خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | فقه الحياة

كيف نحيا ؟

الشجاعة في أن تكون نفسك: كامينجز عن الفن و الحياة

eecummings_edwardweston

كتب الفيلسوف الألماني (نيتشة) عندما كان عمره ثلاثين سنةلا يستطيع أحد سواك أن يبني ذلك الجسر الذي تعبر فوقهأنت ولا أحد غيركنهر الحياة. و يقول الشاعر الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1995 (شيموس هيني) وهو يوجه المشورة إلى الشباب: الطريق الحقيقي و الأصيل يمرّ عبر التجارب مُشترطاً صدق المرء مع عزلته، و إخلاصه لخِبرته الذاتية.

كُلّ جيلٍ صاعد يعتقد أن عليه أن يُجابه ضغوطاً لم يسبق لها مثيل للأِمتِثال والإنِخراط في السياق الاجتماعي السائد. و أن عليه أن يُكافح أكثر من الأجيال السابقة ليحمي مَصدر نزاهته: خِبرته الذاتية. إلا أن هذا الإعتقاد نابعٌ من الغرور المُعتاد للثقافة التي لا تُبصر تحيّزاتِها الخاصّة، و تجهل نظائِرها في السياقات التاريخية. وفي الواقع فإن أغلب مايحدث حولنا هو إنعكاس للظروف التي خلقناها و نستمِر في تعزيزها عبر النظام الإعلامي الإيكولوجي الحالي؛ نظام بافلوفي من ردود الفعل الشرطيّة، حيث تُكافأ الآراء الشائِعة السطحية، وتُهاجم الأصوات المتفرِّدة مِن قِبل الغوغاء.

وقف قِلّة من الناس في وجه هذا الإكتساح الثقافي للفردية، ومن أكثرهم ثباتا و شجاعة إي. إي. كامينجز (1894 – 1962)؛ الفنان الذي لم يخش كونه متفرداً و لاتقليدياً. والذي وُصف مِن قِبل أحد أكثر كتّاب سيرته الذاتية دقّة بأنه كانيزدري الخوف، ويعيش حياته في تمردٍ على كلّ من يحاول أن يحكُمها.

في عنوان مقارب للكتاب الصغير الذي يضجّ بالحكمة للشاعر الألماني (رينير ماريه ريلكه) (رسائل إلى شاعر شاب)، نشرت صحيفة محليّة تصدر في ولاية ميشيغن نصّاً قصيراً لـ(كامينجز) بُعيد عيد ميلاده التاسع والخمسين تحت عنوان: نصيحة من شاعر إلى الطلاب. يُخاطب فيه أولئك الطامحين في أن يكونوا شعراءوبطبيعة الحال يتّسع المعنى ليضُمّ جميع الفنانين النابهين الذين يمتلكون الشجاعة لِحدس الحقيقة الإنسانية:

إن الشاعر هو امرؤٌ يتعمّق في المشاعر، ويطوّعها ليصوغها في كلمات.

وعلى الرغم من أن ذلك قد يبدو عملاً يسيراً، بيد أنه ليس كذلك.

فالكثير من الناسيُفكرأويعتقدأويعرفأنّه يشعُر، إلا أن ذلك كله ليس “شعوراً” في الحقيقة. وقرضُ الشعر في لبّه وصميمه خبرةٌ عميقة بالمشاعر، و ما أعنيه هو أنه ليس معرفة” و لا اعتقاد” ولا تفكير”.

و أي إنسان يمكنه أن يتعلّمكيف يُفكر، أوكيف يعتقد أوكيف يعرف، ولكن لا يُمكن لأيّ كان أن يتعلّمكيف يشعُر. تسائلني لماذا؟ لأنك حينتفكّرأوتعتقدأوتعرفتستبطِنُ آراء الآخرين: إلا أنه في اللّحظة التي تغمُرك بها المشاعر وتكوّن خبرة ذاتيه عميقة فلستَ أيّاً سوى نفسُك

و أن لا تكون سوى نفسك، في عالم يبذُل قُصارى جُهده ليلاً ونهاراً، لأن يجعل منك نسخةً مكررةً لمن حولك يعنى أن تجاهد أصعب معركة يخوضها -ولا يتوقف عن خوضها- المرء. 

لا يتحدّث (كامنجز) من فراغ، فقبل أربع سنوات و عقِب منحه الزمالة المرموقة لأكاديمية شعراء الولايات المتحدة الأمريكية، كان قد خاض معركة وتحمّل النقد القاسي الذي وجّه له من الشعراء التقليديين الذين طوقوه بالكراهية نظير شجاعته في كسر التقاليد و كونه في فنّه ”لا أحد سوى نفسهوهكذا بنظرة مُتفحّصة لتلك النزاهة الخلّاقة المنيعة، تعززها أخلاقيات عمل صارمة، يُضيف:

أمّا بالنسبة لأن تنظِم كلمات تعبّر بدقّة عن أعماقك – ولا أحد سواك – فإن ذلك يعني أن تبذل جهداً أكبر من أن يمكن تصوّره لأي شخص لا يُمارس قرض الشعر. تُسائلني لِماذا؟ لأنه لا أيسر من استعمال الكلمات المستهلكه. وهذا مانفعله جميعاً معظم الوقت و لا نكون شعراء حينها.

أمّا إذا وَجدت نفسك، بإنتهاء أوّل عشرة أو خمسة عشر عاماً من الكِفاح و العمل و الإستغراق في المشاعر، قد كتبت سطراً من قصيدة وحيدة، فإعلم أنك محظوظ جداً

وهكذا فإن نصيحتي لجميع الشباب الذين يرغبون في أن يُصبحوا شعراء هي: مارِِسوا عملاً أيسر مثلَتعلّم كيفية تفجير العالم، إلا إذا ماكنّتم متطلّعين – لا مجرّد مستعدّين –للإستغراق في المشاعر، و الكفاح والعمل حتى الموت.

هل يَبدو ذلك لكم مُغمّا؟  ليس كذلك.

إنّها أروع حياة على وجه الأرض.

على الأقلّ هذا ما أشعُر به.


[المصدر]

 

سخرية فولتير تهزم أعداء التنوير

فولتير

النقد الساخر سمة تغلب على طابع النقد في العصر الحديث، سواءً كان هذا النقد بنَّاءً أو هدَّاماً، وهذا الأسلوب في النقد ليس خاصَّاً بعصرنا هذا، وإنما هو قديم قِدم الفلسفة ذاتها، حيث كان (سقراط) يستخدم أسلوب السخرية أو التهكم في حواره مع تلاميذه وذلك من خلال إثارة الشكوك حول الأفكار والمعتقدات الخاطئة التي يؤمن بها غالبية الأفراد أو المجتمع بهدف ايصالهم للحقيقة، إلا أن أشهر من ارتبط اسمه بالنقد الساخر هو الفيلسوف الفرنسي (فولتير)، والذي يُعد أشهر شخصية في عصر التنوير.

حيث يقول (نيتشه) عن (فولتير):

لا بد للأسود الساخرة من أن تجيء، وجاء (فولتير) فأذل الطغاة بسخريته.

ولم يكن (فولتير) يدع السخرية إلا عندما يتعلق الأمر بحياة الإنسان وكرامته وحريته، وخصوصاً عندما يكون ذلك كله باسم الدين! وما كانت رسالته (اسحقوا العار) إلا نتيجة الظلم ممَّن يدَّعون أنهم يقودون الناس للحق والنجاة وأنهم موكَّلون من الله بحفظ الدين!

ويُشاع عند الكثيرين بأن (فولتير) كان ملحداً! وهو في حقيقة الأمر لم يكن كذلك، فنجده يقول:

لو لم يكن الله موجوداً لوجب اختراعه، إلا أن الطبيعة بكاملها تدعونا قائلةً إنه موجود.

ويبدو لي أن (فولتير) لم يكن ضد الدين كجانب روحي مهم في حياة الإنسان، ومعظم ما صدر منه من أقوال قد يعتقد البعض أنها ضد الدين، لم تكن ضد الدين بقدر ما هي ضد أفكار من يعتقدون أنهم هم من يمثِّل الدين ويتحدَّثون باسم الله!

فنجده يقول معلِّقاً على أفعال رجال الدين المسيحي، الكهنة والرهبان:

إنهم الكهنة الذين يعيشون على كدكم وتعبكم في راحة وكسل، ويثرون على حساب كدحكم وبؤسكم، ويتنافسون على شراء الذمم واقتناء العبيد، ويوحون لكم بالتعصب المذموم، ليتمكَّنوا من سيادتكم والسيطرة عليكم، وينشرون بينكم الخرافات والأساطير ليس من أجل أن تخافوا من الله بل لكي تخافوهم.

ويُعذر (فولتير) في مهاجمته لرجال الدين المسيحي في تلك الحقبة الزمنية، حيث قد وجد ممثليها لصوص في هيئة قديسين! إلا أنه استطاع بقلمه تعريتهم وبيان جهلهم وتوضيح حقيقتهم القائمة على خداع الناس واستغلالهم من خلال الدين.

ومن المؤكد أن فولتير قد اطَّلع على أعمال (أوغسطينوس) الذي حاول توظيف الفلسفة لخدمة الإيمان المسيحي ومحاولة الاستدلال على صحتها من خلال المنهج الفلسفي، لكن لا يمكن لفيلسوف يتميَّز بالذكاء الحاد والعمق الفلسفي كـ(فولتير) أن يقبلها! وتلك القضية، قضية الدين والحياة، هي التي يواجهها عالمنا العربي، وهي التي نتج عنها تيارين متطرفين، تيار متشدِّد يدعو للإرهاب وإقصاء كل مخالف باسم الدين، وتيار يرفض فكرة الدين من الأساس، لذا فإنه عندما نؤمن ويؤمن المجتمع بأن الدين علاقة بين الفرد وخالقه فقط، حينها سيُحفظ للدين مكانته وقداسته، وسيكون الدين بذلك محمياً من اللصوص الذين يستخدمونه لأغراض دنيوية وتحقيق مصالح شخصية أو حزبية، إقحام الدين في كل شيء ينتج عنه الفشل في كل شيء، فقد فشل (أوغسطينوس) وكذلك (توما الأكويني) في بناء فلسفة برؤية مسيحية! وذلك بطبيعة الحال لا يستقيم، فالفلسفة منهج عقلي تأملي بالدرجة الاولى، والأديان بطبيعتها تحوي الكثير من الأمور التي تتطلب التسليم دون السؤال عن الماهية أو الكيفية حتَّى يكون إيمان الشخص مستقيماً، وفيما يخص السياسة فقد شاهدنا فشل تجربة حزب الإخوان في حكم مصر، ولا زلنا نرى مصائب وجرائم نظام ولاية الفقيه في إيران، لذا فإن الدواء الشافي لِما يعاني منه العالم العربي والإسلامي يكمن في شعار (الدين لله والوطن للجميع)، شعار منسجم مع الإنسانية والحياة بأبعادها المختلفة، شعار يكفل الكرامة والحرية للجميع، شعار يتبنَّاه كل من لم يتلطَّخ عقله بأفكار الكراهية والتطرف بشتَّى صوره، شعار يؤمن به كل من يحترم إنسانيته، شعار آمن به فولتير لأنه يدرك قيمة الإنسان.

(فولتير) بسيط في إنسانيته، عميق في فكره، أبت فطرته السليمة الانقياد والانصياع لأوامر اللصوص والدجالين كما انقاد الكثير من القطيع في زمانه، قادته تلك الفطرة إلى التسليم والإيمان بوجود إله واحد لا شريك له، استمد إيمانه ومعرفته بالخالق من خلال فطرته السليمة وعقله المستنير، لم يستمد إيمانه من رجال الدين كما فعل الكثير في زمانه ويفعل الكثير في زماننا هذا!

وفي كل حقبة زمنية سيكون هناك (فولتير) وسيكون هناك أعداء للتنوير، ورغم كل تلك الصعوبات والظروف التي تعرَّض لها (فولتير)، إلا أنه انتصر في النهاية، وخلَّد التاريخ اسمه، إلى درجة أن عصر التنوير ارتبط باسمه!

بقوة الإرادة تتحقَّق المعجزات، وإلا فهل يُعقل أن رجل واحد بسخريته وقلمه استطاع أن يغيِّر أوروبا بأكملها!

نجح (فولتير) في تحقيق رسالته لأنه صاحب مبادئ وليس صاحب انفعالات تتشكَّل وتتغيَّر بتغير الظروف، نجح (فولتير) في تبديد الخرافة والجهل لأنه خاطب الجماهير بلغة العقل والمنطق لا بلغة العواطف والمشاعر، فيلسوف أحبه البسطاء والعامة قبل النخبة والصفوة، أحبه الفقراء والاغنياء على السواء، أحبوه لأنهم عرفوا حقيقته المتمثِّلة في تجرده عن ذاته وإرادته الحقيقية في الإصلاح وايمانه بالمبادئ التي انطلق منها ومات وهو مؤمن بها ولم يتنازل عن واحدة منها.

وكل الذين وقفوا ضده لم نسمع عنهم ولا نعرف اسمائهم حتَّى! فقط بقي (فولتير) رمزاً تنويرياً شامخاً، تلك هي سُنَّة الحياة، ما ينفع البشرية سيبقى ويُذكر, وما يضر البشرية سيندثر ويُنسى، “فأمَّا الزبد فيذهب جفاء، وأمَّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

إبراهام لينكولن، عن العيش مع الفقد

Abe_Lincoln_1860

أبراهام لينكولن (1809 – 1865)، كان الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية في الفترة ما بين 1861م إلى 1865م. وبالرغم من قصر الفترة الرئاسية للرئيس (لينكولن)، إلا أنه استطاع قيادة الولايات المتحدة الأمريكية بنجاح بإعادة الولايات التي انفصلت عن الاتحاد بقوة السلاح، والقضاء على الحرب الأهلية الأمريكية.

واحد من أنبل القادة في الحضارة الغربية، (أبراهام لينكولن)، عاش حياة صعبة تخللتها المأساة. وفاة والدته عندما كان في التاسعة، ووفاة ابنين في حياته، واغتياله عند بداية ولايته الثانية للرئاسة عندما قتله أحد الأصوليين الكونفدراليين بعد وقت قصير من خطابه الذي أعلن فيه عن نيته النهوض بحق الأمريكيين الأفارقة في التصويت.

عندما كان لينكولن يحرز تقدما كبيرا في إلغاء الرق في فبراير عام 1862، توفي ابنه الحبيب (ويلي) البالغ من العمر أحد عشر عاما بحمى التيفوئيد، وهي عدوى بكتيرية تشبه الطاعون. كانت (إليزابيث كيكلي)، وهي مستعبدة سابقة تم توظيفها بعد ذلك كمصممة رئيسية لخزانة السيدة (لينكولن) وتعتبر قريبة من العائلة، تتذكر لاحقا مشاهدة موقف الرئيس “صامت بشكل عجيب، عند طرف السرير الخشبي وولده أمامه لا حياة فيه، و(لينكولن) بعظمته ودهائه وقوته يبكي كطفل بسبب فقدان محبوبه”.

لاحقًا في كانون الأول بعد صدور إعلان تحرير العبيد الذي قاتل (لينكولن) لأجله بشدة، فقد أحد أعز أصدقاءه (ويليام ماكلو) بعد أن تم قتله خلال مناوبته الليلية في ميسيسبي. وكتب (لينكولن) البالغ من العمر 53 عاما، الذي تجرع مرارة الحياة مع الحب والخسارة، لابنة (ويليام) الشابة في 23 ديسمبر 1862:

عزيزتي فاني،

أكتب لكِ وبحزن هائل وعميق بعد علمي بوفاة أبيك الطيب والشجاع، وخصوصا لعلمي أنه يؤثر على قلبك الصغير في عالمنا القاسي الحزين، الأسى والكرب يمر به الجميع، ولكنه يمر الى الصغار مثلك بعذاب مرير لأنه يأخذهم بغير إدراك، وأنا تواق جدًا لتقديم بعض التخفيف عن مأساتك وضائقتك الحالية، الراحة التامة غير محتمل حدوثها الآن يا صغيرتي إلا مع مرور الوقت. لا يمكنكِ الآن مجرد التخيل أنكِ ستكونين بخير أو على نحو أفضل لاحقًا، أليس كذلك؟ هذا خطأ ولابد لكِ من التصديق والإيمان أنكِ ستكونين سعيدة مرة أخرى، سيجعلك هذا أقل بؤسًا مما أنتِ عليه الآن. إن لدي خبرة كافية لمعرفة ما أقول، وأريد منكِ فقط الإيمان أنك ستشعرين على نحو أفضل. إن ذكرى أبوك العزيز ستصبح شعور حزين وحلو في آن واحد داخل قلبك، و أنقى وأكثر حكمة من قبل. أرجوك قومي بتقديم تعازيّ لأمك الحزينة.

صديقك الصادق،

أ. لينكون


[المصدر]

كيف تعزّينا الفلسفة بشأن الإحباط ؟

آلان دي بوتون

آلان دو بوتون (مواليد 1969)، هو فيلسوف بريطاني، من مواليد سويسرا. نشر عددًا من الكتب، التي تتناول أمورًا مختلفة، مرتبطة كلها بحياتنا اليومية.

في كتاب (عزاءات الفلسفة: كيف تساعدنا الفلسفة على الحياة) لـ(آلان دو بوتون) الذي قام بترجمته الأستاذ يزن الحاج، أورد فصلاً بعنوان “العزاء بشأن الإحباط”، وفي هذا الفصل كان يتحدث عن الفيلسوف الروماني (سينيكا) الذي قاسى مآسٍ شخصية، وشهد وواجه كوارثًا هائلة محيطة به.4ebf6bf8-8440-4f8e-a3c8-81d461423731

أدين بحياتي للفلسفة، وهذا أقل التزاماتي حيالها.

وكيف يمكن لرؤية السينيكيّة أن تعزّينا في الغضب، القلق، أخطاء الحُكم؟


الغضب:

يرى (سينيكا) أن الغضب لا ينجم عن انفجار جامح للمشاعر، بل عن خطأ بسيط (قابل للتصحيح) في التفكير.

لو رُشقنا بماء بارد، لن يكون أمام أجسادنا سوى الارتعاش؛ لو وُجّهت أصابع إلى أعيننا، لابدّ أن نرمش. ولكنّ الغضب لا يندرج تحت تصنيف الحركة الجسديّة اللاإراديّة، إذ إنه لا ينطلق إلا على إثر أفكار محدّدة متبنّاة عقلانياً؛ ولن نغير نزوعنا إلى الغضب ما لم نغيّر هذه الأفكار.

وبحسب الرؤية السينيكيّة، إن ما يدفعنا إلى الغضب أفكار تفاؤلية على نحو خطير بشان ماهية العالم و الناس الاخرين.

لابد من تطويع أنفسنا مع اللا-اكتمالية المتلازمة مع الوجود: هل من المفاجئ أن يقوم الشرير بتصرفات شريرة، أو  أن تُصدم بحقيقة أن عدوك سيؤذيك أو أن صديقك سيزعجك، أو أن ابنك سيخطئ؟

سنقلع عن الغضب حالما نقلع عن كوننا مفعمين بآمال كبيرة.

القلق:

حالة من الهياج بشأن وضع مُربك يتمنى المرء أن تكون نتيجته مفرحة ويخشى أن تكون سيئة. وعادة ما يترك من يعانون منه عاجزين عن الاستمتاع بالنشاطات المبهجة المفترضة، ثقافيّة كانت أم جنسية أم اجتماعية.

في شباط/فبراير عام 63، عرف صديق (سينيكا)، (لوسيليوس)، الذي يعمل مسؤولاً مدنيًا في صقلية، أن ثمة دعوى قضائية ضدّه قد تنهي عمله و تشوه اسمه إلى الأبد. فكتب إلى (سينيكا). رد الفيلسوف: “قد تتوقع أنني سأضحك بتخيل نتيجة سعيدة، وأن تستسلم لإغراءات الأمل، ولكنني سأدلك إلى راحة بال عبر طريق اخر” – ويمكن تلخيص هذا في نصيحة:

لو أردت نفض كل القلق، تخيل أن ما تخشى وقوعه سيقع فعلاً.

ولكن الطمأنينة قد تكون الترياق الأقسى للقلق. إذ إن توقعاتنا الوردية تترك الشخص القلِق غير مهيأ للأسوأ، و تضمر على نحو غير متعمد أن الوضع سيكون كارثيًا لو حلت النتيجة السيئة. ويطلب (سينيكا) منا بحكمة توقع أن الأمور السيئة قد تحدث، ولكنه يضيف أن من الأرجح أنها لن تكون أسوأ  مما توقعنا.

أخطاء الحُكم:

“لم يقابلني فلان اليوم مع أنّه قابل اخرين”، “نفر بعجرفة أو سخر بصراحة من كلامي”.

قد تكون ثمة أسباب بريئة. لم يقابلني اليوم لأنه كان يفضّل رؤيتي الأسبوع القادم. بدا وكأنّه يسخر مني، ولكن كان ذاك مجرد تقلص في الوجه، ليست هذه هي التفسيرات الأولى التي ترد الى أذهاننا عندما نكون ذليلي الروح.

لابد أن نسعى كي نحيط انطباعاتنا الأولى بحاجز حماية، و أن نرفض التصرف تبعا لنتائجها فوراً. لابد أن نسأل أنفسنا، لو لم يرد شخص ما على رسالة، ما إذا كان يفعل هذا ليزعجنا بالضرورة، وما إذا كانت المفاتيح الضائعة قد سرقت بالضرورة.

أيهما يسبق الآخر، الوطنية أم الإنسانية؟ تودوروف يجيب

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي، بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام حتى وفاته، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

ضمن كتابه (نحن والآخرون)، تساءل (تودوروف)؛ أيهما يُقدّم على الآخر، الوطنية أم الإنسانية؟ فيتحدث مستفتحًا عن “محبة الوطن”، أهي في علاقتها مع القيم، مطلقة أم نسبية؟

هل تعتبر محبة الوطن، ضمن علاقتها مع القيم، مطلقة أم نسبوية؟ يفضل المحب لوطنه، دون شك، بعض القيم على بعضها الآخر، لكن ذلك لا يحدث باسم نظم مطلق. قد يتوجب على محب الوطن المنطقي قبول أن لكل واحد الحق في تفضيل القيم التي اختارها بلده. فمحبة الوطن هي نسبوية، ولكنها نسبوية معتدلة. يتخلّى النسبوي الأصلي تمامًا عن إصدار أحكام تقويمية، ويتفق المحب لوطنه معه في رفض كل إرجاع إلى معايير مطلقة وشمولية، لكنه يعتمد أساسًا آخرًا للأحكام.

ربما نستطيع أن نقول، مقلدين ومفسرين ما قاله (باسكال)، إن ولادة المرء في هذه الجهة من جبال البيرينيه، توجب عليه أن يقدّم الولاء المطلق للقيم الفرنسية، وولادته في الجهة الأخرى توجب عليه الولاء المطلق للقيم الاسبانية.


ثم يسترسل بعد ذلك في تساؤله؛ ما هو المفضل بين عاطفتي الوطنية والإنسانية؟ فيقول مستعرضًا فكر (هيلفسيوس) أولًا:

ينفي (هيلفسيوس) وجود الحق الطبيعي، بما أن العدالة ليست سوى ما يناسب على الوجه الأفضل جماعة ما، أو دولة. “في كل العصور وفي كل البلدان المختلفة، لا يمكن للنزاهة أن تكون إلا عادة الأفعال المفيدة للأمة”. تظهر النزاهة الشمولية إذًا كتناقض في الإصلاحات؛ لا يسعنا تصوّر أن فعلًا ما قد يكون مفيدًا، بصورة متماثلة لكل الأمم، فالفضيلة الإنسانوية، مثلها في ذلك مثل كل الكليات، ليست حتى الآن إلا وهمًا أفلاطونيًا.

لا تتطابق محبة الوطن مع الحب الشمولي إذًا: “من البديهي أن الشغف بمحبة الوطن، وهو شغف مرغوب به جدًا، فاضل جدًا، ومحترم جدًا عند مواطن ما، يستبعد حتمًا، الحب الشمولي. ربما ينبغي […] أن تخضع مصلحة الأمم لمصلحة أكثر عمومية، وأن يشعل حب الوطن في القلوب أخيرًا، وهو يطفئ نار حب شمولي؛ وهذه فرضية لن تتحقق قبل وقت طويل”.

فـ(هيلفسيوس) بهذا، يقدِّم المشاعر الوطنية، على مشاعر الحب الشمولية، أو المشاعر الإنسانية بكلمات أخرى. وهو يعتقد بأنه من المستحيل التوفيق بين هذين الشعورين، إذ أنهما متضادان.


ينتقل (تودوروف) بعد ذلك إلى (ڤولتير) ليشرح آراؤه في هذا الخصوص، فيقول:

أما (ڤولتير) فهو يتخذ موقفًا معاكسًا في هذا الخصوص. هو أيضًا يعتقد بأن حب الوطن وحب الإنسانية متعارضان، وهذا يحزنه: “من المحزن أنه لكي يكون المرء وطنيًا صالحًا، لا بد له من أن يكون عدوًا لباقي البشر. […] ذلك هو الشرط الإنساني، الذي يجعل تمني المرء العظمة لبلده، تمنيًا للشر لجيرانه. ذلك الذي يريد ألا يكون وطنه أكبر ولا أصغر، ولا أغنى ولا أفقر، على الإطلاق، قد يكون مواطن الكون”. ولكن، ومن بين هذين الاصطلاحين، يقدِّر (ڤولتير) الشمولي أكثر، رغم معرفته بأنه، لا سيما عند تقدمه بالعمر، يرق قلب الإنسان على وطنه ويفضل الخبز في بلده على الحلوى في الغربة.

(ڤولتير) هنا يتفق مع (هيلفسيوس) في كون المشاعر الوطنية والإنسانية متضادتين، إلا أنه يقدّم المشاعر الإنسانية، على عكس (هيلفسيوس) كما يقول (تودوروف).


وأخيرًا، ينتقل (تودوروف) في استعراضه للأجوبة، إلى (جان جاك روسو)، فيقول:

أما (روسو)، الذي قرأنص (هيلفسيوس) وتأمل فيه، فيستحق أن نتوقف عنده لوقت أطول. يتمفضل التعارض في كتاباته حول اصطلاحي “مواطن” و”إنسان”. ويدل هذا الاصطلاح الأخير، بطريقة مبهمة أحيانًا، على الكائن الإنساني كساكن للكون، تمامًا كما يدل على الفرد بعينه. لا تتطابق سُبُل المواطن والإنسان، وذلك لأسباب بديهية: “فهدف جهودهما ليس واحدًا، إنه سعادة المجموعة هناك، وسعادة الشخص هنا”.

فبرأي (روسو) أن الإنسانية والوطنية، هما شعورين مختلفين. يستكمل (تودوروف) شروحاته:

لا يكتفي (روسو) بالإشارة إلى الاختلاف بين هذين السبيلين؛ بل ويؤكد على تعارضها الجذري؛ هذا على الأقل ما اعتقده في عهد كتابه (إميل): “لأننا مجبورون على مصارعة الطبيعة أو الاأنظمة الاجتماعية، يجب الاختيار بين صنع الإنسان أو صنع المواطن، إذ أنه من غير الممكن صنع الاثنين في الآن نفسه”. ويتناسب نجاح الوطنية عكسًا مع نجاح الإنسانوية. “الأنظمة الاجتماعية الجيدة هي تلك التي تعرف على نحو أمثل كيف تفقد الإنسان طبيعته البشرية”.

 

ويستطرد قائلًا:

ما يزيد الأمور سوءًا هو أن (روسو) مقتنع بأنه في هذا التناقض، تمامً ككل تناقض آخر على كل حال، مصدرًا للتعاسة لا يمكن استدراكه، يقدّم عنده الحنين الذي يثيره فقدان الوحدة كمسلّمة دون إقامة براهين؛ بل إن هذا التناقض هو المصدر الرئيسي لتعاسة البشر. “ما يصنع البؤس الإنساني هو التناقض […] بين الطبيعة والأنظمة الاجتماعية، بين الإنسان والمواطن”.