, حيث قالت: “يبدو أن مزاجي السيء يؤثر عليهم”، ” حيث بدأوا بإنتقاد وإغاظة بعضهم البعض والقتال على ألعابهم أو على أدوارهم في مشاهدة البرنامج التلفزيوني المفضل وأعتقد أن كل ذلك طريقة لا واعية منهم ليحصلوا على إهتمامي حتى ولو كان من أجل النزول لغرفة الألعاب لزجرهم لمدة خمس دقائق”.

تحدثت (ماغي) عن إكتئابها وعن اضطراب القلق العام مع كل طفل بشكل مختلف. فمع الابن الأكبر والذي يستطيع التعاطف مع التحديات العاطفية التي تواجهها والدته، يمكنها أن تكون أكثر إنفتاحاً وتستخدم أمثلة يستطيع أن يفهمها شخصياً، وإذا انطوت (ماغي) على نفسها فإن ابنتها ذات السبعة أعوام تستطيع التعامل مع ذلك لبضعة أيام قبل أن تبدأ في البكاء طلباً للتحاضن ثم تجري المحادثة بينهما بهذا الشكل:

” أعدك عندما تصبح ماما أفضل سوف نتحاضن “.

” لكن أنت لست مريضة! ”

” الأن قلبي مريض، أشعر بالحزن وعقلي متعب جداً جداً أعطيني بعض الوقت وحالما أتخلص من هذه الحالة الكريهة سأحتضنك بقدر ماأستطيع “.

من ناحية أخرى، بدأت ابنتها ذات الـ4 أعوام بالتصرف بشكل مشاغب عند عدم تلقيها للإهتمام الذي تتوق إليه، وتقول (ماغي) عن أطفالها الأصغر سناً: “أحاول أن أبقي الوضع عقلاني قدر المستطاع”، “إذا كنت بحاجة إلى ساعة أو ساعتين للعب معهم أو مشاهدة فيلم فإني أوضح لهم أنني لا أطلب منهم القيام بذلك لوقت لا ينتهي”.

عندما كان ابن (إيملي) يبلغ من العمر 4 سنوات كانت ستقول له شيء من هذا القبيل: “هنالك شيء في عقل ماما لا يعمل بشكل صحيح فهي لا تستطيع أن تكون في مزاج جيد على الرغم من أنها تريد أن تكون”، وقد تحدث بعض هواة العلم عن كيميائية الأعصاب المسببة في تحول حال عقلها إلى مرهق من التحميل المفرط وذلك بعد أن أصبح ابنها الآن يبلغ من العمر سبع سنوات.

وتقول (إيملي) التي تسكن في فلوريدا: “كلما تحدثت معه عن ذلك أكثر كلما بدأ بالإستيعاب أكثر”، “حتى أنه سوف يسأل أحياناً عن حالة عقلي”.

ولأن (ايملي) صريحة حيال مايجري معها كانت قادرة على إعداد ابنها لإمكانية حدوث تغييرات عاطفية عندها بعد ولادة شقيقة العام الماضي حيث أوضحت أنها كانت معرضة لخطر أكبر بسبب مرورها من قبل في قلق مابعد الولادة، وأنها ربما تحتاج لبعض الوقت للتكيف عند خروجها من المشفى للمنزل، وبذلك إتضح أن قلقها السابق هو المشكلة.

كما ذكرت قولها لإبنها “هل تتذكر كيف كان عقل ماما حزين؟ الأن هو خائف”، “لا أزال نوعاً ما أحاول إكتشاف كل ذلك بنفسي لكن إستخدام لغة علمية معه والتحدث عن ذلك كموضوع طبي ساعده حقاً في إستيعاب أن مايحصل معي بالتأكيد ليس خطأه”.


قم بحوار صادق وصريح

إن محاورة الأطفال عن مايحصل بشكل مباشر قد يخفف من الشعور بالذنب الذي يبدو أنه يسير جنباً إلى جنب مع الوالدين المصابين باكتئاب وذلك من الممكن أن يكون بسبب عدم شعورك بأنك كفؤ وأحياناً بسبب أنه من الواضح أن طفلك يحاول أخذ دور الشخص الذي يقوم بالرعاية.

و حتى في سن صغير عادةً مايحاول الأطفال القيام بتحسين الأمور عند تألم أحد الوالدين، وترا ذلك آن بنفسها في طفلها الذي في سن ما دون المدرسة، مقرة بقولها: “هنالك بالتأكيد القليل من الشعور بالذنب الذي يشعر به راغباً مني أن أشعر بشعور جيد”، “حيث قال لي بأنه يريد أن يجد طرق تساعد في جعلي أشعر أفضل وهذا تصرف لطيف حقاً”،  فقلت له: “لا يجب عليك أن تأخذ دور الوالدين معي”.

“لا أريد منه أن يشعر وكأنه يجب عليه الأعتناء بي أو أن مشاعري تأتي قبل كل شيء ولكن على مايبدو أنه يملك إحساس متطور شديد من التعاطف والذي هو ليس من الضروري أن يكون أمر سيء”.

“أعتقد أننا في سن  نحاول فيه تعليم الأطفال خصوصاً الأولاد الصغار، لا بأس أن تكون مستاء أحياناً وأن تعمل من خلال عواطفك، أملاً أن تكون بطريقة إيجابية، ولا أعتقد أنها نهاية العالم للأطفال عند رؤيتهم لوالديهم حزينين أو يبكون”.


تكيف مع التوقعات واطلب المساعدة

عندما يتعلق الأمر بالعمل فإن الاستراتيجيات الرئيسية هي أن تقوم بالتكيف مع توقعاتك وأن تقوم بإستمالة الأشخاص الذين يقومون بدعمك  وبالطبع هذا يعني أنه يجب عليك أن تكون على إستعداد لطلب المساعدة.

تقول امرأة من شيكاغو أنه حتى عندما كان اكتئابها شديداَ جداَ لم تفتقر ابنتها للرعاية وذلك لأن زوجها وبعض الأقارب قدموا الدعم.

تقول (جينيفر): “أنا أمتلك وقتاً صعباً في طلب المساعدة من الناس”،  “وأنا محظوظة على إمتلاك أشخاص في حياتي يدركون ذلك”.

كانت (جنيفر) تعاني من نوائب اكتئاب منذ ما يقارب عقدين من الزمان، إلا أنه لم يكن هنالك اكتئاب بمثل حدة الذي مرت به بعد ولادة ابنتها منذ أربع سنوات، أخذ زوجها المحامي إجازة من العمل لمدة ثلاثة أسابيع وساعدها في العثورعلى معالج وطبيب نفسي متخصص في مشاكل ما بعد الولادة، وقامت أختها وأمها وحماتها برعاية طفلتها بينما  تتدرب هي على المهارات السلوكية المعرفية والجدلية لمعالجة اكتئابها.

عندما تكررت الأعراض في نوبة خطيرة بعد بضع سنوات قام زوج (جينيفر) بتقليل ساعات عمله والإهتمام بوجبة العشاء عندما لا تمتلك (جينيفر) رغبة في الطهي وتشجيعها على إحضار جليسة أطفال في الأيام التي تمتلك فيها جلسات علاجية.

قالت (جينيفر): “هو يريد الأفضل ليس لي وحدي فقط بل حتى لإبنتنا”.

أحياناً يحتاج هذا النوع من الدعم لأن يكون مصقولاً بعناية حتى عند الشعور بعدم الإرتياح للضغط على أحد من أجل ذلك، وكان هذا هو الحال عندما فاتحت ماغي زوجها بطلب، حيث ذكرت: “كان يجب علي أن أجبر نفسي على الخروج من منطقة الراحة وأطلب منه أن يتثقف عن الاكتئاب”،  “قال لي أنه سيبحث عن ذلك عن طريق الانترنت فقلت لا، أنت تحتاج لقراءة كتاب عنه والتعمق فيه بجدية وفهمه كمرض حتى أشعر بالمزيد من الدعم والتفهم”.

“كان ذلك صعبا علي بسبب اعتقاده أنه كان يساعد،  وأنا لم أرد أن أجعله يشعر بشعور أسوأ”.

قامت (ميغان) التي تسكن في شمال ولاية نيويورك بوصف زوجها بالداعم، وذلك لا يعني أنه متوفر دائماً فهو يعمل كسائق شاحنة بمعدل ٦٠ ساعة في الأسبوع. ومع أربع فتيات تحت سن الـ11 عادةً ماتمتلك (ميغان) روتيناً مشغولاً بتوصيل بناتها من وإلى أنشطتهم، إجتماعات الكشافة للفتيات والجمباز وفصول السباحة ودراسة الإنجيل، وكما عليها أن تقوم بإعادة ضبط وجدولة كل شيء من جديد في الأوقات التي تكون فيها مكتئبة.

وتقول: “في بعض الأيام، أستطيع إستجماع طاقة كافية لفرش غطاء ووضع وسادات على الأرض ومشاهدة الأفلام طوال اليوم”، “كل ماعليك القيام به هو النظر لعائلتك ولهذا الوضع وأن تسأل ’مالذي يمكننا القيام به للتأكد من أن الجميع بصحة جيدة؟‘”، أحياناً لا تعكس الإجابة على ذلك أمومة مثالية أسطورية وهذه حقيقة أخرى تبعث على الاطمئنان.

عندما تمر (كونروي) في نوبة، فإن هدفها الوحيد على سبيل المثال هو الوصول إلى وقت النوم بدون أي أنهيارات، وتقول: “يجب عليك ضبط توقعاتك حول كيف يبدو اليوم الطبيعي وأحياناً يعني ذلك البقاء على قيد الحياة إلى أن يحين موعد النوم”، “إنه ليس من المهم حتى إذا إرتدى الأطفال ثيابهم، بل هل نجحنا بتحقيق كل ذلك؟ إذاً نحن جيدون”.  


عندما يصاب الأب بالإكتئاب

إن معدل الاكتئاب عند النساء هو ضعف معدل الاكتئاب عند الرجال إلا أنه لا تزال مسؤولية المنزل والعائلة تقع على عاتق الأم أكثر من الأب، ولكن عندما يشعر الرجال بالاكتئاب فإن ذلك على مايبدو يؤثر على نمو أطفالهم في وقت مبكر أيضاً.

في إحدى الدراسات الأولى لأنماط الصحة العقلية على عينة ممثلة على الصعيد الوطني من آباء وأطفالهم في الولايات المتحدة والصادرة في كانون الأول ٢٠١١ من مجلة طب الأطفال، وجد الباحثون فيها أن فرص تطوير الطفل لمشاكل عاطفية أو سلوكية تزداد إذا كان الأب يظهر علامات الاكتئاب.

كما وجدوا أيضاً أنه عندما  تكون أباً شاباً، فإن ذلك يزيد من خطورة الإصابة بالاكتئاب، على الرغم من أن التغييرات الهرمونية ليست المسؤولة عن ذلك (السبب الأكثر إحتمالاً هو الإجهاد).

نُقلت دراسة في منشور مجلة Pediatrics (طب الأطفال) في نيسان ٢٠١٥ والتي تبين أن نتائج الاكتئاب بين الآباء الذين يعيشون مع أطفالهم أرتفعت بنسبة ٦٨ في المئة خلال السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل.

ما يعرف الآن بالاكتئاب في فترة ما حول الولادة عند النساء وهو البديل عن “مابعد الولادة” يعكس إستيعاباً أكبر أنه عادةً مايظهر الاكتئاب عند حديثات الأمومة خلال فترة الحمل و أصبح معترفاً به ودرس بشكل أفضل في العقد الماضي، بينما لم يفعل بذلك القدر لاكتئاب الآباء، ولهذا تم إنشاء شبكة الصحة العقلية للآباء الأولى في كندا حيث أُطلق برنامج الشبكة الرئيسي من مركز سانت جوزيف الصحي في تورونتو والذي يقبل الإحالات لرؤية الآباء المرتقبين والجدد الذين يملكون مخاوف صحية عقلية.

يقول الطبيب النفسي (أندرو هوليت) والحاصل على دكتوراه في الطب وزميل الكلية الملكية للأطباء في كندا و أحد مؤسسي هذه المبادرة: “أنه لمن الضروري جداً بالنسبة لي إنشاء بيئة يشعرون فيها بالراحة ويتشاركون خبراتهم ومشاعرهم بدون تسرع في الحكم أو الشعور بالخزي”.

كما يوجد أيضاً مصدر على الإنترنت: fathersmentalhealth.com

على الرغم من الفروق في الأدوار الاجتماعية التقليدية و الإختلافات في كيفية ظهور الاكتئاب عند الرجال والنساء إلا أن الآباء والأمهات يشتركون في الكثير من نفس المخاوف والتي هي عن كيفية تأثير الاكتئاب على الأبوة والأمومة.

وضع (جان فرانسوا) من أونتاريو إلتزاماً قوياً لشفائه من الاكتئاب والقلق عندها كانت ابنته تبلغ من العمر٧ سنوات وعرضت عليه معانقته وتقبيله قائلة: “أنا أحب والدي الجديد”.

يذكر (جان فرانسوا)، الذي يأخذ طفليه إلى الحديقة ويعطيهم عناقاً لمدة ۲۰ ثانية ويشاركهم التأمل الذهني ليستغرق في ذلك بعمق أكثر عندما لا يكون لديه الكثير من الأعمال : “إن ذلك كان مثيراً للدهشة”، ” وهذا ماقادني إلى المنزل مفكراً أن ذلك لم يكن مرضاً وإنما كان كله يدور حولي أن “.


[المصدر]

نظريتي الحب والمعرفة عند ابن حزم الأندلسي

يُعد ابن حزم الأندلسي (384-456هـ) واحد من أهم وأشهر العلماء والفلاسفة المسلمين، وإسهاماته لم تكن في العلوم الإسلامية فحسب، بل قدَّم العديد من الإسهامات للحضارة الإنسانية، فهو فقيه ومؤرخ وأديب وفيلسوف.

في أطروحته للدكتوراه بعنوان (ابن حزم الأندلسي وجهوده في البحث التاريخي والحضاري) يتناول د. (عبد الحليم عويس) جهود (ابن حزم) وإسهاماته في التاريخ والحضارة الإنسانية. وفي خاتمة رسالته عن أثر (ابن حزم) في الحضارة الإنسانية، يذكر عويس رؤية ابن حزم للحب وتصوره عنه، فيقول:

قدم ابن حزم للحضارتين الإنسانية والإسلامية إلى جانب ما قدمه في ميدان المزج بين النظر المنطقي والنظر الديني وما قدمه في ميدان تاريخ المذاهب والأديان نظرية جديدة حول “الحب” من الوجهتين النفسية والاجتماعية.

وعلى الرغم من أن (ابن حزم) ليس أول من كتب في الحب من أدباء العرب، فقد سبقه إلى ذلك (أبو بكر محمد بن داود الظاهري الأصبهاني) في كتابه (الزهرة)، و(أبو الفرج) في كتابه (الحدائق)، و(إخوان الصفا) في بعض رسائلهم، و(ابن المقفع) في (الأدب الكبير والأدب الصغير) و(الجاحظ) في الرسالة السابقة من مجموع رسائله في العشق والنساء و(أبو إسحاق الحصري) في كتابه (المصون)، إلا أن (ابن حزم) قد فاق كل هؤلاء في دقة منهجه وتسلسل أفكاره، وترابط بحثه ورقة حسه، وبعد غوصه وأتباعه منهجاً استبطانياً استقرائياً فجاءت رسالته (طوق الحمامة) حافلة بالملاحظات النفسية الدقيقة والخبرات الحية المعاشة والأمثلة التاريخية والنماذج البشرية المتنوعة أو بتعبير آخر جاء ما قدمه (ابن حزم) في الطوق نظرية متكاملة عن الحب اعتمدت على عناصر البحث النفسي والاجتماعي:
1.فهي تعتمد على التجربة الذاتية.
2.وهي تعتمد على ما تراه وتسمعه في الحياة الاجتماعية
3.وهي تقدم ذلك كله في صدق وجرأة بلا خوف أو نفاق
4.وهي تخرج من كل ذلك بنتائج تعممها على أعراض الحب المختلفة
5.وهي في ذلك محاطة بسياج عن التصور الإسلامي الذي لا يرى في الحب العفيف إلا لوناً من الجهاد عاقبة شهيده الجنة.
فـ(ابن حزم) هذا الفقيه الظاهري الأصولي لم يجد أي تناقض بين ما قدمه في الطوق وما قدمه في المحلى أو الفصل، ولو أنه -بكل ما عرف من دين قد اكتشف على امتداد عمره- تناقضاً لأعلنه ورجع عنه.
ويأبى بعض المستشرقين أن ترجع نظرية الحب العذري إلى الطبيعة الإسلامية أو الفطرة العربية. فحين وقف (رينهارت دوزي) على قصة الحب الرقيقة لـ(ابن حزم) استكثرها على العرب وعلى المسلمين بالرغم من أن الرجل علماني لا يحب الكنيسة ولا يتعاطف مع رجال الدين، وقال إن هذا الغزل العف لا تعرفه الأخلاق العربية ولا الديانة الإسلامية، وأنه تحدر إلى (ابن حزم) إرثاً من أجداده الأول المسيحيين.
بيد أن كثيراً من المستشرقين من أمثال الراهب (ميجل آسين بلاسيوس)، و(أميليو غرسيه غومس)، و(ليفي بروفنسال) وغيرهم، قد ردوا هذا الزعم وبينوا أصوله الإسلامية والعربية حتى في البيئة الجاهلية.
وبما أننا لا نميل إلى أن لـ(ابن حزم) أصولاً مسيحية بل نرى نسبته في فارس التي نسب إليها نفسه، ونسبه إليها أقرب تلامذته، فنحن بالتالي لا نرى ضرورة للبحث في قضية الأصول هذهِ، ونرى أن عقلية (ابن حزم) وتكوينه النفسي إنما هما إسلاميان عربيان لحمةً وسدى.
إن المحاولات التي سبقت (ابن حزم) في مجال الحب ليست سوى نظرات جريئة لم تستطع أن تشق لها رافداً في نهر الحضارة سواء منها ما أنتجه العقل العربي أو أنتجه العقل الأوروبي.
أما (طوق الحمامة) فقد كان كما يصفه بحق الدكتور (الطاهر مكي): “أروع كتاب درس الحب في العصر الوسيط في الشرق والغرب في العالمين الإسلامي والمسيحي”، وتتبع أطواره وحلل عناصره وجمع بين الفكرة الفلسفية والواقع التاريخي وواجه أدق قضاياه في وضوح وصراحة، كان (ابن حزم) الدارس الواقعي، في كل خطاه، أفكاره محلقة وقدماه على الأرض، ويصدر في نظريته عن تجربة عميقة ذات أبعاد إنسانية واسعة وعن إدراك ذكي لطبائع البشر.

ثم يتحدث المؤلف بعد ذلك عن إسهام (ابن حزم) في نظرية المعرفة:

قدم (ابن حزم) نظرية للمعرفة تؤمن بأن طريق الوصول إلى الحقيقة يعتمد على أصول أربعة:
1.النصوص الدينية كما هي في القرآن والسنة.
2.اللغة من حيث دلالتها الظاهرة المتعارف عليها عند أصحابها.
3.الحس السليم وبديهة العقل.
4.الاكتساب بالاختبار والنقل بالتواتر.
والحق أن النصوص الدينية واللغة باعتبارهما من طرق المعرفة المقبولة نقلاً بلا برهان، يعتمدان على سوابق فكرية مقبولة، وبالتالي فهما غير داخلين في نظرية المعرفة المطلقة.
فالقسمان الضروريان للمعرفة عند (ابن حزم) هما:
1.ما عرفه الإنسان ببديهة الفطرة وأولية العقل، مثل معرفة أن الكل أكثر من الجزء وأن من يولد قبلك فهو أكبر منك، وأن نصفي العدد مساويان لجميعه.
2.ما عرفه الإنسان بالحواس السليمة عن طريق الاكتساب بالاختبار والنقل بالتواتر، كمعرفة أن النار حارة وأن الثلج بارد والصبر مر والتمر حلو وما أشبه ذلك.
وفي كثير من تطبيقات (ابن حزم) النظرية في المعرفة يمزج بين هذين القسمين. وقد انتهى (ابن حزم) إلى أنه ليس من الضروري للمعرفة الصحيحة أن يبدأ الإنسان بالشك لينتهي إلى اليقين كما ذهب إلى ذلك القديس (أوغسطينوس) قبله، وكما قال بذلك (أبو حامد الغزالي) و(ديكارت) من بعده، فهؤلاء يؤمنون بما سُمي بالاستدلال أو الاستقراء أو القياس، فما دامت الحواس سليمة والعقل سليماً، فإن الأوليات الفطرية والبديهات العقلية الظاهرة تكفل للإنسان منذ المراحل الأولى للبحث أن يبدأ من نقطة الثقة واليقين.

في سُكون العقل: سِنكا عن رباطة الجأش، مصائد السُلطة و الأُبّهه، و كبح جماح الطموح

80af7d46f8ed3c88dd9deb09572f2e29

 

أينما استطاعت الحياة أن تنمو، فعلت. ستنبثق باذِلةً أفضل مالديها“ هذا ما تقوله الشاعرة لأمريكيةالأفريقية (غواندولين بروكس) في أحدى القصائد التي تدور حول المثابرة والصمود. إلا أننا في المسعى الدائب لتحقيق أفضل ما لدينا، قد نُصبح عُرضة للإحباط إذا ما كنّا ندفع ضدّ تيار الحياة يحدونا الطموح الجامح. والشعور الداخلي المستمرّ الملّح لإنجازات أكبر، يقوّض طمأنينة النفس. وفي حين أن إزدهار الإنسانلا مجرد صمودههو غاية الحياة الأسمى، فإن ذلك قد لا يكون بالجري المحموم وراء أهداف لاتنضب تُشعرنا بالسخط ونحن دائمي التطلّع إلى مابعدها، بقدر مايكون في التسليم الحصيف؛ أن نبذل مابوسعنا مع أوراق اللعب التي قسّمت لنا.

هذا مايختبَره الفيلسوف الرواقي الروماني (سِنكافي محاوره بعنوان: ”في سُكون العقل“. والرواقية فلسفة عملية نشأت بعد (أرسطو) تعلمنا كيف نتحلى بالثبات ونتحمل المحن ونخرج من رماد الفشل

نحن جميعا موثّقون بالسلاسل إلى القدر؛ أحدنا وثاقه واسع مصنوع من الذهب، في حين أن وثاق الآخر قصيرٌ وصديء. ما الفرق و السجن نفسه يحيط بنا جميعا. بل وحتى أولئك الذين قيّدو غيرهم هم أنفسهم مقيّدون؛ إلا إذا ما كنت اعتباطاً تظن أن الأغلال على الجانب الآخر أخفّ وزنا. يكبّل الشرف أحد الرجال، وتكبّل الثروة آخر. تُرهق عراقة الأصل البعض، ويُرهق تواضعه آخرين. تعتقل البعض قوة خارجية، في حين يَقبعُ غيرهم تحت حُكم الطُغاة في دواخلهم. يجمع المنفى أحدى الفئات، ويجمع الكهنوت أخرى. الحياة كلّها إستعباد. ولذلك حقيقٌ على كلّ منّا أن يألف ظروفه، ويتذمر منها بأقل قدر ممكن، و يستمسك بكل ماهو خيّر في متناوله.

قبل ألفي عام من توصّل الطبيب النفسي الإنساني (فيكتور فرانكل) –أحد الناجين من المحرقةإلى إعتقاده المُكتسب بشقّ الأنفس في أن: ”كل مايمتلكه المرء قد يُسلب منه عدا أمر واحد؛ قدرته على إختيار مَسلَكه تحت أي ظرف. وتلك هي حريته الأخيرة“. يكتُب (سِنكا):

ليس هناك شيء بائس إلى الحدّ الذي لا يستطيع معه العقل الساكن أن يجد راحة ما كامنة. فالكاتب إذا ماكان فطناً، جعل وريقات معدودة تخدم أغراضا جمّة. والتنظيم الحاذق يجعل قطعة أرض ضيقة صالحة للسُكنى. أعمِل حنكة العقل في الصعوبات وحينها تلين الظروف القاسية، وتتسع الحدود الضيقة. فوزر الأحمال الثقيلة لايَنُوء بمن يحملها بفطنة.

أيضا، يُسلّط (سِنكا) الضوء على الجانب الآخر من مقولته في أنه يجدر بالمرء أن لا يمكّن نوائب الدهر من أن توهن إتقاد الروح، و هو أن لا يجري خلف الطموح الجامح في حلقة مفرغة من السعي الذي لا يروم:

دعونا نُسقط الأمور المتعسّرة التي لا تكتمل، ونتعقبّ تلك القريبة المنال والتي تحضّ تطلّعاتنا. و دعونا أيضا نتذكر إبان ذلك أن كل الأشياء متساوية في اللاأهمية؛ تقدّم مظاهر مختلفة خارجيا، بيد أنها خاوية داخليا على حد سواء. (يطلق الرواقيون على الأشياء الخارجية التي يعتبرها عامة الناس خيرات وشرورالأشياء السواء أو اللافارقة indifferent“. ويعنون بذلك أنها لا تؤثر بذاتها في الحالة الداخلية للمرء، ومن ثم فإنها ليست خيرا ولا شرا.)

وهو يحذّر من حسد متبوئي مناصب السلطة، إذ أن النفوذ سلاح ذو حدّين؛ طموح و مصيدة في آن واحد:

كل منصب عال محفوفٌ بالمخاطر.. أولئك الذين ألقاهم القدر العاثر في مناصب حسّاسة سيكونون أكثر أمانا إذا ما اجتثّو الزهو الصادر عن أحوالهم الباعثة على التباهي، وتواضعوابقدر الإمكانإلى حال بسيطة.

إن الكثيرين يتشبّثون بمناصبهم الرفيعة بفعل الضرورة، ولا يستطيعون الترجّل عنها إلا سقوطاً. وهم يقرّون بأنهم لم يرتقوا إلى تلك المناصب العالية، بل أوثقو إليها. دعهم إذا، بدافع الفضل الإنساني، يعدّوا من الوسائل مايعينهم على هبوط آمن، كَيما يطمئنوا على مستقبلهم. ومع ذلك، لن يحرّرنا من اضطرابات العقل تلك أمر مثل كبح التقدّم دون هواده.

يقف الطموح الجامح، كما يرى (سِنكا)، عقبة أمام تلبية الحياة على شروطها بتسليم هاديء. تسليم هو مطلب أساسي للوصول إلى سكون العقل وراحة البال. فأقصى مانستطيعه هو تقبّل أن كل ورقة لعب تقسمها لنا الحياة، سواء كانت رابحة أم خاسرة، هي عاريّة مؤقته من رزمة أوراق اللعب ستُعاد في نهاية المطاف. فآية الحكمة هي عدم المقاومة و ردّ الأمانة عن طيب خاطر إذ ما حان أجلها:

خليقٌ بالرجل الحكيم أن لا يخطو بحذر أو وجل. فهو يمتلك ثقة بالنفس تجعله لا يتردد في مقابلة مايقسمة القدر دون أن يتنازل أبدا عن موقفه. ولأنه لا يمتلك أي سبب للخوف، فهو لا يعدّ العبيد والممتلكات ومناصب الشرف فحسب، وإنما أيضا جسده وعينيه ويديهوكل مايجعل الحياة عزيزة، حتى ذاته، من الأمور المضمونه. ويعيش كما لو أنه اقترضهم لإستعماله الشخصي وهو مستعد لردّهمدون حزنمتى طلبوا.

وهو لا يرى نفسه عديم القيمة، لأنه يعلم أنه حتى هذه النفس ليست ملكا له. إلا أنه سيفعل كل مايفعل بإتقان مثلما يحرص الرجل التقي على أمانة استودعت عنده.

و متى استُردت الأمانه، فلن يشكو الدهر وإنما يقول لسان حاله :“أشكركم على ماكان في حوزتي. لقد اعتنيت حقا بمااستودعتمونيوإن سبب ذلك لي الأذى. وبما أنكم  تستردونه الآن، فهاأنا أرده عن طيب خاطر…“. إذا كانت الطبيعة الكونية تطالبنا بما سبق أن أوكلته لنا، فسنقول لها: ”استردي عقلا أفضل مما مَنحتِ. أنا لا أسعى إلى الفرار، لقد تعهّدت طوعا بصقل ما أعطيتني دون علمي، فهاك إسترجعيه.

أين العَنَت في أن يعود المرء من حيث جاء؟ ذاك الرجل الذي لا يعرف كيف يموت جيدا، لا يجيد العيش.


[المصدر]