الحياة عقد إيجار

نشأت وأنا أخاف الموت واعتدت على ترك التلفاز يعمل أثناء نومي ليلاً حتي لاتنجرف أفكاري نحو النهاية المحتومة، رأيت مقطورات في فيلم مخيف عام 2012 مما سبب لي صعوبة في التنفس وانخراط في البكاء. حينما كنت بعمر السابعة أو الثامنة كانت فكرة إنتهاء حياتي وهلاكي أنا وأحبائي تملأني بالبؤس. هذا ما أنبثقت عنه ذاكرتي كأول أفكار روادتني عن الموت وكلما كبرت في السن قلَّت نوبات القلق الوجودي لدي فقد أصبح لدي أشياء أخرى لكي أقلق بشأنها.

عندما كنت طفلاً دمر الركود الإقتصادي عائلتي فتركنا العيش في بيت مستقر وانتقلت مع أمي من مكان لآخر، لم يكن لدي وقت للتفكير في الموت ولكن مع ذلك لم يغادر الموت قط تفكيري. ركزت على أن أكون مُنتجاً وأضمن مستقبلاً أفضل ومع ذلك لم أتمهل لأستريح أو لأجد السعادة في أيامي التى أقضيها.

على حد تعبير (أوغسطينوس):

لقد ضاق صدري بسبب التعب من مشقة الحياة والخوف من الموت.

مع ذلك كان ينتابني شعور غريب بالإرتياح طوال الوقت الذى كنت ألهث فيه خلف تحقيق أعلى المعايير التي أضعها بنفسي كنت أشعر أنني بخير حتى لو لم أكن سعيداً . ولكن وجهة نظري تغيرت حينما التحقت بأول سنة لي في الجامعة والتحقت بدورة الفلسفة الهلنستية، فقد أثَّرت بي مقالة (سينيكا) “الحياة قصيرة” التى يخاطب فيها الفيلسوف الراقي (بولينيوس) [من المحتمل يقصد (ومبيوس بولينوس) والذي كان سيناتوراً رومانياً وربما صهر (سينيكا)] في العام الذي عاد فيه إلى روما من المنفى في كورسيكا.

يبدأ المقال:

يا (بولينوس) معظم البشر يشتكون مر الشكوى من قسوة الطبيعة، لأنهم يعيشون حياه قصيرة وحتى هذة الحياة القصيرة تمر سريعاً بخلاف عدد قليل لاتقسو عليهم الحياة فإن معظم البشر يجدون أن الحياة نبذتهم قبل حتى أن يعدوا أنفسهم ليستمتعوا بالحياة.

لقد شعرت وكأن (سينيكا) تشاهدني، لم يخطر في بالي أبداً من قبل أنني كنت أضيع وقتي وحياتي بتجاهلي لإقتناص السعادة من الوقت الحاضر.

من المحتم لأن الدافع الخفي خلف سعيي لتحقيق طموحاتى العالية والذي لا يتوافق مع معدل وفاتي ولا مع حالتي البائسة في ظروفي الحالية. لو أنني استمريت في السعي لتحقيق أهداف أعلى مع تجنب التفكير في الموت أو حتى تجاهل وجود الموت باعتباره واقع سيخلق هذا لدي شعور وهمي بأن الحياة لن تنتهي في نهاية المطاف فإن التقليل من شأن الموت سيؤذينا. في الواقع فكرة عدم وجودنا في المستقبل تشجعنا على الإستفادة من الحياة التى لدينا الآن بينما لازلنا نملكها.

كتب (سينيكا):

حياتنا ليست قصيرة ولكننا نجعلها كذلك لأننا نضيع الوقت فيما لايفيد ولكنها طويلة لمن يرتب أولوياته بشكل صحيح.

ألقت كلماته في وجهي كأساً من الماء البارد، أيقظني من غفلتي، عقدت العزم وبدأت أقضي وقتي في فعل أشياء استمتعت بها حقًا وهممت بفعل ما شعرت أنه جديرا بإهتمامي مثل المشي على الشاطئ وقراءة المزيد من الفلسفة و الإهتمام بقضايا ذات صلة بالعدالة الإجتماعية وممارسة الرياضة.

لعل أكثر ما يسير إستيائنا من الموت هو ليس لأنه ينهي وجودنا فحسب ولكن لأنه ينهي أحلامنا وأمالنا المستقبلية.

نحن مضطرون لتقبل عدم وجود خاتمة.

عند الموت لن يعرف المرء أبداً كيف ستسير الأمور، لن نعرف مطلقاً إذا كان البشر سوف يكتشفوا أسرار الكون الأبدية أو أنهم سيخرجوا من درب التبانه إلى مجرات أخرى ليستعمروها.
جد جد جدي الأكبر لم يكن يعلم عن وجودي ولم يكن يأمل حتى بأن يعرف عني وكذلك لن أعرف أى شيء عن حفيد حفيد حفيدي الأصغر ولا أعرف إن كان سينجح أم سيفشل أو حتى سيولد.
عدم وجودنا مطلقا إلى جانب جهلنا التام هو ما يقتتات علينا.
غالبا ما يُمجِّد البشر هبة الحياة و لكنهم يعادون فكرة الموت في النهاية وخسارة هذة الهبة ولكن الجبن في مواجهة الطبيعة وإنكار الموت لايعني سوى أن تعيش في الوهم.
على حد تعبير (ماركوس أوريليوس):

كن حراً وأنظر للأشياء باعتبارك رجلاً أو كائناً بشريا أو مواطناً أو مخلوق مصيره الموت.

بالرغم من عدم نجاحي دائماً حاولت تغيير أفكاري بشأن الموت بالأخص الإنتحارية منها مما رفع من روحي المعنوية.

لأنني أتعامل مع وجودي في الحياة على أنه هو كل ما أملك، فلم أعد أرى سبباً لتعجل النهاية الحتمية بغض النظر عن سرعة إنتهاء الحياة.
تذكُّر أنني سأموت يوماً ما يشجعني. فلم يعد الموت يكبلني، ولم تعد كآبته تخنقني.

كما ذكر (ميشيل دي مونتين) في كتاباته (الخبرات):

لأحمق هو من يسع في الدنيا متبطراً قلقاً على ما ستمنعه عنه الدنيا في المستقبل.

ومع ذلك لا أستطيع التخلي عنها بدون ندم ولكنها كشيء من طبيعته الفناء فإن عدم كره الموت محتمل لمن لايستمتع بحياته.
يحتاج الأمر لحسن إدارة للحصول على حياة ممتعة.
دعونا لانؤجل الاستمتاع بالمستقبل لكن لنقتنص مسببات السعادة في الحال وهنا بينما نهتم بمستقبلنا، كلاهما معا. إغترف من الحياة المزدهرة بدلاً من الإنجراف في الغفلة والعادات.
لا تضيع وقتك فيما لا يفيد واقتنص من وقت فراغك للاستمتاع بكل يوم.
تأمل في حياتك التي عشتها وذكرياتك الحميمة مع ترك مساحة للإستمتاع بأخرى جديدة.
كما كتب (سينيكا):

لكن أولئك الذين ينسون الماضي ويتجاهلون الحاضر ويخافون على المستقبل لديهم حياة قصيرة جدًا ومليئة بالقلق: وعندما يواجهون الموت، يدرك هؤلاء البائسون بعد فوات الأوان، بأنهم شغلو أنفسهم بما لايُرجى منه فائدة.

علمني (ميشيل دي مونتين) و(سينيكا) و(ماركوس أوريليوس) أن الحياة ما هي إلا عقد إيجار. إنه شيء نستعيره ونعيده، وليس هبة أبدية، لذلك يجب أن نبذل مجهوداً متضافراً لإستخدامه بحكمة. فكر في إيجاز الحياة حتى لا تضيع منك -فقط عندها ستبدو حياتك طويلة-.


[المصدر]

“إضافة إلى الكتابة، فإنني أقرأ الكثير. بيد أن الكتب هي أكثر الأشياء التي أستمتع بها”. فرجينيا وولف تتساءل: لماذا نقرأ؟ وماهي أوجه الشبه بين أعظم الأعمال الأدبية؟

تترابط عقولنا، نحن البشر، ببعضها البعض. فكل عقل متقد اليوم، يحاكي عقولاً عظيمة كانت موجودة فيما مضى، أمثال (أفلاطون) و(يوربيديس) إذ يمثل تطوراً واستمرارية للشيء ذاته. إنه ذلك الفكر المشترك الذي يربط العالم بأسره .فالعالم، في جوهره، ليس سوى فكر.

لقد أدرجت (باتي سميث) ضمن قائمة المعايير التي وضعتها لتصنيف الروائع الأدبية، قدرة هذه الأعمال على سحر قارئها إلى الحد الذي يشعره بضرورة إعادة قراءتها مرة أخرى. في حين اعتبرت (سوزان سونتاغ) أن عملية إعادة القراءة، تلك، هي بمثابة ولادة جديدة للنص. وأظنني أُوافقهما  الرأي في ذلك، عن طيب خاطر، لأنني أواظب على قراءة رواية (الأمير الصغير) مرة في كل عام. إذ أجدها تبوح لي، في كل قراءة، بمعان جديدة، ومرممات وجودية لكل ما يمكن أن يعكر صفو حياتي في تلك اللحظة.

قد نلجأ، نحن القراء، إلى إعادة قراءة بعض الأعمال المحببة إلينا، لأننا ندرك عدم استمرارية التجارب الإنسانية، بالإضافة إلى آنية تلاقي الحالات والظروف التي تكوّن الذات البشرية في  أية لحظة من الزمن. ناهيك عن إدراكنا لتطور شخصياتنا في العام المقبل، إذا ما قورنت بها في العام الفائت، لتغدو أكثر نضجاً في مواجهة كافة التحديات، و الآمال، والأولويات. حيث تصبح ذاتاً جديدة، مختلفة كلياً عنها فيما مضى.

كانت (فرجينيا وولف) في الحادية و العشرين من عمرها حين سجلت هذا الاعتراف، بصفاء ذهني لا يضاهى، وألق لغوي فريد. ففي صيف عام 1903، انزوت (وولف) بعيداً عن صخب مدينة لندن، لتذهب في إجازة قضتها بين رحابة، وخضرة الريف  الإنكليزي، لتستمتع بعزلتها، وتقرأ ما يحلو لها.

ربما بلغت قراءتي خلال هذه الأسابيع الثمانية في الريف، ما يفوق ما أقرؤه في ستة أشهر أثناء وجودي في لندن.

في غضون تلك الرحلة الاستجمامية مزدوجة الفائدة، والتي حققت فيها مكسب القراءة والتأمل، وصلت (وولف) إلى اكتشاف السبب الحقيقي الذي يجعلنا نقرأ، بالإضافة إلى ما يمكن للكتب أن تقدمه للروح الإنسانية، وكيف لها أن تمهد لما أسمته (إيريس مردوك): “فرصة للتجرد من الأنانية”، وكيف يمكن للكتب أن تؤدي براعتها المذهلة في كونها تنشأ عن ذهن شخص معين، لتتمكن من الوصول، بهذه الحميمية، إلى آلاف، أو ربما ملايين الأشخاص عبر الزمان والمكان، في عملية تداخل بين مختلف المشاعر، ضمن تجربة تشاركية واسعة.

في الأول من يوليو، كتبت (وولف) في مذكراتها ما يلي:

إضافة إلى الكتابة، فإنني أقرأ الكثير. بيد أن الكتب هي أكثر الأشياء التي أستمتع بها.

في بعض الأحيان، أشعر بأجزاء من دماغي تتسع و تكبر أكثر فاكثر، و كأنها تنبض بدم متجدد، بشكل أسرع من ذي قبل. وليس هنالك شعور أكثر لذة من هذا الشعور. أما حين أقرأ التاريخ، فكل شيء يصبح ,على حين غرة، نابضاً بالحياة. متفرعاً جيئة و ذهاباً، مرتبطاً بكل أشكال الأشياء التي كانت بعيدة في الماضي. وكأنني أشعر، على سبيل المثال، بتأثير (نابليون) على أمسيتنا الهادئة في الحديقة. لأرى كيف ترتبط عقولنا ببعضها البعض، وكيف يمكن لأي عقل متقد أن يحمل التركيبة ذاتها التي كونت عقل (أفلاطون) أو (يوربيديس) إنها عملية تتمة وتطوير لذات الشيء. هو ذلك الفكر المشترك الذي يربط العالم بأسره، فالعالم، في جوهره، ليس سوى فكر.

في وقت لاحق من حياتها، كتبت (وولف) في وصفها الرائع لإدراك معنى أن تكون مبدعاً، ما يلي:

ثمة مثال يكمن خلف كل حالة ضبابية. هذا العالم عبارة عن عمل إبداعي. لا وجود لـ(شكسبير) فنحن الكلمات في أعماله، أو (بيتهوفن) فنحن الألحان في موسيقاه، ولا لإله، فنحن الشيء بعينه.

بعد بلوغها الحادية والعشرين من العمر، تمكنت (فرجينيا) من إدراك آنية هذه اللمحات الجزئية للحقيقة، وكيف يمكن لهذا الشعور بالانتماء الداخلي، أو ذاك الشعور بالكينونة، أن ينزلق من بين أيدينا. تكمل (وولف) تدوين ذات المذكرات التي كتبتها في عام 1903 بلفتة رشيقة من إدراكها أن “العالم بأسره ليس سوى فكر” إلى ذاك الهروب المألوف للمعنى، حينما  تجتاحنا تلك الحالة الضبابية لتحيلنا غرباء، مرة أخرى:

ثم أقرأ قصيدة تقول “ذات الشيء يتكرر”. لأشعر أنني تمكنت من القبض على المعنى الجوهري للعالم، و كأن كل هؤلاء الشعراء والمؤرخين والفلاسفة يتبعون طرقاً تتفرع عن ذاك المركز، حيث أقف. ليعتريني بعض الاضطراب بعدها، فيؤول كل شيء للخطأ من جديد.

وبعد أكثر من عقد من الزمن، كررت (وولف) وجهة النظر ذاتها، في واحدة من مقالاتها الاستثنائية التي كتبتها في غضون عملها كناقدة في الملحق الأدبي لصحيفة التايمز البريطانية، والتي تم جمعها، مؤخراً , في كتاب  تحت عنوان (نبوغ و حبر؛ مقالات  للكاتبة (فرجينيا وولف) حول كيفية القراءة) هذا الكتاب الذي كنت سأدرجه، بكل شغف، ضمن قائمة كتبي المفضلة لهذا العالم، لو كنت من أولئك الذين يفضلون إعادة قراءة الروائع الأدبية المحببة إلى قلوبهم.

كما هو حال الشاعرة البولندية الحائزة على جائزة نوبل للأدب (فيسوانا شيمبورسكا) التي اتسم نقدها التأملي بكونه يوظف الكتب كنقطة انطلاق لتأملات سامية حول الفن والحياة، أكثر من كونها نماذج للمراجعة أو النقد، تعامل (وولف) كل كتاب تقوم بمراجعته كحجرة سقطت من جيب معطفها في نهر الحياة [*]. حيث تقوم برصد الصيغة الأساسية للعمل، ومن ثم تراقب حلقات الإدراك التي تتنامى وتترقرق في نهر الوعي . في أولى مقالاتها من تلك السلسلة التي تناولت فيها روايات الكاتبة (تشارلوت برونتي)، تبنت (وولف) وجهة نظر عميقة حول نشأة الروائع الأدبية، والذي نعاود الرجوع إليه مراراً، وتكراراً :

ثمة ميزة تتشارك بامتلاكها كافة الأعمال الأدبية الحقيقية. ففي كل قراءة لها، يلاحظ القارئ تغييرات طفيفة. كما لو أن نسغ الحياة يجري في أوراقها. أو أنها تمتلك، كما هو حال السماء و النباتات، القدرة على تغيير شكلها ولونها بين فصل و آخر. إن تدوين انطباع القارئ حول مسرحية (هاملت) بعد قراءتها في كل عام، من شأنه أن يصبح أشبه بسيرة افتراضية لكاتبها. فكلما ازدادت معرفتنا للحياة، كان لدى (شكسبير) تعقيباُ على ما عرفناه.


[المصدر]

[*] يقصد بها الإشارة إلى حادثة انتحار (فرجينيا وولف)، حيث ملأت جيوب معطفها بالحجارة وألقت بنفسها في نهر أوز.

يظهر من ثمة أن الإنسانوي الثاني موصول بما يمكن أن أسميه ثورة الحب. أي اختراع العائلة والزاوج الثابت والاختياري. لوك فيري في مقالة بعنوان: غسق العبقري

لوك فيري، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(جيل دولوز) و(ميشال فوكو) وغيرهم، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة.

في مقالة كتبها (فيري)، حملت عنوان “Le crèpuscule d’un Gènie” أو “غسق العبقري”، ونُشرت في مجلة (LE Point) الفرنسية عام ٢٠١٧، ننقلها إليكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (فيري) في مقالته:

منذ ما يقارب الأربعين سنة، أزمعت على ترجمة أعمال (كانط) الكاملة والتعليق عليها في دار Plèiade للنشر. كنت حينها أدافع عن ما أسميه اليوم  “الإنسانوي الأول” أو بعبارة أخرى “الإنسانوي الجمهوري وريث الأنوار”، كما هو رأس الأمر مع (فولتير) و(كانط)، فالثورة الفرنسية وحقوق الإنسان. أستشعر هاهنا أن الحديث عنها قد أغلق مع الفيلسوف الألماني (يورغن هابرماس)، منظورا لكوني لي العديد من اللقاءات المنعشة معه كما لي أيضا اخرى مع (كارل ابل أوتو).

بعيد أن تطورت لم أتوقف البتة، كذات جمهورية دون مواربة على النظر لـ(كانط) بوصفه أكبر فيلسوف لزمن الحداثة. بيد أن ثمة سؤالين حاسمين يندفعان بقوة في ركن الإنشاءات الجميلة لفكرة الجمهورية و التي قد اكون  أخذتها بالنسبة لي.

السؤال الأول يسير في طرحه صعب في حله:

– لماذا يدافع هذا الأنسانوي الأول عن حقوق الإنسان حيث يمكن بكل يسر تحويل وجهتها و استغلالها كعنصرية للأنظمة الكليانية يمينا او يسارا عند (توكيفيل) أو (جول فيري

– ضمن أية ثورة على الحياة الخاصة؛ الزواج الحب والعائلة، سيهتز تاريخ الإنسانية بما فيه أيضا الجسم السياسي والمنظور الروحي وليس ببساطة الأخلاقي منظورا لفعل يظهر مع الإنسانوي الثاني الذي ليس عنده فقط الأنوار بل حقوق العقل، جمهورية العلوم لكن أيضا يأخذ يدافع عن سرديته خارج الأديان. السؤال ههنا منسوب لشكلنة معنى الحياة؟

منظورا من جهة لكون الكتابة العنصرية الكليانية طافحة في كتابات (كانط) عن العرق، بوضوح كانت فيه بمثابة الفكرة الرئيسية والمحركة لفكرة الجمهورية المباشرة.

حيث لم تكن تنازلا نادرا فقط في ذلك الزمن. بل نتيجة للمبدأ الأشد ترسخا في انكشاف الفروق بين الإنسان والحيوان. فهل قدت الحرية منتزعة من الطبيعة إلى غاية دخولها في منطق الإبتكارات والتاريخ؟ والدليل على ذلك القول هو أن الإنسانية هي النوع الحي الوحيد الذي ما فتأ ينتج تحولات ثقافية وسياسية متظاهرة دوما بشكل جيد عن بقية السوائم وذلك تارة بالتعليم، اللغة، الحياة الاجتماعية إضافة إلى بقية أقرانها.

هذا في كله بعيد أيما بعد في أن يظهر في جنس الحيوان، فيما أبعد في تاريخ مدنه الكبرى و مدارسه و متاحفه ومكتباته. هاهنا أي قول يريد أن يفسخ الفرق بين الإنسان و الحيوان بأي ثمن هو مطالب مسبقا بامتلاك أسباب أخرى لذلك الأمر.

بالنسبة لـ(كانط) كما هو الأمر بالنسبة لـ(روسو)، مرد ذلك أننا مسيرون بالغريزة الطبيعية التي تخبرها أيضا الحيوانات في أفعالها في كل مرة؛ مثلا الغيلم حديث الخروج من البيضة يتجه مباشرة نحو المحيط حال دون توجيه أو حماية من أمه معتمدا على نفسه في المشي أو الزحف، فيحين يقبع ضغير النوع البشري خمسة و عشرين سنة عن طيب خاطر في المنزل وهو نفس الامر تقريبا عند الأنواع الأخرى في حين لا يمكن التعرف علم مدننا من عصر لأخر، مثلما هو الأمر بالنسبة لتلال النمل الأبيض أو بقاء النحل على شاكلته من في ألاف خيوطه. إن الطبيعة تتقدم غير ممزوجة بالتاريخ.

من وجهة النظر التي تؤسس فكرة الجمهورية؛ إن الحرية والتاريخانية هما اللذين يشكلان معا الخاصية الإنسانية. لكن الإشكال الذي يطرح هاهنا من قبل المجتمع الذي يقول هاته بدائية في العالم الغربي، إن الحرية والتاريخ هما بإيجاز قابلية استيعاب الابتكارات والإنشاءات المفتوحة التي تستوعب الخاصة الإنسانية.

  • كيف لايريد الجمهوري الكلاسيكي التعاقد مع القبائل البدائية معتبرا إياها أقرب لعالم الحيوان، لما كانت الإنسانية الأوروبية نتيجة محضة لعصر الأنوار؟
  • كيف نفهم تنظيم الجماعات الأولى لإبتكارتها، وحفاظها على أعرافها في الماضي؟
  • على أي نحو سنفهم التنكر لمصالح الجماعات الحديثة للأعراف و التقاليد القديمة؟

إذن مثلما قال رئيس الجمهورية  الفرنسية سنة 2000: “إن الإنسان الإفريقي لم يدخل التاريخ بعد ….! على هذا النحو لماذا لا نعتبر هذا العنوان المؤقت كما لو أنه وجود ما تحت –إنساني .. أو وجود في الحيوان؟”

نحن نستشعر اليوم بعد فهم الأسباب العميقة، أن هاته الإنسانية ليست بعد لنا. إنما العنصرية الكليانية التي تنتمي إلى هذا العالم المتطور أنها أصبحت هي نفسها كريهة أمام أعيننا ..!

فمالذي حدث بين دفتي القرن الثامن عشر ونهاية القرن العشرين للجمهوري الأول الذي يبدو على أقل تقدير بعيد عنا في هاته النقطة. لنعيشها أكثر مثلما الأمر لـ(كلود ليفي ستراوس) و(كانط) و(توكوفيل) أو حتى مع (جول فيري)؟

للإجابة ثمة ثلاثة وقائع كبرى تكفي فقط لنثيرها، أولا العالم الثوري الذي نعرفه لجماهير كليانية، ولادة المقاومة –الضد الإمبريالية وأخذ حركة المقاومة بعيد الحرب العالمية الثانية.

ثانيا في تاريخ الأفكار وأيضا في وعينا ما زالت الكليانية تعمل مقترنة مع ما يمكن الإصطلاح بتسميته بالنظرة الأنطولوجية (بكسر النون). لنقول بعبارة رشيقة؛ أنّ فكرة المجتمعات التقليدية ليست بالضرورة بدائية، أو مجتمعات ماتحت التقدم أو حتى رجعية في معيار الكوخ الغربي.

لكن هاته المجتمعات منظمة حول الماضي بإحترام لأعرافها وقوانينها وسلم قيمها المتوارثة، المتنقلة عبر قنوات الماضي بما فيها أسلافها  وألهتها. إذن تبين ههنا أنها بنائية بالجوهر وليست هشة ثقافيا أو أخلاقيا باعتبار أن المجتمعات التقليدية ترفض الابتكار وتخير استجلاب الأعراف خطأ من الماضي فقط.

جماع القول، يظهر من ثمة أن الإنسانوي الثاني موصول بما يمكن أن أسميه ثورة الحب. أي اختراع العائلة والزاوج الثابت والاختياري. هي إذن واقعة متفوقة وعاطفية من القرون الوسطى استبدلت من الأساس نظرتنا للمقدس، المقدس ليس الديني إطلاقا لكن بوجه عام هو الذي نعرفه بوصفه التضحية والتدنيس من أجل ذلك نموت ونقتل. ضمن ذلك التاريخ بما يتخلله من حروب نعثر على ثلاثة أسباب: الرب بوصفه منطقة الثورة، ثم الإنسانوي البعيد عنا والكانطية التي نحن بعيدون عنها على أي نحو كان حجمها لأنه ليس فقط واجبا بل جليل وحسن حب المقدس الذي نزل إلى الأرض وإمتزج في أمشاج الإنسانية. هو التعالي في التحايث الذي لم يجد بعد زمنا أو فصلا للعظيم صاحب النقود الثلاثة.


قائمة المصطلحات:

١. الكليانية: مفهوم مستعمل من أجل تعريف الدولة التي تحاول فرض سيطرتها على كافة جوانب الحياة الشخصية والعامة قدر إمكانها في إطار محيطها الضيق، او تسعى لفرض هاته الصيغة من الحكم و إسقاطها على بلدان أخرى تستنزف هياكلها وتمارس عليها نوعا من الإسقاط الممنهج يدمر عمق  البلد المستعمر ويسطو على مختلف جوانب حياته.

٢. الإنسانوية: إسم ظهر في نهاية القرن السادس عشر.خلال الحركة الثقافية لعصر النهضة، ويقصد بها دراسة الكتاب الإغريق –الاتينين باعتبارهم مصدر الثقافة الإنسانية، ثم لتمتد هاته التغطية لتشمل كل الأفكار الأولى للعبقريات التي تطرح على نحو كوني.

٣. الكانطية: هي الفلسفة النقدية التي تتوسل طريقة الفيلسوف (كانط) من أجل دراسة شروط المعرفة الممكنة والإنتقال منه لتأسيس نسق كامل يرتكز على فكرة حاسمة فقط، كأن تقول مثلا أن النقد هو أساس المعرفة وتسحب هاته الفكرة الناظمة على كل النظم العلمية الأخرى.


قائمة الأعلام:

١. إيمانيول كانط (1724-1804) فيلسوف ألماني أسس نسقه العقلاني منذ سنة 1770. حين كانت أطلال الميتافيزيقا تقرض العقل البشري وهو متعال عن ما حوله و هاته الإمكانات المعرفية، كانت مناسبة لرصد حدودها في كتاب (نقد العقل المحض) [1781] يبين أن المعرفة تتعاون مع الحساسية وذلك من اجل إنتاج ظواهر الذهن وتنظيمها لإكتشاف قانون الطبيعة، من ثمة تنسحب منهجيا المعرفة المحضة أي المعرفة الميتافيزيقة. يليه كتاب (نقد العقل العملي) [1788] وهو امتحان مباشر يختبر الظروف الممكنة للاخلاق الإنسانية ومعنى الواجب الذي صاغه (كانط) ويظهر ضمنه أن أفكار مثل خلود النفس وحرية الإنسان والله هي ضرورات لتماسك العقل العملي واعتبارها مسلمات أولية. في النهاية ألف كتابه (نقد ملكة الحكم) [1790] حيث يكشف ضمن هذا الكتاب أن الإنسان كما هو الجميل غائية من دون غاية لا يمكن إدراكها وهي التي تجمع كل العناصر المتنافرة في لية جديدة في عمل فني.

٢. جان جاك روسو (1712-1778) فيلسوف وكاتب من جينيف عاين الأنوار، له العديد من الإسهامات منها في خطاب في (أصل الاتفاوت بين البشر) [1754] يبين فيه أن الإنسان يبلور إنطلاقا من تاريخه أن الامساواة تنطلق في بدايتها فيزيائية.وطبيعية ثم تصير فيما بعد لامساواة إتفاقية منظورا للإستبداد السياسي. ثم كتاب (العقد الإجتماعي) و(إميل) في التربية [1762] يفترض فيه علاج مكمل لتعاطي مع فكرة الحرية المدنية الذي يضمنه القانون من خلال الإرادة العامة و الكتاب الثاني يقدم فيه تعليما قادرا على تكوين مواطن حر.

٣. فرانسوا ماريه فولتير (1694-1778) فيلسوف وكاتب فرنسي، اشتهر بطريقته في الكتابة وإلتزاماته السياسية في عصر الأنور. خاض صراعا طويلا من أجل فكرة التسامح كما أسس للشكوكية في مذهبه التي نعثر عليها مثلا في نقده للأنساق الميتافيزيقية. مثل سخريته من النسق الميتافيزيقي في روايته (كانديد) [1759]. شجع مع (لوك) و(نيوتن) في الدفاع عن التفكير التجريبي كشرط اولي للمعرفة بالعالم.

٤. ألكسيس توكفيل (1805-1859) رجل سياسة و مؤرخ فرنسي من كتبه (تحليل الديمقراطية الأمريكية) [1835]، وكتاب أخر تحت عنوان (نظم الحكم والثورة)  ..كان ليبراليا مستقلا يشكك في فكرة التبادل الحر والإستعمار بل ثورة [1848].

٥. جول فيري (1832-1893) محام ورجل سياسة فرنسي.

كانت الليبرالية المبكرة فردية في الأمور العقلية، وكذلك في الاقتصاد، ولكنها لم تكن تفرض ذاتها في الجانب الانفعالي أو الأخلاقي. برتراند راسل يشرح نشأة الحركة الليبرالية الغربية

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني. في سلسلة كتبه (تاريخ الفلسفة الغربية)، والمكوّنة من ثلاث أجزاء، آخرها هو (الفلسفة الحديثة) من ترجمة الأستاذ (محمود الشنيطي)، والذي تحدّث (راسل) عن الحراك الليبرالي، فيقول مستفتحًا:

إن نشأة الليبرالية في السياسة وفي الفلسفة، تزودنا بخامة لدراسة مسألة غاية في العموم والأهمية، وأعني بها: ماذا كان تأثير الملابسات السياسية والاجتماعية في أفكار المفكرين والمبدعين؟ وبالعكس، ماذا كان تأثير هؤلاء الرجال في التطورات السياسية والاجتماعية التالية لهم؟ 

وثمة غلطتان متعارضتان، شائعتان كلتاهما، ينبغي أن نأخذ حذرنا قبلهما. فمن جانب الرجال -الذين هم أكثر إلفًا للكتب منهم إلى الأعمال- خليقون أن يبغالوا في تقدير تأثير الفلاسفة. حين يرون حزبًا سياسيًا ما يعلن أنه قد أُلهم بتعاليم هذا المفكر أو ذاك، فإنهم يظنون أن أفعاله يمكن أن تنسب إلى هذا المفكر أو ذاك، بينما، وليس هذا قليل الحدوث، يهلّل الفيلسوف فقط لأنه يحبذ ما يميل إلى فعله الحزب في أي حالة.

وكتّاب الكتب حتى إلى عهد قريب، يكادون كلهم أن يبغالوا في تأثيرات أسلافهم من أهل صناعتهم. ولكن على العكس من هذا. ثمة غلطة جديدة نشأت كرد ضد الغلطة القديمة، وتتمثل هذه الغلطة الجديدة في اعتبار أصحاب النظريات كنتاجات سلبية إلى حد ما، لظروفهم، ولا يكاد يكون لهم نفوذ بالمرة على مجرى الأحداث، فالأفكار -تبعًا لهذه النظرة- هي الزبد على سطح تيارات عميقة، تحددها علل مادية وتقنية: فالتغيرات الاجتماعية لا تنجم عن الفكر، كما أن تدفق النهر لا ينجم عن فقاعات الزبد التي تكشف اتجاه التدفق للناظر.

ومن جانبي، فأنا أعتقد أن الحقيقة تقع بين هذين الطرفين. فبين الأفكار والحياة العملية، كما هو الشأن في كل مكان، ثمة تفاعل متبادل. والتساؤل عمّا هو علّة وعمّا هو معلول تساؤل غير ذي جدوى شأنه شأن مشكلة الدجاجة والبيضة. وسوف لا أضيع الوقت في مناقشة هذه المسألة في التجريد، وإنما سأنظر نظرة تاريخية في حالة واحدة مهمة من حالات المسألة العامة، أعني بها تطور الليبرالية وفروعها منذ نهاية القرن السابع عشر إلى أيامنا.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن بداية الفكر الليبرالي، فيقول:

كانت الليبرالية المبكرة نتاجًا لإنجلترا وهولندا. وكانت لها خصائص معيّنة تتميز بها تميّزًا جيدًا. وكانت تقف مناضلة من أجل التسامح الديني، وكانت ليبرالية بروتستانتية، ولكن من النوع المتحرر أكثر منها من النوع المتعصب، وكانت تعتبر حروب الدين حروبًا سخيفة.

وكانت تقدّر التجارة والصناعة، وتحبذ نشأة طبقة وسطى بدلًا من تحبيذها للملكية والأرستقراطية، وكانت تكنّ احترامًا كبيرًا لحقوق الملكية، وبخاصة إذا كانت هذه الملكية قد جمعت بكدّ مالك فرد، ومع أن مبدأ الوراثة لم يكن مرفوضًا إلا أنه كان مقيدًا في دائرة أشد إحكامًا من التي كان فيها من قبل. وقد رفض بوجه عام الحق الإلهي للملوك في صالح الرأي القائل بأن لكل جماعة حقًا أوليًا على أي حال في اختيار شكل حكومتها.

وقد كان ميل الليبرالية المبكرة متجهًا ضمنًا نحو ديموقراطية تلطّفها حقوق الملكية. وكان ثمة اعتقاد -ليس صريحًا تمامًا في البدية- بأن كل الناس يولدون متساوين، وأن انعدام المساواة بينهم الذي يعقب ذلك ينتج عن الظروف. وقد أفضى هذا إلى تأكيد عظيم على أهمية التربية كمقابلة للخصائص الفطرية.

وكان ثمة تحامل على الحكومة، لأن الحكومات كانت تقريبًا في كل مكان في أيدي الملوك أو الأرستقراطيين الذي كان يندر أن يفهموا حاجات التجار أو يحترموها. بيد أن هذا التحامل قد كبح جماحة الأمل بأن فهمًا واحترامًا ضروريين قد يكتسبان قبل مضي زمن طويل.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن النمط العام للحركات الليبرالية منذ القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر، فيقول في موضع آخر:

[…] وهذا النمط بسيط في البداية، ولكنه يغدو بالتدريج أكثر فأكثر تعقيدًا. والطابع المميز للحركة كلها هو، بمعنى واسع بعض السعة، النزعة الفردية. بيد أن هذا مصطلح مبهم حتى يعرف تعريفًا أوضح. ففلاسفة اليونان منذ (أرسطو)، لم يكونوا فرديين بالمعنى الذي أبغي أن أستخدم فيه الكلمة. فقد نظروا إلى الإنسان كعضو بصفة جوهرية في جماعة.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

[…] وأول نقض مهم لهذا النسق أقدمت عليه البروتستانيتة، التي جزمت بأن المجالس العامة قد تخطئ، فتحديد الحقيقة لم يعد على ذلك مهمة اجتماعية بل مهمة فردية. وما دام أفراد مختلفون وصلوا إلى نتائج مختلفة، فالنتيجة نزاع، ولم تعد القرارات تلتمس عند جمعيات الأساقفة، بل في ساحة المعركة، وما دام لم يكن في وسع أحد الفريقين أن يمحو الآخر، فقد غدا واضحًا، في النهاية، أن من الواجب إيجاد طريقة للتوفيق بين النزعة الفردية العقلية والأخلاقية وبين الحياة الاجتماعية المنتظمة. وقد كانت هذه إحدى المشكلات الرئيسية التي حاولت الليبرالية المبكرة أن تحلّها.

وفي غضون ذلك نفذت الليبرالية إلى الفلسفة. فقد جعل يقين (ديكارت) الأساسي: “أنا أفكر، وإذًا أنا موجود”، أساس المعدفة مختلفة عند كل شخص، ما دامت نقطة البداية عند كل شخص هي وجوده الخاص، لا وجود الأفراد الآخرين أو الجماعة. ويتجه تأكيده على التعويل على الوضوح والتميز الاتجاه نفسه، ما دمنا نظن أننا بالاستبطان نكتشف ما إذا كانت أفكارنا واضحة ومتميزة. ومعظم الفلسفة منذ (ديكارت) كان لها فكريًا هذا الجانب الفردي بدرجة أكبر أو أقل.

بعد الحديث عن مفهوم الفردية في الفلسفة الليبرالية، ينتقل (راسل) إلى نقطة أخرى، فيقول:

لقد كانت الليبرالية المبكرة فردية في الأمور العقلية، وكذلك في الاقتصاد، ولكنها لم تكن تفرض ذاتها في الجانب الانفعالي أو الأخلاقي. هذا الشكل من الليبرالية ساد إنجلترا في القرن الثامن عشر، وسيطر على مؤسسي الدستور الأمريكي، وعلى الموسوعيين الفرنسيين. […] وكان أعظم نجاح لها في أمريكا، حيث ظلّت، دون أن يعوقها الإقطاع ولا دولة الكنيسة، سائدة من سنة 1776 حتى أيامنا، أو على أي حال، حتى سنة 1933.

ينتقل بعد ذلك إلى ذكر عدد من الفلسفات الفرعية لليبرالية، فيقول:

وثمة حركة جديدة تطورت تدريجيًا في ما هو نقيض الليبرالية، تبدأ مع (روسو) وتكتسب قوة من الحركة الرومانسية ومن مبدأ القومية. وفي هذه الحركة امتدّت الفوضوية للبيرالية وجوها صريحة وواضحة، ونموج هذه الفلسفة، عبادة البطل كما طورها (كارلايل) و(نيتشه).

وقد اجتمعت فيها عناصر متعددة. فكان هناك كره النزعة الصناعية الأولى، ومقت القبح الذي ينشأ عنها، والاشمئزاز من شرورها. وكان ثمة حنين للعصور الوسطى التي أحيطت بهالة مثالية بسبب مقت العالم الحديث.

وكانت هناك محاولة للجمع بين الإشادة بامتيازات الكنيسة والأرستقراطية الخابية، وبين الدفاع عن الإجراء ضد استبداد أصحاب المصانع. وكان ثمة تأييد متحمس لحق الثورة باسم النزعة القومية، ولروعة الحروب دفاعًا عن “الحرية”. وكان (بايرون) شاعر هذه الحركة، وكان (فيتشه) و(كارلاليل) و(نيتشه) فلاسفتها.

ولكن ما دمنا لا نستطيع جميعًا أن تكون لنا سيرة القادة الأبطال، ولا نستطيع أن نجعل إرادتنا الفردية تسود، فإن هذه الفلسفة مثل جميع أشكال النزعة الفوضوية الأخرى، تقود لا محالة، حين اختيارها، إلى الحكومة المستبدة لأنجح “بطل”، وحين يرسخ استبداده يقضي في الآخرين على أخلاق فرض الذات، التي ارتفع بها إلى السلطة. هذه النظرية الشاملة للحياة، هم من ثم، تدحض ذاتها، بمعنى أن اختيارها في العمل يؤدي إلى تحقيق شيء مختلف تمامًا؛ دولة ديكتاتورية يكظم فيها الفرد كظمًا صارمًا.

ولا تزال هناك فلسفة أخرى، هي في الصميم، فرع من الليبرالية، أعني بها فلسفة (ماركس). وسأنظر فيها في ما بعد، على أن يحفظ منذ الآن في الذهن.

التفكير والوجدان والإحساس والحدس، ٤ وظائف نفسية أساسية من منطلقات علم النفس التحليلي عند (كارل يونج)

ولد (كارل جوستاف يونج) عام ١٨٧٥م في سويسرا، واختار الدراسة في تخصص الطب، وبعد تخرجه عمل مساعدا في مستشفى الصحة النفسية في زيورخ، وبعد ذلك أصبح محاضرا في جامعة زيورخ وافتتح عيادة خاصة وطور مقياس ترابط الكلمات. وكان أول لقاء بينه وبين (فرويد) عام ١٩٠٧م، وقد أعجب كل منهما بالآخر حتى أن (فرويد) كان يعامل (يونج) وينظر إليه على أنه وريثه وينال مكانة خاصة أكثر من غيره، ولكن في عام 1913م تم الانفصال بينهما بسبب اختلاف في وجهات النظر لكل منهما [انجلر، ٢٠١٢م].

يتكون بناء الشخصية من عدد من الأنظمة الرئيسية هي:

  1. الأنا: وهو المختص بالشعور ويتضمن الأحاسيس والأفكار.
  2. اللاشعور الشخصي:يحتوي على الرغبات المكبوتة والخبرات المنسية.
  3. اللاشعور الجمعي: ويتضمن الخبرات النفسية والمتراكمة التي مر بها الفرد.
  4. القناع: هو المظهر الخارجي الذي نريه للآخرين.
  5. الظل: ويشمل الميول والرغبات غير المقبولة وغير المتناسبة مع القناع، ولذلك يخفيها الفرد.
  6. الأنيما أو الأنيموس: وهي تلك الصور التي تجعل الذكور ينجذبون للإناث وتجعل الإناث ينجذبون للذكور ، حيث أن الأنيموس هو النمط الذكري للأنثى والأنيما هو النمط الأنثوي للرجل.
  7. الذات: وهي نقطة الوسط في الشخصية والمحيط الذي يضم الشعور واللاشعور.
  8. الاتجاهات: وقسمها يونج إلى قسمين: الاتجاه المنبسط والاتجاه المنطوي، ويوجد كلاهما في الشخصية إلا أن أحدهما يكون أقوى شعوريا.
  9. الوظائف:حيث جعل يونج الوظائف النفسية اربعة وظائف وهي: التفكير والوجدان والإحساس والحدس [العنزي، ١٩٩٨م].

الطاقة النفسية:

وهو أحد المفاهيم الأساسية لدى (يونج). حيث يستخدم يونج مفهوم (اللبيدو) وينسبه إلى الطاقة النفسية، ويتميز (اللبيدو) عند (يونج) بأنه لا يقتصر على الحافز الجنسي فقط كما يرى (فرويد) وإنما طاقة نفسية شاملة لأنشطة الحياة والرغبات التي يسعى الفرد من خلالها إلى تحقيق هدف معين [انجلر، ٢٠١٢م].

لم يُفصِّل (يونج) مراحل النمو التي تمر بها الشخصية كما فعل (فرويد)، حيث أنه أوجزها باختصار فذكر أنه في مرحلة الطفولة يستمر (اللبيدو) في نشاطات ضرورية للبقاء وقبل سن الخامسة تبدأ القيم الجنسية في الظهور وتبلغ قيمتها خلال المراهقة وفي مرحلة الشباب وسن الرشد تبلغ الغرائز الأساسية والعمليات الحيوية ذروتها، وعندما يصل الفرد إلى أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات تتغير قيمه وأهدافه لتصبح أكثر ثقافة ووعيا [كامل، ٢٠٠٧م].

أنماط الشخصية:

يرى (يونج) أن الناس تميل بدرجة كبيرة أو قليلة إلى أي من الأنماط الثمانية التالية:

  1. النمط المنبسط المفكر: يتعامل مع الأشياء ويدركها من منطلق عقلي.
  2. النمط المنطوي المفكر: وأصحاب هذا النمط ينشغلون دائما بتتبع أفكارهم متوجهين للداخل بدلا من توجههم إلى الخارج.
  3. النمط المنبسط الوجداني: هذا النمط اجتماعي ويحب صحبة الآخرين والتفاعل معهم.
  4. النمط المنطوي الوجداني: هذا النمط تحكمه اعتقاداته مع صعوبة ظهور مشاعره.
  5. النمط المنبسط الحسي: ويندرج تحته كل من يستمتع بالخبرة الحسية العيانية كالفنانين ومن يحب تذوق الأطعمة.
  6. النمط المنطوي الحسي: يتميز بالذاكرة القوية، وبسبب هدوئهم وانطوائهم فإنه لا يبدو عليهم مباشرة أن إدراكهم للواقع يتميز بالغرابة.
  7. النمط المنبسط الحدسي: يتميز أصحاب هذا النمط بوضع الخطط للمشاريع والحماس والطاقة ويكرهون الروتين.
  8. النمط المنطوي الحدسي: هذا النمط ملتزم برؤية داخلية، وقد يكون صاحب هذا النمط مبتكرا [عبداللطيف، ٢٠١٣م].

المراجع:

  1. أبو أسعد، احمد عبد اللطيف. علم نفس الشخصية. الطبعة الثانية. الأردن: عالم الكتب الحديث.۲۰۱۳م.
  2. العنزي، فريح عويد. علم نفس الشخصية. الطبعة الأولى. الكويت : مكتبة الفلاح.۱۹۹۸ م.
  3. احمد، سهير كامل. سيكولوجية الشخصية. الطبعة الثانية. القاهرة: مركز الإسكندرية.۲۰۰۷م.
  4. انجلر،باربرا. مدخل إلى نظريات الشخصية.ترجمة فهد بن عبد الله الدليم. الطبعة الأولى. الرياض: دار زدني.۲۰۱۲م.

مهما بدت مشاهد حيواتنا مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيشها، منهكين، بإمكاننا مواجهة تلك المشاهد والسير حتى النهاية

في إحدى ظهيرات مدينة نيويورك الحارة، كنت أجلس مع صديقة لي كانت زميلتي في الدراسة لسنين عدة في أحد المقاهي. وقد كنت، فيحقيقة الأمر، فتاة لا تخلو من بعض الغرور والسذاجة . ولا تلقي بالاً للشعر على الإطلاق. حتى بدأت صديقتي بقراءة بضعة أبيات للشاعر (إدوارد إستالن كانينجز) في مقهى مانهاتن الصاخب ذاك.

في تلك اللحظة، تغير كل شيء. كانت تلك الأبيات هي الشرارة التي أوقدت لدي شغفاً حقيقاً بالشعر.

وبالرغم من وصف الشاعر الروسي (جوزيف بروسكي) للشعر بأنه أداة لتطوير ذائقتنا الأدبية، كما هو حال الشاعر الأمريكي (جيمس ديكي) الذي وصف، بدوره، الشعر قائلاً:

يتيح الشعر للفرد أعمق أنواع التملك للعالم.

إلا أن ردة فعلي، في يوم الثلاثاء الصيفي ذاك، لم تكن مستغربة على الإطلاق. لأن مجتمعنا يضمر نوعاً من المقاومة الغريبة للشعر. بل وربما الرفض المتعنت لفكرة احتواء الشعر على ما وصفه الشاعر الانكليزي (ويليام ووردزوور) بـ”النَفَس والروح المرهفة لكل المعارف” وهذا ماعرضته الشاعرة الأمريكية (موريل روكيسر) في كتابها المعنون بـ(حياة الشعر) والصادر في عام ١٩٤٩، حيث قالت: 

إنه رفض يتسم بالخوف.

إن كتاب (موريل) هذا يعد استكشافًا رائعاً، وبالغ الحكمة لكل الأشكال والأساليب التي نُبعد بها أنفسنا عن تلك الهِبة المتلثمة بذلك الفنالذي الأساسي، المتغلغلة في الروح ، والملم بالحقيقة، والذي لايمكن الاستغناء عنه. تستهل (روكيسر) كتابها قائلة:

إن الشعر هو الطريقة التي تُشعر البشر بتلاقي ضمائرهم مع العالم. وهو الذي يشعرهم بقيمة معاني مشاعرهم وأفكارهم، وبجدوى علاقاتهم مع بعضهم البعض. هو فرصة للإحساس بعذوبة الأشياء واحتمالاتها المتعددة. فالشعر فن ينهبنا كل هذه الأشياء. لكنه، للأسف، فن منبوذ في مجتمعنا. لقد حاولت جاهدة، في كتابي هذا، تتبع أساليب رفض الشعر. بدءً من كل أنواع الملل، ونفاد الصبر، ناهيك عن إطلاق صفات كالنخبوية، والغموض، والاضطراب، و إثارة الشبهات على الشعر.

فهل ثمة ما هو حقيقي من بين تلك الصفات، وهل يمكن أن يفضي ذلك إلى إفساد إدراك الإنسان؟

يمكننا أن نلاحظ أن آراءً كهذه من شأنها أن تؤدي إلى تقييد ملكة الخيال لدى الشاعر وجمهوره، على حد سواء.

أما في سعيها للوقوف على أسباب الرفض للشعر، تعرض (روكيسر) أوجه الشبه بين الشعر والعلم قائلة:

تتشابه روابط الشعر، إلى حد كبير، بروابط العلم. و لا أقصد بذلك النتائج العلمية، بل أعني نقطة التلاقي بين كافة أنواع الخيالات، والتي يمكن للشعر أن يمنحها لقرائه. في الوقت الذي تتكون فيه السيمفونية، مثلاً، من مجموعة من النوتات الموسيقية، والنهر من عدد هائل من قطرات الماء، لا يمكن للقصيدة أن تكون مجرد الصور والكلمات الواردة فيها. فالشعر يعتمد في وجوده على تلك الروابط المتحركة بداخله. هو فن يعيش في زمنه. يعبّر ويستحضر تلك الروابط المتحركة بين إدراك الفرد والعالم. إن آلية عمل القصيدة تقوم على نقل الطاقة الإنسانية . و أظن أن بمقدوري تعريف طاقة الإنسان بكونها قدرته على الإدراك، وعلى إحداث تغيير في ظروف وجوده.

إن تقبل معاني الشعر من شأنه أن يمهد لاستخدام الشعر كتمرين للاستمتاع بإمكانية التعامل مع المعاني الأخرى في العالم وفي حياة الفرد بطريقة مختلف . من الطريف أن نلاحظ أن كافة الأسباب التي عرضتها (روكيسر) في زمن نشر كتابها عام ١٩٤٩ لا زالت موجودة في زمننا الحالي بشكل أكثر وفرة و إلحاحاً من ذي قبل.

في اللحظة التي نواجه فيها آفاقًا وتضادات أكثر اتساعاً مما سبق، غالباً ما نلجأ لمصادرنا الخاصة التي هي مصدر قوتنا. لننظر، مرةأخرى، لأماني الإنسان ومعتقداته. وتلك المصادر هي التي يمكن لخيالنا، من خلالها، أن يقودنا للتفوق على أنفسنا.

إذا حدث وراودنا شعور بفقدان شيء من تلك الوسائل، فربما يكون سبب ذلك الشعور هو عدم استخدام إحداها، أو ضرورة إيجاد الكثير منها والبدء باستخدامها هي الأخرى.

لطالما قيل أنه يتوجب علينا استخدام طاقاتنا البشرية، و بأن ثقافتنا هي التي تحثنا على استخدام كل مافيها من ابتكارات وحقائق. ولكن، ثمة نوع من أنواع المعرفة الثمينة، المتمردة، والتي تفوق الأوابد الأثرية في قدرتها على تحدي الزمن، والتي يجب أن تتناقلها الأجيال فيما بينها بأية طريقة تكن، ألا وهي الشعر.

تعود (روكيسر) هنا للحديث عن الدور الفردي للشعر، وعلاقته بالعلم وباقي الفنون، لتقول:

ولأن من الصعب أن نوقف هذا الكم الهائل من الأحداث والمعاني التي تحدث كل يوم، آن الأوان لنستذكر شكلاً آخر من أشكال المعرفة والمحبة. هذا الشكل الذي لطالما كان وسيلة لبلوغ أقصى أنواع المشاعر والعلاقات تعقيداً. وهذه الوسيلة تشبه غيرها من العلوم والفنون، بيد أنها تمتاز عنها بقدرتها على تأهيل خيالنا للتعامل مع حيواتنا. وأعني بتلك الوسيلة الشعر.

بعد ذلك، تعرض (روكيسر) تعريفًا لا غنى عنه لطبيعة ومغزى الشعر في وجهة نظر عرضها الفيلسوف والكاتب البريطاني (آلان دي بوتون) بعد ما يقارب النصف قرن من الزمن. يقول (بوتون):

يحمل الفن وعداً بالكمال الداخلي.

وفي هذا الصدد تكمل (روكسير) حديثها قائلة:

إن الشعر، فوق كل شيء، هو مقاربة لحقيقة أحاسيسنا، ولكن، ما هي جدوى تلك الحقيقة؟

مهما بدت مشاهد حيواتنا مربكة أو مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيش تلك المشاهد، منهكين، بإمكاننا مواجهتها والسير  لبلوغ الكمال.

تذهب (روكيسر) إلى اعتبار الشعر فناً يحضى بأقل قبول بين غيره من الفنون. وتعزو ذلك الى ارتباكنا الأبدي أمام عواطفنا. فضلًا عن تشبثنا الخاطئ بفكرة فصل العاطفة عن الفكر.

أما فيما يتعلق بأصل رفضنا للشعر، والمتمثل بذلك الخوف الذي يعبر عن خلل نفسي، تقول (روكسير):

إن القصيدة الشعرية ليست دعوة فقط، بل هي ضرورة ملحة. فما الذي تدعو إليه القصيدة؟

يمكن للقصيدة أن تحرك فينا العواطف والأحاسيس، بل وربما تتطلب منا استجابة شاملة، وهذه الاستجابة الشاملة لا نصل إليها إلا عن طريق المشاعر. كما أن القصيدة المكتوبة بعناية غالباً ما تستحوذ على خيال قارئها فكرياً. فعندما تدرك القصيدة فكرياً، هي تسلك طريقها إليك عبر المشاعر أو مايمكننا تسميته بالأحاسيس.

ولفهم ذلك، ينبغي عليك، عزيري القارئ، أن تلقي نظرة على النسخة الأصلية من رواية (الأمير الصغير) للكاتب الفرنسي (أنطون سانت إكزوبيري) والصادرة عام ١٩٤٣، والتي تنتمي للأدب الكلاسيكي للطفل، والمكتوبة بلغة شعرية رقيقة تلامس القلب. إذ يقول كاتبها:

سيشرق الأمير الصغير على الأطفال بذلك النور الطاغي الذي سيلمس فيهم شيئاً آخر سوى عقولهم. حتى يأتي للوقت المناسب ليستوعبوا ما حدث.

وفي العودة إلى أولئك الذين لا زالو يستنكرون الشعر، تمعن (روكيسر) النظر في ما أسمته “جذور التواصل” عبر تعريفها للشعر بما يلي:

ينبع الشهر من أعماق ناظمه، إذ يخيل لقارئ الشعر الحقيقي أن مشاعر الشاعر تخاطب مشاعره.

وبما أننا قد حُرمنا تلك الهبة، ألا وهي الشعر، تعيد الشاعرة (روكيسر) صياغة مقولة الرسام الإسباني (بابلو بيكاسو) الشهيرة ” كل طفل فنان” بطريقتها الخاصة. فهي ترى أن كل طفل هو مشروع شاعر، إذ تقول:

إن ذلك الخوف الذي يجعلنا نرفض الشعر هو خوف متعمق في ذواتنا منذ أواخر مرحلة طفولتنا، إذ لم نكن نمتلك ذلك الخوف من قبل. فالطفل الصغير لايعرف هذا الخوف لأنه يثق بمشاعره. بيد أن الحواجز تُبنى على عتبات مرحلة المراهقة. أما في سن الرشد، فغالباً مايرمي الناس الشعر وراء ظهورهم. ولا أعني بذلك المعنى الحرفي للكلمة، أي كما يتخلص الأطفال من ألعابهم القديمة، بل أقصد تلك القناعة الصادمة بكون الشعر يقع خارج نطاق اهتماماتهم.

ولا عجب أن يقوموا بازدراء الشعر أثناء جلوسهم في المقاهي. وهذا الازدراء متأصل فينا جميعاً. لأننا لم نتعلم حب الشعر في مدارسنا البتة. وهذا ما يجعل (روكيسر) تكرر عبارة الكاتب الأمريكي (ريتشارد بوكيمنستر فولر) بشكل شبه حرفي. لتعرض، مرة أخرى، أوجه الشبه بين العلم والشعر، حيث تقول:

إن ثقافتنا في التعليم ثقافة تخصصية. فهي تعمل على تزويدنا بمعلومات وخبرات في مجال محدد دون غيره من المجالات. وهذه الخبرة تؤهلنا للتعامل مع مشكلات محددة هي الأخرى. إذ تسمح لنا بمواجهة الواقع العاطفي والواقع الرمزي بشكل خجول .

يمكن لعالم مبتدئ، أو كاتب محترف أن يتساءل قائلاً: كيف بمكنني الحكم على جودة قصيدة بعينها؟ بإمكاني الجزم بجودة الأشياء الواقعة في مجال تخصصي، بيد أنني أجد نفسي غير قادر على الجزم بكون قصيدة ما جيدة أم لا.

أما في الرد على تساؤل كهذا، فيمكننا القول بأن من قاموا بطرحه هم أناس يفتقرون الثقة بمشاعرهم ورود أفعالهم.

إن فقدان ثقتنا بمشاعرنا هو نوع من أنواع انعدام الشعور بالأمان. ولن نتمكن من التخلص من شعورنا الداخلي بافتقارنا الى الكمال، إذا لم نكن قادرين على دمج كل العناصر المكونة لشخصياتنا من أجل تحقيق التكامل الذي تشكل ملكة تذوق الشعر جزءاً منه.

إن هذا الجمع بين العناصر التي تتحرك سوياً وفق نظام مرئي أصبح واضحاً في كل العلوم، فلا عجب أن يكون حاضراً في كتاباتنا أيضًا. و أينما وجد، فبمقدوره أن يعطينا نوعاً من الخيال الذي يمكننا من التلاقي مع العالم. كما يعزز قدرتنا على التعامل مع أية وحدة مكونة منعناصر متعددة، تعتمد في وجودها على بعضها البعض.


[المصدر]

“الحرية في صميمها وجوهرها إطلاق العنان للناس يلتمسون مصلحتهم أيّان يبتغون” يقول (ميل)، “ما داموا لا يحاولون حرمان الغير مصالحهم”

جون ستيوارت مل (1806-1873) هو فيلسوف واقتصادي بريطاني. في السابعة عشرة من عمره، بلغ مبلغ الرجال على المستوى العقلي، فقد كان صافي الذهن، صريح، فصيح جدا، بالغ الوقار دونما أثر لخوف أو غرور، وخلال السنين العشر التالية، زاول كتابة المقالات والنقد، وحمل عبء الحركة النفعية على كاهله، وكانت مقالاته مصدر شهرة واسعة له، مما جعله خبير في الشؤون العامة.

تعد مفاهيم الحرية هي الرمز الأول الذي يرتبط بكتابات وفلسفة (جون ستيورات ميل)، فمن آبرز إنتاجاته كان كتابه (الحرية) والذي نقله إلى اللغة العربية الأستاذ (طه السباعي باشا).

يقول (ميل) في أحد فصول كتابه، كان عنوانه “في أن المسوغ الوحيد للتعرض لحياة الفرد هو حماية مصالح الغير”:

… ومضمون هذا المبدأ أن الغاية الوحيدة التي تبيح للناس التعرض، على الانفراد أو الاجتماع، لحرية الفرد هي حماية أنفسهم منه. فمنع الفرد من الإضرار بغيره هو الغاية الوحيدة التي تسوغ استخدام السلطة على أي عضو من أعضاء جماعة متمدينة، أما إذا كانت الغاية المنشودة من إرغام الفرد هي مصلحته الذاتية أدبية كانت أو مادية، فذلك لا يعتبر مسوغًا كافيًا؛ وإذن لا يجوز البتة إجبار الفرد على أداء عمل ما أو الامتناع عن عمل بدعوى أن هذا الأداء أو الامتناع أحفظ لمصلحته وأجلب لمنفعته وأعود عليه بالخير والسعادة ولأنه في نظر سائر الناس هو عين الصواب بل صميم الحق.

ثم يتابع بعد ذلك في الفصل ذاته:

فالإنسان غير مسؤول أمام المجتمع عن شيء من تصرفاته إلا ما كان منها ذا مساس بالغير، فأما التصرفات التي لا تخص غير نفسه ولا تتعلق بغير شخصه فهو فيها كامل الحرية مطلق الإرادة، وذلك لأن الإنسان سلطان في دائرة نفسه وأمير حر التصرف في جسمه وعقله.

يتطرق بعد ذلك (ميل) إلى الأحوال التي يجوز فيها التعرض لحرية الفرد، على حد تعبيره، فيقول:

والواقع أن الفرد قد يؤذي غيره بالكف عن التصرف كما قد يؤذيهم بالتصرف، وفي كلا الحالتين يحق للغير محاسبته عمّا ألحق بهم من الأذى؛ على أن استعمال الإكراه في الحالة الأولى يستوجب من الحذر والاحتراس ما لا يستوجباستعماله في الحالة الثانية؛ لأن القاعدة في هذا الباب هي محاسبة المرء عما وقع بغيره من الضرر، أما محاسبته لإهماله في دفع الشر عن سواه فشذوذ واستثناء، ولا يسوغ ولا يبرر إلا في الأحوال الخطيرة التي ينتفي عنها كل شك وارتياب وكثير ما هي.

وأخيرًا، يضع (ميل) في ذلك قاعدة للمجتمعات الحرة، فيقول:

فأيما مجتمع لا تُحترمك فيه تلك الحريات على وجه عام فهو غير خليق بأن يوصف بالحرية مهما كان شكل حكومته؛ وأيما مجتمع لا تقوم فيه تلك الحريات موفورة غير منقوصة، وخالصة غير مشوبة فهو غير كامل الحرية. ولا بدع فإنما الحرية في صميمها وجوهرها إطلاق العنان للناس يلتمسون مصلحتهم أيّان يبتغون وكيفما يريدون، ما داموا لا يحاولون حرمان الغير مصالحهم، وعرقلة مجهودهم في سبيل مرافقتهم. فالفرد دون سواه هو المسؤول عن نفسه، وهو أحق الناس بأن يكون الولي على أحواله بدنية أو عقلية، مادية أو أدبية.

كيف تجد صوتك الفني؟ (بين فولدز) يكتبُ عن التعاطف والإبداع وشجاعة أن تعرف نفسك

ما يمكن أن يقدمه الفنان واضح لأي شخص عدا للفنان نفسه.

“أفضل ما يمكن قوله عن حياتي حتى الآن هي أنها كانت حياة كفاح، وأفضل ما يمكن قوله عني هو أنني لم أتظاهر بما لم أكن عليه في الحقيقة” هذا ما كتبته عالمة الفلك (ماريا ميتشل) في مذكراتها في ذروة حياتها المهنية المُجددة فيما كانت تتأمل فن عثور المرء عن غاية حياته.
بعد قرن من الزمان عرض (إي إي كامينجز) نصيحته المدهشة للفنانين الشباب : “ألا تكون أحدًا سوى نفسك في عالم يبذل قصارى جهده ليلًا ونهارًا ليجعلك شخصًا آخر يعني أن تحارب في أصعب معركة يمكن لأي إنسان أن يخوضها”.

هذه بالطبع هي المعركة الدائمة لكل شخص مبدع في أي مجال- وهي ما أسماها (جيمس بالدوين) “صراع الفنان لأجل تحقيق نزاهته” وقد تكررت هذه المعركة مرارًا وتكرارًا على نطاق أجيال وحضارات وخاضها كل مبدع ذو رؤية كـ(سافو) و(شكسبير) إلى (كامينجز) و(بالدوين). إنها معركة لا يمكن كسبها إلا بشجاعة الابتكار بدلًا من إرضاء أذواق الآخرين وذلك لتعزيز رؤية الفرد وحساسيته الفريدة ضد المد المتصاعد للتقاليد وما هو متفق عليه. وهكذا ففي أي مجموعة من الأعمال التي تتميز بالأصالة الحقيقية يرتبط الإبداع بالشجاعة ارتباطًا لا انفصام فيه، حيث يتحول الإبداع دون شجاعة إلى أحلام يقظة غير مثمرة وتتحول الشجاعة دون إبداع إلى غطرسة لا تطاق.

كل ذلك وأكثر هو ما يستكشفه الموسيقي (بين فولدز) في مذكراته الجميلة (حلم حول حشرات مضيئة؛ حياة من الموسيقى ودروسٌ رخيصة)، وهو فنان ذو رؤية تكسر التقاليد وذو شجاعة إبداعية عنيدة ، وتعكس مذكراته روحه الظريفة اللامعة الأصيلة والمتعاطفة  ووعيه الذاتي الرحيم والذي غالبًا ما تصاحبه عبقرية متواضعة تتوارى في الظلال هربًا من التواجد في حالة وهج المسرح القاسية وتسليط الأضواء والاهتمام الذي يتخللها. 

حتى عنوان الكتاب يُوصي بنزع سلاح انتقاص الذات، مما يجعل الكتاب عفويًا وممتعًا للغاية. بالتأكيد الدروس ليست رخيصة بالمعنى الحرفي فهي تعليم مُكلّف نتج عن محنٍ لا تُعد ولا تُحصى وتم تلقّي هذه الدروس وتمريرها بإخلاص لا ادعاء فيه وروح مرحة، هذه الدروس سجل أصيل غير محسن لانتصارات فوضوية للنضج والنزاهة الفنية ، وهي بمثابة توكيد تم اختباره ويبث الحياة في نفس القارئ لكون مثل هذه الانتصارات تنتظر أي شخص موهوب بما فيه الكفاية ومستعد بما يكفي للمخاطرة بالإذلال وانفطار القلب والفقر والكدح الذي لا نهاية له ورفض المؤسسة المتكرر من أجل تحويل رؤية مستبعدة الحدوث إلى شيء يغير المشهد الفني للواقع.

في تقليد الحالمين ذوي الرؤية الذين تلقوا ومرروا للآخرين تجربة رمزية من الطفولة أضاءت طريقهم الإبداعي – مثل (بابلو نيرودا) واليد التي تخللت السياج، و(ألبرت أينشتاين) والبوصلة، و(باتي سميث) والبجعة والشراع الأزرق، يفتتح مثلهم (فولدز) بأول حلم يتذكره والذي حلم به عندما كان في الثالثة من عمره:

كانت أحد أوقات الغسق الرطبة في الجنوب التي عرفتها حين كنت طفلًا. أحد تلك الليالي التي كنت أتطلع فيها إلى أن يبرد الجانب السفلي للوسادة، حتى يمكنني قلبها لأحصل على شيء منعش لأريح رأسي عليه لدقيقة أو نحو ذلك. وصف الرفاق قديمًا هذا الطقس بأنه “قريب”. في حلمي كنت مع مجموعة من الأطفال وكنت ألعب في الفناء الخلفي لمنزل عائلتي في جرينسبورو في جنوب كارولينا.

أضاءت اليراعات أو “الحشرات المضيئة” كما كان يسميها الرفاق القدامى في تتابع مذهل وألقت بريقًا حول الفناء الخلفي. بطريقة ما كنت الشخص الوحيد القادر على رؤية هذه الحشرات المضيئة ولكن إذا أشرت إليها أو ألقيت بها في جرّة فسيتمكن حينها الآخرون من رؤيتها أيضًا، وقد جعلهم هذا سعيدين.

كان هذا واحدًا من تلك الأحلام التي تشبه الأفلام، أتذكر لقطة بانورامية عريضة مظللة لمجموعة أطفال، كانت أشبه بتجربة خارج الجسد فيما كنت أقف خارج اللقطة في الأمام. كان هناك ضحك مبتهج فيما كانت سماء سيينا المحترقة منقطة بحشرات مضيئة لم يستطع أحد رؤيتها حتى أريتهم إياها مشيرًا إليها. وأتذكر لقطة أخرى أقوى لوجوه الأطفال وهي تضيء فيما كنت أسلمهم الجرات المتوهجة باليراعات التي قبضت عليها داخلها. شعرت بحاجتهم إليّ وبأنني موهوب في شيء ما.
صنع الفن في أساسه هو تتبع ما يضيء لك ووضعه في جرة لتتشاركه مع الآخرين.

يتفكر (فولدز) مليا ويقول بأن الفنانين مهووسون بالسعي وراء اللمعان والضوء كما أنهم مفعمون بحيوية الدافع الذي لا يمكن كبته لمشاركة هذا الضوء مع الآخرين- ويدل على ذلك إصرار (آني ديلارد) بأن كرم الروح هو أعظم قوة تبعث الحياة في الفن. يكتب (فولدز):

نريد أن نعطي شكلًا لما نشعر به فيما نسرع خلال اللحظات في اليوم الواحد ، ما كان واضحًا ولكنه ضاع في الصخب. نريد أن نعرف أن شخصًا آخر لاحظ هذا الشكل الذي شككنا أنه كان يحوم فوق محيطنا. ونريد لهذا الشكل ووميض تجربة الحياة المشتركة أن يُحبس في زجاجة، وأن يُشغل على شاشة كبيرة، ويزين حائط غرفة معيشتنا، أو يُغنى لنا عبر مكبر صوت. إنه يذكرنا بأين كنّا وما شعرنا به ومن نحن ولماذا نحن هنا.
نرى جميعًا شيئًا يومض في السماء في وقتٍ ما ولكن يتطلب الأمر الكثير من العمل لوضع الوميض في زجاجة. ربما لهذا السبب يصبح البعض منّا فقط فنانين. لأننا مهووسون ومثاليون ومنضبطون أو طفوليون بما يكفي للخوض في كل ما هو ضروري مكرسين الحياة للبحث عن هذا الوميض المراوغ قبل كل شيء.

يجادل بأن الفنانين ليسوا مخترعين ولكنهم يكشفون عن الحقيقة والجمال فهم أشخاص “يشيرون إلى الأشياء التي كانت موجودة هناك دائمًا، والتي كانت تنّقط السماء دائمًا” جاعلينها مرئية للجميع ليتمتعوا بها. ويضيف:

مهمتي هي أن أرى ما يومض في الظلام وأن أشحذ المهارة المطلوبة لوضعه في جرة ليراه الآخرون. تلك الساعات الطويلة من الممارسة والمقاييس المملة واجتياز الألحان الميتة المخبأة خلف الأعين بحثًا عن تلك التي لا تزال تنبض بالحياة، وكل ذلك الفشل المُحبط طوال الطريق، والنقد الداخلي والآتي من الآخرين وكل الأشياء غير اللامعة التي ترافق إتقان الحرفة.  كل هذا لأجل تلك اللحظة التي ترى فيها جرة تضيء وجه شخص ما.

ولكن بالنسبة إلى (فولدز) الذي ولد لعائلة من الطبقة العاملة في الجنوب حيث كان أكثر شيوعا وقبولًا أن يصبح مقاولًا من أن يصبح ملحنًا، ربما كانت الشرارة الإبداعية ستنطفئ في وقتٍ مبكر لولا والدته. فبعد أن نشأت والدته في دار للأيتام وتميزت بنزعة إبداعية متمردة أصبحت محامية دفاع عن ميول ابنها الابداعية القوية.

وكطفل غير عادي مهووس بالموسيقى وعلم الفلك، شديد التركيز وغير قادر على التكيف مع المقاطعة كان بين الصغير يمضي ثماني ساعات في اليوم مبتهجًا أمام المسجل متأملًا كل نوتة موسيقية. وجدت جدته أن هذا الأمر مثير للقلق الشديد وأرسلته إلى طبيب نفسي للأطفال والذي اعتقد أن بين يمر بتحدٍ في نموه وأوصى بإيقافه لمدة عام أو عامين عن المدرسة. رفضت والدته التشخيص بشكل قاطع مستشعرة موهبة استثنائية لدى طفلها. وبدلًا من ذلك سمحت له بقضاء أيامه مع المسجل وبدأت تقرأ له كل ليلة لسنوات وألحقته بالصف الأول قبل أوانه بعام كامل. يكتب (فولدز) متأملًا الحادثة:

رأت فشلي في اختبار الطبيب كدليل على اتقاد مخيلتي. لقد ذكرتها بنفسها.

جلبت طفولته دروسًا أخرى من الحياة اليومية والتي ستختمر لاحقًا في جوهر أخلاقياته الفنية. تواجد في ثقافة الجنوب المهذبة بعض المتعصبين ذوي المكانة الباعثين على الأسى وكان (فولدز) بالكاد يحتمل الالتقاء بهم. ولكن تلك اللقاءات أصبحت أرضية اختبار للعلامة الأهم للفنان “التعاطف” [لكيلا ننسى لم تدخل كلمة “التعاطف” في المعجم الحديث إلا قبل قرن من الزمن لوصف الفعل التخيلي لإسقاط الذات في عمل فني] وفي الجيل الذي تلى (كارل ساجان) وضع الناس في الاعتبار ما الذي يتطلبه الأمر لتجاوز ثنائية [“نحن” ضد “هم”] وتجسير المسافة بين الإدانة والتعاطف، يكتب (فولدز) موضحًا هذا:

باحترام أكثر الشخصيات وضاعة ككائنات بشرية بمنحهم التعاطف الذي نستطيع تقديمه و وتحميلهم مسؤولية خياراتهم أيضًا. لا يمكنك حقًا إدانة الوحش لكونه وحشًا، إنه يحاول فقط أن يكون أفضل وحش يستطيع أن يكونه. بالتأكيد من الأسهل صنع صورة كاريكاتورية لشخص لا تريد أن ترتبط به ولكن كلما زاد عدد الخطوط التي يمكنك تخطيها  كلما اقتربت من الموضوع وأصبحت كتابتك للأغاني أفضل وأكثر تعقيدًا وفعالية. تعلمت من الأثرياء ماديًا إلى الأثرياء بعقولهم أن ألتقي بالناس كل واحد على حدة.

يتأمل (فولدز) هذا الدرس والذي شكّل فيما بعد عملية كتابته للأغاني:

قف في أكبر عدد ممكن من أحذية الآخرين حتى تلك التي تعتبرها بغيضة ومنفرة حتى لو كان ذلك للحظة واحدة فقط.
إذا كنت ستصبح سائحًا كن سائحًا محترمًا. لاحظ، بلّغ، تخيل وابتكر واستمتع بذلك، ولكن لا تكتب أبدًا عن شخصية أو عن وجهة نظرها لأن الجميع هم الشخص الأكثر أهمية في العالم ،على الأقل بالنسبة لذلك الشخص. ضع نفسك على قاعدة صلبة من الصدق ومعرفة الذات حتى تأتي كتابتك من وجهة نظرك الفريدة. اعلم أين تقف وما هي عيوبك، اعرف نفسك. عندها يمكنك نسج ما تشاء وكتابة كل الحكايات الطويلة التي تريد. إن ذلك فن.

أخيرًا، التعاطف ووجهة النظر هما كل شيء، ولا ينبغي أخذ أي منهما كمسلمات. في النهاية هناك دائمًا شخص ما يعتقد أنك الوحش. تذكر أن الأرض تحت قدميك يمكنها أن تتحرك ويجب أن تخضعها للتساؤل دائمًا.

هذا السؤال حول كيفية تثبيت الذات بحزم على “أساس الصدق ومعرفة الذات” هو أمر أساسي لسعي المرء لإيجاد هدفه الإبداعي وتوجهه، أو ما يسميه (فولدز) “الصوت الفني” ويكتب عنه قائلًا:

ما أقصده بالصوت الفني هو بصمة الإبهام الفنية  أي الأشياء المتفردة التي تجعل الفنان فريدًا. إنه ليس علمًا دقيقًا والعثور عليه هو عملية مؤلمة دائمًا. أعتقد أن الأمر يجب أن يكون متعلقًا بالاقتطاع. إنها ليست مسألة طهي شخصية أو أسلوب بقدر ما هي نزع ما يغطي الجوهر وبما هو موجودٌ من الأساس هناك.

يكتب (فولدز) بما يتماشى مع النظرة الثاقبة لعالم الأعصاب الكبير (أوليفر ساكس) حول دور التقليد الحاسم لتطوير الأصالة: 

في بعض الأحيان الأصالة هي مجرد النصوج والانتهاء من مرحلة التقليد. يمر معظم الفنانين بفترة يشبهون فيها موسيقييهم المفضلين، وبمجرد أن يتعلموا من ذلك سيمكنهم النضوج وتجاوز ذلك. في بعض الأحيان يكون الاقتطاع هو التخلص من فكرة خاطئة حول كيفية أداء الموسيقى في الحقيقة أو كيفية صنع الفن. أيًا كان ما ستقتطعه فإن الصوت الفني الذي ستكتشفه سيكون في الوضع المثالي شيئًا لم تره أو تسمعه من قبل.

يكتب (فولدز) مرددًا صدى (نيتشه) الذي أصر قائلًا “لا أحد يستطيع أن يبني لك الجسر الذي عليك أنت فقط أن تبنيه لتعبر نهر الحياة”:

هذا البحث المستحيل عن الصوت هو في النهاية حول أن تكون نفسك. إنه صدق النفس.  وفي تلك اللحظات التي يظهر فيها الصوت الفني وجهه، سيصعب تخيل ما كان صعبًا جدًا في عملية العثور عليه. ولكن يصعب حقًا الوصول إليه. إضافة إلى التحدي المتمثل في البحث عن شيء لا يوجد لديك مثال سابق عليه.
ما يجب أن يقدمه الفنان واضح بالنسبة لأي شخص سوى الفنان نفسه. ليس من العمق الرهيب أو التجريد القول بأن الطريقة التي نسمع فيها صوتنا الناطق فيما يتردد صداه في جمجمتنا  هي ليست ذات الطريقة التي نسمع فيها أصوات الآخرين. لن نحصل أبدًا على فرصة الالتقاء بأنفسنا كما يلتقي بنا الآخرون. الأمر ذاته ينطبق على الصوت الفني، إنه شيء تشعر به في الظلام.

(حلم حول حشرات مضيئة) هو كتاب ممتع في مجمله، يضيء عناصرًا من حياة (فولدز)، الكرم الغامر لأحد كبار السن من عازفي البيانو الذي اكتشف موهبة نادرة لدى المراهق الوغد، والغباء الحصري لحب الشباب، والولادة المنظورية لأطفاله، وتجربة الاقتراب من الموت والتي تتضمن طائرة وسرقة  وكارثة في الأسنان، جمع دروس ثرية عرضت دون قصد حول حياة الفن وفن الحياة. [الكتاب الصوتي مبهج بالتحديد لأن (فولدز) يرويه بنفسه وهو مزين ببعض المؤثرات الصوتية والمقاطع الموسيقية ويضم مفاجئة ساحرة من قبل (أماندا بالمر)].


[المصدر]

للأدب معنيين مختلفين؛ “الكلام الجيّد الذي يُحدث في نفس قارئه وسامعه لذة فنية”. يقول أحمد أمين، “والثاني هو الإنتاج العقلي”.

أحمد أمين إبراهيم الطباخ (1 أكتوبر 1886- 30 مايو 1954) ، أديب ومفكر ومؤرخ وكاتب مصري، صاحب تيار فكري مستقل قائم على الوسطية، وهو والد المفكر المعاصر جلال أمين. له العديد من المؤلفات التي يبلغ عددها 20 كتاب، منها كتاب إلى ولدي وكتاب ابتسم للحياة وأيضًا سيرته الذاتية الغنية علمتني الحياة . ومن مقالاته في ساقية رسالة أحمد أمين في التربية على الجمال و رسالة أحمد أمين في الذات والشهوات والكثير من المقالات المشوقة.

في كتاب (التوجيه الأدبي) والذي قام بكتابته عدد من الأدباء والمفكرين العرب في القرن الماضي وهم (طه حسين) و(أحمد أمين) و(عبدالوهاب عزام) و(محمد عوض محمد) تطرّق المؤلفون إلى تعريف كلمة “الأدب” وتطور معانيها الخاصة والعامة في اللغة العربية.

دلّت مادة الأدب منذ أقدم العصور العربية الإسلامية على معنيين مختلفين ومتقاربان.

الأول: رياضة النفس بالتعليم،  والتمرين على ما يُستحسن من السيرة والخُلق.

الثاني: التأثر بهذه الرياضة والانتفاع بها، واكتساب الأخلاق الكريمة واصطناع السيرة الحميدة.

فالأب الذي يأمر ابنه بالخير وينهاه عن الشر ويحمله على ما يُستحسن ويرده عمّا يُكره مؤدِّب لابنه، والابن متأدب بأدب أبيه.

طرأ تغيير مهم بعد ذلك في القرن الأول للهجرة، أو كما يصفه المؤلفين.

ثم تطوّرت هذه الكلمة بعض الشيء فاستُعملت بمعنى التعليم، وأصبح لفظ المؤدب يرادف لفظ المعلِّم الذي يتخذ التعليم صناعة ويكسب به رزقه عند الخلفاء والأمراء ووجوه الناس. أصبح لفظ الأدب يدل على ما يلقيه المعلم إلى تلميذه من الشعر والقصص والأخبار والأنساب وكل ما من شأنه أن يُثقف نفس الصبي ويهذبها ويمنحها حظًا من المعرفة.

وغلب استعمال كلمة الأدب والتأديب بهذا المعنى أثناء القرن الأول للهجرة، في كل ما من شأنه التثقيف والتهذيب من أنواع العلم ما عدا العلوم الدينية؛ فقد كان المسلمون يعتنون بها عناية خاصة تقوم على التحفظ، بحيث كان للمسلمين في ذلك العصر نوعان من الثقافة، إحداهما دينية وهي: القرآن والحديث وما يتصل بهما. والأخرى غير دينية وهي: الشعر والأخبار والأنساب وما يتصل بها، وهذه الأخيرة هي التي كانت تسمى أدبًا.

ومن ثم تغيّرت دلالة الكلمة في القرن الثاني والثالث:

في القرن الثاني والثالث، نشأت علوم اللغة العربية ونمت واستقلّت بأسمائها، فكان النحو والصرف واللغة. وأصبح الأدب يدلّ على الكلام الجيد من المنظوم والمنثور، وما كان يتصل به ويفسره من الشرح والنقد والأخبار والأنساب وعلوم اللغة العربية.

وأُلّفت في الأدب بهذا المعنى كتب معروفة مشهورة منها كتاب (الكامل) لـ(أبي العباس محمد بن يزيد المبرد) وكتاب (البيان والتبيين) لـ(أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ)، وكتاب (طبقات الشعراء) لـ(محمد بن سلام)، وكتاب (الشعر والشعراء) لـ(ابن قتيبة).

تُختتم المقالة بتحديد معنيين لكلمة “الأدب”:

نستطيع أن نقول أن لكلمة الأدب معنيين مختلفين، الأول: الأدب بمعناه الخاص، وهو الكلام الجيّد الذي يُحدث في نفس قارئه وسامعه لذة فنية سواء كان هذا الكلام شعر أو نثر.  والثاني الأدب بمعناه العام، وهو الإنتاج العقلي الذي يصوّر في الكلام ويُكتب في الكتب.

فالقصيدة الرائعة، والمقالة البارعة، والخطبة المؤثرة، والقصة الممتازة، كل هذا أدب بالمعنى الخاص، لأنك تقرؤه أو تسمعه فتجد فيه لذة فنية كاللذة التي تجدها حين تسمع غناء المغنّي وتوقيع الموسيقى. وحين ترى الصورة الجميلة والتمثال البديع، فهو يتصل بذوقك وحسّك وشعورك ويمسّ ملكة تقدير الجمال في نفسك، والكاتب في النحو أو في الطبيعة أو في الرياضة من نوع أدب بالمعنى العام، لأنه كلام يصوّر ما أنتجه العقل الإنساني من أنواع المعرفة، سواءً أحدث في نفسك أثناء قراءته أو سماعه هذه اللذة الفنية أو لم يحدثها.

لقاء مجلة (الثقافي) الاسبانية، مع الروائي أمين معلوف

أمين معلوف، ولد في لبنان ويعيش في فرنسا منذ سنة 1976، كتب العديد من الروايات وترجمة أعماله إلى سبع وثلاثين لغة.

ننقل لكم، ترجمة حصرية لنص الحوار الذي نشرته مجلة ” الثقافي (El cultural) مع الكاتب اللبناني (أمين معلوف)، والتي قابله فيها الصحفي (أندريس سيوان).

خلاص البشرية يمر عبر استعادة أيديولوجية عالمة.


نشر الكاتب اللبناني (أمين معلوف) (غرق الحضارات)، وهو دراسة دقيقة وواضحة، يبدأ من غروب العالم العربي، ليصل إلى نهاية أيديولوجيات القرن العشرين والانزلاق المدمر الذي وصل إليه في كل جهات وثقافات الكوكب.

بعدد مرور كل عقد من الزمن، و لمدة 30 عام، يطل الكاتب والأكاديمي (أمين معلوف) على هاوية الذاكرة وعلى المقاطع المأساوية للتاريخ الحديث للخوض في قراءة مريرة للماضي في محاولة لفهم التأسفات على الحاضر وخصوصا تحديات المستقبل. إذا كان الكاتب اللبناني في عام 1998 توقّع في كتاب سابق (الهويات القاتلة) وجود قومية فاعلة سياسية بارزة اليوم، وفي عام 2009 توقف عند اضطراب العالم من خلال فقدان القيم اليوم بلا منازع، فهي الآن تعتبر مواضيع الساعة مثل الآلية، الذكاء الاصطناعي، التدهور البيئي، التطرف الإسلامي والخطر الذي يتربص بالمشروع الأوروبي وهذا ما يملأ صفحات (غرق الحضارات) الصادر عن دار النشر Alianza.

انطلاقًا من ذكريات طفولته وعائلته، والتي تبدأ عند نهاية العالم العربي الاستعماري، والتي أثارها الأدب السكندري العالمي  لـ(قسطنطين كفافيس)، أعظم شعراء اليونان المعاصرين، و(أونغاريتي)، الشاعر الإيطالي المولود بالإسكندرية 1888، يتتبع الحائز على جائزة أمير أستورياس (2010) رحلة مثيرة وعاطفية عبر “التاريخ الكارثي للعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين”. انطلاقا من  حلم لبنان المجهض في شبابه، إلى الجهادية اليوم، مرورا عبر مصر العربية الناصرية أو الثورة الخمينية الإسلامية، التي كان شاهدا عليها، يحلل (معلوف) العواقب المأساوية للصدام الحضاري الذي تنبأ به (صموئيل هنتنغتون) الذي نشهده اليوم. دون أن يغفل تحديات المستقبل: “رغم أن غرق مجتمعاتنا هو شيء واقع لا محالة، البشرية لن تسمح بزوال كل الإنجازات التي تحققت”.


في منتصف القرن العشرين، تبنت العديد من الدول العربية، بقيادة مصر (جمال عبدالناصر) قومية اشتراكية أو شيوعية، لماذا فشل هذا النموذج ومعه مفهوم العروبة؟

إنها قضية معقده، ولكن بشكل عام، فشلت النزعة القومية العربية من وجهتين. السبب الأول هو أنه بنت نفسها على المعركة ضد الغرب، وهذا شيء طبيعي تماما، لأن المستعمرين كانوا الغربيين، ولكن ذلك دمر التعايش. السبب الثاني أنها اعتمدت على النموذج السوفياتي، والذي، كما راينا في وقت لاحق في U.R.S.S. نفسها، لا يمكن إلا ان تفشل. فقد أفلست سياسيا لأنها كانت تقوم علي السلطوية وتقييد الحريات، واقتصاديا لأنها كانت تقوم علي شكل مركزي وبيروقراطي للغاية على اشتراكية غير فعاله للغاية. واضطرت قوى التغيير في العالم العربي إلى اعتماد نموذج معطل، فعانت من عواقب هذا الاختيار.

ومع ذلك، فان هذا النموذج لم يكن هو السبيل الوحيد. تتذكرون في كتابك (لبنان) عندما كنت شابا، و الذي كان مثالا على تعايش متعدد الأعراق والطوائف، لماذا فشل هذا النموذج في وقت كان بإمكانه أن يكون منارا في المنطقة؟ هل كانت قوة هذا التكامل هي سبب ضعفه؟

إن فشل التجربة اللبنانية يرجع إلى عوامل مختلفة تماما، وكذلك مضادة. وما كان كارثيا بالنسبة للبلاد هو انها أرادت تنظيم علاقات بين مجتمعاتها العديدة بطريقه مشروعة فقط علي الورق، ولكنها في الواقع كانت مضرة تماما. كان النموذج يريد الاعتراف بوجود مختلف المجتمعات المحلية، وأعتقد أن ذلك لا غنى عنه، ولكن الطريقة التي تم بها ذلك، مع نظام التحصيص، في دولة مركزية ضعيفة عانت بشكل متزايد من ضغوط قوية من طرف كل الجماعات، كل ذلك أدّى إلى الفشل بعدم القدرة علي بناء شعور حقيقي من الانتماء، والولاء الوطني. وبعد عقود من الحرب، نشهد اليوم ظاهرة في شوارع بيروت، وهي ثورة ضد هذا الوضع الراهن. يحتج الناس علي انهم انقسموا إلى مجتمعات محليه وتم استغلالهم، وآملُ ان يؤدي ذلك إلى تغيير كان ينبغي أن يحدث قبل 40 سنة.

في 1967، كانت بداية نهاية العالم العربي ذو الاتجاهات التحديثية، ماذا كان دور الحرب مع إسرائيل والهزيمة التي تلتها؟

كانت حرب 67 بداية لنهاية قومية عربية سعت رغم انها ليست علمانية بحتة، إلى تحقيق المساواة بين جميع الطوائف وفصل الدين عن الحياة السياسية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت النزعة القومية تستند أساسا إلى الدين، وكان الصراع بين العرب والإسرائيليين عاملا حاسما في هذا التطور، لأنه كان ذريعة لجميع أولئك الذين لا يريدون تغييرا حقيقيا. ولكن الأخطر من الصراع نفسه هو السبيل للرد عليه. في كتابي أتحدث عن حالات مثل كوريا الجنوبية، والتي لما يقرب من 70 تواجِه تقسيم البلاد مع ديكتاتورية شيوعية محطمة في الشمال والتي تجعلهم في خطر الحرب الدائمة. ولكن هذا لم يمنعهم من الحسم بأن الأولوية هي التنمية والتعليم والتقدم … مشكلة العالم العربي هي اننا لم نقل في اية لحظة سنحرز تقدما و سنري كيف نحل هذا الأمر. كان هناك هاجس مشلول للغاية و مُفقرٌ مستمر حتى اليوم.

منذ تلك السنوات بدأ العالم العربي ينجرف تدريجيا نحو الأصولية، ولكن كيف وصل مِن “زمن الخليفة الحكم” – تعبير لـ(جمال عبد الناصر)- إلى هذا العالم العربي التقليدي والراديكالي الذي نراه اليوم ؟

حتى الستينات من القرن العشرين، كانت الحركات الإسلامية تقريبا غير موجودة وبدون أدني تأثير علي الحياة السياسية والاجتماعية. كان النجم اللامع هو (عبد الناصر) والأيديولوجية المسيطرة هي القومية العربية. الحقيقة أن (عبدالناصر) كان ذو نفوذ كبير في المنطقة، ولقرون، عانت المنطقة من فشل يوازي هزيمة 67، كل ذلك أدى لتشويه العروبة كرد فعل، وعادت المصداقية للحركات التي عانت كثيرا من (عبدالناصر).

وفي رأي (معلوف)، منذ 1977/1978 هذه الإسلاموية أضحت من الصعب إيقافها، عندما جاءت تلك الحركة إلى السلطة في بلد كبير وقوي مثل إيران وعندما اندلعت الحرب الافغانية الأولي، حيث ولدت الجهادية التي كانت في ذلك الوقت  ضد الاتحاد السوفيتي ومن ثم ، قليلا قليلا، أصبحت “ضد الغرب”. دورة من الأحداث التي كان يمكن التنبؤ بها والتي  يوجه فيها الكاتب اللوم لجميع الأطراف علي قدم المساواة. “ساهم السوفييت في تدخلهم الأخرق وغير المنتظم في أفغانستان، وكذلك الغربيين، وخاصه الأميركيين، من خلال تشجيع الجهاد لمواجهة الاتحاد السوفياتي”.

حول الجهاد الحالي، يرى (أمين معلوف) أنه رغم هزيمة الدولة الإسلامية  “يمكن بزوغ حركات جديدة من نفس النوع، فهذه الجماعات المتطرفة، غالبا ما تكون مستعملة من أطراف أخرى لأهداف سياسية”. لكن يعتقد الكاتب الأكاديمي أن الغرب أعطى أهمية مبالغ فيها لهذه المجموعة.

“لقد سقط الغرب في فخ الوهم الذي أوجدته تلك الحركة، التي اتخذت اسما مزيّفا جدا، كما لو كانت خلافة أو دولة، وهذا أمر سخيف. انها ببساطة جماعة راديكالية، شبيهة بتنظيم القاعدة، والتي بسبب عدم استقرار العراق وسوريا استقرت في أحد أقاليم البلدين. وأعتقد ان الغرب قد أعطاها الكثير من الأهمية ليتكون قادرة علي إعلان انتصار ما في يوم من الأيام “.

سنة 1979، سنة لها أهمية داخل كتابك، السنة التي تُسمي بالثورة المُحافِظة. ماذا يمثل لك أشخاص كـ(آية الله الخميني) أو (مارغريت تاتشير)؟ وأي عالَم ظهر حينئذ؟  

ظهر العالم الذي ما زلنا نعيشه الآن، والذي تشكلت احداثه منذ 40 سنه مضت، تزايد التطرف الإسلامي وادعاءات الهوية، كما تجلي منذ ذلك العام، وخاصة بعد الثورة الإيرانية، أصبحت يوما بعد يوم عاملا رئيسيا في راس المال السياسي. وعلاوة علي ذلك، ننظر إلى (تاتشر)، ومن ثم (ريغان) في الولايات المتحدة ، وصعود الليبرالية اقتصاديا وسياسيا والحركات المحافظة والقومية التي بدأت منذ ذلك الحين حيث لا يمكن وقفها، والآن نفس الدور يظهر في الهند والبرازيل وإيطاليا والمملكة المملكة المتحدة ، الولايات المتحدة…

كما تشير إلى ذلك، وخارج العالم العربي، فإن الغرب أيضا قلق. علي سبيل المثال، كنتَ قد حذَرتَ منذ سنوات، مع الجبهة الوطنية، أن الشعوبية السياسية الأوروبية ليست أمرا عابرا، لماذا تجذَّرَت إلى هذا الحد؟

أعتقد ان العامل الحاسم في ظهور الحركات الشعوبية وديمومتها هو تصور وجود تهديد. تهديد اقتصادي واجتماعي، وخاصة خطر قادم من العالم العربي. التهديد الذي يمكن ترجمته في أعمال العنف الإرهابية، والهجرة الجماعية، وهذا هو الشيء الأول الذي يغذي صعود السياسيين الشعبويين. وبما ان هذه ليست ظواهر عابرة، حيث ان الوضع في العالم العربي لا يبدو انه سيستقر في العقود المقبلة، فإن غذاء الشعبوية الغربية سيظل موجودا لفتره طويلة.

الوجه الأكثر مرارة لهذه المشكلة هو أزمه اللاجئين. كنتَ مهاجرا من دولة عربيه كانت تعيش في حرب أهلية، هل خانت أوروبا قيّمَها ؟

بمعنى آخر، صحيح انه في هذا العصر الذي حققت فيه الإنجازات التقنية تحسينات لا يمكن تصورها، أصبح العالم أكثر انغلاقا مما مضي. وهذا نتيجة للشعور السالف الذكر بالتهديد، وأيضا لسقوط نعمة القيم التقليدية لليسار الغربي، وخاصه الاوروبي، التي هو بالتأكيد في أزمة. فكرة العالمية واحترام تنوع الثقافات التي جعلت من أوروبا بوتقة انصهار الأجناس التي كانت في العقود الأخير، قد اختفت لصالح الرأسمالية التي بعد اختفاء الشيوعية أبانت عن أسوأ وجه لها، والأكثر استغلالا للإنسانية، وهذا أمر يحتاج إلى تغيير ولا يمكن أن يحصل إلا من خلال الضغط الداخلي للراي العام.

الاتحاد الأوروبي نفسه، مفهوم أوروبا، معرض للخطر، كما نراه الآن بخروج  بريطانيا من “البريكست”، لماذا يتجه العالم بأسره نحو التجزؤ، لماذا نعود إلى القبيلة ؟

إن هذه ظاهرة عالمية، واعتقد ان السبب الرئيسي يكمن في اختفاء النقاش الفكري بين الرأسمالية والشيوعية الذي حدد جزءا كبيرا من القرن العشرين. وقد اُستعيض عن ذلك بادعاءات الهوية الساخطة والعنيفة في كثير من الأحيان والتي تُجزِّئ جميع المجتمعات، وهذا تراجع أخلاقي وفكري. وفي أوروبا فإِن ما تحقق بعد الحرب العالمية الثانية، كان أكثر دراماتيكية، بحيث كان مشروع الاتحاد الأوروبي هو الأكثر جمالا الذي أنتجه العالم في القرن الماضي. ويجب أن ينتصر. من أجل ذلك ينبغي اتخاد قرارات حاسمة، مثل المدى الذي ستُدمج فيه البلدان ودورها في العالم. وقد يدرك الناس والقادة ذلك ويسعون إلى تحويل المؤسسات، لكنها ستكون عمليه طويلة ومعقدة.

تختتم الكتاب بالتحذير، وان كان مع لهجة من الأمل، فالأخطار المختلفة هي أكثر في الحاضر من تلك المستقبلية، مثل الآلية، وتغير المناخ، والذكاء الاصطناعي… هل مازال ممكنا العودة إلى الطريق الصحيح ؟

أرى أنه من المستحيل تجنب فترة من الاضطرابات، والتي اسميها غرقاً. سيحدث، نعم، ولكن بعدها يجب البناء، لن يكون ذلك نهاية العالم. إذا فكرتُ في شعوري العميق، أود ان أقول اننا سنمضي فترة صعبة للغاية ولكننا سنستعيد عافيتنا وسنحاول بناء الأشياء علي أسس أفضل. نحن بحاجه إلى البقاء هادئين، لأنه يتعين علينا بناء عالم قادر علي العمل. ليس ثمة حلول إعجازية، لكن ينبغي التفكير في طرق جديدة للتعايش، وهو أمر مُلزم لنا. ليست هناك عوالم أخرى من غير عالمنا هذا لنتقاسمها، لذا ينبغي تنظيم العيش بيننا. وهذا ليس سهلا، ذلك يتطلب الاحترام المتبادل ورؤية للإنسانية والهوية تحتاج إلى عمل أكثر. كما يتوجب علينا ان نحاول استعادة أيديولوجية عالمية، شيء يضم جميع الحضارات كما فعلت في السابق الاشتراكية والشيوعية، دون السقوط في مطابتهما. انه عمل هائل ينتظرنا، وقبل كل شيء، مفتوح للأجيال الشابة، التي ستعيش في السنوات  الأربعون أو الخمسون المقبلة.


[المصدر]