عبداللطيف اللعبي، وحديث عن السجن والشعور بالذات

عبداللطيف اللعبي

عبد اللطيف اللعبي ولد عام 1942،  وهو كاتب وشاعر ومترجم مغربي مهتم بالآداب الفرنكفونية.  و عضو اتحاد كتاب المغرب،  شارك سنة 1963 في تأسيس المسرح الجامعي المغربي. أعتقل اللعبي بسبب نشاطه السياسي سنة 1972، حيث كان من مؤسسيي الحركة المتطرفة (إلى الأمام)، ولم يسترجع حريته الا سنة 1980 على إثر حملة دولية واسعة. سنة 2009 وعلى أثر سجنه  الذي امتد 10 سنوات. وجد نافذة لكتابة كتابه الاكثر تأثيراً (يوميات قلعة المنفى رسائل السجن 1972- 1980)، متحدثاً  عن تجربته المختلفة والعميقة خلف القضبان فقال في أحدى مقابلاته الصحفية  بهذا الشأن

الجهة التي سجنتني أرادت أن تقطع صلتي بحياتي ، وبالطبيعة من حولي وبأصدقائي، كان هدفها ان تدمر احساسي وشعوري ولقد حاولت ذلك عملياً بالتأكيد أن السجن مكان معركة هدفها تدمير الانسان. ولقد دمر بعضهم فانهزموا وذهبوا، ولكن في الوقت نفسه فالسجن مكان معركة تعلم كيف تواجه الواقع الذي انت جزء منه، وتعلم كيف تفهم هذا الواقع بشكل شامل. الخطوة الاولى لتعرف الواقع؛ هي ان تحدد نفسك، من أنت؟ السجن مدرسة نفاذة وسليمة بهذا المعنى لان المرء لا يستطيع ان يهرب من نفسه، ولا يستطيع أن يكذب على نفسه نحن عادة نمثل انفسنا ولا نواجها بشكل حاسم ولذلك قد تنتهي حياتنا دون ان نعرف من نحن.

وقال أيضًا:

من الضروري ان يراقب الانسان نفسه، لكي يعرف الواقع. الضرورة هنا يشبه معناها اننا لا نستطيع ان نفهم الشجرة دون أن نتخيل جذورها. ففي السجن ادركت في داخلي برا مهجوراً من قبل جسمي وأفكاري، وبعد الوصول إلى هذا البر المجهول نجحت في الحفاظ على هذا الاحساس في داخلي، انه الشعور بالحياة الداخلية.

وفي رسالة، من داخل السجن، إلى زوجته (جوسلين ماري) عام 1973، كتب قائلًا:

من المستغرب انه في كل الظروف التي عشتها هنا إلى الان، وحتى خلال فترة العزلة لم أعرف أبدا شيئاً اسمه السأم .فقد كان رأسي دائما مملوء لحد التخمة وكذلك كان قلبي، حتى انه في بعض الاحيان أجد صعوبة كبيرة في العودة من عالم رؤاي وأحلامي ثم هناك الاشياء التي تعرفينها جيداً، تلك التي أحدثك عنها والتي تعلو على الباقي شيء اخر قد يعتقد البعض ان الوقت في السجن أطول من غيره أعتقد أني أحس بالعكس تماماً فالنهار يمر بسرعة لابأس بها، ربما لان لا شيء يحدث أو ربما لان العمل شيء مفقود. أظن ان القراءة والحلم دورا كبيرا في ذلك ثم ان الوقت غير موزع على شكل ساعات ودقائق، زمن اجتماعي، زمن اقتصادي، واخر ثقافي، انه زمن غير قابل للتوزيع ينقضي من خلال قطع من الانفعالات والاحلام والحوار الاخوي الانساني، فهو زمن يصلني بك دون انقطاع انه زمن الحب والزخم لقد جعلتك تعيشين معي بشكل مختلف هذا المساء. إن حياة السجن حياة متواضعة ولكننا استطعنا ألا نكابدها، ككابوس أو كهوان وضعف جعلنها اهلة بقيمنا الاكيدة، واحتفلنا فيها بانتصار الحب. هل أحزنتك يا حبيبتي؟ لا، لا أريد ذلك كنت أريد أن أجعلك تلمسين خفقات قلبي في تتابع المعيش العادي.

وعن مأساته الشخصية خلف القضبان قال:

لا تعتبر المأساة التي تحدث لك شيئا استثنائياً غير عادي يخصك وحدك، من الضروري ان تفكر بمأساتك في ارتباطها مع مأسي الاخرين. فاذا قمت بالمقارنة فانك ستعرف ان مأساتك ليست مطلقة ولست استثنائية، عندئذ تستطيع أن تراها في نسبيتها، وتستطيع ان تواجهها بهدوء. اذا فكرت بمأساتك ففكر مثلاً بأطفال الصومال، أعني فكر بمعاناة الاخرين بواسطة معاناتك.

لماذا ندرس العلوم الإنسانية؟ جون هورجان يجيب

جون هورغان

جون هورجان (مواليد 1953)، هو كاتب أمريكي، اشتهر عام 1996 بكتابه (نهاية العلم). نشر العديد من المقالات في عدة صحف شهيرة، منها (ناتشيونال جيوغرافيك)، (نيويورك تايمز)، وغيرها. يدير (هورجان) مركز كتابات العلوم في معهد ستفينسونز التكنولوجية.

في مقالة نشرتها مجلة (Scientific American) العلمية الشهيرة، بعنوان “لماذا ندرس العلوم الإنسانية؟ حديثي مع الطلبة في كلية الهندسة”، نقدمها بترجمة حصرية لدى ساقية، تحدث (هورجان) عن أهمية العلوم الإنسانية، فيقول مستفتحًا:

ما أهمية العلوم الإنسانية ؟ ما الذي سنجنيه من دراسة الفلسفة والتاريخ والأدب و العلوم الناعمة كعلم النفس والسياسة؟ هذا ما حاولت لجنة الانسانيات والعلوم الاجتماعية التي تتكون من مجموعة من كبار الأكاديميين والسياسين والعاملين في قطاع الشركات و الترفيه الإجابة عليه في تقرير مطول تم تقديمه إلى الكونجرس الأمريكي. يهدف التقرير إلى دعم و مواجهة القصور في الاقبال على الإنسانيات، حيث يتنامى انطباع يرى هذه التخصصات كماليات لا يستطيع الطلاب تحمل عناء تكلفتها كما أشارت إلى ذلك صحيفة النيويورك تايمز.

يقول التقرير الذي عُنْوِنَ بـ(جوهر القضية): “في سعينا الجاد لصناعة خطاب عام أكثر مدنية، وقوى عاملة أكثر إبداعاً وقدرة على التكيف، وأمة أكثر أمناً، تقع الإنسانيات والعلوم الإجتماعية في جوهر هذه القضية. حيث تحافظ هذه العلوم على الدولة من خلال كونها مصدراً للقوة المدنية والذاكرة الوطنية والتفاهم الثقافي والقيمة الفردية والمُثل التي نتشاركها جميعاً. كل هذه الأمور تعتبر حساسة وحاسمة للمجتمع الديموقراطي ومن هنا فإن هذه العلوم تحتاج إلى دعمنا.”

في الحقيقة فإني أجد هذا الدفاع عن العلوم الإنسانية فيه من التكلف والغموض الكثير.  خلال السنوات الماضية استطعت أن أصيغ دفاعي الخاص عن الإنسانيات وذلك أثناء تدريسي مقرر جديد للطلبة المستجدين في معهد ستفينسونز التكنولوجية. اشتملت الخطة الدراسية على وجوه الفكر والفلسفة والأدب في الحضارة الغربية كـ(سوفوكليس)، (أفلاطون)، (ثيودوروس)، (شكسبير) و(ديكارت) و(هوبز)، (لوك)، (كانط)، (مِل)، (ماركس) و(نيتشه)، و(ليم جيمس)، (فرويد)، (كينز)، (إليوت). شخصياً، أحب تدريس هذا المقرر، ولكن أعلم بأن أغلب الطلبة لا يودون دراسته. ولذلك قمت بسؤال التلاميذ “كم شخص يود تجاوز هذا المقرر في حال أنه لم يكن مقرر عليهم إجبارياً؟” وبعد طمأنتي بأنهم لن يؤذوا مشاعري ارتفعت كل الأيدي.

وعندما حاولت استقصاء أصل الإشكال، علل الطلاب مجيئهم للجامعة برغبتهم دراسة الهندسة وعلوم الحاسوب والفيزياء والطب والاقتصاد وانتاج الموسيقى الرقمي وما إلى ذلك من تخصصات.  فلا حاجة لهم بدراسة هذه العلوم التي لن تفيدهم بشيء في مسيرتهم المهنية مستقبلاً.


ولطالما كانت الإجابة عن سؤال “هل يعرفون سبب فرض هذا المقرر عليهم؟”  إجابة متحاذقة ومتعجرفة على النحو الآتي “إرادة الجامعة بأن تكون دراستنا أكثر توازناً وشمولاً”. هذه الإجابة أثارت حفيظتي واستغرابي دوماً، فلم أجد لها معنى. فليس الهدف أن تكون قادراً على الثرثرة عن (شكسبير) أو غيره في المناسبات للتباهي إن كان هذا ما تعنيه جملة “أكثر توازناً وشمولاً”. كنت أعقب هذا الحوار بكلمة عن المقرر أقول فيها: “نحن نعيش في زمن أصبح فيه العلم مسيطراً على كل شيء. هذا أمر جيد، فأنا أصبحت كاتب علمي لأنني أرى أن العلوم هي أكثر الأمور حيوية ونشاطاً وتشويقا في الثقافة البشرية، ولذلك أردت أن اكون جزءاً من هذا .”

بالإضافة إلى ذلك، فإن اثنان من أطفالي في عمر الجامعة ولا أخفيكم بأنني سوف أشعر بسعادة غامرة إذا ما قررا أن يكملا مسيرتهم المهنية في علوم كالهندسة أو الطب. وسوف أحثهم على تعلم المزيد من العلوم والرياضيات بقدر استطاعتهم لأن هذه المهارات سوف تزيد من فرص حصولهم على عمل ذو قيمة رفيعة الشأن. إلا أنه وبسبب قوة ونفوذ العلوم نحتاج الإنسانيات الآن أكثر مما مضىى؛ أكثر ما نتلقاه في محاضرات الرياضيات والهندسة من حقائق وإجابات ومعارف تصاغ من قبل المعلم على أنها قطعية وإلزامية غير قابلة للشك. ما تقوم به العلوم الإنسانية هو على النقيض تماماً من هذا، فهي تمنحك القدرة على التشكيك ومسائلة يقينياتك. إن الإنسانيات تقوض دعاوى كل من الدين والعلوم والسياسة، فهي تنزع السلطة والقدسية عنهم. فالقدرة على التشكيك مزية هامة جداً حينما نتحدث عن كل ما هو إنساني، عندما نتسائل من نحن، ومن أين أتينا، وما الذي ينبغي علينا أن نكون عليه. حل العلم مكان الدين في الإجابة عن هذه المسائل فهو يخبرنا بالكثير عن أصولنا ويمنحنا المزيد من المعرفة.


ولكن الإنسانيات دائماً ما تذكرنا بأننا نتملك قدرة هائلة على مخادعة أنفسنا. فهي تركز على الفرد وتمنحه ما يستحقه من الأهمية. هذا الفرد المميز الذي يصعب التنبؤ بتصرفاته وقدرته على التغير. مجتماعاتنا تتغير باستمرار بسبب العلوم والتكنولوجية، ورغم هذا ما زال البشر يقاومون ما تقدمه العلوم من إيضاحات وشروح. الإنسانيات تهتم بشكل أكبر بالتساؤل وتمنحه الأفضلية على الإجابات. ولذلك سوف نتعارك في هذا المقرر مع أسئلة بدهية كبيرة. كماهية الحقيقة؟ كيف نعرف أن ما نفعله صحيح أم خاطئ؟، لماذا نعتقد بأن بعض الأمور صحيحة والأخرى خاطئة ولا يجب فعلها على المستوى الفردي أو الاجتماعي؟

بالإضافة إلى أسئلة، كمعنى الحياة ؟ وما الهدف منها؟ هل يفترض أن نسعى إلى السعادة وأن نجعل منها هدفاً في الحياة؟ إن كانت الإجابة بنعم، فما هي السعادة؟ وهل السعادة هي في ذاتها المنتهى أم أنها مجرد عرض جانبي لأهداف أسمى؟ كحيازة المزيد من المعرفة أو التقليل من معاناة الآخرين؟

يجب أن يجد كلٌ منكم نسخته الخاصة من الإجابة عن هذه التساؤلات. لقد اعتقد (سقراط)، وهو أحد الفلاسفة الذين سوف نتدارسهم معاً، الحكمة هي أن تعرف مدى جهلك وقلة ما تعرفه.

إن استطعت تأدية عملي على أكمل وجه، يجب أن تكونوا قادرين على مسائلة كل من يفرض نفسه عليكم كسلطة معرفية. سوف تُساؤلون كل ما اُملِّي عليكم حول طبيعة الحقيقة، والغاية من الحياة، ومعنى أن تكون إنساناً جيداً. وهذه هي فحوى العلوم الإنسانية وغايتها، فهي تحفظنا من سعينا الدائم نحو الدوغمائية.


[المصدر]

ماذا تعني الترجمة برأي جمانة حداد؟


جمانة حداد

 

جمانة حداد (مواليد 6 ديسمبر 1970) كاتبة ومترجمة وصحافية لبنانية.

في كتابها (سيجيء الموت وستكون له عيناك)، ُردت جزءًا من المقدمة للحديث عن الترجمة، والترجمة الشعرية على وجه التحديد. فتتساءل مبتدئة “ماذا تعني الترجمة؟”، ثم تتابع:

الإجابة الأولى التي تتبادر إلى الذهن هي: “أن نقول الشيء نفسه بلغة أخرى”. لكن، هل يمكن أن نحصر الترجمة، وخصوصًا الأدبية والشعرية منها، في هذا المعنى الضيّق؟ ألا توازي الترجمة على الأرجح إعادة الخلق أو الاختراع؟ أليست عملية استنباط خلاقة للغة جديدة داخل اللغة وتشييدًا للجسر رابط بين اللغات المختلفة؟ بلى. فالنص المترجم شبيه بجنين يولد مرتين، ولكل ولادة بروقها وصعقاتها. إنهما هويتان للوطن ذاته، بل أكاد أقول: شقيقان توأمان من أم واحدة، مخيلة الكاتب وتجربته وأفكاره، ولكن من رحمين – لغتين مختلفتين، وكانتا لتكونا منفصلتين تمامًا لولا حبل السرّة – نار المعنى الرابطة بينهما.

ثم تكمل بعد ذلك قائلة:

لهذه الأسباب وغيرها تشكّل الترجمة، الشعرية تحديدًا، والتي هي شغفي وميدان تخصصي الأكاديمي، رحلة استكشاف فنية. مغامرة غالبًا ما يساور الكشاف فيها شعور بعدم الرضى عند نهايتها، نظرًا إلى صعوبة القبض على جميع خفاياها.

ثم تتساءل، عن حقيقة العلاقة بين الترجمة وفعل الخيانة، وعن الترجمة الحرفية، فتقول:

لقد قيل الكثير عن العلاقة التي تربط بين الترجمة وفعل الخيانة، ولكن إلى أي مدى يشكّل عامل “الأمانة” البحتة معيارًا لتقويم عملية ترجمة الشعر؟ أليس صحيحًا أن ترجمة الشعر لا يمكن أن تحيى إذا كانت حرفية؟ طبعًا، فهي تفقد الكثير من وهجها إذا كان معيارها التبجّح بالإخلاص والموضوعية الخالصة اللذين يفرغان النص من روحه فلا يبقى منه سوى جثته، وإن لم يقترنا بالموهبة والحساسية الموضوعتين في خدمتهما. هذا لأقول إن معرفة العالم السري للنص الشعري ليس شأنًا علميًا وأكاديميًا بحتًا، بل هي خصوصًا معيارٌ حدوسي ورؤيوي نفاذ. ومثل هذه المعرفة هي الترجمة الشعرية: حيث أن الحدس يخترق أسرار القصيدة ويضع نفسه في خدمة التقنيات والمعايير الأكاديمية.

نظريتي الفرصة والتوافق في التعليم عند تشوميسكي

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، عن نظريتي التوافق والتعليم، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية الفرصة: من الذي يجب ان يتعلم؟ من الذي يجب ان يدرس؟

إذا كان لأحد ان يدرس (تشومسكي) وكتاباته، فسيكون قادرا على العثور على مفهوم ضمني يوضح واحدة من أكبر تطلعات (تشومسكي) في مسألة حقوق الإنسان مفادها “يجب أن يكون الناس أحرارا وأن يكون لهم حرية ان يعبروا عن أنفسهم بالتعاون مع الآخرين”، و ألا تكون هذه الحرية مضطهدة من قبل هيئة حاكمة ايا كانت. يقول (إدجلي) (2005): “إذا كان البشر مبدعون أساسا مع” غريزة للحرية “لتحقيق المشاريع التعاونية، إذا فالدول والرأسمالية بالتأكيد ستعمل ضد الطبيعة البشرية، لأن السلطة تكمن في أيدي عدد قليل، وبالتالي يتم إنكار الشروط الضرورية للنشاط الإنتاجي التعاوني والإبداعي الإنساني “. إن (تشومسكي) ينادي بأن يقدم  التعليم لجميع من يريدون التعليم، وأنه لا ينبغي إعفاء أحد من هذه الفرصة، ولكن  في الوقت نفسه، لا ينبغي إجبار أحد على التعليم. المفتاح لفكرته هو أنه يجب أن يكون التعليم لأولئك الذين يريدن وليس لاولئك الذين يجبرون.

وتتبع فكرة (تشومسكي) عن من سيجري تعليمه نفس النمط الذي جرى على من يجب تدريسه؛ أولئك الذين يريدون أن يتعلموا. ما يريد ايصاله هو أن المدرسة يجب تتبع طريقة ديمقراطية للتعليم ولا تستخدم الإجبار بأي شكل. وكما يقول (تشومسكي) (2000) عن أسلوبه الخاص في التدريس: “لا أحاول إقناع الناس، على الأقل ليس بوعي، ربما أفعل، وإذا كان الأمر كذلك، فذلك خطأ، فالطريقة الصحيحة للقيام بالأشياء ليست محاولة اقناع الناس إن كنت على حق ولكن تحديهم للتفكير بذلك من خلال لأنفسهم”.

ننتقل إلى النظرية الأخرى، وهي نظرية التوافق:

نظرية التوافق: ما هو الإجماع؟ لماذا لا يوافق الناس؟ كيف يتحقق توافق الآراء؟ ماهي الآراء التي لها الأسبقية؟

ويقول (تشومسكي)، بعبارات عريضة جدا، أن الإجماع هو الاتفاق المتبادل بين البشر اذي يحدث بشكل تلقائي عندما يتحملوا مسؤولية إدارة وحكم أنفسهم. فيتوصل مجتمع ما إلى توافق في الآراء من خلال تعاون متماسك يطمح إلى التوصل إلى اتفاق متبادل بين أفراد المجتمع. والهدف من هذا التعاون في الرأي تمثيل المثل العليا للبشر والمخاوف الموجودة في المجتمع بدلا من المصلحة الذاتية لشخص معين أو لمجموعة أو منظمة مهيمنة. إن هذه معالجة واسعة النطاق ومثالية للغاية لهذه الظاهرة. على الرغم من أن (تشومسكي) يخاطب مجتمع محدد، إلا انه يفكر بأفق رحب .

المجتمع الحقيقي يعتبر المثل العليا والشواغل وحرية المجتمع استحقاقا. وهذه الاستحقاقات إذا تم تحديها من قبل مجلس حاكم سيؤدي إلى قيود لا مبرر لها وإلى تنازع. سيختلف المجتمع عندما تخرج سلطته في إدارة شواغله وسلامته المالية الى سلطة خارجية. “إن القيود المفروضة على حرية الإنسان والغير مطلوبة للبقاء سوف تميل إلى أن تنحى نتيجة للطبيعة عند البشر”، و نتيجة لـ“غريزة الحرية”، وإلى “الجهود المبذولة للتغلب على البنى الإستبدادية الناجم عن تلك الغريز “ (كوهين أند روجرز، 1991 )

وفيما يتعلق بتوافق الآراء، يرى (تشومسكي) أن القادة في الولايات المتحدة كانوا يستخدمون وسائط الإعلام التقليدية كشكل من أشكال الدعاية للاستفادة من اتفاق الحشود من خلال تزييف الحقائق لمصلحتهم الخاصة. وكان هذا هو الحال في كثير من الحالات عندما حكومة الولايات المتحدة وبعض الحكومات الأوروبية عندما وجهت سلطتها للاستفادة والاحتياز على القوى الاقتصادية سواء اكانت هذه القوى عبارة عن الأرض أو النفط أو اي سلعة أخرى تعمل كوسيلة لتحقيق غاية ما (تشومسكي وهيرمان ، 1988 )

“عادة ما يملك المثقفون المفكرون رؤساء ايدولوجيين واجتماعيين ، وهم يخدمون السلطة أو يسعون هم انفسهم إلى تولي السلطة من خلال السيطرة على الحركات الشعبية التي يعلنون عن أنفسهم فيها بأنهم قادة، فبالنسبة للأشخاص المهووسين بالسيطرة و بالتلاعب من المفيد لهم أن يعتقدوا أن البشر ليس لديهم طبيعة أخلاقية وفكرية جوهرية، بل هم ببساطة ادوات يتم تشكيلها من قبل مدراء الدولة والايدولوجيين واصحاب الافكار – الذين يدركون بالطبع ما هو جيد وحق” (أرنوف، 2005)

ومما يدعو للسخرية إلى حد ما، أن تحذير (تشومسكي) من المفكرين يأتي في مواجهة حقيقة أنه هو نفسه يُنظر إليه من قبل الكثيرين على انه مفكر. ولكن لأسباب تتعلق بنقده الصريح لسياسات حكومة الولايات المتحدة ووسائط الإعلام التي يرى أنها تدعم تلك السياسات، اصبح (تشومسكي) يرى انه معادي للولايات المتحدة، وكثيرا ما يستخدم كمثال على “الفكر الليبرالي“. نظريات (نعوم تشومسكي) حول الإجماع هي في الواقع صورة للديمقراطية المثالية، حيث كل فرد متساوي، أو شبه متساو، على الاقل في فرصته للتقدم في المجتمع. ويبدو أن هذا الرأي قد أثار وانتج الكثير من انتقاداته لسياسة حكومة الولايات المتحدة، سواء سياستها الأجنبية أو المحلية، على مر السنين.


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الرابع والأخير من أربع مقالات، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية. نُشرت المقالات الأولى مُسبقًا.

نظريات تشوميسكي في التعلم والتعليم

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، التعلم، وكيف يتم اكتساب المعارات والمعارف، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية التعلم: ما هو التعلم؟ كيف يتم اكتساب المهارات والمعارف؟

وفقا لـ(تشومسكي)، تحدد اللغة ما يعنيه أن تكون إنسانا ودراسة اللغة وسيلة لدراسة العقل البشري. “على الرغم من أن وجود لغة ليست شرطا اساسي لامتلاك العقل، ولكنها أفضل دليل لدراسة طبيعة العقل” (سميث، 1999). وفيما يتعلق بتعلم اللغة، يزعم تشومسكي أن بعض جوانب اللغة يتم تدريسها بوضوح في المدرسة مثل التهجئة الإملائية للكلمات وأشكال المفردات التقنية؛ ومع ذلك، فإن الجوانب الأساسية للغة “عالمية”. ونحن نعلم جميعا نفس اللغة البشرية الفريدة. هذا المفهوم من قواعد اللغة العالمية هو مجموعة من المبادئ اللغوية التي وهبنا اياها عند الولادة بحكم كوننا بشرا (سميث، 1999). ويؤكد (تشومسكي) أيضا أن هناك “فترة سانحة” وراثيا لاقتناء اللغة هي في السنوات الاولى. وإذا لم يتعلم الطفل لغته الأولى خلال هذه الفترة، فإنه لن يحقق “مرحلة الإتقان” لأي لغة (سميث، 1999).

وقد قدم (تشومسكي) في كثير من الأحيان العديد من أنواع الأدلة المختلفة لصالح الادعاء بأن اللغة هي في جزء كبير منها وراثية بما في ذلك جانب السرعة وجانب اهمية السن في امتلاك اللغة. أننا لسنا بحاجة إلى “تعلم” أن لغتنا تحتوي على الأسماء والأفعال. كل اللغات تحتوي على أسماء و أفعال وهذا نعره بالبديهة (سميث، 1999). ولكننا  نحتاج إلى تعلم الاصوات داخل اللغة التي ترتبط مع الأسماء والأفعال.

ويؤكد (تشومسكي) أيضا أن هناك كيانا بيولوجيا، عضو ذهني محدود يتطور لدى الأطفال على طول أحد المسارات، التي يتم تحديدها مسبقا قبل أي خبرة من مرحلة الطفولة. إنه جهاز اللغة الذي ينشئ، القواعد النحوية، الموجود في الدماغ والذي يلعب دورا محوريا في امتلاك الشخص للغة. تصف لغة الإنسان الطبيعة المميزة للعقل. إن الاستخدام العادي للغة يمكن ان يعتبر كنشاط إبداعي. ويشير تشومسكي إلى أننا لن نفهم، وربما لن نفهم أبدا ما الذي يجعله من الإمكان بأي حال للذكاء البشري العادي استخدام اللغة كأداة لنقل الفكر والشعور (مكجيلفراي، 2005)

ثم يتحدث عن أحد نظريات التعلم، وهي النقل:

نظرية النقل: ما الذي سُيدرس ؟ بأي الأساليب؟ ما هو المنهج؟

وفقا لـ(تشومسكي)، الهدف من التدريس هو المساعدة في النمو المثمر ومساعدة الطلاب على أن يصبحوا مهتمين بعملية التعلم. ويذكر ان “الطلاب عادة ما يكونون مهتمين، فإذا تم الحفاظ على إهتمام وفضول الأطفال الموجود مسبقا او حتى إثارته، فإنهم سيستطيعوا ان يفعلوا كل أنواع الأشياء بطرق لا يمكن تخيلها … هيليب؛ “ (تشومسكي، 1992). وبعبارة أخرى، إن دور المعلم هو ان يبقي الأطفال مشاركين ومندمجين في عملية التعلم ومهتمين بالاستكشاف وبالاستقلال. ويجب ان ينصب التركيز على عملية تعلم الطلاب بدلا من عملية تدريس المعلمين.

في مقابلة مع (ليليان ر. بوتنام) في خريف عام 1987، سئل (تشومسكي) “… إذا كان معلمي الصفوف الأولية على دراية بعملك، ما هي أنواع التغييرات التي قد يقوموا بها في تعليمهم للقراءة؟ وما هي الاقتراحات التي قد تساعدهم؟” فأجاب (تشومسكي): “أنا متردد حتى في أن أقترح جوابا على هذا السؤال، إذ يتعين على الممارسين أن يقرروا بأنفسهم ما هو مفيد في العلوم وما ليس بمفيد، وبصفتي لغوي، ليس لدي مؤهلات أو معارف معينة تمكنني أو تخولني أن أصف طرق تدريس اللغة، وكشخص، لدي أفكاري الخاصة حول الموضوع، استنادا إلى تجربتي الخاصة كمعلم لغة للأطفال، اما بحسب تأملاتي وحكمي الشخصي، أن على أي مستوى،سواءا من الحضانة إلى الدراسات العليا، التعليم هو إلى حد كبير مسألة تشجيع التنمية الطبيعية الموحودة داخل الانسان ، وأفضل أسلوب للتدريس هو توضيح أن الموضوع يستحق التعلم، والسماح للطفل – أو للكبار – بإستخدام الفضول الطبيعي الموجود فيهم وإهتمامهم الفطري بالحقيقة و بالفهم في سبيل النضج والتطوير، وهذا هو حوالي 90٪ من المشكلة اننا نركز لى اللامحتوى بدلا من قدر الإهتمام بالمحتوى من جهة الطالب، و في مقابلة مع غاري أولسون وليستر فيجلي، يقول تشومسكي أن التدريس هو في الغالب “الحس السليم الفطري”. ولا يهم ما تم تغطيته من المادة العلمية ولكن كم طورت من القدرة والكفاءة على الاكتشاف والفضول (2007)

ومن ثم تطرّق إلى المجتمع، دوروه في التعليم:

نظرية المجتمع: ما هو المجتمع اليوم؟ ما هي المؤسسات المشاركة في العملية التعليمية؟

يصف (تشومسكي) المجتمع اليوم بأنه “حضارة صناعية حديثة” وان القوة الدافعة لهذه الحضارة هي “المكسب المادي” (تشومسكي، 2007). واي حضارة قائمة على المبدأ الاقتصادي و المكاسب المادية هي حضارة معرضة للخطر.

إذا كان المجتمع الصناعي الحديث يطمح إلى التغيير، فإن “متطلبات الحياة، ناهيك عن العدالة، تتطلب تخطيطا اجتماعيا رشيدا لمصلحة المجتمع ككل، و الآن ذلك يعني المجتمع العالمي” (تشومسكي، 2007). وھذا یعني أن المجتمع سیحتاج إلی النظر أولا في “المصلحة المتبادلة” للمجتمع بدلا من “المصلحة الذاتیة” عند التخطیط الاجتماعي (تشومسکي،  008 2)

ووفقا لـ(كوهين وروجر) (1991)، يعتقد (تشومسكي) أن هناك أملا في المجتمع، وهو “يقع على خلفية مفهومه للطبيعة البشرية” و “مفهوم غريزة الحرية التي تقع في جوهره” (ص 14 ). وهو يفترض أن “القيود المفروضة على حرية الإنسان لم تكن مطلوبة قط للبقاء وللعيش في اي حقبة سابقة لى مر التاريخ” سوف تميل إلى التخلي عنها، نتيجة للطبيعة الأخلاقية للبشر، و“غريزة الحرية”، و “الجهود المستمرة للتغلب على الهياكل الاستبدادية وتوسيع نطاق الحرية” التي تنتج عن تلك الغريزة “(كوهين، 1991). وبعبارة أخرى، فإن التعدي على حقوق الإنسان في المجتمع يتعارض مع طبيعتنا الإنسانية الغريزية، ومن ثم سيتم التحقيق في الداعي لإنكار هذه  الحريات. ويشكل الرق وحقوق المرأة أمثلة على هذه الانتهاكات غير المبررة (أرنوف، 2005).

إن المجتمع الحقيقي “الديمقراطي” هو الذي لا يحكمه تسلسل هرمي قائم على الاحتفاظ بالسلطة. “المجتمع الديمقراطي حقا هو المجتمع الذي تتاح فيه للجمهور في المشاركة الفعالة والبناءة لتشكيل السياسة الاجتماعية: في مجتمعهم المباشر، في مكان العمل، وفي المجتمع ككل” (أرنوف، 2005). يسعى (تشومسكي) أن يغير “الهياكل الاستبدادية”، بـ“مؤسسات ديمقراطية تقوم على منظمات عاملية تشاركية كاملة (مذهبه)”. ويطالب أيضا (مغيلفراي، 2005) من “المؤسسات القوية” إنشاء هيكل يعطي العمال مزيدا من الاستقلال الذاتي على جميع مستويات المؤسسة. “وهو يعلم أن الشكل الراهن الوحيد للوصول إلى السلطة يتمثل في التصويت للممثلين في أشكال الحكم المحلية والبلدية والإقليمية والوطنية، في رأي (تشومسكي) المجتمع يجب ان يكون محررا جدا للأثرياء، كما  للفقراء، للممتازين وللمحرومين ايضا، لكي يتمكنوا من العيش في مجتمع يقدر جوهر الإنسان لا بحجة ومتطلبات الإنتاج” (ماكجيلفراي، 2005).إنه يأمل في مجتمع حرر نفسه من المطامع المادية وكرس قواه لما هو غرزي كامن في طبيعته البشرية للبحث عن التغيير من أجل حقوق الإنسان اولا وللمصلحة المشتركة للمجتمعات بأسرها ثانيا .

(تشومسكي) يربط بعلاقة مماثلة فيما يتعلق المؤسسات التعليمية في مجتمع اليوم. وفقا لـ(تشومسكي)، المؤسسات التعليمية اليوم مماثلة للمصانع. يتم تعليم الطلاب من قبل “النخب الليبرالية” أو “المثقفين” لزيادة الطاعة والمطابقة ، الامتثال و التماثل . “النخب الليبرالية” أو “المثقفون هم الذين يكتبون التاريخ” الذي يدرس في المدارس و “يجب أن نكون حذرين بشأن” دروس التاريخ المزعومة ، ولا  تستغرب أن تكتشف أن نسخة التاريخ المقدمة تخدم ذاتها وكتابها (أرنوف، 2005)

يعتبر (تشومسكي) المؤسسات التعليمية اليوم المكان الذي لا يملك البشر فيه طابع جوهري وأخلاقي وفكري، أنهم ببساطة يشكلون مادة يتم تشكيلها إلى مديرين ومؤدلجين للقطاع الخاص – هم يدركون بالطبع ما هو جيد وحقيقي (أرنوف، 2005). بدلا من ذلك، يجب أن تهتم المؤسسات التعليمية “بما يكتشفه الطالب بنفسه عندما يثار فضوله الطبيعي ودافعه الإبداعي ، سيكون هذا أساسا لمزيد من الاستكشاف و السبر والتساؤلات والتي قد تؤدي إلىى مساهمة فكرية كبيرة” (أرنوف، 2005)

 


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الثالث من أربع مقالات، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية. نُشرت المقالة الأولى والثانية مسبقًا، وستتبع بالجزء الأخير.