خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | فقه الحياة

كيف نحيا ؟

الحب عند حنة أردنت وكيفية العيش بخوف متأصل من الخسارة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

“أحب لكن حذارِ مما ستحبه” كانت هذه النصيحة التي كتبها الفيلسوف الروماني الأفريقي القديس (أوغسطينوس) في السنوات الأخيرة من القرن الرابع. وإذا نظرنا للأمر بعمق فإننا ما نحب -نصبح هو بقدر ما يصبح هو نحن، فهو يستدعي عددًا من بواعثنا الواعية واللاواعية من شوقٍ ويأسٍ ورغبةٍ منقوشة فينا. ولكن يظل هناك تناقضٌ عميقٌ يشوب هذا النداء للتفكير بهذا المفهوم لكوننا نمارس الحذر والحيطة في الحب- لتحب يعني أن تعرف حدود اللاعقلانية التي تهوي وتنزلق حتى من بين يدي أصلب العقول وأعندها حين يمسك القلب بزمام الأمور بتلك اللامبالاة اللذيذة التي هي صفته.

كانت فكرة كيفية إتباع نصيحة (أوغسطينوس) لا بالخضوع بل بفهم أعمق لتجربتنا في الحب هو ما بحثت فيه (حنة أردنت) في عمله الأقل شهرة ولكن الأجمل (الحب والقديس أوغسطينوس)، وهي أول مخطوطة بحجم كتاب لـ(حنة أردنت) وآخر ما نُشر بالإنجليزية، والذي أنقذته العالمة السياسية (جوانّا فيكشيارلي سكوت) والفيلسوفة (جوديث شيلس ستارك) من أوراقها بعد وفاتها.

يتضح أنها و بعد نصف قرن من كتابتها لهذا العمل كأطروحة لدرجة الدكتوراة سنة 1929 -في الوقت الذي سيصبح فيه هذا العقل حواريّ المنطق والذي سيصبح أحد أعمق عقول القرن العشرين التحليلية والتي كان أثناءها تؤلف رسائلها المتقدة المتبادلة مع (مارتن هيدجر)- راجعت المخطوط و شرحته. وعلى النقيض من تخلي (أوغسطينوس) عن أفكاره الفلسفية شحذت (أردنت) جوهر فلسفتها وعلى رأسها القطيعة المقلقة التي رأتها بين الفلسفة والسياسة كما يتجلى ذلك في ظهور أيدولوجيات من قبيل الشمولية والتي بحثت فيها بجهود واضحة لا تخفى. وكانت استعارت من (أوغسطينوس) العبارة “ amor mundiأي حب العالم والتي ستصبح سمة مميزة لفلسفتها. يأسرها سؤال لِم نخضع للشر و نطبعه حددت (حنة) جذور الطغيان بأنها فعل تحويل البشر الآخرين لكائنات لا أهمية لها، ومرارًا وتكرارًا رجعت إلى ترياق (أوغسطينوس): الحب.

لكن بينما كان مفهوم حب الجوار القديم والذي كان ملهمًا لـ(لوثر كنج) محور اهتمام (حنة) الفلسفي الأساسي وسبب اهتمامها بـ(أوغسطينوس) فإن أهمية السياسية لا تنفصل عن النبع الأعمق الذي لا بنضب للحب: الحب الشخصي. فكل الحكمة السياسية والفلسفية التي استقتها من أفكاره كانت (اعترافات أوغسطينوس) فيها يحركها تجربته الشخصية في الحب- القوة الأبدية التي تحكم الشمس والقمر ونجوم حيواتنا الداخلية- والتي انعكست ودونت في بنيتنا الثقافية والإجتماعية.

واضعة نصب عينيها تصور (أوغسطينوس) عن الحب كـ “نوعٍ من الشهوة” (appetitus) وهي الكلمة اللاتينية التي اُشتقت منها كلمة شهية، وتأكيده على “أن الحب ما هو إلا اشتهاءٌ لشيء لذاته ورغبة به” اعتبرت حنة هذه الرغبة الموجهة بدافع حبًا:

“كل شهوة مرتبطة بكيان محدد، وهذا الكيان هو كل ما مطلوب لإثارة هذه الرغبة وبالتالي ابتكار هدفٍ لها. إن الشهوة تتحدد بإعطائها ما تسعى إليه بالضبط كحركة يحددها الهدف الذي تتحرك باتجاهه”. لذا فالحب كما كتب (أوغسطينوس) “شكلٌ من أشكال الحركة وكل حركة هي باتجاه شيءٍ ما”. أما ما يحدد حركة الرغبة فهو معروف دومًا مُسبقًا، فرغبتنا بشيء تهدف إلى عالمٍ نعرفه و لا تكتشف شيئًا جديدًا لا نعرفه. إن الشيء الذي نعرفه ونرغب به هو “جيد” وإلا لما كنّا نسعى إليه شوقًا، كل الأشياء الحسنة التي نرغب بها في حبنا الذي نسعى إليه هي كيانات مستقلة غير مرتبطة بكيانات أخرى، وكل كيان منها لا يمثل إلا حسنه هو المنفرد. أما السمة التي تميز هذا الشيء الحسن الذي نرغب به هي أننا لا نملكه. ومتى ما نلنا هذا المرغوب تنضب رغبتنا ما لم نكن مهددين بفقده، وحينها تتحول الرغبة التي كانت تعترينا إلى خوف من الفقد. كمسعى للحصول على ذلك الشيء الحسن تحديدًا لا الحصول على أشياء كثيرة عشوائيًا تكون الرغبة خليطًا بين “استهداف” و“الإشارة إلى”. إنها الإشارة إلى الفرد الذي يعرف خير العالم وشره ويسعى إلى العيش بسعادة، ذلك لأننا نعرف السعادة التي نريدها لنكون سعداء، ونظرًا لأنه لا شيء مؤكد وثابت كرغبتنا بأن نكون سعداء فإن مفهومنا للسعادة يرشدنا في تحديد الأشياء الحسنة المعنية التي ستصبح بعدها رغباتنا. الشهوة أو الحب هو إمكانية الظفر بامتلاك الإنسان للحسن الذي سيجعله سعيدًا، هو الظفر بحيازة ما هو على الأرجح يخصه.

لهذا السبب يبدو الحب الكريم غير المتملك -الحب الذي لا يُنقصه الفشل ببلوغ الحسين الذي يرغب به- كإنجاز لا يقدر عليه إلا إنسان خارق. (“إذا لم تكن العاطفة متساوية/ فلأكن أنا الأكثر حبًا” كان هذا ما كتبه صديقه الطيب لـ(حنة) وأشد معجبيها (ويستن هيو أودن) في قصيدته السامية الموجهة “انتصار قلب الإنسان الخارق” لكن الحب المبني على التملك تحذر (حنة) من تحوله إلى خوفٍ حتمي، الخوف من خسارة ما كسبت. بعد ألفي سنة من تقديم (إبكتيتوس) وصفته لعلاج القلب المكسور قبولٍ لفكرة أن كل الأشياء فانية وكذلك الحب الذي يجب التمسك به بأصابع الانفصال الطليقة كتبت (حنة) -التي لاحظت دين (أوغسطينوس) للفلسفة الرُّواقية- تقول:

طالما أننا نرغب بأشياء زائلة لزمن طويل نحن مهددون دومًا، ويماثل خوفنا هذا من الخسارة والفقد رغبتنا بالامتلاك. تنبع الأشياء الحسنة المؤقتة و تهلك منفصلةً عن ذلك المربوط بها برغبته. مقيدين دومًا بالرغبة والخوف من مستقبل تملؤه الشكوك نجرد كل لحظة من لحظات المستقبل من سكينتها وقيمتها الجوهرية تلك التي لا نقدر على الاستمتاع بها. وهكذا يدمر المستقبل الحاضر.  

أضافت (حنة) بعد نصف قرن من تحذير (تولستوي) بأن “الحب في المستقبل غير موجود لأن الحب فعل حاضر فقط“:

ليس الحاضر محددًا بالمستقبل على هذا الأساس.. ولكن بسبب أحداث معينة نتمناها أو نخاف المستقبل بسببها، والتي تبعًا لها نشتهي ونسعى، أو نتحاشى ونتجنب. تتمثل السعادة في التملك، في حيازة الحسن الذي يخصنا والاحتفاظ به، بل وحتى في الثقة بعد خسارته وفقده. لكن سعادة الامتلاك بالنسبة لـ(أوغسطينوس) لا يناقضها الحون ولكن الخوف من الفقد. إن مشكلة سعادة البشر أنها مثقلة دومًا، ليست المشكلة في انعدام الامتلاك بل سلامة الامتلاك واستمراريتها هي التي على المحك.

والموت طبعًا هو الخسارة العظمى – في الحب وكذلك في الحياة- و هو لذلك العنصر الأقوى في مستقبلنا الذي يحكمه الفزع. ورغم ذلك فإن الهرب من الحضور من بوابة القلق -الذي هو ربما الداء الأكثر عرضة للإصابة به- هو ذاته موت على قيد الحياة عن ذلك كتبت (حنة):

خوفًا من الموت يعيش هؤلاء حياة الخوف، حياة مآلها الموت.. المزاج الذي تُعرف فيه الحياة وتصور على أنها قلق، وحينها يصبح موضع الخوف خوفًا بذاته. وحتى لو علينا أن نفترض عدم وجود ما يتطلب خوفنا، وأن الموت ليس شريرًا، ستظل فكرة الخوف من أن كل الأشياء ستتلاشى وتفنى.

وبعيدًا عن هذه الخلفية السلبية تشكل (أردنت) وتمثل شكل هدف الحب الأسمة حسب (أوغسطينوس):

إن الجسارة والشجاعة هي ما سعى إليه الحب. فالحب كرغبة يحدده هدفه وغرضه، وهذا الهدف متحررٌ من الخوف.

وعن العاطفة توضح الآلية الجوهرية التي يخدع فيها الإحباط الرضى (المؤقت) في الحب الرومنسي تضيف:

الحب الذي يسعى إلى أي شيء آمن ومتاح على الأرض دومًا ما يكون حبًا محبطًا يتحول ويصبح هدفه وغرضه باطلًا، وحينها لا يعود أي شيء مرغوبًا سوى الحرية من الخوف. وشجاعة كهذه لا توجد إلا في السكينة التامة التي لا تعود أحداث المستقبل قادرة على زعزعتها.

إذا كان الحاضر – طارد التوقعات- شرطًا أساسيًا لتجربة حب حقيقة، فإن الزمن هو العنصر الأساسي الهيكلي للحب. بعد قرابة نصف قرن وبعد ما أصبحت أول امرأة تتحدث في محاضرات (جيفورد) الشهيرة في الذكرى الخامسة والثمانين للسلسلة، ستجعل أردنت هذا المفهوم عن الزمن كانطلاقة للأنا المفكرة محورًا لمحاضرتها الهامة حياة العقل. والآن وبالاقتباس من كتابات (أوغسطينوس) تأخذ بعين الاعتبار مفارقة الحب خارج حدود الزمن للمخلوقات الزائلة مثلنا:

حتى لو كان يفترض بالأشياء ألا تزول فإن حياة الإنسان ليست كذلك. نحنُ نخسرها يوميًا. فبعيشنا تمرنا السنون وتبلينا نحو العدم. ويبدو أن الحاضر هو الحقيقي فقط بالنسبة “لأشياء مضت وأشياء لن تأتي“، ولكن كيف يمكن للحاضر -الذي لا أقدر على قياسه- أن يكون حقيقيًا وهو لا يملك أي “حيزًا”؟ إن الحياة دومًا هي إما لا مزيد أو ليس بعد، وكالزمن تنبع الحياة من “ما ليس بعد مارةً بما لا يملك حيزًا ومختفية في ما عاد موجودًا“. هل يمكن قول أن الحياة موجودة أصلًا؟ تظل حقيقة أن الإنسان يقيس الزمن، ربما يتملك “الحيز” حيث يمكن حفظ الزمن كفاية لقياسه وليس هذا “الحيز” والذي يحمله الإنسان معه متخطيًا الحياة والزمن؟

يوجد الزمن بقدر ما يُمكن قياسه والمعيار الذي نقيسه به هو الحيز.

بالنسبة لـ(أوغسطينوس) كما لاحظت الذاكرة هي الحيز الذي يُقاس فيه الزمن ويخبأ:

الذاكرة هي مستودع الزمن، هي حضور “لا أكثر من ذلك” كاستثناء لحضور “ليس بعد”. لذلك لا أقيس لا أكثر من ذلك، ولكني بعض الأحيان أفعل ذلك في ذاكرتي التي يظل ثابتًا فيها. لا يوجد الزمن أبدًا إلا باستدعاء الماضي والمستقبل إلى حاضر التذكر والتوقع. و من ثم فالزمن الصحيح الوحيد هو الحاضر، الآن.

أحد أهم الثيمات التي بحثت فيها خلال الاكتشاف هو سؤال الزوال هذا حتى لأكثر تجاربنا خصوبةً. كتبت (مارجريت فولِّر) -إحدى كتابي المفضلين- مرةً: “اتحاد طبيعتين معًا لزمنٍ أمر عظيم“. هل علينا أن نيأس أو نبتهج بخصوص حقيقة أن حتى أعظم حب يوجد فقط “لزمن”؟ إن ميزان الزمن مرن، ينكمش ويتمدد بعمق و جسامة كل حب، لكن له دومًا نهاية وحدود كالكتب، كالحيوات، كالكون نفسه. إن نصر انتصار الحب هو في الشجاعة والنزاهة التي نُسكن فيها التجربة الفائقة الزائلة التي تجمع شخصين لمدة من الزمن قبل أن تحررهم بنسبة متساوية من الشجاعة والنزاهة. غلب تعجب فولِّر من رؤية لوحات كورديجو لأول مرة على الجمال الذي عرفته قبلًا، الجمال الذي يشع حقيقة ضخمة عن قلب الإنسان: “يا روح الحب الحلوة! عليّ أن أقلق منك أيضًا لكنها كانت جميلة ذاك اليوم“.

حددت (أردنت) مكان هذه الحقيقية الجوهرية عن القلب في كتابات (أوغسطينوس). فبعد قرن من تأكيد (كيركغورد) أن “أن اللحظة على الأرجح ليست ذرة من الزمن ولكنها ذرة من الخلود” لاحظت:

الآن هو ما يقيس الزمن جيئةً وذهابًا؛لأن الآن بالمعنى الدقيق لكلمة ليس الزمن ولكنه خارج الزمان. في الآن يتقابل الماضي والحاضر، لأجل لحظة عابرة هما متزامنين ليحفظا في الذاكرة التي تتذكر الأشياء الماضية وتحمل توقعات ما سيأتي مستقبلًا. لأجل لحظة عابرة (الآن الزائل) كأنما يبقى الزمن ثابتًا، و الآن هو ما أصبح نموذج (أوغسطينوس) للأبدية.

و(أوغسطينوس) نفسه رصد هذا الزوال المهم:

من سيمسك القلب و يعالجه ليبقى ثابتًا لبرهة ويلتقط للحظة روعة الأبدية التي تبقى ثابتة للأبد، ويقارنها باللحظات العابرة الزائلة التي لا تثبت ولا تبقى، ويرى أنها لا تُقارن.. لكن و لأن كل هذا في الأبدية لا شيء يمضي ولا يمر لكن الحاضر هو الكامل.

اتجهت (أردنت) إلى قلب المفارقة:

ما يمنع الإنسان من “العيش” في الحاضر الأزلي هو الحياة نفسها والتي لا “تثبت” إطلاقًا. الشيء الحسن الذي يشتهيه الحب ويرغب به موجود بعيدًا عن كل الرغبات المجردة. فإذا كان محض سؤالٍ وبحثٍ عن الرغبة فإن كل الرغبات ستنتهي بالخوف. ولأن أي شيء يواجه الحياة من الخارج كيكان لما يرغب به هو ما يُسعى إليه لأجل الحياة (الحياة التي سنفقدها) فإن الكيان والشيء الأقصى الذي نرغب به هو الحياة ذاتها. الحياة هي الشيء الحسن الذي علينا أن نسعى إليه وتحديدًا الحياة الحقيقية.

ثم تعود إلى الرغبة التي تأخذنا في الوقت نفسه خارج الحياة و تغرقنا فيها:

تتوسط الرغبة بين الموضوع والهدف وتبيد المسافة بينهما بتحويل الموضوع إلى حبيب والهدف إلى محب. وبالنسبة للحبيب فهو لا ينفصل أبدًا عن ما يحبه، هو ينتمي له.. لكون الإنسان كائن غير مكتفٍ بذاته ولذلك دومًا ما يرغب بشيء خارج نفسه، وسؤال من هو يمكن إجابته فقط بالحصول على ما يرغب به وليس بكبت دوافع الرغبة نفسها -كما تعتقد الفلسفة الرُّواقية -: “كل أحد هو ما يحب” كما كتب (أوغسطينوس) بدقيق العبارة: من لا يحب ولا يرغب هو لا أحد إطلاقًا.

هذا الشخص لا يمكن تحديد جوهره؛ لأنه دومًا يرغب بالانتماء لشيء خارج نفسه ويتغير تبعًا لذلك… وإذا ما أمكن قول أن له طبيعة واحدة جوهرية فهي انعدام اكتفائه الذاتي. وبالتالي فهو منقاد للهرب من عزلته بوسائل الحب لبلوغ السعادة، التي هي نقيض الوحدة والعزلة، وما هو مطلوب أكثر من الانتماء المحض. لا تحقق السعادة إلا عندما يصبح المحبوب عنصرًا أصيلًا دائمًا في وجود الواحد الذاتي.


[المصدر]


		

بيسوا في كتابته عن العزلة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا عن “العزلة” تحت عنوان “عزلتي”، يقول فيه مستفتحًا:

لأنني أعرف كيف تمتلك الأشياء الأشد صغرًا فن تعذيبي بسهولة، لذلك أتفادى ملامسة أصغر الأشياء. من يتألم مثلي لمرور غيمة أمام الشمس، كيف لا يكون عليه أن يتألم لعتمة النهار المغطى على الدوام بغيمة حياته هو؟

عزلتي ليست بحثًا عن سعادةٍ لا أمتلك روحًا لتحقيقها؛ ولا عن طمأنينة لا يمتلكها أحد إلا عندما لا يفقدها أبدًا، وإنما عن حلم، عن انطفاء، عن تنازل صغير.

يستكمل (بيسوا) حديثه بعد ذلك قائلًا:

الجدران الأربعة لغرفتي هي بالنسبة إليّ، في آن واحد، زنزانة ومسافة، سرير وتابوت. ساعاتي الأكثر سعادة هي تلك التي لا أفكر فيها في شيء، ولا أرغب في شيء، ولا أحلم بالرغبة في شيء، ضائعًا في سبات / ملتبس / من طحلب محض ينمو في سطح الحياة. أستمتع بلا مرارة، بالوعي الباطل بكوني لا شيء، بالطعم المسبق للموت والاختناق.

في مديح الرتابة، يكتب بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا عن “الرتابة” تحت عنوان “ملوك الواقع، ملوك الحلم”، يقول فيه مستفتحًا:

ما يدهشني أكثر من غيره ليس هو البلادة التي يحيا بها أغلب الناس حياتهم ؛ وإنما الذكاء الموجود في تلك البلادة.

إن رتابة الحيوات العامية تبدو مرعبة، في الظاهر.

يشرح فكرته بعد ذلك، قائلًا: 

الحكيم هو من يضفي الرتابة على الوجود، بحيث يكتسب، حينئذ، كل حادثٍ مهما صغُر شأنه ميزة الأعجوبة. بعد الأسد الثالث تفقد مغامرة صيد الأسود كل إثارتها.

[…] بإمكان كل شخص، إذا كان ممتلكًا للحكمة الحقيقية أن يستمتع بالمشهد الكامل للعالم، من خلال كرسي، بدون معرفة بالقراءة، بدون حاجة إلى الحديث مع أي كان، فقط بواسطة الاستخدام السليم للحواس وبروح لا تعرف كيف تكون حزينة.

يسهب (بيسوا) في موضع آخر، فيقول:

إضافة الرتابة على الوجود، لكي لا يكون رتيبًا. تَتْفيه اليومي، كيما يغدو أقل الأشياء أهمية مجلبة لأكبر التسليات.

وسط عملي اليومي، الشاحب، الرتيب واللامجدي. تباغتني رؤى هروبية. آثار حلمية لجزرٍ قصية، احتفالات في حدائق حقب أخرى، مشاهد طبيعيو أخرى، أحاسيس أخرى، أنا آخر. غير أني اكتشفت، بين مقعدين، أن لو كان ذلك كله لي، لن يكون أي شيء منه من نصيبي.

يختتم بعد ذلك (بيسوا) حديثه:

الرتابة، تماثل الأيام الخالية من أي بريق، انعدام الفارق بين اليوم والأمس، هو ما بقي لي على الدوام، مع الروح المتيقظة لأجل الاستمتاع بالذبابة التي تسليني، عندما تمزق مصادفة أمام عيني، بالقهقهة القادمة متقلبة من شارع غير محدد. بإحساس التحرر الفسيح لكون الساعة ساعة إقفال المكتب، بالاستراحة اللانهائية ليوم عيد.

بإمكاني أن أتخيل الكل، كل شيء، لأنني لا شيء، لو كنت شيئًا لما كان بإمكاني أن أتخيل. مساعد محاسب بإمكانه أن يحلم بنفسه إمبراطورًا رومانيًا؛ ملك إنجليترا محرم عليه أن يكون، في الأحلام، ملكًا آخر مختلفًا عن الملك الذي هو إياه. الواقع لا يترك له مجالًا للإحساس.

إلف شفق تتساءل: ما الذي يعنيه حقًا أن تكون سويًا؟

 

أَلِفْ شَفَقْ (مواليد 1971) هي روائية تركية تكتب باللغتين التركية والإنجليزية، وقد ترجمت أعمالها إلى ما يزيد على ثلاثين لغة. اشتهرت بتأليفها رواية (قواعد العشق الأربعون) سنة 2010.

في كتابها (حليب أسود)، والذي ترجمه إلى العربية الأستاذ (أحمد العلي)، تتساءل (إلف) عمّا يجعل المرء سويًا، سواءً كان ذكرًا أو أنثى. فتبدأ (إلف) باقتباسها من المغنية (كورتني لوف)، إذ قالت:

قالت مرة المغنية (كورتني لوف): “في الجزء الأكبر من حياتي اليومية، أحب أن أتصرف بشكل سويّ، بطريقة مُثلى، حتى لو كنت منهكة ومستنفذة بالرؤى المريضة للعنف والإرهاب والجنس والموت“.

تعقب بعد ذلك (إلف) قائلة:

نحن بخير طالما أننا نتظاهر بذلك، طالما أننا ندعيه من الخارج.

لكن مالذي يعنيه حقًا أن تكون سويًا؟ ما هي بالضبط المرأة السوية؟ ما الصفات النسائية التي تعتبر طبيعية؟ وما هي الصفات الأخرى التي تصنف على أنها ثقافية؟ هل مقدّر على الفتيات، جينيًا، أن يكُنّ أموميات وراعيات وعاطفيات؟ أم أن عوائلهن ومجتمعاتهن من يُشكّلنهن على هذا النحو؟ أم أنه أمر آخر، تكون فيه الصفات الطبيعية والثقافية متضافرة بشدة على الحدّ الذي يصعب معه البت في أي تقسيم لتلك الصفات المشكِّلة للمرأة؟

تقول (إلف) مجيبة عن تساؤلاتها:

تأتي الصفات دومًا على شكل زوج. هناك الصفة وهناك عكسها، هناك الصفة وما يقابلها. لكل جميل في العالم، هناك بالتأكيد مقابل قبيح، ربما، في التحضير للطوفان الكبير، استقلت الصفات سفينة نوح زوجًا زوجًا، كما فعلت الحيوانات تمامًا. لهذا نميل على الدوام للتفكير في المصطلحات بشكل ثنائي. إن كان هناك تعريف ثابت لما تم التعارف عليه على أنه “النسوية المثالية“، فشكرًا لذلك التعريف الذي ترسخ على أنه تعريف “الرجولة المثالية“. كلا التعريفين، وما يترتب عليها من توقعات، مروّعان بشكل أو بآخر لكلا الطرفين، للرجال والنساء على حد سواء.

ننتقل بعد ذلك مع (إلف) إلى موضع آخر، فتقول فيه:

حلال قرون طويلة على وجه المعمورة، كان المتوقع من الفتيات والنساء أن يلتزمن بقائمة صفات ثابتة، بينما يُقاس الفتيان والرجال بقائمة أخرى. وإذا جمع أي أحد صفات من كلا القائمتين مهما كان الزمان الذي يعيش فيه أو المكان، فإن حياته ستتعقد بشكل رهيب. لذلك يُقال، إلى يومنا هذا، عن المرأة التي توصم بالحزم، إنها “رجولية“، وستواجه متاريس صلبة من ردود الفعل الخشنة، تمامًا كما سيحدث للرجل الذي يوصم بأنه “أنوثي“. وكلما كان المجتمع محافظًا، يكون من النادر فيه أن تتقاطع القائمتان وأن تلتقي الصفات في أحد من أفراده. ما أشرس الحياة! ومع ذلك يبقى تحديد العلاقة بين الجنسين وتعريفها أمرًا محصورًا في المجتمعات التقليدية. وعلى الرغم من تغيرها المستمر، أعني تلك المجتمعات، فإن المشكلة تبقى كونية ومنتشرة. فمنذ الأساطير القديمة وحتى كتب المصوّرات الحديثة، من الحكايات الشعبية إلى الإعلانات التجارية، وهذه الثنائية في التفكير تتشعّب يومًا آخر في كل جوانب حياتنا.

الرجل / المرأة

عضلي/ رقيق

خشن / خجول

حاضر / غائب

ثقافة / طبيعة

النهار / الليل

منطقي / عاطفي

العقل / الجسد

لمسي / حسية

عمودي / أفقي

السفر / الاستقرار

متعدد العلاقات / وحيد العلاقة

أفعال / أقوال

متجرد / ذاتي

تمجيدي / رثائي

وبشكل مستغرب، بما فيه الكفاية، اعتادت النساء أيضًا على التفكير في أنفسهن وفقًا لتلك الصفات المحددة. إن العلاقات التي ينشئها بعضنا بالآخر، وأحاديث النفس التي نجريها في دواخلنا، والطريقة التي نربي وفقها بناتنا، مثقلة بظلال تلك الانشطارات بين الصور المثلى للجنسين.

تختتم (إلف) تساؤلاتها، قائلة:

عندما يبدو كل شيء مثقلًا بالميراث الثقافي، كيف لي أن أعرف إذا ما كان ما أشعر به وأفكر فيه طبيعيًا؟ ومن قال أنه ليس إملاء مفروضًا عليّ من الوسط الذي أعيش فيه؟

الفيلسوف (جاكوب نيدلمن): أنا لست أنا.

يوجد دائمًا ما هو أكثر من حقيقتين متعارضتين، فالحقيقة الكاملة تتضمن دائمًا عنصرًا ثالثًا، ألا وهو التوافق.

“هذا هو الجوهر الكامل للحياة: من أنت؟ ما أنت؟” هذا ما أكد عليه الكاتب الروسي (ليو تولستوي) في مذكرات شبابه..كما تقول الشاعرة الأمريكية (سيلفيا بلاث) متعجبةً عندما كانت في سن الثامنة عشر من عمرها: “أنا: يا له من حرف راسخ، ويال تلك الطمأنينة التي نشعر بها من هذه الخطوط الثلاث: خطُ أفقي يدل على الفخر وتأكيد الذات، ثم خطين قصيرين أفقيين في تتابع سريع وأنيق”، في مذكراتها الخاصة بعد قرن من (تولستوي) متأملةً الإرادة الحرة وما يجعلنا ما نحن عليه. إن هذه الخطوط الثلاثة الأنيقة تشق قلب خبرتنا بوصفنا آدميين، لكن عندما نبدأ في تفكيكها لا نرى ذلك القلب، لا نرى جوهر الحياة؛ فمما صُنعنا إذًا؟ وما الذي يجعلنا ما نحن عليه؟

في كتاب (أنا لست أنا) يستأنف الفيلسوف الأمريكي (جاكوب نيدلمن) من حيث توقف (تولستوي) و(بلاث)، ليجنّد المزيد من أكثر العقول البشرية يقظةً، بدايةً من الفيلسوف الألماني (نيتشه) والفيلسوف الدانمركي (كيركيغارد) حتى الفيلسوف الأمريكي (ويليام جيمز) والكاتب الياباني (د. ت. سوزوكي) للبحث عن تهدئة ـــــ إن لم تكن إجابة ـــــ لتلك الأسئلة الوجودية الأكثر إقلاقًا، وانطلاقًا من تلك الأسئلة ذاتها سنجد عرضًا يقدم الكثير من الأمل، إنه نوع من السر المقدس الدنيوي الذي يضيئ ما يكمن في قلب أكثر التجارب عمقاً التي يمكن أن نمر بها حيث: الفرح، والحب، والأمل، والتساؤل، والدهشة، والسمو.

يقول نيدلمن:

من بين الأسئلة العظيمة التي يطرحها القلب البشري، لا يوجد سؤال أكثر محورية من السؤال التالي: من أنا؟ ومن بين الإجابات العظيمة التي تقدمها الروح البشرية لا يوجد ما هو أكثر محورية من خبرة “أنا أكون”، بل إنه في إطار الحياة البشرية التي نعيشها بكل ما في الكلمة من معاني ـــــ حياة بشرية طبيعية مفعمة بالبحث عن الحقيقة ـــــ نجد أن هذا السؤال وهذه الإجابة يوازيان بعضهما البعض في النهاية، ويقتربان أكثر فأكثر حتى يصبح السؤال هو الإجابة والإجابة هي السؤال.

لقد صادف (نيدلمن) هذا السؤال للمرة الأولى عندما كان في الحادية عشرة من عمره، ويرجع الفضل في ذلك إلى صبيٍ في الحي الذي كان يعيش فيه يدعى (إلياس بارخورديان) الذي أصبح أعز صديق له في طفولته، وأكثر رفقائه الذين لا يمّلون ولا يكّلون من الاستقصاء الفكري، فكانا يجلسان معًا بعد المدرسة لساعات طوال يتناقشان في علم الفلك والروحانيات بنفس القدر من الدقة والصراحة والفضول، إلا أن موت إلياس مبكرًا وكذلك حياته القصيرة كان السبب في دفع الألغاز الوجودية لدى (نيدلمن) إلى مستويات جديدة من الفهم، فنجده يكتب بعد مرور أكثر من نصف قرن:

توفي (إلياس) بسبب سرطان الدم الذي لم يكن له علاج في ذلك الوقت، مات قبل عيد ميلاده الرابع عشر بقليل، وخلال الأشهر التي تلت بداية مرضه كنت أقابله في غرفة الموسيقى الهادئة في الجانب الخلفي من المنزل، وكانت تلك الغرفة تواجه حديقة يتم الاعتناء بها بدقة وتمتلئ بضوء الشمس، ومع تطور المرض لديه وزيادته ضعفًا تعمق إحساسي بعقله، فكان يتحدث صراحة عما ينتظره، وكان نادمًا فقط على أنه لن يعيش طويلاً بما يكفي لفهم كل الأشياء التي كان يرغب في فهمها عن الكون. ولكن بطريقة ما وبلا شك بسبب الظهور المتكرر فينا للحضور الواعي المشترك، جلب لي موته في النهاية في الأعوام التي تلت ذلك،المزيد من الأمل وليس الألم، إنه ذلك الأمل الذي ينشأ من “صوت” الوعي المقدس الحقيقي الذي يخاطبنا من داخل أنفسنا.

فأدركت الآن أني كنت أحاول طوال الوقت توصيل هذا النوع من الأمل لنفسي ولتلامذتي وللقراء، و في الوقت ذاته في وجه تلك الآمال الخادعة، والتشاؤم الحتمي الذي يميز عصرنا على نحوٍ غير مسبوق.

ولاستقصاء تلك الأسئلة قام (نيدلمن) بتنظيم الكتاب في أسلوب حوارات (سقراط) الكلاسيكي، لكنه استخدم شكلاً حديثًا ومفعمًا بالحياة باستخدام حيلة تخيلية فقام بعمل محادثة بين ذاته في الطفولة (جيري) وذاته الحالية البالغة من العمر ثمانين عامًا (جاكوب)، وأتذكر هنا الملاحظة الساخرة التي لا تنسى للكاتبة الأمريكية (جوان ديديون)، إذ تقول: “من الحكمة عدم قطع الصلة مع ذواتنا الماضية سواء كنا نجدها تستحق الصحبة أم لا”، وهي نصيحة يصعب تطبيقها في كثير من الأحيان، حيث أننا نجفل من سوء الطبع والحماقة والعجرفة التي كانت تميز ذواتنا السابقة، ولكن نيدلمن تمكن من ذلك بامتياز كبير ودفء وسخاء روحي تجاه ذلك الصبي غير الصبور،وغير المكتمل الذي كانه.

ففي إحدى المحادثات يعبر (جاكوب) لـ(جيري) عن المقدمة المنطقية الرئيسية للكتاب ذاته:

إن الصراع من أجل البقاء، من أجل عدم الاختفاء في هذه اللحظة، هو جوهر الصراع من أجل البقاء في كل لحظة، فيجب أن نساعد بعضنا بعضًا في هذا الصراع، أنت بالسؤال وأنا بالجِد في محاولة الإجابة، فهذا هو قانون الحب الذي يحكم الكون.

وفي محادثة أخرى تذكرنا بالحجة الرائعة التي قدمها الكاتب الأمريكي (ألفريد كازن) لصالح احتضان التناقض، يحذر (جاكوب) (جيري):

تحمَّل التناقض، فإذا تحملته ستجد أنه يوجد دائمًا ما هو أكثر من مجرد حقيقتين متعارضتين، فالحقيقة الكاملة تتضمن دائمًا عنصرًا ثالثًا، ألا وهو التوافق.

يرى (نيدلمن) أن الاستعداد للتوافق مع التناقض هو بداية المعرفة الحقيقية للذات وأكثر أنواع الصدق عمقًا، ويقول (جاكوب) لـ(جيري) مرددًا ما أكد عليه الكاتب الفرنسي (أندريه جيد) من أن الإخلاص هو أكثر المآثر صعوبة:

هذه هي بداية الإخلاص.

 لأنك تصارع، سيبدأ سؤالك بالتعمق…إنه ما ستكتشفه دائمًا للمرة الأولى ـــــ جديد باستمرار ــــ في تلك اللحظة العابرة من الدهشة، وقبل أن تسيطر عليها الطموحات الشخصية، سوف تكتشف أنت وأكتشف أنا في تلك اللحظة الحاجة لخدمة تلك الطاقة البشرية والمقدسة أيضًا على نحوٍ فريد، و التي ستبدأ بوصفها إدراكًا خالصًا لوجود الشخص ذاته، وحتى عندما تبدأ تلك الفكرة ــــــــ تلك الفكرة المبدئية ــــ عما هو بشري، تلك الفكرة عن ما هو الإنسان، التي ستبدأ في الظهور، تلك اللحظة العابرة للإدراك الخالص لوجودي الذي يظهر الآن في صورة فكرة عظيمة، تلك اللحظة المواجهة لفكرتي الحيّة، فكرة الصحوة، التي ستكشف لمحة لذلك التوق البشري للخدمة على نحو فريد، ستظهر الحاجة، الحاجة لطاعة تلك الطاقة، الحاجة لرعايتها، والتغذي عليها، لتستقبل تلك المساعدة، التي تأتي في تلك اللحظة ،وعندها فقط ، أي عندما تلتزم موضوعيًا بإعطاء تلك الطاقة عبر الفعل والفهم والظهور، انها ببساطة تلك الطاقة الخاصة بالوجود الواعي، التي تمنحك أيها الكائن البشري قوتك الحقيقية، إنها الطاقة التي تمثل مجمل إدراك الشخص لوجوده، إذ يمكن أن تصبح أقوى أنواع الطاقة في الحياة البشرية

وفي محادثة أخرى يوجه (جاكوب) (جيري) باتجاه فكرة أن الاعتراف بوهم الإرادة الحرة يحررنا ولا يأخذ منا حرياتنا. متأملاً مصدر الحرية الحقيقية بالإشارة إلى مدى استحالة فهم الحرية دون فهم التأثيرات فينا، كقوانين الكون، وطبيعة الواقع:

سل نفسك عن مدى فهمك للتأثيرات فينا، القوانين الكونية في الطبيعة؟ ما هي أفكارك حيالها؟ وتعاليم الدين، فكرة الإيمان، وطاعة الأسمى، والمسئولية تجاه الأخرين وتجاه النفس، وأوهام النوم والأحلام وإيحاءاتهما، فكرة مكانة الإنسان في الحياة، فكرة التنفس، ومكاننا على كوكبنا، والمطالبة بالأخلاق، وطبيعة الغرائز الحيوانية والبديهية داخلنا وحولنا، ووظيفة الألم والمتعة ومعناهما، وفكرة الوعي والضمير وتجربتهما، والتغذية الخفيّة من الهواء الذي نتنفسه،والطعام الذي نتناوله، الاحتياجات والرغبات الحقيقية، والمصطنعة للجسم، التأثيرات القوية للرموز، وقوى الجنس الكونية والحميمة، حتمية الموت، ووهم الزمن وحقيقته.

[…]

فعند المضي على هذا النحو ،محتفظاً بالتوجه الأساسي للصدق مع النفس وما تكتشفه، ستصاب بالإحباط ليس فقط من قناعاتك ولكن كذلك من بنية عقلك ذاتها، وستدرك أن ما تحتاجه ليس معتقدات جديدة، ولا معلومات جديدة، ولا نظريات جديدة، ولكن عقل جديد تمامًا.

فبوابة الحرية الحقيقية كما يقول (نيدلمن) هي انحلال اليقين:

إن الأفكار الواقعية تفتح العقل على القلب، على قلب العقل، على مستوى آخر من الواقع داخل أنفسنا…وهذا هو مذاق الحرية الداخلية وبدايتها، إن الحمقى فقط هم من يعتقدون أن الحرية تعني الحصول على كل ما يشتهيه المرء، إن الحرية الحقيقية تبدأ بطاعة تأثير أسمى، طاقة أسمى وأنقى داخل أنفسنا.

[…]

ما هو الأسمى في ذاتك؟ تلك الطريقة في التفكير في السؤال، ستكون بداية الإجابة، لأنها تتضمن فكرة واقعية لدى البشرية على مدى آلاف السنين…وفي تلك المرحلة ستجد أنت نفسك الإجابة، ليس بوصفها فكرة،ولكن تجربة.

وللحظة سوف تتحول أنت إلى الإجابة! ولن تشعر فقط بمذاق الحرية الحقيقة، بل ستتحول للحظة إلى الحرية.


[المصدر]