تأملات في “تاريخ راسلاس” لصموئيل جونسون

samuel johnson
ولد صاموئيل جونسون عام 1709 بمقاطعة ستافورد شاير، وهو ابن بائع فقير، بدأ بكسب عيشه عن طريق الكتابة للصحف، لحين اصداره للقاموس التاريخي الأول باللغة الإنجليزية الذى تسبب في شهرته، ارتاح من العوز بعد ان خصصت له الحكومة مرتبا سنويا، اعتبر اعظم شخصية ادبية في عصره في انجلترا خلال الفترة الأخيرة من حياته من اشهر اعماله: قصيدة (عبث الأمنيات الإنسانية)، مقالاته الدورية، روايته الأخلاقية  (راسلاس)، تحريره لمسرحيات (شكسبير)، سلسلته الطويلة (مقدمات حياتية ونقدية) أعمال الشعراء الإنجليز، توفي عام 1784 .

كتب هذه الرواية ردا على كتاب انتشر في زمنه، اسمه (بحث في طبيعة الشر واصله) لكاتب اسمه (سوم جنتز)، نشر لتقديم تفسير ديني لزلزال حدث في ذلك الوقت، وقتل ثلث سكان مدينة لشبونة، يستند كتاب سوم على نظرية الفيلسوف (ليبنتز)، القائلة أن هذا العالم خير العوالم الممكنة، وأن اساسه انسجام جميع عناصره، انسجاما يتمشى مع الحكمة الإلهية، وما نظنه شر لابد أن يكون خيرا في النهاية، واستند (جونسون) في رده على هذا الكتاب إلى مسيحية تقليدية، ترى الحياة بعد خروج آدم من الجنة مرحلة مليئة بالآلام التي يمكن تفسير بعضها وبعضها لا يفسر، وأنه لا أمل في الخلاص من هذا الشقاء، إلا بالفناء واتصال الروح بالملأ الأعلى، فكان رد (جونسون) ينطوي على الكثير من الشجاعة  ومواجهة الحقيقة، وحمل الناس على آلا يخدعوا انفسهم بأنفسهم.

وفي سنه 1759ماتت امه، وكان بحاجة للإنفاق على دفنها، فكتب هذه القصة الفلسفية، واسماها: (راسلاس: أمير الحبشة)، في سبع ليال، فكانت رد على نظرية التفاؤل لـ(ليبتنز) وسوم جنتز، واسم “راسيلاس” هو اسم بطل القصة، واستعاره المؤلف من كتاب اسمه رحلة إلى الحبشة للأب (لوبو).
يستهل المؤلف الرواية برسالة إلى القارئ – ربما إلى ذاته – يخبره مسبقا بالسبب الذى كًتبت من أجله: “الاعتبار”، فيقول:

أنتم يا من تنصتون إلى همسات الخيال بثقة عمياء، وتتشبثون بخدع الأمل تشبث الملهوف، يا من تتوقعون أن الشيخوخة ستحقق ما نعلقه على الشباب من آمال ووعود، وتظنون أن نقص اليوم سيكمله الغد، اعتبروا بحياة (راسلاس) امير الحبشة.

يقول أيضًا في روايته:

أنا خائف بان خيالك يطغى على مهارتك، وبأنك تعلمني الآن ما تتمناه، وليس ما تعرف.

ويقول أيضًا في فلسفة:

المتناقضان لا يمكن أن يكونا صحيحين معا، ولكن التناقض ينسب للبشر، ومن الممكن أن يكون صحيحا.

ويقول عن المعرفة:

المعرفة احد اساليب السعادة، الجهل حرمان مطلق، لا يولد أي شيء، إنه خواء للعقل، تجلس الروح فيه دونما حراك، إننا نستمع بالعلم دائما، ونتألم عندما ننسى!

وفي موضع آخر يقول:

لا تشغل بالك بآمال أو مخاوف أخرى، غير ما تؤيده الحكمة والعقل، فإنه إذا سرتك تنبؤات بالخير، فقد تسوءك وتفزعك علامات الشر، وتصبح حياتك كلها فريسة للخرافة.

ثم يقول أيضًا:

الإنسان الذى يركز على تفضيله لأشياء محددة دون غيرها، ويصر عليها بشكل قاطع، فإنه يجب أن يعيش ويموت وهو يستمر في البحث والعمل، لكن الحكماء يختارون لأنفسهم بالتأكيد، طريقة الحياة التي يعتقدون بأنها غالبا ما تجعلهم سعداء.

وفي موضع آخر، يقول:

تريث في ثقتك واعجابك  بمعلمي الأخلاق، فإنهم الملائكة حين يتكلمون، ولكنهم يعيشون كالبشر.

ويقول:

الأشياء الخارجية تتغير بشكل طبيعي أما الحقيقة والمنطق هما دائما نفسهما لا يتبدلان.

يقول (جونسون) أيضًا:

كل شكل من اشكال الحياة خير، لمن يعيش عيشة صالحة.

ويقول عن العزلة:

لقد عشت في عزلة مدة خمسة عشرة عاما، سررت بالتغيير المفاجيء. في البداية، وبعد أن ذهبت بهجة التجديد بدأت اشغل ساعاتي في تفحص النباتات، لقد اصبحت لبعض الوقت غير مستقلا ومشوش الذهن، لقد اضطرب عقلي بالشك، وبزخرفات الخيال، تشوش خيالي بمشاهد حمقاء، وبدأت أرثي لفقداني الكثير ولكسبي القليل جدا، لقد قررت أن اعود إلى العالم غدا، حياة العزلة للإنسان تكون تعيسة بالتاكيد ولكن ليست بالضرورة ورعة .

ثم يتحدث أيضًا عن السعادة قائلًا:

لا يوجد شيء اكثر عبثا من البحث وراء سعادة قد وضعتها الطبيعة بلطف في متناولنا، إن الطريق لأن تكون سعيدا هو في العيش طبعا للطبيعة، أن نعيش طبقا للطبيعة، هو أن نتصرف مع الأخذ بعين الإعتبار جيدا، التلاؤم الناتج عن علاقات ونوعيات الأسباب والمؤثرات، وبأن نتوافق مع الخطط الكبيرة والثابتة للسعادة الكونية، وبأن نتضافر مع الترتيبات والنزعة العامة لنظام الأشياء الحالي.

وتحدث أيضًا عن الأجيال والحكمة، فقال:

إن وجهات النظر للأبناء والأهل، للشباب والمسنين، متعارضة بشكل طبيعي بفعل التأثيرات المتعارضة للأمل واليأس، للتوقعات والخبرة، هذا التعارض يكون دون جريمة أو حماقة ترتكب من قبل أي من الطرفين؛ كيف لأحد الأطراف أن يستحسن ما يراه امامه غير حقيقي.

وفي حديث عن الأخطاء، يقول:

الذى لديه الكثير ليقوم بإنجازه لا بد له من ارتكاب الخطأ، وسوف يعاني من نتائج ذلك الخطأ، واذا كان من الممكن أن يتصرف دائما بشكل صحيح فإن الأشخاص السيئين سيعترضونه بمكرهم والجيدين بخطئهم.

وعن الشر وفلسفته، وعلاقة ذلك بالسعادة، يقول:

جميع النقاشات التي تدور عن الشرور الحتمية والضرورية، نقاشات غير مجديه، دعونا نتوقف عن النظر في الأشياء التي ربما لن تحدث، إن مهمتنا هي النظر فيما تستطيع مخلوقات مثلنا انجازه، أي كل واحد يجتهد من أجل تحقيق سعادته الخاصة عن طريق تنمية سعادة الآخرين ضمن دائرته، مهما كانت ضيقة.

وفي الاختلاف:

نختلف عن أنفسنا بالقدر الذى يختلف فيه بعضنا عن الآخر، عندما نرى فقط جزءا من سؤال ما، لكن عندما ندرك الكل فورا كما هي الحال في الإحصاءات الرقمية، فإن الجميع يوافق على حكم واحد ولا أحد يغير رأيه ابدا.

في الاختيار بين الخير الفردي، والخير المجتمعي، يقول:

الخير للكل هو خير للأجزاء،  فما هو الأفضل للبشرية يجب أن يكون الأفضل بالنسبة للأفراد ايضا.

ويقول:

الأشياء التي تتماثل أمامنا الآن بحاجة إلى انتباه شديد، وهي تستحق هذا.

لا شك أن رواية (حونسون)، تحمل في طياتها الكثير من الحكمة. من ذلك مقولته التالية:

لكي نعرف أي شيء يجب أن نعرف مؤثراته، لكي نرى البشر يجب أن نرى اعمالهم، لكي نحكم بشكل صحيح على الحاضر يجب أن نعكسه علىالماضي، لأن جميع الأحكام هي نسبية، الوضع الحالي للأشياء هو نتيجة لوضعها السابق، ومن الطبيعي أن نبحث أين تكمن منابع الخير الذى نستمتع به أو منابع الشرالذى نتألم منه.

أما الجهل، يقول عنه:

الجهل جريمة عندما يكون اراديا، من يرفض أن يعلم الآخرين كيف بالإمكان منع الشر فإنه سيتهم بأنه شرير.

وفي دراسة التاريخ، يقول:

لا يوجد جزء من التاريخ اكثر فائدة بشكل عام، من ذلك الذى يروي تقدم العقل البشري، والحركة التدريجية للعقل والتقدم المتلاحق للعلم، والاختلاف بين العلم والجهل .

ويقول في موضع آخر:

المثال دائما أشد تأثيرا من المبدأ، عندما تصطدم العين أو الخيال بعمل فذ، فالانتقال القادم للعقل النشيط، يكون في التفكير بالوسائل التي نفذ بها هذا العمل، وبهذا نوسع ادراكنا بأفكار جديدة، وربما نعيد بعض الفنون الضائعة للبشرية.

وفي الحياة الاجتماعية، والحب، يقول:

من ليس لديه شخص يحبه ويثق به لديه القليل ليأمل به.

ويقول أيضًا في المعرفة والتعليم:

الثروة تكون عديمة النفع إذا لم تمنح، المعرفة كذلك إذا لم تنقل للآخرين. لذا يجب أن ينقلا للآخرين، حب الخير هو الوحيد الذى من الممكن أن يمنح الراحة، التي نستطيع الاستمتاع بها دون شريك لنا، وبإمكاننا ممارسة الخير ونحن منعزلون.

ويقول في موضع آخر:

حالة العقل الذى يرهق بفاجعة مفاجئة، تشبه حالة عقل سكان أرض حديثة الخلق، الذين عندما يأتي الليل عليهم للمرة الأولى فإنهم يفترضون بأن النهار لن يعود ثانية.

وفي وصف العقول:

إن عقولنا كاجسامنا في تحول دائم، في كل ساعة يفقد شيء ما، ويطلب شيء ما، والمسافة لديها التأثير نفسه على العقل، كما هي على العين، فبينما ننزلق مع تيار الوقت، فكل ما نتركه خلفنا يتضائل تدريجيا، بينما يتزايد حجم الأشياء التي نقترب منها.

وعن السخرية، يقول:

ليس من الحكمة أو الإحسان أن نسخر من اعمق المشاعر الإنسانية القليلون من يمتلكون معرفة هذا الإنسان، والقليلون من يمارسون فضائله، لكن الجميع من الممكن أن يعاني من الشقاء الذى يعانيه هو.

وعن الخيال:

لا يوجد انسان لا يطغى خياله في بعض الأحيان على عقله، عقله الذى ينظم انتباهه كليا بإرادته، والذى يجعل افكاره تاتي وتذهب بأمره هو  لكن إذا كانت هذه المقدرة شيئا بإمكاننا التحكم به وكبحه، فإنها ستكون غير ظاهرة للاخرين، ولا تعتبر فسادا في القدرات العقلية، ولا يقال عنها بأنها جنون، إلا عندما تصبح غير متحكم بها وتؤثر على الكلام والتصرفات بشكل ظاهر، وتتعزز سيطرة الخيال بالتدريج، فتصبح في البداية ضرورة ملحة، ومن ثم تصبح تحكمية، بعدها يعمل الخيال على أنه وقائع، وتتثبت الأفكار الزائفة في العقل، وتمضي الحياة في احلام الذهول والحسرة، هذه هي تأثيرات الأشياء المتخيلة، عندما نصوغها في البداية نعرف جيدا بأنها غير حقيقية، ولكننا نتآلف معها بالتدريج، ومع الوقت لا نتمكن من رؤية عيوبها.

وفي الخديعة:

خيانة ضد جمهورية الإنسانية العظيمة استعمال فضائل أي انسان كوسيلة لخداعه، سواء كان ذلك لأسباب كبيرة أم صغيرة، جميع انواع الغش تضعف الثقة وتفترمن همة السعي وراء الخير، وربما يوقف عدم الثقة الذى يتولد صوت النصيحة، عند ذلك اين سنجد القدرة على اعادة احسانه إلى البشرية أو اعادة هدوء البال إلى نفسه.

ويقول في قطعة، تعكس الحكمة التي كُتبت بها الرواية:

إن الإنسان الذى يتخذ قرارات ضد اشياء يعرفها، بسبب احتمال وجود بعض الأشياء التي لا يعرفها، ذلك الإنسان الذى يضع احتمالا افتراضيا ضد عقيدة راسخة، لا يجب بأن نعترف به بين الكائنات العاقلة، إذا نقضت الأشياء المعروفة بالنسبة إلينا، من قبل اشياء لا نعرفها، فإنه لن يكون هناك أي كائن بشري بإمكانه الوصول إلى اليقين، إلا العالم بكل شيء. 

ونختم بهذه المقولة من الرواية:

إن هؤلاء الذين يستلقون امامنا هنا ( الموتى )، وهم حكماء وأقوياء الأزمنة القديمة، ينبهوننا لكي نتذكر قصر الحياة التي نعيش، ولربما اختطفهم الموت بينما هم مشغولون مثلنا نحن في خيار الحياة.

عن أم كلثوم، يكتب محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه.

في كتابه (أثر الفراشة)، نشر (درويش) نصًا بديعًا عن كوكب الشرق، السيدة (أم كلثوم). يقول فيه:

أستمع إلى (أم كلثوم) كل ليلة، منذ كان الخميس جوهرتها النادرة، وسائر الأيام كالعقد الفريد. هي إدمانُ الوحيد. وإيقاظ البعيد على صهيل فرس لا تُروّض بسرج ولجام. نسمعها معًا فنطرب واقفين، وعلى حدة فنظل واقفين .. إلى أن تومئ لنا الملكة بالجلوس فنجلس على متر من ريح. تُقطِّعنا مقطعًا مقطعًا بوتر سحري لا يحتاج إلى عود وكمان .. ففي حنجرتها جوقة إنشاد وأوركسترا كاملة، وسر من أسرار الله. هي سماء تزورنا في غير أوقات الصلاة، فنصلّي على طريقتها الخاصة في التجلّي. وهي أرض خفيفة كفراشة لا نعرف إن كانت تحضر أم تغيب في قطرة ضوء أو في تلويحة يد الحبيب. لآلهتها المتلألئة كماسة مكسورة أن تقود جيشًا إلى معركة .. ولصرختها أن تعيدنا من التهلكة سالمين. ولهمستها أن تمخل الليل فلا يتعجل قبل أن تفتح هي أولًا باب الفجر. لذلك لا تغمض عينيها حين تغنّي لئلا ينعس الليل. هي الخمرة التي تسكرنا ولا تنفذ. الوحيدة الوحيدة سعيدةٌ في مملكتها الليلية .. تُجنبنا الشقاء بالغناء، وتُحببنا إلى إحدى حفيدات فرعون، وتُقربنا من أبدية اللحظة التي تحفرها على جدار معبد ينصاع فيه الهباء إلى شيء ملموس. هي في ليلنا مشاع اللا أحد. منديلها، ضابط إيقاعها، بيرقٌ لفيلقٍ من عشاقٍ يتنافسون على حب من لا يعرفون. أما قلبها، فلا شأن لنا به .. من فرط ما هو قاس ومغلق كحبة جوز يابسة!

هل ابتكرت النساء آداب “الإتيكيت”؟

IMG_1513

كايت كيرشنير، هي كاتبة حرة، تسكن في مدينة سياتل، بالولايات المتحدة الأمريكية.

نشرت (كايت) في صحيفة HowStuffWorks مقالة قصيرة، بعنوان “هل ابتكرت النساء آداب الإتيكيت؟”، ننقلها لكم هنا بترجمة حصرية لدى ساقية. تقول (كايت) في مقالتها:

قد تواجه النساء الكثير من الضغوطات الاجتماعية مما يجعلهن يسلكن طريقاً معيناً للتعامل مع هذه الضغوط، كابتكار آداب للسلوك، لكن هل فعلياً ان النساء ابتكرت آداب السلوك او ما يسمى “الإتيكيت“؟

بالتأكيد، ستقول نعم بأن النساء ابتكرت ذلك، وقد تضيف أيضاً ان النساء ابتكرت الدردشة والتنزه في الحدائق ومشاهدة حفل توزيع الجوائز التلفزيونية معاً .

فعلينا بالطبع ان نعترف أيضاً، بأن للرجال دور في ابتكار هذا الفن في السلوك.

وكمثل العديد من العادات الاجتماعية التي كان للرجال والنساء دوراً فيها، كذلك في “الإتيكيت” فكلاهما قد ساعدا بتطوير آداب الإتيكيت على مر العصور.

في حين أننا قد نعتبر (إميلي بوست)، مؤلفة أول كتاب في عالم الإتيكيت (الإتيكيت في المجتمع، في العمل، في السياسة، وفِي المنزل)، كدليل لنا لتعلم النقاط الدقيقة لبروتوكل الزفاف أو إعداد وترتيب المائدة في العصر الحديث، فتاريخ فن الإتيكيت يثبت لنا انه لم يكن تحت الهيمنة النسائية فحسب.

ففي الواقع كان فن “الإتيكيت” دارجاً ومُطبقاً بصرامة داخل البلاط الملكي الفرنسي، وتحديداً في عهد (لويس الرابع عشر) ملك فرنسا آنذاك.

فقد كان (لويس الرابع عشر) شغوفاً جداً بالبروتوكول وبدى ذلك في خطاباته وحديثه بالتأكيد. فالتعامل بكثره مع الإتيكيت كان مرتبطاً بواقع البلاط الملكي من الوفود والضيوف من طبقات إجتماعية متفاوتة وبلدان مختلفة، مما ساعد على فرض مجموعة من القوانين والأساليب الصارمة حفظاً للكبرياء والوقار، وضماناً على أن يظهر الإحترام والمراعاة للتسلسل الطبقي الاجتماعي.

ولكن هل هذا يعني أن (لويس الرابع عشر) هو من اخترع بنفسه آداب الإتيكيت؟

قطعاً لا، فبطبيعة الحال لطالما وُجدت المجتمعات الاجتماعية، فقد ابتكرت معها قواعد وأنماط السلوك؛ فالبعض كان يستشهد من الكتاب المقدس عن بعض آداب السلوك، وفِي العصور الوسطى على سبيل المثال، لم تكن هنالك قواعد واضحة كأيهما أنسب استخدام وعاء مخصص للبصق أم البصق على الأرض، أو أياً كانت الأعجوبة! فقد كان هنالك تسلسل يتَّبع للنظافة فهي كانت ولا زالت شيء مرغوب.

وتشير بعض الحقائق إلى ان بعض انواع قواعد الإتيكيت، ابتكرت لحماية النساء نتيجة لتلك القوانين الصارمة المضطهدة للمرأة في القرن التاسع عشر، فكانت هذه القواعد بمثابة حماية للنساء ضد الاضطهاد والمعاملة القاسية اللاتي تعرضن لها. ويشير آخرون ان آداب الإتيكيت صممت للحد من بعض المضايقات؛ كالتحرش الجنسي والتمييز داخل بيئة العمل.

وبطبيعة الحال، لا تشير أي من هذه الحقائق إلى استنتاجٍ مفاده بأن المرأة وحدها ابتكرت هذه القواعد والآداب الاجتماعية، وعوضاً عن ذلك فإن الإتيكيت شيء ابتكره الناس منذ القدم ويتغير بحسب ما تقتضيه الحاجة والضرورة.

وسواءاً كان الدافع لذلك التسلسل الطبقي الاجتماعي الذي فُرض، أم  كحارس للنساء اللاتي لم يستطعن حماية أنفسهن أو مجرد وسيلة جيدة لإضفاء بعض المتعة عند كسر بعض القواعد، فبالتأكيد ان آداب الإتيكيت اختراع مشترك بين النساء والرجال.


[المصدر]

 

التعددية الثقافية تعني موت اليوتوبيا

راسل جاكوبي

ظهر مصطلح التعددية الثقافية في الولايات المتحدة خلال الثمانينيات للإشارة إلى مجتمع مثالي مبني على ثقافات متنوعة قائمة على الاعتراف والتعايش فيما بينها. المفكر الأميركي (راسل جاكوبي) 1945. أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا. في كتابه (نهاية اليوتيوبيا) يقول أن اختفاء الإيمان الطوباوي يفسد الحياة الشخصية والسياسية. في فصل خرافة التعددية الثقافية يقول:

إن التعددية الثقافية تقوم أيضاً بسد ثغرة ثقافية، فالليبراليون واليساريون قد جُردوا من اللغة الراديكالية، والأمل اليوتيوبي، وتراجعوا باسم أنهم يتقدمون للاحتفال بالتنوع. ولأن لديهم أفكار قليلة حول الكيفية التي يتشكل بها المستقبل، فقد احتضنوا كل الأفكار، زمن ثم يصبح التعدد هو السلة التي تحتوي كل شيء بداية الفكر السياسي ونهايته، وحين يلبس ثياب التعددية الثقافية يصبح أفيون المثقفين الواهمين، أيديولوجية عصر بلا أيديولوجية.
والمسألة ليست التعددية الثقافية ذاتها، فأفكار التنوع، وأقاربها: التعددية، والاختلاف، والكثرة الثقافية، والتعددية الثقافية، ليست أفكارا خاطئة ولا هي محل اعتراض، على العكس، هي أفكار صحيحة وذات جاذبية، والاختلاف والتنوع يميزان العوالم الطبيعية والفيزيقية والثقافية، ونحن عادة ما نبتهج للاختلافات أكثر من التماثل، ومعظم الناس، وربما معظم الفلاسفة كذلك، يفضلون التعدد والاختلاف على الكلية والإطلاقية.

ويبين إشكالية المصطلح فيقول:

من السهل أن تفقد التعددية الثقافية مدلولاتها. مدفوعة بفهم تجريدي “للثقافة” وفهم “شكلاني” للتعدد، تؤدي التعددية الثقافية إلى نشوء برامج وأفكار تقع بعيداً كل البعد وراء التطورات الاجتماعية والاقتصادية. مئات المقالات عن “الهوية الثقافية” تطرح إحالات إلى (دريدا) و(فوكو)، ومردودها محدود حول موضوعها، ومناقشات لا تنتهي حول التعددية الثقافية تنطلق من افتراض يفتقد الإثبات بإن ثقافات عدة متميزة تكوِّن المجتمع الأمريكي.
وقلة من المؤرخين والمراقبين فقط هم الذين يفكرون بأن العكس يمكن أن يكون صحيحا، بإن العالم والولايات المتحدة يمضون من دون توقف نحو التماثل الثقافي، لا الاختلاف. وعلى التفكير الجاد في قضية التعدد الثقافي أن يضع في اعتباره -على الاقل- تلك القوى التي تدفع -دون هوادة- نحو التجانس الثقافي، وأن يطرح الأسئلة “كيف يمكن أن يوجد التعدد في إطار التماثل؟”، “ما إمكان قيام ثقافات متعددة داخل مجتمع استهلاكي واحد؟” وأن تطرح السؤال يعني -جزئياً- أن تجيب عنه، لأن من الممكن أن يكون التنوع الثقافي والتجانس الاجتماعي مرتبطين على نحو معكوس. وقد تنشأ الدعوة إلى الهوية الثقافية كردة فعل لانطفائها.
أعان المفهوم المرن للثقافة على تقويض التعصب والتركز حول العنصر […] لكن الجدوى الاجتماعية لا تعادل الحقيقة. وثمة صك نظري لم يُدفع، وعلى مر السنين تصاعدت تكلفته. إن الرجوع إلى مفهوم تراتبي للثقافة أمر غير مطلوب، لكن التقدم نحو شيء من الدقة والتحديد قد يكون مطلوبا. مالم نضع في الاعتبار ما يميز ثقافة عن اخرى، سيهوي الحديث عن التعددية إلى مهاوي الخرافات والأوهام، وإذا كنا لا نستطيع أن نحدد ما يميّيز ثقافة ما، فكيف يمكننا أن نفهم العلاقة بين ثقافتين أو أكثر، أو التعددية الثقافية؟ ولنضع الأمر على وجهه الصريح: إن التعددية الثقافية تقوم على أصل ثقافي، هو الرفض أو العجز عن تحديد ما الذي يشكل الثقافة.
في ظل هذه الهزيمة النظرية، اتسمت الثقافة بطابع ذاتي أو شخصي، أصبحت الثقافة هي ما تريد أي جماعة أو أي باحث أن تكون. ولا أحد يجادل في أي جماعة من الناس تشكل ثقافة مستقلة. في الوقت ذاته، فإن الرطانة حول التنوع الثقافي تؤدي إلى تعتيم الحقائق الاجتماعية والاقتصادية، بإن تجعلها إما غير ذات دلالة وإما غير مهمه. فالقائلون بالتعددية الثقافية ينظرون إلى الثقافة وحدها، ولا يكادون يلقون بالا للحاجات والشؤون الاقتصادية. وكيف يمكن للثقافة أن تتغذى وتبقى بعيدا عن العمل وإنتاج الثروة؟ وإذا كان هذا غير ممكن: كيف يمكن فهم الثقافة دون أن نضع في الإعتبار تشابكها والحقائق الاقتصادية؟
إذا وضع الهيكل الاقتصادي للثقافة على الطاولة فربما توقفت الثرثرة حول التنوع، فسوف يتضح أن الثقافات المتنوعة تعتمد على البنية التحتية نفسها. فماذا يعني أن ثقافتين مختلفتين تتشاركان في أنشطة اقتصادية متطابقة؟ وما الذي يعنيه أن تكون نفس الوظائف والمساكن والمدارس وطرائق الترفية والحب تغذي ثقافتين في غياب التعدد الاقتصادي؟
إن البناء الاقتصادي للمجتمع الصناعي المتقدم او الرأسمالي أو القائم على اقتصاد السوق، هو العامل الثابت غير المتغير، فقلة هم القادرون على تخيل مشروع اقتصادي آخر، والموافقة الصامتة على هذا تقول الكثير عن التعددية الثقافية، وليس ثمة رؤية سياسية أو اقتصادية أخرى تغذي التنوع الثقافي. من أكثر المدافعين صلابة عن الأفارقة، إلى أكثر المدافعين صلابة عن حقوق المرأة، كل الفرقاء لديهم معتقدات متشابهة فيما يتعلق بالعمل والمساواة والنجاح. إن سر التنوع الثقافي كامن في التماثل السياسي والاقتصادي. والمستقبل مثل الحاضر مع مزيد من الاختيارات، والتعددية الثقافية تعني موت اليوتوبيا.

ويقول بما أن التعددية الثقافية مصطلح يمكن توجيهه من أيا كان في خدمة مصالحهم فإنها قوة سياسية لا تعني التعايش بل الهيمنة أو الانصهار ضمن ثقافة مهيمنة. ومدى الدمج السياسي الذي يتجاوز الحدود الوطنية ومن اشكال عولمة الاقتصاد.

واضح أن التعددية الثقافية شأن سياسي، ولكن… كيف على وجه التحديد؟ بشكل أساسي، وكما ذكر الراديكاليون والأكاديميون، فإن السياسة -ببساطة- سلسلة من الشعارات حول التهميش والسلطة والخطاب والتمثيل. هذه المصطلحات تشير إلى مشكلات حقيقية، ولكنها تفشل في تحديد أي سياسات معينة. الجماعات الهامشية والمهمشة تطالب بالسلطة أو التمثيل، ولكن كيف يعكس هذا الأمر اختلافا ثقافيا أو رؤية بديلة؟

مالك بن نبي، وحديث عن أدوار الوثنية

المفكر-الإسلامي-مالك-بن-نبي[1]

مالك بن نبي (1905-1973م) من أبرز المفكرين في القرن العشرين، أهتم بالبحث في مشكلات الحضارة في العالم الإسلامي واعتمد في بحثه منهجا ً مبنياً على أسس من علم الاجتماع وعلم النفس وسنن التاريخ.

يُعدّ المفكر الجزائرى (مالك بن نبى) أحد رُوّاد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين، ويُمكن اعتباره امتدَادًا لـ(ابن خلدون)، ويعد من أكثر المفكرين المعاصرين الذين نبّهوا إلى ضرورة العناية بمشكلات الحضارة.

وكان (بن نبى) أول باحث يُحاول أن يُحدّد أبعاد المشكلة، ويحدد العناصر الأساسية في الإصلاح، ويبعد في البحث عن العوارض، وكان كذلك أول من أودع منهجًا مُحدّدا في بحث مشكلة المسلمين على أساس من علم النفس والاجتماع وسنة التاريخ.

يتحدث (مالك بن نبي) في كتابه (شروط النهضة) عن دور الوثنية في غياب الفكر وحضور الصنم فيقول:

من المعروف أن القرآن الكريم قد أطلق اسم الجاهلية على الفترة التي كانت قبل الإسلام، ولم يشفع لهم شعر رائع، وأدب فذ، من أن يصفهم القرآن بهذا الوصف، لأن التراث الثقافي العربي لم يكن يحوي سوى الديباجة المشرقة الخالية من كل عنصر “خلاق” أو فكرة عميق. وإذا كانت الوثنية في نظر الإسلام جاهلية، فإن الجهل في حقيقته وثنية، لأنه لا يغرس أفكاراً، بل ينصب أصناماً، وهذا هو شأن الجاهلية.

ثم يبين عن غياب الفكرة وحضور الوثنية فيقول:

فلم يكن من باب الصدفة المحضة أن تكون الشعوب البدائية وثنية ساذجة، ولم يكن عجيباً أيضاً أن مر الشعب العربي بتلك المرحلة، حين شيد معبداً للأقطاب (الدراويش) المتصرفين في الكون، ومن سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم، والعكس صحيح أحياناً.

وعن جهل المتعلم يقول:

ألا قاتل الله الجهل، الجهل الذي يلبسه أصحابه ثوب العلم، فإن هذا النوع أخطر على المجتمع من جهل العوام لأن جهل العوام بيّن ظاهر يسهل علاجه، أما الأول فهو متخف في غرور المتعلمين.

معادلة الحضارة عند (مالك بن نبي) من:

الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت

ويرى أن الوثنية هي غياب الفكرة والروح الدافعة للعمل، غياب ذاك الإيمان الذي يضم مركبات الحضارة.