ما تحاول أن توهمنا إياه الأنا المزيفة

 

واين داير (1940-2015) هو مؤلف أمريكي ومحاضر مشهور، مؤلف كتاب (النقلة) وهي دعوة إلى استكشاف عملية الحركة بعيداُ عن الحياة التي لا هدف لها، والتحول إلى أخرى عامرة بالمعاني والأهداف. يشرح في كتابه أربع نقلات؛ ففي النقلة الثانية، وهي مرحلة الطموح. حيث أن الطموح هي المرحلة التي نتبنى فيها “الأنا المزيفة” التي هي نقيض عالم الروح الذي أتينا منه.

ويرى (داير) أن “الأنا المزيفة” تريد منا أن نؤمن بكذبات ست، أحداهن تقول: “آراء الآخرين تحدد من أكون”. فيقول (داير) بخصوص هذه الكذبة:

تمطرنا الأنا المزيفة طوال حياتنا برسائل تحاول من خلالها إقناعنا لأن قيمتنا تأتي من ملاحظات وآراء الآخرين. مرة أخرى، تعلن هذه الذات أن شيئاً ما أو شخصاً ما خارج عنا هو المسؤول عن صدقيتنا.

لقد تعلمنا منذ نعومة أظافرنا أن نصدق آراء الآخرين أكثر مما نصدق آرائنا نحن. إن تقييم الأبوين، الإخوة، الأصدقاء، المعلمين، وفي بعض الحالات، كل من يظهر في حياتنا كيافعين، يتم تقديره عالياً أكثر مما نقدر تقيمينا نحن.

نحن مقتنعون أنه إذا قام أي شخص من تلك الفئات بانتقادنا، فعلينا أن نحترم، وجهة نظره أكثر من جهة نظرنا نحن. إن هذا الانغماس في تعاليم الأنا المزيفة يضعف تدريجياً إحساسنا بالقيمة، مسبباً لنا الشك في قدسيتنا.

ثم يؤكد (داير) على“أن احترام الذات ينبع من معتقدات داخلية إيجابية عن أنفسنا وليس استحسان الآخرين”.

ثم يقول:

يملى علينا البقاء المادي الأنا المزيفة، أننا كائنات مادية دون روحانية في جوهر. إنها تنتهج فكرة خاطئة تقول قيمتنا تتحدد وفق ما يختار الآخرون أن يكون رأيهم فينا. إذا كنا نعلم حقيقة من نكون، نستطيع أن نتجاهل رسائل الأنا المزيفة تلك، وننظر ببساطة إلى آراء إخواننا في الإنسانية عنا على أنها مجرد آراء.

أن الاعتقاد بأن رأي الآخرين فينا يحدد هويتنا، يعيق العفوية المرحة لذواتنا الحقيقية. إذا كان استحسان الآخرين وآراؤهم يحدد هويتنا، سنحاول أن نكيف أنفسنا أو ننكمش. إن صورتنا عن أنفسنا معتمدة عليهم، وعندما يرفضوننا، فهذا يعني أننا “لن نكون” على الإطلاق. أن أسلوب الأنا المزيفة في التعامل مع هذه المعضلة هي التكيف مع آراء الآخرين. إن كانوا يعتقدون أننا أغبياء، نحاول أن نقنعهم كي يعتقدوا العكس من خلال محاولة أن نكون ما يريدوننا أن نكون. يصبح وجودنا بأكمله انعكاساً لما يعتقد به الآخرون.

الحقيقة كما يتصورها (داير) هي أنه لا علاقة لأفكار الآخرين أو رأي أي أحد فينا في هذا العالم، بتحديد هويتنا. نقطة انتهى. قد يغير الشخص الذي تسعى يائساً خلف استحسانه رأيه غداً، وعوضاً عن أن يظن أنك ذكي، موهوب، رائع. قد يقرر أنك غبي، أبله لا تستحق التواجد بالقرب منه. إذا استمعت إلى ذاتك الحقيقة فلن تتأثر أبداً بمثل هذه الأحكام. وبالتالي، إن كانت ذاتك المزيفة هي المهيمنة على تفكيرك، فستتأثر على نحو بائس. بهذا الطريقة تغويك الأنا المزيفة كي تستخف بذات الحقيقية.

مواقع ومجلات علمية عربية لابد من متابعتها

قد يشتكي البعض بسبب قلة المجلات والمواقع العلمية باللغة العربية مقارنة باللغات الأخرى، وفي الحقيقة هذا الكلام فيه كثير من الصحة إلا أن هناك عدد من المجلات والمدونات العلمية العربية التي لم تنل حظها من التسويق والنشر والتي قد تغطي نقصاً كبيراً في المحتوى العربي. أدناه قائمة بتلك القنوات وسنقوم على تحديثها باستمرار.

معضلة الكتابة للمجتمعات كما يصفها بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يصف فيه معضلة الكتابة للمجتمعات، يقول فيه:

لا أملك، لأمارس التأثير في المجتمع، سوى تلك المزايا السلبية الحيادية. إنني في المقام الأول رجلٌ استدلاليٌ عقلاني، والأسوأ من ذلك استدلاليٌ مدقّق وتحليلي. غير أن الجمهور ليس قادرًا على اتباع أمثالي، ولا هو قادر على الاهتمام بالتحليل.

ثم إنني في المقام الثاني، تحليليٌ يبحث، في حدود الممكن، عن اكتشاف الحقيقة، لكن الجمهور لا يريد الحقيقة بل تعجبه الأكذوبة. الحقيقة في كل الأوجه ولا سيما في المسائل الاجتماعية معقدة دائما. والجمهور لا يفهم الأفكار المعقدة. يجب أن نمنحه فقط الأفكار البسيطة، العموميات الملتبسة، أي الأكاذيب وإن كانت على صلة بالحقائق؛ ذلك أن تقديم ما هو معقد بصفته بسيطا وعرض ما يحتاج إلى تمييز بدونما تمييز، واللجوء إلى التعميم حيث ينبغي التخصيص للوصول إلى التحديد وتفادي الدقة في مسائل تستوجب الدقة؛ كل ذلك والكذب سواء.

وأنا في المقام الثالث، ولهذا أبحث عن الحقيقة، ميّال إلى التجرد ما استطعت؛ لكن الجمهور الذي تحركه الأهواء وليس الأفكار متحيّز عضويا وهذا لا ينفّره فحسب ويجعله لا مباليا خارج طبيعته وبعيدا عن نبرة التجرد ذاتها، بل إن هذا كله، علاوة، يتفاقم بسبب الالتزامات والتمييزات والتحديدات الواجب التقيّد بها لنكون غير متحيزين. عندنا نحن في أوروبا مثلًا وفي أغلب شعوب جنوب أوروبا، إما أن تكون كاثوليكيا أو ضد الكاثوليكية أو غير معنيّ بالكاثوليكية كما بكل ما عداها.

يكمل بعد ذلك قائلًا:

المجتمعات يسيرها مهيجو المشاعر والأهواء، لا الأفكار. ما من فيلسوف فُتح له طريقا بدون أن يضع نفسه جزئيا أو كليا في خدمة دين أو سياسة أو أي نمط اجتماعي آخر من التفكير.

إذا كان البحث في الموضوع الاجتماعي إذن عديم الفائدة اجتماعيا باستثناء الجانب الفني، إن كان يتوافر على مقومات فنيّة، حينئذ سيكون من الأجدى لنا استخدام جهدنا في صناعة الفن، وليس نصف فن.

يشرح فكرته أكثر قائلًا:

بمعرفتنا أن جميع المعتقدات يمكن تبريرها أو الدفاع عنها وأن قيمتها ليست في ذاتها وإنما في قيمة من يدافع عنها، علينا أن نقصر أنفسنا على أدب الدفاع أكثر مما على قضية الأدب ذاتها. لنصنع حكايات ذهنية نتّبع فيها دافعا فوريا ومتهورا، دراسات علمية أيضًا. حقيقة الفكرة نفسها عليها أن تكون زائدة، ليست بأكثر من دليل جميل مشتق من حيل البصيرة النفاذة.

سوف نتفرغ، متخذين حركة متطابقة في اتجاه معاكس، لإظهار لا معنى الأفكارر السائدة، خسّة الأفكار الأكثر نبالة، الوهم الملازم لجميع ما تقبله الإنسانية أو يمكن أن تقبل به وجميع ما يؤمن به الشعب أو يمكن أن يؤمن به. هكذا سنُخلّص المبدأ الارستقراطي الذي أُسس فوق النظام الاجتماعي، تاركًا وراءه عبودية كونية ورتيبة.

هيلين كلير و دوامة أبيقور

هيلين كلير (1968-1880)، أديبة ومحاضرة وناشطة أمريكية. عانت (هيلين) من المرض في سن أثنى عشر شهراً وافترض أطباء الاطفال بأنها مصابة بحمى القرمزية والتي يصنف بمرض التهاب الرأس مما أدى إلى فقدانها السمع والبصر تماماً، ولها عدد من المؤلفات التي تنضج بالشكر لله على نعمة الحواس وتدعو إلى استعمالها فيما خُلقت، وقد كتبت في أحدى مقالتها وصف لحياة أولئك الغير قادرين على تقدير نعمة البصر والحياة كما ينبغي بكلماتها العميقة:

يجب علينا أن نعيش كل يوم ونحن نقدر تمام التقدير وندرك تمام الإدراك النعم التي تحيط بنا والتي غالباً ما تفقد قدسيتها عندما يمر أمامنا الزمان في هذا المشهد الدائم الذي يمضي بأيامه و شهوره  وأعوامه .. أولئك طبعاً هم الذين يعيشون دوامة الفيلسوف (أبيقور) الذي كان يزعم أن المتعة هي الهدف الرئيسي من الحياة بيد أن أغلب الناس يريدون أن يعيشوا في عذاب وهم يشعرون بحقيقة الفناء الوشيك لكن معظمنا مع ذلك يأخذ الحياة على أنها منحة دائمة. نحن نفهم أن لابد من يوم أت لامحالة نسلم فيها الروح بيد أننا غالباً ما نتصور أن هذا اليوم بعيد جداً؛ إن هذا السبات نفسه هو الذي يهيمن علينا.

وعن فقدان البشر لقيمة حواسهم وتسخرها للعيش بمتعة، كتبت قائلة:

فيما يتعلق باستعمال حواسنا و طاقاتنا. إن الاصم وحده هو الذي يقدر نعمة السمع ؛ وكذلك الكفيف وحده هو الذي يقدر ضروب السعادة التي تكمن في نعمة البصر إن هذه الملاحظة تنطبق عملياً على أولئك الذين فقدوا حاسة البصر أو حاسة السمع في حياتهم المبكرة، لكن الذين لم يسبق لهم أن اشتكوا من الحرمان ولم يسبق لهم أن فقدوا بصراً أو سمعاً ؛ أولئك قليلاً ما يحسون بعظمة نعمة الاستفادة من هذه الحاسة المقدسة. أن أبصار هؤلاء تقع على كثير من المناظر، كما أن أسماعهم تتلقى مختلف الأصوات، ولكن بقليل من التقدير، بل ربما دون اكتراث ودون إمعان إنها فحوى الكلمة التي تُردد: “لا يعرف المرء مقدار النعمة إلا عندما تسلب منه ولا يعرف مقدار عافيته إلا عندما يكون طريح الفراش”.

وقد خصصت الكاتبة حوارات عميقة حول تقدير أصدقائها لنعمة البصر قائلة:

لقد كان يلذ لي أحياناً أن أسال رفاقي الذين يبصرون وقد زارتني في الايام الماضية صديقة من أعز صديقاتي كانت قد رجعت توها من جولة لها طويلة في إحدى الغابات المجاورة، سألتها ماذا رأت وماذا لاحظت؟ فكان جوابها بالحرف “لا شيء يستحق الذكر!!” ولو أنني لم أكن معتادة على مثل هذا الجواب لداخلني الشك فيما سمعت. لقد اقتنعت منذ زمن بعيد أن هؤلاء الذين يبصرون لا يرون الا قليلاً ! قلت في نفسي: “كيف يكون من الممكن أن يتجول المرء لمدة ساعة من الزمن بين منعطفات الغابة ولا يرى شيئاً يستحق الذكر ؟!” يصرخ قلبي من أعماقه في بعض الاحيان وفي شوق متزايد ليشاهد هذه الاشياء، فإذا كنت أستطيع أن أحصل على متعة مثل هذه بمجرد لمس عابر، فأي جمال وأي بهاء أشعر به وأنا أرى ذلك رؤيا العين! قد يكون من الإنسانية أن نقدر قليلاً الاشياء التي لدينا، وأن نتوق إلى الأشياء التي ليست في متناولنا، بيد أن ما يدعو إلى الإشفاق الكبير في عالم النور أن نلاحظ أن حاسة البصر تعد لدينا مجرد أداة زهيدة أكثر من كونها وسيلة تضفي على الحياة الكمال والجمال. فلو كنت رئيسة جامعة لفرضت مادة إجبارية جول موضوع: “كيف تستفيد من عيونك”، ويكون على معلم  هذه المادة أن يحاول إفهام طلبته الوسائل التي تمكنهم أن يضاعفوا المتع التي تزدان بها حياتهم عن طريق الرؤية الحقيقية للأشياء التي تمر أمامهم دون أن يعبروها أدنى اهتمام، نعم .. يكون عليه أن يحاول إيقاظ طاقة طلابه وبعثها من نومها وفتورها.

مفهوم الحركة والتطور المجتمعي عند الوردي

علي حسين الوردي ( ١٩٩٥-١٩١٣ م ) عالم اجتماع عراقي، أستاذ ومؤرخ عُرف باعتداله وموضوعيته وهو من رواد العلمانية في العراق. ولد في بغداد عام ١٩١٣ م، ترك مقاعد الدراسة في عام ١٩٢٤ م ليعمل صانعاً عند عطار ولكنه طرد من العمل لانه كان ينشغل بقراءة الكتب والمجلات ويترك الزبائن وبعد ذلك فتح دكان صغير يديره بنفسه.

حصل على البكالوريوس من الجامعة الأمريكية في بيروت، والماجستير والدكتوراه من جامعة تكساس في عام ١٩٥٠م. قال له رئيس الجامعة عند تقديم الشهادة له: “أيها الدكتور الوردي ستكون الأول في مستقبل علم الاجتماع“.

ألّف (الوردي) العديد من الكتب من أبرزها: (وعاظ السلاطين)، (مهزلة العقل البشري)، و(خوارق اللاشعور) والعديد من الكتب الأخرى.

نشر (الوردي) في كتابة (خوارق اللا شعور)، تحدث فيه عن الزمن ويقول:

الزمن في تغير وان ماصلح أمس قد لايصلح اليوم أو غداً وحين يصطدم بالتجربة المرة يرجع الى نفسه خابئاً فيأخذ بذم الناس وسب الزمان مع العلم ان لا دخل للناس أو الزمان في فشله وان فشله آت  من سوء تفكيره بالكون بينما الحياة في حركة متواصلة.

تحدث ايضاً عن مفهوم الحركة والتطور في كتابه (مهزلة العقل البشري) قائلاً:

إن من المفاهيم الجديدة التي يؤمن بها المنطق الحديث هو مفهوم الحركة والتطور .فكل شيء في هذا الكون يتطور من حال الى حال ولا رادَّ لتطوره.

ويكمل قائلاً:

إن المجتمع في تطور مستمر، فالعادة التي تصلح لزمان قد لاتصلح لزمان آخر.

واتبع في قوله عن مفهوم التطور:

ماحدث هنا يحدث هناك ، والتطور الاجتماعي يسير في كل بلد على منوال ماسار عليه في بلد آخر. تلك سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا.