خلاصات هذا القسم

الأرشيف | فقه الحياة

كيف نحسن من حياتنا، ومن تعاملنا مع المصاعب اليومية؟

مسألة الحياة في بداية القرن الواحد والعشرين .. مقالة مطولة

ميشال مورنج، هو كاتب وفيلسوف فرنسي، من مواليد عام 1950م. له عدد من الكتب والأبحاث، من أشهرها كتابه (تاريخ الأحياء الجزئية) وكتاب (تفسير الحياة).

نشر (مورنج) مقالة مطولة، ننقلها لكم من اللغة الفرنسية إلى العربية، بشكل حصري، تحدث فيها (مورنج) عن الحياة في القرن الواحد والعشرين. كما نحب أن نشكر الأستاذ السيد (ويليام العطوة) على مساهمته في تدقيق ومراجعة هذه المقالة.

يفتتح (مورنج) مقالته، فيقول:

بعد أن اختفى لعشرات من السنين من كتابات علماء الأحياء، طُرِح سؤال “ما هي الحياة؟” من جديد، في المجلات العلمية كما في المنشورات المبسّطة.

لقد قمنا بتحليل الصلة بين اختفائه المؤقت وبين تطور البيولوجيا الجزيئية في عدة منشورات. ولكن إذا نظرنا إلى الوراء؛ لم يكن غياب هذا السؤال إلاّ موجزًا طوال تاريخ علوم الحياة. هل هذا يعني أنه لا توجد طريقة جديدة لطرح هذا السؤال في يومنا هذا؟ وهل أن وضعه – وهو الّذي يحوم فوق رؤوس جميع علماء الأحياء الّذين يجب عليهم الرد إن كانوا لا يرغبون برؤية دورهم يختفي لصالح التخصصات أخرى – لم يتغيّر كثيرًا؟

في هذه المقالة؛ نود تقديم فرضية أخرى: يعود السؤال بطريقة جديدة كلّيًا، حيث سيخوض معنى الحياة مجال العقلانية لأول مرة، وسيواجه عواقب فلسفية خطيرة.


ثلاث مشكلات مرتبطة

عند تسليط الضوء على تساؤل: “ماهي الحياة؟” سيكون مبهمًا، ولكن من الضروري تسليط الضوء في آن واحد على سؤالين آخرين مرتبطين به “كيف نشأت الحياة؟”، “وهل بالإمكان تغيير الكائنات الحية وخلقها من جديد؟”

ترتبط المشاكل الثلاث ارتباطًا وثيقًا : إن الردّ على سؤال “ماهي الحياة؟” معناه أيضًا افتراض سيناريو منطقي لظهور الحياة أو التحكم بها أو حتى لخلقها من العدم. فلقد ارتبط الفهم والفعل  ارتباطا وثيقًا خلال التطور التاريخي لكافة العلوم.

ولكن أتعلق الأمر بمسألة الأصل أو بسؤال الفعل، فالفترة الحالية تميزت بفرادتها.. فهي ليست كتلك السناريوهات عن نشأة الحياة، والتجارب التي تهدف لإعادة خلقها من جديد أو على الأقل محاولة محاكاتها في المختبر التي لم تُقترح منذ قرن تقريباً مع أول اختبارات البيولوجيا التخليقية في بداية القرن العشرين والنماذج التي اقترحها أوبارين وهالدان في عام ١٩٢٠ م. ولكن فحص جميع الأبحاث التي أجريت في وقتنا الحالي حول أصل الحياة يعطي صورة جديدة تمامًا، على الرغم من أن هذا الحقل لا يزال يتميز بتنوع كبير في الأساليب والافتراضات التجريبية مع وجود تناقضات حادة، ولا يزال يترك مجالًا لافتراضات “بعيدة المنال” لن تكون مقبولة بالنسبة لفروع العلوم الأخرى، ومع ذلك تم تنظيمها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لقد تحول إلى مجال تخصصّي جديرٍ بالاحترام. أصبحت مسألة نشأة الحياة مسألة علمية من الممكن حلها، إن لم تكن سهلة المنال،  في وجود استثمار علمي كافي.

وعلى نفس المنوال؛ قام الإنسان بدوره بتغيير الكائن الحيّ، فقد قام باتخاذ خطوة جلية في تطوير الهندسة الوراثية، ولم تكن محض تنبؤات يطمح بها بشكل مبالغ بعض أنصار التعديل الجيني. إن التعديلات الجينية محفوفة بالمصاعب؛ كبعض مشاريع إنتاج نباتات تستطيع التقاط النتروجين مباشرة من الغلاف الجوي فهي مجرد أحلام حتى الآن. النباتات الوحيدة المعدلة وراثيًا والمتاحة هي النباتات المقاومة للمبيدات الحشرية وتعتبر تعديلات بسيطة جذًا بالنظر إلى بقية التطلعات. بالمقابل؛ أكثر الكائنات المعدلة وراثيًا هي البكتيريا لإنتاج مركبات مفيدة للصناعات الكيماوية والأدوية.

وبالرغم من ذلك؛ أصبح اليوم من الممكن تغيير الحياة أو على الأقل التحكم بها من خلال إجراء محدد؛ ويجب عدم الاستهانة بأي خطوة يتم إجراءها. إن عودة مصطلح البيولوجيا التركيبية بعد اضمحلاله منذ بداية القرن العشرين يعكس مدى الوعي بهذه الإمكانيات الحديثة كالعمل على الحياة إلى الوصول إلى خلق أشكال جديدة لها.

وبالتالي فإنه في نفس مقدار التفاؤل يجري البحث عن نشأة الحياة، كما العمل على البيولوجيا التركيبية. قد تكون هذه الثقة بالمستقبل محض أوهام وفقاعة قد تنفجر في السنوات القادمة. ولكننا لا نعتقد ذلك لأن ثورة الأبحاث حول نشأة الحياة والنهوض بتقنيات الهندسة تُظهر لنا تطورًا في العلوم – وفي فلسفة العلوم- وعناصر إيجابية تحدث تغييرًا لا رجعة فيه في مسألة الحياة في المجال العلمي؛ فالعقبات قد اختفت، و يسمح النهج العلمي، الأقل تكبّرًا، لغنى تعددية الإختصاصات بأن تعمل بشكل كامل، وهذا ما هو ضروري بالنسبة لسؤال كسؤال الحياة.


عقباتٌ ابيستيمولوجية وفلسفية تمّ تجاوزها

نحن لسنا بحاجة إلى مراجعة علوم الحياة منذ ظهورها في العصور القديمة لفهم التغيرات الحديثة فيها، يمكننا أن نكتفي بالعلوم التي ظهرت بعد ظهور العلم الحديث على يدي غاليليو وديكارت في القرون الأخيرة. تراوحت علوم الحياة في منتصف القرن السابع عشر، بجانب دورها في جدولة الأشكال الحية، بين اتجاهين متعارضين ومتصادمين كذلك، أحدهما الإنكار؛ كما فعل الطب الفيزيائي في نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر الذي أنكر كل خصوصية للظواهر الحية و إختزال تعقّداتها بشكل فجّ إلى بعض الآليات الكيميائية الفيزيائية البسيطة، مع بعض النجاحات المحدودة،  والآخر الذي أثبت عدم قابليتها على الاختزال هذا من أجل أن يكون قادرًا على حصر دراسة الظواهر البيولوجية من خلال الأساليب الكيميائية الفيزيائية متى ما أثبتت انها مفيدة ، وتركت مسألة الحياة لميدان المعرفة العلمية إلى الأبد.

كان هذا موقف بعض الحيواتيين vitalistes  الفرنسيين مثل بوردينو . إنّ مبدأ الحياة المفترض وجوده وقتها لم يكن مختلفًا عن مبدأ الجاذبية الكونية كما عند نيوتن: “ما” يجب القبول به من أجل تفسير الظواهر الطبيعية.

قام علماء الأحياء الجزيئية في الستينيات باستكمال هذا الجهد دون حل أو تجاوز. وبالنسبة لكثير منهم، لم يكن هناك أسرار للحياة ـ أو لم يعد هناك أسرار-  لأن جميع الظواهر التي لوحظت في العالم كانت نتيجة للنشاط الفيزيائي الكيميائي؛ وفي الوقت ذاته، تميزت الكائنات الحية عن غير الحية بالمعلومات الوراثية والشفرات الجينية التي تستخدمها. سمح لنا الاستخدام غير المبرر لمصطلح المعلومات الوراثية بالحفاظ على غموض معين حول “طبيعة” خصوصية الأحياء.

لا يبدو لنا ذلك تحوّلاً داخليًا في علم الأحياء بقدر كونه تطورًا فلسفيًا و ابيستيمولوجيًا وعلميًا أوسع نطاقًا مكّن من التغلب على العقبة السابقة وتجنب هذا الخيار المحبِط. اقتحمت فكرتان شيئًا فشيئًا العقول وحررت المبادئ العلمية؛ الأولى هي قبول ضرورة تعدد التفسيرات في العلوم والثانية هي فكرة أن شيئًا جديدًا يمكن أن يظهر في النظام الطبيعي يمكن وصفه بشكلٍ جيّد. إن كل منهما ستحتاجان وقتًا طويلًا لدراستها، وسنطرح هنا بعض المعايير الأساسية فقط لهذه الدراسات و نعود الى بعض الأبحاث المتخصصة.

وجدت التفسيرات المتعددة فرصة في مساحة من الحرية في فشل المشروع الفيزيائي المادي لحلقة فيينا. وأثبتت أن إعادة بناء العلم على أسس سليمة، أي مبادئ الفيزياء، أنه مشروع مستحيل. لكن هذا الانفتاح لمجال الحرية الفلسفية لم يكن بالتأكيد كافياً بل ظهور علوم جديدة ومستقلة جزئياً عن تلك التي سبقتها، والتي أثبتت مع ذلك أنها فعالة بشكل ملحوظ في “معالجة” موضوعاتها، هو ما كان من شأنه أن يمتلك تأثيرًا كبيرًا.

إن التخصصات مثل فيزياء الجوامد أو المعلوماتية نجت من الخنق المنهجي للتخصصات الموجودة من قبل. من خلال أدواتها وأساليبها الخاصة، استطاعت أن تضع بصمتها على المشهد العام للتخصصات العلمية دون القلق المفرط حول علاقتها وتوافقها مع غيرها من التخصصات المُقاربة. هذا التغيير في الساحة العلمية لم يكن سهلاً، فقد واجهت المعلوماتية، على سبيل المثال، صعوبة للاعتراف بها كعلم مستقل وليس مجرد فرع من الرياضيات التطبيقية.

من جانب علوم الحياة؛ أظهرت مقاومة النظرية التركيبية للتطور الحاجة للتفسيرات المتعددة بشكل أقل من علم البيئة بسبب التأثير المنتشر للبيولوجيا الجزيئية. إن مقاومة هذا التوحيد القسري لم يستمر بدون صعوبات، فلم يرَ علماء البيولوجيا الجزيئية وجودًا لهذه التخصصات الأخرى، ولم يمتلكوا أي فكرة – مختلفة – عن طبيعة التفسيرات التي اقترحتها. ومع ذلك كانت النتيجة: جنبًا الى جنب المقاربة الجزيئية الإختزالية ، نمت ، وتطوّرت بطريقة بارعة، تخصصاتٌ امتلكت مبادىءَ تفسيرية مختلفة تمامًا.

في الثمانينيات من القرن الماضي، اندلع الجدال بين الفلاسفة حول إمكانية توحيد العلوم أو عدمها، إذا كان أصل هذا النقاش بالتأكيد موجودًا في تطور داخلي لفلسفة العلم؛ فهو بالتأكيد ليس غريبًا على التطور الموازي للمشهد العلمي للتخصصات العلمية. إن الزعزعة التدريجية، من خلال عمل محللي العلوم، من  كارل بوبر حتى علماء الاجتماع، لأسس المعرفة العلمية، جعل بلا شك هذا القبول للتفسيرات المتعددة أسهل.

بالنسبة لغالبية العلماء – وعلى ما يبدو أيضًا الفلاسفة – ليس من الواضح ما إذا كان المشهد المجزأ الحالي للتخصصات العلمية هو مجرد حالة مؤقتة قبل توحيد قادم، أو حقيقة لا مفر منها ستستمر في إثبات نفسها، حتى انّها سوف تتفاقم. ومع ذلك، فإن طبيعة الإجابة على هذا السؤال لا تغير الموقف الحالي تجاه هذا التنوع التفسيري، يجب أن تهدف الجهود إلى الحد منه من خلال تمفصل هذه المخططات التوضيحية المختلفة، وليس السعي – على الأقل الآن – إلى نظرية توحيد وهمية. لقد حلّلنا كذلك الأسباب المعرفية والاجتماعية على حد سواء التي تفترض هذا الاعتقاد المشترك على نطاق واسع اليوم من قبل الباحثين في علوم الحياة. سواء كان هذا الربطُ – أم لا – هو الخطوة الأولى في عملية التوحيد لا يغير شيئًا ممّا هو الهدف اليوم في علوم الحياة، ولكن أيضًا في العديد من التخصصات الأخرى. أصبح من الواضح أن التفسير العالمي للظواهر الحية يتطلب التعبير عن ثلاثة مخططات تفسيرية مختلفة على الأقل: كيميائية فيزيائية (جزيئية) وتطورية وفيزيائية. ويعد هذا صحيحًا عندما يحاول المرء أن يصف المراحل التي كانت يجب أن تسمح بتكوين الحياة وهي: تفسير الكيمياء الفيزيائية للتكوين التلقائي للجزيئات الأولى والجزيئات الكبيرة تتبعها تفسيرات تستدعي التنظيم الذاتي لهذه المكوّنات، تليها عملية (داروينية) لاختيار الجزيئات الأولى و / أو المجموعات الجزيئية الأولى. يُستخدم التمفصل، المؤقت هذه المرة، بين نفس المبادئ التفسيرية الثلاثة من أجل شرحِ أصل الحياة .

الحاجز الابيستيمولوجي الثاني الذي “قفز” مؤخرًا هو استحالة تفسير نشأة الجِدّة nouveauté  في انموذج توضيحي. إن التاريخ الفلسفي لمفهوم الإنبثاق l’émergence  قديم ومعقد، ولكن، كما أسلفنا؛ نعتقد أن الحدث الرئيسي الذي منحه مكانة معترف بها في فلسفة الحديثة للعلوم هو المكان الموجود بشكل شبه طبيعي في بعض العلوم من الكيمياء الفيزيائية حتى فيزياء الجوامد. هذا التطبيع naturalisation  للإنبثاق جعل من الممكن تصور أن الأنظمة المعقدة يمكن أن تكتسب خصائص جديدة – مثل الحياة– من خلال تجاوز الحد في عدد وطبيعة العلاقات بين المكونات الأولية المختلفة. يبقى استخدام مفهوم الإنبثاق خارج التخصصات التي وجد فيها مكانًا علميًا معترفًا به مجازيًا. ولا يهم إن كانت الاستعارة قوية بما فيه الكفاية أو لا، و الإحالة إلى استخدامه العلمي واضحةً كفاية، بحيث يتم قبول احتمال القفزات النوعية في أداء النظام.

مع هذين التحوّلين الابيستيمولوجيين؛ يمكن لدراسة الأحياء أن تتطور ، بشكل تام، كظاهرة علمية. لم يحن الوقت للتنبؤ بما تمنحه عودة السؤال “ما هي الحياة؟ والتوسع السريع في البحث عن اصولها. ومع ذلك؛ سنكون على استعداد للمراهنة على أنّ ابتذال مقولة الإنبثاق في المجال العلمي، وقبول تعدد التفسيرات اللازمة للظواهر الحية؛ سوف يؤدّي إلى إدخال دراسة “سؤال” الحياة في فترة من التقدم المستمر، وهو ما يمنعه حتى اللحظة البحث عن تفسيرٍ “أوحد” للحياة.


كيف سيصبح التساؤل الفلسفي عن الحياة و  عن الوعي؟

دعونا نعترف بأننا على صواب، وأن مسألة الحياة أصبحت بالتأكيد مسألة علمية. تكون كذلك من خلال قطع الصلة بين الحياة والفكر الواعي والخيط الوحيد الذي ما زال يربطهما مرة أخرى هو ببساطة مقولة الإنبثاق. إن ظهور الوعي المفكِّر سيكون أيضًا ظاهرة منبثقة، ولكن من طبيعة متمايزة تمامًا. وستكون هذه القطيعة حدثًا جديدًا تمامًا. حتى بالنسبة للبيولوجيا الجزيئية، التي اتهمت بأنها تسببت في “موت الحياة“، حافظت، بفضل مقولة المعلومة، على مقامٍ مشترك بين الحياة والفكر، وهو ما أظهر الفيلسوف جورج كانغيلهم ترسّخه في التقاليد الفلسفية. لا شيء من هذا القبيل في يومنا هذا، حيث فقدت مقولة المعلومة قوتها التوضيحية لصالح الآليات الكيميائية الفيزيائية. ماذا ستكون عواقب هذا القطيعة؟ وماهي المكانة التي سوف يتبوّأها فكرٌ فلسفيّ عن الحياة؟ سيكون ممكنًا تبني موقفين فلسفيين: التخلي النهائي عن سؤال الحياة لصالح العلماء، أو الحفاظ على فلسفة الحياة، وستكون المخاطر المتصّلة، على التواليّ، نضوب الفلسفة، أو انفصالها التام عن العلم.

هل هذه بداية لعملية مماثلة من “علمنة” scientificisation  الوعي؟ يمكن للعديد من الأعمال الراهنة، المتصّلة بأشكالٍ مختلفةٍ من التصوير الطبيّ، أن توحي بذلك. أو ربّما سوف يجعل قطع الصلة بين الحياة و الوعي من هذا الأخير، وبشكلٍ اوضح،  ليس شاهدًا على تعلّقٍ ماضويّ بالمقولات الميتافيزيقية، ولكن دليلاً فلسفيًا يستحيل اختزاله أبدًا الى معرفةٍ علمية؛ و ليس خطوةً قادمة من عملية تطبيع، و لكن، وفي روح الفينومينولوجيا، إستجوابًا لم تتوقف الفلسفة عن توجيهه للعلوم، و التي لم تتكمن يومًا من الردّ عليه.


[المصدر]

 

لينا دنهام: رسائل مفعمة بالأمل عن الحب والجنس والصداقة والموت.

إنها مزية استثنائية أن يولد المرء في الجسم الذي يريده، وأن يعتنق جوهر النوع الذي يمثله، حتى عندما يدرك ما يواجهه، بل وأثناء محاولة إعادة تعريفه.

“أنا أقول دومًا ما في رأسي”، هكذا تصرخ (إلويس) البالغة من العمر ست سنوات في الفيلم المقتبس عن كتب الأطفال الشهيرة التي أبدعتها الكاتبة الأمريكية (كاي ثومبسون) في عام 1955 وجاءت في بداية ذلك التحول الثقافي البارز وكانت تصور فتاة نضجت مبكرًا وتناصر الحركة النسوية الأولى وتتمتع بروح عتيقة ومفردات مبهرة. لقد كانت حرية التعبير التي تتمتع بها (إلويس) أكثر من مجرد مجاز سردي، فاستعدادها لتجسيد حياتها الداخلية بكل ما تحتويه من ظلمة وضياء كان يرمز إلى التغيرات التي شهدتها الكاتبة (ثومبسون) (1909-1998) والاتجاهات التي كانت هي نفسها تسعي من خلالها بمنتهي اللطف والدهاء لتغيير التيار الثقافي بواسطة كتب (إلويس)، وكما يؤكد المؤلف البريطاني (توكين) على نحوٍ معروف وكذلك ما ردده سنداك فيما بعد، لم تكن (ثومبسون) تؤمن بوجود ما يسمى الكتابة “للأطفال” ولهذا فهي لم تنظر مطلقًا إلى تلك السلسة البارزة من الكتب التي ألفتها على أنها “كتب للأطفال“.

وليس من قبيل المصادفة أن بطلة قصص (ثومبسون) المحبوبة تظهر في صورة وشم على جسد الممثلة والكاتبة الأمريكية (لينا دنهام) مثل العديد غيرها من الصور في الكتب الكلاسيكية المصورة، وتُعد (دنهام) في كثير من الجوانب هي (إلويس) هذا العصر الحديث على نحو تعمدته (دنهام)، فهي تقول دائمًا ما في رأسها من الأفكار التي تتميز بالرؤى الاستثنائية والذكاء العاطفي والضعف دون خوف، في الوقت الذي يحاول فيه جيل آخر من النساء والرجال السعي لفهم تلك النوعية من النساء وحبهّن للمخاطرة عبر شفا الهاوية ، وتحاول دنهام استكشاف جوهر تلك الهاوية: الحب والعمل والجنس والصداقة والجسد والعلاج وجميع تلك الوسطية الشائكة للحياة، إذ تستكشف ذلك بنفس القدر من الطرافة والدفء والحكمة في كتاب (لست ذلك النوع من الفتيات: شابة تتحدث عن “تجربتها”).

وفي إحدى الفقرات التي تعبر على وجه الخصوص عن أفكار (إلويس) الجديدة في مقدمة الكتاب، تتذكر (دنهام) شرائها نسخة مستعملة من كتاب المؤلفة (هيلين غورلي) براون لعام 1982 (لدي كل شيء)، وتجادل بأنه رغم أن نصيحة (غورلي) قابلة للنقاش فيجب أن نقول شيء ما، يجب أن نقول شيء ما، لمجرد ممارسة شجاعة التعبير عما في الرأس، وخاصةً عندما يتعلق الأمر بامرأة تعيش وسط ثقافة حيث ـــــرغم ما نتمتع به من نوايا حسنةــــ يكون العكس هو المتوقع فتكتب:

ليس أشجع بالنسبة لي من الشخص الذي يعلن أن قصته تستحق أن يسردها، وخاصةً إذا كان امرأةً، فرغم ذلك الجهد الذي عملنا به، وتلك المرحلة المتقدمة التي وصلنا إليها، لا تزال ثمة العديد والعديد من القوى التي تتآمر على النساء لإقناعهن بأن همومهن تافهة، وآرائهن لا حاجة لها، وقصصهن ينقصها الوقار اللازم لكي تكون ذي جدوى، وأن الكتابة الذاتية عند النساء لا تزيد عن كونها نوع من الممارسة الزائفة، وأنه يجب علينا تقدير هذا العالم الجديد للنساء ثم نجلس ونغلق أفواهنا.

وتستغل (دنهام) تلك النقطة لتضيفها إلى دوافعها لتأليف الكتاب:

أريد إحياء ما لدي من القصص، بل والأكثر من ذلك أنّي مضطرة لذلك حتى احتفظ باتزاني العقلي…ولو تمكنت من استخدام ما تعلمت في جعل مهمة واحدة حقيرة أكثر سهولة بالنسبة لي، أو منعكم من ممارسة ذلك النوع من الجنس الذي تشعرون فيه بأنه يجب عدم خلع الأحذية في حال أردتم الهروب أثناء الممارسة، عندئذٍ يكون كل خطأ ارتكبته يستحق العناء…فأنا لست خبيرة في العلاقات الجنسية، ولا طبيبة نفسية، ولا أخصائية غذائية، وأنا لست أمًا لثلاثة أطفال ولا أملك مصنع ملابس ناجح، ولكني فتاة أهتم بشدة بأن يكون لدي كل شيء، وفيما يلي رسائل مفعمة بالأمل من الخطوط الأمامية لهذا الصراع.

تكتب (دنهام) تلك الرسائل بنوع من الصدق المتلاشي داخليًا وخارجيًا معًا، ولا يتأتى ذلك للكثير منا، ودائمًا ما تقدم تلك الرسائل بنوعٍ من تداخل ثنائية النقص والكمال ، الذي تتميز بهما وكذلك ثقافتنا، فهي تبحث على سبيل المثال في ذلك الوباء المنتشر بشدة والمتمثل في إرضاء الآخرين، وهي تتناول تلك النقطة من زاوية نادرًا ما نتجرأ على التفكير فيها:

لا أشعر بالغيرة التقليدية، من الرفيق أو الرضيع أو الحساب البنكي، لكني أغبط أساليب الوجود عند غيري من النساء.

[…]

كنت أحسد السمات الذكورية إن لم يكن الرجال أنفسهم، إني أغار من تلك السهولة التي تميزهم في القيام بأدوارهم المهنية: عدم الاعتذار، وعدم بذل قصاري الجهد للتأكد من أن من حولهم ليسوا مستائين مما يحاولون القيام به؛ فأنا أرى أن الرجال غالبًا لا تكون لديهم غريزة إرضاء الآخرين، وهي تلك الغريزة التي أعتبرها اللعنة التي تصيب وجودي بوصفي أنثى، لقد شاهدت الرجال وهم يطلبون العشاء، ويطلبون النبيذ المروّع، والمزيد من الخبز بثقة لم أتمكن من إتقانها قط، وفكرت في نفسي وقلت: ياله من عملٍ فذٍ، لكني أرى كذلك أن كوني أنثى هو هدية لا مثيل لها، وسعادة مقدسة، على نحو شديد العمق حتى أنني لا يمكنني التعبير عنه، إنها مزية استثنائية أن يولد المرء في الجسم الذي يريده، وأن يعتنق جوهر الجنس الذي يمثله، حتى عندما يدرك ما يواجهه، بل وحتى أثناء محاولة إعادة تعريفه.

أعرف أني عندما سأعاني من سكرات الموت وأتذكر الماضي سأندم على المجادلة مع النساء، هؤلاء النساء اللائي حاولت إبهارهن وفهمهن وتعذبت بسببهن، هؤلاء النساء اللائي أريد رؤيتهن ثانيةً، أريد رؤيتهن وهن يبتسمن ويضحكن ويقلن: لقد جرت الأمور على ما يُرام.

لو لم أكن متحفظة بشدة من أستمرار استخدام كلمة “حساس” لوصف الكتابة النسائية، وإبعادها برقة عن عالم الكتابة الواقعية،لتحدثت عن تلك الحساسية التي لا مثيل لها التي تميز دنهام، فجميع أنحاء كتابها زاخرة بها، ولكن لعل أكثر المواضع التي تتضح فيها هذه الحساسية هو ذلك الفصل الذي تتذكر فيه اختها الصغيرة (غريس) وهي تعلن عن مثليتها الجنسية:

كنت في الثالثة والعشرين من العمر حينها،ومتطفلة بكل معنى الكلمة، أخذت بعض شرائح المكرونة ووضعتها في فمي، بينما (غريس) تتحدث عن ذلك الموعد الغرامي المروع مع صبي “مغفل” من إحدى المدارس في إحدى المناطق التي يقطنها الأثرياء.

تنهدت وقالت: “إنه طويل أكثر من الازم، ولطيف، ويحاول أكثر من الازم أن يكون فكهاً، لقد وضع منديل مائدة على يده وقال: “انظري! لدي غطاء لليد.” ثم أضافت “انه رسّام كارتوني، ويعاني من مرض السكري.”

قلت لها: “إنه رائع”، وبعد ذلك وقبل أن أفكر في الأمر قلت: “ما أنتِ؟ هل أنتِ مثلية؟

فقالت: “في الحقيقة، نعم”، قالتها وهي تضحك وقد احتفظت برباطة الجأش التي كانت تميزها منذ مولدها.

بدأت تخرج مني شهقة، ليس لأني لم أكن أريدها أن تكون مثلية…لا، كنت أصرخ لأني فهمت فجأة ضآلة ما أعرفه بالفعل: عما تعانيه من آلام، وعن أسرارها، وأوهامها التي كانت تدور في رأسها عندما تستلقي على سريرها ليلاً بذاتها الداخلية.

وفي فصل آخر تمارس (دنهام) تلك الموهبة اللافتة للنظر التي تتميز بها وهي استخدام الأفكار الثقافية الشائعة في هذا العصر ـــــ وهي مقالات القوائم في هذه الحالة ـــــ باستخفاف ولكن دون تحمل عبء السخرية إلى حدٍ ما، ذلك العبء الذي يعوق تحقيق الأهداف، وذلك من أجل توضيح أن الوسط لا يحدد طبيعة الرسالة ولكن الجوهر، ولا يجب ألا تكون المادة خالية من الفكاهة لكي تكون جادة، فتقول تحت عنوان “الأشياء السبعة عشر التي تعلمتها من والدي“:

  1. الموت آتي إلينا جميعاً.

  2. لا توجد أفكار سيئة ولكن أفعال سيئة فقط.

  3. “أيها الرجال، إحترسوا: النساء قادمات من أجل مداعبتكم.”

  4. الثقة ستجعلك تخلع كل شيء أثناء الجنس حتى الأحذية والجوارب.

  5. جميع الأطفال فنانون مدهشون، فالبالغون هم من يجب أن نقلق عليهم.

  6. إذا كنت في حفلة وكانت لا تعجبك، قل أنك ستذهب للاطمئنان على سيارتك ثم أخرج بسرعة، ولا تنظر في عين أحد.

  7. عواطف السكارى ليست حقيقية.

  8. يمكنك إعداد وجبة خفيفة رائعة بتحمير البطاطا الحلوة في فرن الميكروويف ثم تغطيتها بزيت بذور الكتان.

  9. لم يفت الأوان مطلقًا للتعلم.

  10. “سيارة الفولفو سيئة بما يكفي، لن أضع معطف على ذلك الكلب اللعين.”

  11. المد المرتفع يرفع جميع القوارب.

  12. من المريع أن يحصل من تكرههم على الأشياء التي تريدها.

  13. هل توقف الإبداع لديك؟ خذ إجازة من العمل لمشاهدة أحد أفلام الجريمة والغموض، فدائمًا ما يحلون لغز الجريمة، وهو ما سيحدث لك أنت أيضًا.

  14. لا يجب أن تكون لامعًا في حياتك لكي تكون لامعًا في عملك.

  15. ارتدي بذلة عند الذهاب إلى قسم المركبات لتسريع الأمور قليلاً.

  16. لا تطلق نكات عن إخفاء المخدرات أو الأسلحة أو العملة أمام ضباط الشرطة أو العاملين في إدارة أمن النقل والمواصلات الأمريكية، فالاحتجاز ليس مزحة.

  17. التأقلم هو الأهم.

وتخصص (دنهام) فصلاً كاملاً لأول درس من تلك الدروس التي تعلمتها من والدها، وهو علاقتنا المعقدة بالموت وكذلك قلق البشر على الدوام من الزوال:

أعتقد أن هناك قدراً كبيراً من حقيقية كوننا سنذهب جميعًا للموت، تأتيني تلك الفكرة في لحظات غير مناسبة على نحو لا يصدقه عقل، عندما أقف في أحد الحانات مثلاً و بعد أن تمكنت من إضحاك شاب جذاب للتّو،سأضحك أيضًا وربما أرقص قليلاً، ثم يسير كل شيء بالحركة البطيئة لثانية وأفكر: هل يدرك هؤلاء الناس أننا سنذهب إلى المكان ذاته في النهاية؟ وعندما أتمكن من المشاركة في المحادثة ثانيةً أقول لنفسي إن ذلك الإدراك الخاطف للموت أثرى تجربتي وذكرني بأن كل ما يجب عليّ حينها هو الانطلاق في الضحك وإمالة الشعر من جانب إلى آخر وقول الصراحة: . لماذا لا؟ ولكن في بعض الأحيان يظل ذلك الإحساس بداخلي ويذكرني بأني طفلة أشعر بأن الخوف يتملكني ولكن دون أن أمتلك الكلمات التي تهدئني، أظن أنه عندما يتعلق الأمر بالموت لا أحد فينا يملك الكلمات بالفعل.

أتمنى أن أكون واحدة من هؤلاء الشابات اللائي يبدو أن لا وعي لديهن على الإطلاق بأن أجسادهن الجذابة والجميلة معرضة للخطر (ربما يجب أن يكون لدى المرء جسد جذاب وجميل لكي يشعر بذلك). الخداع الجميل للنفس: أليس هذا هو جوهر الشباب؟ أن تظن أنك خالد حتى يأتي يوم تصير فيه في الستين تقريبًا وفجأة تُصدم: فترى ذلك الشبح الكئيب للموت فتراجع نفسك وقد تتبنى طفل محتاج، وتقرر أن تعيش باقي حياتك بأسلوب يمكنك الافتخار به.

لكني لست واحدة من هؤلاء الشابات، لقد انتابني هاجس الموت منذ ولادتي.

[…]

والحقيقة هي أنني كنت أدور حول موضوع الموت دون وعي لفترة من الوقت، لقد نشأت في حي سوهو في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين وأوائل التسعينيات من القرن ذاته، وكنت واعية لمرض الإيدز وعدد الوفيات بسبب ذلك المرض بين أوساط المبدعين، وكانت موضوعات مثل المرض، والفقدان، ومن يتولى الفن والعقارات وفواتير العلاج تسود جميع حفلات العشاء، وعندما مرض العديد من أصدقاء والداي تعلمت كيف أدرك نظرة المعاناة في الوجوه: خدود غائرة وبقع غريبة على الوجه وزيادة في الوزن، وكنت أعلم معنى ذلك: سوف يصبح ذلك الشخص مجرد ذكرى قريبًا، مجرد اسم على جائزة تُمنح للطلبة الزائرين، مجرد ذكرى بعيدة.


[المصدر]

 

 

كيركيغارد، في المصدر الأكبر لانعدام السعادة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

كتبت (آني ديلارد) متأملةً في لماذا يهم التواجد في اللحظة الحالية أكثر من الإنتاجية فيها “إن الطريقة التي نمضي بها أيامنا هي بالتأكيد الطريقة التي نقضي بها حياتنا”. كما يؤكد (هنري ميلر) في تأمله المذهل في فن الحياة قائلًا: “يعتمد فشل أو إثمار لحظةٍ ما على الكيفية التي يضع الشخص نفسه فيها.” ولكننا مازلنا نقضي حياتنا هروبًا من اللحظة الحالية، نشغل أنفسنا باستمرار في المبالغة في التخطيط للمستقبل أو في نوبات من القلق خوفًا من عدم استقراره، وهكذا نسلب من أنفسنا الحياة باستمرار.

استعرض المفكر الدنماركي المؤثر سورن كيركيغارد -والذي يعد أول فيلسوف وجودي فعلي، (1813-1843) في فصل من فصول مجموع أطروحاته الهامة 1843: (إما أو: نبذة عن الحياة)، استعرض بدقة كيف يمكن لهروبنا المتكرر من الواقع أن يكون المصدر الأكبر لتعاستنا. (كيركغارد) -البالغ من العمر ثلاثون عامًا حينها- بدأ في مراقبة الجدول الزمني لليوم وسط ثقافة “الانشغال كوسام شرف”:

من بين كل الأشياء التافهة، الأمر الأشد تفاهة بالنسبة لي أن تكون منشغلًا. أن يكون الرجل مستعجلًا فيما يتعلق بطعامه وعمله.

لابد أن نتذكر هنا أنّ “الانشغال هو قرار” نتخذه بشكل متكرر، ودائمًا ما نضر أنفسنا به.

في الفصل الأخير والذي بعنوان “الإنسان غير السعيد” عاد إلى الموضوع من خلال بُعد أعمق:

الشخص غير السعيد هو الشخص الذي لديه مثاليته الخاصة وجوهر لحياته تشبّع وعيه بهما، جوهر وجوده حيًّا وبطريقة ما خارج نفسه. الشخص غير السعيد هو غائب عن نفسه دائمًا، غير متواجد فيها. لكن بالطبع يمكن للشخص أن يكون غائبًا إما في الماضي أو المستقبل. وهذا يحدد بشكل كافي منطقة السعادة في الوعي.

يعتقد أن طريقة بناء اللغة تخلّد ملَينا للغياب:

الشخص غير السعيد غائب. لكن لا يمكن أن يكون الشخص غائبًا إلا عندما يعيش في الماضي أو المستقبل. أسلوب التعبير مهم -كدليل- فكما يعملنا علم اللغة التاريخي المقارن أن هنالك زمن يعبر عن التواجد في الماضي وزمن آخر يعبر عن التواجد في المستقبل، إلا أنه يعلمنا أيضًا أن هناك زمن الماضي التام والذي لا يمكن التواجد فيه، كما أن هناك المستقبل التام مثله في الصفات. تلك هي أمل الأشخاص وذكرياتهم. طالما هناك إما أمل فقط أو ذاكرة فقط، فإنها بالتأكيد بشكلٍ ما تجعل الأشخاص غير سعداء. ولو نظرنا للعكس سيكون الشخص السعيد هو الشخص الحاضر في اللحظة. على كل حال، لا يمكن قطعًا لشخصٍ ما أن يطلق على آخر أنه غير سعيد إذا كان هذا الشخص حاضرًا في آماله أو في ذاكرته. ما يجب علينا إدراكه هو أن هذا الشخص ما يزال متواجدًا بنفسه في إحدى هذه الحالات. مما يمكننا أن نرى في صدمة واحدة، هي أن تكون ثقيلةً جدًا لايمكنها أن يجعل شخصًا ما غير سعيد على الإطلاق. إحدى هذه الصدمات قد تجعل الشخص إما أن يفقد الأمل ويتخلى عن ذاكرته، أو أن يفقد ذكرياته ويتخلى عن أمله.

يكمل كيركيغارد مستعرضًا هذان المفتاحان لأشكال الهروب من الواقع، عبر الطموح أو عبر الذاكرة:

لننظر أولًا للأشخاص الذين يلجأون للأمل. عندما يكون شخص متعلق بالأمل (وبالتأكيد غير سعيد) غير متواجد في اللحظة يصبح غير سعيد بشكل أكثر حدة. بالنسبة للأشخاص الذين يأملون بحياة أبدية، بالطبع هم بشكلٍ ما غير سعداء للحد الذي يجعلهم يتخلون عن اللحظة الحالية. لكن مع ذلك، هم ليسوا غير سعداء تمامًا لأنهم حاضرون في ذواتهم عبر الأمل والذي لا يتعارض مع لحظةٍ ما محدودة. لكن عندما لا يصبح الشخص متواجدًا في الأمل، كونه قد فقده، ثم يعود للأمل مجددًا وهكذا، عندها يصبح الشخص غائبًا عن ذاته ليس فقط في اللحظة الحالية، بل حتى في المستقبل وهكذا يصبح لدينا نموذج الشخص غير السعيد. على أية حال، فإن الأشخاص أصحاب الأمل لا يأملون بأشياء غير واقعية بالنسبة لهم، بل هم يأملون بأشياء يعرفون بأنها لا يمكن استيعابها. عندما يفقد الشخص الأمل وبدلًا من أن يكون غارقًا في الذاكرة يصرّ على البقاء في الأمل في هذه الحالة يصبح لدينا هذا النوع.

وبالمثل يكون الأشخاص أصحاب الذاكرة. عندما يجد نفسه حاضرًا في الماضي، ليس بالضرورة أن يكون غير سعيد، لكن إذا لم يستطع فعل هذا الأمر وبقي غائبًا عن نفسه في الماضي عندها يصبح لدينا هذا النوع من عدم السعادة.

إن الذاكرة هي بدون شك هي العنصر الفعلي لعدم السعادة، كما ترى الطبيعة الماضي بأنه يعبر عمّا ولّى، والمستقبل ما سيأتي ولذا يمكن القول بأن المستقبل بشكلٍ ما أقرب للحاضر من الماضي. إن المستقبل بالنسبة للأشخاص أصحاب الأمل يعني أن تكون حاضرًا في أمور غالبًا سوف تصبح حقيقية، أو بإمكانها أن تكون حقيقية. أما الماضي فهو بالنسبة للأشخاص أصحاب التذكّر هو أن يكونوا حاضرين في تلك اللحظات التي قد حدثت لهم. لكن عندما يصبح لأصحاب الأمل مستقبل لا يحتوى على واقعهم أو أن يكون لأصحاب الذاكرة ماضٍ لا يوجد فيه واقعهم عندها سوف يصبح لدنيا أشخاص غير سعداء. الأشخاص غير السعداء هم الذين لا يرغبون بأن يكون لديهم ألم كما لدى أصحاب الذاكرة. أما أصحاب الأمل فهم الأشخاص الذين لديهم المزيد من الخيبات المُرضية لهم. لذا يكون دائمًا الشخص الأقل سعادة بين أصحاب الذاكرة التعساء.


[المصدر

الحب عند حنة أردنت وكيفية العيش بخوف متأصل من الخسارة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

“أحب لكن حذارِ مما ستحبه” كانت هذه النصيحة التي كتبها الفيلسوف الروماني الأفريقي القديس (أوغسطينوس) في السنوات الأخيرة من القرن الرابع. وإذا نظرنا للأمر بعمق فإننا ما نحب -نصبح هو بقدر ما يصبح هو نحن، فهو يستدعي عددًا من بواعثنا الواعية واللاواعية من شوقٍ ويأسٍ ورغبةٍ منقوشة فينا. ولكن يظل هناك تناقضٌ عميقٌ يشوب هذا النداء للتفكير بهذا المفهوم لكوننا نمارس الحذر والحيطة في الحب- لتحب يعني أن تعرف حدود اللاعقلانية التي تهوي وتنزلق حتى من بين يدي أصلب العقول وأعندها حين يمسك القلب بزمام الأمور بتلك اللامبالاة اللذيذة التي هي صفته.

كانت فكرة كيفية إتباع نصيحة (أوغسطينوس) لا بالخضوع بل بفهم أعمق لتجربتنا في الحب هو ما بحثت فيه (حنة أردنت) في عمله الأقل شهرة ولكن الأجمل (الحب والقديس أوغسطينوس)، وهي أول مخطوطة بحجم كتاب لـ(حنة أردنت) وآخر ما نُشر بالإنجليزية، والذي أنقذته العالمة السياسية (جوانّا فيكشيارلي سكوت) والفيلسوفة (جوديث شيلس ستارك) من أوراقها بعد وفاتها.

يتضح أنها و بعد نصف قرن من كتابتها لهذا العمل كأطروحة لدرجة الدكتوراة سنة 1929 -في الوقت الذي سيصبح فيه هذا العقل حواريّ المنطق والذي سيصبح أحد أعمق عقول القرن العشرين التحليلية والتي كان أثناءها تؤلف رسائلها المتقدة المتبادلة مع (مارتن هيدجر)- راجعت المخطوط و شرحته. وعلى النقيض من تخلي (أوغسطينوس) عن أفكاره الفلسفية شحذت (أردنت) جوهر فلسفتها وعلى رأسها القطيعة المقلقة التي رأتها بين الفلسفة والسياسة كما يتجلى ذلك في ظهور أيدولوجيات من قبيل الشمولية والتي بحثت فيها بجهود واضحة لا تخفى. وكانت استعارت من (أوغسطينوس) العبارة “ amor mundiأي حب العالم والتي ستصبح سمة مميزة لفلسفتها. يأسرها سؤال لِم نخضع للشر و نطبعه حددت (حنة) جذور الطغيان بأنها فعل تحويل البشر الآخرين لكائنات لا أهمية لها، ومرارًا وتكرارًا رجعت إلى ترياق (أوغسطينوس): الحب.

لكن بينما كان مفهوم حب الجوار القديم والذي كان ملهمًا لـ(لوثر كنج) محور اهتمام (حنة) الفلسفي الأساسي وسبب اهتمامها بـ(أوغسطينوس) فإن أهمية السياسية لا تنفصل عن النبع الأعمق الذي لا بنضب للحب: الحب الشخصي. فكل الحكمة السياسية والفلسفية التي استقتها من أفكاره كانت (اعترافات أوغسطينوس) فيها يحركها تجربته الشخصية في الحب- القوة الأبدية التي تحكم الشمس والقمر ونجوم حيواتنا الداخلية- والتي انعكست ودونت في بنيتنا الثقافية والإجتماعية.

واضعة نصب عينيها تصور (أوغسطينوس) عن الحب كـ “نوعٍ من الشهوة” (appetitus) وهي الكلمة اللاتينية التي اُشتقت منها كلمة شهية، وتأكيده على “أن الحب ما هو إلا اشتهاءٌ لشيء لذاته ورغبة به” اعتبرت حنة هذه الرغبة الموجهة بدافع حبًا:

“كل شهوة مرتبطة بكيان محدد، وهذا الكيان هو كل ما مطلوب لإثارة هذه الرغبة وبالتالي ابتكار هدفٍ لها. إن الشهوة تتحدد بإعطائها ما تسعى إليه بالضبط كحركة يحددها الهدف الذي تتحرك باتجاهه”. لذا فالحب كما كتب (أوغسطينوس) “شكلٌ من أشكال الحركة وكل حركة هي باتجاه شيءٍ ما”. أما ما يحدد حركة الرغبة فهو معروف دومًا مُسبقًا، فرغبتنا بشيء تهدف إلى عالمٍ نعرفه و لا تكتشف شيئًا جديدًا لا نعرفه. إن الشيء الذي نعرفه ونرغب به هو “جيد” وإلا لما كنّا نسعى إليه شوقًا، كل الأشياء الحسنة التي نرغب بها في حبنا الذي نسعى إليه هي كيانات مستقلة غير مرتبطة بكيانات أخرى، وكل كيان منها لا يمثل إلا حسنه هو المنفرد. أما السمة التي تميز هذا الشيء الحسن الذي نرغب به هي أننا لا نملكه. ومتى ما نلنا هذا المرغوب تنضب رغبتنا ما لم نكن مهددين بفقده، وحينها تتحول الرغبة التي كانت تعترينا إلى خوف من الفقد. كمسعى للحصول على ذلك الشيء الحسن تحديدًا لا الحصول على أشياء كثيرة عشوائيًا تكون الرغبة خليطًا بين “استهداف” و“الإشارة إلى”. إنها الإشارة إلى الفرد الذي يعرف خير العالم وشره ويسعى إلى العيش بسعادة، ذلك لأننا نعرف السعادة التي نريدها لنكون سعداء، ونظرًا لأنه لا شيء مؤكد وثابت كرغبتنا بأن نكون سعداء فإن مفهومنا للسعادة يرشدنا في تحديد الأشياء الحسنة المعنية التي ستصبح بعدها رغباتنا. الشهوة أو الحب هو إمكانية الظفر بامتلاك الإنسان للحسن الذي سيجعله سعيدًا، هو الظفر بحيازة ما هو على الأرجح يخصه.

لهذا السبب يبدو الحب الكريم غير المتملك -الحب الذي لا يُنقصه الفشل ببلوغ الحسين الذي يرغب به- كإنجاز لا يقدر عليه إلا إنسان خارق. (“إذا لم تكن العاطفة متساوية/ فلأكن أنا الأكثر حبًا” كان هذا ما كتبه صديقه الطيب لـ(حنة) وأشد معجبيها (ويستن هيو أودن) في قصيدته السامية الموجهة “انتصار قلب الإنسان الخارق” لكن الحب المبني على التملك تحذر (حنة) من تحوله إلى خوفٍ حتمي، الخوف من خسارة ما كسبت. بعد ألفي سنة من تقديم (إبكتيتوس) وصفته لعلاج القلب المكسور قبولٍ لفكرة أن كل الأشياء فانية وكذلك الحب الذي يجب التمسك به بأصابع الانفصال الطليقة كتبت (حنة) -التي لاحظت دين (أوغسطينوس) للفلسفة الرُّواقية- تقول:

طالما أننا نرغب بأشياء زائلة لزمن طويل نحن مهددون دومًا، ويماثل خوفنا هذا من الخسارة والفقد رغبتنا بالامتلاك. تنبع الأشياء الحسنة المؤقتة و تهلك منفصلةً عن ذلك المربوط بها برغبته. مقيدين دومًا بالرغبة والخوف من مستقبل تملؤه الشكوك نجرد كل لحظة من لحظات المستقبل من سكينتها وقيمتها الجوهرية تلك التي لا نقدر على الاستمتاع بها. وهكذا يدمر المستقبل الحاضر.  

أضافت (حنة) بعد نصف قرن من تحذير (تولستوي) بأن “الحب في المستقبل غير موجود لأن الحب فعل حاضر فقط“:

ليس الحاضر محددًا بالمستقبل على هذا الأساس.. ولكن بسبب أحداث معينة نتمناها أو نخاف المستقبل بسببها، والتي تبعًا لها نشتهي ونسعى، أو نتحاشى ونتجنب. تتمثل السعادة في التملك، في حيازة الحسن الذي يخصنا والاحتفاظ به، بل وحتى في الثقة بعد خسارته وفقده. لكن سعادة الامتلاك بالنسبة لـ(أوغسطينوس) لا يناقضها الحون ولكن الخوف من الفقد. إن مشكلة سعادة البشر أنها مثقلة دومًا، ليست المشكلة في انعدام الامتلاك بل سلامة الامتلاك واستمراريتها هي التي على المحك.

والموت طبعًا هو الخسارة العظمى – في الحب وكذلك في الحياة- و هو لذلك العنصر الأقوى في مستقبلنا الذي يحكمه الفزع. ورغم ذلك فإن الهرب من الحضور من بوابة القلق -الذي هو ربما الداء الأكثر عرضة للإصابة به- هو ذاته موت على قيد الحياة عن ذلك كتبت (حنة):

خوفًا من الموت يعيش هؤلاء حياة الخوف، حياة مآلها الموت.. المزاج الذي تُعرف فيه الحياة وتصور على أنها قلق، وحينها يصبح موضع الخوف خوفًا بذاته. وحتى لو علينا أن نفترض عدم وجود ما يتطلب خوفنا، وأن الموت ليس شريرًا، ستظل فكرة الخوف من أن كل الأشياء ستتلاشى وتفنى.

وبعيدًا عن هذه الخلفية السلبية تشكل (أردنت) وتمثل شكل هدف الحب الأسمة حسب (أوغسطينوس):

إن الجسارة والشجاعة هي ما سعى إليه الحب. فالحب كرغبة يحدده هدفه وغرضه، وهذا الهدف متحررٌ من الخوف.

وعن العاطفة توضح الآلية الجوهرية التي يخدع فيها الإحباط الرضى (المؤقت) في الحب الرومنسي تضيف:

الحب الذي يسعى إلى أي شيء آمن ومتاح على الأرض دومًا ما يكون حبًا محبطًا يتحول ويصبح هدفه وغرضه باطلًا، وحينها لا يعود أي شيء مرغوبًا سوى الحرية من الخوف. وشجاعة كهذه لا توجد إلا في السكينة التامة التي لا تعود أحداث المستقبل قادرة على زعزعتها.

إذا كان الحاضر – طارد التوقعات- شرطًا أساسيًا لتجربة حب حقيقة، فإن الزمن هو العنصر الأساسي الهيكلي للحب. بعد قرابة نصف قرن وبعد ما أصبحت أول امرأة تتحدث في محاضرات (جيفورد) الشهيرة في الذكرى الخامسة والثمانين للسلسلة، ستجعل أردنت هذا المفهوم عن الزمن كانطلاقة للأنا المفكرة محورًا لمحاضرتها الهامة حياة العقل. والآن وبالاقتباس من كتابات (أوغسطينوس) تأخذ بعين الاعتبار مفارقة الحب خارج حدود الزمن للمخلوقات الزائلة مثلنا:

حتى لو كان يفترض بالأشياء ألا تزول فإن حياة الإنسان ليست كذلك. نحنُ نخسرها يوميًا. فبعيشنا تمرنا السنون وتبلينا نحو العدم. ويبدو أن الحاضر هو الحقيقي فقط بالنسبة “لأشياء مضت وأشياء لن تأتي“، ولكن كيف يمكن للحاضر -الذي لا أقدر على قياسه- أن يكون حقيقيًا وهو لا يملك أي “حيزًا”؟ إن الحياة دومًا هي إما لا مزيد أو ليس بعد، وكالزمن تنبع الحياة من “ما ليس بعد مارةً بما لا يملك حيزًا ومختفية في ما عاد موجودًا“. هل يمكن قول أن الحياة موجودة أصلًا؟ تظل حقيقة أن الإنسان يقيس الزمن، ربما يتملك “الحيز” حيث يمكن حفظ الزمن كفاية لقياسه وليس هذا “الحيز” والذي يحمله الإنسان معه متخطيًا الحياة والزمن؟

يوجد الزمن بقدر ما يُمكن قياسه والمعيار الذي نقيسه به هو الحيز.

بالنسبة لـ(أوغسطينوس) كما لاحظت الذاكرة هي الحيز الذي يُقاس فيه الزمن ويخبأ:

الذاكرة هي مستودع الزمن، هي حضور “لا أكثر من ذلك” كاستثناء لحضور “ليس بعد”. لذلك لا أقيس لا أكثر من ذلك، ولكني بعض الأحيان أفعل ذلك في ذاكرتي التي يظل ثابتًا فيها. لا يوجد الزمن أبدًا إلا باستدعاء الماضي والمستقبل إلى حاضر التذكر والتوقع. و من ثم فالزمن الصحيح الوحيد هو الحاضر، الآن.

أحد أهم الثيمات التي بحثت فيها خلال الاكتشاف هو سؤال الزوال هذا حتى لأكثر تجاربنا خصوبةً. كتبت (مارجريت فولِّر) -إحدى كتابي المفضلين- مرةً: “اتحاد طبيعتين معًا لزمنٍ أمر عظيم“. هل علينا أن نيأس أو نبتهج بخصوص حقيقة أن حتى أعظم حب يوجد فقط “لزمن”؟ إن ميزان الزمن مرن، ينكمش ويتمدد بعمق و جسامة كل حب، لكن له دومًا نهاية وحدود كالكتب، كالحيوات، كالكون نفسه. إن نصر انتصار الحب هو في الشجاعة والنزاهة التي نُسكن فيها التجربة الفائقة الزائلة التي تجمع شخصين لمدة من الزمن قبل أن تحررهم بنسبة متساوية من الشجاعة والنزاهة. غلب تعجب فولِّر من رؤية لوحات كورديجو لأول مرة على الجمال الذي عرفته قبلًا، الجمال الذي يشع حقيقة ضخمة عن قلب الإنسان: “يا روح الحب الحلوة! عليّ أن أقلق منك أيضًا لكنها كانت جميلة ذاك اليوم“.

حددت (أردنت) مكان هذه الحقيقية الجوهرية عن القلب في كتابات (أوغسطينوس). فبعد قرن من تأكيد (كيركغورد) أن “أن اللحظة على الأرجح ليست ذرة من الزمن ولكنها ذرة من الخلود” لاحظت:

الآن هو ما يقيس الزمن جيئةً وذهابًا؛لأن الآن بالمعنى الدقيق لكلمة ليس الزمن ولكنه خارج الزمان. في الآن يتقابل الماضي والحاضر، لأجل لحظة عابرة هما متزامنين ليحفظا في الذاكرة التي تتذكر الأشياء الماضية وتحمل توقعات ما سيأتي مستقبلًا. لأجل لحظة عابرة (الآن الزائل) كأنما يبقى الزمن ثابتًا، و الآن هو ما أصبح نموذج (أوغسطينوس) للأبدية.

و(أوغسطينوس) نفسه رصد هذا الزوال المهم:

من سيمسك القلب و يعالجه ليبقى ثابتًا لبرهة ويلتقط للحظة روعة الأبدية التي تبقى ثابتة للأبد، ويقارنها باللحظات العابرة الزائلة التي لا تثبت ولا تبقى، ويرى أنها لا تُقارن.. لكن و لأن كل هذا في الأبدية لا شيء يمضي ولا يمر لكن الحاضر هو الكامل.

اتجهت (أردنت) إلى قلب المفارقة:

ما يمنع الإنسان من “العيش” في الحاضر الأزلي هو الحياة نفسها والتي لا “تثبت” إطلاقًا. الشيء الحسن الذي يشتهيه الحب ويرغب به موجود بعيدًا عن كل الرغبات المجردة. فإذا كان محض سؤالٍ وبحثٍ عن الرغبة فإن كل الرغبات ستنتهي بالخوف. ولأن أي شيء يواجه الحياة من الخارج كيكان لما يرغب به هو ما يُسعى إليه لأجل الحياة (الحياة التي سنفقدها) فإن الكيان والشيء الأقصى الذي نرغب به هو الحياة ذاتها. الحياة هي الشيء الحسن الذي علينا أن نسعى إليه وتحديدًا الحياة الحقيقية.

ثم تعود إلى الرغبة التي تأخذنا في الوقت نفسه خارج الحياة و تغرقنا فيها:

تتوسط الرغبة بين الموضوع والهدف وتبيد المسافة بينهما بتحويل الموضوع إلى حبيب والهدف إلى محب. وبالنسبة للحبيب فهو لا ينفصل أبدًا عن ما يحبه، هو ينتمي له.. لكون الإنسان كائن غير مكتفٍ بذاته ولذلك دومًا ما يرغب بشيء خارج نفسه، وسؤال من هو يمكن إجابته فقط بالحصول على ما يرغب به وليس بكبت دوافع الرغبة نفسها -كما تعتقد الفلسفة الرُّواقية -: “كل أحد هو ما يحب” كما كتب (أوغسطينوس) بدقيق العبارة: من لا يحب ولا يرغب هو لا أحد إطلاقًا.

هذا الشخص لا يمكن تحديد جوهره؛ لأنه دومًا يرغب بالانتماء لشيء خارج نفسه ويتغير تبعًا لذلك… وإذا ما أمكن قول أن له طبيعة واحدة جوهرية فهي انعدام اكتفائه الذاتي. وبالتالي فهو منقاد للهرب من عزلته بوسائل الحب لبلوغ السعادة، التي هي نقيض الوحدة والعزلة، وما هو مطلوب أكثر من الانتماء المحض. لا تحقق السعادة إلا عندما يصبح المحبوب عنصرًا أصيلًا دائمًا في وجود الواحد الذاتي.


[المصدر]


		

بيسوا في كتابته عن العزلة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا عن “العزلة” تحت عنوان “عزلتي”، يقول فيه مستفتحًا:

لأنني أعرف كيف تمتلك الأشياء الأشد صغرًا فن تعذيبي بسهولة، لذلك أتفادى ملامسة أصغر الأشياء. من يتألم مثلي لمرور غيمة أمام الشمس، كيف لا يكون عليه أن يتألم لعتمة النهار المغطى على الدوام بغيمة حياته هو؟

عزلتي ليست بحثًا عن سعادةٍ لا أمتلك روحًا لتحقيقها؛ ولا عن طمأنينة لا يمتلكها أحد إلا عندما لا يفقدها أبدًا، وإنما عن حلم، عن انطفاء، عن تنازل صغير.

يستكمل (بيسوا) حديثه بعد ذلك قائلًا:

الجدران الأربعة لغرفتي هي بالنسبة إليّ، في آن واحد، زنزانة ومسافة، سرير وتابوت. ساعاتي الأكثر سعادة هي تلك التي لا أفكر فيها في شيء، ولا أرغب في شيء، ولا أحلم بالرغبة في شيء، ضائعًا في سبات / ملتبس / من طحلب محض ينمو في سطح الحياة. أستمتع بلا مرارة، بالوعي الباطل بكوني لا شيء، بالطعم المسبق للموت والاختناق.

في مديح الرتابة، يكتب بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا عن “الرتابة” تحت عنوان “ملوك الواقع، ملوك الحلم”، يقول فيه مستفتحًا:

ما يدهشني أكثر من غيره ليس هو البلادة التي يحيا بها أغلب الناس حياتهم ؛ وإنما الذكاء الموجود في تلك البلادة.

إن رتابة الحيوات العامية تبدو مرعبة، في الظاهر.

يشرح فكرته بعد ذلك، قائلًا: 

الحكيم هو من يضفي الرتابة على الوجود، بحيث يكتسب، حينئذ، كل حادثٍ مهما صغُر شأنه ميزة الأعجوبة. بعد الأسد الثالث تفقد مغامرة صيد الأسود كل إثارتها.

[…] بإمكان كل شخص، إذا كان ممتلكًا للحكمة الحقيقية أن يستمتع بالمشهد الكامل للعالم، من خلال كرسي، بدون معرفة بالقراءة، بدون حاجة إلى الحديث مع أي كان، فقط بواسطة الاستخدام السليم للحواس وبروح لا تعرف كيف تكون حزينة.

يسهب (بيسوا) في موضع آخر، فيقول:

إضافة الرتابة على الوجود، لكي لا يكون رتيبًا. تَتْفيه اليومي، كيما يغدو أقل الأشياء أهمية مجلبة لأكبر التسليات.

وسط عملي اليومي، الشاحب، الرتيب واللامجدي. تباغتني رؤى هروبية. آثار حلمية لجزرٍ قصية، احتفالات في حدائق حقب أخرى، مشاهد طبيعيو أخرى، أحاسيس أخرى، أنا آخر. غير أني اكتشفت، بين مقعدين، أن لو كان ذلك كله لي، لن يكون أي شيء منه من نصيبي.

يختتم بعد ذلك (بيسوا) حديثه:

الرتابة، تماثل الأيام الخالية من أي بريق، انعدام الفارق بين اليوم والأمس، هو ما بقي لي على الدوام، مع الروح المتيقظة لأجل الاستمتاع بالذبابة التي تسليني، عندما تمزق مصادفة أمام عيني، بالقهقهة القادمة متقلبة من شارع غير محدد. بإحساس التحرر الفسيح لكون الساعة ساعة إقفال المكتب، بالاستراحة اللانهائية ليوم عيد.

بإمكاني أن أتخيل الكل، كل شيء، لأنني لا شيء، لو كنت شيئًا لما كان بإمكاني أن أتخيل. مساعد محاسب بإمكانه أن يحلم بنفسه إمبراطورًا رومانيًا؛ ملك إنجليترا محرم عليه أن يكون، في الأحلام، ملكًا آخر مختلفًا عن الملك الذي هو إياه. الواقع لا يترك له مجالًا للإحساس.

إلف شفق تتساءل: ما الذي يعنيه حقًا أن تكون سويًا؟

 

أَلِفْ شَفَقْ (مواليد 1971) هي روائية تركية تكتب باللغتين التركية والإنجليزية، وقد ترجمت أعمالها إلى ما يزيد على ثلاثين لغة. اشتهرت بتأليفها رواية (قواعد العشق الأربعون) سنة 2010.

في كتابها (حليب أسود)، والذي ترجمه إلى العربية الأستاذ (أحمد العلي)، تتساءل (إلف) عمّا يجعل المرء سويًا، سواءً كان ذكرًا أو أنثى. فتبدأ (إلف) باقتباسها من المغنية (كورتني لوف)، إذ قالت:

قالت مرة المغنية (كورتني لوف): “في الجزء الأكبر من حياتي اليومية، أحب أن أتصرف بشكل سويّ، بطريقة مُثلى، حتى لو كنت منهكة ومستنفذة بالرؤى المريضة للعنف والإرهاب والجنس والموت“.

تعقب بعد ذلك (إلف) قائلة:

نحن بخير طالما أننا نتظاهر بذلك، طالما أننا ندعيه من الخارج.

لكن مالذي يعنيه حقًا أن تكون سويًا؟ ما هي بالضبط المرأة السوية؟ ما الصفات النسائية التي تعتبر طبيعية؟ وما هي الصفات الأخرى التي تصنف على أنها ثقافية؟ هل مقدّر على الفتيات، جينيًا، أن يكُنّ أموميات وراعيات وعاطفيات؟ أم أن عوائلهن ومجتمعاتهن من يُشكّلنهن على هذا النحو؟ أم أنه أمر آخر، تكون فيه الصفات الطبيعية والثقافية متضافرة بشدة على الحدّ الذي يصعب معه البت في أي تقسيم لتلك الصفات المشكِّلة للمرأة؟

تقول (إلف) مجيبة عن تساؤلاتها:

تأتي الصفات دومًا على شكل زوج. هناك الصفة وهناك عكسها، هناك الصفة وما يقابلها. لكل جميل في العالم، هناك بالتأكيد مقابل قبيح، ربما، في التحضير للطوفان الكبير، استقلت الصفات سفينة نوح زوجًا زوجًا، كما فعلت الحيوانات تمامًا. لهذا نميل على الدوام للتفكير في المصطلحات بشكل ثنائي. إن كان هناك تعريف ثابت لما تم التعارف عليه على أنه “النسوية المثالية“، فشكرًا لذلك التعريف الذي ترسخ على أنه تعريف “الرجولة المثالية“. كلا التعريفين، وما يترتب عليها من توقعات، مروّعان بشكل أو بآخر لكلا الطرفين، للرجال والنساء على حد سواء.

ننتقل بعد ذلك مع (إلف) إلى موضع آخر، فتقول فيه:

حلال قرون طويلة على وجه المعمورة، كان المتوقع من الفتيات والنساء أن يلتزمن بقائمة صفات ثابتة، بينما يُقاس الفتيان والرجال بقائمة أخرى. وإذا جمع أي أحد صفات من كلا القائمتين مهما كان الزمان الذي يعيش فيه أو المكان، فإن حياته ستتعقد بشكل رهيب. لذلك يُقال، إلى يومنا هذا، عن المرأة التي توصم بالحزم، إنها “رجولية“، وستواجه متاريس صلبة من ردود الفعل الخشنة، تمامًا كما سيحدث للرجل الذي يوصم بأنه “أنوثي“. وكلما كان المجتمع محافظًا، يكون من النادر فيه أن تتقاطع القائمتان وأن تلتقي الصفات في أحد من أفراده. ما أشرس الحياة! ومع ذلك يبقى تحديد العلاقة بين الجنسين وتعريفها أمرًا محصورًا في المجتمعات التقليدية. وعلى الرغم من تغيرها المستمر، أعني تلك المجتمعات، فإن المشكلة تبقى كونية ومنتشرة. فمنذ الأساطير القديمة وحتى كتب المصوّرات الحديثة، من الحكايات الشعبية إلى الإعلانات التجارية، وهذه الثنائية في التفكير تتشعّب يومًا آخر في كل جوانب حياتنا.

الرجل / المرأة

عضلي/ رقيق

خشن / خجول

حاضر / غائب

ثقافة / طبيعة

النهار / الليل

منطقي / عاطفي

العقل / الجسد

لمسي / حسية

عمودي / أفقي

السفر / الاستقرار

متعدد العلاقات / وحيد العلاقة

أفعال / أقوال

متجرد / ذاتي

تمجيدي / رثائي

وبشكل مستغرب، بما فيه الكفاية، اعتادت النساء أيضًا على التفكير في أنفسهن وفقًا لتلك الصفات المحددة. إن العلاقات التي ينشئها بعضنا بالآخر، وأحاديث النفس التي نجريها في دواخلنا، والطريقة التي نربي وفقها بناتنا، مثقلة بظلال تلك الانشطارات بين الصور المثلى للجنسين.

تختتم (إلف) تساؤلاتها، قائلة:

عندما يبدو كل شيء مثقلًا بالميراث الثقافي، كيف لي أن أعرف إذا ما كان ما أشعر به وأفكر فيه طبيعيًا؟ ومن قال أنه ليس إملاء مفروضًا عليّ من الوسط الذي أعيش فيه؟

الفيلسوف (جاكوب نيدلمن): أنا لست أنا.

يوجد دائمًا ما هو أكثر من حقيقتين متعارضتين، فالحقيقة الكاملة تتضمن دائمًا عنصرًا ثالثًا، ألا وهو التوافق.

“هذا هو الجوهر الكامل للحياة: من أنت؟ ما أنت؟” هذا ما أكد عليه الكاتب الروسي (ليو تولستوي) في مذكرات شبابه..كما تقول الشاعرة الأمريكية (سيلفيا بلاث) متعجبةً عندما كانت في سن الثامنة عشر من عمرها: “أنا: يا له من حرف راسخ، ويال تلك الطمأنينة التي نشعر بها من هذه الخطوط الثلاث: خطُ أفقي يدل على الفخر وتأكيد الذات، ثم خطين قصيرين أفقيين في تتابع سريع وأنيق”، في مذكراتها الخاصة بعد قرن من (تولستوي) متأملةً الإرادة الحرة وما يجعلنا ما نحن عليه. إن هذه الخطوط الثلاثة الأنيقة تشق قلب خبرتنا بوصفنا آدميين، لكن عندما نبدأ في تفكيكها لا نرى ذلك القلب، لا نرى جوهر الحياة؛ فمما صُنعنا إذًا؟ وما الذي يجعلنا ما نحن عليه؟

في كتاب (أنا لست أنا) يستأنف الفيلسوف الأمريكي (جاكوب نيدلمن) من حيث توقف (تولستوي) و(بلاث)، ليجنّد المزيد من أكثر العقول البشرية يقظةً، بدايةً من الفيلسوف الألماني (نيتشه) والفيلسوف الدانمركي (كيركيغارد) حتى الفيلسوف الأمريكي (ويليام جيمز) والكاتب الياباني (د. ت. سوزوكي) للبحث عن تهدئة ـــــ إن لم تكن إجابة ـــــ لتلك الأسئلة الوجودية الأكثر إقلاقًا، وانطلاقًا من تلك الأسئلة ذاتها سنجد عرضًا يقدم الكثير من الأمل، إنه نوع من السر المقدس الدنيوي الذي يضيئ ما يكمن في قلب أكثر التجارب عمقاً التي يمكن أن نمر بها حيث: الفرح، والحب، والأمل، والتساؤل، والدهشة، والسمو.

يقول نيدلمن:

من بين الأسئلة العظيمة التي يطرحها القلب البشري، لا يوجد سؤال أكثر محورية من السؤال التالي: من أنا؟ ومن بين الإجابات العظيمة التي تقدمها الروح البشرية لا يوجد ما هو أكثر محورية من خبرة “أنا أكون”، بل إنه في إطار الحياة البشرية التي نعيشها بكل ما في الكلمة من معاني ـــــ حياة بشرية طبيعية مفعمة بالبحث عن الحقيقة ـــــ نجد أن هذا السؤال وهذه الإجابة يوازيان بعضهما البعض في النهاية، ويقتربان أكثر فأكثر حتى يصبح السؤال هو الإجابة والإجابة هي السؤال.

لقد صادف (نيدلمن) هذا السؤال للمرة الأولى عندما كان في الحادية عشرة من عمره، ويرجع الفضل في ذلك إلى صبيٍ في الحي الذي كان يعيش فيه يدعى (إلياس بارخورديان) الذي أصبح أعز صديق له في طفولته، وأكثر رفقائه الذين لا يمّلون ولا يكّلون من الاستقصاء الفكري، فكانا يجلسان معًا بعد المدرسة لساعات طوال يتناقشان في علم الفلك والروحانيات بنفس القدر من الدقة والصراحة والفضول، إلا أن موت إلياس مبكرًا وكذلك حياته القصيرة كان السبب في دفع الألغاز الوجودية لدى (نيدلمن) إلى مستويات جديدة من الفهم، فنجده يكتب بعد مرور أكثر من نصف قرن:

توفي (إلياس) بسبب سرطان الدم الذي لم يكن له علاج في ذلك الوقت، مات قبل عيد ميلاده الرابع عشر بقليل، وخلال الأشهر التي تلت بداية مرضه كنت أقابله في غرفة الموسيقى الهادئة في الجانب الخلفي من المنزل، وكانت تلك الغرفة تواجه حديقة يتم الاعتناء بها بدقة وتمتلئ بضوء الشمس، ومع تطور المرض لديه وزيادته ضعفًا تعمق إحساسي بعقله، فكان يتحدث صراحة عما ينتظره، وكان نادمًا فقط على أنه لن يعيش طويلاً بما يكفي لفهم كل الأشياء التي كان يرغب في فهمها عن الكون. ولكن بطريقة ما وبلا شك بسبب الظهور المتكرر فينا للحضور الواعي المشترك، جلب لي موته في النهاية في الأعوام التي تلت ذلك،المزيد من الأمل وليس الألم، إنه ذلك الأمل الذي ينشأ من “صوت” الوعي المقدس الحقيقي الذي يخاطبنا من داخل أنفسنا.

فأدركت الآن أني كنت أحاول طوال الوقت توصيل هذا النوع من الأمل لنفسي ولتلامذتي وللقراء، و في الوقت ذاته في وجه تلك الآمال الخادعة، والتشاؤم الحتمي الذي يميز عصرنا على نحوٍ غير مسبوق.

ولاستقصاء تلك الأسئلة قام (نيدلمن) بتنظيم الكتاب في أسلوب حوارات (سقراط) الكلاسيكي، لكنه استخدم شكلاً حديثًا ومفعمًا بالحياة باستخدام حيلة تخيلية فقام بعمل محادثة بين ذاته في الطفولة (جيري) وذاته الحالية البالغة من العمر ثمانين عامًا (جاكوب)، وأتذكر هنا الملاحظة الساخرة التي لا تنسى للكاتبة الأمريكية (جوان ديديون)، إذ تقول: “من الحكمة عدم قطع الصلة مع ذواتنا الماضية سواء كنا نجدها تستحق الصحبة أم لا”، وهي نصيحة يصعب تطبيقها في كثير من الأحيان، حيث أننا نجفل من سوء الطبع والحماقة والعجرفة التي كانت تميز ذواتنا السابقة، ولكن نيدلمن تمكن من ذلك بامتياز كبير ودفء وسخاء روحي تجاه ذلك الصبي غير الصبور،وغير المكتمل الذي كانه.

ففي إحدى المحادثات يعبر (جاكوب) لـ(جيري) عن المقدمة المنطقية الرئيسية للكتاب ذاته:

إن الصراع من أجل البقاء، من أجل عدم الاختفاء في هذه اللحظة، هو جوهر الصراع من أجل البقاء في كل لحظة، فيجب أن نساعد بعضنا بعضًا في هذا الصراع، أنت بالسؤال وأنا بالجِد في محاولة الإجابة، فهذا هو قانون الحب الذي يحكم الكون.

وفي محادثة أخرى تذكرنا بالحجة الرائعة التي قدمها الكاتب الأمريكي (ألفريد كازن) لصالح احتضان التناقض، يحذر (جاكوب) (جيري):

تحمَّل التناقض، فإذا تحملته ستجد أنه يوجد دائمًا ما هو أكثر من مجرد حقيقتين متعارضتين، فالحقيقة الكاملة تتضمن دائمًا عنصرًا ثالثًا، ألا وهو التوافق.

يرى (نيدلمن) أن الاستعداد للتوافق مع التناقض هو بداية المعرفة الحقيقية للذات وأكثر أنواع الصدق عمقًا، ويقول (جاكوب) لـ(جيري) مرددًا ما أكد عليه الكاتب الفرنسي (أندريه جيد) من أن الإخلاص هو أكثر المآثر صعوبة:

هذه هي بداية الإخلاص.

 لأنك تصارع، سيبدأ سؤالك بالتعمق…إنه ما ستكتشفه دائمًا للمرة الأولى ـــــ جديد باستمرار ــــ في تلك اللحظة العابرة من الدهشة، وقبل أن تسيطر عليها الطموحات الشخصية، سوف تكتشف أنت وأكتشف أنا في تلك اللحظة الحاجة لخدمة تلك الطاقة البشرية والمقدسة أيضًا على نحوٍ فريد، و التي ستبدأ بوصفها إدراكًا خالصًا لوجود الشخص ذاته، وحتى عندما تبدأ تلك الفكرة ــــــــ تلك الفكرة المبدئية ــــ عما هو بشري، تلك الفكرة عن ما هو الإنسان، التي ستبدأ في الظهور، تلك اللحظة العابرة للإدراك الخالص لوجودي الذي يظهر الآن في صورة فكرة عظيمة، تلك اللحظة المواجهة لفكرتي الحيّة، فكرة الصحوة، التي ستكشف لمحة لذلك التوق البشري للخدمة على نحو فريد، ستظهر الحاجة، الحاجة لطاعة تلك الطاقة، الحاجة لرعايتها، والتغذي عليها، لتستقبل تلك المساعدة، التي تأتي في تلك اللحظة ،وعندها فقط ، أي عندما تلتزم موضوعيًا بإعطاء تلك الطاقة عبر الفعل والفهم والظهور، انها ببساطة تلك الطاقة الخاصة بالوجود الواعي، التي تمنحك أيها الكائن البشري قوتك الحقيقية، إنها الطاقة التي تمثل مجمل إدراك الشخص لوجوده، إذ يمكن أن تصبح أقوى أنواع الطاقة في الحياة البشرية

وفي محادثة أخرى يوجه (جاكوب) (جيري) باتجاه فكرة أن الاعتراف بوهم الإرادة الحرة يحررنا ولا يأخذ منا حرياتنا. متأملاً مصدر الحرية الحقيقية بالإشارة إلى مدى استحالة فهم الحرية دون فهم التأثيرات فينا، كقوانين الكون، وطبيعة الواقع:

سل نفسك عن مدى فهمك للتأثيرات فينا، القوانين الكونية في الطبيعة؟ ما هي أفكارك حيالها؟ وتعاليم الدين، فكرة الإيمان، وطاعة الأسمى، والمسئولية تجاه الأخرين وتجاه النفس، وأوهام النوم والأحلام وإيحاءاتهما، فكرة مكانة الإنسان في الحياة، فكرة التنفس، ومكاننا على كوكبنا، والمطالبة بالأخلاق، وطبيعة الغرائز الحيوانية والبديهية داخلنا وحولنا، ووظيفة الألم والمتعة ومعناهما، وفكرة الوعي والضمير وتجربتهما، والتغذية الخفيّة من الهواء الذي نتنفسه،والطعام الذي نتناوله، الاحتياجات والرغبات الحقيقية، والمصطنعة للجسم، التأثيرات القوية للرموز، وقوى الجنس الكونية والحميمة، حتمية الموت، ووهم الزمن وحقيقته.

[…]

فعند المضي على هذا النحو ،محتفظاً بالتوجه الأساسي للصدق مع النفس وما تكتشفه، ستصاب بالإحباط ليس فقط من قناعاتك ولكن كذلك من بنية عقلك ذاتها، وستدرك أن ما تحتاجه ليس معتقدات جديدة، ولا معلومات جديدة، ولا نظريات جديدة، ولكن عقل جديد تمامًا.

فبوابة الحرية الحقيقية كما يقول (نيدلمن) هي انحلال اليقين:

إن الأفكار الواقعية تفتح العقل على القلب، على قلب العقل، على مستوى آخر من الواقع داخل أنفسنا…وهذا هو مذاق الحرية الداخلية وبدايتها، إن الحمقى فقط هم من يعتقدون أن الحرية تعني الحصول على كل ما يشتهيه المرء، إن الحرية الحقيقية تبدأ بطاعة تأثير أسمى، طاقة أسمى وأنقى داخل أنفسنا.

[…]

ما هو الأسمى في ذاتك؟ تلك الطريقة في التفكير في السؤال، ستكون بداية الإجابة، لأنها تتضمن فكرة واقعية لدى البشرية على مدى آلاف السنين…وفي تلك المرحلة ستجد أنت نفسك الإجابة، ليس بوصفها فكرة،ولكن تجربة.

وللحظة سوف تتحول أنت إلى الإجابة! ولن تشعر فقط بمذاق الحرية الحقيقة، بل ستتحول للحظة إلى الحرية.


[المصدر]

الجمل والأسد والطفل .. التحولات الثلاثة للعقل، كما يذكرها نيتشه في تشبيهه عن رحلة الوعي

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. وباحث في اللاتينية واليونانية. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. وكان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا. بلغة ألمانية بارعة.

يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء. وللاستزادة في مقالات نيتشه، هنا (أسئلة نيتشه للضمير)، (تساؤل نيتشه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي)، (عن القراءة والكتابة في ديوان نيتشه)، (الفن والجمال عند نيتشه). وفي كتابه الشهير (هكذا تكلم زرادشت)، والذي نقله إلى العربية الأستاذ (علي مصباح)، تحدث نيتشه عن ثلاثة تحولات للعقل، في أحد خطب شخصيته الأشهر (زرادشت). فيقول مستفتحًا حديثه:

أذكر لكم ثلاث تحولات للعقل: كيف يتحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية.

فيبدأ حديثه عن التحول إلى الجمل فيقول:

أثقال كثيرة هناك بالنسبة للعقل القوي المكابد، العقل الممتلئ احترامًا؛ إلى الثقيل والأكثر ثقلًا ترنو قوته.

ما الثقيل؟ هكذا يسأل العقل المكابد، وهكذا يجثو على ركبتيه مثل الجمل ويطلب حملًا جيدًا.

ما هو الأكثر ثقلًا أيها الأبطال؟ يسأل العقل المكابد، كي أحمله وأغبط لقوتي.

أليس هذا ما يعني أن يحط الواحد من نفسه كي يكسر شوكة غروره؟ وأن يدع حمقه يشع كي يسخر من حكمته؟

أم ترى: أن نتخلى عن قضيتنا في اللحظة التي نحتفل فيها بانتصارها؟ أن نتسلق جبالًا شاهقة من أجل أن نجرب المجرَّب؟

أم هو هذا: أن نتغذى من عروق وأعشاب المعرفة، ونجعل الروح تكابد الجوع من أجل الحقيقة؟

أم هو هذا: أن تكون مريضًا تصد المواسين وتعقد صداقة مع الصم الذين لن يسمعوا أبدًا ما الذي تريده؟

أم هو هذا: أن يلج الواحد المياه القذرةإن كانت تلك ماء الحقيقة، وأن لا يدفع عنه الضفادع الباردة والعلاجيم السامة؟

أم هو هذا: أن تحب أولئك الذين يحتقروننا، وأن نمد يدنا إلى الشبح عندما يريد أن يرعبنا؟

بكل هذه الأثقال يأخذ العقل المكابد على عاتقه، وكما الجمل الذي يسعى حثيثًا بأثقاله عبر الصحراء، كذلك يسعى هو حثيثًا في صحرائه.

ينتقل بعد ذلك (نيتشه) من وصف “العقل المكابد”، أو ما شبهه بالجمل، إلى التحول التالي للعقل، فيقول:

لكن في الصحراء الأكثر خلاء ووحدة يحدث التحول الثاني: أسدًا يستحيل العقل، يريد انتزاع الحرية، وسيدًا يريد أن يكون في صحرائه الخاصة. هنا يبحث عن آخر أسياده: عدوًا يريد أن يصير لآخر أسياده ولآخر آلهته، ومن أجل النصر يريد الاشتباك مع أعظم تنين.

ما هو هذا التنين الأكبر الذي لم يعد يرغب فيه العقل سيدًا وإلهًا؟

“ينبغي عليك” يُدعى التنين الأكبر. لكن عقل الأسد يقول: “أريد”.

“ينبغي عليك” تسد عليه الطريق ملتمعة ببريق الذهب؛ حيوان حرشفي، وفوق كل حرشفة تلتمع مقولة “ينبغي عليك” ببريق ذهبي.

قيم آلاف السنين تلتمع فوق تلك الحراشف، وهكذا يتكلم التنين الأشد قوة: “قيمة الأشياء بكليتها تلتمع فوق جسدي”.

كل القيم التي قد تم خلقها، وكل القيم التي تم خلقها هي: أنا. حقًا، لم يعد هناك من مكان لأي “أريد”! هكذا يتكلم التنين.

لكن ما ضرورة الأسد للعقل يا إخوتي؟ ما الذي ينقص دابة الحمل والمكابدة المتبتلة والمفعمة احترامًا؟

خلق قيم جديدة، ذلك ما لا يقدر عليه الأسد بعد ؛ أما اكتساب الحرية من أجل إبداع جديد، فلذلك ما تقدر عليه قوة الأسد.

اكتساب الحرية وإعلان الـ”لا” المقدسة تجاه الواجب أيضًا، ذلك هو ما يحتاج إليه الأسد.

اكتساب حرية ابتداع قيم جديدة، إنه الكسب الأكثر فظاظة بالنسبة لعقل مكابد ومفعم بالاحترام. لكنه في الحقيقة مجرد صيد وعمل حيوان مفترس.

في ما مضى كان العقل يحب “ينبغي عليك” ويجلها كأرقى مقدساته؛ أما الآن فلا بد أنه واجدٌ جنونًا واستبدادًا في أكبر المقدسات أيضًا، كي ينزع إلى افتكاك حريته من حبه هذا؛ إنه بحاجة إلى الأسد من أجل هذه الغنيمة المنتزعة.

فالعقل المكابد كما يقول (نيتشه) هو العقل الذي يحمل المعلومات والأفكار. أما ما يحتاجه الأسد فهو الحرية للإبداع، ضد جميع الموروثات وواجبات الإنسان. ينتقل بعد ذلك (نيتشه) إلى التحول الأخير من العقل، فيقول:

لكن قولوا لي يا إخوتي، ما الذي يقدر عليه الطفل مما لا يقدر عليه حتى الأسد؟ ولمَ ينبغي على الأسد المفترس أن يتحول أيضًا إلى طفل؟

براءةٌ هو الطفل ونسيان. بدء جديد، لعب، دولاب يدفع نفسه بنفسه، حركة أولى، “نعم” مقدسة.

أجل، إن لعبة الابتكار يا إخوتي تتطلب “نعم” مقدسة: إرادته الخاصة، يريد العقل الآن؛ والذي يكون غريبًا في العالم يكسب عالمه الخاص.

فالمرحلة الأخيرة للعقل هي “العقل المريد”، ذلك الذي يزيح “التنين” والمقدسات الموروثة عن معادلته، في سبيل أن يصنع طريقه الخاصة، بعيدًا عن الخصام مع ما يختاره العالم والمجتمع.

ثلاث تحولات للعقل ذكرت لكم: كيف تحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية.

هكذا تكلم (زرادشت). وكان آنذاك مقيمًا في المدينة التي تدعى “البقرة المرقطة”.

كولن ويلسون يتساءل: كم عدد الكتب التي ينبغي امتلاكها؟

كولن هنري ويلسون 1931-2013 كاتب إنجليزي ولد في مدينة ليستر في إنجلترا. من أشهر كتبه روايتي (اللامنتمي) و(ما بعد اللامنتمي).

في كتاب (حلم غاية ما) وهو الكتاب الثاني لسيرة المؤلف الحياتية، والذي نقلته إلى العربية الأستاذة لطفية الدليمي، أدرجت المترجمة مقالًا في بداية الكتاب بعنوان “كم عدد الكتب التي ينبغي امتلاكها؟”، والذي نُشر في كتابه الكتب في حياتي. يقول (كولن) في افتتاحية مقالته:

في عام ١٩٥٠م، وبدفع من نصيحة مكتبيّ يعمل في لوس أنجلوس، انطلق (هنري ميلّر) في إعداد قائمة بمائة كتاب من الكتب التي عدّها الأكثر تأثيرًا في حياته، وكما يحصل في العادة اشتطّ (ميلّر) كثيرًا واندفع بعيدًا عن مخططه الأولي، وكتب مجلدًا بثلاثمائة صفحة عنوانه الكتب في حياتي.

سجّل (ميلّر) ملاحظة في مقدمة كتابه هذا يقول فيها أن كتابه سيتطور إلى مجلدات عديدة في خضم السنوات القليلة اللاحقة، ولكن الحقيقة أن المجلد ظلّ يُطبع بحجمه الأصلي ولم تحصل أي إضافات عليه كما لم تظهر أي مجلدات لاحقة تُكمل ما ابتدأه (ميلّر) في عمله الأصلي، وأرى أن بإمكاني أنا ذاتي بعمل قائمة لأكثر الكتب تأثيرًا في حياتي كنت توقعت في البدء أن تكون في حدود العشرين كتابًا وعزمت أن أرفق مع كل كتاب مقالة وافية لا تتجاوز دزينة من الصفحات، وبعدما انطلقت في وضع قائمة أولية بالكتب المطلوبة رأيت نفسي أدوّن خمسين عنوانًا من الكتب دفعة واحدة، وبدون أن أتوقف ولو لبرهة قصيرة، وتبينت أن بالإمكان بكل بساطة أن أضيف خمسين عنوانًا آخر من غير كثير جهد أو إعمال نظر طويل وكان هذا يعني أن كتابي الموعود عن حياتي مع الكتب سيكون مجلدًا بألف ومائتي صفحة في أقل تقدير، ولك أن تعلم بعد كل هذا كم كان ينبغي أن أمارس من جهد وانضباط لكي أقلل عدد العناوين بغية جعل الكتاب في حجم مقبول وقابل للتداول السهل.

يتابع بعد ذلك متحدثًا عن شغفه بالكتب، فيقول:

لطالما كنت طوال حياتي شخصًا مهووسًا بالكتب وهو الأمر الذي يجيب عن سبب امتلاكي لرفوف كثيرة للكتب في بيتي تحتوي على ما بين عشرين إلى ثلاثين ألف كتاب، ويمكن لك أن تتصور الحال إذا عرفت أن كل غرفة في بيتي تحتوي رفوفًا متخمة بالكتب – غرف النوم ليست مستثناة من هذا الوصف – حتى بات من المستحيل من الناحية الواقعية إيجاد فسحة لإضافة أية كتب جديدة، يوجد بضعة آلاف من الأسطوانات والشرائط الفديوية وهي كلها صارت تمثل مشكلة تخزينية جدية بالنسبة لي

ومن الطبيعي للغاية أن الزائرين يسألوني في كل مرة يرون فيها هذه الأرفف من الكتب “(كولن) هل قرأت هذه الكتب كلها؟”، ويتوجب عليّ أن أوضح الأمر كل مرة: العديد من هذه الكتب تخدمني كمراجع أعود إليها عند الحاجة طالما أن المكتبة العامة بعيدة عن منزلي ولا أستطيع الوصول إليها متى كنت في حاجة للنظر إلى أحد الكتب المرجعية، وأن البعض الآخر من الكتب اقتنيته على أمل قراءته لاحقًا عند تيسّر الوقت، مثل مجموعة كتب السير والتر سكوت التي لم أقرأها لليوم، ولكن إذا كان يتوجب عليّ قول الحقيقة فإنني قرأت فعلًا معظم تلك الكتب وهذا يعني بالضرورة أنني لو أردت الحديث عن الكتب الأكثر تأثيرًا في حياتي لتوجب عليّ فعلًا المضي في كتابة بضع مجلدات عنها، وليس أقل من ذلك أبدًا.

ينتقل (كولن) في موضع آخر إلى الكتب التي يفضلها، فيقول:

قد يتساءل البعض: أي نوع من الكتب كنت أحب اقتناؤه؟ أقول: كنت أقتني كل الكتب التي تتناول الموضوعات الممتعة لي، وكمثال على هذه الموضوعات: الجريمة، وأذكر أنني قرأت كتابًا عن الجريمة عنوانه (الجرائم الخمسون الأكثر إثارة للدهشة في المائة عام المنصرمة) وأحببت كتب الشعر واقتنيت المئات منها بدءًا من أعمال شوسر مرورًا بـ ملتون وحتى تي. إس. إليوت. اقتنيت آلاف الكتب في الموسيقى، والفلسفة، والسيرة، والتاريخ، والنقد الأدبي، والعلوم، وحتى الرياضيات، وبالطبع في الرواية أيضًا، وكانت لديّ مجاميع كاملة لكل أعمال كتابي المفضلين: ديستويفسكي، تيلستوي، برنارد شو، جي. إج. ويلز، ولا زالت لديّ بعض من المجموعات التي تنتظر القراءة مثل أعمال كارلايل وراسكين.

منذ أن كنت طفلًا أحببت كثيرًا شراء الكتب المستعملة وهكذا وجدت نفسي في منزلي الجديد الملآن كتبًا كمن حقق أحلامه باقتناء ما يحب من الكتب التي لطالما حلم بقراءتها، وقد اقتنيت الكتب بلا هوادة كمن يطلب الخلود لأجل أن يتوفر له الوقت الكافي لقراءة كل هذه الكتب، كما اقتنيت الكثير من الأسطوانات الموسيقية والغنائية ابتداءً من كلاسيكيات بيتهوفن وحتى آخر إصدارات الجاز، وعندما بلغت منتصف الأربعينات من عمري أدركت أنني لست بقادر على قراءة كل تلك الآلاف من الكتب أو سماع تلك الأعداد الهائلة من الأسطوانات وحسبت أنني لو أدمنت سماع الأسطوانات التي لديّ بمعدل عشر ساعات يوميًا فسأحتاج ما لا يقل عن عشر سنوات لسماعها كلها! ولا زلت حتى اليوم عندما أسمع تقريضًا حسنًا لسمفونية بيتهوفن التاسعة مثلًا أو لعمل شتراوس المسمى Rosenkavalier. لا أستطيع مقاومة الرغبة الجامحة في إضافة هذا الإطراء إلى مجموعتي من الأسطوانات وأحسب أن هذه الشهوة الجامحة والمنفلتة تجاه الكتب والأسطوانات هي شكل مخفف من أشكال الجنون في أقل تقدير.

هذا ما حصل في نهاية الأمر إذن: أن أرى نفسي ساكنًا في منزل يعج بالكتب والأسطوانات الموسيقية في كل الأمكنة ؛ في المطبخ وغرف النوم ومدخل البيت حتى بات يحلو لزوجتي أن تسمي هذه الأكوام “مصيدة الشمس”! وبلغ بي الأمر حد أنني لم أعد أقرأ أية مراجعات حديثة للكتب خشية أن لا أكون قادرًا على مقاومة الإغراء العنيف في إضافة المزيد من الكتب إلى منزلنا المتخم بالآلاف منها.