عن الإحساس بالوحدة عند أوليفيا لاينغ

أوليفيا مانينغ (1908-1980). هي روائية بريطانية حائزة على لقب “رتبة الإمبراطورية“. تعددت اختصاصات (أوليفيا)، فبجانب كونها روائية كانت أيضاً شاعرة، وكاتبة، وناقدة. وقد تضمنت رواياتها الخيالية والواقعية تفاصيل من رحلاتها ومغامراتها الخاصة في إنجلترا وأيرلندا وأوروبا والشرق الأوسط. غالباً ما كانت (مانينغ) تكتب مذكراتها من خلال تجاربها الشخصية، وتظل كتبها خير دليل على مقدرتها الإبداعية في الكتابة. ويرجع سبب انتشار كتبها على نطاق واسع إلى تمتع (مانينغ) بحس فني مرهف وتصويرها الحي للأماكن.

أهدت (أوليفيا لاينغ) كتابها (المدينة الوحيدة) إلى كل من عانى من ألم الوحدة و النبذ بسبب الاختلاف:

إن كنت وحيداً

إن كنتِ وحيدة

فهذا الكتاب موجة إليك

تقول في كتابها:

بإمكانك أن تكون وحيداً في أي مكان ، ولكن هناك نكهة خاصة للوحدة التي تعيشها في مدينة ، و أنت محاط بالملايين من البشر .

قد يعتقد البعض أن هذه الحالة مناقضة لأسلوب الحياة في المدينة ، للحضور البشري الهائل من حولك ، ولكن القرب المادي وحدة لا يكفي لتبديد الشعور الداخلي بالعزلة . إنه من الممكن-و السهل حتى- أن تشعر بأنك بائس و مهجور و أنت محاط بالآخرين . بإمكان المدن أن تتحول إلى أماكن وحيدة ، و باعترافنا هذا سنتمكن من اكتشاف أن الشعور بالوحدة لا يقتضي بالضرورة الانعزال الجسدي ، بل يقتضي غياب أو ندرة العلاقة ، القرب ، العطف : إن الشعور بالوحدة يأتي من عدم القدرة ، لسبب أو لآخر ، على العثور على القدر المُراد من الألفة . التعاسة ، كما يُعرّفها القاموس ، هي نتيجة العيش دون رفقة الآخرين . و من الطبيعي أن تصل هذه التعاسة إلى أقصاها حين تكون محاطاً بالجموع دون أن يُرافقك أحد .

و استشهدت (أوليفيا) بسيرة (فاليري سولا ناس) كمثال على أن الوحدة هي إحساسك باختلافك وهي غربتك و أنت وسط الآخرين ، حيث أن (فاليري) ألفت كتاب عن العزلة الاجتماعية وتم رفض كتابها مما ضخم احساسها بالوحدة.

كانت الكلمات بالنسبة لها كل شيء . هي الوسيلة الوحيدة التي تصلها بالعالم . وكانت مصدر قوتها الوحيد ، وكانت الكلمات طريقتها المفضلة لإعادة تشكيل المجتمع بشروطها وإمتلاءاتها . وفكرة احتمالية خسارتها لسيطرتها و تحكمها في كلماتها كانت مخيفة جداً بالنسبة لها . وأوصلها ذلك إلى مرحلة من جنون العظمة ، حيث أصبحت مسلّحة و مستعدة لمقاومة أي توغل أو هجوم من الخارج .

سلافوي جيجك بين أوهام الأمل وشجاعة اليأس

zizek460

سلافوي جيجك، فيلسوف اشتراكي من سلوفانيا ولديه إسهامات متعددة في الفلسفة الغربية الحديثة.

في مقال قصير من (سلافوي جيجك)، نُشر في مجلة (نيوفو) الفرنسية بتاريخ 1 يناير 2018، ونقله للإنجليزية (جوليوس جافروش) بتاريخ 4 يناير 2018 بعنوان: “سلافوي جيجك و أوهام الأمل”. ننقله لكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (جيجك) في مقالته:

 

لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: “سَلاَمٌ وَأَمَانٌ”، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ

تُعتبر جدلية التفكير مزن أهم إسهامات الثقافة الأمريكية عبر سلسلة نكت الأطباء المبتذلة، من فئة: “هناك خبر سعيد والآخر سيء”. فعلى سبيل المثال : الخبر السيء هو أنّ السرطان متفشي في جسدك وستموت خلال شهرٍ واحد، ولكن الخبر السعيد هو إنَّ اكتشفنا إصابتك بمرض ألزهايمر فبالتالي ستنسى الخبر السيء ساعة وصلك لمنزلك. ومن المفترض ان نتتعامل فيما يتعلق بالراديكالية السياسية بنفس النهج تماماً. فبعد الكثير من الأخبار “السيئة“– وبعد رؤية الكثير من الأمل الذي يُسحق بكل وحشية في محيط الممارسات الراديكالية، و يتمزق بين نموذجين على سبيل المثال في حالتهم القصوى مثل أليكسيس تسيبراس و نيكولس مادورو-، و رغم أنَّ فكرة نجاح أشباههم مُغرية إلا أن هذا النوع لن يحظى بفرصة نجاح كونهم مُدانين منذُ البداية، وكل أمل لأي تغيير حقيقي وفعال ليس إلا مجرد “وهم.”

لذا بدلاً من البحث عن النقيض عند الإشارة إلى “الأخبار السيئة” وتبني رؤية سعيدة ، ينبغي أنّ نتعلم تمييز الجيد الكامن في داخل أي سيء عبر إدراك السيء من عدة جوانب. لنتأمل إحتمالية التشغيل الألي الأتوماتيكي والتي تُرعب الكثير من الناس لأنها تقلل من فرص عمل الأفراد فينتج عنها كتلة بشرية من البطالة، ولكن لماذ نخشى هذه الإحتمالية؟ ألا تفتح هذه الإحتمالية فرصة خلق مجتمع جديد فيه نعمل بشكل أقل؟ على أي صعيد سينهض المجتمع إذا تحول الجيد تلقائياً إلى سيء؟

لقد أخطأ (كارل ماركس) عندما قدم إحصائية بديلة عن النهاية الوشيكة للرأسمالية أو على الأقل كما يصفها النهاية الحتمية، و لكن في الواقع الرأسمالية تنجو دائماً، فلم يقدم ماركس تحليل للطريقة التي تُخلد فيها الرأسمالية نفسها، فبعد كل أزمة تنبثق الرأسمالية من جديد.

وكما وصفَ عالم الإجتماع الألماني (فولفجانج شتريك) أن الماركسية شاهدت “الأزمة الآخيرة” للرأسمالية بشكل صحيح، وهي المرحلة التي ندخلها اليوم، ولكن غاب عنها أنّ هذه الأزمة من التدهور و التفكك عملية طويلة الأجل،  وبدون وكيل يعطي التدهور تحول فعلي إلى منظومة اجتماعية عظيمة، وبدون الطريقة الهيغيلية ، لا تستطيع الرأسمالية النهوض وتجاوز مشهد الإنهيار.

يمكن وصف المفارقة التي نعيشها بالآتي: في حين تفشل مقاومة الرأسمالية العالمية مراراً  وتكبح عن الانتشار، فإن المظاهر المتعددة لا تزال تعطي الإشارة على واقعية تَدَمُّر الرأسمالية التدريجي بطريقة غير واضحة وغريبة. وكما لو أنّ القطبين (المقاومة و التدمير الذاتي) يتقدمان على مستويين مختلفين دون نقطة إلتقاء وتوافق، فينتج عن ذلك فشل إحتجاجات المقاومة عن تدمير الكينونة الذاتية المتهالكة، وعدم إيجاد توجيه دقيق كهدف للتحرر من الرأسمالية . كيف وصلنا إلى هنا؟ في حين يحاول الجزء الأعظم من التيار اليساري يائساً حماية حقوق العمال القديمة ضد اعتداءات الرأسمالية العالمية، وبشكل حصري نجد أن حِدة تصاعد نداءات الرأسماليين أنفسهم (من إيوان مسك إلى مارك زوكربيرغ) تتحدث عن مرحلة الما بعد رأسمالية ، وكأن الغاية من تجاوز الرأسمالية كما نعرفها هو نظام الما بعد الجديد المستولى عليه من الرأسمالية .

بعد كل ذلك، كيف بالإمكان إحداث تحول إجتماعي جذري؟ بالتأكيد ليس بأسلوب تحقيق الإنتصارات بهتافات الفوز و عرض واحدة من الكوارث من فئة ثرثرة الإعلام عن إقامة ندوة جدلية للنقاش… ولكن بطريقة ” كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ ” ؛ ” لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ، أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ، كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ “. و لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: «سَلاَمٌ وَأَمَانٌ»، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ” ( من رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي 5:3). أليس هذا هو حال مجتمعاتنا؟ ألسنا مهووسين بالتحديد بـ “السلام والأمان”؟ ونفس الشيء ينطبق على العلاج النفسي حينما تظهر النتيجة دائماً  تأتي كردة فعل غير متوقعة: “ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، و تكون مفاجأة، ولا تكون حصيلة إدراك مشروع يتم صياغته. لأن النظام الرأسمالي العالمي صلب جداً وقادر على مجابهة كل محاولات التخريب، ولتصبح معاداة الرأسمالية فعالة، وتخطي الصراع، يجب الأخذ في الحسبان كل التدابير المضادة، وتحويلها إلى أدوات دفاع و أسلحة متفجرة .

إذا انتظر الفرد اللحظة الصائبة والتي يكون فيها التحول سلس ومستطاع، فلن يصل أبداً، لأن التاريخ لا يقدم لنا الفرص المصيرية على طبق من ذهب، فيتعين على الفرد المجازفة، و أن يتحمل المخاطر ، وأن يحاول أن يتدخل ويتفاعل حتى إذا بدى له أن هدفه الذي يود تحقيقه ( مُوقِن به) لا يمكن الوصول إليه. فمحاولات التدخل وحدها تجعل من المستحيل ممكناً، و سيصل بالطريقة التي لا يمكن التنبؤ بها.

ربما يستطيع فلاديمير لينين تنويرنا هنا، وتقديم نموذج على شجاعة اليأس، فبعد أن شاهدَ بوضوح أخباره السيئة وأن ثورته لن تتوسع وتشمل أوروبا بأكملها، وقبل موته بسنتين، كتب :” ماذا لو كان هناك يأس شامل، نيأس القدرة على تغيير الوضع برمته، ولكننا عبر تحفيز جهود العمال والفلاحين توفرت لنا الفرصة لخلق متطلبات أساسية للنهضة بطريقة مختلفة عن تلك التي تحدث في دول أوروبا الغربية”.

قال جورجيو أغامبين في مقابلة: ” أنَّ التَفَكَّر هو الشجاعة في اليأسِ” ؛ عبر إدراك الصلة الوثيقة بين اللحظة التاريخية وعلاقته بالزمن الذي نعيشة، فبالتالي حتى أن أكثر القراءات التشخيصية تدعوا للتشاؤم، ولكنها عادة تُختتمُ بتصورِ الوهمْ في أنَّ  النورَ ينتظرنا آخر النفق. فالشجاعة الحقيقية لا تكمن في أنّ نتصورَ بديلاً، ولكن في قبول عواقب عدم وجود بديلاً عن السيطرة العالمية التي خَلَفتها الرأسمالية ، فلا يوجد بديل تقليدي يمكن التعرف عليه وتحديده بسهولة. وحلمُ البدائل هو علامة على الجُبْن التنظيريِ، فهي بمثابة صناعة صنم يعقينا عن التفكير من داخل مأزق طريقنا المسدود، وسيحدث ما يحدث لا محاله. وبإختصار، الشجاعة الحقيقية هي بالاعتراف أنَّ النور في آخر النفق هو نور قطارٍ آخر متجه نحونا من الجهة الآخرى.

شيء آخير، حتمي، بعد كل ما ذُكرَ: أنَّ اليوتوبيا المطلقة، اليوم، تتكون من نفس آليات التفكير في التصور أننا إن لم نقم بأي شيء، وببساطة إن حافظنا بحكمة على النظام العالمي القائم، ستستمر الحياة كما هي.


[المصدر]

الإلهيات النظرية عند طه عبدالرحمن

طه عبد الرحمن (مواليد 1944)، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. حاصل على رسالتي الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.

يُعتبر كتاب (العمل الديني وتجديد العقل) من أبرز المؤلفات لدى الدكتور (طه عبدالرحمن)، مبيّنا فيه تجربة دينية مؤسسة على مشروع فكري، تساهم في في تقويم اليقظة الدينية، ولنأخذ طرفا عن وجهة نظره في الإلهيات النظرية وموقفنا منها:

أعلم أن العقل المجرد عُرف عند علماء الإسلام باسم “النظر“. فالنظر عندهم، بصفة عامة، عبارة عن الفعل الإدراكي الذي يطلب شيئا معينا، ويسلك إليه طرقا محددة، مع الاعتقاد بأن هذه الطرق قادرة على الظفر بهذا الشيء المطلوب.
وهذه الحدود تقوم في الأوصاف التالية:
أ- الوصف الرمزي: لما كان أهل العقل المجرد من المتكلمين همهم الأول هو العلم بالوجود بعينه، وليس مجرد العلم بتصور هذا الوجود، فإن توسلهم باللغة التي هي مجموعة من الرموز تسد مسدها أية مجموعة أخرى، سواء ورد هذا التوسل على صورة “تسميات” أو على صورة “عبارات“، ما كان ليمدهم بأكثر من تصورات عن هذا الوجود تبقى حبيسة الأذهان، ولا تُدخلهم أبدا إلى عالم التحقق والعيان، إذ أننا نُسْأَل عن معرفة هذا الوجود وقد لا نُسأل عن غيره، أدركنا أن يكون استعمال الرموز اللغوية أبعد عن الوفاء بحاجتنا من المعرفة الإلهية من بعده عن الوفاء بحاجتنا من معرفة غيرها.
ب- الوصف الظني: ما فتئ أهل العقل المجرد من النظار ينشئون الأدلة لبلوغ مرادهم في البرهنة على الوجود الإلهي، لكن أدلتهم هاته تقع فيما يخرج صورتها عن صورة البرهان؛ فالتصورات التي تقوم عليها معالمها غير محددة، وطريقة تحصيلها غير مضبوطة، وصفتها الإجرائية غير معلومة. وحتى لو فرضنا أن أدلة النظار خلت من هذه التصورات المضطربة، وسلكت طريقا سليما في التركيب والترتيب، ما كان ذلك ليجعلها كافية ولا ضرورية لإفادة اليقين بالوجود الإلهي. وما كثرة الأدلة التي ينصبها هؤلاء على الوجود الإلهي إلا شاهد على عدم حصولهم على برهان يفيد اليقين، كأنما يبتغون درء تعذر البرهان بتعدده.
ج- الوصف التشبيهي: إن المتكلمين وإن بدوا، بنزعتهم العقلانية التجريدية، أكثر استعدادا لطلب الحقائق الموصوفة بالتنزيه من غيرهم، فإنهم، أحبوا أم كرهوا، واقعون في التشبيه بصنفيه: “التشبيه الاضطراري” الذي لا تنفعهم معه حيلة، للميل الطبيعي للعقل النظري إلى القياس على المعلوم من الأشياء، و “التشبيه الاختياري” الذي يسوقهم إلى الخوض المتكلف والشنيع في حقائق لطيفة تستلزم من الأدب والتعظيم ما لا يطيقه العقل المجرد.

ثم يكمل حديثه قائلًا:

وهكذا يتبين أن الطريق إلى إدراك الحقائق الإلهية بواسطة العقل المجرد ذي الأوصاف الثلاثة: الوصف الرمزي والظني والتشبيهي، طريق مسدود أو على الأقل طريق محدود.
أما أهل النظر الذوقي الذين التزموا التجربة الحية ودليل المحبة، فدليل الوجود الصحيح عندهم ليس الدليل على وجود الله، وإنما الدليل على وجود العبد؛ ليس إثبات الربوبية وإنما إظهار العبودية؛ ليس البحث في أفعال الألوهية وصفاتها وذاتها، وإنما البحث في أفعال العبد وأوصافه وماهيته، هذا البحث وحده الكفيل بأن يُجدد الإيمان ويخرج الحظوظ من النفس، فيقبل العبد على حقوق ربه إقبال العارف بالله على الله.

نحن وحدنا نقرر حريتنا كما يقول سارتر

جان بول سارتر هو فيلسوف و وروائى و كاتب مسرحي و ناشط سياسي فرنسي، اشتهر بغزارة إنتاجه الأدبي وفلسفته المسماة بالوجودية. مفهموم الحقيقة لدى (سارتر) هو خلق الذاتية التى لا ترتهن – فى نهاية المطاف – إلا بحرية كل فرد، و تتحول بعد ذلك فى الفعل الجماعي والسياسي والاجتماعي و من أشهر أقواله: “نحن نقرر وحدنا دون أعذار” ..

فى كتاب (أساطين الفكر) لكاتبه (روجيه بول دروا) يستعرض أبرز فلاسفة القرن العشرين بالخطوط العريضة لكل فيلسوف و ما أثر إنتاجه فى تشكيل الفكر البشري. و عند الحديث عند (سارتر) يستعرض الكاتب مفهوم الحرية عند (سارتر) فيقول:

الحرية: هي حقيقة واجبنا المستمر فى أن نكون أنفسنا، و نعطى معنى للمواقف التى نعيشها، ونبني تجاه أفعالنا. فنحن لا نمتلك أبداً حرية مسبقة يمكن أن نطالب بها.

لاشئ يفرض نفسه على حريتي، و ليس القانون ملزماً إلا إذا اخترت الخضوع له. فإذا خضعت لقانون إلهي -كلام مُوحي- فهذا أيضاً لأننى أقرر أن أعد القانون إلهياً و الكلام مُوحى. فحريتي منبع الدلالات والتأويلات.

و فى نظر (سارتر) نحن وحدنا من نقرر مدى نطاق حريتنا، نحن من نقبلها أو نرفضها من بابها بأفعالنا.

يُصر (سارتر) فى كتابه (الوجود و العدم) -كما فى جزء من مسرحياته- على فكرة أننا نفعل كل شيء للهروب من حريتنا. فنح نتحول إلى شيء يقول: “هذا لي خطئي“، “ها أنا ذا كما أنا” ولا يقول “هذا ما قررت أن أكون” .هذه النية السيئة هي أحد المبادئ التكتيكية التى يتبناها كل فرد كي يتوقف عن تحمل حريته. نحن نمثل أدواراً كى نحسب أنفسنا إنساناً آخر، و نحكى لأنفسنا قصصاً عن طبيعتنا، وقدرنا، و عن حقيقة “أننا لا نستطيع أن نتصرف بصورة أخرى“. وحين نقول “هذا أقوى مني” أو “أنا هكذا، ليس بوسعى أن أفعل شيئاً“، فنحن -فى نظر (سارتر)- فى موقف الحقير ذاك الذي ينر مسؤوليته، و يعد نفسه ملتصقاً بطبيعة، أو بقدر لا يستطيع التخلص منه.

لا تكمن الصعوبة فى التخلص من سوء النية تلك -أو فى الوعي الذى ينكر حريته- بل فى نظرة الآخرين. فهم يفسرون أحياناً – بصورة خاطئة تماماً- أفعالى و قراراتي. مأساة الوجود البشري أن نظرة الآخرين تكشفنا أمام أنفسنا و تشوهنا. تخون حريتنا، و تغيرها، و تنفيها.

هذه المأساة حتمية طبعاً، لأن الوجود البشري وجود جماعي بالضرورة: فالعيش هو دوماً عيش مشترك.

كيركيجارد: لم يعزّز القلق الإبداع عوضاً عن أن يَعوقه

القلق أعظم قاتلٍ للحبتلك المقولة الشهيرة للكاتبة (أنييس نين). لكن أي شيء هو القلق؟ ماكنهُ تلك المحنة المتفشية والتي لا تزال ذات طبيعة غامضة و متملّصة وكأنما هي جوهر الظلّ؟ ذلك مايفسّره الفيلسوف الدنماركي (سورين كيركيجارد(1813 – 1855م) في كتابة (The Concept of Anxiety) على أنه الدُّوَار الناتج عن كلّ من: الحريّة، تعدّد الإمكانيات الذي يَجبه المرء بالشلل، و كينونة الإنسان اللامحدوده، أي أنه بمعنى ما نوعٌ وجودي من مفارقة حريّة الإختيار. فيقول:

القلق هو مؤهل الروح الحالمة، وبهذه الحيثية يتبوأ مكانه من علم النفس الإنساني. ففي حال اليقظة الفرق بيني وبين الآخرين مُفترض؛ وهو يرتفع أثناء النوم؛ أما في الحلم فلا وجود له. و حقيقة الروح تُجليّ نفسها باستمرار في هيئة تشكّل مُغرٍ بإمكانية تحقّقه بيد أنه يتلاشى بمجرد محاولة إلتقافه، وهذا خواء لايجلب سوى القلق. ولا يستطيع أكثر من ذلك طالما استمرّ بالكاد يظهر. و القلق مختلفٌ تماما عن الخوف والمفاهيم المشابهة التي تحيل إلى أشياء معيّنة، في حين أنه جوهر الحرية كونها إمكانية الإمكانيات.

[…]

نستطيع مقارنة القلق بالدوار. فالمرء الذي ينظر إلى أعماق الهاوية مستشرفاً الفراغ الرهيب يُصاب بالدوار. ولكن مالسبب؟ باعث ذلك كامن في عينيه بقدر ماهو في الهاوية، و حسبنا أن نفترض أنه لم ينظر إلى الأسفل. وبالتالي فإن القلق هو الدوار الناتج عن الحرية و الذي يظهر حين تتطلع الروح إلى افترض التوليفات المختلفة، وتنظر الحرية إلى الأسفل حيث امكانياتها بينما هي متمسكةً بالحدود لتسند نفسها. ثم تستسلم الحريّة للدوار. إلى هنا يقف علم النفس، فلا يمكنهولن يمكنهأن يتجاوز هذه النقطة. في تلك اللحظة عينها تبدّلت كل الأمور، وحين تعلو الحريّة مرة أخرى، تدرك أنها مُذنبة. و بين هاتين اللحظتين تكمن الوثبة، التي لمولنيستطيع العلم تفسيرها. لأن الإنسان المُذنب بالقلق، يكون مذنبا في أكثر الصور إبهاما وإلتباسا.

بحسب (كيركجارد) تتفاوت تعابير القلق في الحدّة:

يمكن أن يعبّر القلق عن نفسه في أي موضع مابين الخَرَس و الصُراخ.

ويضيف أن إِجداب الحياة أو إخصابها مُتوقفٌ على الطريقة التي نتأقلم بها مع القلق:

في الواقع، لم يغرق امرؤ قط إلى دركٍ لا غور بعده، بل من المحتمل أن آخرين قد غرقوا إلى دركٍ أسفل منه. إلا أن الإنسان الذي غرق في الإمكانياتباتت عيناه مشوشتان، ومضطربتانكل من رُبّته الإمكانيات معرّضٌ للخطر، ولا أعني خطر رفقاء السوء و إقتفاء مسالك الظلال كمثل أولئك الذين ربّاهم المحدود، وإنما خطر السقوط؛ أي الإنتحار. إذا ما أساء المرؤ في بداية التعلّم فهم القلق، فلم يَقدهُ إلى الإيمان وإنما نأى به عنه، إذاً فُقد. وعلى صعيد آخر، فإن كل من تتولى الإمكانيات تربيه يرافقه القلق. إلا أنه لا ينخدع بإفتراءاته التي لاحصر لها، ويتذكر الماضي بدقة. وبالتالي فهو يصمد أمام غارات القلق رغم شناعتها. فيصبح القلق خادما روحيا يقوده مرغما إلى حيث يريد الذهاب.

جوهر هذه الفرضية هو الاستيعاب أن القلق قوة مزدوجة قادرة على أن تكون مدمرة وخلّاقة معا، وذلك يعتمد على كيفية مقاربتنا له. ما يراه (كيركجارد) هو أن القلق لازم الإبداع. و يأتي التأويل الأعمق لمعالجته للعلاقة بين الإبداع والقلق من عالم النفس الوجودي الفذّ (رولو مايفي كتابه (The Meaning of Anxiety)، الذي نشر في عام 1950:

لا يُمكن فهم أفكار (كيركيجارد) حول العلاقة بين القلق و الشعور بالذنب إلا عبر التأكيد على أنه دائمًا يتحدث عن القلق في علاقته مع الإبداع. الإنسان يعتريه القلق لأن الإبداع ممكن: سواء في أن ينحت هويّته ويخلقها ويكون نفسه، أو في الإبداع في الأنشطة اليومية التي لا حصر لهاوهما مرحلتان في نفس العملية“. وهو لن يكون قلقا إذا لم تكن هناك أيّة إمكانية إطلاقا. و الآن فإن الخلق و تحقيق الانسان لإمكانيته دائما يتضمن نواحٍ سلبية و أخرى إيجابية. فهو منطو على تدمير الوضع الراهن، وهدم ثوابت بنيوية صلبة داخل النفس، و التقويض التدريجي لما تعلّق به منذ الطفولة، وخلق أساليب مبتكرة وأصيلة للعيش. إذا لم يفعل المرء هذا، فإنه يرفض النمّو، يرفض الإنتفاع بإمكانياته، ويتنصل من مسؤوليته تجاه نفسه.

وبالتالي فإن الإنسان بإحجامه عن تحقيق إمكانيته يجتاحه الشعور بالذنب إزاء ذاته. ولكن الخلق يعني أيضا تحطيم الوضع الراهن، وكسر القوالب القديمة؛ كما أنه يعني ولادة شيء جديد و أصيل في العلاقات الإنسانية، و الأشكال الثقافية، مثل الإبداع عند الفنان. وبالتالي، فإن كل تجربة إبداعية تحمل معها احتمالية العداء أو الإنكار سواء تجاه الآخرين في البيئه المشتركه أو الأنماط المتأصلة في الذات. ولصياغة الأمر في صورة استعارة نقول أنه في كل تجربة إبداعية يُقتل شيء في الماضي لأجل أن يولد شيء في الحاضر. ومن هنا كان الشعور بالذنب دائمًا مصاحباً للقلق عند (كيركجارد): فكلاهما جانبان من معايشة وتحقيق الإمكانيات. و كلما كان الإنسان أكثر إبداعاً، كلما زادت احتمالية شعوره بالذنب والقلق.


[المصدر]