سوزان سونتاغ، حول تدوين اليوميات

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية. في مذكراتها بين عامي 1947-1963، والتي نُشرت باسم (ولادة ثانية)، بترجمة الأستاذ (عباس المفرجي)، كتبت (سونتاغ) مقالة بعنوان “حول تدوين يوميات”. تقول فيها: 

من السطحي فهم اليوميات كمجرّد وعاء لخصوصية المرء، لأفكاره السرية، مثل صديق حميم مؤتمن لكنّه أصم، أبكم، وأمّي. في اليوميات، أنا لا أعبّر فقط نفسي بصراحة أكثر مما يمكن أن أفعله مع أي شخص آخر؛ أنا أبدع نفسي.

تكمل بعد ذلك، فتقول:

اليوميات هي وسيلة لنقل إحساسي عن الشخصية الذاتية. إنها لا تصوّرني شخصًا مستقلًا على نحو عاطفي وروحي. لذلك، وآسفاه، هي لا تسجّل ببساطة حياتي الفعلية، اليومية، لكنها بالأحرى، في حالات كثيرة، تقدّم بديلًا لها.

في الغالب، ثمة تناقض بين معنى أفعالنا تجاه شخص ما وما نعبّر عنه في يومياتنا من مشاعر تجاه هذا الشخص. لكن هذا لا يعني أن ما نفعله هو ضحل، وما نعترف به لأنفسنا هو العميق فقط. الاعترافات، أقصد الاعترافات الصادقة بالطبع، يمكن أن تكون أكثر ضحالة من الأفعال.

تتحدث (سونتاغ) بعد ذلك عن الكتابة بشكل عام، فتقول:

الكتابة. إنه من المفسد الكتابة بقصد التأويل الأخلاقي، رفع المستوى الأخلاقي للناس.

لا شيء يمنعني من أن أكون كاتبة عدا الكسل. كاتبة جيدة.

لماذا الكتابة مهمة؟ في الدرجة الأولى، بدافع الأنانية، كما أفترض. لأنني أريد أن أكون ذلك الشخص؛ الكاتب، لا بسبب أن هناك أشياء يجب أن أقولها. مع ذلك، لم لا يكون لهذا السبب أيضًا؟ مع قليل من بناء الأنا، كما تشهد عليه هذه اليوميات، سأتغلب على المصاعب لتكون لي الثقة كي أكون “أنا” التي تملك شيئًا لتقوله، وبأنه يجب أن يُقال.

أنايَ هي ضئيلة، حذِرة، سليمة العقل جدًا. الكتاب الجيّدون هم أنانيون صاخبون، حتى إلى درجة الحماقة. سلامة عقلي أنا، أيها النقاد، تصححهم، لكن سلامة عقلهم هي طفيلية على القدرات الإبداعية للعبقري.

إتيان دو لابوَيسي وحديثه عن العبودية

 

إتيان دو لابويَسي (1530 – 1563) كاتب وقاضٍ فرنسي، كتب مقالة طويلة بعنوان “العبودية المختارة” بعمر السادسة عشر أو الثامنة عشر، ولم تنشر إلا عندما توفي بعمر الثاني والثلاثين. نشرها صديقه في كتاب يحمل عنوان المقالة.

يرى (إتيان دو لابويَسي) أن السبب الأول لقبول الناس بالعبودية طواعيةً هو أنهم يولدون مستعبدين وينشأون على ذلك.

إن طبيعة الإنسان أن يكون حرًا، وأن يرغب في أن يكون حرًا، غير أن من طبيعته أيضًا أن يتطبع بما تربّى عليه. من أجل ذلك كانت العادة هي السبب الأول للعبودية المختارة.

يذكر (دو لابويسَي) في مقالته أن ضعف البشر وخدمتهم للطاغية من جملة الأسباب أيضًا، يقول:

إن نقطة الضعف فينا، نحن البشر، هي أنه يتوجب علينا في معظم الأحيان أن نخضع للقوة، وأن نُسّوف، وأننا لا نستطيع أن نكون الأقوياء دائمًا.

ويقول آيضًا:

الشعوب هي التي تُسلس القياد لمضطهدها لأنها لو كفت عن خدمته لضمنت خلاصها.

ويتابع:

إن الشعب هو الذي يَسْترق نفسه بنفسه، وهو الذي يذبح نفسه بيده إذ لمّا كان يملك الخيار بين أن يكون عبدًا أو يكون حرًا، تخلى عن حريته ووضع القيد في عُنقه، إرضاء للطاغية. إن الشعب هو الذي رضى ببؤسه، لا بل يسعى وراءه.

ويشرح كيف يكون الانغماس في الفن والترفيه سببًا في سقوط الشعوب في فخ العبودية:

إن المسارح، والألعاب، والمساخر، والمشاهد، والبهائم الغريبة، والأوسمة، واللوحات والأشياء الأخرى من هذا القبيل كانت أشكالاً من الطعوم لإبقاء الشعوب القديمة في فخ العبودية، وثمن حريتها، وأدوات الطغيان. وكان الطغاة القدامى يمتلكون هذه الوسيلة، وهذه الممارسة، وهذه المغريات، لتنويم رعاياهم تحت النير، وكانت الشعوب المخبّلة، وقد أعجبتها هذه التسالي، واستمتعت بلذة تافهة تمرّر أمام أعينها تألف الخدمة بسذاجة الأطفال الذين تبهرهم الكتب المصورة فيحاولون قراءة أحرفها ولكن على نحو أسوأ.

ويرى أن الحرية فطرة إنسانية في البشر وهي من أعظم حقوقه لذا يضحي الإنسان من أجلها بأغلى مايملك في سبيل كسر أغلال الاستعباد، يقول:

الناس جميعًا، مادام لديهم شيء من الإنسان لا يستسلمون للعبودية على وجه التحقيق إلا في حالة من اثنتين: إما أن يكونوا مُكرهين وإما مخدوعين.

وفي موضع آخر، يقول:

البعض لو اضمحلّت الحرية عن وجه الأرض ولم يبق منها أثر لتخيّلوها وأحسّوا بها في عقولهم، والتذوا بتذوقها، ولما استساغوا طعم العبودية مهما زُيّنت لهم.

لقاء صحفي بعنوان “فن الفكاهة والظرف” مع (وودي آلن)

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

كما يعرف سكان نيويورك (وودي آلن) هو أحد أكثر مواطنيها طاغي الحضور وكلي الوجود: في مقعد الأمامي في ملعب ماديسون سكوير غاردن يشاهد مبارة لنيويورك نيكس، في حانة مايكل في مساءات الإثنين يعزف الكلارنيت، وفي المناسبات في مطعم إيلاين جالسًا على طاولته المعتادة. يصعب بالرغم من ذلك اعتباره شخصًا ودودًا منفتحًا: خجلٌ حين لقاء المعارف، مرةً عبر عن رغبة ملحة شديدة بالعودة إلى الرحم “رحم أي أحد”. ومسيرته في حقيقة الأمر جهد استثنائي ومدهش في عددٍ من المجالات: الأدب، المسرح، الأفلام السينمائية. “أعمل مُكرهًا ومُلزمًا” قال مرة، “ما أحب عمله فعلًا بأفضل إمكانياتي هو ما ألا أفعله الآن”.

بدأت مسيرة (آلن) في الكوميديا كمراهق حين قدم بضع نكات لشركة إعلانات. في سنة 1953 بعد ما أسماه “سنة قصيرة مًجهضة في الجامعة” ترك الدراسة ليصبح كاتبًا فكاهيًا لـ(غارّي موور) و(سيد سيزر). في أوائل الستينات أكسبته جولاته الروتينية في النوادي الكوميدية في جيرنويش فيلج اعتبارًا وتقديرًا، ومن ثم أدت إلى الظهور على التلفاز عدة مرات. سنة 1965 مباشرةً بعد إنتاجه لثلاثة أسطوانات كوميدية ناجحة شق طريقه وظهر لأول مرة ككمثل وكاتب نص في فلم (What’s New, Pussycat)، أما فيلمه الصادر سنة 1969 (Take the Money and Run) كان المشروع الأول الذي لم يكتبه فقط و يمثل دور البطولة فيه بل وحتى أخرجه أيضًا. رغم أن عددًا من أفلامه المبكرة (Bananasو(Sleeper) و(Love and Death) اُنتقدت نقدًا لاذعًا، إلا أنه وحتى سنة 1977 وصدور فلم (Annie Hall) الذي ربح أربع جوائز أوسكار حينها حظي (آلن) بالتقدير والاعتراف به كقوة استثنائية في السينما الأمريكية. منذئذٍ بلغت أفلامه الخمسين فيلمًا والتي نجح بجعلها فيلمًا كل سنة. كما كتب أيضًا عدة مسرحيات لمسرح برودواي: الأنجح من بينها (Don’t Drink the Waterو(Play It Again, Sam) والتي حُولت أيضًا إلى أفلام.

كتب آلن ثلاثة مجموعات قصصية ظهر معظمها في مجلة النيويوركر أولًا وهي: (Getting Even) و(Without Feathers) و(Side Effects).

أُنجز القسم الأكبر من هذه المقابلة، معظمها أجرته (ميتشكو كاكوتاني)[1] خلال عشاء في مطعم إلاين، واكتملت سنة 1985. ومنذ ذلك الحين استكملها المراجعون وعدلوها بالمراسلات والمكالمات مع السيد (آلن) لتظهر بهذه الصياغة الحديثة الآن:


هل تعتقد أن الفنان الهزلي يرى العالم رؤية مختلفة بعض الشيء؟

نعم. أعتقد بإنك إن امتلكت منظورًا فكاهيًا، فأي شيء تقريبًا سيحدث سيخضع لمصفاة الفكاهة. هي طريقة للتكيف على الأمد القصير، ولا أثر لها على الأمد الطويل، وتتطلب تجديدًا ونهضةً ثابتة أبدية. ولذلك فالناس تتحدث عن الفكاهيين أو الهزليين أنهم دومًا “ضاحكون ظريفون”. يشبه الأمر أن تخدر حواسك باستمرار لتعيش بقدر أقل من الألم.

هذا نادرٌ جدًا ألا تظن ذلك؟

إنها الطريقة الوحيدة للتعاطي مع الحياة. يعتقد الناس بأنه من الصعب جدًا أن تكون ظرفٍ خفيف الدم لكنه شيءٌ ممتع. إذا كنتَ قادرًا على فعله فهو أمرٌ غير صعب أبدًا. يشبه الأمر كما لو أنني قلت لأحدٍ بارع بالرسم يا إلهي لو أنني أمسكتُ قلم رصاص و ورقة طيلة اليوم لما استطعتُ رسم ذلك الحصان. أنا لا أقدر على فعل ذلك وأنتَ فعلته بإتقان شديد جدًا. ويشعر الآخر بأنه لا شيء.

أنا أفعل هذا منذ كنتُ في الرابعة من عمري. هذا ما أشعر به نحو الكوميديا: إذا كنتَ قادرًا على فعله، فأنت تعرف حقًا بأنه ليس شيئًا مميزًا. لا أعني أن النتيجة النهائية لا شيء وليس مميزة، أعني أن العملية بسيطة. طبعًا هناك بضع أشخاصًا هم ظرافٌ فعلًا، وبضعٌ آخر ليسوا. إنها غرابة الطبيعة.

من هم الكُتاب الذين جعلوك راغبًا في الكتابة؟

أتذكر أن أول شخصٍ ضحكت على كتاباته هو (ماكس شولمان). كنتُ في الخامسة عشر من عمري. أملكُ مجموعة قديمة من كتبه. أكثر كتبه فكاهةً بالنسبة لي كان (The Zebra Derby) .. مضحكٌ بمعنى أشمل، رغم أن عليك أن تقدر السياق الذي كتب فيه، بما إنه يتناول عودة جندي عريق إلى هنا بعد الحرب العالمية الثانية، عودته إلى الأرض الموعودة. ثم اكتشفتُ (روبرت بنشلي) و(سيدني جوزيف بيرلمان)، الكاتبان الآخران الظريفان جدًا واللذان كانا حقًا معلمين عظيمين. التقيتُ (بيرلمان) في مطعم إلاين في إحدى الليالي. كنتُ بصحبة (مارشال بريكمان) وأحضر لي النادل بطاقة. كان على الجزء الخلفي منها جملة من قبيل أتود أن تشاركني شرب تونيك الكرفس. اعتقدتُ -أوه- إنه محض سائح من خارج المدينة وألقيتُ بالبطاقة بعيدًا. لاحقًا بعد مرور ساعة ونصف قال أحدهم أتعلم أنها من (س. ج. بيرلمان)، لذا استعدتُ البطاقة من على الأرض. كان مكتوبًا عليها “س. ج. بيرلمان”، وركضتُ نحو المكان الذي كان فيه في الزاوية وجلسنا برفقته. قابلته قبلًا و كان دومًا بالنسبة لي ودودًا و لطيفًا. قرأتُ أنه يمكن أن يكون عسيرًا، لكني لم أرَ ذلك الجانب منه أبدًا.

متى بدأتَ الكتابة؟

قبل أن أجيد القراءة. كنتُ أرغب دومًا بالكتابة. قبل ذلك كنتُ أخلق الحكايات. كنتُ دومًا أخلق الحكايات لتلاميذ فصلي. لم أكن في الغالب معجبًا أبدًا بكتاب الكوميديا كما كنتُ بالكتاب الجادين. لكني وجدتُ نفسي قادرًا على الكتابة بالمزاج الفكاهي، مقلدًا مباشرةً (شولمان) في بادئ الأمر وأحيانًا (بيرلمان). في سنتي الدراسية القصيرة المجهضة في الجامعة كنتُ أسلم أعمالي كلها مشتقةً اشتقاقًا متقنًا أو سيئًا من أعمال (شولمان). لم أملك أي إحساسٍ بنفسي أو معنى لها مطلقًا.

كيف اكتشفت ذاتك؟ هل حصل ذلك خطوة بخطوة؟

لا، حدث ذلك صدفة نوعًا ما. كنتُ يئستُ من كتابة النثر كليًا واتجهتُ للكتابة التلفزيونية. كنتُ أريد أن أكتب نصوصًا مسرحيًا وكنتُ في ذات الوقت أمثل ككوميدي في ملهى. يومًا ما راسلتني مجلة (بلاي بوي) وطلبتني مني كتابة شيءٍ ما؛ لأني كنتُ كوميديًا صاعدًا وكتبتُ ذلك النص عن الشطرنج.

كنتُ حينها متزوجًا تقريبًا، لكن ليس بعد، بـ(لوزين لاسّر)، قرأتها وقالت: “يا إلهي أظن أن هذا النص جيد”. أيفترض بك أن ترسله للـ(نيويوركر). بالنسبة لي كما بالنسبة لأي أحدٍ من جيلي كانت (النيويوركر) أرضًا مقدسة. بأية حال فعلتُ ذلك كمزحة. صدمتُ حين تلقيتُ ذلك الاتصال الذي يسألني عن إمكانية إجراء بعض التعديلات، وسيطبعونها بعد ذلك. لذا ذهبتُ هناك وعدلت المطلوب، وطبعوها. كانت تلك دفعة كبيرة معززة لثقتي.

لذا اعتقدتُ، حسنًا، أظن أنني سأكتب نصًا آخر لهم. النص الثاني أو الثالث الذي أرسلته للـ(نيويوركر) كان مشابهًا لأسلوب (بيرلمان). طبعوها لكن التعليقات كانت تقول بأنها محاكاة خطرة و واوفقت. لذا تطلع كلانا أنا و(النيويوركر) لتبعات تلك النصوص التي أرسلتها. أخيرًا ابتعدتُ أكثر وأكثر عنه. كان (بيرلمان) طبعًا معقدًا كما يمكن لظرافته الغنية جدًا أن تكون. باستمراري حاولتُ أن أبسطها.

هل كان هذا تطورًا موازٍ لما كنتَ تحاول فعله في أفلامه؟

لا أعدها موازية. كانت تجربتي بالكتابة لمحتوى مختلف منفصلة جدًا عن التزاماتي ومشاريعي. فالكتابة للمسرح مختلفة اختلافًا كليًا عن كتابة فلم وكلاهما مختلف اختلافًا كليًا عن كتابة النثر. والكتابة الأكثر تطلبًا واحتياجًا بينها هي كتابة النثر، كما أعتقد، لأنك حين تنهي الكتابة فإنها هي الناتج النهائي.

أما السيناريو فهو بمثابة الوسيلة والأداة للممثلين والمخرج لتطوير الشخصية. فحين كتابتي لفلم كل ما أفعله هو خربشت بضعة ملاحظات حول المشهد. ليس عليك أن تكتب أي شيء على الإطلاق، أنت تملك فقط ملاحظاتك عن المشهد، المكتوبة بوجود الممثلين والكاميرا في عقلك. الحاجة الحقيقة للسيناريو هي لاختيار الممثلين ووضع الميزانية، لكن الناتج النهائي لا يحمل عادة ذاك التشابه مع السيناريو، على الأقل في حالتي.


إذًا ستتمتع بسيطرة أكبر وأعمق على نص؛ كرواية مثلًا

تلك إحدى مواضع جاذبيتها: أن لك سلطة عليها. أما الموضع الآخر فهو أنك حين انتهائك من كتابتها يمكنك أن تمزقها وتلقي بها بعيدًا. بينما حين تصنع فلمًا فإنك لا تملك هذا الخيار. عليك أن تعرضه للعلن حتى لو لم يعجبك. قد أضيف أيضًا أن الساعات تمضي أفضل حين تكون كاتب نثر.

فحالك حينها سيكون ممتعًا أكثر حين تستيقظ صباحًا وتنحرف مندفعًا إلى الغرفة المجاورة وتكتب وحيدًا، ممتعٌ أكثر من استيقاظك صباحًا والتوجه لتصوير فلم. إذ أن للأفلام متطلبات كبيرة. فهي مهنة جسمانية. عليك أن تكون في مكان محدد، وفقًا لموعد محدد، في وقت محدد. وأنت متكل معتمد على الآخرين. أعلم أن (نورمان ميلر) قال بأنه لو بدأ مسيرته اليوم لاختار أن يكون في مجال صناعة الأفلام لا روائيًا.

أعتقد أن الأفلام مغامرات ومشاريع الأصغر سنًا. فهي في معظمها شاقة مجهدة. ومن بعد حد معين لا أظن أنني أرغب بهذا الشكل من الكد والجهد: أعني أنني لا أود أن أحس أن عليّ طيلة حياتي الاستيقاظ في الساعة السادسة صباحًا، خارج منزلي في السابعة لأكون في شارع متجمد أو مرجة غائمة ومعتمة لأصور مشهدًا. ليس الوضع مشوقًا و لا محمسًا إلى هذا الحد. من الممتع أن تتجول حول البيت، أن تظل في البيت.

قال (تينيسي وليامز) مرةً أن كتابة المسرحيات مزعجة لأن عليك أن تنتجها، فأنت لا تستطيع أن تكتبها وتتركها في الدرج. لأنك حين تكتب سيناريو تكون قد تجاوزته وترغب بالاستمرار والتقدم. باستطاعتك فعل ذلك حال تأليف كتاب. لذا كما يبدو سيكون الدافع دومًا لأن تكون روائيًا. هو أمرٌ مرغوبٌ جدًا. يفكر الواحد بـ(كوليت)[2] جالسةً في شقتها الباريسية، تطل خارج نافذتها وتكتب. هي حياة جذابة ومغرية جدًا. في الحقيقة كتبت مسودة أولى لرواية حين كنتُ في باريس لتصوير فلم (Love and Death). موجودة في منزلي، مكتوبة بأكملها بخط اليد، مستلقية في درجي مكتوبة على ورق الرسم البياني، وهي على هذا الحال منذ سنوات. أحتفظ بها لحين أصبح بلا طاقة وغير قادرٍ على صنع المزيد من الأفلام. لا أرغب بالعمل عليها بينما ما زالت أملك الحيوية الكافية والطاقة للخروج في باكورة الصباح وتصوير الأفلام.

من الجيد التطلع لرواية. أعلم أنهم يومًا ما سيتوقفون عن دعمي في أفلامي ويقولون: “ما عدنا نرغب بفعل هذا بعد الآن”، أو أنني سأتعب من ممارستي هذه. أتمنى أن تكون الرواية جيدة. أعني أنها لن تحدث تلك الهزة العظيمة، لكنها رواية، قصة لا يمكن أن تُروى إلا على ذلك النحو. فكرتُ مرارٍ أن آخذ الفكرة وأحولها لمسرحية أو فلم، لكن و ياللغرابة لم ينجح ذلك. إذا ما كانت ستنجح فذلك سيكون كرواية. ستنجح في النثر.

كيف وُجدت هذه الرواية؟ هل فكرت بكتابتها منذ زمن بعيد؟

ليس تمامًا. بدأت بكتابة الصفحة الأولى. إنها عادة قديمة أمارسها حين كتابتي المسرحية. لا أتخيل نفسي أكتب الدور الثالث قبل الأول، أو حتى الخروج عن الترتيب وكتابة جزء من الدور الثاني. فالأحداث التي ستحصل لاحقًا، التفاعل بين الشخصيات، تطور الحبكة، معتمدة جدًا على الحدث الحاصل في البدء. لا أستطيع تخيل نفسي أكتب دون تسلسل أو ترتيب.

أحب السرد الكلاسيكي في المسرحية. أحبه في الرواية. لا أستمتع بالروايات التي لا تتضمن قصصًا واضحة. فأن تقرأ لـ(بلزاك) أو (تولستوي) بالإضافة إلى كل الآخرين هي متعة عظيمة. حين تُرفع الستائر في المسرحية ويكون الناس جالسين في حاويات معدنية، أعرف أنني سأقدر الفكرة عقليًا، لكنها لن تعني لي كثيرًا. شاهدت مسرحيات (بيكيت)، بالإضافة لغيره الأقل انتماءً للطلائعية، والعديد من المسرحيات المعاصرة، ويمكنني أن أقول أنها نعم ذكية و عميقة لكني لا أكترث بذلك.

لكن حين أشاهد مسرحية لـ(تشيخوف) أو (أونيل)؛ حيث يكون الرجال والنساء بشرًا يمرون بأزمات تقليدية، هذا ما أفضله. أعرف أن قولًا كهذا رجعي في هذا الزمن، لكن الأشياء المعتمدة مثلًا على “اللغة“، تناغم الكلام الذكي، لا أكترث به حقيقةً. أريد أن أسمع الناس يتحدثون بوضوح ومباشرة وأحيانًا شعريًا.

حين تشاهد مسرحية موت بائع متجول أو عربة اسمها الرغبة تكون مهتمًا بالأشخاص وتريد معرفة ما سيحدث لاحقًا. حين راودتني فكرة لمسرحية (The Floating Lightbulb) كتبتها لمركز لينكولن للفنون، كنتُ مصممًا وعازمًا على الكتابة عن أشخاص اعتيادين في حالة بسيطة. حاولتُ بتأنٍ أن أتجنب أي إطالة وتفصيل أكثر من تلك. في الأفلام، وياللغرابة، لا أشعر بهذا الإحساس. أنا في الأفلام أكثر إذعانًا وانقيادًا لتحوير الزمن وتحريف الأفكار التجريدية.


يعاني العديد من الكُتاب صعوبة البدء بمشروع جديد، صعوبة إيجاد الفكرة التي يودون حقًا العمل عليها..

على الأرجح أنهم يزيحون جانبًا الأفكار الجيدة جودة الأفكار التي أعمل عليها. ستخطر ببالي فكرة وأنا أسير في الطريق، وسأدونها مباشرة. وسأرغب دومًا بتحويلها لشيءٍ ما. لم أعاني أبدًا من حبسة. أتحدث عن ذلك ضمن حدود قدراتي. لكني بطريقتي البسيطة، لطالما كان عندي ثروة ممتدة من الأفكار المحيرة. سيكون عندي خمسة أفكار وأنا أتحرق شوقًا لتنفيذها.

يستغرق مني الأمر أسابيعًا أو شهورًا والأفكار تستبد بي وتعذبني لأختار منها مشروعي التالي. أتمنى أحيانًا لو يختار أحدهم فكرة لي. لو أن أحدًا قال نفذ الفكرة الثالثة سيكون ذلك جيدًا. لكني لم أعاني مطلقًا من جفاف الأفكار أو انعدامها.

يسألني الناس دومًا: “هل تعتقد أنك لربما تستيقظ يومًا ولا تعود ظريفًا؟” لم تخطر تلك الفكرة ببالي أبدًا، إنها فكرة بالية وغير واقعية. لأن الفكاهة وأنا غير منفصلين. نحنُ كيانُ واحد. أفضل أوقاتي حين أكون في خض مشروع وأقرر بخصوص مشروع جديد. ذلك لأنه في فترة لم يحدد فيها بعض ماهية الواقع. 

فالفكرة تبدو في عقلك أخاذة، وأنت تتخيلها وتتصورها كاملة في لحظة، تخيل جميل. لكن حين تقرر تنفيذها لا تكون النتيجة كما تخيلتها. تبدأ المشكلة من الإنتاج، حين يبدأ الواقع بالتشكل. كما قلتُ سابقًا المرة التي اقتربتُ فيها من فهم فكرة اقترابًا شديدًا كان في النثر. شعرتُ في معظم ما كتبتُ ونشرتُ بأني نفذت فكرتي الأصلية تطبيقًا مطابقًا مرضيًا. لكني لم أشعر بذلك أبدًا ولا حتى للحظة في أي نصٍ كتبته لفلم أو مسرحية.

شعرتُ دومًا بأني أملك فكرة مبهرة: لكن أين أخطأتُ في تنفيذها؟ أنتَ تخطأ منذ اليوم الأول. في كل شيء تسوية وتنازل. فمثلًا لن تستطيع الوصول لمارلون براندو ليمثل فلمك، سيكون عندك شخصٌ أدنى. الغرفة التي تراها في عقلك وتتصورها ليست الغرفة التي ستصور فيها. هي دومًا مسألة أهداف أسمى، أحلامٍ مبالغٌ فيها، تبجح وثقة عمياء، وشجاعة فائقة على الآلة الكاتبة، وثم حين أكون في خضم إنهاء التصوير ويتحول كل شيء إلى خطأ فادح وأغير وأنقح و أعيد التصوير وأحاول أن أصلح الخطأ، حينها يكون الأمر محض صراع للنجاة. حينها تكون سعيدًا لأنك فقط ما زلتَ حيًا. تتلاشى كل الأهداف السامية، كل المعاني المتعنتة والعنيدة حول العمل الفني المثالي المتقن، وأنت تصارع لئلا ينقض الناس على الممرات بالقطران والريش.

في معظم أفلامي، جميعها تقريبًا، لو استطعتُ أن أصور ما تخيلته لكانت أفضل بكثير. ولحسن حظي لا يعرف الجمهور مدى روعة الفلم المعروض في عقلي ولذا أنجو بفعلتي.

كيف تكتب حقًا؟ ما هي أدواتك؟

كتبتُ في الدفاتر الصفراء المخططة، في دفاتر الفندق، في أي شيء بلغته يداي. لستُ صعب الإرضاء أو دقيقًا في هذه الأمور. أكتب في غرف الفنادق، في منزلي، والآخرون حولي، على علب الكبريت. لا أمانع ذلك حتى بأقل الإمكانيات المتوفرة عندي.

هناك قصص جلستُ فقط واضعًا الآلة الكاتبة وبدأتُ الكتابة من البداية حتى النهاية. بعض ما كتبته للـ(نيويوركر) أنهيته في أربعين دقيقة. وهناك نصوص أخرى صارعتُ وتعذبت لأسابيع وأسابيع لكتابتها. إنه أمرٌ عشوائيٌ جدًا. فلنأخذ فلمين مثلًا أحدهما لم ينجح نقديًا وهو (A Midsummer Night’s Sex Comedy). كتبتُ ذلك العمل في لمح البصر. خطر في ذهني وانساب في ستة أيام، كل شيء فيه في إطار مثالي. أصدرته ولم يلقى ترحيبًا أو استحسانًا.

بينما كانت التغييرات في فلم (Annie Hall) لا نهائية. كانت هناك الكثير من المواد التي لا تُستخدم في المشاهد كتلك التي كانت في النسخة النهائية من الفلم، أعدتُ خمس مرات التصوير. ولاقى الفلم استحسانًا. بينما وفي المقابل حصل النقيض حين عملتُ على أفكارًا خطرت لي ببساطة وسهولة ولاقت استحسانًا وإشادة شديدة. وفيما عانيتُ حال العمل عليه لم يحدث ذلك. لم أجد أبدًا أي رابط. لكن إذا كنتَ قادرًا على فعل الشيء، فهذا يعني أنه ليس صعبًا، وليس إنجازًا مهولًا وعظيمًا كما يظن غير القادر على فعله.

حين كنتُ في السادسة عشر من عمري مثلًا بدأتُ أول وظيفة لي. كانت كاتب كوميدي لوكالة إعلانات في نيويورك. كنتُ أحضر لهذه الوكالة يوميًا بعد المدرسة وأكتب لهم النكات. كانوا يرسلون هذه النكات لعملائهم وينشرونها في أعمدة الصحف. كنتُ أركب قطار الأنفاق، مزدحم جدًا، وواقفًا وممسكًا بالأحزمة المتدلية من أعلى للتشبث بها أخرج قلمي الرصاص وحين أصلهم أكون قد كتبتُ أربعين أو خمسين نكتة … خمسين نكتة يوميًا لسنوات. سيقول لي الناس: “لا أصدق خمسون نكتة يوميًا وتكتبها في القطار”. صدقوني لم يكن أمرًا صعبًا. بينما حين أنظر لشخص يؤلف مقطوعة موسيقية ولا أعرف كيف يبدؤونها أو ينهونها! لكن لأني أعرف دومًا كيف أكتب، فإن الأمر لا شيء بالنسبة لي. أنا قادرٌ دومًا على فعلها ضمن حدود قدراتي. لذا لم تكن صعبة أبدًا.

أظن أنني لو تلقيتُ تعليمًا أفضل، تنشئة أفضل، وكانت شخصيتي على الأرجح مختلفة لكنت ربما كاتبًا مهمًا. هذا ممكن؛ لأني أعتقد أني أتمتع ببعضٍ من الموهبة، لكني لم أهتم بها أبدًا. نشأتُ بلا أي اهتمام علمي بأي شيء. كنتُ قادرًا على الكتابة، لكني لم أكن مهتمًا بالقراءة. كنتُ فقط أتابع الرياضة وأمارسها، أقرأ الكتب الكوميدية، لم أقرأ أبدًا أي رواية بمعنى رواية حتى سن الجامعة. لم أكترث بها إطلاقًا. ربما لو كنتُ تربيتُ تربية مختلفة لربما كنتُ سلكتُ اتجاهًا آخر. أو لو كانت اهتمامات والدايّ، أصدقائي، والبيئة التي كنتُ فيها كانت موجهة توجهًا مباشرًا نحو الأشياء التي أصبحتُ متجاوبًا معها لاحقًا، لربما كان الوضع مختلفًا. ربما كنتُ سأكون روائيًا جادًا. أو ربما لا. ولكن فات الأوان، وأنا الآن سعيدٌ فقط ولا أعاني من التهاب المفاصل.


هل تتذكر أيًا من النكات التي كتبتها وأنت متشبث بالأحزمة المتدلية في القطار؟

هذه النكتة هي من التفاهة التي اعتدتُ تأليفها: “الولد الجالس بجانبي هو ابن مقامر، لم يستعد أبدًا درجاته في الاختبارات، كان يتركها ليزيد الرهان حتى الاختبار القادم”. يمكنكِ الآن أن تعرفي لم كان من السهل كتابة خمسين نكتة يوميًا.

أوافق. لكنك ذكرت هذه الرواية…

لستُ واثقًا بأني أملك الخلفية والفهم الكافي لكتابة رواية. الكتاب الذي كنتُ أعمل عليه، أو أخطط له، هو كتاب ممتع ولكن جاد، وسأرى ما سيحدث بخصوصه. أنا جاهلٌ بحق، ذاتي التعليم جدًا. هذا أمرٌ شائك؛ لأن المتعلم تعلمًا ذاتيًا يعرف في مجالات محددة لكن يضل هناك أيضًا فجوات صادمة. ذلك بسبب فقدان التعليم الممنهج.

يرسل لي الناس سيناريوهات أفلام أو مقالات أو حتى صفحة تضم نكات ويسألونني: “هل يعتد بهذه، هل هذه قصة قصيرة؟ هل هذا مشهد كوميدي؟” ولا يعرفون إذا ما كانت النصوص كذلك أم لا. أشعر إلى حد ما هكذا في عالم النثر. حين أرسلتُ ما كتبتُ إلى (النيويوركر) ما كنتُ أعرف ما بين يداي وما أنا متمسك به. كان يمكن أن تكون ردة فعلهم: “أوه، هذا لا شيء يذكر”. كتبتَ الكثير من الكلمات، لكن هذا في الحقيقة لا شيء يذكر، أو أيها الشاب ما كتبته رائعٌ جدًا. كنتُ سأسعد بقبول حكمهم عليه. إذ أنهم قالوا لي حين حملتُ النصوص لهم “نحنُ آسفون، لكن هذا لا شيء”. كنتُ سأقبل ذلك. كنتُ سأقول لهم “أوه حقًا؟ لا بأس”. كنتُ سألقي بالنصوص بعيدًا و ما كانت عينايّ لترمش أبدًا.

المرة أو المرتين التي رفضوا فيها ما كتبت خلال السنوات كانوا فيها دومًا مترددين و مهذبين، كانوا يقولون دومًا حسنًا ربما سنشر نصً آخر قريبًا من هذا بعض الشيء، أو شيئًا لبقًا كهذا. وكنتُ أحس دومًا بأنني لا أمانع مزقوها. في هذا المعنى لم أشعر يومًا بأن الكتابة مرهفة أو مقدسة. أشعر أن هذا ما سيحدث لو أنني أنهيتُ الرواية. لو أن الأشخاص الذين سلمتهم الرواية قالوا نعتقد أنها لا تستحق، لن يخطر أبدًا ببالي أن أقول لهم يا حمقى. أنا لا أعلم بالقدر الكافي. لا أملك الأحقية التي تخولني لأتحدث كجيمس جويس الذي قرأ كل شيء ويعرف أكثر مما عرف ناقدوه. هناك فقط مجال أو مجالان حيث شعرت أنني أتمتع بذلك الأمان وتلك الثقة، حيث شعرتُ أن حكمي صائب بل وحتى أشد صوابًا من حكم الآخرين. الكوميديا أحدهما. أشعر بالثقة حين أتعامل مع الأشياء المضحكة، مهما كان الوسيط الموجودة فيه. وأعرف الكثير عن موسيقى جاز نيو أورلينز رغم أنني موسيقار ضعيف. ضعيف ولكن مُتفانٍ.

لم بدأت بالكتابة الكوميدية؟ 

كنتُ أستمتع دومًا بالقراءة للكتاب الفكاهيين. لكن حين بدأتُ بالقراءة لكتاب أكثر جدية، بدأتُ أستمتع بالقراءة للكتاب الجادين أكثر. أصبحتُ حينها أقل اهتمامًا بالكوميديا، رغم أنني اكتشفتُ أنني قادرٌ على كتابتها. لستُ مهتمًا هذه الأيام بالكوميديا والفكاهة للغاية. إذا ما كان عليّ أن أعدد خمسة عشر فلمًا أفضلها فعلى الأرجح لن يكون أيٌ منها كوميديًا. هذا حقيقي، هناك بعض الأفلام الهزلية التي أعتقد بأنها رائعة. أعتقد طبعًا بأن فلم (City Lights) عظيم، بعضٌ من أفلام الممثل (باستر كيتون)، والعديد من أفلام (الإخوة ماركس). لكن هذه الأفلام نوعٌ آخر مختلف من الكوميديا، إذ أن ظرف الممثلين في هذه الأفلام هو تسجيل وتمثيل لأعمال الكوميديين. فلربما كانت الأفلام ضعيفة أو سخيفة لكن الحس الهزلي عبقري. أحب أفلام (كيتون) أكثر من (كيتون) وأستمتع بـ(تشابلن) و(الإخوة ماركس) عادةً أكثر من الأفلام. لكني مشاهد مريح. أنا أضحك بسهولة.

ماذا عن فلم (Bringing Up Baby

لا، لم أحبه أبدًا. لم أشعر أبدًا بأن ذلك مضحك أو فكاهي.

حقًا؟

لا، أعجبني فلم (Born Yesterday) رغم أنه مسرحية حُولت لفلم. كلا الفلمين (The Shop Around the Corner) و (Trouble in Paradise) مذهلان. أما الكوميديا غير الصامتة الرائعة فهي فلم فليني (The White Sheik).

ما الذي يمنع فلم مرحًا أو هزليًا من إدراجه في قائمتك؟

لا شيء سوى ذوقي الشخصي. أحدهم لربما ذكر عشرة أفلام كوميدية. أنا ببساطة أستمتع بالأفلام الجادة. حين يكون لي خيار مشاهدة فلم فسأشاهد (Citizen Kane) و(The Bicycle Thiefو(The Grand Illusionو(The Seventh Seal) وهذا النوع من الأفلام.

حين تذهب لمشاهدة الكلاسيكيات مرة أخرى، هل تذهب لمعرفة كيفية صنعها أو تذهب لمشاهدتها للأثر الذي تخلفه فيك شعوريًا؟

عادةً ما أذهب للمتعة. الآخرون الذين يعملون في أفلامي يرون كل الأشياء التقنية وكيفية عملها، أما أنا فلا أقدر على رؤية ذلك. ما زلتُ غير قادرًا على رؤية ظل الميكروفون، أو الاقتصاص غير المتقن أو غيره. أنا مستغرق متعمقٌ في الفلم بذاته.

لمن من العظماء تأثيرٌ عميق على عملك في الأفلام؟

أظن أن أشد تأثير هو لبرغمان و(الإخوة ماركس). لا أندم أيضًا على السرقة من (ستريندبرغ)، (تشيخوف)، (بيرلمان)، (موس هارت)[3]، (جيمي كانون)، (فليني)، وكُتاب (بوب هوب).


هل كنتَ ظريفًا حين كنتَ طفلًا؟

نعم، كنتُ فتى مسلٍ وظريف. وبالمناسبة كان الناس دومًا يربطون ذلك لكوني نشأت تنشئة يهودية. إنها خرافة. الكثير من الفكاهيين الرائعين لم يكونوا يهودًا: (دبيلو سي فيلز)، (جونثان وينترز)، (بوب هوب)، (باستر كيتون) … لم أرى أبدًا أي رابط بين العرق أو الدين أو الأصل وبين الظَرَف. 

هل طُلب منك أن تؤدي أي عرض في المناسبات والنشاطات المدرسية؟

لم أكن أؤدي كثيرًا، لكني كنتً مسليًا في الفصل بين الأصدقاء والمعلمين.

إذًا لم تكن نكاتك من النوع الذي سيزعج المسؤولين؟

كانت أحيانًا تزعجهم، نعم. استدعيت أمي إلى المدرسة كثيرًا؛ لأنني كنتُ أصرخ قائلًا بعض الأشياء في الفصل، أتهكم في الفصل؛ ولأني كنتُ قادرًا على إثبات أن أفكارهم إما سطحية أو جنسية جدًا. العديد والعديد من المرات استدعيت أمي إلى المدرسة.

لِم برأيك بدأت بالكتابة وأنت صبي؟

أظن أنها كانت بسبب متعتها الخالصة الغامرة. يشبه الأمر العزف مع فرقتي الآن. تأليف الموسيقى ممتع، والكتابة ممتعة. خلق الأشياء وتشكيلها متع. سأقول أنني لو عشت في عصر ما قبل الأفلام السينمائية فكنتُ سأصبح كاتبًا. رأيتُ (ألفريد كازن)[4] على التلفاز. كان يطري الرواية ويمجدها على حساب الفلم. لكني لم أوافقه الرأي. إذ لا يمكن مقارنة الأولى بالثاني. كان يتمتع باحترام عالٍ للكلمات المطبوعة. الأفلام الجيدة أفضل من الكتب السيئة، وحين يكون كلاهما رائعًا، فإن كلاهما رائعٌ و قيم بشكله المختلف.

هل تعتقد أن متع الكتابة مرتبطة بالإحساس بالسيطرة والتحكم الذي يمنحك إياه الفن؟

كانت القدرة على خلق عالمك الخاص متى ما شئت بديعة ومدهشة. فالكتابة ممتعة جدًا وسارة، مغوية جدًا وجذابة، علاجية جدًا ومداوية. يمر الوقت سريعًا حين أكتب، سريعٌ جدًا. أرتبك وأحتار بخصوص نصٍ أو ما فيه ويطير الوقتُ سريعًا. هو شعورٌ مبهج منعشٌ. كم يمكن أن تسوء؟ إنها الجلوس صحبة الشخصيات الخيالية. أنت تهرب من العالم بطريقتك الخاصة و لا بأس بذلك. لِم لا؟

إذا كنت تحب جانب الاختلاء بالنفس في الكتابة هل ستفتقد الجانب التعاوني في الأفلام إذا ما كان عليك التخلي عنه؟

إحدى المظاهر الخادعة للخروج من المنزل والتواجد مع الآخرين هو أنه يجرك بعيدًا عن مهنة الكتابة. هو أقل وحدة. لكني أحب الجلوس في المنزل والكتابة. شعرتُ دومًا بأنهم إن أخبروني غدًا بأني ما عدتُ قادرًا على إخراج المزيد من الأفلام، أنهم ما عادوا ليعطوني المزيد من المال، فسيسعدني أن أكتب للمسرح، وإن لم ينتجوا مسرحياتي فسأكون سعيدًا بالكتابة فقط ولو لم ينشروا لي. سأظل سعيدًا بالكتابة تاركًا ما أكتب للأجيال المستقبلية. لأنها لو كانت تتضمن أي قيمة فيها فستحيا، وإن لم توجد فالأفضل أن تندثر.

هذا جانب من الجوانب الممتعة في الكتابة أو أي فن آخر: إذا ما تضمن شيئًا حقيقًا قيمًا فسيحيا ويظل. ولا تهم حقًا كل الضجة الإثارة المصاحبة له، نجاحه أو رفض النقاد له. في النهاية سينجو العمل أو لا مستحقًا ذلك بامتيازاته وخواصه. ولا يعني أن الخلود بالفن أمرٌ مهم. مات (تروفو)، واعترانا الأسى لذلك، وأقيم التأبين المناسب، وستحيا أفلامه المذهلة وتظل. لكن ذلك لا يفيد تروفو. لذا فكر بينك وبين نفسك: سيحيا عملي. كما قلتُ مرات عدة بدل أن أحيا في قلوب وعقول رفاقي وزملائي أفضل العيش في شقتي.

مع ذلك يبذل بعض الفنانون جهدًا لتنال أعمالهم الاحتفاء، ليبتكروا ما سيظل، ويقدمون ذلك على أي شيء آخر. هناك ذلك الاقتباس الذي قاله فوكنر: “قصيدة عن رفات إغريقي تعادل أي عددٍ من المسنات”.

أكره حين يصبح الفن دينًا مقدسًا. أشعر بالنقيض من ذلك. حين تبدأ بمنح الأعمال الفنية قيمة أعلى من الأشخاص حينها تخسر إنسانيتك وتفقدها. توجد نزعة للشعور بأن للفنان امتيازات خاصة، وأن كل شيء مباحٌ متاحٌ خدمة للفن. حاولتُ أن أوصل ذلك في الفلم (Interiors). أشعر دومًا بأن الفنان أكثر توقيرًا، هذا ظلمٌ وقسوة. هو شعور لطيف لكنه منحة عرضية استحقها صدفة: كأن يكون لك صوت جميل أو أن تكون أعسر. قدرتك على الابتكار والخلق هي صدفة لطيفة. يحدث أن يكون لك قيمة وتوقير في المجتمع، لكنها ليست بنبل صفة كالشجاعة.

أحس بسخافة وغرابة الاحاديث الرنانة حول أهمية الذات التي تتناول الفنانين وأنهم لا يهابون الصعاب. الصعاب والمخاطر الفنية هي كمخاطر الأعمال الترفيهية: مضحكة. كاختيار ممثل التبست أدواره بشخصه وأصبح يعرف بها لعمل جديد ياللهول ما أخطره من وضع! الخطر هو حين تكون حياتك على المحك. الأشخاص الذين وقفوا في وجه النازيين وقاوموا أو بعض الشعراء الروس الذي عارضوا الدولة هؤلاء هم الباسلون والشجعان، وهذا ما يعد حقًا إنجازًا.

أن تكون فنانًا هو إنجاز أيضًا، لكن عليك أن تبقي ذلك في نصابه. لا أحاول بخس الفن قيمته. أعتقد بأن الفن قيم، لكني أعتقد أنه ممجد وموقر بإفراط. هو قيمٌ، لكنه ليس أكثر قيمة من كونك معلمًا جيدًا، أو طبيبًا جيدًا. تكمن المشكلة في أن للإبداع سحرًا وجاذبية. يقول العاملون عادةً في مجال الأفلام أريد أن أصبح منتجًا، لكن منتجًا مبدعًا. أو تقول امرأة كنتُ في الجامعة مع المعني، نعم سأتزوجه. هو سباك لكن مبدع جدًا. من المهم للناس جدًا وجود تلك الصفة المعتمدة. كما لو أنه لو لم يكن مبدعًا فهو ناقص.


حين تكتب هل تفكر بجمهورك؟ جون أبدايك مثلًا قال مرة أنه يحب تخيل طفل في بلدة في الغرب الأوسط وجد أحد كتبه على رف في مكتبة عامة.

لطالما شعرتُ بأنني أحاول الارتقاء بهدفي قدر استطاعتي حينها، لا لأبلغ الجميع؛ لأنني أعلم أنني لا أقدر على ذلك، لكن أحاول دومًا بذل الجهد. أحب أن أشعر حين إنهائي لفلم أن البالغين الأذكياء سواء كانوا علماء أم فلاسفة، سيذهبون لمشاهدة الفلم ولن يخرجوا ويشعروا بأنه محض إضاعة للوقت. ألا يقولوا يا للهول ما الذي أقحمت نفسي فيه؟ إذا ذهبت لمشاهدة فلم (رامبو) فإني سأقول “يا إلهي”، ومن ثم بعد عدة دقائق سأغادر. لا يهمني حجم الجمهور. كلما زاد العدد كان أفضل، لكن ليس إذا كنتُ أنوي تغيير أفكاري لأجذبهم.

الأفلام ليست أسهل أنواع الفنون لصناعتها، فهي تتضمن الكثير من الأشخاص، وتتطلب مبالغ كبيرة من المال.

هناك بقع جغرافية معينة كالسويد حيث تدعمك الدولة جزئيًا. لكن في الولايات المتحدة كل شيء ملعون بالغلاء. لا تشبه الأفلام الرسم أو الكتابة. ففي الأفلام عليّ أن أحصل على ملايين الدولارات لأصنع حتى فلمًا رخيصًا. لذا يرتبط بذلك الشعور بأنك غير قادرٍ على المضي والتقدم دون جمهور ضخم. لذلك هي ضرب من ضروب المعاناة، لكني كنتُ محظوظًا، لطالما كنتُ حرًا. أنا مُبارك. أملك حياة كالأحلام في صناعة الأفلام منذ فلمي الأول. ألا وهي أن تكون حرٌ حرية كاملة تامة أكيدة طوال الطريق. لا تسأليني لِم. إذا قررتُ غدًا أن أخرج فلمًا بالأسود والأبيض كمذهب القرن السادس عشر فبإمكاني. 

طبعًا إذا ذهبت إليهم وقلتُ: “أريد أن أخرج فلمًا عن الكائنات وحيدة الخلية” سيقولون: “حسنًا، سنعطيك هذا القدر من المال لتعمل به”. بينما لو قلتُ: “أريد أن أخرج فلمًا كوميديًا ضخمًا” فإنهم سيعطونني مبالغ أكبر.

ما التغيرات التي تراها في أعمالك بمرور السنين؟

أطمح بالتطور والازدهار طبعًا. إذا اطلعت على أفلامي الأولى ستجد أنها كانت عامة وأحيانًا مضحكة. أصبحتُ إنسانًا أكثر مع القصص وضحيتُ بجانب مهول من الظرافة، الضحك، لأجل القيم الأخرى التي أشعر شخصيًا بأنه تستحق التضحية بها. لذا لن تتضمن الأفلام مثل (The Purple Rose of Cairo) أو (Manhattan) ذلك القدر من الضحكات. لكني أظن أنها ممتعة أكثر. على الأقل هي كذلك بالنسبة لي. أحب أن أستمر هكذا، وما زلتُ أحوال صنع بعض المحتوى الجاد.

هل كان فلم (Interiors) الذي قررت في حال ضحك أي شخص خلال العمل فإنك ستحذف ذلك الجزء؟ أكان ذلك صحيحًا؟

أوه لا، لا، غير صحيح. قصة جيدة لكنها غير صحيحة أبدًا. لا، ليست هناك أي قصص مرحة مرتبطة بأفلامي. أعني أننا نذهب إلى موقع التصوير ونعمل في جو من التجهم، بيئة عمل ونعمل على الأفلام، سواءً كانت كوميديا أم درامية.

انتقد البعض فلم (Interiors) قائلين بأنه يفتقد حس الفكاهة كليًا. شعرتُ بأن ذلك غير مرتبط أبدًا بالنقد. أيًا يكن الخطأ فيه إلا أنه لم يكن افتقداه للفكاهة. ليس هناك ذلك الحس الفكاهي في (Othello) أو في (Persona). لو كنت سأكتب عدة مسرحيات أو أفلام ذات حس جاد، سأفضل طبعًا أن أعمل على ذلك بدلًا من أنال لقب أفضل فلم كوميدي للسنة. لأن ذلك سيمنحني متعة شخصية، هي المتعة نفسها التي أفضل لأجلها عزف موسيقى جاز نيو أورلينز لا عزف (موزارت). أعشق (موزارت) لكني أفضل عزف موسيقى جاز نيو أورلينز. هذا ما أفضله ببساطة.

لكن حين تكتب سيناريو وتطل منه طرفة أو فكاهة فإنك تتمسك بها بمتعة، أوليس كذلك؟

نعم، إنها ممتعة دومًا. ما حدث عادة هو وجود عددٍ من المفاجآت في الأفلام، وعادة ما تكون هذه المفاجآت هي السلبيات. تظن أن ما بين يديك سيكون مضحكًا في نكتة أو مشهد، ثم تكتشف أنه ليس مضحكًا وتتفاجئ.

وتتمسك به وتبقيه.

أو تزيحه بعيدًا. بينما مرة كل حين تطلع لك مفاجأة لطيفة، وجزءٌ لم يخطر ببالك أبدًا أنه سيكون ممتعًا، جزءٌ يضحك عليه الجمهور أو يصيحون ضاحكين، وهذا شعورٌ رائع.

هل لك أن تذكر مثالًا على ذلك؟

حين أخرجتُ فلم (Bananas) أول مرة منذ سنوات، كنتُ ذاهبًا إلى منزل الديكتاتور: كنتُ مدعوًا إلى العشاء في تلك الدولة في أمريكا اللاتينية. أحضرتُ معي علبة كعك، كعك مزين من إحدى مخابز الحلويات. لم أفكر بالأمر كثيرًا، لكنها دومًا ما تضحك الحضور ضحكًا مزمجرًا. أما ما كانوا يضحكون عليه هو أن شخصيتي حمقاء لدرجة أني أحضرتُ بعض المخبوزات معي إلى عشاء دولة. كان الامر بالنسبة لي عرضيًا كما تكون الأشياء المضحكة الحقيقية تلك التي لا يُخطط لها أحد، أما بالنسبة للحضور فكانت الشيء الأكثر ظرفًا وإضحاكًا.


يظهر أن الفنان حين يُعرف يتوقع منه الآخرون: النقاد، محبيه، أن يظل يمارس الشيء نفسه، بدل أن يتطور بطريقته الخاصة.

لذلك عليك أبدًا ألا تأخذ ما يُكتب عنك على محمل الجد. لم أكتب في حياتي أي نص أو أعمل على أي مشروع لم أرغب حينها بالعمل عليه. عليك أن تنسى فكرة ما يسمونه “أفلام المسيرة”. عليك فقط أن تعمل ما تريد عمله لما يعنيه الإبداع لك في حياتك. إذا لم يرغب أي أحد برؤيته فلا بأس. وإلا فإنك في المجال لتسعد الآخرين وترضيهم. حين عملنا على (Stardust Memories) علمنا جميعًا أن دعاية كبيرة ستعمل. لكن ما كان ذلك ليوقفني ولو لثانية. لم أفكر أبدًا بأن من الأفضل عمل هذا أو ذلك لأن هذا سيضايق الناس.

من الأفضل أن تموت ولا تنخرط في مشروع تشعر بأنك ستتجاوزه بمرور الوقت. انظر لشخص مثل ستريندبرغ -شخصٌ آخر أحببته دومًا- وسترى ردة فعله على أمور معينة… وحشية فقط. حين أخرجتُ فلم (Annie Hall) كثرتُ الاقتراحات التي تدعوني لعمل جزء ثانٍ. لم يخطر ببالي ولو بعد مليون سنة أن أفعل ذلك. كنتُ أخطط للعمل على فلم (Interiors) بعد ذلك، وهو ما فعلته. لا أظن أنه بإمكانك أن تنجو سوى بهذه الطريقة. خطتي هي أن أحوال ألا أحتكم ولا أنقاد لعدد كبير من الناس، لكن أن أفعل أفضل عمل محتمل يمكنني تخيله، وأتمنى أن يكون العمل ببساطة حسنًا، وأن يأتي الناس لمشاهدته.

الفنان الذي أحببته حبًا جمًا لم يكن له جمهور كبير. ما يهم هو فعله وتطبيقه. وما سيحدث لاحقًا كل ما ما ين يديك هو أن تتمنى أنك محظوظ. حتى في أشكال الفن الشائعة والمحبوبة كالأفلام، في الولايات المتحدة لم يشاهد معظم الناس الأفلام (The Bicycle Thief) أو (The Grand Illusion) أو (Persona). يمضي معظم الناس حياته دون أن يشاهدهم. معظم الأجيال الأصغر تدعم الأفلام المعروضة الآن بوفرة ولا يكترثون بـبونويل أو بيرغمان. هم جاهلون بأفضل إنجازات هذا الفن. ومرة كل حين يظهر شيءٌ منها بمحض الصدفة الزمانية والمكانية. اشتهر تشارلي تشابلن في الوقت المناسب. لو أنه اشتهر اليوم لعانى من مشاكل عويصة.

ألا تعتقد أن الكتاب الجاديين الناضجين يستمرون ببساطة بتطوير وتوسيع المواضيع والأفكار الموجودة أصلًا؟

لكل شخص هواجسه التي تستحوذ عليه. في أفلام بيرغمان ترى الشيء نفسه مرة تلو المرة، لكنه عادة ما يُعرض بنفس الحداثة الرائعة كما لو أنها المرة الأولى.

ماذا عن عملك أنت؟

تتكرر الأشياء نفسها مرة تلو المرة. إنها الأشياء الموجودة في عقلي، ويبحث الواحد دومًا عن طرق جديدة للتعبير عن ذلك. يصعب أن تفكر بأن بإمكانك الخروج من المنزل وقول يا إلهي عليّ أن أجد شيئًا جديدًا لأعبر عنه. ما الأشياء التي يمكن أن تتكرر؟ بالنسبة لي طبعًا جاذبية الخيال و قسوة الواقع. كشخص مبدع لم أكن يومًا مهتمًا بالسياسة أو أيٍ مما يمكن حله أو تفسيره. ما جذبني دومًا كان المشاكل التي لا تُحل: محدودية الحياة واللامعنى و اليأس و انعدام القدرة على التواصل. صعوبة الوقوع في الحب والحفاظ عليه. هذه هي الأشياء التي تهمني أكثر من .. لا أعلم.. حق التصويت. في الحياة أتبع السياسة إلى حد معين، أجد ذلك ممتعًا كمواطن لكني لم أفكر أبدًا بالكتابة عنها.

كلمة عن هذه المقابلة: كانت المقابلة صعبة لأني لا أحب تبجيل عملي بمناقشة تأثيره أو أفكاري أو ما يشابه ذلك. ينطبق هذا النوع من الأحاديث أكثر على الأعمال ذات المنزلة الرفيعة. أقول ذلك دون أي تواضع زائف، أقوله وأنا أعرف أنني لم أنجز أي عملٍ مميز، أيًا يكن المجال. أشعر بذلك بوضوح يخلو من أي لبس. أشعر أني ما فعلته حتى اللحظة في حياتي هو مجرد حصى يجب أن ترفعه بعملين أو ثلاثة ممتازة التي أرجو أن أعملها. جلسنا وتحدثن عن فلنقل فوكنر و أبدايك وبيرغمان، أعني أنني لا أقدر على التحدث عن نفسي بالطريقة ذاتها كما هو واضح. أشعر أن ما فعلته حتى اللحظة هو … الخس الذي يجب أن يستلقي فيه البرجر. أشعر بأنني لو استطعت فيما ما بقي من حياتي أن أنجز عملين أو ثلاثة ممتازين – ربما فلم مدهش أو كتابة مسرحية ممتازة أو شيء ما – عندها سيكون كل شيء سبق تلك النقطة هو محض عمل تطوري ممتع. أشعر بأن أعمالي جالسةٌ هناك منتظرة جوهرة لتتوجها. لكن لا وجود لأي جوهرة في الوقت الحالي. لذا بدأت أشعر أن مقابلتي رنانة. أحتاج بعض الجواهر الثقيلة هناك. لكن أتمنى أني بلغت مرحلة من حياتي حيث بعد عشر سنوات أو خمسة عشر يمكنني أن أنجز عملين أو ثلاثة تمنح الاعتماد والقبول لكل ما عملته قبلًا … فلنتمنى.


[المصدر]

هوامش المترجمة:

[1]: ناقدة أدبية أمريكية حازت جائزة البوليتزر عن النقد.
[2]: روائية فرنسية.
[3]: مخرج مسرحي أمريكي.
[4]: كاتب وناقد أدبي أمريكي وهو صديق لـ(حنة أردنت).

 

سلافوي جيجيك و عودة المعرفة المرحة

يقول الفيلسوف وعالم اللسانيات البريطاني (لودويغ فيتغنشتاين): “إنه من الممكن كتابة عمل فلسفي يتكوّن بشكل كامل من النّكات“.

وإن يبدو لنا هذا الزعم مبالغا فيه للوهلة الأولى، فإن الكثير من الفلاسفة قد اقتربوا بصفات متفاوتة من جوهر هذه المقولة من خلال أساليب في التفكير والكتابة سعت إلى كسر الأصنام التي لا تعترف سوى بصرامة العمل الفكري بكونه يتطلب أعلى درجات الجدّية والالتزام تفاديا لأي انزلاقات من شأنها أن تقلل من أهمية أي منتوج منطقي عقلاني.

وبالعودة إلى تاريخ الفلسفة الغربية، نجد أن عددا من الفلاسفة قاموا بمحاولات جادة لنزع القداسة والتجهّم عن الفلسفة، لعل من أهم أولئك كان الألماني (فريدريك نيتشه) الذي أعمل مطرقته في هذا الاتجاه من خلال العديد من أعماله، و خاصة في كتابه (المعرفة المرحة) الذي ظهر سنة 1882 وفيه هاجم الأخلاق المسيحية والفلسفة الكانطية التي تحرّمنا علينا مبادئها كل أشكال الفرح والاستمتاع بالحياة. فالفيلسوف إذن من وجهة نظر (نيتشه) مطالب بالاقبال على الحياة بجوانبها وتقلباتها الدائمة حيث يقول:

الحياة هي عالم من المخاطر و الانتصارات، عالم تستطيع فيه الأحاسيس البطولية أن تمارس رقصتها ومرحها .. الحياة كمبدأ تتطلب أن نحيا بشجاعة، بل كذلك أن نحيا بمرح ونضحك بمرح.

في هذا الإطار يتنزل حديثنا عن مفكر آخر معاصر، و هو السلوفيني (سلافوي جيجيك)، فيلسوف ومنظر سياسي وناقد سينمائي وثقافي من مواليد سنة 1949م.

زاول (جيجيك) تعليمه في سلوفينيا وتحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لوبلانا، ثم درس التحليل النفسي في جامعة باريس الثامنة، و تأثر بمعلمه السلوفيني (بوجيدار ديبينياك) الذي قدم لسلوفينيا الفلسفة المثالية الألمانية وفكر مدرسة فرانكفورت، كما أخذ عنه تناوله المتفرد للإرث الماركسي والفرويدي والهيغلي من وجهة نظر لاكانية، نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي (جاك لاكان).

برز نجم (جيجيك) في العقد الأخير كأحد الأكاديميين السوبرستار مستفيدا من الشهرة التي اكتسبها بفضل أدوات التواصل الحديثة كتويتر ويوتيوب حيث نُشر عدد كبير من محاضراته، حواراته المصورة والأفلام الوثائقية التي تتناول حياته ومسيرته وأفكاره.

كل ذلك جعل (جيجيك) يكتسب شهرة محترمة ويلقى قبولا وإقبالا حتى في أوساط غير أكاديمية وبين الشرائح الشبابية، حيث يعود الفضل في ذلك إلى الطريقة الطريفة التي يقدم بها أفكاره، وحضوره الملفت للانتباه بالإضافة إلى روح الدعابة التي يتحلّى بها حتى عند حديثه في أكثر القضايا جدّية، فضلا عن أفكاره الراديكالية التي لا يتردد في التعبير والدفاع عنها بأكثر الأساليب عامّية أو حتى سوقيّة في بعض الأحيان.

بالإضافة إلى العدد الكبير من الكتب التي ألفها (جيجيك) في تفسير الهيغلية و الماركسية، و عن التنظير السينمائي والتحليل النفسي، فإننا نراه دائم الحضور على المنابر المتلفزة وعلى موقع يوتيوب للحديث في المواضيع الراهنة مثل هيمنة الرأسمالية مابعد الكولونيالية والنظام الاستهلاكي و مسألة  العنصريّة واللاجئين، حيث لا يتردد مثلا في تحميل المسؤولية للغرب في إيجاد الحلول الجذرية لتدفق اللاجئين، الذين هم في نظره السبب الأول في نزوحهم من خلال التراخي أو التقاعس وأحيانا التواطؤ في دعم عدم الاستقرار في البلدان التي يأتي هؤلاء منها. كما يندد (جيجيك) باستمرار بالوصاية المباشرة والضمنية للبلدان الغربية (الأوروـ أمريكية) على العالم الثالث والسعي الدائم إلى تحويل كل ما يحدث فيه ليخدم مصالحها.

في ما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يتخذ (جيجيك) كالعادة موقفا جدليّا، فإن كان هاجم بشدة الأفكار المعادية للسامية في العالم والعالم العربي وثقافته، خاصة في كتابه (مرحبا في صحراء الواقع) فإننا نراه يعود لينتقد وبشدّة السياسات الاستيطانية لدولة اسرائيل وإرهاب الدولة الذي تمارسه و تواطئها مع عقلية التطهير العرقي التي يسلكها المستوطنون والعصابات الصهيونية، و يطالب (جيجيك) بمنح الفلسطينيين حق تقرير مصيرهم.

كذلك كان (جيجيك) مساندا دائما للأصوات الحرة في العالم رغم ما جلبه له ذلك من نبذ وإقصاء كان متعوّدا عليه منذ بداية مسيرته حتى من قبل التيار الماركسي نفسه الذي يحسب عليه، فكان و لا يزال أحد أكبر المساندين لـ(جوليان أسانج) باعث موقع ويكيليكس، الذي تلاحقه الادارة الأمريكية و البريطانية منذ سنوات بسبب نشره  لفضائح اقترفتها حكوماتها خلال حربها في العراق وأفغانستان وغيرها من البقاع راح ضحيتها مدنيون وأبرياء.

وبالعودة للحديث عن الكاريزما والأسلوب المرح والممتع الذي يتمتع به، قال (جيجيك) في إحدى محاضراته أن طريقته تلك هي سلاح ذو حدّين، فبقدر ما ساهمت في قسط كبير من شهرته والتعريف به وبفكره في الأوساط الأكاديمية وغيرها، فإن الكثيرين من أعدائه يحاولون استثمار هذه الميزة للتقليل من أهمّيته كمفكر صاحب فلسفة ومواقف جادّة:

أعتقد أن ما يحصل معي الآن هو أن جعلي مشهورا هو بمثابة المقاومة في وجه أخذي على محمل الجد. أعتقد أن من واجبي في هذه الحالة أن أقوم بعمليّة قتل لنفسي ككوميديّ مشهور.

في أبريل الماضي استجاب (جيجيك) أخيرا للدعوات المكثفة التي حثته على خوض مناظرة فكرية مع فيلسوف شهير آخر وهو المحلل النفسي الكندي د. (جوردن بيترسن) الذي تباع كتبه بملايين النسخ في الولايات المتحدة خاصة، وقد وضع (جيجيك) منذ البداية شروطا صارمة لمشاركته، وهي الاحترام القسري للوقت المخصص لكل طرف، وتواجد منشط يدير الحوار، ثم فسح المجال أخيرا للجمهور لطرح الأسئلة.

ويبدو أن أسباب تلك الشروط كانت واضحة، ربما رغبة منه ألا يتحول لقاء فكري إلى ساحة للجدال الشخصي أو التناطح العبثي وسط تهليل الجماهير الغفيرة التي من البديهي ألا تكون في أغلبها من النخبة الأكاديمية الواعية تماما بمتطلبات المناظرات الفكرية. وهو الشيء الذي عبر عنه مساء مناظرة القرن، كما اعتبرها البعض، التي أقيمت في تورنتو الكندية، عندما هتف له “أنصاره” بعد المقدمة التي قرأها، فما كان منه إلا أن طلب منهم بلطف ألا “يفعلوا هذا” لأنه ليس في مصارعة مع (بيترسون).

بالنسبة للقارئ العربي تبقى الترجمة، بالاضافة إلى الشح في البرامج والسياسات التي تعرف بالفكر الغربي الجاد، هي إحدى أكبر العوائق أمام اطلاعه على أعمال مهمة في الفلسفة، كما في الأدب وغيره من المجالات، فبعد قرابة الثلاث عقود من ظهور (سلافوي جيجيك) كأحد المفكرين المشاهير في العالم، لازالت ترجمات كتبه إلى العربية لا تتجاوز الكتابين أو ثلاثة من أصل عشرات المؤلفات التي نشرها، لتبقى مصادر الباحث العربي مقتصرة على بعض المقالات المنشورة على الانترنت أو فيديوهات اليوتيوب التي وإن كانت مهمة، لكنها لا ترقى إلى ما يمكن للكتاب المطبوع أن يوفره من معرفة أصيلة و خالية من أي تسطيح أو تلاعب.

و نختم مع ما قاله عنه د. (جميل خضر) و هو أحد الباحثين العرب المهتمين بفكره:

يشار إلى (جيجيك) في الإعلام الجماهيري على أنه “(إلفيس بريسلي) النظرية الثقافية” و“نجم الروك الثقافي”. و لكن (جيجيك) فيلسوف و منظر سياسي أكثر جدية مما تدل عليه التسميات المستهينة … هو واحد من أهم الفلاسفة الأحياء اليوم وأفكاره أصيلة، رغم كونها جدلية، إلا أنها متبصّرة و ثورية، و على الرغم من أن (جيجيك) ربما لا يقدم إجابات مقنعة لكل مشكلات العالم، فأعماله بالتأكيد تقدم لنا الأدوات النقدية التي نحتاجها لتطوير تحليلنا عن العالم.

على بوابات الأمل تأملات رائعة عن اللوذ إلى آدمية البشر في الأوقات العصيبة

 

“كيف نكون بهذا التفاؤل وهذا الحذر لكي لا نتعثر، لكننا نتعثر، ثم ننهض ونقول: حسنًا؟” هذا هو السؤال الذي طرحته الفنانة الأمريكية (مايرا كالمنوهي تتأمل السعادة والوجود. ما الذي يدفعنا إلى النهوض بعد الخسارة، بعد انفطار القلب، بعد الفشل؟ ما هذا الحبل الثابت الذي يشدنا من أعماقنا، تلك الأعماق التي نعرفها بالكاد، حتى تأتي تلك اللحظة عندما يختفي ضوء السطح بالكامل ولا يمكننا الوصول إليه؟

هذا تحديدًا هو ما تتطرق إليه سيدة الدين (فيكتوريا سافورد) في مقالها الرائع بعنوان “العمل الأصغر في العمل الأعظم”، من كتاب (المستحيل يأخذ وقتًا أطول: المثابرة والأمل في الأوقات العصيبة) وهي مجموعة من التأملات المريحة للنفس بقلم عدد من الشخصيات اللامعة مثل الشاعر التشيلي (بابلو نيرودا)، والشاعرة الأمريكية (مايا أنجيلو)، والشاعرة الأمريكية (ديان أكيرمن)، والكاتبة الأمريكية (أليس والكر)، والصحافي الأمريكي (بيل مويرز)، والزعيم الجنوب أفريقي (نيلسون مانديلا)، وقام بتحريرها الناشط الاجتماعي (بول ليب)، وتحمل نفس عنوان كلمات الأغنية الشهيرة لمغنية الجاز الأمريكية من أصل أفريقي (بيلي هوليداي“الصعب سأقوم به الآن، أما المستحيل فسيأخذ وقتًا أطول.”

تتأمل (سافورد) الدافع لدى الرجال والنساء الذين شاركوا في أولى مسيرات الفخر للمثليين والمثليات والمتحولين جنسيًا منذ أربعة عقود مضت، ماذا كان هذا الدافع غير الشجاعة والخيال. وتعبر (سافورد) عن وجهة نظر رائعة تذكرنا بقصيدة الشاعر الأمريكي (تشارلز بوكوفسكي) عن الدافع الذي لا يمكن كبحة ويدفع العمل الإبداعي، فتنقل لنا ما يمكن أن يقوله هؤلاء المتظاهرين الحالمين:

بمجرد أن تلمح العالم في صورته المحتملة، وصورته التي يجب أن يكون عليها، وصورته التي سيكون عليها، مهما كانت تلك الرؤية بالنسبة لك، سيكون من المستحيل أن تعيش في ظل الإذعان والرضا عن النفس بعد اليوم في العالم في الصورة التي هو عليها الآن…فتخرج، وتسير، وتتظاهر، وهي الطريقة ذاتها التي تخرج بها الزهرة إلى الوجود وتزهر، وذلك لأن ليس لها مهنة أخرى، فلا عمل آخر لها سوى هذا.

[…]

إنني مهتمة بما يدعوه الشاعر الايرلندي (شيموس هيني) بنقطة التقاء الأمل والتاريخ، حيث تلتقي الأحداث الماضية مع تفسيرنا لها، فتلتقي الأحداث الماضية في منتصف الطريق مع الأشخاص الذين يمثلون، من بين ما نمثله من مجموعة هائلة من الأشياء، كائنات روحانية وكل ما يتضمن الإبداع والخيال والحكمة الجنونية والحكمة القديمة والتعاطف الانفعالي والشجاعة الإيثارية والتوقير الشديد للحياة، وحبنا بعضنا لبعض بالتأكيد، وذلك الحب الذي ينشأ منا لشيء أكبر من ذواتنا، سميه ما شئت. إنني مهتمة بالمكان والأماكن التي يلتقي فيها التاريخ بالأمل المنبعث من النفس البشرية والذي يمثل اشتياق الحياة لنفسها. إنني مهتمة بالأمل في هذه الحياة، فلا أمل آخر بالنسبة لي. مهتمة بتلك الموجة العارمة من العدالة التي يمكن أن تخرج لو أننا سمحنا لها بذلك.

وتقول متأملةً تلك “الكارثة المحددة بعينها” التي حدثت في الحادي عشر من سبتمبر وكيف “ساد صمت رهيب” بين من شهدوا تلك الكارثة. إذ ترى (سافورد) أن ذلك الاشتياق، وذلك الأمل الذي تعنيه يكون أكثر حدةً وتأثيرًا في مثل تلك اللحظات من الضجة الشيطانية، فتوضح ذلك باستخدام حكاية لاذعة:

لدي صديقة حرفتها الكلمات، إنها ليست قسيسة لكنها طبيبة نفسية تعمل في العيادة الصحية في إحدى كليات البنات المرموقة. حدث أن كنا نجلس ذات مرة بعد مرور فترة ليست بالطويلة على قيام إحدى الطالبات بالانتحار في مهجع الكلية، وكانت الطبيبة تعرف تلك الطالبة وكانت تقدم لها المشورة الطبية، وقد تأثرت صديقتي الطبيبة والمعالجة بتلك الخسارة تأثرًا شديدًا في تلك الأيام القلائل الأولى ليس على نحو غير مهني، ولكن بعمق، وبكل ما في كلمة عمق من معنى، تمامًا كما كنا سنفعل لو كانت تلك الطالبة في رعاية أحدنا.

وفي لحظةٍ ما نظرت إلى أعلى، والدموع تنهمر على وجهها، نظرة تحدي، ولا يمكن وصفها سوى بهذه الكلمة، وتحدثت بوضوح عن مهنتها كما لو كانت تُقسِم من جديد، أو تأخذ على نفسها عهدًا جديدًا من بين حطام ذلك اليوم، وأظن ذلك، لقد تحدثت بصراحة عن مهنتها ومهنتكم ومهنتي، فقالت: “تعرفين أني لا يمكنني إنقاذهم، فلست هنا لكي أنقذ أي إنسان أو أنقذ العالم، فكل ما يمكنني فعله، وهو ما يُطلب مني القيام به، هو أن أغرس قدمي عند بوابة الأمل، فأحيانًا يدخلون منها وأحيانًا يمرون أمامها. لكنني أقف هناك كل يوم وأنادي حتى آخر رمق مني، وأشير إليهم، وأحثهم على الدخول من أجل الحياة الجميلة والحب…

فهناك شيء ما لكل منا هنا، على ما أعتقد. فمهما كان نوع المهنة التي نقوم بها ،فإننا نقف انطلاقاً منها ونحن نشير، وننادي، ونغني، ونصرخ، وأقدامنا مغروسة عند بوابة الأمل. علينا أن نرفع من معنويات هذا العالم، وكذلك شعبنا الجميل والمحطم. وأن نكون شهودًا على إمكانية العيش بكرامة، وشجاعة، وسعادة تناسب البشر، وقد يكون ذلك هو معنى أن “نعيش مهمتنا“.

وهذه المهمة تختلف بطبيعة الحال بالنسبة لكلٍ منا، فلا يمكن أن نكون جميعنا أطباء نفسيين نبعد البائسين عن حافة الهواية، ولا يجب علينا ذلك.”ففي هذا العصر “عصر الأوقات العصيبة” كما يقول عنوان الكتاب، نجد أن وسائل الإعلان باتت تروّج للكثير من هذا الخوف، وأقل القليل من ذلك الأمل الذي نحتاج إليه بشدة. ما يذكرنا بتلك الفكرة الملحة التي لا يمكن أن ننساها، والتي أكدّ عليها الكاتب الأمريكي (إ. ب. وايت) ومفادها أن واجب الكاتب هو “رفع معنويات الناس وليس خذلانهم.”

وتقوم (سافورد) تلك الكاتبة النادرة بتلك المهمة الصعبة برفع معنويات الناس على نحوٍ لا يوصف من الجمال والروعة، وتتأمل ما يجب علينا القيام به، وما ندين به لأنفسنا ولبعضها بعضًا، من أجل ترسيخ أقدامنا بلطف ودون تردد في المهمة التي نقوم بها فتكتب:

إننا نقف في المكان الذي سنقف فيه، نقف فوق قطع صغيرة من الأرض حيث “يُطلب” منا الوقوف على الأرجح، وإن كان الله وحده يعلم ما معنى ذلك، بين المصلين، وفي الفصول، والمكاتب، والمصانع، وحقول الخس والمشمش، وفي المستشفيات، وفي السجون، وعلى جانبي البوابة في مختلف الأوقات، وفي الشوارع، وفي الجماعات المجتمعية، وهي أرض مقدسة إن شرفناها، إذا باركناها ببركة التضحية والمخاطرة…

إن مهمتنا هي أن نغرس أقدامنا عند بوابات الأمل، وليس بوابات التفاؤل الحذر الأضيق إلى حدٍ ما، ولا بوابات المنطق السليم القوية والمملة، ولا بوابات تزكية النفس الصارمة، وذلك الصرير العالي الصادر من مفصلاتها الحادة والغاضبة، لا يمكن أن يسمعنا الناس هناك، ولا يمكنهم العبور، ولا بوابات البساتين المبهجة الرقيقة التي لسان حالها “كل شيء سيكون على ما يرام“، وإنما في مكان مختلف، ومنعزل في بعض الأحيان، إنه المكان حيث تُقال الحقيقة، عن روح كل منا أولاً  وحالها، إنه مكان المقاومة والتحدي، إنها تلك القطعة من الأرض التي ترى منها العالم كما هو، وكما يمكن أن يكون، وكما سيكون، إنه المكان الذي تلمح منه ليس فقط الصراع، ولكن البهجة في ذلك الصراع، ونحن نقف هناك نشير وننادي ونخبر الناس بما نراه ونطلب منهم أن يخبرونا بما يرونه.


[المصدر]