خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | فقه الحياة

كيف نحيا ؟

قوة الفرح: أن تتوافق مع العالم

من لا يرغب في الفرح؟ القوة التي تهزنا والانفعال الذي يمدنا بالحيوية لتذوق الوجود.

في كتابه (قوة الفرح) يحاول الفيلسوف الفرنسي (فريدريك لونوار) أن يفسر هذا الشعور. ويتحدث عن مسارين مهمين لبلوغه: طريق يقطعه المرء نحو ذاته وطريق يتجه صوب الآخر. على المرء أن يهيء نفسه لتلقي الفرح بالانتباه والحضور، الثقة والعطاء والتواصل مع العالم بطريقة صحيحة.

تشغلنا في الأغلب آلاف الهموم وهكذا يختنق ذهننا ولا نعود منتبهين بحال من الأحوال لحياتنا.

[…] وهكذا لو كنا ننظر إلى منظر طبيعي بديع ونحن نفكر في نموذج التأمين الاجتماعي الذي لم نملأه بعد, فليس ثمة فرصة كبيرة ليصادفنا الفرح.

وعن الحضور يقول أنه مرحلة تأتي بعد الانتباه، بحيث يشمل وجودنا كله:

الحضور ليس حسيا فقط. هو ليس تلقيا عاديا لكنه استقبال سخي للواقع والعالم، والآخر. لأننا نعلم أن من شأن هذا أن يثرينا داخليا وربما يسبب لنا الفرح. وأيضا لأن بوسعنا أن نمنحهم شيئا بالمقابل، تجربة ما أو فرحا ما. ليس كم الأشياء التي ننجزها ولكن نوعية الحضور الذي نضعه في كل فعل من أفعالنا هو مايضفي قيمة على الحياة.

الكثير من الناس يعيشون بقلوب مصفحة، أو يحيطونها بغشاء يحميها من المعاناة لكنه قد يعيق وصول الفرح والمشاعر العميقة إليهم.

لكي ينفتح قلبك لابد أن تثق بالحياة.

[…] إن الفرح لا ينمو في الظلام، لكنه ينتشر في نور الصباح.

نعيش رهن عالم متسارع مليء بالخيارات لكننا مقيدين بضيق الوقت وكثرة المشاغل، فنميل دائما لكل مايعود علينا بالنفع.

لكي يتفتح الفرح لايتعين البقاء رهن هذا البعد النفعي الموجود باستمرار والذي يحول بيننا وبين الانفتاح ويحول دون حضورنا الدائم. يأتي الفرح في الغالب في أوقات لا نتوقعها، ولانتوقع أن نجني منه شيئا.

المسار الثاني للفرح هو مسار حب ومشاركة وخلق الروابط الصحيحة والحقيقية.

يختار الأصدقاء والرفقاء الحقيقيون بعضهم بعضا. وهذه العلاقة ليست محتومة أو مفروضة، لكنها تتطلب خيارا ولابد من رعايتها كي تزدهر.

[…] الحب الحقيقي لا يقيّد بل يحرر. ولا يخنق الآخر بل يعلمه أن يتنفس على نحو أفضل. يعلم أن الآخر لا ينتمي اليه لكن يمنح نفسه له بحريته.

 

على بوابات الأمل تأملات رائعة عن اللوذ إلى آدمية البشر في الأوقات العصيبة

 

“كيف نكون بهذا التفاؤل وهذا الحذر لكي لا نتعثر، لكننا نتعثر، ثم ننهض ونقول: حسنًا؟” هذا هو السؤال الذي طرحته الفنانة الأمريكية (مايرا كالمنوهي تتأمل السعادة والوجود. ما الذي يدفعنا إلى النهوض بعد الخسارة، بعد انفطار القلب، بعد الفشل؟ ما هذا الحبل الثابت الذي يشدنا من أعماقنا، تلك الأعماق التي نعرفها بالكاد، حتى تأتي تلك اللحظة عندما يختفي ضوء السطح بالكامل ولا يمكننا الوصول إليه؟

هذا تحديدًا هو ما تتطرق إليه سيدة الدين (فيكتوريا سافورد) في مقالها الرائع بعنوان “العمل الأصغر في العمل الأعظم”، من كتاب (المستحيل يأخذ وقتًا أطول: المثابرة والأمل في الأوقات العصيبة) وهي مجموعة من التأملات المريحة للنفس بقلم عدد من الشخصيات اللامعة مثل الشاعر التشيلي (بابلو نيرودا)، والشاعرة الأمريكية (مايا أنجيلو)، والشاعرة الأمريكية (ديان أكيرمن)، والكاتبة الأمريكية (أليس والكر)، والصحافي الأمريكي (بيل مويرز)، والزعيم الجنوب أفريقي (نيلسون مانديلا)، وقام بتحريرها الناشط الاجتماعي (بول ليب)، وتحمل نفس عنوان كلمات الأغنية الشهيرة لمغنية الجاز الأمريكية من أصل أفريقي (بيلي هوليداي“الصعب سأقوم به الآن، أما المستحيل فسيأخذ وقتًا أطول.”

تتأمل (سافورد) الدافع لدى الرجال والنساء الذين شاركوا في أولى مسيرات الفخر للمثليين والمثليات والمتحولين جنسيًا منذ أربعة عقود مضت، ماذا كان هذا الدافع غير الشجاعة والخيال. وتعبر (سافورد) عن وجهة نظر رائعة تذكرنا بقصيدة الشاعر الأمريكي (تشارلز بوكوفسكي) عن الدافع الذي لا يمكن كبحة ويدفع العمل الإبداعي، فتنقل لنا ما يمكن أن يقوله هؤلاء المتظاهرين الحالمين:

بمجرد أن تلمح العالم في صورته المحتملة، وصورته التي يجب أن يكون عليها، وصورته التي سيكون عليها، مهما كانت تلك الرؤية بالنسبة لك، سيكون من المستحيل أن تعيش في ظل الإذعان والرضا عن النفس بعد اليوم في العالم في الصورة التي هو عليها الآن…فتخرج، وتسير، وتتظاهر، وهي الطريقة ذاتها التي تخرج بها الزهرة إلى الوجود وتزهر، وذلك لأن ليس لها مهنة أخرى، فلا عمل آخر لها سوى هذا.

[…]

إنني مهتمة بما يدعوه الشاعر الايرلندي (شيموس هيني) بنقطة التقاء الأمل والتاريخ، حيث تلتقي الأحداث الماضية مع تفسيرنا لها، فتلتقي الأحداث الماضية في منتصف الطريق مع الأشخاص الذين يمثلون، من بين ما نمثله من مجموعة هائلة من الأشياء، كائنات روحانية وكل ما يتضمن الإبداع والخيال والحكمة الجنونية والحكمة القديمة والتعاطف الانفعالي والشجاعة الإيثارية والتوقير الشديد للحياة، وحبنا بعضنا لبعض بالتأكيد، وذلك الحب الذي ينشأ منا لشيء أكبر من ذواتنا، سميه ما شئت. إنني مهتمة بالمكان والأماكن التي يلتقي فيها التاريخ بالأمل المنبعث من النفس البشرية والذي يمثل اشتياق الحياة لنفسها. إنني مهتمة بالأمل في هذه الحياة، فلا أمل آخر بالنسبة لي. مهتمة بتلك الموجة العارمة من العدالة التي يمكن أن تخرج لو أننا سمحنا لها بذلك.

وتقول متأملةً تلك “الكارثة المحددة بعينها” التي حدثت في الحادي عشر من سبتمبر وكيف “ساد صمت رهيب” بين من شهدوا تلك الكارثة. إذ ترى (سافورد) أن ذلك الاشتياق، وذلك الأمل الذي تعنيه يكون أكثر حدةً وتأثيرًا في مثل تلك اللحظات من الضجة الشيطانية، فتوضح ذلك باستخدام حكاية لاذعة:

لدي صديقة حرفتها الكلمات، إنها ليست قسيسة لكنها طبيبة نفسية تعمل في العيادة الصحية في إحدى كليات البنات المرموقة. حدث أن كنا نجلس ذات مرة بعد مرور فترة ليست بالطويلة على قيام إحدى الطالبات بالانتحار في مهجع الكلية، وكانت الطبيبة تعرف تلك الطالبة وكانت تقدم لها المشورة الطبية، وقد تأثرت صديقتي الطبيبة والمعالجة بتلك الخسارة تأثرًا شديدًا في تلك الأيام القلائل الأولى ليس على نحو غير مهني، ولكن بعمق، وبكل ما في كلمة عمق من معنى، تمامًا كما كنا سنفعل لو كانت تلك الطالبة في رعاية أحدنا.

وفي لحظةٍ ما نظرت إلى أعلى، والدموع تنهمر على وجهها، نظرة تحدي، ولا يمكن وصفها سوى بهذه الكلمة، وتحدثت بوضوح عن مهنتها كما لو كانت تُقسِم من جديد، أو تأخذ على نفسها عهدًا جديدًا من بين حطام ذلك اليوم، وأظن ذلك، لقد تحدثت بصراحة عن مهنتها ومهنتكم ومهنتي، فقالت: “تعرفين أني لا يمكنني إنقاذهم، فلست هنا لكي أنقذ أي إنسان أو أنقذ العالم، فكل ما يمكنني فعله، وهو ما يُطلب مني القيام به، هو أن أغرس قدمي عند بوابة الأمل، فأحيانًا يدخلون منها وأحيانًا يمرون أمامها. لكنني أقف هناك كل يوم وأنادي حتى آخر رمق مني، وأشير إليهم، وأحثهم على الدخول من أجل الحياة الجميلة والحب…

فهناك شيء ما لكل منا هنا، على ما أعتقد. فمهما كان نوع المهنة التي نقوم بها ،فإننا نقف انطلاقاً منها ونحن نشير، وننادي، ونغني، ونصرخ، وأقدامنا مغروسة عند بوابة الأمل. علينا أن نرفع من معنويات هذا العالم، وكذلك شعبنا الجميل والمحطم. وأن نكون شهودًا على إمكانية العيش بكرامة، وشجاعة، وسعادة تناسب البشر، وقد يكون ذلك هو معنى أن “نعيش مهمتنا“.

وهذه المهمة تختلف بطبيعة الحال بالنسبة لكلٍ منا، فلا يمكن أن نكون جميعنا أطباء نفسيين نبعد البائسين عن حافة الهواية، ولا يجب علينا ذلك.”ففي هذا العصر “عصر الأوقات العصيبة” كما يقول عنوان الكتاب، نجد أن وسائل الإعلان باتت تروّج للكثير من هذا الخوف، وأقل القليل من ذلك الأمل الذي نحتاج إليه بشدة. ما يذكرنا بتلك الفكرة الملحة التي لا يمكن أن ننساها، والتي أكدّ عليها الكاتب الأمريكي (إ. ب. وايت) ومفادها أن واجب الكاتب هو “رفع معنويات الناس وليس خذلانهم.”

وتقوم (سافورد) تلك الكاتبة النادرة بتلك المهمة الصعبة برفع معنويات الناس على نحوٍ لا يوصف من الجمال والروعة، وتتأمل ما يجب علينا القيام به، وما ندين به لأنفسنا ولبعضها بعضًا، من أجل ترسيخ أقدامنا بلطف ودون تردد في المهمة التي نقوم بها فتكتب:

إننا نقف في المكان الذي سنقف فيه، نقف فوق قطع صغيرة من الأرض حيث “يُطلب” منا الوقوف على الأرجح، وإن كان الله وحده يعلم ما معنى ذلك، بين المصلين، وفي الفصول، والمكاتب، والمصانع، وحقول الخس والمشمش، وفي المستشفيات، وفي السجون، وعلى جانبي البوابة في مختلف الأوقات، وفي الشوارع، وفي الجماعات المجتمعية، وهي أرض مقدسة إن شرفناها، إذا باركناها ببركة التضحية والمخاطرة…

إن مهمتنا هي أن نغرس أقدامنا عند بوابات الأمل، وليس بوابات التفاؤل الحذر الأضيق إلى حدٍ ما، ولا بوابات المنطق السليم القوية والمملة، ولا بوابات تزكية النفس الصارمة، وذلك الصرير العالي الصادر من مفصلاتها الحادة والغاضبة، لا يمكن أن يسمعنا الناس هناك، ولا يمكنهم العبور، ولا بوابات البساتين المبهجة الرقيقة التي لسان حالها “كل شيء سيكون على ما يرام“، وإنما في مكان مختلف، ومنعزل في بعض الأحيان، إنه المكان حيث تُقال الحقيقة، عن روح كل منا أولاً  وحالها، إنه مكان المقاومة والتحدي، إنها تلك القطعة من الأرض التي ترى منها العالم كما هو، وكما يمكن أن يكون، وكما سيكون، إنه المكان الذي تلمح منه ليس فقط الصراع، ولكن البهجة في ذلك الصراع، ونحن نقف هناك نشير وننادي ونخبر الناس بما نراه ونطلب منهم أن يخبرونا بما يرونه.


[المصدر]

فن الحماس الودي؛ غوته والرأي الوحيد الأجدر بالتعبير عن حياة و عمل الآخرين

 

كتب (برتراند راسل) في (تأمل الطبيعة البشرية):

البناء والتدمير يلبيان الرغبة في السلطة على حد سواء، لكن كقاعده عامة يعد البناء أكثرصعوبة وبالتالي فإنه يعطي شعوراً اكثر بالرضا للشخص الذي يمكنه تحقيقه.

بعد جيل ، أعاد تكرار هذا الرأي (دبليو.إتشأودنفي (الإصرار):

ذلك ان الانتقاد الجدير بالاهتمام هو الاحتفالكقناعة حملتها وتمسكت بها بنفسي في حياتي لفتره طويله.

قبل (اودن) و(راسل) خلال بفتره طويله سابقه، عبّر مفكر عملاق في اللغه آخر بوضوح عن هذه الاخلاقيات بدقه لامثيل لهايوهان فولفغانغ فون غوته (١٧٤٩ ١٨٢٤قدم طباقاً موسيقياً جميلاً للاندفاع نحو النقد محاطاً بالسخريه التي كانت منتشرة لقرون منذ ذلك الوقت

لقد اقتنعت بشكلٍ كبير انه كلما اضطر شخص للتعبير عن رأيه بكتابات او تصرفات الآخرين، اذا لم يكن بدافع الحماسه من جانب واحد، او لمصلحة المحبة للشخص او العمل، من الصعوبه بمكان ابداء النتيجة، إن التعاطف والتمتع بمانراه حقيقة هو الواقع الوحيد، ومن واقع كهذا، الحقيقه هي ما تظهر كنتاج طبيعي و ماعداه يُعَد غروراً.

ان حفظ ونقل الموقف الاصلي خلال القرون والثقافات هو تحدٍ ليس بالهيّن، تجاوز حدود الوقت و الترجمة، شاعت كلمات (غوته) من خلال (جون بوروز) ١٨٩٦، (ويتماندراسة)، بالاصل في عام ١٨٨٧  في مجلة ماكميلان، ادعت المجلة ان (غوته) كان في سن الشيخوخه في وقت عرضه لهذه الحقيقة المركزية للعمل الإبداعي، لكن هذا غير صحيح. لقد تمكنت من تتبع أصل كلماته إلى اختلاف، من المحتمل أن يكون بسبب الترجمة، مكتوب في مقتبسه، مشيرًا إلى أن هذا الإيمان بالتعاطف والاحتفال باعتباره التعليق الحقيقي الوحيد على الفن والحياة كان روحًا مفعمة بالحيوية منذ فترة طويلة للشاعر المطّلع. في رسالة الى (فردريك شيلر) من ربيع ١٧٩٦، ترجمها (جوروج اتش كالفرت) ونُشِرتْ عام ١٨٤٥. كتب (غوته) البالغ من العمر ٤٦:

في التعامل مع الكتابات على أنها أفعال، ما لم يتكلم المرء بعاطفة محبة، بحماس جزئي معين، تكون النتيجة معيبة إلى حد كبير بحيث لا يكون لها قيمة تذكرالمتعة، البهجة، التعاطف في الأشياء، هي كل ما هو حقيقي، وهذا يعيد إنتاج الواقعفيما عدا ذلك، كل شيء فارغ وعبث.

الاستكمال مع (ريبيكا سولنيت) في فن الانتقاد المضاد الصعب، واعادة النظر (غوته) في ذهن المبتدئين، اليأس بشجاعة، ونظريته في علم نفس اللون والعاطفة.


[المصدر]

الشاعر والفيلسوف ديفيد وايت يتحدث: عن الحب ومقاومة التصنيف الإجباري للعلاقات

 

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

نسمّي الأشياء غالبا لنتحكم بها، ولكن ما يستحق الحب لا يريد أن يُحصر في حدود ضيقة تجعلنا نتذكره بمجرد ذكر كلمة. من نواح عدّة، سمّانا الحب فعلا قبل أن نسميه.

في مقدمة كتاب Figuring (الاكتشاف) – وهو كتاب مليء بالعلاقات الشخصية المعقدة التي لا يمكن تصنيفها والتي تحاكي وتطارد الشخصيات التاريخية التي ساعدت في تكوين عالمنا الحالي- أعربتُ عن أسفي بأننا نخلط بين مسميات الأشياء والأشياء نفسها.

يفحص الشاعر والفيلسوف (ديفيد وايت) أوعية المفاهيم هذه المشوهة والضرورية في الوقت ذاته في إحدى المقالات القصيرة الجميلة من كتابه  (المواساة: العزاء والعناية والمعاني الضمنية للكلمات اليومية)، كتاب لطالما أحببته.

تحت كلمة “التسمية“، يعي (وايت) صعوبة فنّ إعطاء الحب مساحته الخاصة ليكون كما هو، لا ما نريده أن يكون أو نتوقع منه أن يكون، أو نطالب منه أن يكون بافتراضات مسبقة وتضييق الخناق عليه والالتزام بآراء المجتمع.

يكتب:

تسمية الحب في وقت مبكر جدا هو أمر جميل لكنه مريع للإنسان في الوقت ذاته. تأتي معظم خيباتنا من محاولة تسمية الأشخاص أو الأشياء التي نحبها وطريقة حبها مبكرا في رحلة الاستكشاف غير الآمنة أصلاً.

لا يمكننا أن نعي منذ البداية، عندما نهب أنفسنا لشخص، أو للعمل، أو للزواج، أو لقضية ما نوع الحب الذي سنخوض فيه. وعند مطالبتنا بردة فعل محددة ومماثلة قبل أن تزهر العلاقة بشكل تام، فإننا نشعر بخيبة الأمل أو بالفقدان، وأثناء مرورنا بتلك الفترة الحزينة قد نفوّت على أنفسنا مشاعر محبة ممكنة فعلا لكنها لم تكن كما نريد بالضبط أو نتوقع منذ البداية. عند شعورنا بهذا الحرمان، نتقمص شخصية خائب الأمل في الحب، خيبة أملنا التي قد نفتخر بها والتي قد تمنعنا من إدراك أن انعدام ردة الفعل المماثلة من الشخص أو الموقف هو بكل بساطة دعوة صعبة إلى شكل من أشكال المودة أعمق لكنه صعب التمييز.

التعايش مع حبٍّ متغير التفاصيل وكاسر للقوانين هي تجربة تؤدي إلى الجنون لأنها تعبث بأسس شخصياتنا وكينونيّتنا بغموضها وزلزلتها وقوتها واتجاهها الذي يصعب التحكم فيه. لا يستطيع تذوق حلاوة هذه الفترة سوى عمالقة واثقون تمام الثقة، عمالقة كـ(يوهانس برامز) و(كلارا شومان) في حبّهما الذي يتعدى المسميات، استطاعا تذوق حلاوة هذا الحب غير المصنف ولا المعرف بدل أن ينمو مرّاً بسبب عدم توافقه مع القوالب المفروضة للارتباط والمودة.

الحب الحقيقي برأي (وايت) هو الذي نشعر به في أعماقنا، حبٌّ يعرّف نفسه بتصرفاته الخاصة به، لا بالتزامه واتباعه لقوانين موضوعة مسبقا:

تصرف الحب بحدّ ذاته، دائما ما يتبع الطريق الذي تتبعه كل مهنة. ليس فقط في اتباعه الطريق الصعب وإيجاد أشكاله المختلفة من التواضع والتذلل اللطيف، بل حتى وبشكل غريب عبر تعرضه الشديد لأشكاله المختلفة والمذهلة، حيث يُطلب منّا باستمرار وعكس إرادتنا أن نمنح بطرق مختلفة دون معرفة العائد الغامض أو طريقته أو وقته أو كيفيته.

قد يكون صحيحا أن التسمية قد تمنح الأشياء المسماة “كرامة“، إلا إن الأسماء والتصنيفات هي أوعية. أوعية تقسم المفاهيم والتركيبات – التي غالبا ما تكون فوضوية ودائما مليئة بالشائبات، ومليئة بالغموض أكثر من أصولها اللغوية – على خزائن دلالات أنيقة. لكن اللغة تتعامل ببساطة وتجاهل مع ما تحاول احتواءه وتصنيفه أنه بسيط وأن تعقيده لا يتجاوز المسميات. نحيطها بأوعية حتى نسيطر عليها، وعند إحكامنا السيطرة فإننا نتنازل عن الغموض الجميل والمخيف للوجود

يقول (وايت):

نسمّي الأشياء غالبا لنتحكم بها، ولكن ما يستحق الحب لا يريد أن يُحصر في حدود ضيقة تجعلنا نتذكره بمجرد ذكر كلمة. من نواح عدّة، سمّانا الحب فعلا قبل أن نسميه، قبل أن نقول الكلمات الصحيحة أو نفهم ما الذي حدث لنا ويستمر بالحدوث لنا: هي دعوة للفن الأصعب على الإطلاق، الحب دون أي تسمية

كتاب (المواساة)، الذي يتحدث فيه وايت أيضا عن الغضب والتسامح ومعنى النضج الحقيقي ومعنى الصداقة الحقيقي والحب والخيبة، هو قراءة إحيائية ومثقِّفة بإجماعها. اتبع هذه القطعة بكلام كارل ساغان عن العيش مع المجهول، و(خليل جبران) عن الشجاعة في مواجهة المجهول في الحب، و(آني ديلارد) عن العيش مع الغموض ثم أعد قراءة قصيدة وايت الجميلة عن العمل سويا في عالم منفصل.


[المصدر]

مسألة الحياة في بداية القرن الواحد والعشرين .. مقالة مطولة

ميشال مورنج، هو كاتب وفيلسوف فرنسي، من مواليد عام 1950م. له عدد من الكتب والأبحاث، من أشهرها كتابه (تاريخ الأحياء الجزئية) وكتاب (تفسير الحياة).

نشر (مورنج) مقالة مطولة، ننقلها لكم من اللغة الفرنسية إلى العربية، بشكل حصري، تحدث فيها (مورنج) عن الحياة في القرن الواحد والعشرين. كما نحب أن نشكر الأستاذ السيد (ويليام العطوة) على مساهمته في تدقيق ومراجعة هذه المقالة.

يفتتح (مورنج) مقالته، فيقول:

بعد أن اختفى لعشرات من السنين من كتابات علماء الأحياء، طُرِح سؤال “ما هي الحياة؟” من جديد، في المجلات العلمية كما في المنشورات المبسّطة.

لقد قمنا بتحليل الصلة بين اختفائه المؤقت وبين تطور البيولوجيا الجزيئية في عدة منشورات. ولكن إذا نظرنا إلى الوراء؛ لم يكن غياب هذا السؤال إلاّ موجزًا طوال تاريخ علوم الحياة. هل هذا يعني أنه لا توجد طريقة جديدة لطرح هذا السؤال في يومنا هذا؟ وهل أن وضعه – وهو الّذي يحوم فوق رؤوس جميع علماء الأحياء الّذين يجب عليهم الرد إن كانوا لا يرغبون برؤية دورهم يختفي لصالح التخصصات أخرى – لم يتغيّر كثيرًا؟

في هذه المقالة؛ نود تقديم فرضية أخرى: يعود السؤال بطريقة جديدة كلّيًا، حيث سيخوض معنى الحياة مجال العقلانية لأول مرة، وسيواجه عواقب فلسفية خطيرة.


ثلاث مشكلات مرتبطة

عند تسليط الضوء على تساؤل: “ماهي الحياة؟” سيكون مبهمًا، ولكن من الضروري تسليط الضوء في آن واحد على سؤالين آخرين مرتبطين به “كيف نشأت الحياة؟”، “وهل بالإمكان تغيير الكائنات الحية وخلقها من جديد؟”

ترتبط المشاكل الثلاث ارتباطًا وثيقًا : إن الردّ على سؤال “ماهي الحياة؟” معناه أيضًا افتراض سيناريو منطقي لظهور الحياة أو التحكم بها أو حتى لخلقها من العدم. فلقد ارتبط الفهم والفعل  ارتباطا وثيقًا خلال التطور التاريخي لكافة العلوم.

ولكن أتعلق الأمر بمسألة الأصل أو بسؤال الفعل، فالفترة الحالية تميزت بفرادتها.. فهي ليست كتلك السناريوهات عن نشأة الحياة، والتجارب التي تهدف لإعادة خلقها من جديد أو على الأقل محاولة محاكاتها في المختبر التي لم تُقترح منذ قرن تقريباً مع أول اختبارات البيولوجيا التخليقية في بداية القرن العشرين والنماذج التي اقترحها أوبارين وهالدان في عام ١٩٢٠ م. ولكن فحص جميع الأبحاث التي أجريت في وقتنا الحالي حول أصل الحياة يعطي صورة جديدة تمامًا، على الرغم من أن هذا الحقل لا يزال يتميز بتنوع كبير في الأساليب والافتراضات التجريبية مع وجود تناقضات حادة، ولا يزال يترك مجالًا لافتراضات “بعيدة المنال” لن تكون مقبولة بالنسبة لفروع العلوم الأخرى، ومع ذلك تم تنظيمها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لقد تحول إلى مجال تخصصّي جديرٍ بالاحترام. أصبحت مسألة نشأة الحياة مسألة علمية من الممكن حلها، إن لم تكن سهلة المنال،  في وجود استثمار علمي كافي.

وعلى نفس المنوال؛ قام الإنسان بدوره بتغيير الكائن الحيّ، فقد قام باتخاذ خطوة جلية في تطوير الهندسة الوراثية، ولم تكن محض تنبؤات يطمح بها بشكل مبالغ بعض أنصار التعديل الجيني. إن التعديلات الجينية محفوفة بالمصاعب؛ كبعض مشاريع إنتاج نباتات تستطيع التقاط النتروجين مباشرة من الغلاف الجوي فهي مجرد أحلام حتى الآن. النباتات الوحيدة المعدلة وراثيًا والمتاحة هي النباتات المقاومة للمبيدات الحشرية وتعتبر تعديلات بسيطة جذًا بالنظر إلى بقية التطلعات. بالمقابل؛ أكثر الكائنات المعدلة وراثيًا هي البكتيريا لإنتاج مركبات مفيدة للصناعات الكيماوية والأدوية.

وبالرغم من ذلك؛ أصبح اليوم من الممكن تغيير الحياة أو على الأقل التحكم بها من خلال إجراء محدد؛ ويجب عدم الاستهانة بأي خطوة يتم إجراءها. إن عودة مصطلح البيولوجيا التركيبية بعد اضمحلاله منذ بداية القرن العشرين يعكس مدى الوعي بهذه الإمكانيات الحديثة كالعمل على الحياة إلى الوصول إلى خلق أشكال جديدة لها.

وبالتالي فإنه في نفس مقدار التفاؤل يجري البحث عن نشأة الحياة، كما العمل على البيولوجيا التركيبية. قد تكون هذه الثقة بالمستقبل محض أوهام وفقاعة قد تنفجر في السنوات القادمة. ولكننا لا نعتقد ذلك لأن ثورة الأبحاث حول نشأة الحياة والنهوض بتقنيات الهندسة تُظهر لنا تطورًا في العلوم – وفي فلسفة العلوم- وعناصر إيجابية تحدث تغييرًا لا رجعة فيه في مسألة الحياة في المجال العلمي؛ فالعقبات قد اختفت، و يسمح النهج العلمي، الأقل تكبّرًا، لغنى تعددية الإختصاصات بأن تعمل بشكل كامل، وهذا ما هو ضروري بالنسبة لسؤال كسؤال الحياة.


عقباتٌ ابيستيمولوجية وفلسفية تمّ تجاوزها

نحن لسنا بحاجة إلى مراجعة علوم الحياة منذ ظهورها في العصور القديمة لفهم التغيرات الحديثة فيها، يمكننا أن نكتفي بالعلوم التي ظهرت بعد ظهور العلم الحديث على يدي غاليليو وديكارت في القرون الأخيرة. تراوحت علوم الحياة في منتصف القرن السابع عشر، بجانب دورها في جدولة الأشكال الحية، بين اتجاهين متعارضين ومتصادمين كذلك، أحدهما الإنكار؛ كما فعل الطب الفيزيائي في نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر الذي أنكر كل خصوصية للظواهر الحية و إختزال تعقّداتها بشكل فجّ إلى بعض الآليات الكيميائية الفيزيائية البسيطة، مع بعض النجاحات المحدودة،  والآخر الذي أثبت عدم قابليتها على الاختزال هذا من أجل أن يكون قادرًا على حصر دراسة الظواهر البيولوجية من خلال الأساليب الكيميائية الفيزيائية متى ما أثبتت انها مفيدة ، وتركت مسألة الحياة لميدان المعرفة العلمية إلى الأبد.

كان هذا موقف بعض الحيواتيين vitalistes  الفرنسيين مثل بوردينو . إنّ مبدأ الحياة المفترض وجوده وقتها لم يكن مختلفًا عن مبدأ الجاذبية الكونية كما عند نيوتن: “ما” يجب القبول به من أجل تفسير الظواهر الطبيعية.

قام علماء الأحياء الجزيئية في الستينيات باستكمال هذا الجهد دون حل أو تجاوز. وبالنسبة لكثير منهم، لم يكن هناك أسرار للحياة ـ أو لم يعد هناك أسرار-  لأن جميع الظواهر التي لوحظت في العالم كانت نتيجة للنشاط الفيزيائي الكيميائي؛ وفي الوقت ذاته، تميزت الكائنات الحية عن غير الحية بالمعلومات الوراثية والشفرات الجينية التي تستخدمها. سمح لنا الاستخدام غير المبرر لمصطلح المعلومات الوراثية بالحفاظ على غموض معين حول “طبيعة” خصوصية الأحياء.

لا يبدو لنا ذلك تحوّلاً داخليًا في علم الأحياء بقدر كونه تطورًا فلسفيًا و ابيستيمولوجيًا وعلميًا أوسع نطاقًا مكّن من التغلب على العقبة السابقة وتجنب هذا الخيار المحبِط. اقتحمت فكرتان شيئًا فشيئًا العقول وحررت المبادئ العلمية؛ الأولى هي قبول ضرورة تعدد التفسيرات في العلوم والثانية هي فكرة أن شيئًا جديدًا يمكن أن يظهر في النظام الطبيعي يمكن وصفه بشكلٍ جيّد. إن كل منهما ستحتاجان وقتًا طويلًا لدراستها، وسنطرح هنا بعض المعايير الأساسية فقط لهذه الدراسات و نعود الى بعض الأبحاث المتخصصة.

وجدت التفسيرات المتعددة فرصة في مساحة من الحرية في فشل المشروع الفيزيائي المادي لحلقة فيينا. وأثبتت أن إعادة بناء العلم على أسس سليمة، أي مبادئ الفيزياء، أنه مشروع مستحيل. لكن هذا الانفتاح لمجال الحرية الفلسفية لم يكن بالتأكيد كافياً بل ظهور علوم جديدة ومستقلة جزئياً عن تلك التي سبقتها، والتي أثبتت مع ذلك أنها فعالة بشكل ملحوظ في “معالجة” موضوعاتها، هو ما كان من شأنه أن يمتلك تأثيرًا كبيرًا.

إن التخصصات مثل فيزياء الجوامد أو المعلوماتية نجت من الخنق المنهجي للتخصصات الموجودة من قبل. من خلال أدواتها وأساليبها الخاصة، استطاعت أن تضع بصمتها على المشهد العام للتخصصات العلمية دون القلق المفرط حول علاقتها وتوافقها مع غيرها من التخصصات المُقاربة. هذا التغيير في الساحة العلمية لم يكن سهلاً، فقد واجهت المعلوماتية، على سبيل المثال، صعوبة للاعتراف بها كعلم مستقل وليس مجرد فرع من الرياضيات التطبيقية.

من جانب علوم الحياة؛ أظهرت مقاومة النظرية التركيبية للتطور الحاجة للتفسيرات المتعددة بشكل أقل من علم البيئة بسبب التأثير المنتشر للبيولوجيا الجزيئية. إن مقاومة هذا التوحيد القسري لم يستمر بدون صعوبات، فلم يرَ علماء البيولوجيا الجزيئية وجودًا لهذه التخصصات الأخرى، ولم يمتلكوا أي فكرة – مختلفة – عن طبيعة التفسيرات التي اقترحتها. ومع ذلك كانت النتيجة: جنبًا الى جنب المقاربة الجزيئية الإختزالية ، نمت ، وتطوّرت بطريقة بارعة، تخصصاتٌ امتلكت مبادىءَ تفسيرية مختلفة تمامًا.

في الثمانينيات من القرن الماضي، اندلع الجدال بين الفلاسفة حول إمكانية توحيد العلوم أو عدمها، إذا كان أصل هذا النقاش بالتأكيد موجودًا في تطور داخلي لفلسفة العلم؛ فهو بالتأكيد ليس غريبًا على التطور الموازي للمشهد العلمي للتخصصات العلمية. إن الزعزعة التدريجية، من خلال عمل محللي العلوم، من  كارل بوبر حتى علماء الاجتماع، لأسس المعرفة العلمية، جعل بلا شك هذا القبول للتفسيرات المتعددة أسهل.

بالنسبة لغالبية العلماء – وعلى ما يبدو أيضًا الفلاسفة – ليس من الواضح ما إذا كان المشهد المجزأ الحالي للتخصصات العلمية هو مجرد حالة مؤقتة قبل توحيد قادم، أو حقيقة لا مفر منها ستستمر في إثبات نفسها، حتى انّها سوف تتفاقم. ومع ذلك، فإن طبيعة الإجابة على هذا السؤال لا تغير الموقف الحالي تجاه هذا التنوع التفسيري، يجب أن تهدف الجهود إلى الحد منه من خلال تمفصل هذه المخططات التوضيحية المختلفة، وليس السعي – على الأقل الآن – إلى نظرية توحيد وهمية. لقد حلّلنا كذلك الأسباب المعرفية والاجتماعية على حد سواء التي تفترض هذا الاعتقاد المشترك على نطاق واسع اليوم من قبل الباحثين في علوم الحياة. سواء كان هذا الربطُ – أم لا – هو الخطوة الأولى في عملية التوحيد لا يغير شيئًا ممّا هو الهدف اليوم في علوم الحياة، ولكن أيضًا في العديد من التخصصات الأخرى. أصبح من الواضح أن التفسير العالمي للظواهر الحية يتطلب التعبير عن ثلاثة مخططات تفسيرية مختلفة على الأقل: كيميائية فيزيائية (جزيئية) وتطورية وفيزيائية. ويعد هذا صحيحًا عندما يحاول المرء أن يصف المراحل التي كانت يجب أن تسمح بتكوين الحياة وهي: تفسير الكيمياء الفيزيائية للتكوين التلقائي للجزيئات الأولى والجزيئات الكبيرة تتبعها تفسيرات تستدعي التنظيم الذاتي لهذه المكوّنات، تليها عملية (داروينية) لاختيار الجزيئات الأولى و / أو المجموعات الجزيئية الأولى. يُستخدم التمفصل، المؤقت هذه المرة، بين نفس المبادئ التفسيرية الثلاثة من أجل شرحِ أصل الحياة .

الحاجز الابيستيمولوجي الثاني الذي “قفز” مؤخرًا هو استحالة تفسير نشأة الجِدّة nouveauté  في انموذج توضيحي. إن التاريخ الفلسفي لمفهوم الإنبثاق l’émergence  قديم ومعقد، ولكن، كما أسلفنا؛ نعتقد أن الحدث الرئيسي الذي منحه مكانة معترف بها في فلسفة الحديثة للعلوم هو المكان الموجود بشكل شبه طبيعي في بعض العلوم من الكيمياء الفيزيائية حتى فيزياء الجوامد. هذا التطبيع naturalisation  للإنبثاق جعل من الممكن تصور أن الأنظمة المعقدة يمكن أن تكتسب خصائص جديدة – مثل الحياة– من خلال تجاوز الحد في عدد وطبيعة العلاقات بين المكونات الأولية المختلفة. يبقى استخدام مفهوم الإنبثاق خارج التخصصات التي وجد فيها مكانًا علميًا معترفًا به مجازيًا. ولا يهم إن كانت الاستعارة قوية بما فيه الكفاية أو لا، و الإحالة إلى استخدامه العلمي واضحةً كفاية، بحيث يتم قبول احتمال القفزات النوعية في أداء النظام.

مع هذين التحوّلين الابيستيمولوجيين؛ يمكن لدراسة الأحياء أن تتطور ، بشكل تام، كظاهرة علمية. لم يحن الوقت للتنبؤ بما تمنحه عودة السؤال “ما هي الحياة؟ والتوسع السريع في البحث عن اصولها. ومع ذلك؛ سنكون على استعداد للمراهنة على أنّ ابتذال مقولة الإنبثاق في المجال العلمي، وقبول تعدد التفسيرات اللازمة للظواهر الحية؛ سوف يؤدّي إلى إدخال دراسة “سؤال” الحياة في فترة من التقدم المستمر، وهو ما يمنعه حتى اللحظة البحث عن تفسيرٍ “أوحد” للحياة.


كيف سيصبح التساؤل الفلسفي عن الحياة و  عن الوعي؟

دعونا نعترف بأننا على صواب، وأن مسألة الحياة أصبحت بالتأكيد مسألة علمية. تكون كذلك من خلال قطع الصلة بين الحياة والفكر الواعي والخيط الوحيد الذي ما زال يربطهما مرة أخرى هو ببساطة مقولة الإنبثاق. إن ظهور الوعي المفكِّر سيكون أيضًا ظاهرة منبثقة، ولكن من طبيعة متمايزة تمامًا. وستكون هذه القطيعة حدثًا جديدًا تمامًا. حتى بالنسبة للبيولوجيا الجزيئية، التي اتهمت بأنها تسببت في “موت الحياة“، حافظت، بفضل مقولة المعلومة، على مقامٍ مشترك بين الحياة والفكر، وهو ما أظهر الفيلسوف جورج كانغيلهم ترسّخه في التقاليد الفلسفية. لا شيء من هذا القبيل في يومنا هذا، حيث فقدت مقولة المعلومة قوتها التوضيحية لصالح الآليات الكيميائية الفيزيائية. ماذا ستكون عواقب هذا القطيعة؟ وماهي المكانة التي سوف يتبوّأها فكرٌ فلسفيّ عن الحياة؟ سيكون ممكنًا تبني موقفين فلسفيين: التخلي النهائي عن سؤال الحياة لصالح العلماء، أو الحفاظ على فلسفة الحياة، وستكون المخاطر المتصّلة، على التواليّ، نضوب الفلسفة، أو انفصالها التام عن العلم.

هل هذه بداية لعملية مماثلة من “علمنة” scientificisation  الوعي؟ يمكن للعديد من الأعمال الراهنة، المتصّلة بأشكالٍ مختلفةٍ من التصوير الطبيّ، أن توحي بذلك. أو ربّما سوف يجعل قطع الصلة بين الحياة و الوعي من هذا الأخير، وبشكلٍ اوضح،  ليس شاهدًا على تعلّقٍ ماضويّ بالمقولات الميتافيزيقية، ولكن دليلاً فلسفيًا يستحيل اختزاله أبدًا الى معرفةٍ علمية؛ و ليس خطوةً قادمة من عملية تطبيع، و لكن، وفي روح الفينومينولوجيا، إستجوابًا لم تتوقف الفلسفة عن توجيهه للعلوم، و التي لم تتكمن يومًا من الردّ عليه.


[المصدر]