برتراند راسل يشرح نشأة الحركة الليبرالية الغربية

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في سلسلة كتبه (تاريخ الفلسفة الغربية)، والمكوّنة من ثلاث أجزاء، آخرها هو (الفلسفة الحديثة) من ترجمة الأستاذ (محمود الشنيطي)، والذي تحدّث (راسل) عن الحراك الليبرالي، فيقول مستفتحًا:

إن نشأة الليبرالية في السياسة وفي الفلسفة، تزودنا بخامة لدراسة مسألة غاية في العموم والأهمية، وأعني بها: ماذا كان تأثير الملابسات السياسية والاجتماعية في أفكار المفكرين والمبدعين؟ وبالعكس، ماذا كان تأثير هؤلاء الرجال في التطورات السياسية والاجتماعية التالية لهم؟ 

وثمة غلطتان متعارضتان، شائعتان كلتاهما، ينبغي أن نأخذ حذرنا قبلهما. فمن جانب الرجال -الذين هم أكثر إلفًا للكتب منهم إلى الأعمال- خليقون أن يبغالوا في تقدير تأثير الفلاسفة. حين يرون حزبًا سياسيًا ما يعلن أنه قد أُلهم بتعاليم هذا المفكر أو ذاك، فإنهم يظنون أن أفعاله يمكن أن تنسب إلى هذا المفكر أو ذاك، بينما، وليس هذا قليل الحدوث، يهلّل الفيلسوف فقط لأنه يحبذ ما يميل إلى فعله الحزب في أي حالة. وكتّاب الكتب حتى إلى عهد قريب، يكادون كلهم أن يبغالوا في تأثيرات أسلافهم من أهل صناعتهم. ولكن على العكس من هذا. ثمة غلطة جديدة نشأت كرد ضد الغلطة القديمة، وتتمثل هذه الغلطة الجديدة في اعتبار أصحاب النظريات كنتاجات سلبية إلى حد ما، لظروفهم، ولا يكاد يكون لهم نفوذ بالمرة على مجرى الأحداث، فالأفكار -تبعًا لهذه النظرة- هي الزبد على سطح تيارات عميقة، تحددها علل مادية وتقنية: فالتغيرات الاجتماعية لا تنجم عن الفكر، كما أن تدفق النهر لا ينجم عن فقاعات الزبد التي تكشف اتجاه التدفق للناظر. ومن جانبي، فأنا أعتقد أن الحقيقة تقع بين هذين الطرفين. فبين الأفكار والحياة العملية، كما هو الشأن في كل مكان، ثمة تفاعل متبادل. والتساؤل عمّا هو علّة وعمّا هو معلول تساؤل غير ذي جدوى شأنه شأن مشكلة الدجاجة والبيضة. وسوف لا أضيع الوقت في مناقشة هذه المسألة في التجريد، وإنما سأنظر نظرة تاريخية في حالة واحدة مهمة من حالات المسألة العامة، أعني بها تطور الليبرالية وفروعها منذ نهاية القرن السابع عشر إلى أيامنا.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن بداية الفكر الليبرالي، فيقول:

كانت الليبرالية المبكرة نتاجًا لإنجلترا وهولندا. وكانت لها خصائص معيّنة تتميز بها تميّزًا جيدًا. وكانت تقف مناضلة من أجل التسامح الديني، وكانت ليبرالية بروتستانتية، ولكن من النوع المتحرر أكثر منها من النوع المتعصب، وكانت تعتبر حروب الدين حروبًا سخيفة. وكانت تقدّر التجارة والصناعة، وتحبذ نشأة طبقة وسطى بدلًا من تحبيذها للملكية والأرستقراطية، وكانت تكنّ احترامًا كبيرًا لحقوق الملكية، وبخاصة إذا كانت هذه الملكية قد جمعت بكدّ مالك فرد، ومع أن مبدأ الوراثة لم يكن مرفوضًا إلا أنه كان مقيدًا في دائرة أشد إحكامًا من التي كان فيها من قبل. وقد رفض بوجه عام الحق الإلهي للملوك في صالح الرأي القائل بأن لكل جماعة حقًا أوليًا على أي حال في اختيار شكل حكومتها. وقد كان ميل الليبرالية المبكرة متجهًا ضمنًا نحو ديموقراطية تلطّفها حقوق الملكية. وكان ثمة اعتقاد -ليس صريحًا تمامًا في البدية- بأن كل الناس يولدون متساوين، وأن انعدام المساواة بينهم الذي يعقب ذلك ينتج عن الظروف. وقد أفضى هذا إلى تأكيد عظيم على أهمية التربية كمقابلة للخصائص الفطرية. وكان ثمة تحامل على الحكومة، لأن الحكومات كانت تقريبًا في كل مكان في أيدي الملوك أو الأرستقراطيين الذي كان يندر أن يفهموا حاجات التجار أو يحترموها. بيد أن هذا التحامل قد كبح جماحة الأمل بأن فهمًا واحترامًا ضروريين قد يكتسبان قبل مضي زمن طويل.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن النمط العام للحركات الليبرالية منذ القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر، فيقول في موضع آخر:

[…] وهذا النمط بسيط في البداية، ولكنه يغدو بالتدريج أكثر فأكثر تعقيدًا. والطابع المميز للحركة كلها هو، بمعنى واسع بعض السعة، النزعة الفردية. بيد أن هذا مصطلح مبهم حتى يعرف تعريفًا أوضح. ففلاسفة اليونان منذ (أرسطو)، لم يكونوا فرديين بالمعنى الذي أبغي أن أستخدم فيه الكلمة. فقد نظروا إلى الإنسان كعضو بصفة جوهرية في جماعة.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

[…] وأول نقض مهم لهذا النسق أقدمت عليه البروتستانيتة، التي جزمت بأن المجالس العامة قد تخطئ، فتحديد الحقيقة لم يعد على ذلك مهمة اجتماعية بل مهمة فردية. وما دام أفراد مختلفون وصلوا إلى نتائج مختلفة، فالنتيجة نزاع، ولم تعد القرارات تلتمس عند جمعيات الأساقفة، بل في ساحة المعركة، وما دام لم يكن في وسع أحد الفريقين أن يمحو الآخر، فقد غدا واضحًا، في النهاية، أن من الواجب إيجاد طريقة للتوفيق بين النزعة الفردية العقلية والأخلاقية وبين الحياة الاجتماعية المنتظمة. وقد كانت هذه إحدى المشكلات الرئيسية التي حاولت الليبرالية المبكرة أن تحلّها.

وفي غضون ذلك نفذت الليبرالية إلى الفلسفة. فقد جعل يقين (ديكارت) الأساسي: “أنا أفكر، وإذًا أنا موجود”، أساس المعدفة مختلفة عند كل شخص، ما دامت نقطة البداية عند كل شخص هي وجوده الخاص، لا وجود الأفراد الآخرين أو الجماعة. ويتجه تأكيده على التعويل على الوضوح والتميز الاتجاه نفسه، ما دمنا نظن أننا بالاستبطان نكتشف ما إذا كانت أفكارنا واضحة ومتميزة. ومعظم الفلسفة منذ (ديكارت) كان لها فكريًا هذا الجانب الفردي بدرجة أكبر أو أقل.

بعد الحديث عن مفهوم الفردية في الفلسفة الليبرالية، ينتقل (راسل) إلى نقطة أخرى، فيقول:

لقد كانت الليبرالية المبكرة فردية في الأمور العقلية، وكذلك في الاقتصاد، ولكنها لم تكن تفرض ذاتها في الجانب الانفعالي أو الأخلاقي. هذا الشكل من الليبرالية ساد إنجلترا في القرن الثامن عشر، وسيطر على مؤسسي الدستور الأمريكي، وعلى الموسوعيين الفرنسيين. […] وكان أعظم نجاح لها في أمريكا، حيث ظلّت، دون أن يعوقها الإقطاع ولا دولة الكنيسة، سائدة من سنة 1776 حتى أيامنا، أو على أي حال، حتى سنة 1933.

ينتقل بعد ذلك إلى ذكر عدد من الفلسفات الفرعية لليبرالية، فيقول:

وثمة حركة جديدة تطورت تدريجيًا في ما هو نقيض الليبرالية، تبدأ مع (روسو) وتكتسب قوة من الحركة الرومانسية ومن مبدأ القومية. وفي هذه الحركة امتدّت الفوضوية للبيرالية وجوها صريحة وواضحة، ونموج هذه الفلسفة، عبادة البطل كما طورها (كارلايل) و(نيتشه). وقد اجتمعت فيها عناصر متعددة. فكان هناك كره النزعة الصناعية الأولى، ومقت القبح الذي ينشأ عنها، والاشمئزاز من شرورها. وكان ثمة حنين للعصور الوسطى التي أحيطت بهالة مثالية بسبب مقت العالم الحديث. وكانت هناك محاولة للجمع بين الإشادة بامتيازات الكنيسة والأرستقراطية الخابية، وبين الدفاع عن الإجراء ضد استبداد أصحاب المصانع. وكان ثمة تأييد متحمس لحق الثورة باسم النزعة القومية، ولروعة الحروب دفاعًا عن “الحرية”. وكان (بايرون) شاعر هذه الحركة، وكان (فيتشه) و(كارلاليل) و(نيتشه) فلاسفتها.

ولكن ما دمنا لا نستطيع جميعًا أن تكون لنا سيرة القادة الأبطال، ولا نستطيع أن نجعل إرادتنا الفردية تسود، فإن هذه الفلسفة مثل جميع أشكال النزعة الفوضوية الأخرى، تقود لا محالة، حين اختيارها، إلى الحكومة المستبدة لأنجح “بطل”، وحين يرسخ استبداده يقضي في الآخرين على أخلاق فرض الذات، التي ارتفع بها إلى السلطة. هذه النظرية الشاملة للحياة، هم من ثم، تدحض ذاتها، بمعنى أن اختيارها في العمل يؤدي إلى تحقيق شيء مختلف تمامًا؛ دولة ديكتاتورية يكظم فيها الفرد كظمًا صارمًا.

ولا تزال هناك فلسفة أخرى، هي في الصميم، فرع من الليبرالية، أعني بها فلسفة (ماركس). وسأنظر فيها في ما بعد، على أن يحفظ منذ الآن في الذهن.

علم النفس التحليلي عند (كارل يونج)

حياة يونج الخاصة :

ولد (كارل جوستاف يونج) عام ١٨٧٥م في سويسرا، واختار الدراسة في تخصص الطب، وبعد تخرجه عمل مساعدا في مستشفى الصحة النفسية في زيورخ، وبعد ذلك أصبح محاضرا في جامعة زيورخ وافتتح عيادة خاصة وطور مقياس ترابط الكلمات. وكان أول لقاء بينه وبين (فرويد) عام ١٩٠٧م، وقد أعجب كل منهما بالآخر حتى أن (فرويد) كان يعامل (يونج) وينظر إليه على أنه وريثه وينال مكانة خاصة أكثر من غيره، ولكن في عام 1913م تم الانفصال بينهما بسبب اختلاف في وجهات النظر لكل منهما [انجلر، ٢٠١٢م].

بناء الشخصية:

يتكون بناء الشخصية من عدد من الأنظمة الرئيسية هي:

  1. الأنا: وهو المختص بالشعور ويتضمن الأحاسيس والأفكار.

  2. اللاشعور الشخصي:يحتوي على الرغبات المكبوتة والخبرات المنسية.

  3. اللاشعور الجمعي: ويتضمن الخبرات النفسية والمتراكمة التي مر بها الفرد.

  4. القناع: هو المظهر الخارجي الذي نريه للآخرين.

  5. الظل: ويشمل الميول والرغبات غير المقبولة وغير المتناسبة مع القناع، ولذلك يخفيها الفرد.

  6. الأنيما أو الأنيموس: وهي تلك الصور التي تجعل الذكور ينجذبون للإناث وتجعل الإناث ينجذبون للذكور ، حيث أن الأنيموس هو النمط الذكري للأنثى والأنيما هو النمط الأنثوي للرجل.

  7. الذات: وهي نقطة الوسط في الشخصية والمحيط الذي يضم الشعور واللاشعور.

  8. الاتجاهات: وقسمها يونج إلى قسمين: الاتجاه المنبسط والاتجاه المنطوي، ويوجد كلاهما في الشخصية إلا أن أحدهما يكون أقوى شعوريا.

  9. الوظائف:حيث جعل يونج الوظائف النفسية اربعة وظائف وهي: التفكير والوجدان والإحساس والحدس [العنزي، ١٩٩٨م].

الطاقة النفسية:

وهو أحد المفاهيم الأساسية لدى (يونج). حيث يستخدم يونج مفهوم (اللبيدو) وينسبه إلى الطاقة النفسية، ويتميز (اللبيدو) عند (يونج) بأنه لا يقتصر على الحافز الجنسي فقط كما يرى (فرويد) وإنما طاقة نفسية شاملة لأنشطة الحياة والرغبات التي يسعى الفرد من خلالها إلى تحقيق هدف معين [انجلر، ٢٠١٢م].

نمو الشخصية:

لم يُفصِّل (يونج) مراحل النمو التي تمر بها الشخصية كما فعل (فرويد)، حيث أنه أوجزها باختصار فذكر أنه في مرحلة الطفولة يستمر (اللبيدو) في نشاطات ضرورية للبقاء وقبل سن الخامسة تبدأ القيم الجنسية في الظهور وتبلغ قيمتها خلال المراهقة وفي مرحلة الشباب وسن الرشد تبلغ الغرائز الأساسية والعمليات الحيوية ذروتها، وعندما يصل الفرد إلى أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات تتغير قيمه وأهدافه لتصبح أكثر ثقافة ووعيا [كامل، ٢٠٠٧م].

أنماط الشخصية:

يرى (يونج) أن الناس تميل بدرجة كبيرة أو قليلة إلى أي من الأنماط الثمانية التالية:

  1. النمط المنبسط المفكر: يتعامل مع الأشياء ويدركها من منطلق عقلي.

  2. النمط المنطوي المفكر: وأصحاب هذا النمط ينشغلون دائما بتتبع أفكارهم متوجهين للداخل بدلا من توجههم إلى الخارج.

  3. النمط المنبسط الوجداني: هذا النمط اجتماعي ويحب صحبة الآخرين والتفاعل معهم.

  4. النمط المنطوي الوجداني: هذا النمط تحكمه اعتقاداته مع صعوبة ظهور مشاعره.

  5. النمط المنبسط الحسي: ويندرج تحته كل من يستمتع بالخبرة الحسية العيانية كالفنانين ومن يحب تذوق الأطعمة.

  6. النمط المنطوي الحسي: يتميز بالذاكرة القوية، وبسبب هدوئهم وانطوائهم فإنه لا يبدو عليهم مباشرة أن إدراكهم للواقع يتميز بالغرابة.

  7. النمط المنبسط الحدسي: يتميز أصحاب هذا النمط بوضع الخطط للمشاريع والحماس والطاقة ويكرهون الروتين.

  8. النمط المنطوي الحدسي: هذا النمط ملتزم برؤية داخلية، وقد يكون صاحب هذا النمط مبتكرا [عبداللطيف، ٢٠١٣م].


المراجع:

  1. أبو أسعد، احمد عبد اللطيف. علم نفس الشخصية. الطبعة الثانية. الأردن: عالم الكتب الحديث.۲۰۱۳م.
  2. العنزي، فريح عويد. علم نفس الشخصية. الطبعة الأولى. الكويت : مكتبة الفلاح.۱۹۹۸ م.
  3. احمد، سهير كامل. سيكولوجية الشخصية. الطبعة الثانية. القاهرة: مركز الإسكندرية.۲۰۰۷م.
  4. انجلر،باربرا. مدخل إلى نظريات الشخصية.ترجمة فهد بن عبد الله الدليم. الطبعة الأولى. الرياض: دار زدني.۲۰۱۲م.

مهما بدت مشاهد حيواتنا مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيشها، منهكين، بإمكاننا مواجهة تلك المشاهد والسير حتى النهاية

في إحدى ظهيرات مدينة نيويورك الحارة، كنت أجلس مع صديقة لي كانت زميلتي في الدراسة لسنين عدة في أحد المقاهي. وقد كنت، فيحقيقة الأمر، فتاة لا تخلو من بعض الغرور والسذاجة . ولا تلقي بالاً للشعر على الإطلاق. حتى بدأت صديقتي بقراءة بضعة أبيات للشاعر (إدوارد إستالن كانينجز) في مقهى مانهاتن الصاخب ذاك.

في تلك اللحظة، تغير كل شيء. كانت تلك الأبيات هي الشرارة التي أوقدت لدي شغفاً حقيقاً بالشعر.

وبالرغم من وصف الشاعر الروسي (جوزيف بروسكي) للشعر بأنه أداة لتطوير ذائقتنا الأدبية، كما هو حال الشاعر الأمريكي (جيمس ديكي) الذي وصف، بدوره، الشعر قائلاً:

يتيح الشعر للفرد أعمق أنواع التملك للعالم.

إلا أن ردة فعلي، في يوم الثلاثاء الصيفي ذاك، لم تكن مستغربة على الإطلاق. لأن مجتمعنا يضمر نوعاً من المقاومة الغريبة للشعر. بل وربما الرفض المتعنت لفكرة احتواء الشعر على ما وصفه الشاعر الانكليزي (ويليام ووردزوور) بـ”النَفَس والروح المرهفة لكل المعارف” وهذا ماعرضته الشاعرة الأمريكية (موريل روكيسر) في كتابها المعنون بـ(حياة الشعر) والصادر في عام ١٩٤٩، حيث قالت: 

إنه رفض يتسم بالخوف.

إن كتاب (موريل) هذا يعد استكشافًا رائعاً، وبالغ الحكمة لكل الأشكال والأساليب التي نُبعد بها أنفسنا عن تلك الهِبة المتلثمة بذلك الفنالذي الأساسي، المتغلغلة في الروح ، والملم بالحقيقة، والذي لايمكن الاستغناء عنه. تستهل (روكيسر) كتابها قائلة:

إن الشعر هو الطريقة التي تُشعر البشر بتلاقي ضمائرهم مع العالم. وهو الذي يشعرهم بقيمة معاني مشاعرهم وأفكارهم، وبجدوى علاقاتهم مع بعضهم البعض. هو فرصة للإحساس بعذوبة الأشياء واحتمالاتها المتعددة. فالشعر فن ينهبنا كل هذه الأشياء. لكنه، للأسف، فن منبوذ في مجتمعنا. لقد حاولت جاهدة، في كتابي هذا، تتبع أساليب رفض الشعر. بدءً من كل أنواع الملل، ونفاد الصبر، ناهيك عن إطلاق صفات كالنخبوية، والغموض، والاضطراب، و إثارة الشبهات على الشعر.

فهل ثمة ما هو حقيقي من بين تلك الصفات، وهل يمكن أن يفضي ذلك إلى إفساد إدراك الإنسان؟

يمكننا أن نلاحظ أن آراءً كهذه من شأنها أن تؤدي إلى تقييد ملكة الخيال لدى الشاعر وجمهوره، على حد سواء.

أما في سعيها للوقوف على أسباب الرفض للشعر، تعرض (روكيسر) أوجه الشبه بين الشعر والعلم قائلة:

تتشابه روابط الشعر، إلى حد كبير، بروابط العلم. و لا أقصد بذلك النتائج العلمية، بل أعني نقطة التلاقي بين كافة أنواع الخيالات، والتي يمكن للشعر أن يمنحها لقرائه. في الوقت الذي تتكون فيه السيمفونية، مثلاً، من مجموعة من النوتات الموسيقية، والنهر من عدد هائل من قطرات الماء، لا يمكن للقصيدة أن تكون مجرد الصور والكلمات الواردة فيها. فالشعر يعتمد في وجوده على تلك الروابط المتحركة بداخله. هو فن يعيش في زمنه. يعبّر ويستحضر تلك الروابط المتحركة بين إدراك الفرد والعالم. إن آلية عمل القصيدة تقوم على نقل الطاقة الإنسانية . و أظن أن بمقدوري تعريف طاقة الإنسان بكونها قدرته على الإدراك، وعلى إحداث تغيير في ظروف وجوده.

إن تقبل معاني الشعر من شأنه أن يمهد لاستخدام الشعر كتمرين للاستمتاع بإمكانية التعامل مع المعاني الأخرى في العالم وفي حياة الفرد بطريقة مختلف . من الطريف أن نلاحظ أن كافة الأسباب التي عرضتها (روكيسر) في زمن نشر كتابها عام ١٩٤٩ لا زالت موجودة في زمننا الحالي بشكل أكثر وفرة و إلحاحاً من ذي قبل.

في اللحظة التي نواجه فيها آفاقًا وتضادات أكثر اتساعاً مما سبق، غالباً ما نلجأ لمصادرنا الخاصة التي هي مصدر قوتنا. لننظر، مرةأخرى، لأماني الإنسان ومعتقداته. وتلك المصادر هي التي يمكن لخيالنا، من خلالها، أن يقودنا للتفوق على أنفسنا.

إذا حدث وراودنا شعور بفقدان شيء من تلك الوسائل، فربما يكون سبب ذلك الشعور هو عدم استخدام إحداها، أو ضرورة إيجاد الكثير منها والبدء باستخدامها هي الأخرى.

لطالما قيل أنه يتوجب علينا استخدام طاقاتنا البشرية، و بأن ثقافتنا هي التي تحثنا على استخدام كل مافيها من ابتكارات وحقائق. ولكن، ثمة نوع من أنواع المعرفة الثمينة، المتمردة، والتي تفوق الأوابد الأثرية في قدرتها على تحدي الزمن، والتي يجب أن تتناقلها الأجيال فيما بينها بأية طريقة تكن، ألا وهي الشعر.

تعود (روكيسر) هنا للحديث عن الدور الفردي للشعر، وعلاقته بالعلم وباقي الفنون، لتقول:

ولأن من الصعب أن نوقف هذا الكم الهائل من الأحداث والمعاني التي تحدث كل يوم، آن الأوان لنستذكر شكلاً آخر من أشكال المعرفة والمحبة. هذا الشكل الذي لطالما كان وسيلة لبلوغ أقصى أنواع المشاعر والعلاقات تعقيداً. وهذه الوسيلة تشبه غيرها من العلوم والفنون، بيد أنها تمتاز عنها بقدرتها على تأهيل خيالنا للتعامل مع حيواتنا. وأعني بتلك الوسيلة الشعر.

بعد ذلك، تعرض (روكيسر) تعريفًا لا غنى عنه لطبيعة ومغزى الشعر في وجهة نظر عرضها الفيلسوف والكاتب البريطاني (آلان دي بوتون) بعد ما يقارب النصف قرن من الزمن. يقول (بوتون):

يحمل الفن وعداً بالكمال الداخلي.

وفي هذا الصدد تكمل (روكسير) حديثها قائلة:

إن الشعر، فوق كل شيء، هو مقاربة لحقيقة أحاسيسنا، ولكن، ما هي جدوى تلك الحقيقة؟

مهما بدت مشاهد حيواتنا مربكة أو مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيش تلك المشاهد، منهكين، بإمكاننا مواجهتها والسير  لبلوغ الكمال.

تذهب (روكيسر) إلى اعتبار الشعر فناً يحضى بأقل قبول بين غيره من الفنون. وتعزو ذلك الى ارتباكنا الأبدي أمام عواطفنا. فضلًا عن تشبثنا الخاطئ بفكرة فصل العاطفة عن الفكر.

أما فيما يتعلق بأصل رفضنا للشعر، والمتمثل بذلك الخوف الذي يعبر عن خلل نفسي، تقول (روكسير):

إن القصيدة الشعرية ليست دعوة فقط، بل هي ضرورة ملحة. فما الذي تدعو إليه القصيدة؟

يمكن للقصيدة أن تحرك فينا العواطف والأحاسيس، بل وربما تتطلب منا استجابة شاملة، وهذه الاستجابة الشاملة لا نصل إليها إلا عن طريق المشاعر. كما أن القصيدة المكتوبة بعناية غالباً ما تستحوذ على خيال قارئها فكرياً. فعندما تدرك القصيدة فكرياً، هي تسلك طريقها إليك عبر المشاعر أو مايمكننا تسميته بالأحاسيس.

ولفهم ذلك، ينبغي عليك، عزيري القارئ، أن تلقي نظرة على النسخة الأصلية من رواية (الأمير الصغير) للكاتب الفرنسي (أنطون سانت إكزوبيري) والصادرة عام ١٩٤٣، والتي تنتمي للأدب الكلاسيكي للطفل، والمكتوبة بلغة شعرية رقيقة تلامس القلب. إذ يقول كاتبها:

سيشرق الأمير الصغير على الأطفال بذلك النور الطاغي الذي سيلمس فيهم شيئاً آخر سوى عقولهم. حتى يأتي للوقت المناسب ليستوعبوا ما حدث.

وفي العودة إلى أولئك الذين لا زالو يستنكرون الشعر، تمعن (روكيسر) النظر في ما أسمته “جذور التواصل” عبر تعريفها للشعر بما يلي:

ينبع الشهر من أعماق ناظمه، إذ يخيل لقارئ الشعر الحقيقي أن مشاعر الشاعر تخاطب مشاعره.

وبما أننا قد حُرمنا تلك الهبة، ألا وهي الشعر، تعيد الشاعرة (روكيسر) صياغة مقولة الرسام الإسباني (بابلو بيكاسو) الشهيرة ” كل طفل فنان” بطريقتها الخاصة. فهي ترى أن كل طفل هو مشروع شاعر، إذ تقول:

إن ذلك الخوف الذي يجعلنا نرفض الشعر هو خوف متعمق في ذواتنا منذ أواخر مرحلة طفولتنا، إذ لم نكن نمتلك ذلك الخوف من قبل. فالطفل الصغير لايعرف هذا الخوف لأنه يثق بمشاعره. بيد أن الحواجز تُبنى على عتبات مرحلة المراهقة. أما في سن الرشد، فغالباً مايرمي الناس الشعر وراء ظهورهم. ولا أعني بذلك المعنى الحرفي للكلمة، أي كما يتخلص الأطفال من ألعابهم القديمة، بل أقصد تلك القناعة الصادمة بكون الشعر يقع خارج نطاق اهتماماتهم.

ولا عجب أن يقوموا بازدراء الشعر أثناء جلوسهم في المقاهي. وهذا الازدراء متأصل فينا جميعاً. لأننا لم نتعلم حب الشعر في مدارسنا البتة. وهذا ما يجعل (روكيسر) تكرر عبارة الكاتب الأمريكي (ريتشارد بوكيمنستر فولر) بشكل شبه حرفي. لتعرض، مرة أخرى، أوجه الشبه بين العلم والشعر، حيث تقول:

إن ثقافتنا في التعليم ثقافة تخصصية. فهي تعمل على تزويدنا بمعلومات وخبرات في مجال محدد دون غيره من المجالات. وهذه الخبرة تؤهلنا للتعامل مع مشكلات محددة هي الأخرى. إذ تسمح لنا بمواجهة الواقع العاطفي والواقع الرمزي بشكل خجول .

يمكن لعالم مبتدئ، أو كاتب محترف أن يتساءل قائلاً: كيف بمكنني الحكم على جودة قصيدة بعينها؟ بإمكاني الجزم بجودة الأشياء الواقعة في مجال تخصصي، بيد أنني أجد نفسي غير قادر على الجزم بكون قصيدة ما جيدة أم لا.

أما في الرد على تساؤل كهذا، فيمكننا القول بأن من قاموا بطرحه هم أناس يفتقرون الثقة بمشاعرهم ورود أفعالهم.

إن فقدان ثقتنا بمشاعرنا هو نوع من أنواع انعدام الشعور بالأمان. ولن نتمكن من التخلص من شعورنا الداخلي بافتقارنا الى الكمال، إذا لم نكن قادرين على دمج كل العناصر المكونة لشخصياتنا من أجل تحقيق التكامل الذي تشكل ملكة تذوق الشعر جزءاً منه.

إن هذا الجمع بين العناصر التي تتحرك سوياً وفق نظام مرئي أصبح واضحاً في كل العلوم، فلا عجب أن يكون حاضراً في كتاباتنا أيضًا. و أينما وجد، فبمقدوره أن يعطينا نوعاً من الخيال الذي يمكننا من التلاقي مع العالم. كما يعزز قدرتنا على التعامل مع أية وحدة مكونة منعناصر متعددة، تعتمد في وجودها على بعضها البعض.


[المصدر]

جون ستيوارت ميل في المسوغ الوحيد للتعرض لحرية الفرد

جون ستيوارت مل (1806-1873) هو فيلسوف واقتصادي بريطاني.

في السابعة عشرة من عمره، بلغ مبلغ الرجال على المستوى العقلي، فقد كان صافي الذهن، صريح، فصيح جدا، بالغ الوقار دونما أثر لخوف أو غرور، وخلال السنين العشر التالية، زاول كتابة المقالات والنقد، وحمل عبء الحركة النفعية على كاهله، وكانت مقالاته مصدر شهرة واسعة له، مما جعله خبير في الشؤون العامة.

تعد مفاهيم الحرية هي الرمز الأول الذي يرتبط بكتابات وفلسفة (جون ستيورات ميل)، فمن آبرز إنتاجاته كان كتابه (الحرية) والذي نقله إلى اللغة العربية الأستاذ (طه السباعي باشا).

يقول (ميل) في أحد فصول كتابه، كان عنوانه “في أن المسوغ الوحيد للتعرض لحياة الفرد هو حماية مصالح الغير”:

… ومضمون هذا المبدأ أن الغاية الوحيدة التي تبيح للناس التعرض، على الانفراد أو الاجتماع، لحرية الفرد هي حماية أنفسهم منه. فمنع الفرد من الإضرار بغيره هو الغاية الوحيدة التي تسوغ استخدام السلطة على أي عضو من أعضاء جماعة متمدينة، أما إذا كانت الغاية المنشودة من إرغام الفرد هي مصلحته الذاتية أدبية كانت أو مادية، فذلك لا يعتبر مسوغًا كافيًا؛ وإذن لا يجوز البتة إجبار الفرد على أداء عمل ما أو الامتناع عن عمل بدعوى أن هذا الأداء أو الامتناع أحفظ لمصلحته وأجلب لمنفعته وأعود عليه بالخير والسعادة ولأنه في نظر سائر الناس هو عين الصواب بل صميم الحق.

ثم يتابع بعد ذلك في الفصل ذاته:

فالإنسان غير مسؤول أمام المجتمع عن شيء من تصرفاته إلا ما كان منها ذا مساس بالغير، فأما التصرفات التي لا تخص غير نفسه ولا تتعلق بغير شخصه فهو فيها كامل الحرية مطلق الإرادة، وذلك لأن الإنسان سلطان في دائرة نفسه وأمير حر التصرف في جسمه وعقله.

يتطرق بعد ذلك (ميل) إلى الأحوال التي يجوز فيها التعرض لحرية الفرد، على حد تعبيره، فيقول:

والواقع أن الفرد قد يؤذي غيره بالكف عن التصرف كما قد يؤذيهم بالتصرف، وفي كلا الحالتين يحق للغير محاسبته عمّا ألحق بهم من الأذى؛ على أن استعمال الإكراه في الحالة الأولى يستوجب من الحذر والاحتراس ما لا يستوجباستعماله في الحالة الثانية؛ لأن القاعدة في هذا الباب هي محاسبة المرء عما وقع بغيره من الضرر، أما محاسبته لإهماله في دفع الشر عن سواه فشذوذ واستثناء، ولا يسوغ ولا يبرر إلا في الأحوال الخطيرة التي ينتفي عنها كل شك وارتياب وكثير ما هي.

وأخيرًا، يضع (ميل) في ذلك قاعدة للمجتمعات الحرة، فيقول:

فأيما مجتمع لا تُحترمك فيه تلك الحريات على وجه عام فهو غير خليق بأن يوصف بالحرية مهما كان شكل حكومته؛ وأيما مجتمع لا تقوم فيه تلك الحريات موفورة غير منقوصة، وخالصة غير مشوبة فهو غير كامل الحرية. ولا بدع فإنما الحرية في صميمها وجوهرها إطلاق العنان للناس يلتمسون مصلحتهم أيّان يبتغون وكيفما يريدون، ما داموا لا يحاولون حرمان الغير مصالحهم، وعرقلة مجهودهم في سبيل مرافقتهم. فالفرد دون سواه هو المسؤول عن نفسه، وهو أحق الناس بأن يكون الولي على أحواله بدنية أو عقلية، مادية أو أدبية.

كيف تجد صوتك الفني؟ (بين فولدز) يكتبُ عن التعاطف والإبداع وشجاعة أن تعرف نفسك

ما يمكن أن يقدمه الفنان واضح لأي شخص عدا للفنان نفسه.

“أفضل ما يمكن قوله عن حياتي حتى الآن هي أنها كانت حياة كفاح، وأفضل ما يمكن قوله عني هو أنني لم أتظاهر بما لم أكن عليه في الحقيقة” هذا ما كتبته عالمة الفلك (ماريا ميتشل) في مذكراتها في ذروة حياتها المهنية المُجددة فيما كانت تتأمل فن عثور المرء عن غاية حياته.
بعد قرن من الزمان عرض (إي إي كامينجز) نصيحته المدهشة للفنانين الشباب : “ألا تكون أحدًا سوى نفسك في عالم يبذل قصارى جهده ليلًا ونهارًا ليجعلك شخصًا آخر يعني أن تحارب في أصعب معركة يمكن لأي إنسان أن يخوضها”.

هذه بالطبع هي المعركة الدائمة لكل شخص مبدع في أي مجال- وهي ما أسماها (جيمس بالدوين) “صراع الفنان لأجل تحقيق نزاهته” وقد تكررت هذه المعركة مرارًا وتكرارًا على نطاق أجيال وحضارات وخاضها كل مبدع ذو رؤية كـ(سافو) و(شكسبير) إلى (كامينجز) و(بالدوين). إنها معركة لا يمكن كسبها إلا بشجاعة الابتكار بدلًا من إرضاء أذواق الآخرين وذلك لتعزيز رؤية الفرد وحساسيته الفريدة ضد المد المتصاعد للتقاليد وما هو متفق عليه. وهكذا ففي أي مجموعة من الأعمال التي تتميز بالأصالة الحقيقية يرتبط الإبداع بالشجاعة ارتباطًا لا انفصام فيه، حيث يتحول الإبداع دون شجاعة إلى أحلام يقظة غير مثمرة وتتحول الشجاعة دون إبداع إلى غطرسة لا تطاق.

كل ذلك وأكثر هو ما يستكشفه الموسيقي (بين فولدز) في مذكراته الجميلة (حلم حول حشرات مضيئة؛ حياة من الموسيقى ودروسٌ رخيصة)، وهو فنان ذو رؤية تكسر التقاليد وذو شجاعة إبداعية عنيدة ، وتعكس مذكراته روحه الظريفة اللامعة الأصيلة والمتعاطفة  ووعيه الذاتي الرحيم والذي غالبًا ما تصاحبه عبقرية متواضعة تتوارى في الظلال هربًا من التواجد في حالة وهج المسرح القاسية وتسليط الأضواء والاهتمام الذي يتخللها. 

حتى عنوان الكتاب يُوصي بنزع سلاح انتقاص الذات، مما يجعل الكتاب عفويًا وممتعًا للغاية. بالتأكيد الدروس ليست رخيصة بالمعنى الحرفي فهي تعليم مُكلّف نتج عن محنٍ لا تُعد ولا تُحصى وتم تلقّي هذه الدروس وتمريرها بإخلاص لا ادعاء فيه وروح مرحة، هذه الدروس سجل أصيل غير محسن لانتصارات فوضوية للنضج والنزاهة الفنية ، وهي بمثابة توكيد تم اختباره ويبث الحياة في نفس القارئ لكون مثل هذه الانتصارات تنتظر أي شخص موهوب بما فيه الكفاية ومستعد بما يكفي للمخاطرة بالإذلال وانفطار القلب والفقر والكدح الذي لا نهاية له ورفض المؤسسة المتكرر من أجل تحويل رؤية مستبعدة الحدوث إلى شيء يغير المشهد الفني للواقع.

في تقليد الحالمين ذوي الرؤية الذين تلقوا ومرروا للآخرين تجربة رمزية من الطفولة أضاءت طريقهم الإبداعي – مثل (بابلو نيرودا) واليد التي تخللت السياج، و(ألبرت أينشتاين) والبوصلة، و(باتي سميث) والبجعة والشراع الأزرق، يفتتح مثلهم (فولدز) بأول حلم يتذكره والذي حلم به عندما كان في الثالثة من عمره:

كانت أحد أوقات الغسق الرطبة في الجنوب التي عرفتها حين كنت طفلًا. أحد تلك الليالي التي كنت أتطلع فيها إلى أن يبرد الجانب السفلي للوسادة، حتى يمكنني قلبها لأحصل على شيء منعش لأريح رأسي عليه لدقيقة أو نحو ذلك. وصف الرفاق قديمًا هذا الطقس بأنه “قريب”. في حلمي كنت مع مجموعة من الأطفال وكنت ألعب في الفناء الخلفي لمنزل عائلتي في جرينسبورو في جنوب كارولينا.

أضاءت اليراعات أو “الحشرات المضيئة” كما كان يسميها الرفاق القدامى في تتابع مذهل وألقت بريقًا حول الفناء الخلفي. بطريقة ما كنت الشخص الوحيد القادر على رؤية هذه الحشرات المضيئة ولكن إذا أشرت إليها أو ألقيت بها في جرّة فسيتمكن حينها الآخرون من رؤيتها أيضًا، وقد جعلهم هذا سعيدين.

كان هذا واحدًا من تلك الأحلام التي تشبه الأفلام، أتذكر لقطة بانورامية عريضة مظللة لمجموعة أطفال، كانت أشبه بتجربة خارج الجسد فيما كنت أقف خارج اللقطة في الأمام. كان هناك ضحك مبتهج فيما كانت سماء سيينا المحترقة منقطة بحشرات مضيئة لم يستطع أحد رؤيتها حتى أريتهم إياها مشيرًا إليها. وأتذكر لقطة أخرى أقوى لوجوه الأطفال وهي تضيء فيما كنت أسلمهم الجرات المتوهجة باليراعات التي قبضت عليها داخلها. شعرت بحاجتهم إليّ وبأنني موهوب في شيء ما.
صنع الفن في أساسه هو تتبع ما يضيء لك ووضعه في جرة لتتشاركه مع الآخرين.

يتفكر (فولدز) مليا ويقول بأن الفنانين مهووسون بالسعي وراء اللمعان والضوء كما أنهم مفعمون بحيوية الدافع الذي لا يمكن كبته لمشاركة هذا الضوء مع الآخرين- ويدل على ذلك إصرار (آني ديلارد) بأن كرم الروح هو أعظم قوة تبعث الحياة في الفن. يكتب (فولدز):

نريد أن نعطي شكلًا لما نشعر به فيما نسرع خلال اللحظات في اليوم الواحد ، ما كان واضحًا ولكنه ضاع في الصخب. نريد أن نعرف أن شخصًا آخر لاحظ هذا الشكل الذي شككنا أنه كان يحوم فوق محيطنا. ونريد لهذا الشكل ووميض تجربة الحياة المشتركة أن يُحبس في زجاجة، وأن يُشغل على شاشة كبيرة، ويزين حائط غرفة معيشتنا، أو يُغنى لنا عبر مكبر صوت. إنه يذكرنا بأين كنّا وما شعرنا به ومن نحن ولماذا نحن هنا.
نرى جميعًا شيئًا يومض في السماء في وقتٍ ما ولكن يتطلب الأمر الكثير من العمل لوضع الوميض في زجاجة. ربما لهذا السبب يصبح البعض منّا فقط فنانين. لأننا مهووسون ومثاليون ومنضبطون أو طفوليون بما يكفي للخوض في كل ما هو ضروري مكرسين الحياة للبحث عن هذا الوميض المراوغ قبل كل شيء.

يجادل بأن الفنانين ليسوا مخترعين ولكنهم يكشفون عن الحقيقة والجمال فهم أشخاص “يشيرون إلى الأشياء التي كانت موجودة هناك دائمًا، والتي كانت تنّقط السماء دائمًا” جاعلينها مرئية للجميع ليتمتعوا بها. ويضيف:

مهمتي هي أن أرى ما يومض في الظلام وأن أشحذ المهارة المطلوبة لوضعه في جرة ليراه الآخرون. تلك الساعات الطويلة من الممارسة والمقاييس المملة واجتياز الألحان الميتة المخبأة خلف الأعين بحثًا عن تلك التي لا تزال تنبض بالحياة، وكل ذلك الفشل المُحبط طوال الطريق، والنقد الداخلي والآتي من الآخرين وكل الأشياء غير اللامعة التي ترافق إتقان الحرفة.  كل هذا لأجل تلك اللحظة التي ترى فيها جرة تضيء وجه شخص ما.

ولكن بالنسبة إلى (فولدز) الذي ولد لعائلة من الطبقة العاملة في الجنوب حيث كان أكثر شيوعا وقبولًا أن يصبح مقاولًا من أن يصبح ملحنًا، ربما كانت الشرارة الإبداعية ستنطفئ في وقتٍ مبكر لولا والدته. فبعد أن نشأت والدته في دار للأيتام وتميزت بنزعة إبداعية متمردة أصبحت محامية دفاع عن ميول ابنها الابداعية القوية.

وكطفل غير عادي مهووس بالموسيقى وعلم الفلك، شديد التركيز وغير قادر على التكيف مع المقاطعة كان بين الصغير يمضي ثماني ساعات في اليوم مبتهجًا أمام المسجل متأملًا كل نوتة موسيقية. وجدت جدته أن هذا الأمر مثير للقلق الشديد وأرسلته إلى طبيب نفسي للأطفال والذي اعتقد أن بين يمر بتحدٍ في نموه وأوصى بإيقافه لمدة عام أو عامين عن المدرسة. رفضت والدته التشخيص بشكل قاطع مستشعرة موهبة استثنائية لدى طفلها. وبدلًا من ذلك سمحت له بقضاء أيامه مع المسجل وبدأت تقرأ له كل ليلة لسنوات وألحقته بالصف الأول قبل أوانه بعام كامل. يكتب (فولدز) متأملًا الحادثة:

رأت فشلي في اختبار الطبيب كدليل على اتقاد مخيلتي. لقد ذكرتها بنفسها.

جلبت طفولته دروسًا أخرى من الحياة اليومية والتي ستختمر لاحقًا في جوهر أخلاقياته الفنية. تواجد في ثقافة الجنوب المهذبة بعض المتعصبين ذوي المكانة الباعثين على الأسى وكان (فولدز) بالكاد يحتمل الالتقاء بهم. ولكن تلك اللقاءات أصبحت أرضية اختبار للعلامة الأهم للفنان “التعاطف” [لكيلا ننسى لم تدخل كلمة “التعاطف” في المعجم الحديث إلا قبل قرن من الزمن لوصف الفعل التخيلي لإسقاط الذات في عمل فني] وفي الجيل الذي تلى (كارل ساجان) وضع الناس في الاعتبار ما الذي يتطلبه الأمر لتجاوز ثنائية [“نحن” ضد “هم”] وتجسير المسافة بين الإدانة والتعاطف، يكتب (فولدز) موضحًا هذا:

باحترام أكثر الشخصيات وضاعة ككائنات بشرية بمنحهم التعاطف الذي نستطيع تقديمه و وتحميلهم مسؤولية خياراتهم أيضًا. لا يمكنك حقًا إدانة الوحش لكونه وحشًا، إنه يحاول فقط أن يكون أفضل وحش يستطيع أن يكونه. بالتأكيد من الأسهل صنع صورة كاريكاتورية لشخص لا تريد أن ترتبط به ولكن كلما زاد عدد الخطوط التي يمكنك تخطيها  كلما اقتربت من الموضوع وأصبحت كتابتك للأغاني أفضل وأكثر تعقيدًا وفعالية. تعلمت من الأثرياء ماديًا إلى الأثرياء بعقولهم أن ألتقي بالناس كل واحد على حدة.

يتأمل (فولدز) هذا الدرس والذي شكّل فيما بعد عملية كتابته للأغاني:

قف في أكبر عدد ممكن من أحذية الآخرين حتى تلك التي تعتبرها بغيضة ومنفرة حتى لو كان ذلك للحظة واحدة فقط.
إذا كنت ستصبح سائحًا كن سائحًا محترمًا. لاحظ، بلّغ، تخيل وابتكر واستمتع بذلك، ولكن لا تكتب أبدًا عن شخصية أو عن وجهة نظرها لأن الجميع هم الشخص الأكثر أهمية في العالم ،على الأقل بالنسبة لذلك الشخص. ضع نفسك على قاعدة صلبة من الصدق ومعرفة الذات حتى تأتي كتابتك من وجهة نظرك الفريدة. اعلم أين تقف وما هي عيوبك، اعرف نفسك. عندها يمكنك نسج ما تشاء وكتابة كل الحكايات الطويلة التي تريد. إن ذلك فن.

أخيرًا، التعاطف ووجهة النظر هما كل شيء، ولا ينبغي أخذ أي منهما كمسلمات. في النهاية هناك دائمًا شخص ما يعتقد أنك الوحش. تذكر أن الأرض تحت قدميك يمكنها أن تتحرك ويجب أن تخضعها للتساؤل دائمًا.

هذا السؤال حول كيفية تثبيت الذات بحزم على “أساس الصدق ومعرفة الذات” هو أمر أساسي لسعي المرء لإيجاد هدفه الإبداعي وتوجهه، أو ما يسميه (فولدز) “الصوت الفني” ويكتب عنه قائلًا:

ما أقصده بالصوت الفني هو بصمة الإبهام الفنية  أي الأشياء المتفردة التي تجعل الفنان فريدًا. إنه ليس علمًا دقيقًا والعثور عليه هو عملية مؤلمة دائمًا. أعتقد أن الأمر يجب أن يكون متعلقًا بالاقتطاع. إنها ليست مسألة طهي شخصية أو أسلوب بقدر ما هي نزع ما يغطي الجوهر وبما هو موجودٌ من الأساس هناك.

يكتب (فولدز) بما يتماشى مع النظرة الثاقبة لعالم الأعصاب الكبير (أوليفر ساكس) حول دور التقليد الحاسم لتطوير الأصالة: 

في بعض الأحيان الأصالة هي مجرد النصوج والانتهاء من مرحلة التقليد. يمر معظم الفنانين بفترة يشبهون فيها موسيقييهم المفضلين، وبمجرد أن يتعلموا من ذلك سيمكنهم النضوج وتجاوز ذلك. في بعض الأحيان يكون الاقتطاع هو التخلص من فكرة خاطئة حول كيفية أداء الموسيقى في الحقيقة أو كيفية صنع الفن. أيًا كان ما ستقتطعه فإن الصوت الفني الذي ستكتشفه سيكون في الوضع المثالي شيئًا لم تره أو تسمعه من قبل.

يكتب (فولدز) مرددًا صدى (نيتشه) الذي أصر قائلًا “لا أحد يستطيع أن يبني لك الجسر الذي عليك أنت فقط أن تبنيه لتعبر نهر الحياة”:

هذا البحث المستحيل عن الصوت هو في النهاية حول أن تكون نفسك. إنه صدق النفس.  وفي تلك اللحظات التي يظهر فيها الصوت الفني وجهه، سيصعب تخيل ما كان صعبًا جدًا في عملية العثور عليه. ولكن يصعب حقًا الوصول إليه. إضافة إلى التحدي المتمثل في البحث عن شيء لا يوجد لديك مثال سابق عليه.
ما يجب أن يقدمه الفنان واضح بالنسبة لأي شخص سوى الفنان نفسه. ليس من العمق الرهيب أو التجريد القول بأن الطريقة التي نسمع فيها صوتنا الناطق فيما يتردد صداه في جمجمتنا  هي ليست ذات الطريقة التي نسمع فيها أصوات الآخرين. لن نحصل أبدًا على فرصة الالتقاء بأنفسنا كما يلتقي بنا الآخرون. الأمر ذاته ينطبق على الصوت الفني، إنه شيء تشعر به في الظلام.

(حلم حول حشرات مضيئة) هو كتاب ممتع في مجمله، يضيء عناصرًا من حياة (فولدز)، الكرم الغامر لأحد كبار السن من عازفي البيانو الذي اكتشف موهبة نادرة لدى المراهق الوغد، والغباء الحصري لحب الشباب، والولادة المنظورية لأطفاله، وتجربة الاقتراب من الموت والتي تتضمن طائرة وسرقة  وكارثة في الأسنان، جمع دروس ثرية عرضت دون قصد حول حياة الفن وفن الحياة. [الكتاب الصوتي مبهج بالتحديد لأن (فولدز) يرويه بنفسه وهو مزين ببعض المؤثرات الصوتية والمقاطع الموسيقية ويضم مفاجئة ساحرة من قبل (أماندا بالمر)].


[المصدر]