خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | فقه الحياة

كيف نحيا ؟

كافكا ناصحاً الشاب العاشق

كافكا ناصحًا الشاب العاشق

الصبر هو الحل لجميع المشكلات، يجب على المرء أن يُشفق على كل الأشياء، وأن يستسلم لكل الأشياء، ولكن عليه في الوقت ذاته أن يظل صبورًا ومتسامحًا”.

في صباح أحد أيام شهر مارس من عام 1920 وصل أحد المراهقين ويدعى (غوستاف يانوتش) إلى مؤسسة التأمين على حوادث العمال التي كان يعمل بها والده، وكان غرضه الوحيد من تلك الزيارة هو مقابلة ذلك المبدع الطموح البالغ من العمر حينها السابعة عشرة، زميل والده الشهير ومؤلف رواية (التحول) أو (المسخ) فيما بعد، (فرانس كافكا) [03 يوليو 1883 – 03 يونيو 1924]، الذي كان يعمل بجد في شركة التأمين لمدة اثنى عشر عامًا، حدث أن نَمت بين هذين الاثنين صداقة مستبعدة، وعلى مدى الأربع سنوات الأخيرة المتبقية في حياة (كافكا) كانا يسيران سويًا في جولات طويلة في المدينة يتحدثان عبرها عن الأدب والحياة.

وفي عام 1951 بعد وفاة (كافكا) بوقتٍ طويل نشر (يانوتش) ذكرياته عن تلك الجولات الثرية والمميزة التي كان يتحدث خلالها مع (كافكا) باسم (محادثات مع كافكا) [المكتبة العامة].

إن ما يثير الاهتمام في تلك المحادثات على هذا النحو هو أن الكثير منها كان يناقض الانطباع المألوف عن كافكا بوصفه كان يعيش غالباً في حالةٍ من الاستياء والكآبة، ولعل ذلك يرجع إلى أننا يمكن أن نُسلي ونخرج أجمل ما فينا بالمحادثات, بالإضافة إلى ذلك التفاؤل وتلك الصراحة الجوانية العفوية التي ميزت ذلك الشاب التي ربما أيقظت مواضع روحانية كامنة داخل كافكا، ولذلك تميزت الموضوعات التي ناقشاها بقدر كبير من التنوير: حيث الفن (“الفن مثل الصلاة فهو يد ممتدة في الظلام تبحث عن لمسة جمال تحولها إلى يد معطاءة.”) والشعر (“كما يقول غوته إنه بالفعل كل ما نهتم به نحن البشر”)، والحب.

وفي تأمل عميق للألم في علاقات الحب الفاشلة، يقدم لنا (كافكا) تعريفًا رائعًا للحب ومخاطره، إذ يمكن أن يرفعنا إلى السماء بمعنى الكلمة ويهبط بنا إلى الأرض بمعنى الكلمة كذلك، يتسائل (كافكا) في تلك المحادثات ويجيب:

ما هو الحب؟ إنه بسيط على أية حال، إن الحب هو كل ما يدعم حياتنا ويوسعها ويثريها، من أعاليها حتى جوفها، فمشاكل الحب مثل مشكلات السيارة، قليلة جداً، فمشكلاتها الوحيدة غالباً هي السائق والركاب والطريق.

وفي كثيرٍ من الأحيان وأكثر بكثير مما نود تخيله قد تؤدي تلك المشكلات الصغيرة إلى حادثة، إذ كان (كافكا) نفسه قد ألف انفطار القلب عن كثب، وهو ما يتضح في خطابات الحب الجميلة والمروعة التي كتبها، حيث أكد فيها أن “انفطار القلب هو ما يدفعنا إلى النضوج” ولعل هذا هو السبب في أن خبرة (كافكا) الكاتب أتاحت له تقديم تلك النصيحة المطمئنة على نحوٍ غريب لـ(غوستاف) الشاب لتسليته ومواساته فيما شعر به من ألم بسبب طلاق والديه بعد الحب الذي كان بينهما، حيث ذلك الشرخ في القلب الذي أصابه باليأس من إمكانية تحقيق السعادة في الحب، ويردد (كافكا) ما يعتقده الفيلسوف الألماني (نيتشه) من أن الحياة المثمرة تتطلب معانقة الصعوبات”، فيحث (كافكا) ذلك الشاب على عدم الهروب من مشاعر الألم داخله وينصحه:

فقط كن هادئًا وصبورًا، وذلك لتدع الشرور والتعاسة يتجاوزانك بهدوء، فلا تحاول تجنبهما، بل على العكس، لاحظهما بدقة، وليكن الفهم الفعال هو البديل لرد الفعل الساخط، فهذا هو السبيل الوحيد لتنضج وتخرج من مشاكلك، فلا يمكن للبشر تحقيق العظمة إلا بالتغلب على وهنهم.

وفي جولتهما التالية يعود إلى الموضوع ذاته، ويقول (كافكا) ناصحًا الشاب العاشق بطريقة تذكرنا بالروائي الأمريكي (جون شتاينبك) ونصيحته التي لا تُنسى عن الحب:  إذا كان الحب حقيقياً فسيحدث، والمهم ألا تتعجل، فالخير لا يهرب” فيقول (كافكا) لـ(غوستاف) الشاب:

إن الصبر هو الحل لجميع المشكلات، فيجب على المرء أن يتشارك وجدانيًا مع كل شيء، وأن يستسلم لكل شيء، ولكن عليه في الوقت ذاته أن يظل صبورًا ومتسامحًا…فلا مجال للانثناء أو الانكسار، فكل المسألة هي في التغلب على المصاعب فقط، وهي تبدأ بالتغلب على النفس أولاً، ولا يمكن تجنب ذلك، فالأبتعاد عن ذلك الطريق يعني دائمًا التحطّم، فيجب على المرء تقبل جميع الصدمات بصبر, ولا يتقبلها فقط، بل ينميها في نفسه، فلا جدوى من التغلب على عوائق الأنا المشبّعة بالخوف إلا بالحب، فإذا رأينا تلك الأوراق الميتة وحفيفها من حولنا لابد أن نرى أيضاً معها خضرة الربيع الناشئة والنضرة وأن نهدأ وننتظر صابرين، فالصبر هو الأساس الوحيد الحقيقي الذي بممارسته والتحلي به تكون قادراً على جعل أحلامك حقيقة.


[المصدر]

 

 

الألم .. في فن اللامبالاة عند مارك مانسون

نتيجة بحث الصور عن مارك مانسون

مارك مانسون، مواليد 1984، هو مؤلف ومدوِّن أمريكي له كتابان:

  • Models: Attract Women through Honest
  • فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف.

بدأ (مارك مانسون) أول مدونة له في عام 2009 كقناة تسويقية لأعماله في مجال استشارات المواعدة (dating advice business)، ثم انتقل بعد ذلك إلى العمل المتنقل.

ظل يُقال لنا طيلة عشرات السنوات إن التفكير الإيجابي هو المفتاح إلى حياة سعيدة ثرية. لكن (مارك مانسون) يشتم تلك “الإيجابية” ويقول: “فلنكن صادقين، السيء سيء وعلينا أن نتعايش مع هذا”. لا يتهرّب (مانسون) من الحقائق ولا يغفلها بالسكّر، بل يقولها لنا كما هي: “جرعة من الحقيقة الفجِّة الصادقة المنعشة هي ما ينقصنا اليوم”.

في كتاب (فن اللامبالاة) المترجم إلى العربية بإخراج ّالحارث النبهانّ. وتحديدًا في الفصل الثاني بعنوان: السعادة مشكلة. يروي (مانسون) قصة قصيرة تخصه، فيبدأها متسائلًا:

نتيجة بحث الصور عن فن اللامبالاة مارك مانسون

السؤال الذي يلفت النظر أكثر ويجعلك تفكر، السؤال الذي لا ينتبه إليه أكثر الناس، هو: “ما الألم الذي تريده في حياتك؟ وما الذي تظن أنك مستعد للكفاح من أجله؟”
إن ما يقرر نجاحك ليس “ما تريد أن تستمتع به؟” بل إن السؤال الصحيح هو: “ما الألم الذي أنت راغب في تحمله أو قادر على تحمّله؟” إن الطريق إلى السعادة دربٌ مفروشة بالأشواك والخيبات.
عليك أن تختار شيئًا! لا يمكنك أن تحظى بحياة لا ألم فيها. لا يمكن أن تكون الحياة كلها مفروشة بالورود طيلة الوقت: السعادة هي السؤال السهل! وتكاد الإجابة على هذا السؤال تكون متماثلة عندنا جميعًا.
السؤال الأكثر إثارة للإهتمام هو سؤال الألم. ما الألم الذي أنت راغب في عيشه؟ هذا هو السؤال الصعب الذي له أهمية، السؤال الذي سيوصلك إلى مكانٍ ما في حقيقة الأمر. إنه السؤال الذي يمكنه تغيير نظرتك، وتغيير حياتك.
إنه السؤال الذي يجعلني ما أنا عليه ويجعلك ما أنت عليه. إنه يحددنا ويحدد الفروق بيننا وما يجمعنا معًا في آخر المطاف.
خلال معظم فترة مراهقتي وشبابي، كنت أحلم بأن أكون موسيقيًا .. نجمًا من نجوم الروك تحديدًا. وكلما سمعت أغنية جيدة على الغيتار، كنت أغمض عيني وأتخيل نفسي واقفًا على المسرح أعزف الغيتار أمام جمهور يزعق جنونًا، أمام أناس فقدوا عقولهم تمامًا وهم يستمعون إلى الروعة التي تخلقها أصابعي من تلك الأوتار. كان من الممكن أن يجعلني هذا الحلم أتمرَّن على عزف الغيتار ساعات لا نهاية لها. وفي نظري، لم يكن مطروحًا أبدًا السؤال عما إذا كنت سأقف على المسرح يومًا ما وأعزف أمام ذلك الجمهور المذهول، بل متى يحدث ذلك.
ويكمل (مانسون):
على الرغم من أحلامي كلها التي استمرت نصف فترة حياتي تقريبًا لم تثمر تلك الأحلام شيئًا في الواقع. ثم كان لا بد لي من وقت طويل وصراع كثير حتى أتوصل إلى السبب: أنا لا أريد هذا في حقيقة الأمر!
كنت أعيش “حالة حب” مع النتيجة التي أتخيلها؛ صورتي على خشبة المسرح، والناس يهللون لي، وأنا أعزف وأسكب قلبي في ما أعزفه. لكني لم أكن أعيش حالة الحب نفسها مع العملية التي يمكن أن توصلني إلى تلك النتيجة. وقد فشلت لهذا السبب. فشلت مرة بعد مرة. بل إنني لم أكد أبذل في تلك المحاولات جهدًا كافيًا لأن أعتبر ما حدث لي فشلًا. حقيقة الأمر هي أنني لم أحاول محاولة جدّية أصلًا !
سوف تخبرني الأدبيات الثقافية الشائعة بأنني خذلت نفسي على نحو ما، وبأنني شخص منسحب أو فاشل، وبأنني “لا أملك ما يلزم” للأمر، وبأنني تخليت عن حلمي.. ربما لأنني تركت نفسي أرضخ أمام ضغط المجتمع.
لكن الحقيقة مدهشة مثيرة للاهتمام أكثر من هذه التفسيرات كلها.
الحقيقة هي: ظننت أنني أريد شيئًا، لكن اتضح لي أنني لا أريده. انتهت الحكاية.
لقد أردت النتيجة ولم، أرد الصراع من أجلها. أردت النتيحة، ولم أرد العملية المفضية إليها. لم أكن واقعًا في حب الكفاح من أجل تلك الغاية، بل كنت أحب النصر فقط.
لا تسير الحياة على هذه الشاكلة.
تتحدد الإجابة على السؤال “من أنت؟” بما أنت مستعد للصراع من أجله. فالناس الذي يستمتعون بالصراع في ميادين التمرينات الرياضية هم الأشخاص القادرون على المشاركة في المسابقات الثلاثية، الجري والسباحة وركوب الدراجات، والذي يمتلكون أجسامًا منحوتة نحتًا، يستطيعون رفع أثقال ضخمة. كما أن الناس يستمتعون بساعات العمل الطويلة وبسياسات السلم الوظيفي في المؤسسات، هم الأشخاص الذين يطيرون إلى أعلى ذلك السلم طيرانًا. والناس الذين يستمتعون بتوترات الحياة الفنية وحالات الجوع وعدم اليقين فيها هن من يعيشونها حقًا ويتوصلون إلى النجاح فيها آخر الأمر.
لا علاقة لهذا الكلام بقوة الإرادة ولا بالمثابرة والجَلَد. وما أقوله هنا ليس نصيحة جديدة من نوع “لا فوز من غير مشقة”. هذه أبسط مكوّنات الحياة وأكثرها أساسية: صراعاتنا تحدد نجاحاتنا. ومشاكلنا تلد سعادتنا، وإلى جانبها تلد أيضًا مشكلات أفضل قليلًا.
إنه مسار حلزوني صاعد لا ينتهي. وإذا ظننت في أي نقطة من ذلك المسار أن في وسعك أن تتوقف عن تسلقه، فأخشى أنك لم تفهم شيئًا. أقول هذا لأن المتعة الحقيقية كامنة في التسلق نفسه.
ختامًا؛ يرى (مانسون) أن الألم بإختصار هو سر الوجود.
فإن كنت تتألم لآجل شيءِ ما .. إذاّ أنت موجود!

أوليفر ساكس: أن تعيش حياتك الخاصة وتموت ميتتك الخاصة

“إن قدر كل إنسان -من الناحية الوراثية والعصبية- أن يكون فريدًا وأن يكون له طريقه الخاص في الحياة وأن يعيش حياته الخاصة وأن يموت ميتته الخاصة”

“إن الندم على أننا لن نعيش بعد مئة عام لا يختلف عن حماقة الأسف على عدم الحياة منذ مئة عام”، هكذا قال الفيلسوف الفرنسي (مونتين) في القرن السادس عشر متأملاً الموت وفن الحياة. “إن أعظم كرامة يمكن أن نجدها في الموت هي كرامة الحياة التي سبقت ذلك الموت”، كانت تلك كلمات الجراح وأخصائي أخلاقيات البحث العلمي الراحل (شيروين نولان) التي كتبها بعد خمسمائة عام في بحثه التأسيسي عن الأخلاق.

لكني لم أجد حتى الآن شخصًا جسد هذه الحقائق الصعبة ومارسها عمليًا على نحوٍ أصدق من طبيب الأعصاب البريطاني (أوليفر ساكس) (09 يوليو 1933 – 30 أغسطس 2015).

لقد واجه الموت مباشرةً بفضول ينم عن الشجاعة وشفافية مشرقة في أحد مقالاته في جريدة نيويورك تايمز، وتم جمع تلك المقالات بعد موته في كتاب صغير يمنح الأمل في الحياة باسم العرفان بالجميل (المكتبة العامة)، ويمثل هذا الكتاب هدية الفراق الرائعة التي توضح لنا ما يتسم به الطبيب (ساكس) من حكمة وود بخصوص أسلوب العيش وكرامة الموت، وقام تحرير ذلك الكتاب شريك (ساكس) الكاتب والمصور (بيل هايز) وصديقه ومساعدة على مدى ثلاثين عامًا (كيت إدغار).

فبعد أن علم الطبيب (ساكس) -الذي لن يُعوّض- بالتشخيص النهائي لمرضه نجده ينعم النظر في أعماق الوجود من منبر تلك الحياة الحلوة والمرة في الوقت ذاته التي كانت طويلة لتدنو من نهايتها على حين غرة وعلى الفور كحياة محدودة:

لقد أصبحت واعياً بشكل متزايد. على مدى العشر سنوات الأخيرة تقريبًا, بحالة الموت بين معاصريّ، إن الجيل الذي أنتمي له في طريقه إلى الزوال، فكنت أشعر بأن كل وفاةٍ تمثل توقفًا مفاجئًا وانتزاعًا لجزءٍ من ذاتي، إننا لن نُعوَّض عندما نرحل، ولكن لا يوجد شخص مثل شخص آخر، مطلقًا، فعندما يموت البشر فإنهم لا يُعوَّضون، فهم يتركون خلفهم ثغرات لا يمكن ملئها، لأنه قُدِّر لكل إنسان ـــــ من الناحية الوراثية والعصبية ــــ أن يكون فريدًا، وأن يكون له طريقه الخاص في الحياة وأن يعيش حياته الخاصة وأن يموت ميتته الخاصة.

ومع دنو نهاية طريقه الخاص في الحياة، وهي تلك النهاية التي نجح في تجنبها بشق الأنفس منذ عقودٍ مضت عندما تمكن من إنقاذ حياته بالأدب والغناء، فيقول:

لا يمكنني التظاهر بعدم الخوف، ولكن الشعور الذي يسيطر عليّ هو العرفان بالجميل، لقد أحببت وكنت محبوبًا، لقد حصلت على الكثير وقدمت شيئًا في المقابل، لقد مارست القراءة وسافرت ومارست التفكير والكتابة، لقد اتصلت بالعالم، ذلك الاتصال الخاص للكتاب والقراء.

وفوق كل ذلك كنت كائنًا حساسًا، حيوانًا مفكرًا على هذا الكوكب الجميل، وكان ذلك في حد ذاته امتيازًا كبيرًا ومغامرة لا مثيل لها.


[المصدر]

 

 

ما تحاول أن توهمنا إياه الأنا المزيفة

 

واين داير (1940-2015) هو مؤلف أمريكي ومحاضر مشهور، مؤلف كتاب (النقلة) وهي دعوة إلى استكشاف عملية الحركة بعيداُ عن الحياة التي لا هدف لها، والتحول إلى أخرى عامرة بالمعاني والأهداف. يشرح في كتابه أربع نقلات؛ ففي النقلة الثانية، وهي مرحلة الطموح. حيث أن الطموح هي المرحلة التي نتبنى فيها “الأنا المزيفة” التي هي نقيض عالم الروح الذي أتينا منه.

ويرى (داير) أن “الأنا المزيفة” تريد منا أن نؤمن بكذبات ست، أحداهن تقول: “آراء الآخرين تحدد من أكون”. فيقول (داير) بخصوص هذه الكذبة:

تمطرنا الأنا المزيفة طوال حياتنا برسائل تحاول من خلالها إقناعنا لأن قيمتنا تأتي من ملاحظات وآراء الآخرين. مرة أخرى، تعلن هذه الذات أن شيئاً ما أو شخصاً ما خارج عنا هو المسؤول عن صدقيتنا.

لقد تعلمنا منذ نعومة أظافرنا أن نصدق آراء الآخرين أكثر مما نصدق آرائنا نحن. إن تقييم الأبوين، الإخوة، الأصدقاء، المعلمين، وفي بعض الحالات، كل من يظهر في حياتنا كيافعين، يتم تقديره عالياً أكثر مما نقدر تقيمينا نحن.

نحن مقتنعون أنه إذا قام أي شخص من تلك الفئات بانتقادنا، فعلينا أن نحترم، وجهة نظره أكثر من جهة نظرنا نحن. إن هذا الانغماس في تعاليم الأنا المزيفة يضعف تدريجياً إحساسنا بالقيمة، مسبباً لنا الشك في قدسيتنا.

ثم يؤكد (داير) على“أن احترام الذات ينبع من معتقدات داخلية إيجابية عن أنفسنا وليس استحسان الآخرين”.

ثم يقول:

يملى علينا البقاء المادي الأنا المزيفة، أننا كائنات مادية دون روحانية في جوهر. إنها تنتهج فكرة خاطئة تقول قيمتنا تتحدد وفق ما يختار الآخرون أن يكون رأيهم فينا. إذا كنا نعلم حقيقة من نكون، نستطيع أن نتجاهل رسائل الأنا المزيفة تلك، وننظر ببساطة إلى آراء إخواننا في الإنسانية عنا على أنها مجرد آراء.

أن الاعتقاد بأن رأي الآخرين فينا يحدد هويتنا، يعيق العفوية المرحة لذواتنا الحقيقية. إذا كان استحسان الآخرين وآراؤهم يحدد هويتنا، سنحاول أن نكيف أنفسنا أو ننكمش. إن صورتنا عن أنفسنا معتمدة عليهم، وعندما يرفضوننا، فهذا يعني أننا “لن نكون” على الإطلاق. أن أسلوب الأنا المزيفة في التعامل مع هذه المعضلة هي التكيف مع آراء الآخرين. إن كانوا يعتقدون أننا أغبياء، نحاول أن نقنعهم كي يعتقدوا العكس من خلال محاولة أن نكون ما يريدوننا أن نكون. يصبح وجودنا بأكمله انعكاساً لما يعتقد به الآخرون.

الحقيقة كما يتصورها (داير) هي أنه لا علاقة لأفكار الآخرين أو رأي أي أحد فينا في هذا العالم، بتحديد هويتنا. نقطة انتهى. قد يغير الشخص الذي تسعى يائساً خلف استحسانه رأيه غداً، وعوضاً عن أن يظن أنك ذكي، موهوب، رائع. قد يقرر أنك غبي، أبله لا تستحق التواجد بالقرب منه. إذا استمعت إلى ذاتك الحقيقة فلن تتأثر أبداً بمثل هذه الأحكام. وبالتالي، إن كانت ذاتك المزيفة هي المهيمنة على تفكيرك، فستتأثر على نحو بائس. بهذا الطريقة تغويك الأنا المزيفة كي تستخف بذات الحقيقية.

سلافوي جيجك بين أوهام الأمل وشجاعة اليأس

zizek460

سلافوي جيجك، فيلسوف اشتراكي من سلوفانيا ولديه إسهامات متعددة في الفلسفة الغربية الحديثة.

في مقال قصير من (سلافوي جيجك)، نُشر في مجلة (نيوفو) الفرنسية بتاريخ 1 يناير 2018، ونقله للإنجليزية (جوليوس جافروش) بتاريخ 4 يناير 2018 بعنوان: “سلافوي جيجك و أوهام الأمل”. ننقله لكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (جيجك) في مقالته:

 

لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: “سَلاَمٌ وَأَمَانٌ”، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ

تُعتبر جدلية التفكير مزن أهم إسهامات الثقافة الأمريكية عبر سلسلة نكت الأطباء المبتذلة، من فئة: “هناك خبر سعيد والآخر سيء”. فعلى سبيل المثال : الخبر السيء هو أنّ السرطان متفشي في جسدك وستموت خلال شهرٍ واحد، ولكن الخبر السعيد هو إنَّ اكتشفنا إصابتك بمرض ألزهايمر فبالتالي ستنسى الخبر السيء ساعة وصلك لمنزلك. ومن المفترض ان نتتعامل فيما يتعلق بالراديكالية السياسية بنفس النهج تماماً. فبعد الكثير من الأخبار “السيئة“– وبعد رؤية الكثير من الأمل الذي يُسحق بكل وحشية في محيط الممارسات الراديكالية، و يتمزق بين نموذجين على سبيل المثال في حالتهم القصوى مثل أليكسيس تسيبراس و نيكولس مادورو-، و رغم أنَّ فكرة نجاح أشباههم مُغرية إلا أن هذا النوع لن يحظى بفرصة نجاح كونهم مُدانين منذُ البداية، وكل أمل لأي تغيير حقيقي وفعال ليس إلا مجرد “وهم.”

لذا بدلاً من البحث عن النقيض عند الإشارة إلى “الأخبار السيئة” وتبني رؤية سعيدة ، ينبغي أنّ نتعلم تمييز الجيد الكامن في داخل أي سيء عبر إدراك السيء من عدة جوانب. لنتأمل إحتمالية التشغيل الألي الأتوماتيكي والتي تُرعب الكثير من الناس لأنها تقلل من فرص عمل الأفراد فينتج عنها كتلة بشرية من البطالة، ولكن لماذ نخشى هذه الإحتمالية؟ ألا تفتح هذه الإحتمالية فرصة خلق مجتمع جديد فيه نعمل بشكل أقل؟ على أي صعيد سينهض المجتمع إذا تحول الجيد تلقائياً إلى سيء؟

لقد أخطأ (كارل ماركس) عندما قدم إحصائية بديلة عن النهاية الوشيكة للرأسمالية أو على الأقل كما يصفها النهاية الحتمية، و لكن في الواقع الرأسمالية تنجو دائماً، فلم يقدم ماركس تحليل للطريقة التي تُخلد فيها الرأسمالية نفسها، فبعد كل أزمة تنبثق الرأسمالية من جديد.

وكما وصفَ عالم الإجتماع الألماني (فولفجانج شتريك) أن الماركسية شاهدت “الأزمة الآخيرة” للرأسمالية بشكل صحيح، وهي المرحلة التي ندخلها اليوم، ولكن غاب عنها أنّ هذه الأزمة من التدهور و التفكك عملية طويلة الأجل،  وبدون وكيل يعطي التدهور تحول فعلي إلى منظومة اجتماعية عظيمة، وبدون الطريقة الهيغيلية ، لا تستطيع الرأسمالية النهوض وتجاوز مشهد الإنهيار.

يمكن وصف المفارقة التي نعيشها بالآتي: في حين تفشل مقاومة الرأسمالية العالمية مراراً  وتكبح عن الانتشار، فإن المظاهر المتعددة لا تزال تعطي الإشارة على واقعية تَدَمُّر الرأسمالية التدريجي بطريقة غير واضحة وغريبة. وكما لو أنّ القطبين (المقاومة و التدمير الذاتي) يتقدمان على مستويين مختلفين دون نقطة إلتقاء وتوافق، فينتج عن ذلك فشل إحتجاجات المقاومة عن تدمير الكينونة الذاتية المتهالكة، وعدم إيجاد توجيه دقيق كهدف للتحرر من الرأسمالية . كيف وصلنا إلى هنا؟ في حين يحاول الجزء الأعظم من التيار اليساري يائساً حماية حقوق العمال القديمة ضد اعتداءات الرأسمالية العالمية، وبشكل حصري نجد أن حِدة تصاعد نداءات الرأسماليين أنفسهم (من إيوان مسك إلى مارك زوكربيرغ) تتحدث عن مرحلة الما بعد رأسمالية ، وكأن الغاية من تجاوز الرأسمالية كما نعرفها هو نظام الما بعد الجديد المستولى عليه من الرأسمالية .

بعد كل ذلك، كيف بالإمكان إحداث تحول إجتماعي جذري؟ بالتأكيد ليس بأسلوب تحقيق الإنتصارات بهتافات الفوز و عرض واحدة من الكوارث من فئة ثرثرة الإعلام عن إقامة ندوة جدلية للنقاش… ولكن بطريقة ” كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ ” ؛ ” لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ، أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ، كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ “. و لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: «سَلاَمٌ وَأَمَانٌ»، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ” ( من رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي 5:3). أليس هذا هو حال مجتمعاتنا؟ ألسنا مهووسين بالتحديد بـ “السلام والأمان”؟ ونفس الشيء ينطبق على العلاج النفسي حينما تظهر النتيجة دائماً  تأتي كردة فعل غير متوقعة: “ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، و تكون مفاجأة، ولا تكون حصيلة إدراك مشروع يتم صياغته. لأن النظام الرأسمالي العالمي صلب جداً وقادر على مجابهة كل محاولات التخريب، ولتصبح معاداة الرأسمالية فعالة، وتخطي الصراع، يجب الأخذ في الحسبان كل التدابير المضادة، وتحويلها إلى أدوات دفاع و أسلحة متفجرة .

إذا انتظر الفرد اللحظة الصائبة والتي يكون فيها التحول سلس ومستطاع، فلن يصل أبداً، لأن التاريخ لا يقدم لنا الفرص المصيرية على طبق من ذهب، فيتعين على الفرد المجازفة، و أن يتحمل المخاطر ، وأن يحاول أن يتدخل ويتفاعل حتى إذا بدى له أن هدفه الذي يود تحقيقه ( مُوقِن به) لا يمكن الوصول إليه. فمحاولات التدخل وحدها تجعل من المستحيل ممكناً، و سيصل بالطريقة التي لا يمكن التنبؤ بها.

ربما يستطيع فلاديمير لينين تنويرنا هنا، وتقديم نموذج على شجاعة اليأس، فبعد أن شاهدَ بوضوح أخباره السيئة وأن ثورته لن تتوسع وتشمل أوروبا بأكملها، وقبل موته بسنتين، كتب :” ماذا لو كان هناك يأس شامل، نيأس القدرة على تغيير الوضع برمته، ولكننا عبر تحفيز جهود العمال والفلاحين توفرت لنا الفرصة لخلق متطلبات أساسية للنهضة بطريقة مختلفة عن تلك التي تحدث في دول أوروبا الغربية”.

قال جورجيو أغامبين في مقابلة: ” أنَّ التَفَكَّر هو الشجاعة في اليأسِ” ؛ عبر إدراك الصلة الوثيقة بين اللحظة التاريخية وعلاقته بالزمن الذي نعيشة، فبالتالي حتى أن أكثر القراءات التشخيصية تدعوا للتشاؤم، ولكنها عادة تُختتمُ بتصورِ الوهمْ في أنَّ  النورَ ينتظرنا آخر النفق. فالشجاعة الحقيقية لا تكمن في أنّ نتصورَ بديلاً، ولكن في قبول عواقب عدم وجود بديلاً عن السيطرة العالمية التي خَلَفتها الرأسمالية ، فلا يوجد بديل تقليدي يمكن التعرف عليه وتحديده بسهولة. وحلمُ البدائل هو علامة على الجُبْن التنظيريِ، فهي بمثابة صناعة صنم يعقينا عن التفكير من داخل مأزق طريقنا المسدود، وسيحدث ما يحدث لا محاله. وبإختصار، الشجاعة الحقيقية هي بالاعتراف أنَّ النور في آخر النفق هو نور قطارٍ آخر متجه نحونا من الجهة الآخرى.

شيء آخير، حتمي، بعد كل ما ذُكرَ: أنَّ اليوتوبيا المطلقة، اليوم، تتكون من نفس آليات التفكير في التصور أننا إن لم نقم بأي شيء، وببساطة إن حافظنا بحكمة على النظام العالمي القائم، ستستمر الحياة كما هي.


[المصدر]