خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | فقه الحياة

كيف نحيا ؟

في الصداقة والصديق من الشرق والغرب

27409858

“مثل الفن والفلسفة: لا تبقينا الصداقة على قيد الحياة، ولكنها تعطي لهذه الحياة معنى”  -سي. اس. لويس

لنتأمل في طبيعة الصداقة واختلاف هذ المفهوم الذي يضيق ويتسع من شخص لآخر. فانتشار العلاقات المشوشة في حياتنا اليوم عبر منصات التواصل الاجتماعي والإفراط في استخدام كلمة “صديق” أدى إلى تآكل المعنى الأرسطي للصداقة وضغط الفسحة الوجودية المتسعة بين المعرفة والصداقة.

(ألكساندر نيهماس) أستاذ العلوم الإنسانية المختص بالفلسفة اليونانية في جامعة برنستون في كتابه “عن الصداقة” يبدأ بالحديث عن المكانة الرفيعة التي خُصَّتْ بها الصداقة “philia” في الفكر اليوناني، فالمؤسسة الأرسطية ترى أن الصديق ذاتٌ أخرى، كما أنها ترتكز على فكرتين رئيستين: الأولى أن الصداقة من أعظم متع الحياة. والثانية تقسيمها إلى:

  1. الصداقة النفعية: تتحدد قيمتها بمقدار ما يمكن أن يجني فيها الفرد مقابل ما يعطي (الفائدة هي الغاية) غالبا هذا النوع يرتبط بعالم السوق، وكلما كان الشخص نافعاً أكثر توسعت دائرة أصدقائه لرغبتهم بالاستنفاع منه، وهذا النوع من الصداقة يموت بانتهاء المنفعة.
  2. الصداقة الممتعة: تتحدد قيمتها بحسب الشعور بالأنس والمرح (المتعة هي الغاية). غالبا ما تسود بين الشباب أو في العلاقات العاطفية. هذه الصداقة تنتهي بانتهاء المتعة.
  3. الصداقة الفاضلة: تعني محبة الانسان الفاضل المتشبع بالقيم الأخلاقية لشبيهه في الفضيلة لذاته. هذه الصداقة التي تقوم على المحبة تتجاوز صداقة المتعة وصداقة المنفعة بالمعنى الفلسفي: أي أنها تحتفظ بالمنفعة والمتعة وتتحرر منهما في نفس الوقت. ورغم أنها الأكثر دواماً إلا أنها أيضاً الأندر. و هنا تتجلى الصياغة الأرسطية الشهيرة في تعريف الصديق: “الصديق إنسان هو أنت، إلاّ أنَّه بالشَّخص غَيرُك”

مقارنة بالخلافات التي تحدث حول مفاهيم الحقيقة أو العدالة أو الجمال، تعتبر الصداقة منطقة هادئة معزولة في البحار الفلسفية الثائرة فقد هيمنت أفكار أرسطو على المناهج الفلسفية. أما بالنسبة للفلاسفة المحدثين فتركيزهم غالبا ما يكون حول تأثير الصداقة على قيم الأخلاق والعدالة.

لا يمكننا الحديث عن الصداقة في الفلسفة دون التطرق لمقالات (ميشيل دي مونتين) الشهيرة “في الصداقة” التي نشرت عام 1580 وكانت تحاول تفسير صداقة مونتين الحميمة مع أتين دي لابويسيه، وهي كما يصفها:

صداقة لا يمكن أن تقارن بغيرها أو أن تمتد إلى ثالث. لأن كلًّا منّا يعطي نفسه بالكامل لصديقه فلا يبقى للآخرين شيء.

أما عند الشاعر (إمرسون) – أحد أبرز دعاة الفلسفة المتعالية والفردانية – فكانت الركيزتان الأساسيتان للصداقة هما الصدق والحنان. فالصديق هو من نستطيع أن نتعامل معه ببساطة دون مجاملات ونفكر أمامه بصوت عال. ويرى أن المحادثة بين الصديقين هي اكتمال الصداقة، لكن ما إن يدخل معهما فرد ثالث إلا وتختفي الكلمات التي تخرج من القلب. نعم قد يتحدّث ثلاثة أصدقاء ولكنها محادثة لا تكون بتكامل وصدق الاثنين. وهكذا تصبح كل صداقة بين اثنين يتشاركان في الآراء والاهتمامات أيضا نوع من الانفصال عن المجموع. يشاركه الرأي (سي. أس. لويس) الكاتب والباحث الإيرلندي، فيكتب:

بينما يبحث العشاق عن الخصوصية، فإن الأصدقاء يجدونها تحيط بهم كحاجز بينهم وبين الآخرين، سواء أرادو ذلك أم لا. […] وفي دائرة الأصدقاء الحقيقيين كل فرد يكون على طبيعته ببساطة. فهي علاقة جرّدت إلى العقل. وكما تحفل الإيروس بالأجساد المجردة، فإن الصداقة تحفل بالشخصيات المجردة. وبالتالي روعة اللامسوؤلية في الصداقة: فليس علي واجب لأن أكون صديقًا لأي شخص.

الكاتبة (ماريا بوبوفا) من موقع brainpicking تصوّرت مفهوماً للصداقة بدوائر متحدة المركز من الترابط البشري:

  • unnamed-1الغرباء: يقطنون معنا العالم ولم نلتقي بهم. 
  • المعارف: في ثقافتنا تقترن بهم كلمة “صديق” تربطنا معهم مصالح أو ظروف مشتركة.
  • أناس نعرفهم و نودّهم.
  • أرواح أليفة: نألفهم بسبب تقارب القيم والمباديء. يربطنا حسن الظن والتعاطف والاحترام المتبادل. ولكننا لا نريهم إلاّ الجزء المثالي المصقول من أنفسنا دون تناقضاتنا الذاتيه و ضعفنا الشخصي.
  • الصداقات الحميمة: اولئك الذين نشاركهم ضعفنا و عيوبنا بحرج ولكن دونما خوف من أن يصدرو علينا أحكاما قيمية، تربطنا بهم حميمية نفسية وعاطفية. الصديق الحقيقي هو من نستطيع تجريد أنفسنا أمامه من مثاليتها المزعومه لنكشف عن ذواتنا الناقصه الحقيقية الحساسة ونحن واثقين بأن ذلك لن يقلل من مودته لنا.

الصداقة الحميمة هي تلك التي تتغلل في عمق نفوسنا وتساهم في بناء تصورنا عن الحياة. ودائرة أصدقائنا المقربين تساهم في تأسيس هويتنا والتعبير عن شخصياتنا وتشكيل فرادتنا. علاقتنا بهم تجعلنا (نحن وهم) مختلفين عن (الآخرين) وهذا مما يشكلّ نفوسنا إلى حد بعيد. نحن عبر هؤلاء الأصدقاء نجد الفسحة والقوة لرفض تشكيل المجتمع لنا. وهكذا نستطيع تفهّم هدف (فوكو):

هذه الأيام ليس الهدف أن نكتشفَ أنفسنا، بل أن نرفضَ ماصرنا إليه. أن نعزز أشكالاً جديدة من الذاتية عبرَ التمرد على ما فُرض علينا لعدة قرون.

و الصداقة كفيلة بتوفير السياق لمثل هذا التمرد. فعلاقة مع صديق جديد هي وسيلة لمقاربة الذات، الآخرين، و كذلك الحياة. كما أن المناقشات مع الأصدقاء هي مساحة للتعبير بصراحة عن أفكارنا وطرقا مختلفة للحد من عشوائيتنا دون خجل.

ما يفرّق الصداقة عن علاقة عابرة، هو أنه في الصداقة لا يمكن أن نحدد بوضوح لماذا نحبّ الصديق لأننا لا نستطع فصل ما يعجبنا فيه عن ذاته. و يرى مونتين أن أي محاولة لشرح أسباب محبتنا لصديق بالاستشهاد بفضائله مآلها الفشل:

لا يكمن الجواب في ميزات صديقي، وإنما في العلاقة بينها وبيني.

أما (كانط) فقال شيئا مشابها عن الأشياء الجميلة: “فنحن لا نستطيع أن نوضّح تماما لم نرى شيئًا ما جميلاً. هناك دائما ما لا نستطع وصفه والتعبير عنه بالكلمات. و كذلك الصداقة لا يمكن التفسير بأسباب واضحة لم نحن أصدقاء مع أصدقائنا. فنحن نحبهم لأنهم هم و أيضاً – كون الذات الإنسانية غير ناجزة – لما نأمل أن نكونه بسبب علاقتنا بهم”. وهكذا كانت إجابة (مونتين):

إذا ألححت علي كي أقول لم أحب صديقي، فلا يمكنني أن أزيد على: لأنه هو و لأني أنا.

و بما أننا لا نزال مع مسيو مونتين، فجدير بالذكر أن الصفات التي نحبها أو نبغضها في صديق ما ليست فقط “لأنه هو” ولكنها أيضا ترتبط بما أنا عليه “لأني أنا” و بالتالي عندما يتخلى عني صديق فإنه لا يرفضني فقط فأفقد معه جزءًا من ذاتي، ولكنه أيضاً يرفض ما أصبح عليه “هو” عبر علاقتنا معاً.

أمّا إذا انتقلنا إلى الشرق فإننا نجد تباينا في آراء حكمائنا العرب في أمر الصداقة والصديق. فمنهم من استشكل وجود الصديق وعدّه “اسم لا حقيقة له” مثل الغول والعنقاء. ومن ثم اعتبر أن أغلب من يعدّون أصدقاء – إن هو حقق أمرهم – وجد أنهم مخاليط ومعارف وما أدركوا منازل الأصدقاء. فقد قيل لأحدهم: ألك صديق؟ فقال: لا، ولكن أليف. وقال (جعفر بن يحيى) لبعض نُدمائه: كم لك من صديق؟ قال: صديقان. فقال: إنك لمثرٍ من الأصدقاء. وكتب رجلٌ إلى صديقٍ له:

أما بعد، فإن كان إخوان الثقة كثيراً، فأنت أوّلُهم، وإن كانوا قليلاً فأنتَ أوثقهم، وإن كانوا واحداً فأنت هُو.

كما تباين الحكماء في ماهيّة الصديق: أهو المؤالف لك أم المخالف؟ أهو تؤام عقلك أم بديله؟ وأغلبهم كان على القول بمبدأ “المؤالفة”. فمثّل الصديق كالرقعة في الثوب. وهذا ما نجده في قول (جعفر الخلدي): “مجالسة الأضداد ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول”. وقيل كل صاحب يقال له “قم” فيقول “الى أين؟” فليس بصاحب. وسئل حكيم من صديقك؟ فقال:

الذي إذا صرتُ إليه في حاجةٍ وجدته أشدّ مسارعةً إلى قضائها منّي إلى طلبها منه.

أما من المحدثين، فوصف (زكي مبارك) الصديق الحق بقوله:

هو الذي يستطيع أن يغزو قلبك بأشعة روحانية، توحي إليك أنه أنيسك في النعماء وحليفك في الضراء، وأن وداده الصحيح هو القبس الذي تستضيء به عند اعتكار الظلمات.

وقال (الرافعي):

الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك.

أما (جبران) بشاعريته الشفافة فيصف الصديق في (النبي) بقوله:

إن صديقك هو كفاية حاجتك. هو مائدتك و موقدك. لأنك تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءه مستدفئا. ولا يكن لكم في الصَّداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم.

ومن أجمل ما قيل في الشوق إلى الصديق قول (ابن ثوابة):

“لبثتُ بعدكَ بقلبٍ يودُّ لو كان عيناً فيراكَ، وعينٍ تودُّ لو كانت قلباً فلا تخلو من ذكراك”

وأما في حاجة الإنسان إلى الحفاظ على الصداقة فتقول الرقيقة مي زيادة:

مهما تنكَّر لنا معنى الصداقة الصافي، ومهما غدر بنا الغادرون فعلمونا الحذر، إلا أننا لا نستطيع إنكار احتياجنا العميق إلى الصديق؛ لأن لدينا مرغمين كمية من المودة والوفاء والتسامح والغفران والتضحية لا بد من تصريفها وإنفاقها لتزيد بالعطاء غنًى، وعند من نصرفها وعلى من ننفقها إلا على الأشخاص الذين نراهم قمينين بأنبل ما عندنا من فكر، وأصدق ما لدينا من عاطفة؟ أيها الذين ربطت الحياة بينهم بروابط المودة والإخاء والتآلف الفكري والنبل الخلقي، حافظوا على صداقتكم تلك وقدِّروها قدرها! فالصداقة معين على الآلام ومثار للمسرات. وحسبكم أنتم أنكم بإيمانكم بالصداقة توجدون الصداقة، وبممارستكم أساليب الصداقة إنما تكوِّنون خميرة الصفاء والصلاح والوفاء.

اعتقد بعض القدماء أن الصداقة تربط الكون كله معا. ولكن نحن الأكثر تواضعا، نعتقد أن الصداقة لا تفعل أكثر من أن تربط بعض الأفراد. اولئك الذين يستطيعون أن يقولو لبعضهم: “أحبك لأنك أنت ولأني أنا”.

مصادر أخرى:

  • التوحيدي، أبو حيان: الصداقة والصديق
  • الشيخ، محمد: كتاب الحكمة العربية: دليل التراث العربي إلى العالمية

أناييس نن، ومعنى الفرح المراوغ

 

أناييس نن

أناييس نن (1903 – 1977). مؤلفة أمريكية بأصول إسبانية-كوبية. وقد قضت بعض من عمرها في إسبانيا وكوبا ولكنها عاشت معظم حياتها في الولايات المتحدة حيث أصبحت هناك مؤلفة معترف بها. ولقد ألفت يوميات استمرت لاكثر من ستين بدءا من أن كان عمرها أحد عشر عاما، وانتهائا قبل مماتها بفترة وجيزة. وقد نشرت أيضا روايات و دراسات نقدية و مقالات و قصص قصيرة.


من أولى وأشهر كتب يومياتها، بين عام (1939-1947) تلك النسخة المبكرة، من الكاتبة التي بدأت في الكتابة بعمر الحادية عشرة فقط، من تلك المذكرة التي طال انتظارها، من المجلدين؛ (الثالث، والرابع)، والتي  تتحرر فيها وتجيب عن غرابتها القديمة، رغباتها وحياتها مع الأصدقاء الحميمين، وقصة انتهاء علاقتها مع الكاتب (هنري ميللر) وما دور الأدباء الشباب في حياتها وقتها. من كل ذلك أخترت لكم ذلك المقطع الصغير، والمتأمل بخصوص، “طبيعة الفرح، والبهجة المراوغة”، والتي كانت كتبتها في ديسمبر من عام 1939، وبعد وقت قصير من اندلاع الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي أثرت بعمق، في حياة” نن” النفسية، وتخللت عاطفتها:

مراراً، وتكراراً، ما زلتُ أبحر نحو البهجة والفرح. ذلك الشعور الذي لم يكن أبداً في غرفة ما، ومعي وحدي، ولكنه دائماً بالقرب مني، عبر الطرقات في الخارج، مثل تلك الغرف المليئة بالفرح عنما أراها من الشارع، أو ذلك الفرح في الشارع عندما أراه من النافذة.

حسناً. هل يمكنني أن أصل لتلك الفَرحة؟ إنها تتخفى خلف سفر، وتجوال ألعاب السيرك المتنقل. ولكن سرعان مأ أقترب منهم، فإنها لا تعود.

هل يكون الفرح هو الرغوة المتطايرة، والإضاءة من بعيد؟

كم أنا في حاجة، وجوع للنيل منه؛ كنتُ عندما أرقص؛ يكون هو وكأنه في حديقة عصية الوصول. وعندما أكون في الحديقة العامة؛ كنتُ أسمع تفجره من المنازل. وعندما أسافر؛ كنتُ أراه مثل الشفق القطبي، مستقراً في الأرض التي غادرتها للتو.

أين هو؟ عندما أقف على الشاطئ؛ كنتُ أراه يرفرف ويزهر على رايات السفن المغادرة.

ما هو الفَرح؟

آلم أشعر به أبداً؟

أريد فرحة الألوان البسيطة، أريد فرحة مرافق الشارع العامة، أريد لافتاته، وإعلاناته.

لا أريد ذلك الفرح، الذي يأخذ أنفاسي جانباً، ويلقيني نحو فضاء وحدتي، حيث لا أحد سيتشارك هواء رئتي.

لا أريد تلك الفَرحة التي تأتي من ممارسة شربي وحيدة.

لا أريدها.

هناك الكثير من الفَرح. ولكني لا أعرف إلا تلك الفّرحة، تلك التي ربما ستأتي كمعجزة، وتضيئ كل ما حولها.

وتِلك بالذات كانت هي الفَرحة التي تخيلتها (نن) كمعجزة، وعاشتها أخيراً، عندما وصلت  أنباء عن انتهاء الحرب.


[المصدر

الخيال والطفولة عند بيسوا

بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا (1888– 1935) هو شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، كما أنه كتب وترجم من اللغة الإنجليزية والفرنسية. اشتهر (بيسوا) بكتاباته التي لا تحمل اسمه، وإنما بأسماء مستعارة أخرى.

وفي كتاب (لست ذا شأن)، والذي يتكون من مقولات قصيرة لـ(بيسوا). يقول فيه:

لدينا جميعًا نوعان من الحياة:

حياة حقيقية، وهي تلك التي نحلم بها في طفولتنا، تلك التي نستمر بالحلم بها، كبارًا، وخلفنا أرضية من الضباب.

أما الحياة الخاطئة، فهي تلك التي نتقاسمها مع ااخرين، إنها الحياة العملية، إنها الحياة المفيدة، إنها الحياة التي ننهيها في الكفن.

ثم يحكي في جزء آخر عن طفولته، فيقول:

وأنا طفل، كنت أميل إلى اختراع عالم متخيل من حولي، إلى أن أكون محاطًا بأصدقاء ومعارف لم ينوجدوا مطلقًا – لا أعرف بالطبع إن لم يوجدوا أم أنني أنا غير الموجود. فيما يتعلق بذلك، كما فيما يتعلق بكل الأمور الأخرى، علينا أن لا نكون دوغمائيين.

ويتابع:

أتمنى ذات يوم، بعد موتي، أن تتاح لي حقًا، فرصة أن ألتقي ببعض الأطفال الذين اخترعتهم هنا لكي أجدهم رائعين في هالة خلودهم.

ويقول أيضًا:

لم أندم على طفولتي أبدًا، في الحقيقة، لم أندم على أي شيء.

ميلان كونديرا في حديثه عن الذاكرة والنسيان

Milan-Kundera-006

(ميلان كونديرا)، روائي وفيلسوف تشيكي لديه العديد من الروايات العالمية المشهورة مثل (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه (الستارة) حيث يحكي مستفتحًا:

أتذكر لقائي مع بعض زملائي في الثانوية بعد عشرين عامًا من البكالوريا؛ يخاطبني (ج) بفرح: “ما زلت أراك تقول لأستاذنا في الرياضيات: تبًا يا سيدي الأستاذ”، والحال فإن اللفظ التشيكي لكلمة “تبًا” نفّرني على الدوام، وكنتُ على ثقة تامة بأنني لم أقل ذلك، لكن الجميع من حولنا انفجروا ضاحكين، متظاهرين بأنهم تذكروا تصريحي الظريف. أدركتُ أن تكذيبي وإنكاري لن يقنع أحدًا، فابتسمت بتواضع دون احتجاج لأنه، وأُضيف هذا إلى خجلي، سرَّني أن أرى نفسي وقد تحوّلت إلى بطل يطلق كلامًا بذيئًا في وجه الأستاذ الملعون.

عاش الجميع مثل هذه الحكايا. عندما يستشهد أحدهم بما قُلته في محادثة، فإنك لن تتعرف أبدًا على نفسك؛ تغدو عباراتك في أحسن الأحوال مبسطة على نحوٍ فظ وأحيانًا مشوّهة -عندما يُؤخذ تهكمكم على محمل الجد- وغالبًا غير منسجمة البتة مع ما سبق لك أن قلته أو فكرت به. وينبغي أن لا تدهش أو تسخط، لأن هذه بديهية البديهيات: الإنسان منفصل عن الماضي -الماضي القديم كما الماضي القريب جدًا منذ بضع ثوانٍ- بقوتين تباشران العمل وتتعاضدان: قوة النسيان، التي تمحي، وقوة الذاكرة، التي تُحوِّر.

هذه بديهية البديهيات، لكن من الصعب قبولها لأنه، عندما نفكر فيها حتى النهاية، ماذا ستصبح كل الشهادات التي يستند إليها التأريخ، ماذا تصبح يقينياتنا عن الماضي، وماذا يصبح التاريخ نفسه الذي نرجع إليه يوميًا بسذاجة وحسن نية وعفوية؟ خلف بطانة المُسلّم به الرقيقة -ليس ثمة شك أن (نابليون) خسر معركة (واترلو)- يَنتشر فضاءٌ لا نهائي، فضاء التقريب والاختلاق والتشويه والتبسيط والمبالغة وسوء الفهم، فضاءٌ لا نهائي من اللا حقائق التي تتكاثر كالفئران وتَتَخلَّد.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

يعطي النشاط الدائم للنسيان لكل واحد من تصرفاتنا طابعًا شجيًا وغير حقيقي وضبابي .. ماذا تغذينا قبل البارحة؟ ماذا روى لي صديقي بالأمس؟ وحتى: بماذا فكرت منذ ثلاث ثواني؟ كل هذا يُنسى، وما هو أسوأ بكثير، لا يستحق شيئًا آخر. ومقابل عالمنا الواقعي الزائل والجدير بالنسيان في حد ذاته، تنتصب الأعمال الفنية كعالم آخر، عالم مثالي وراسخ، لكل تفصيل فيه أهميته ومعناه، وكل ما يوجد فيه، كل كلمة، كل جملة، تستحق ألا تُنسى وأن تُفهم كما هي.

مع ذلك لا يُفلت الإدراك الحسي للفن أيضًا من سلطة النسيان. وبهذه الدقة، يوجد كل فن من الفنون في موقع مختلف إزاء النسيان. من وجهة النظر هذه، الشِعر محفوظ. مَن يقرأ نشيد (بودلير)، لا يسعه أن يقفز فوق كلمة واحدة منه. وإذا أحبه، سيقرؤه عدة مرات وربما بصوت مرتفع. وإذا أحبه إلى درجة الجنون، سيحفظه عن ظهر قلب. فالشعر الغنائي هو معقل الغناء.

أما الرواية، بالعكس، هي قصر محصّن بردائة إزاء النسيان. وعندما أخصص ساعة لقراءة عشرين صفحة، فإن رواية من أربعمئة صفحة ستأخذ مني عشرين ساعةولنقل إذًا أسبوعًا. ونادرًا ما أجد أسبوعًا بكامله فارغًا. وعلى الأرجح ستخلل جلسات القراءة انقطاعات لعدة أيام، سيقيم خلالها النسيان ورشته على الفور، لكن النسيان لا يعمل في فترات الانقطاع فقط، بل يشترك في القراءة بشكل مستمر، بلا أي توقف، وأنا أقلب الصفحة أنسى ما قرأته توًا؛ ولا أحتفظ منه إلا بنوع من المختصر الضروري لفهم ما يليه، بينما تُمحى جميع التفاصيل والملاحظات الصغيرة والعبارات المثيرة للإعجاب. وذات يوم بعد سنوات، ستراودني الرغبة في التحدث إلى صديق عن الرواية، عندئذ ستتأكد أن ذاكرتينا اللتين لم تحتفظا من القراءة إلا ببعض المقتطفات، أعادتا بناء كتابين مختلفين لدى كل واحد منا.

ومع ذلك، يكتب الروائي روايته كما لو كان يكتب نشيدًا. انظروا إليه، إنه مذهول بالتأليف الذي يراه يرتسم أمامه؛ أدنى تفصيل مهم بالنسبة له، يحوّله إلى موتيف -موضوع فني أو أدبي صغير- وسيعيده في تكرارات عديدة وتنويعات وتلميحات كما في مقطوعة الفوغ -تنويع موسيقي تتكرر أجزاؤه. لهذا السبب هو لأنه واثق من أن الجزء الثاني من روايته سيكون أجمل وأقوى من الأول، لأنه كلما تقدم في قاعات هذا القصر، تضاعفت أصداء الجمل الملفوظة والثيمات المعروضة سابقًا، وبعد أن تتجملع في تناغم، ترن في كل الأجاء.

رسائل بين تولستوي والإمام محمد عبده

%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%87-2

كان الأديب الروسي (تولستوي) والإمام (محمد عبده) يعيشان في نفس العصر، فـ(تولستوي) عاش بين الفترتين (1828م-1910م) وكان الإمام أيضاً قد عاش بين الفترتين نفسهما (1828م-1910م).
وقد كان الاثنان كل منهما “كاتباً” يقر مكانة الكلمة ويعتبرها وثيقة آدميتنا حتى لو كان (تولستوي) نبيلاً إقطاعياً.. والإمام داعية إسلامياً.

هناك رسالة كان قد كتبها (محمد عبده) إلى (تولستوي) وهي موجودة حالياً كمخطوطة عربية في متحف (توليستوي) قال فيها:

أيها الحكيم الجليل مسيو (تولستوي)، لم نحظ بمعرفة شخصك، ولكننا لم نحرم التعارف بروحك، سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس العقلاء ونفسك، هداك الله إلى معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، ووفقك إلى الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويثمر بالعمل، ولأن تكون ثمرته تعبأ ترتاح به نفسه، وسعيا يبقى ويرقى بها جنسه.
شعرت بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة الفطرة، استعملوا قواهم التي لم يمنحوها ليسعدوا بها فيما كدر راحتهم، وزعزع طمأنينتهم، نظرت نظرة في الدين، فرقت حجب التقاليد، وصلت بها إلى حقيقة التوحيد ورفعت صوتك تدعو الناس إلى ماهداك الله إليه، وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه.
فكما كنت يقومك هادياً للعقول، كنت بعلمك حاثاً للعزائم والهمم. وكما كانت آراؤك ضياء يهتدي به الضالون، كان مثالك في العمل إماماً اهتدى به المسترشدون. وكما كان وجود توبيخاً من الله للأغنياء، كان مداداً من عنايته للفقراء.
هذا وأن نفوسنا لشيقة إلى مايتجدد من آثار قلمك، فيما تستقبل من أيام عمرك والسلام.

(محمد عبده، مفتي الديار المصرية 2 أبريل 1904).

854

كان لـ(تولستوي) رداً على تلك الرسالة.. فقد تجاوب مع الإمام بشكل لائق كما ترجمت في كتاب (ورثة تولستوي)، مبتدئاً رسالته بـ”صديقي العزيز“:

لقد تلقيت رسالتكم الطيبة الحافلة بالمديح وها أنذا أسارع بالرد عليها مؤكدا لكم أولا السعادة الكبرى التى أعطتنى إياها إذ جعلتنى على اتصال برجل متنور.. حتى ولو كان ينتمى إلى إيمان يختلف عن إيمانى الذى ولدت فيه وترعرعت عليه.. ومع هذا فإنى أشعر بأن ديننا واحد ـ لأنى أعتقد أن ضروب الإيمان مختلفة ومتعددة. وإنى لآمل ألا أكون مخطئا إذ أفترض ـ عبر ما يأتى فى رسالتكم ـ بأننى أدعو إلى الدين نفسه الذى هو دينكم.. الدين الذى يقوم على الاعتراف بالله وبشريعة الله التى هى حب القريب ومبادرة الآخر بما نريد من الآخر أن يبادرنا به.. إننى مؤمن بأن كل المبادئ الدينية الحقيقية تنبع من هذا المصدر والأمر ينطبق على كل الديانات.. وإننى لأرى أنه بمقدار ما تمتلئ الأديان بضروب الجمود الفكرى والأفكار المتبعة والأعاجيب والخرافات.. بمقدار ما تفرق بين الناس بل تؤدى إلى توليد العداوات فيما بينهم.. وفى المقابل بمقدار ما تخلد الأديان إلى البساطة وبمقدار ما يصيبها النقاء تصبح أكثر قدرة على بلوغ الهدف الأسمى للإنسانية ووحدة الجميع. وهذا هو السبب الذى جعل رسالتكم تبدو لى ممتعة وفى النهاية ارجو أن تتقبلوا يا جناب المفتى تعاطف صديقكم .. تولستوي.


[المصدر]