خلاصات هذا القسم

الأرشيف | مواضيع عامة، ونصوص مهمة

سركون بولص، وحديثه عن التحولات الثلاث في فكر نيتشه

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر عراقي، قدّم العديد من الدواوين الشعرية، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء، مثل (تيد هيوز). 

في كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة)، تطرّق (بولص) إلى “التحولات الثلاث” التي ذكرها الفيلسوف (فريدريك نيتشه) في كتابه الأشهر (هكذا تكلم زرادشت)، وقام بشرحها بشكل لطيف، ضمن مقالة حملت عنوان “ملاحظات على الشعر والتحولات الثلاث”. يقول (بولص):

“هناك مثال يصف علاقة المبدع بالعالم في “التحولات الثلاثة”، وهي أول خطبة يفتتح بها (نيتشه) كتابه (هكذا تكلم زرادشت)، يقول فيها كيف ينبغي للروح أن تصير جَملًا في المرة الأولى، ثم يصبح أسدًا، وفي النهاية يتحول الأسد إلى طفل.”

[سركون بولص] – الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة

يبدأ (بولص) في شرح الحالة الأولى، وهي حالة الجَمل، فيقول:

“ويرمز الجمل إلى مهمة القيام بحمل أعباء العالم والمعيشة فيه، بينما يقتات على الشوك والعاقول ليشبع جوعه إلى الحقيقة. إن مشيئة الإنسان الخلّاق، يقول (نيتشه)، ترضخ لضرورة التعلم من الظواهر والوقائع والأشياء بأن تصير جزءًا من مسار العالم، وأن تتفاعل مع قضايا العالم الحديّة، هذه هي الخطوة الأولى.”

[…]

ومن ثم، يبدأ في شرح الحالة الثانية، وهي حالة الأسد، قائلًا:

“لكن الروح، بعد ذلك، تحتاج إلى الاستئساد في صراعها مع العالم لكي تنحر تنين القيم الخارجية، […] بهذا الفعل تتخذ الروح كينونة قادرة على الحرية والخلق من جديد. هذه هي المرحلة التي ينبذ فيها الشاعر جميع الآراء السابقة ليجد منابعه ومراجعه الخاصة.”

[…]

وأخيرًا تكون حالة الطفل، هي ختام التحولات الثلاث. فيقول (بولص):

“وأخيرًا على الأسد أن يصبح طفلًا، لأن الروح الجديدة لن تدخل إلى العالم سوى عن طريق الطفل الذي يملك البراءة والقدرة العفوية على النسيان. وهذه هي لحظة الخلق الأصيل؛ يستدير الشاعر بكامل وجوده إلى لحظة كتابة بعقل البدايات، حرًا من جميع الدوافع الأخرى، ما عدا رغبته في أن يقول ما يريد، كما ينبغي أن يُقال.”

[…]

يعقب على ذلك (بولص)، فيقول عن الفنانين عمومًا، مخصصًا حديثه عن الشعراء منهم:

الشعر بلا رؤيا، لا يمكن أن يحمل أية قيمة جوهرية من حيث كونه شعرًا، وليس لعبة ذهنية أو لفظية. وبالرؤيا، لا أعني هنا شطحة الخيال المغمضة العينين […] ذلك أن رؤيا الشاعر ليست واسطة، ليست جسرًا إلى مدى آخر، بل هدف بحدّ ذاته من حيث أنها تجسيد للعالم بوجهيه، الظاهر والكامن.”

[…]

وربما يصدق على ذلك قوله، في أحد اللقاءات الصحفية، والتي نُشرت في مجلة (السفير) عام 2000م، إذ قال:

طبيعي أن الشاعر الحقيقي يعيش الشعر دائمًا في كل لحظة في حياته.

[…]

فرجينيا وولف : لماذا نقرأ؟ وماهي أوجه الشبه بين أعظم الأعمال الأدبية؟

تترابط عقولنا، نحن البشر، ببعضها البعض. فكل عقل متقد اليوم، يحاكي عقولاً عظيمة كانت موجودة فيما مضى، أمثال (أفلاطون) و(يوربيديس) إذ يمثل تطوراً واستمرارية للشيء ذاته. إنه ذلك الفكر المشترك الذي يربط العالم بأسره .فالعالم، في جوهره، ليس سوى فكر.

لقد أدرجت (باتي سميث) ضمن قائمة المعايير التي وضعتها لتصنيف الروائع الأدبية، قدرة هذه الأعمال على سحر قارئها إلى الحد الذي يشعره بضرورة إعادة قراءتها مرة أخرى. في حين اعتبرت (سوزان سونتاغ) أن عملية إعادة القراءة، تلك، هي بمثابة ولادة جديدة للنص. وأظنني أُوافقهما  الرأي في ذلك، عن طيب خاطر، لأنني أواظب على قراءة رواية (الأمير الصغير) مرة في كل عام. إذ أجدها تبوح لي، في كل قراءة، بمعان جديدة، ومرممات وجودية لكل ما يمكن أن يعكر صفو حياتي في تلك اللحظة.

قد نلجأ، نحن القراء، إلى إعادة قراءة بعض الأعمال المحببة إلينا، لأننا ندرك عدم استمرارية التجارب الإنسانية، بالإضافة إلى آنية تلاقي الحالات والظروف التي تكوّن الذات البشرية في  أية لحظة من الزمن. ناهيك عن إدراكنا لتطور شخصياتنا في العام المقبل، إذا ما قورنت بها في العام الفائت، لتغدو أكثر نضجاً في مواجهة كافة التحديات، و الآمال، والأولويات. حيث تصبح ذاتاً جديدة، مختلفة كلياً عنها فيما مضى.

كانت (فرجينيا وولف) في الحادية و العشرين من عمرها حين سجلت هذا الاعتراف، بصفاء ذهني لا يضاهى، وألق لغوي فريد. ففي صيف عام 1903، انزوت (وولف) بعيداً عن صخب مدينة لندن، لتذهب في إجازة قضتها بين رحابة، وخضرة الريف  الإنكليزي، لتستمتع بعزلتها، وتقرأ ما يحلو لها.

ربما بلغت قراءتي خلال هذه الأسابيع الثمانية في الريف، ما يفوق ما أقرؤه في ستة أشهر أثناء وجودي في لندن.

في غضون تلك الرحلة الاستجمامية مزدوجة الفائدة، والتي حققت فيها مكسب القراءة والتأمل، وصلت (وولف) إلى اكتشاف السبب الحقيقي الذي يجعلنا نقرأ، بالإضافة إلى ما يمكن للكتب أن تقدمه للروح الإنسانية، وكيف لها أن تمهد لما أسمته (إيريس مردوك): “فرصة للتجرد من الأنانية”، وكيف يمكن للكتب أن تؤدي براعتها المذهلة في كونها تنشأ عن ذهن شخص معين، لتتمكن من الوصول، بهذه الحميمية، إلى آلاف، أو ربما ملايين الأشخاص عبر الزمان والمكان، في عملية تداخل بين مختلف المشاعر، ضمن تجربة تشاركية واسعة.

في الأول من يوليو، كتبت (وولف) في مذكراتها ما يلي:

إضافة إلى الكتابة، فإنني أقرأ الكثير. بيد أن الكتب هي أكثر الأشياء التي أستمتع بها.

في بعض الأحيان، أشعر بأجزاء من دماغي تتسع و تكبر أكثر فاكثر، و كأنها تنبض بدم متجدد، بشكل أسرع من ذي قبل. وليس هنالك شعور أكثر لذة من هذا الشعور. أما حين أقرأ التاريخ، فكل شيء يصبح ,على حين غرة، نابضاً بالحياة. متفرعاً جيئة و ذهاباً، مرتبطاً بكل أشكال الأشياء التي كانت بعيدة في الماضي. وكأنني أشعر، على سبيل المثال، بتأثير (نابليون) على أمسيتنا الهادئة في الحديقة. لأرى كيف ترتبط عقولنا ببعضها البعض، وكيف يمكن لأي عقل متقد أن يحمل التركيبة ذاتها التي كونت عقل (أفلاطون) أو (يوربيديس) إنها عملية تتمة وتطوير لذات الشيء. هو ذلك الفكر المشترك الذي يربط العالم بأسره، فالعالم، في جوهره، ليس سوى فكر.

في وقت لاحق من حياتها، كتبت (وولف) في وصفها الرائع لإدراك معنى أن تكون مبدعاً، ما يلي:

ثمة مثال يكمن خلف كل حالة ضبابية. هذا العالم عبارة عن عمل إبداعي. لا وجود لـ(شكسبير) فنحن الكلمات في أعماله، أو (بيتهوفن) فنحن الألحان في موسيقاه، ولا لإله، فنحن الشيء بعينه.

بعد بلوغها الحادية والعشرين من العمر، تمكنت (فرجينيا) من إدراك آنية هذه اللمحات الجزئية للحقيقة، وكيف يمكن لهذا الشعور بالانتماء الداخلي، أو ذاك الشعور بالكينونة، أن ينزلق من بين أيدينا. تكمل (وولف) تدوين ذات المذكرات التي كتبتها في عام 1903 بلفتة رشيقة من إدراكها أن “العالم بأسره ليس سوى فكر” إلى ذاك الهروب المألوف للمعنى، حينما  تجتاحنا تلك الحالة الضبابية لتحيلنا غرباء، مرة أخرى:

ثم أقرأ قصيدة تقول “ذات الشيء يتكرر”. لأشعر أنني تمكنت من القبض على المعنى الجوهري للعالم، و كأن كل هؤلاء الشعراء والمؤرخين والفلاسفة يتبعون طرقاً تتفرع عن ذاك المركز، حيث أقف. ليعتريني بعض الاضطراب بعدها، فيؤول كل شيء للخطأ من جديد.

وبعد أكثر من عقد من الزمن، كررت (وولف) وجهة النظر ذاتها، في واحدة من مقالاتها الاستثنائية التي كتبتها في غضون عملها كناقدة في الملحق الأدبي لصحيفة التايمز البريطانية، والتي تم جمعها، مؤخراً , في كتاب  تحت عنوان (نبوغ و حبر؛ مقالات  للكاتبة (فرجينيا وولف) حول كيفية القراءة) هذا الكتاب الذي كنت سأدرجه، بكل شغف، ضمن قائمة كتبي المفضلة لهذا العالم، لو كنت من أولئك الذين يفضلون إعادة قراءة الروائع الأدبية المحببة إلى قلوبهم.

كما هو حال الشاعرة البولندية الحائزة على جائزة نوبل للأدب (فيسوانا شيمبورسكا) التي اتسم نقدها التأملي بكونه يوظف الكتب كنقطة انطلاق لتأملات سامية حول الفن والحياة، أكثر من كونها نماذج للمراجعة أو النقد، تعامل (وولف) كل كتاب تقوم بمراجعته كحجرة سقطت من جيب معطفها في نهر الحياة [*]. حيث تقوم برصد الصيغة الأساسية للعمل، ومن ثم تراقب حلقات الإدراك التي تتنامى وتترقرق في نهر الوعي . في أولى مقالاتها من تلك السلسلة التي تناولت فيها روايات الكاتبة (تشارلوت برونتي)، تبنت (وولف) وجهة نظر عميقة حول نشأة الروائع الأدبية، والذي نعاود الرجوع إليه مراراً، وتكراراً :

ثمة ميزة تتشارك بامتلاكها كافة الأعمال الأدبية الحقيقية. ففي كل قراءة لها، يلاحظ القارئ تغييرات طفيفة. كما لو أن نسغ الحياة يجري في أوراقها. أو أنها تمتلك، كما هو حال السماء و النباتات، القدرة على تغيير شكلها ولونها بين فصل و آخر. إن تدوين انطباع القارئ حول مسرحية (هاملت) بعد قراءتها في كل عام، من شأنه أن يصبح أشبه بسيرة افتراضية لكاتبها. فكلما ازدادت معرفتنا للحياة، كان لدى (شكسبير) تعقيباُ على ما عرفناه.


[المصدر]

[*] يقصد بها الإشارة إلى حادثة انتحار (فرجينيا وولف)، حيث ملأت جيوب معطفها بالحجارة وألقت بنفسها في نهر أوز.

برتراند راسل يشرح نشأة الحركة الليبرالية الغربية

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في سلسلة كتبه (تاريخ الفلسفة الغربية)، والمكوّنة من ثلاث أجزاء، آخرها هو (الفلسفة الحديثة) من ترجمة الأستاذ (محمود الشنيطي)، والذي تحدّث (راسل) عن الحراك الليبرالي، فيقول مستفتحًا:

إن نشأة الليبرالية في السياسة وفي الفلسفة، تزودنا بخامة لدراسة مسألة غاية في العموم والأهمية، وأعني بها: ماذا كان تأثير الملابسات السياسية والاجتماعية في أفكار المفكرين والمبدعين؟ وبالعكس، ماذا كان تأثير هؤلاء الرجال في التطورات السياسية والاجتماعية التالية لهم؟ 

وثمة غلطتان متعارضتان، شائعتان كلتاهما، ينبغي أن نأخذ حذرنا قبلهما. فمن جانب الرجال -الذين هم أكثر إلفًا للكتب منهم إلى الأعمال- خليقون أن يبغالوا في تقدير تأثير الفلاسفة. حين يرون حزبًا سياسيًا ما يعلن أنه قد أُلهم بتعاليم هذا المفكر أو ذاك، فإنهم يظنون أن أفعاله يمكن أن تنسب إلى هذا المفكر أو ذاك، بينما، وليس هذا قليل الحدوث، يهلّل الفيلسوف فقط لأنه يحبذ ما يميل إلى فعله الحزب في أي حالة. وكتّاب الكتب حتى إلى عهد قريب، يكادون كلهم أن يبغالوا في تأثيرات أسلافهم من أهل صناعتهم. ولكن على العكس من هذا. ثمة غلطة جديدة نشأت كرد ضد الغلطة القديمة، وتتمثل هذه الغلطة الجديدة في اعتبار أصحاب النظريات كنتاجات سلبية إلى حد ما، لظروفهم، ولا يكاد يكون لهم نفوذ بالمرة على مجرى الأحداث، فالأفكار -تبعًا لهذه النظرة- هي الزبد على سطح تيارات عميقة، تحددها علل مادية وتقنية: فالتغيرات الاجتماعية لا تنجم عن الفكر، كما أن تدفق النهر لا ينجم عن فقاعات الزبد التي تكشف اتجاه التدفق للناظر. ومن جانبي، فأنا أعتقد أن الحقيقة تقع بين هذين الطرفين. فبين الأفكار والحياة العملية، كما هو الشأن في كل مكان، ثمة تفاعل متبادل. والتساؤل عمّا هو علّة وعمّا هو معلول تساؤل غير ذي جدوى شأنه شأن مشكلة الدجاجة والبيضة. وسوف لا أضيع الوقت في مناقشة هذه المسألة في التجريد، وإنما سأنظر نظرة تاريخية في حالة واحدة مهمة من حالات المسألة العامة، أعني بها تطور الليبرالية وفروعها منذ نهاية القرن السابع عشر إلى أيامنا.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن بداية الفكر الليبرالي، فيقول:

كانت الليبرالية المبكرة نتاجًا لإنجلترا وهولندا. وكانت لها خصائص معيّنة تتميز بها تميّزًا جيدًا. وكانت تقف مناضلة من أجل التسامح الديني، وكانت ليبرالية بروتستانتية، ولكن من النوع المتحرر أكثر منها من النوع المتعصب، وكانت تعتبر حروب الدين حروبًا سخيفة. وكانت تقدّر التجارة والصناعة، وتحبذ نشأة طبقة وسطى بدلًا من تحبيذها للملكية والأرستقراطية، وكانت تكنّ احترامًا كبيرًا لحقوق الملكية، وبخاصة إذا كانت هذه الملكية قد جمعت بكدّ مالك فرد، ومع أن مبدأ الوراثة لم يكن مرفوضًا إلا أنه كان مقيدًا في دائرة أشد إحكامًا من التي كان فيها من قبل. وقد رفض بوجه عام الحق الإلهي للملوك في صالح الرأي القائل بأن لكل جماعة حقًا أوليًا على أي حال في اختيار شكل حكومتها. وقد كان ميل الليبرالية المبكرة متجهًا ضمنًا نحو ديموقراطية تلطّفها حقوق الملكية. وكان ثمة اعتقاد -ليس صريحًا تمامًا في البدية- بأن كل الناس يولدون متساوين، وأن انعدام المساواة بينهم الذي يعقب ذلك ينتج عن الظروف. وقد أفضى هذا إلى تأكيد عظيم على أهمية التربية كمقابلة للخصائص الفطرية. وكان ثمة تحامل على الحكومة، لأن الحكومات كانت تقريبًا في كل مكان في أيدي الملوك أو الأرستقراطيين الذي كان يندر أن يفهموا حاجات التجار أو يحترموها. بيد أن هذا التحامل قد كبح جماحة الأمل بأن فهمًا واحترامًا ضروريين قد يكتسبان قبل مضي زمن طويل.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن النمط العام للحركات الليبرالية منذ القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر، فيقول في موضع آخر:

[…] وهذا النمط بسيط في البداية، ولكنه يغدو بالتدريج أكثر فأكثر تعقيدًا. والطابع المميز للحركة كلها هو، بمعنى واسع بعض السعة، النزعة الفردية. بيد أن هذا مصطلح مبهم حتى يعرف تعريفًا أوضح. ففلاسفة اليونان منذ (أرسطو)، لم يكونوا فرديين بالمعنى الذي أبغي أن أستخدم فيه الكلمة. فقد نظروا إلى الإنسان كعضو بصفة جوهرية في جماعة.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

[…] وأول نقض مهم لهذا النسق أقدمت عليه البروتستانيتة، التي جزمت بأن المجالس العامة قد تخطئ، فتحديد الحقيقة لم يعد على ذلك مهمة اجتماعية بل مهمة فردية. وما دام أفراد مختلفون وصلوا إلى نتائج مختلفة، فالنتيجة نزاع، ولم تعد القرارات تلتمس عند جمعيات الأساقفة، بل في ساحة المعركة، وما دام لم يكن في وسع أحد الفريقين أن يمحو الآخر، فقد غدا واضحًا، في النهاية، أن من الواجب إيجاد طريقة للتوفيق بين النزعة الفردية العقلية والأخلاقية وبين الحياة الاجتماعية المنتظمة. وقد كانت هذه إحدى المشكلات الرئيسية التي حاولت الليبرالية المبكرة أن تحلّها.

وفي غضون ذلك نفذت الليبرالية إلى الفلسفة. فقد جعل يقين (ديكارت) الأساسي: “أنا أفكر، وإذًا أنا موجود”، أساس المعدفة مختلفة عند كل شخص، ما دامت نقطة البداية عند كل شخص هي وجوده الخاص، لا وجود الأفراد الآخرين أو الجماعة. ويتجه تأكيده على التعويل على الوضوح والتميز الاتجاه نفسه، ما دمنا نظن أننا بالاستبطان نكتشف ما إذا كانت أفكارنا واضحة ومتميزة. ومعظم الفلسفة منذ (ديكارت) كان لها فكريًا هذا الجانب الفردي بدرجة أكبر أو أقل.

بعد الحديث عن مفهوم الفردية في الفلسفة الليبرالية، ينتقل (راسل) إلى نقطة أخرى، فيقول:

لقد كانت الليبرالية المبكرة فردية في الأمور العقلية، وكذلك في الاقتصاد، ولكنها لم تكن تفرض ذاتها في الجانب الانفعالي أو الأخلاقي. هذا الشكل من الليبرالية ساد إنجلترا في القرن الثامن عشر، وسيطر على مؤسسي الدستور الأمريكي، وعلى الموسوعيين الفرنسيين. […] وكان أعظم نجاح لها في أمريكا، حيث ظلّت، دون أن يعوقها الإقطاع ولا دولة الكنيسة، سائدة من سنة 1776 حتى أيامنا، أو على أي حال، حتى سنة 1933.

ينتقل بعد ذلك إلى ذكر عدد من الفلسفات الفرعية لليبرالية، فيقول:

وثمة حركة جديدة تطورت تدريجيًا في ما هو نقيض الليبرالية، تبدأ مع (روسو) وتكتسب قوة من الحركة الرومانسية ومن مبدأ القومية. وفي هذه الحركة امتدّت الفوضوية للبيرالية وجوها صريحة وواضحة، ونموج هذه الفلسفة، عبادة البطل كما طورها (كارلايل) و(نيتشه). وقد اجتمعت فيها عناصر متعددة. فكان هناك كره النزعة الصناعية الأولى، ومقت القبح الذي ينشأ عنها، والاشمئزاز من شرورها. وكان ثمة حنين للعصور الوسطى التي أحيطت بهالة مثالية بسبب مقت العالم الحديث. وكانت هناك محاولة للجمع بين الإشادة بامتيازات الكنيسة والأرستقراطية الخابية، وبين الدفاع عن الإجراء ضد استبداد أصحاب المصانع. وكان ثمة تأييد متحمس لحق الثورة باسم النزعة القومية، ولروعة الحروب دفاعًا عن “الحرية”. وكان (بايرون) شاعر هذه الحركة، وكان (فيتشه) و(كارلاليل) و(نيتشه) فلاسفتها.

ولكن ما دمنا لا نستطيع جميعًا أن تكون لنا سيرة القادة الأبطال، ولا نستطيع أن نجعل إرادتنا الفردية تسود، فإن هذه الفلسفة مثل جميع أشكال النزعة الفوضوية الأخرى، تقود لا محالة، حين اختيارها، إلى الحكومة المستبدة لأنجح “بطل”، وحين يرسخ استبداده يقضي في الآخرين على أخلاق فرض الذات، التي ارتفع بها إلى السلطة. هذه النظرية الشاملة للحياة، هم من ثم، تدحض ذاتها، بمعنى أن اختيارها في العمل يؤدي إلى تحقيق شيء مختلف تمامًا؛ دولة ديكتاتورية يكظم فيها الفرد كظمًا صارمًا.

ولا تزال هناك فلسفة أخرى، هي في الصميم، فرع من الليبرالية، أعني بها فلسفة (ماركس). وسأنظر فيها في ما بعد، على أن يحفظ منذ الآن في الذهن.

حديث (جون لوك) عن أهمية التفكير وتحصيل المعرفة

جون لوك (1632 – 1704) هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في رنجتون في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك أخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).

يُعتبر (لوك) اليوم أحد رؤوس ومؤسسي الفلسفة الليبرالية المعاصرة. وفي كتاب جمع (الأعمال الفلسفية الكاملة)، نقله إلى العربية الأستاذ (عبدالكريم ناصيف)، يقول (لوك) في ختام كتابه، التي حمل عنوان (الفهم البشري)، يقول (لوك) في فصل حمل عنوان “على الناس أن يفكّروا ويحصّلوا المعرفة بأنفسهم” عن التفكّر المستقل في الحقيقة ومنابعها: 

أي انتقاد حين نشك بمبادئ فطرية كهذه، يمكن أن ينصب علينا من الناس الذين نجدهم ميالين لأن يدعوا ذلك بأنه إلغاء للأسس القديمة للمعرفة واليقين، أمر لا يمكن أن أتكلم عنه، فقد أقنعت نفسي، على الأقل، بأن الطريق الذي أتبعه ، لكونه مريحًا وممثلًا للحقيقة، يجعل تلك الأسس أرسخ. كما أنني على يقين من أنني لم أجعل شغلي أن أتبرأ من أية مرجعية أو أتبعها، مؤثرًا العمل بالقول التالي: الحقيقة هي هدفي الوحيد، وحيثما يؤدي بي ذلك، فإن تفكيري سيتبعه من دون تحيز، ومن دون تفكير فيما إذا كان على ذلك الطريق آثار أقدام أخرى أم لا. ذلك لا يعني أنه ينقصني الاحترام الذي تستحقه آراء الناس الآخرين، بل، بالحقيقة، أنا أكنّ أشد الاحترام للحقيقة، وأرجو ألا يظن أحد بأنه نوع من الغطرسة أن أقول إننا، ربما، كنا سنحقق تقدمًا أكبر بكثير في مجال اكتشاف المعرفة التأملية والعقلانية، لو بحثنا عنها في منابعها، في نظرنا للأشياء بذاتها، واستخدمنا تفكيرنا الخاص من تفكير الآخرين لكي نجدها. 

يقول (لوك) بعد ذلك في فصل آخر، حمل عنوان “من أين أتى الرأي بالمبادئ الفطرية”:

حين وجد الناس بعض المقولات العامة التي لا يمكن الشك فيها حالما تُفهم، صار الطريق، كما أعلم، قصيرًا وسهلًا لاستخلاص أنها فطرية. وما إن تم قبول هذا مرة، حتى سهّل الطريق أمام الكسالى وأراحهم من عناء البحث والاستقصاء في كل ما يتعلق بما تم اعتباره ذات مرة فطريًا. ذلك لم يكن بذي فائدة ضئيلة بالنسبة لأولئك الذين عملوا لأن يكونوا أساتذة ومعلمين، وأن يجعلوا هذا مبدأ المبادئ “المبدأ يجب ألا يكون موضع تساؤل”، ولأنهم رسخوا هذا المعتقد ذات مرة، بأن هناك مبادئ فطرية، فقد جعل ذلك أتباعهم مضطرين لأن يتلقوا عقائدهم بعينها كما هي، وهو ما ابتعد بهم كثيرًا عن استخدام عقولهم وملكة الحكم لديهم، كما جعلهم يؤمنون بها ويأخذونها على الثقة من دون مزيد من التفحص، ذلك هو وضع الثقة العمياء الذي يمكن فيه أن يتم التحكم بهم بسهولة أكثر، وكذلك الاستفادة منهم لدى نوع من الناس، لديهم المهارة والكفاءة لأن يطبعوهم بمبادئهم ويقودوهم.

نصائح (جون لوك) في آلية القراءة الصحيحة

جون لوك (1632 – 1704) هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في رنجتون في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك أخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).

يُعتبر (لوك) اليوم أحد رؤوس ومؤسسي الفلسفة الليبرالية المعاصرة. وفي كتاب جمع (الأعمال الفلسفية الكاملة)، نقله إلى العربية الأستاذ (عبدالكريم ناصيف)، يقول (لوك) في مقالته، التي حملت عنوان (في مسلك الفهم)، تحديدًا في فصل مخصص عن القراءة: 

فأولئك الذين يقرؤون كل شيء يعتقدون أنهم يفهمون كل شيء أيضًا، لكن الأمر ليس كذلك دائمًا. فالقراءة تزوّد الذهن بمواد المعرفة فقط، والتفكير هو الذي يجعل ما نقرؤه ملكًا خاصًا بنا. فأذهاننا هي من النوع المجتر، لذا لا يكفي أن نحشوها بقدر كبير من الأحمال، ذلك أننا ما لم نمضغها مرة ثانية وثالثة لن نستفيد منها كقوة مغذية.

فالدراسة والتمحص لكل ما نقرأ، وبدون تحيّزات، هو الشرط الأساسي لتحصيل المنفعة من القراءة:

فليس كل ما هو موجود في الكتب مبنيًا على أسس صحيحة، ولا هو مستنتج دائمًا من المبادئ التي يدّعي أنه مبني عليها. لذلك التفحص العميق مطلوب لاكتشاف الحقيقة، وهو ما ليس ذهن كل قارئ معدًا للقيام به، ولا سيما أولئك الذين يسلّمون أنفسهم لطرف معيّن أو حزب، ويتصيدون فقط ما يمكن أن يجمّعوه معًا، بحيث يدعم ذلك الطرف أو يكون لصالح الاعتقاد بأفكاره. مثل هؤلاء الناس يبعدون أنفسهم عامدين متعمدين عن الحقيقة، وعن كل منفعة حقيقية قد يتلقاها المرء من القراءة.

كما يشير (لوك) أيضًا إلى ضرورة الانتقائية في اختيار الكتب المفيدة:

إن من يمضي بخطًا ثابتة راسخة في المسار الذي يشير إلى ما هو صحيح، سرعان ما يصل إلى الغاية من رحلته، وعلى نحو أسرع بكثير من ذلك الذي يجري وراء كل ما يلفاه في الطريق، رغم أنه يعدو طوال النهار بأقصى ما لديه من سرعة.

يختتم بعد ذلك (لوك) الفصل المخصص عن القراءة، بالتأكيد على أن القراءة بطريقة نقدية ستنعكس على كل جوانب الحياة الشخصية للقارئ، حتى خارج نطاق الأفكار والفلسفة:

إلى ذلك أضيف إن هذه الطريقة في التفكير في ما تقرأ والانتفاع منه ستكون عقبة دائمًا وعائقًا في طريق الإنسان في البداية فقط، لكن حين تجعل العادة وكثرة الاستعمال ذلك أمرًا مألوفًا، سيجري ذلك في معظم المناسبات من دون توقف، أو قطع لمسار قراءتنا. ذلك أن حركات الذهن الذي تمرس بتلك الطريقة ونظراته تصبح على نحو مدهش، والإنسان الذي يعتاد على مثل ذلك النوع من التفكير يرى -بلمحة عين- ما يتطلبه هو حديثٌ طويل لشرحه للآخرين غير المعتادين على ذلك النوع من التفكير، والتوصل منه إلى استنتاج كامل وتدريجي. عدا ذلك، حين يتم تذليل الصعوبات الأولى، فإن المتعة والفائدة المعقولة التي يحملها ذلك يمكن أن تشجع الذهن وتتعشه في أثناء القراءة التي يصعب أن نسمّيها، من دونه، دراسة عن حق.