خلاصات هذا القسم

الأرشيف | فقه الحياة

كيف نحسن من حياتنا، ومن تعاملنا مع المصاعب اليومية؟

ديفيد معلوف، والطريقة التي نحيا بها

ديفيد معلوف (مواليد 1934) هو روائي وشاعر استرالي، ذو أصول عربية. يعتبر من أبرز الشعراء المعاصرين في أستراليا، ونال استحسانًا وتقديرًا من أبرز الشعراء في العالم.

في أحد مقالاته، والتي حملت عنوان “الطريقة التي نحيى بها في وقتنا الحاضر”، والتي نشرها (معلوف) في مجلة (Quarterly Essay) الاسترالية، والتي تعنى بالأفكار وتأثيراتها في السياسة والحياة العامة، سلّط الكاتب الضوء على تغير مفاهيمنا ونظرتنا للحياة عن العصور السابقة، التي كان فيها الإنسان معرضًا للكثير من الأزمات والمتاعب اليومية، مقارنة بالعصر الراهن. وقد قامت المترجمة القديرة (لطفية الدليمي) بترجمة المقالة المذكورة، بالإضافة إلى أخريات، وضمّنتها في كتاب حمل عنوان (اكتمال العالم).

يقول (معلوف) مستفتحًا حديثه عن العصر الراهن، وحال السعادة فيه، فيقول:

اسأل أي أحد من أصدقائك أو جيرتك بشأن كونه سعيدً أم لا، وسيكون جوابه المحتمل هو أن ليس ثمة ما يشكو منه. إن ما يعنيه بالفعل كلٌ من هؤلاء هو أن الحياة الطيبة، كما فهمتها الأجيال السابقة ربما، قد تمّ الإيفاء بمتطلباتها وصارت حقيقة على الأرض؛ ضمنت العلوم الطبية أن لا يموت سوى القلة من الأطفال فحسب عند وصولهم إلى سن البلوغ، وأن معظم الأمراض الوبائية المعدية قد باتت تحت السيطرة؛ بل إن حتى أخطرها، مثل (الجدري) و(الطاعون) و(السل) و(شلل الأطفال)، تم اجتثاثها في معظم مناطق العالم، وأن المجاعة ما عادت منتشرة بيننا، باستثناء مناطق محددة في القارة الإفريقية، وأن الأفراد في المجتمعات المتقدمة باتوا موضع عناية الدولة ورعايتها، من المهد إلى اللحد.

يستكمل حديثه بعد ذلك:

نخن نشتكي بالطبع معظم الوقت؛ لكنما شكوانا ليست سوى تذمرًا بديهيًا يتخذ معظم الأحيان مظهرًا طقوسيـًا؛ سياسيونا يفتقدون الرؤية، معدلات الفائدة عالية للغاية، إيقاع المعيشة الحديثة غدا عجولًا مربكًا، الشباب ينقصهم الإحساس بالواجبات الملحّة، القيم العائلية باتت في انحدار مخيف، إلى آخره..

يبدو الأمر كما لو أن الحياة الطيبة ما عادت كافية، وليس ثمة ما نشكو منه ونحن سعداء بما يكفي؛ غير أننا لسنا سعداء تمامًا. لم نزل حتى اليوم، وبشكل ما، غير راضين بأوضاعنا، وعدم الرضى هذا يستشعره الجميع بعمق بصرف النظر عن الأشكال الغريبة والمختلفة التي يتقنّع بها.

لو تمادينا قليلًا في الإلحاح على أصدقائنا فربما سيجيبوننا بأن ما يشكونه في الأساس هو (الضغط) و(التوتر) و(الإجهاد)، ذلك الإحساس الغريب المتخفي الذي يجعلهم يرون كل ما حولهم يبدو على ما يرام، أو في أقل تقدير هذا ما يشعرونه وهم يعيشون وسط العالم، وهو ما يجعلهم في نهاية المطاف يشعرون بفقدان الأمن والسلامة.

يبدأ (معلوف) بوصف تعامل البشر مع الحياة والعالم، فيصف الحالة في عصور سابقة:

كان العالم بالنسبة لأغلب البشر هو ما يرونه لحظيًا أمام أعينهم، ونادرًا ما عدّوه موجودًا فيما وراء منظورهم المحدود ذاك، وإذا ما أراد هؤلاء ابتغاء مصدرٍ للدهشة في حياتهم، فسيجدونه في خزين ذكرياتهم من حكايات الغزو، وبين تلك الحكايات، بالطبع، غزو الطاعون وبداية ظهور أعراضه على الأجساد، وكم كانت تلك الحكايات مخيفة! إذ كان مستحيلًا التنبؤ بمسار الوباء أو أفاعيله القاتلة.

[…] كل هذه المشاهد التي مرّت أعلاه تختلف جوهريًا عن العالم كما نراه اليوم، وربما يكون الجزء الصغير من العالم الذي نتعامل معه ونتحرك في حدوده يوميًا ليس بأوسع من العالم الذي عاش فيه أسلافنا، ما لم نكن دائمي التنقل والسفر. ولكن وعينا بمكانتنا الحاضرة هو ما نال توسعًا عظيمًا لم نعهده من قبل

إن ما نقيم فيه اليوم هو الكوكب بأكمله، وإن ما نرى أنفسنا جزءًا منه، وإن كان بطريقتنا التي تميل لتصغير المشهد اليومي، لهو أكبر بكثير من تلك المشاهد اليومية المبتسرة؛ إنه تجريد مفاهيمي يتوهج دومًا حولنا وتستبطنه المفردات

يضرب (معلوف) مثالًا على كلمته السابقة في مفردة ” البيئة أو المحيط”، والتي كانت أحجية خالية من المعنى في وقت سابق، وهي الآن من المفردات الشائعة في أحاديثنا اليومية.

ومن ثم ينتقل الكاتب إلى وصف التغير في عدة محاور أساسية في حياتنا، مثل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. لكن أحد أبرز المحاور التي تحدث عنها (معلوف) كانت هي الخوف الأكبر الذي يؤرقنا جميعًا، فيقول:

إن أسوأ مخاوفنا في أيامنا هذه ليست كون الموت ختمًا نهائيًا […]، ولكن صار الخوف الأسوأ هو أن تطول الحياة وتبلغ مديات نعجز معها على الوفاء بمتطلبات السيطرة على ملكتنا العقلية أو قدراتنا الجسدية، هناك حيث ننزلق إلى نصف حياة، أو بوصف أدق، موت افتراضي ونحن لما نزل أحياء!

ننزلق إلى وهدة “الطفولة ثانية ونسيان محض؛ بلا أسنان، ولا عيون، ولا قدرة على التذوق، وبلا أي شيء ..” تلك الوهدة التي يختم بها (جاك) في مسرحية (كما تحبها) مداخلته الشهيرة بشأن تاريخنا البشري الغريب والحافل بالحوادث.


عن اللحظات المؤثرة في تشكيل الإنسان عند زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود ( 1905-1993م)، فيلسوف وكاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري، من مؤلفاته (المنطق الوضعي) في جزأين، و(موقف من الميتافيزيقا) و(تجديد الفكر العربي).

كما تعد أحد أبرز مؤلفاته هي (قصة نفس)، والتي تمثل سيرة ذاتية سيكلوجية له. ضمن الكتاب الأخير، كتب (زكي نجيب محمود):

ليست لحظات الزمن في حياة الإنسان سواسية كلها من حيث قوتها في توجيه الأحداث، وأثرها في تكوين الشخصية وتشكيلها، فمنها ما قد يمضي ولا أثر له، ومنها ما يكون له من بعد الأثر وعمقه ما يظل يؤثر في مجرى الحياة إلى ختامها، ولا عجب أن تجيء حيوات الأفراد متفاوتة الوزن والقيمة، متباينة الخصوبة والثمر. فمنها ما تتابع فيه اللحظات على وتيرة واحدة، حتى لكأنها في نهاية الأمر لحظة واحدة مكررة معادة، فضلا عما تتصف به هذه اللحظة الواحدة من خواء؛ ولذلك فهي حياة تمضي وكأنها لم تكن شيئا. ولكن منها كذلك حياة تجيء لحظاتها ثقالا بأحمالها، فتمضي تاركة وراءها أثرا يبقى على وجه الدهر أمدا طويلا، وبأمثال هذه اللحظات الحبالى تُصنع الحضارات وتُبنى.

يقول بعدها:

إن النظر إلى حياة بمجموعة أحداثها، كالنظر إلى صورة فنية لا يسير عليها البصر في خط مستقيم بادئا في حافة الإطار إلى حافة الإطار هناك، بل إنه ليقع أول ما يقع على نقطة مركزية فيها، كشجرة فارعة على يمينها، أو قمة شامخة على يسارها، أو بقعة لونية في أي موضع منها تلفت النظر إليها لتكون له نقطة ابتداء، ثم ينساب البصر في مختلف الاتجاهات، عائدًا آنا بعد آن إلى نقطة البدء، فكأنما هذه النقطة المركزية ينبوع تفجرت منه سائر النقاط، وكذلك قل عند النظر إلى حياة فرد من الأفراد بمجموعة أحداثها، فهناك كذلك يتجه الانتبهاه إلى لحظات أمهات كانت حاسمة في توجيه صاحب تلك الحياة.

ثم تساءل بعدها عن معايير هذه اللحظات المحورية في تشكيل الإنسان، وإذا ما كانت لحظة الميلاد أحداها، فيجيب:

إنه لوهم غريب هذا الوهم الذي يوهم الإنسان باتصال شخصه من لحظة الميلاد إلى لحظته الراهنة! نعم إنها وسيلة نافعة لغيري من الناس أن يعدّوني فردًا واحدًا متصل الحياة، بدأ في اللحظة الفلانية ولبث ينتقل هنا وهناك حتى انتهى إلى ما هو عليه الآن. أقول إنها وسيلة نافعة للناس لكي يسهل عليهمو عدّ الأفراد عند الإحصاء، ولكن ما لي أنا وما ينفع الناس عند العدّ والحساب؟ المرجع عندي هو خبرتي كما أحياها واعيًا بها، وليس ذلك الطفل الذي يروون لي عن زمان مولده ومكانه وجزءًا من تلك الخبرة الحية الواعية.

الحياة عقد إيجار

نشأت وأنا أخاف الموت واعتدت على ترك التلفاز يعمل أثناء نومي ليلاً حتي لاتنجرف أفكاري نحو النهاية المحتومة، رأيت مقطورات في فيلم مخيف عام 2012 مما سبب لي صعوبة في التنفس وانخراط في البكاء. حينما كنت بعمر السابعة أو الثامنة كانت فكرة إنتهاء حياتي وهلاكي أنا وأحبائي تملأني بالبؤس. هذا ما أنبثقت عنه ذاكرتي كأول أفكار روادتني عن الموت وكلما كبرت في السن قلَّت نوبات القلق الوجودي لدي فقد أصبح لدي أشياء أخرى لكي أقلق بشأنها. عندما كنت طفلاً دمر الركود الإقتصادي عائلتي فتركنا العيش في بيت مستقر وانتقلت مع أمي من مكان لآخر، لم يكن لدي وقت للتفكير في الموت ولكن مع ذلك لم يغادر الموت قط تفكيري. ركزت على أن أكون مُنتجاً وأضمن مستقبلاً أفضل ومع ذلك لم أتمهل لأستريح أو لأجد السعادة في أيامي التى أقضيها.
على حد تعبير (أوغسطينوس):

لقد ضاق صدري بسبب التعب من مشقة الحياة والخوف من الموت.

مع ذلك كان ينتابني شعور غريب بالإرتياح طوال الوقت الذى كنت ألهث فيه خلف تحقيق أعلى المعايير التي أضعها بنفسي كنت أشعر أنني بخير حتى لو لم أكن سعيداً . ولكن وجهة نظري تغيرت حينما التحقت بأول سنة لي في الجامعة والتحقت بدورة الفلسفة الهلنستية، فقد أثَّرت بي مقالة (سينيكا) “الحياة قصيرة” التى يخاطب فيها الفيلسوف الراقي (بولينيوس) [من المحتمل يقصد (ومبيوس بولينوس) والذي كان سيناتوراً رومانياً وربما صهر (سينيكا)] في العام الذي عاد فيه إلى روما من المنفى في كورسيكا.
يبدأ المقال:

يا (بولينوس) معظم البشر يشتكون مر الشكوى من قسوة الطبيعة، لأنهم يعيشون حياه قصيرة وحتى هذة الحياة القصيرة تمر سريعاً بخلاف عدد قليل لاتقسو عليهم الحياة فإن معظم البشر يجدون أن الحياة نبذتهم قبل حتى أن يعدوا أنفسهم ليستمتعوا بالحياة.

لقد شعرت وكأن (سينيكا) تشاهدني، لم يخطر في بالي أبداً من قبل أنني كنت أضيع وقتي وحياتي بتجاهلي لإقتناص السعادة من الوقت الحاضر.
من المحتم لأن الدافع الخفي خلف سعيي لتحقيق طموحاتى العالية والذي لا يتوافق مع معدل وفاتي ولا مع حالتي البائسة في ظروفي الحالية. لو أنني استمريت في السعي لتحقيق أهداف أعلى مع تجنب التفكير في الموت أو حتى تجاهل وجود الموت باعتباره واقع سيخلق هذا لدي شعور وهمي بأن الحياة لن تنتهي في نهاية المطاف فإن التقليل من شأن الموت سيؤذينا. في الواقع فكرة عدم وجودنا في المستقبل تشجعنا على الإستفادة من الحياة التى لدينا الآن بينما لازلنا نملكها.

كتب (سينيكا):

حياتنا ليست قصيرة ولكننا نجعلها كذلك لأننا نضيع الوقت فيما لايفيد ولكنها طويلة لمن يرتب أولوياته بشكل صحيح.

ألقت كلماته في وجهي كأساً من الماء البارد، أيقظني من غفلتي، عقدت العزم وبدأت أقضي وقتي في فعل أشياء استمتعت بها حقًا وهممت بفعل ما شعرت أنه جديرا بإهتمامي مثل المشي على الشاطئ وقراءة المزيد من الفلسفة و الإهتمام بقضايا ذات صلة بالعدالة الإجتماعية وممارسة الرياضة.
لعل أكثر ما يسير إستيائنا من الموت هو ليس لأنه ينهي وجودنا فحسب ولكن لأنه ينهي أحلامنا وأمالنا المستقبلية.
نحن مضطرون لتقبل عدم وجود خاتمة.
عند الموت لن يعرف المرء أبداً كيف ستسير الأمور، لن نعرف مطلقاً إذا كان البشر سوف يكتشفوا أسرار الكون الأبدية أو أنهم سيخرجوا من درب التبانه إلى مجرات أخرى ليستعمروها.
جد جد جدي الأكبر لم يكن يعلم عن وجودي ولم يكن يأمل حتى بأن يعرف عني وكذلك لن أعرف أى شيء عن حفيد حفيد حفيدي الأصغر ولا أعرف إن كان سينجح أم سيفشل أو حتى سيولد.
عدم وجودنا مطلقا إلى جانب جهلنا التام هو ما يقتتات علينا.
غالبا ما يُمجِّد البشر هبة الحياة و لكنهم يعادون فكرة الموت في النهاية وخسارة هذة الهبة ولكن الجبن في مواجهة الطبيعة وإنكار الموت لايعني سوى أن تعيش في الوهم.
على حد تعبير (ماركوس أوريليوس):

كن حراً وأنظر للأشياء باعتبارك رجلاً أو كائناً بشريا أو مواطناً أو مخلوق مصيره الموت.

بالرغم من عدم نجاحي دائماً حاولت تغيير أفكاري بشأن الموت بالأخص الإنتحارية منها مما رفع من روحي المعنوية.
لأنني أتعامل مع وجودي في الحياة على أنه هو كل ما أملك، فلم أعد أرى سبباً لتعجل النهاية الحتمية بغض النظر عن سرعة إنتهاء الحياة.
تذكُّر أنني سأموت يوماً ما يشجعني. فلم يعد الموت يكبلني، ولم تعد كآبته تخنقني.
كما ذكر (ميشيل دي مونتين) في كتاباته (الخبرات):

لأحمق هو من يسع في الدنيا متبطراً قلقاً على ما ستمنعه عنه الدنيا في المستقبل.

ومع ذلك لا أستطيع التخلي عنها بدون ندم ولكنها كشيء من طبيعته الفناء فإن عدم كره الموت محتمل لمن لايستمتع بحياته.
يحتاج الأمر لحسن إدارة للحصول على حياة ممتعة.
دعونا لانؤجل الاستمتاع بالمستقبل لكن لنقتنص مسببات السعادة في الحال وهنا بينما نهتم بمستقبلنا، كلاهما معا. إغترف من الحياة المزدهرة بدلاً من الإنجراف في الغفلة والعادات.
لا تضيع وقتك فيما لا يفيد واقتنص من وقت فراغك للاستمتاع بكل يوم.
تأمل في حياتك التي عشتها وذكرياتك الحميمة مع ترك مساحة للإستمتاع بأخرى جديدة.
كما كتب (سينيكا):

لكن أولئك الذين ينسون الماضي ويتجاهلون الحاضر ويخافون على المستقبل لديهم حياة قصيرة جدًا ومليئة بالقلق: وعندما يواجهون الموت، يدرك هؤلاء البائسون بعد فوات الأوان، بأنهم شغلو أنفسهم بما لايُرجى منه فائدة.

علمني (ميشيل دي مونتين) و(سينيكا) و(ماركوس أوريليوس) أن الحياة ما هي إلا عقد إيجار. إنه شيء نستعيره ونعيده، وليس هبة أبدية، لذلك يجب أن نبذل مجهوداً متضافراً لإستخدامه بحكمة. فكر في إيجاز الحياة حتى لا تضيع منك -فقط عندها ستبدو حياتك طويلة-.


[المصدر]

عن الصدق الذاتي والأحلام، لدى (بهاء طاهر)

محمد بهاء الدين طاهر [مواليد عام 1935م] أو كما يُعرف بـ(بهاء طاهر)؛ مؤلف روائي وقاص ومترجم مصري ينتمي إلى جيل الستينيات، منح الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن روايته (واحة الغروب) حصل على (ليسانس الآداب) في التاريخ عام 1956 من جامعة القاهرة، ودبلوم الدراسات العليا في الإعلام، شعبة إذاعة وتلفزيون سنة 1973.

تنوعت إنتاجات (بهاء طاهر) بين الروايات؛ مثل روايته (الحب في المنفى) و(قالت ضحى) و(خالتي صفية والدير)، أو القصص القصيرة؛ مثل مجموعة (أنا الملك جئت) و(لم أعرف أن الواويس تطير) و(الخطوبة)، أو الكتب الفلسفية والنقدية؛ مثل (أبناء رفاعة) و(في مديح الرواية) و(10 مسرحيات مصرية)، وأخيرًا سيرته الذاتية (السيرة في المنفى)، والتي حكى فيها عن زواجه بـ(ستيفكا)، وأحلامه.

الصدق هو ما يميّز الحب!

كم من قصص حب لا تستمر، لأن أحد الأطراف يخفي الحقيقة عن الطرف الآخر. 

هل كنت صادقًا مع (ستيفكا)؟

لماذا استمرت قصة حبنا متأججة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وإن مرّت -ككل قصص الحب- ببعض المطبّات، إن لم أكن صادقًا!

لكن هل حدثتها حقيقة عن نفسي .. عن آلامي .. ذكرياتي .. هواجسي .. مخاوفي؟ 

هل حدثتها عن أحلامي؟

كم من الأحلام تنازلت عنها من أجل ظروف الحياة؟

يقول (نجيب محفوظ): “الأشد وجعًا من الألم أن تتنازل عن أحلامك من أجل ظروف الحياة”.

لماذا أقول لنفسي إذًا: “ليس من المهم أن يحقق الإنسان أحلامه، بل يصرّ على أن يسعى لتحقيق أحلامه، النجاح هنا ليس بالنتيجة وإنما بالسعي إلى تحقيق الأحلام”.

هل حقًا كنت صادقًا بهذا القدر مع نفسي؟

في وقت من الأوقات كانت أحلامي وطموحاتي أكبر من قدرتي، لكني لم أكف عن الحلم.

الحلم هو شمس الحياة .. والتخلي عن الأحلام هو نوع من الانتحار!

أو لست نادمًا على أي شيء في حياتي!

أي وهم!

زمان، أكثر ما كان يعبّر عن أحلام جيلنا -التي لم تتحقق في معظمها- كلمات (صلاح جاهين) وصوت (عبدالحليم حافظ).

كانا يعبّران عن حجم السماحة التي نشأ عليها جيلنا.

(ستيفكا) تقول لي:

– أنت متسامح بشكل مستفز، (بهاء)!

فآقول لها:

– أنا سمح، لست متسامحًا، وأنا أرى السماحة في الحياة ومع البشر أمرٌ مهم جدًا، السماحة يا (ستيفكا) أفضل وأرق من التسامح. 

فتقول:

– لكني لم أرك تتعامل بشيء غير هذه السماحة سواء مع من يحبونك أم مع من لا يحبونك!

فأدكر لها قول (المتنبي):

– “من نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدوًا له ما من صداقته بدّ”. 

قوة الفرح: أن تتوافق مع العالم

من لا يرغب في الفرح؟ القوة التي تهزنا والانفعال الذي يمدنا بالحيوية لتذوق الوجود.

في كتابه (قوة الفرح) يحاول الفيلسوف الفرنسي (فريدريك لونوار) أن يفسر هذا الشعور. ويتحدث عن مسارين مهمين لبلوغه: طريق يقطعه المرء نحو ذاته وطريق يتجه صوب الآخر. على المرء أن يهيء نفسه لتلقي الفرح بالانتباه والحضور، الثقة والعطاء والتواصل مع العالم بطريقة صحيحة.

تشغلنا في الأغلب آلاف الهموم وهكذا يختنق ذهننا ولا نعود منتبهين بحال من الأحوال لحياتنا.

[…] وهكذا لو كنا ننظر إلى منظر طبيعي بديع ونحن نفكر في نموذج التأمين الاجتماعي الذي لم نملأه بعد, فليس ثمة فرصة كبيرة ليصادفنا الفرح.

وعن الحضور يقول أنه مرحلة تأتي بعد الانتباه، بحيث يشمل وجودنا كله:

الحضور ليس حسيا فقط. هو ليس تلقيا عاديا لكنه استقبال سخي للواقع والعالم، والآخر. لأننا نعلم أن من شأن هذا أن يثرينا داخليا وربما يسبب لنا الفرح. وأيضا لأن بوسعنا أن نمنحهم شيئا بالمقابل، تجربة ما أو فرحا ما. ليس كم الأشياء التي ننجزها ولكن نوعية الحضور الذي نضعه في كل فعل من أفعالنا هو مايضفي قيمة على الحياة.

الكثير من الناس يعيشون بقلوب مصفحة، أو يحيطونها بغشاء يحميها من المعاناة لكنه قد يعيق وصول الفرح والمشاعر العميقة إليهم.

لكي ينفتح قلبك لابد أن تثق بالحياة.

[…] إن الفرح لا ينمو في الظلام، لكنه ينتشر في نور الصباح.

نعيش رهن عالم متسارع مليء بالخيارات لكننا مقيدين بضيق الوقت وكثرة المشاغل، فنميل دائما لكل مايعود علينا بالنفع.

لكي يتفتح الفرح لايتعين البقاء رهن هذا البعد النفعي الموجود باستمرار والذي يحول بيننا وبين الانفتاح ويحول دون حضورنا الدائم. يأتي الفرح في الغالب في أوقات لا نتوقعها، ولانتوقع أن نجني منه شيئا.

المسار الثاني للفرح هو مسار حب ومشاركة وخلق الروابط الصحيحة والحقيقية.

يختار الأصدقاء والرفقاء الحقيقيون بعضهم بعضا. وهذه العلاقة ليست محتومة أو مفروضة، لكنها تتطلب خيارا ولابد من رعايتها كي تزدهر.

[…] الحب الحقيقي لا يقيّد بل يحرر. ولا يخنق الآخر بل يعلمه أن يتنفس على نحو أفضل. يعلم أن الآخر لا ينتمي اليه لكن يمنح نفسه له بحريته.