سركون بولص، وحديثه عن الشعر والذاكرة

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر وفنّان عراقيّ، ولد في الحبّانية في العراق وهاجر إلى بيروت وعمل كصحفيّ ومُترجم، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقر في سان فرانسسكو حيث درس الأدب المقارن وفنّ النّحت، عاش حياة حافلة بالأدب (الشعر تحديدًا) والفن، قدّم عدة دواوين شعريّة وقصص قصيرة للمراهقين، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء مثل (تيد هيوز، غيري سنايدر، جاك كيروك، ويليام ميروين) وآخرون.

في كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة)، والذي يضم عدة مقالات ممتعة، يجمعها موضوع الشعر والكتابة، أفرد مقالة عن الشعر والذاكرة. افتتح (بولص) مقالته:

يتناول الشاعر الزمنَ وهو ينسل من بين أصابعه قطرة فقطرة، ثم يتبخر حتى يصبح عدمًا.

في إحدى قصائده الغزلية، يقول (غالب): “إن القطرة التي لا تصير نهرًا تتشربها الرمال”.

ومرة تلو المرة، عندما أكتب، أكتشف أنني لا أتذكر الماضي ذاته، كما لا أتذكر شخصًا أو مكانًا أو مشهدًا أو صوتًا أو أغنية بعينها، إنما أتذكر أولًا وقبل وقبل كل شيء، كلمات. الكلمات وصداها الذي يتردد في ذاكرتي.

الكلمات التي تقبع في ذاكرة معينة، تحمل أصداء زمن ومكان محددين. لكن المشكلة بالنسبة للشاعر، ليست في الأساس مشكلة مفردات، إنما كيف يستطيع الشاعر تناول المفردات القديمة وصوغها في سياقات جديدة، في تراكيب مبتدعة تتحدث عن حاضرنا وتلقي الضوء على ما يجري حاليًا.

لذلك فإن وظيفة الذاكرة ليست بسيطة؛ إذ لا يتعين على الشاعر أن يعرف الكلمات ومعانيها فحسب، إنما عليه أن ينسى السياقات الكامنة فيها.

ثم يتابع (بولص) حديثه، فيلقي على طفولته الضوء، وعلى أثرها في كتاباته الشعرية، فيقول:

بمحض إرادتي أم رغمًا عني، فأنا لا أتوقف عن الذهاب إلى الماضي والعودة منه.

إن الشعر وسيلة عظيمة للتنقيب في المناطق المخفية عن الحياة التي عاشها الشاعر، وفي المناطق الظليلة التي تقبع فيها اكتشافات لا حصر لها بانتظارك، كل تلك الأشياء التي كوّنتك وجعلتك من أنت، والأماكن والأزمنة والظروف التي عشت فيها؛ جميع الأشياء التي شكّلتك.

فإن عملية العودة إلى الذاكرة أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة لي، العودة إلى تلك التفاصيل التي لا تقبع في رأس أحد سواي. إذًا، فإن الطفولة تشكْل مصدرًا سحريًا يكمن بين الظل والضوء، يثوي عميقًا في الماضي، يمكن استدعاؤه دائمًا وإلباسه ظلالًا جديدة قد لا تكون موجودة إلا في عالم الأحلام.

يتطرق (سركون بولص) بعد ذلك، إلى أهمية الكتابة، مع تركيزه على مجاله في الكتابة؛ الشعرية:

إن الكاتب شاهد على عصره، وعليه أن يكون واعيًا، في خضم كل هذه الفوضى والجنون، والحروب والمذابح، وأن يكون مدركًا لتلك الأصوات الباهتة التي تحدّثنا عن الزمن الماضي، عن حيوات أخرى مدفونة في بطن الحوت الذي يُطلق عليه التاريخ.

[…] لقد أصابت (جيرترود ستاين) عندما قالت: “يجب أن يكون لدى الكاتب بلدان اثنان، بلد ينتمي إليه، وبلد يعيش فيه فعلًا. ويكون البلد الثاني رومانسيًا، منفصلًا عنه، ليس حقيقيًا، لكنه موجود حقًا .. وبالطبع يكتشف الناس أحيانًا بلدهم كأنه هو البلد الآخر”.

لو كان هناك تعريف حقيقي للمنفى، فهذا هو. وأنا أقصد المنفى الأبدي، من دون عاطفة الحنين إلى العودة؛ لأنه لا توجد عودة في واقع الحال، “لا يمكنك أن تخوض في النهر نفسه مرتين”. فعندما تصبح مهاجرًا، مهاجرًا أبديًا، لا يمكن عندها استعادة الجنة مطلقًا.

آدم كيرش مدافعًا عن الرواية العالمية

آدم كيرش (مواليد 1976) هو صحفي أمريكي، وناقد أدبي.

نشر (آدم كيرش) مقالة بعنوان (دفاعًا عن الروائي العالمي)، في صحيفة (فاينانشال تايمز) في ٧ أبريل ٢٠١٧. وقد قامت الأستاذة (لطفية الدليمي) بترجمتها، ونشرها في كتاب (اكتمال العالم) مع عدة مقالات أخرى.

يقوم (آدم) معرفًا للرواية العالمية:

إن الرواية العالمية هي الثورة الأحدث التي لا محيد عنها في النوع الأدبي الذي لطالما سعى دومًا للتعامل السردي الخلاق مع الطريقة التي نحيا بها اليوم، وإذا ما بلغت الرواية العالمية أفضل مرتقياتها الإبداعية فستكون حينئذ قادرة على الارتقاء بالخيال الخلاق الذي يتطلبه التعامل مع عالم معولم بالغ الاختلاف كالعالم الذي نعيش فيه.

ثم يشرح أفكاره بشكل أكبر، متخذًا من أحد روايات (أورهان باموك) أنموذجًا:

لكن الرواية يمكن أن تكون عالمية في مخيالها السردي حتى لو كان مجالها مقيدًا في حدود بلدة محلية، وهذا هو ما يحصل مع رواية (أورهان باموك) المسماة (ثلج) المنشورة عام 2002 والتي تجري وقائعها خلال بضعة أيام وحسب في بلدة تركية حدودية تدعى (كارس). تروي رواية (ثلج) حكاية شاعر تركي يدعى (كا) عاد للتو من منفاه السياسي في ألمانيا ليستقر في بلدة (كارس) التي انقطعت بها السبل عن العالم الخارجي بعد وصوله بفعل عاصفة ثلجية.

“لا بد من التنويه هنا أن مفردة ثلج بالتركية هي (كار)؛ الأمر الذي لن يخفى على القارئ ويجعله يستشعر منذ البداية أن هذه الرواية هي ملعبة كلمات “كار”، “كا”، “كارس”، وتحيل موضوعة عدم إمكانية الترجمة الحرفية لهذه المفردات الثلاث إلى الملامة الشديدة التي يختص بها (باموك) فكرة الروائي العالمي الذي يعتقد بضرورة تطهير لغته من كل المفردات ذات الدلالات الخصوصية غير القابلة للنقل أو الترحيل إلى ثقافات جديدة.”

يكمل (آدم) بعد ذلك في مقالته:

يحصل في هذه الفترة الفاصلة من حياة البلدة أن يشهد الناس فيها انقلابًا مدبرًا من قِبل جماعة علمانية لا تتورع عن ممارسة قمع دموي تجاه السكان المسلمين، وهذا ما يشير بوضوح بأن هذه الرواية تدور في مدار السياسات المحلية، وبالكاد ستكون ذات مغزى مقبول لكل قارئ غير ملمّ بشيء من المعرفة المسبقة بالمجتمع والتاريخ التركيين؛ لكن برغم ذلك فإن واحدة من الموضوعات الأثيرة في هذه الرواية والتي تشكل مصدرًا من مصادر الكوميديا “الملهاة” فيها هي الطريقة التي يتلهف بها كل من الفرقاء المتصارعين في بلدة (كارس) لسرد حكايته الخاصة عن مجريات الوقائع التي حصلت في البلدة للعالم الخارجي الواسع وبخاصة الغرب منه.

إن هذه الحاجة الملحة للفوز بفهم الغربيين يتم وصفه من قبل (باموك) على أنه جزء مركّب الشعور بالدونية المتأصلة في الروح القومية التركية: “ليس الأوروبيون هم من يسعون للتقليل من شأننا معظم الوقت”، هذا ما يقوله (بلو) وهو قائد إسلامي، ثم يردف: “إن ما يحصل عندما ندقق في سلوك الأوروبيين هو أننا نحن من نقلل من قدرنا ونستصغر شأننا”، وبهذا تتمكن رواية (ثلج) من أن تكون حكاية رمزية بشأن العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي من جهة، وبين الحداثة والدين من جهة أخرى، وهي الموضوعات الأكثر أهمية وراهنية في اللحظة العالمية السائدة من غير الاضطرار لمغادرة السياق المحلي لوقائع الحكاية.

بين اللغة والفكر والتربية، جون ديوي يتأمل

جون ديوي (1859-1952) هو مربٍ وفيلسوف وعالم نفس أمريكي وزعيم من زعماء الفلسفة البراغماتية.

في أحد أبرز كتبه والمعنون بـ(كيف نفكر؟)، والذي نقله إلى العربية د. (محمد علي حرفوش)، تحدث عن علاقة اللغة بالفكر، فابتدأ حديثه قائلًا:

لقد تم الحفاظ على ثلاث وجهات نظر نمطية فيما يتعلق بعلاقة الفكر واللغة:

  • أولًا؛ هما متطابقان

  • ثانيًا؛ الكلمات تقوم مقام زي الفكر أو لباسه، الضروريين ليس من أجل الفكر بل من أجل إيصاله فحسب

  • وثالثًا، وهي وجهة النظر التي سوف ندافع عنها هنا؛ القائلة في حين أن اللغة ليست فكرًا فهي ضرورية من أجل التفكير ومن أجل إيصاله في آن واحد.

يتابع بعد ذلك، موضحًا ما تحتويه مفردة “اللغة” من معانٍ، فيقول: 

وعند القول، من جانب آخر، إن الفكر مستحيل دون لغة، فعلينا أن نتذكر أن اللغة تتضمن أكثر من الكلام الشفهي والمكتوب بكثير. فالإيماءات، والصور، والنُصب، والصور المتخيلة، وحركات الأصابع، وأي شيء يتم استخدامه بطريقة واعية على أنه إشارة، منطقيًا، هو لغة.

والقول بأن اللغة ضرورية للتفكير يكافئ القول بأن الإشارات ضرورية. لا يتعامل الفكر مع الأشياء الصرفة، لكن مع معانيها، واقتراحاتها؛ ولكي يتم استيعاب المعاني، يجب تجسيدها في وجودات محسوسة وخاصة. ودون معنى، الأشياء ليست سوى محفزات عمياء أو مصادر للفرص المتعلقة بالسرور والألم؛ وطالما أن المعاني ليست بذاتها أشياء ملموسة، يجب تثبيتها بواسطة الربط بوجود مادي ما. فالموجودات الموضوعة جانبًا ولا سيّما لتثبيت المعاني وإبلاغها هي إشارات ورموز.

ثم ينتقل إلى فصل آخر بعنوان “انتهاك المناهج اللغوية في التعليم”، قائلًا:

في حال التسليم حرفيًا بالأمر، فإن الحكمة القائلة، “درّس الأشياء، لا الكلمات“، أو “درّس الأشياء قبل الكلمات” ستكون رفضًا للتعليم؛ وهي تقلّص الحياة الذهنية إلى تعديلات مادية وحسية. والتعليم، بالمعنى الصرف، ليس تعلّم الأشياء، بل معاني الأشياء، وتنطوي هذه العملية على استخدام الإشارات، أو اللغة بمعناها التصنيفي.

[…] الرموز هي ذاتها، كما تم توضيحه، وجودات خاصة، ومادية، وحسية، مثل غيرها من الأشياء. وهي رموز فحسب بمقتضى ما تقترحه وتجسده، أي المعني. وهي تقوم مقام هذه المعاني فحسب بالنسبة إلى أي فرد حينما خضع لتجربة متعلقة بوضعية علاقة المعاني بها. من الممكن أن تنفصل الكلمات وتحفظ معنىً ما عندما يكون المعنى أولًا متضمنًا في اتصالنا المباشر مع الأشياء. إن محاولة منح معنى من خلال كلمة فقط دونما أية تعاملات مع شيء هو حرمان الكلمة من المغزى المفهوم؛ ولقد قام المصلحون بالاحتجاج ضد هذه المحاولة، وهي نزعة سائدة إلى حدٍ كبير في التربية.

علاوة على ذلك، هنالك نزعة لافتراض أنه حينما توجد كلمة أو صيغة محددة من الكلام توجد فكرة محددة؛ بينما، في حقيقة الأمر، الراشدون والأطفال على قدم المساواة قادرون على استخدام صيغ صوتية دقيقة ذات معنى أكثر غموضًا وأكثر تشويشًا عما تعنيه.

الجهل الحقيقي أكثر ربحًا لأنه من المرجح أن يكون مترافقًا مع التواضع، والفضول، والانفتاح الذهني؛ بينما القدرة على تكرار عبارة لازمة، ومصطلحات اللغة الخاصة بالحرفة، وحروف الجر المألوفة، تقدّم وهمًا متعلقًا بالتعليم وتغلّف العقل بغلاف عازل حيال الأفكار الجديدة.

يختصر (ديوي) كلماته السابقة، بعد ذلك، في الجملة التالية:

تغدو الكلمات التي تقوم أصلًا مقام الأفكار، باستخدام متكرر، دلالات بحتة؛ وتصبح أشياء مادية يتم التلاعب بها بموجب قواعد محددة، أو يتم اتخاذ ردة فعل تجاهها بواسطة عمليات محددة دون وعي لمعناها.

وأخيرًا، ينتقل (ديوي) إلى فصل أخر بعنوان “استخدام اللغة في التوجهات التربوية”، فيقول مقدّمًا مقترحاته لاستخدام اللغة في خدمة الفكر والتربية:

تبلغ مقولة إن “اللغة تعبير عن الفكر” نصف الحقيقة فقط، ونصف الحقيقة التي من المرجّح أن يترتب عليها خطأ حقيقي. تعبّر اللغة حقًا عن الفكر، لكن ليس في المقام الأول، وليس، في البداية، حتى على نحو واعٍ. والدافع الأولي للغة هو التأثير؛ من خلال تعبير متعلّق بالرغبة والشعور والفكر، على نشاط الآخرين؛ واستخدامها الثانوي هو الدخول في علاقات اجتماعية أكثر حميمية معهم؛ وتوظيفها بصفتها وسيلة توصيل واعية للفكر والمعرفة هي تشكيل ثلاثي، ومتأخر نسبيًا.

[…] وتكمن الصعوبة في تحويل العادات المتعلقة “بالأمور والتسهيلات العادية” إلى عادات مهتمة بـ”الأفكار الدقيقة”. يتطلب الإنجاز الناجح للتحوّل:

  1. توسيع مفردات التلميذ؛ بواسطة احتكاك فكري أوسع مع الأشياء والأشخاص، وأيضًا على نحو بديل، بواسطة تجميع معاني الكلمات من السياق الذي تُسمع أو تُقرأ فيه
  2. جعل مصطلحاته أكثر تحديدًا ودقة؛ باكتشاف ظلال المعاني وتسميتها، وهذا يعني بواسطة جعل المفردات أدق
  3. تشكيل عادات الخطاب المتعاقب؛ فمثلما يوضع كل معنى في سياق موضع معين، وإلى هذا الحد تنتمي كل كلمة في الاستخدام المادي إلى جملة ما، والجملة بدورها تنتمي إلى قصة أكبر، ووصف، أو عملية استنتاج منطقي.

لوليتا … حلم (نابوكوف) القديم

                                                                                                     

بعد مرور أكثر من ستة عقود على نشر رواية (لوليتا) للكاتب الروسي- الأميركي (فلاديمير نابوكوف) (1977-1889) ما يزال الإهتمام كبيراً بهذه الرواية، حيث تصدر بين حين وآخر طبعات جديدة منها بشتى لغات العالم، وكأن (نابوكوف) لم يكتب 16 رواية أخرى، والعديد من المجاميع القصصية، والدواوين الشعرية، والمسرحيات، والدراسات الأدبية، فقد كان كاتبا وشاعرا غزير الإنتاج.

كتب (نابوكوف) رواية (لوليتا) في اثناء قيامه برحلات الى بعض انحاء الولايات المتحدة الاميركية، خلال العطلات في أواخر الأربعينات، عندما كان استاذا في جامعة هارفارد، يحاضر عن النماذج العالمية في الأدبين الروسي والأميركي.

و(لوليتا) هي الرواية الثانية عشر لـ(نابوكوف)، والثالثة التي يكتبها بالإنجليزية. وكان حتى ذلك الحين، كاتبا معروفا في الأوساط الأدبية الروسية في المهجر، دون أن يحظى باهتمام كبير من جانب دور النشر والصحافة الأدبية الغربية. وكانت أعماله الأدبية محظورة في الإتحاد السوفيتي، شأنه في ذلك شأن كل الكتّاب والشعراء الروس المهاجرين إلى الدول الغربية هربا من النظام البلشفي.

ولم يتوقع (نابوكوف) أبدا، أن (لوليتا) ستحتل صدارة لائحة الروايات العالمية إلى جانب (مدام بوفاري) و(أوليسيس)، (عشيق الليدي تشاترلي)  و(مدار السرطان). وأن الرواية ستجابه فور نشرها بالشجب والإدانة، ثم الحظر، الذي سيؤدي إلى الرغبة المتزايدة في قراءتها وترجمتها إلى اللغات الاخرى وذيوعها في أنحاء العالم.

كانت فكرة الحب المحرم بين رجل في منتص العمر وصبية على مشارف المراهقة، لا تفارق خيال (نابوكوف) لسنوات طويلة، ويعود إليها بين حين وآخر في قصائده ورواياته. تظهر صورة فتاة جذابة جنسيا لأول مرة في قصيدة (نابوكوف) “ليليث”، التي كتبها في برلين عام 1928:

صبية عارية وقفت بالباب فجأة،

مع زنابق نهرية في ضفائرها.

لمعت شقرة ابطها،

وهي تحجب أشعة الشمس بيدها.

رشيقة كامرأة، ونهداها يزهران بلطف،

وتذكرتُ ربيع الوجود الدنيوي.

كما نجد فكرة الرواية في الفصل الثالث من رواية (نابوكوف) المعنونة (الهدية)، والصادرة في عام 1937، ضمن قصة مثيرة يسردها (شيغوليف) أحد ابطال الرواية.

تخيّل القصة التالية؛ كلب قديم، ولكنه لا يزال قويا، متقد العاطفة، ويتلهف للسعادة. يتعرّف على أرملة لديها طفلة، لم تظهر ملامح الأنوثة عليها بعد، لكنها تمشي بطريقة تصيبك بالجنون. شاحبة الوجه، خفيفة الحركة، مع هالات زرقاء تحت عينيها. وهكذا لم يتردد في الزواج من الأرملة. وعاش ثلاثتهم معا. وبطبيعة الحال لم تكن الصبية تعير الرجل أي اهتمام .. ما العمل إذن؟

هنا يمكنك أن تصف إلى ما لا نهاية؛ الإغواء، والتعذيب الأبدي، والحكة، والأمل المجنون، وكل هذا سوء تقدير. الزمن يمر سريعا، وهو يتقدم في العمر، وهي تزداد جمالا. أحيانا تمر بقربه وتلقي عليه نظرة ازدراء. آه! هل تشمّ هنا رائحة مأساة (دوستويفسكي)؟

لم يكن (نابوكوف) يطيق (دوستويفسكي)، وفي كل فرصة سعى إلى وخزه؛ وخاصة بسبب “دموع الطفل” و”الجمال الذي سينقذ العالم”. وفعل ذلك عن طريق كتابة قصة حب لرجل في العقد الرابع من عمره وفتاة حديثة السن.

و في عام 1939 كتب قصة (الساحر)، وهي ذات حبكة مماثلة لحبكة رواية (لوليتا). ولكن الدافع المباشر لكتابة (لوليتا)، كانت أعمال الطبيب الإنجليزي (هنري هافلوك أليس) الذي يعد الرائد المؤسس للـ(سيكسولوجيا)، أو ما يعرف بعلم الجنس، حيث نشر موسوعة من سبعة مجلدات عن هذا العلم. ويتضمن المجلد السادس من الطبعة الفرنسية للموسوعة ملحقا عن اعترافات (فيكتور ايكس)، وهو رجل من نبلاء اوكرانيا يعيش في الغرب، ويتحدث بصراحة عن حياته الجنسية، بما في ذلك مجموعة متنوعة من الممارسات، بضمنها العلاقة الحميمة مع فتيات يافعات.

ومن المعروف أن (نابوكوف) عندما كان منهمكا في كتابة (لوليتا) في عام 1948، طلب من صديقه، الكاتب الأمريكي (إدموند ويلسون)، أن يرسل له كتاب (أليس)، واستجاب (ويلسون) لطلبه، وأرسل إلى (نابوكوف) المجلدات السبعة مع الملحقومن يقارن اعترافات (فيكتور) مع نص رواية (لوليتا) سيكتشف تشابها كبيرا بينهما من حيث الحبكة والمضمون.

بعد الانتهاء من كتابة رواية (لوليتا) انتاب (نابوكوف) إحساس بالرهبة والرعب من أحداثها. وظل فترة من الزمن يفكر في ما ينبغي عمله بصدد الرواية؛ هل يحرق المخطوطة، أم ينشرها بإسم مستعار؟ وبعد تردد طويل، كتب رسالة الى مؤسس دار نشر “نيو دايريكشنس” (جيمس لافلين)، يقول فيها: “هل انت مهتم بالقنبلة الموقوتة التي انتهيت للتو من كتابتها؟”، ولكن الناشر اصيب بصدمة منذ الصفحات الأولى للرواية، ورقض على نحو قاطع نشرها.

كما تم رفض المخطوطة من قبل العديد من دور النشر الأميركية، التي اعتبرت (لوليتا) رواية إباحية. وكما قال صاحب دار نشر “فايكنغ بريس” (باسكال كوفيشي): “فإن نشرها سيؤدي بنا جميعا إلى السجن”. وعندما يئس (نابوكوف) من نشر الرواية في أمريكا، قام بإرسالها إلى دار نشر “أوليمبيا بريس” الفرنسية، التي كانت متخصصة في نشر الكتب الإيروتيكية الخفيفة.

صدر الكتاب في السادس من حزيران عام 1955 في طبعتين منفصلتين؛ الإنجليزية والفرنسية، في آن واحد. أثارت الرواية ضجة كبيرة، وقال (غراهام غرين) في مقابلة صحفية انها أفضل رواية نشرت خلال تلك السنة.

ومع ذلك، سرعان ما تم حظر الرواية في فرنسا ودول عديدة. ووصل الأمر في النمسا إلى حرقها علناً .. ولكن لم يكن ثمة شيء يمكن أن يوقفها عن الانتشار في جميع أنحاء العالم؛ فالثمرة المحرمة حلوة المذاق.

أثار أحد النواب في مجلس العموم البريطاني مسالة حظر الرواية في انجلترا. وعندما كان يتحدث عن هذا الموضوع قال له نائب آخر باستحياء:

أردنا أن نتحدث عن أزمة السويس

رد النائب الأول بغضب:

لا تقاطعني من اجل هذا الهراء!

ولم تنشر الرواية في أميركا، إلّا بعد ثلاث سنوات من نشرها في فرنسا، حيث قامت دار نشر “بوتنام” الأميركية بطباعة ونشر الدفعة الأولى من الرواية بمائة ألف نسخة في 12 حزيران/ يونيو عام 1958، وسرعان ما نفد الكتاب من السوقوفرك الناشر يديه فرحا، ولكن أعضاء المجالس المدرسية والكهنة أصيبوا بالهستريا. وكان العنوان الرئيسي لإحدى المقالات النقدية عن الرواية: “القارة العجوز الفاجرة تفسد أمريكا الشابة النقية”.

احتلت (لوليتا) صدارة الكتب الأكثر مبيعا حتى نهاية عام 1958. وأزاحت جانبا رواية (ذهب مع الريح) التي كانت تتصدر لائحة أكثر الكتب مبيعًا في ذلك الوقت. وظلت (لوليتا) في الصدارة حتى نهاية العام أي لمدة خمس وعشرين أسبوعا.

ومن المفارقات، أنه تم دفع (لوليتا) إلى المركز الثاني، حيث تصدرت رواية (بوريس باسترناك) (دكتور زيفاغو) لائحة الكتب الأكثر رواجا في الولايات المتحدة الأميركية وفي العديد من دول العالم، إثر الضجة العالمية التي أثيرت حول قيام النظام السوفيتي بإرغام (باسترناك) على رفض جائزة نوبل في الآداب لعام 1958.

وبطبيعة الحال كان من العسير ترجمة ونشر الرواية في الإتحاد السوفيتي لسببين:

  • أولهما: أن (نابوكوف) كان هاربا من بلاده ولاجئا في المانيا [1922- 1937]، وفي فرنسا [1937 – 1940] ثمّ في أميركا [1940- 1962] وأخيراً في سويسرا [1962 الى وفاته في عام 1977]
  • وثانيهما: أن النظام السوفيتي كان متزمتا جدا. لم تكن ثمة مشاهد ساخنة في الأفلام، ولا أي وصف صريح للعلاقات الحميمة بين الجنسين في الروايات، فكيف برواية عن العلاقة الحميمة بين رجل أربعيني وفتاة صغيرة في بداية سن المراهقة!

ويبدو ان (نابوكوف) أدرك بنظرته الثاقبة، أن الرواية ستترجم إلى اللغة الروسية يوما ما، وسيتلاعب بها مترجم مطيع حسب تعليمات الرقيب، لذا فقد احتاط للأمر مسبقا، وترجم الرواية بنفسه إلى الروسية في منتصف الستينات، وصدرت عن دار نشر “فيدرا” في نيويورك في عام 1967. ولم تكن النسخة الروسية ترجمة للأصل الأنجليزي، بل صياغة جديدة للرواية، يبلغ حجمها ضعف حجم النص الأنجليزي. ولم تنشر الرواية في الإتحاد السوفيتي إلا في عام 1989. ويكاد يجمع النقاد والباحثون على أن (لوليتا) هي أفضل روايات (نابوكوف) وإحدى الروائع الأدبية في القرن العشرين.

فن الكتابة، وحياة الكتّاب. حوار مع الكاتب البريطاني؛ آيان ماك إيوان

أجرى الحوار: لاين روزن. لصحيفة (ذه انكوايرر)

ترجمة: دلال الرمضان

حوارنا اليوم مع الكاتب البريطاني (آيان ماك إيوان)، الذي تم تصنيفه من قبل صحيفة التايمز البريطانية واحدًا من أفضل خمسين كاتب بريطاني منذ عام 1945. والذي استحوذت رواياته على اهتمام شريحة واسعة من القراء حول العالم. كان من بينها رواية (أمستردام) الحائزة على جائزة مان بوكر لعام 1998، و رواية (الكفارة) الصادرة في عام 2001، والتي تم تحويلها إلى فيلم حاز على جائزة الأوسكار في 2007.

جرى الحوار في مكتبة لندن الأربعاء الماضي. حيث حدثنا (آيان ماك إيوان) عن روايته الجديدة (قشرة الجوزة) المقتبسة عن مسرحية (هاملت) لـ(وليم شكسبير)، والتي تُروى أحداثها من قبل جنين في رحم أمه. عن هذه الرواية، وعن حياته ككاتب، كان لنا معه الحوار التالي:


أظن أن هذا هو كتابك السابع عشر، إن لم أكن مخطئاً؟

إنه عملي القصصي السابع عشر، والروائي الخامس عشر. فأول كتابين لي كانا عبارة عن مجموعة قصصية .

تندرج كتاباتك ضمن العديد من الأجناس الأدبية، بما في ذلك السيناريو السينمائي، والأفلام التلفزيونية، أليس كذلك؟

أجل. لقد وجدت نفسي، مؤخراً، منغمساً في كتابة السيناريو السينمائي بشكل كبير. إذ لدي عملان قيد الإنتاج. وهما مقتبسان من كتابيّ (قانون الطفل) و(على شاطئ تشيسل). حيث ستكون الممثلة الإيرلندية (سيرشا رونان) البطلة في أحدهما .

هل بمقدورك إخبارنا عن الحالة التي تمر بها في غضون ولادة أي عمل أدبي لك؟ كيف تعمل؟ وبأية سرعة تكتب؟ وما هو الأسلوب الذي تتبعه؟

حالما أبدأ في الكتابة فإنها تستحوذ على تفكيري تمامًا. ما يجعلني أصب جُل أفكاري في الموضوع الذي أكتب عنه. وإن حدث أن وصلت حصيلة كتابتي إلى ما يقارب 450 إلى 500 كلمة في اليوم الواحد، حينها سأكون في ذروة سعادتي. يبدأ عملي في التاسعة والنصف صباحاً من كل يوم. و لا أجد أي مبرر للتوقف عن العمل. لأنني أعلم جيداً أنني سأصل إلى تلك اللحظة التي ينتابني فيها التردد، فأتوقف عن العمل ليوم كامل، أو ربما لأسبوع، لأعاود العمل من جديد فيما بعد .

أحياناً، أعمل في وقت متأخر من الليل. وفي أحايين أخرى، إذا سارت الأمور على ما يرام، أعمل في الساعات الأولى من الصباح. غالباً ما أستهل يومي بمراجعة ما كتبته بالأمس. لقد كنت من أوائل من تبنوا فكرة معالجة النصوص في أوائل الثمانينات. إنه لأمر حسن أن يكون الكاتب قادراً على تصحيح ما كتب باستمرار. وفي هذه الحالة، أظن أن عليه أن ينفصل عن النص الخاص به بشكل تام، ليعود للنظر إليه بطريقة حيادية، وكأنه عملٌ لكاتب آخر.

هل سبق لك أن قمت بالتدريس؟

لقد أدرت العديد من النقاشات في عدة حلقات بحثية، مع طلاب عدة، بما في ذلك طلاب كلية الفنون الجميلة، حيث جرت العادة أن أحاورهم بعد إعطائهم الحصة المقررة كل صباح. وحتى قبل أن أقوم بنشر كتابي الأول بمدة طويلة، كنت ألقي محاضرات في ورش تعليم الكتابة في جامعة آيوا. لقد استمتعت كثيراً بعملي. وأظن أن الطالب المجدّ هو من يأتي بفائدة و يغادر بأخرى. إذ لا بد له أن يستفيد من حضوره تلك الورشات. بيد أن أكثر فائدة يمكن أن تجنيها من تلك الورش هي وجود من يترقب أعمالك. أنت بذلك تكسب القارئ. وهذا يعني أنك تكتسب جمهوراً جديداً. إذ ثمة فرق هائل بين وجود ثلة من الناس ممن يقرؤون أعمالك، وبين عدم وجودهم .

ثمة عدد كبير من القراء ممن يستخدمون كلمة واحدة لوصف أعمالك، ألا وهي “محطِّمة” فهل تظن أن بإمكان هذه الكلمة أن تصف القصص التي تكتبها بدقة؟ وهل تحاول، متعمداً، ترك ذلك الأثر العاطفي العميق في نفوس قرائك؟

لا أنوي تحطيم قلوب قرائي بالضرورة. بيد أنني آمل أن يقعوا تحت تأثير ذلك السحر الذي يوقد لديهم فضولاً تجاه النص. ذلك لأن فعل قراءة الرواية التي تخلو من ذلك الإحساس بالترقب، هو فعل باهت يفتقر لأي معنى. يمكن لهذا الإحساس أن يكون ترقباً فكرياً أو عاطفياً، أو مزيجاً منهما معاً. هو شيء يحثك على متابعة القراءة. إذ يرى الكاتب البريطاني (هنري جيمس) أن الوظيفة الأولى للروائي هي أن يحقق المتعة للقارئ. وربما أعي تماماً ما يعنيه بذلك. أما بالنسبة لي، فلا شك أنني سأضع الرواية جانباً، إذا لم تُثر فضولي. أود أن أُحدث شيئاً ما. ولا يجب أن يتعلق ذلك الشيء بتلك الأدوات التي أشتهر بها. آمل، فقط، أن يشعر قرائي بصعوبة ترك الرواية دون الرغبة بالعودة لقراءتها مجدداً.

في روايتك الجديدة (قشرة الجوزة) كيف اخترت صوت الراوي؟ و ما الذي جعلك تحاكي “هاملت“؟ 

لقد أتى ذلك من اتجاهات مختلفة. فبينما كنت أحضر اجتماعاً مملاً، تبادر إلى ذهني السطر الأول من الرواية، والذي يقول: “هأنذا، أقف رأساً على عقب داخل جسد امرأة “ حيث قمت بتدوين بعض الملاحظات. ثم غادرت ذلك الاجتماع .

حين يتعلق الأمر بكتابة الرواية، غالباً ما تتسم البدايات بالبطء. فأية فكرة يمكن أن تبدو فكرة رائعة في يوم بعينه، بيد أنها قد تصبح بخلاف ذلك، بمجرد مضي شهرين من الزمن .

في تلك الأثناء، كنت أشاهد مسرحية (هاملت) إذ بدأت الفكرتان بالتناغم مع أفكاري. وبمجرد أن يأخذ صوت الراوي مكانه المناسب، كما هو حال الخطة التي رسمتها لسير أحداث الرواية، والتي تركز على حث القارئ على التخلي عن شكه، فإن كل الأحداث، بعد ذلك، تسير وفقاً لتسلسلها المنطقي .

تكمن الصعوبة الحقيقية في بداية الرواية. أي في اختيار الأسلوب المتبع في قص الحكاية، على وجه التحديد. وبما أن القصة كانت مرحة، فلا عجب أن أختار أسلوباً مرحاً لسرد أحداثها بلغة شعرية تغلب عليها قافية التفعيلة الخماسية التي كانت بمثابة اعتراف بكون (شكسبير) المصدر الأول لإلهامنا. فلغتنا متشبعة بكلمات ذلك المبدع. فلم يؤثر بنا (شكسبير) بآلاف الأمثلة، والشخوص، والأفكار التي تبناها فقط، بل وصل تأثير كلماته إلى أولئك الذين يرددونها دون معرفتهم به. فحين يرددون العبارة التالية: “كن كل شيء، أو لا شيء” هم يقتبسون عبارة (شكسبير) الشهيرة دون علمهم بذلك. (شكسبير) هو المصدر الذي أعاود اللجوء إليه باستمرار. وهذا نوع من الإجلال للخط الذي سار عليه ذلك المبدع.

كيف يبدو يوم الكاتب (إيان ماك إيوان)؟ وهل بإمكانك الخروج دون أن يتعرف عليك المارة؟ وكيف يتصرف الناس عند معرفة هويتك؟

نعيش أنا وزوجتي في الريف، حيث لا يوجد أحد. إن شهرة الأديب تختلف كل الاختلاف عن شهرة مشاهير الغناء، أو الرياضة، أو التلفاز. فلن تصادف معجباً يحاول أن يشد قميصك، على سبيل المثال. فالقارئ الشغوف بنتاجي الأدبي، إن حدث وتعرف علي، فربما لن يحرك ساكناً. ولعله سيكتفي بالاقتراب مني بكل احترام، وبالقول: “تعجبني تلك الرواية” ومن ثم ينصرف بكل هدوء. حياتي تسير كحياة باقي البشر. قد يختلس المارة النظر إلي في الشارع أحياناً. بيد أن ذلك لا يحدث سوى في الفترات التي أصدر فيها رواية جديدة.

ما الذي تعنيه لك فرصة اللقاء بقرائك، والتفاعل معهم؟

عندما تلتقي بقرائك، فإنك تقابل مجموعة من الناس انتقيتها بنفسك. حذارِ أن يخطر ببالك أن العالم كله يقرأ كتاباتك، وأن الجميع معجب بك. إن لقاء القراء تجربة ممتعة للغاية. لقد صادفت قراءً بأعمار متفاوتة؛ بدءًا من عمر السابعة عشر، وحتى عمر الثمانين سنة، أو حتى التسعين، ممن قرأوا أعمالي طوال حياتهم. حين زرت حديقة ذات يوم، برفقة ابني، في وسط لندن -حيث كنا نسكن – كان الناس يتنزهون في وقت الغداء. جلبت رزمة من الكتب التي كان من بينها كتبي، وأخرى لكتاب آخرين. ثم قمت بتوزيعها على المارة. كانت كل امرأة تطلب مني ثلاث كتب، في حين كان الرجال يردون بالقول: “لا، شكراً لك”

أيقنت حينها صدق شعوري بأن “فن الرواية سيؤول للتلاشي، لولا جمهوره من القارئات” 


[المصدر]