أرشيف الوسم: آلان باديو

في فلسفة الحب، آلان باديو يكتب

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه (في مدح الحب)، والذي كان عبارة عن تفريغ نصي لأحد مقابلاته والتي دارت حول موضوع الحب، ليطرح (باديو) بذلك نظرته الفريدة حول الموضوع الذي يتكلم عنه الأغلبية بسطحية تامة. يستفتح كلماته عن الحب، فيقول:

أعتقد بأننا يجب أن نقترب من الحب من نقطتين تتوافقان مع خبرة الجميع. النقطة الأولى: يتسم الحب بالانفصال أو الانفصام، لعله الاختلاف البسيط بين الفردَين وتركيباتهما الشخصية اللانهائية. هذا الانفصام، في معظم الحالات، هو الاختلاف النوعي. ومع ذلك، عندما لا تكون هذه هي الحالة، يشترط الحب أن من يتقابلان شخصان مختلفان ؛ حظتان تأويليتان مختلفتان. بكلمات أخرى، يحتوي الحب على عنصر مبدئي هو الانفصام أو الانفصال، أو الاختلاف. لديك اثنان. فالحب، في البداية، اثنان.
النقطة الثانية: بما أنه ينطوي على انفصال تحديدًا، ففي اللحظة التي يظهر فيها الاثنان على المسرح هكذا، ويختبران العالم بطريقة جديدة، لن يتخذ إلا شكلًا خطرًا أو اتفاقيًا. هذا ما نسميه “اللقاء”. يبدأ الحب لبقاء. وسوف أعطي هذا اللقاء حالة شبه ميتافيزيقية للحدث؛ أي، شيء ما لا يندرج ضمن القانون الحالي للأشياء. لدينا أمثلة لا نهائية في الفن أو الأدب تصف نقطة البداية هذه للحب. ويركّز العديد من القصص والروايات على حالات يكون فيها الاثنان مميزان عن بعضهما البعض على الخصوص؛ حين لا ينتمي الحبيبان إلى الطبقة ذاتها أو الجماعة أو العشيرة أو البلد.
 يؤكد على هذه النقطتين في موضع آخر، فيقول:
إن الحب ليس ببساطة عن لقاء شخصين وعلاقتهما الداخلية: إنه بناء، حياة تُصنع، لم تعد من منظور واحد منذ تلك الأشياء، بل من منظور اثنين. وهذا ما سمّيته “مشهدًا من اثنين”. شخصيًا، كنت دائمًا مهتمًا بقضيّتي الاستمرارية والسيرورة، وليس قضايا البدايات.
 ثم يتحدث بعد ذلك عن البدايات ونشوتها:
من ناحية أخرى، لا يمكن اختصار الحب في اللقاء الأول لأن الحب عملية بناء. إن اللغز في التفكير حول الحب هو قضية المدة الزمنية الضرورية التي يحتاجها ليزدهر. في الحقيقة، إن النقطة الأهم، أساسًا، ليس قضية نشوة البدايات. بالطبع توجد نشوة في البداية، لكن الحب فوق كل شيء بناء يبقى. نستطيع أن نقول إن الحب مغامرة متماسكة. الجانب المغامر منه ضروري، لكن لا يقل عنه ضرورة الحاجة إلى التماسك. إن التخلي عنه مع أول حاجز، مع أول اختلاف جاد، مع أول شجار، يعني تشويه الحب. الحب الحقيقي هو الحب الذي ينتصر باستمرار، أحيانًا بألم، فوق العوائق التي تقف حاجزًا عبر الزمن والمكان والعالم.
 يقول بأن ما يعنيه هو استمرارية الحب، وليس فقط البدايات، فلطالما كانت استمرارية الحب سؤالًا محيرًا:
ما يشغلني هو قضية الاستمرارية في الحب. وبدقة: يجب ألا يفهم أي شخص من كلمة “استمرارية” أن الحب يدوم، أو أنهما سوف يتحابان دائمًا أو إلى الأبد. لابد أن نفهم أن الحب يبتكر طريقة جديدة للاستمرار في الحياة. يواجه وجود كل شخص، حين يتعرض لخبرة الحب، مفهومًا جديدًا للزمن. وطبعًا لو أننا رددنا صوت الشاعر، فالحب هو أيضًا “الرغبة الدائمة في الدوام”. لكن فوق هذا، هو رغبة في دوام مجهول. ذلك أن الحب -كما نعرف جميعًا- هو إعادة ابتكار الحياة. إن ابتكار الحب من جديد يعني إعادة ابتكار ذلك الابتكار الجديد للحياة.
 ثم يتحدث بعد ذلك عن الحب بوصفه إجراءً للحقيقة، ويعتقد (باديو) بأن الناس تحب الحب، لأنها تحب الحقيقة. يقول:
أعتقد بأن الحب هو فعليًا ما أسميه في قاموسي الفلسفي “إجراء الحقيقة”، بمعنى، الخبرة التي من خلالها يشيّد نوعٌ معين من الحقيقة. هذه الحقيقة هي ببساطة شديدة حقيقة الاثنين. حقيقة الاختلاف كما هي. وأعتقد بأن الحب -الذي أسميه “مشهدًا من اثنين“- هو هذه الخبرة. بهذا المعنى، الحب الذي يقبل التحدي ويقبل الاستمرارية، ويقبل خبرة العالم هذه تمامًا، فإنه من وجهة نظر الاختلاف يُنتج، على هذا النحو، حقيقة جديدة حول الاختلاف. لهذا، فإن الحب الحقيقي محط اهتمام الإنسانية كلها دائمًا، بغض النظر عن تواضعه الظاهري، وعن تواريه. نعرف كيف ينجرف الناس بقصص الحب! لابد أن يسأل الفيلسوف لماذا يحدث هذا؟ لماذا هناك العديد من الأفلام الروايات والأغاني التي تكرّس تكريسًا كاملًا قصصها للحب؟ لابد أن هناك شيئًا ما كليًا في الحب لكي تثير قصصه اهتمام هذا الجمهور الغفير. إن الكلّي هو أن الحب يقّدم خبرة جديدة للحقيقة حول كيف تكون اثنين وليس واحدًا. فأيًا كان الحب فهو يعطينا دليلًا جديدًا على أننا نستطيع أن نقابل العالم ونختبره بوعي آخر غير الوعي المنعزل. ولهذا نحب الحب؛ كما يقول (سان أوغسطين) نُحب أن نُحب، لكننا نحب أيضًا أن يُحبّنا الآخر. وذلك لأننا نحب الحقائق ببساطة. هذا ما يعطي الفلسفة معناها: الناس يحبون الحقيقة حتى عندما لا يدركون هذا.
 وأخيرًا، يتحدث (باديو) عن إلان الحب، وعن قيمته ومعناه، ويقرر تمحيص الكلمة ومعانيها أكثر. يقول:
إن إعلان الحب هو الانتقال من الصدفة إلى القدر، ولهذا فهو محفوف بالخطر ومشحون بنوع من رهبة خشبة المسرح المرعب. علاوة على ذلك، لا يحدث إعلان الحب بالضرورة مرة واحدة، بل قد يمتد وينتشر ويرتبك ويصبح معقدًا ويُعلن مرة ومرة أخرى، ويكون قدره أن يُعلن، مع ذلك، مرة أخرى. هذه هي اللحظة التي ترسخ فيها الصدفة. فحين تقول لنفسك: لابد أن أعلن للشخص الآخر عمّ يحدث، عن هذا اللقاء والأحداث التي وقعت خلال اللقاء. وأنني سوف أخبر الآخر أن التزام ما حدث بداخلي على الأقل من جهتي. في كلمة واحدة: أحبك. لو “أحبك” ليست خدعة لممارسة الجنس مع شخص ما، والتي يمكن أن تكون الحالة. لو أنها ليست خدعة، فما هي؟ ما الذي يقال حينئذ، معها؟ ليس من السهل على الإطلاق أن تقول “أحبك”. اعتدنا على أن نعتبر هذه الكلمة الصغيرة مبتذلة وتافهة. علاوة على ذلك، نفضّل في بعض الأحيان لكي نقول “أحبك” استخدام كلمات أخرى أكثر شعرية وأقل شيوعًا. لكن ما نقوله دائمًا: سوف أستخلص شيئًا ما آخر مما كان محض صدفة. سوف أستخلص استمرارية وعناد، وارتباط، وولاء. وهنا أستخدم كلمة “ولاء” ضمن قاموسي الفلسفي الخاص، مجرّدة من معناها المعتاد. إنها تعني بدقة ذلك الانتقال من اللقاء الاتفاقي إلى بناء، بقدر ما هو صلب، هو ضروري على السواء.

آلان باديو يتحدث عن علاقة المسرح والفن بالحب

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه (في مدح الحب)، والذي كان عبارة عن تفريغ نصي لأحد مقابلاته والتي دارت حول موضوع الحب، ليطرح (باديو) بذلك نظرته الفريدة حول الموضوع الذي يتكلم عنه الأغلبية بسطحية تامة. وككاتب مسرحي، شارك في شبابه بالتمثيل في عدد من المسرحيات، يقول عن الفن، مستفتحًا حديثه الشيق:

يتمتّع الفن بنقطة قوية جدًا وهي تحقيق العدالة للحدث. هذا يمكن أن يصبح حتى تعريفًا من ضمن التعريفات المحتملة للفن: الفن هو ما يقوم بتحقيق العدالة تحقيقًا كاملًا للحدث، على المستوى الفكري. في السياسة، يقوم التاريخ بترتيب الأحداث بعد وقوعها. لكن الفن متفردًا في استعادة أو محاولة استعادة، كامل قوتها الكثيفة. وحده الفن يستعيد بُعد المعاني للقاء، للثورة، للتمرد. إن الفن في كل أشكاله هو تأمل عظيم للحدث كما هو.
 ثم يتحدث عن سبب حبه للمسرح، وعن تشابه التمثيل على المسرح مع دخول الإنسان في علاقة حب يقول:
حبي للمسرح معقد جدًا ويعود إلى زمن طويل. لعله أكثر قوة من حبي للفلسفة. بأتي حبي للفلسفة لاحقًا، ببطء وبصعوبة أعظم. أعتقد أن ما بَهَرني في المسرح، حين كنت شابًا ومثّلت، ذلك الشعور الذي انتابني فورًا بأن جزءًا ما من اللغة والشعر مرتبطان بالجسد على نحو لا يمكن التعبير عنه تقريبًا. وربما كان المسرح في الأساس بالنسبة لي، استعارة لما قد يكون الحب في ما بعد، لأنه كان اللحظة التي تلاشت فيها الحدود بين الفكر والجسد على نحو ما. فهما مكشوفان لبعضهما بطريقة لا يمكن أن تقول معها: “هذا جسد” أو “هذه فكرة”. الاثنان ممتزجان، تحاصر اللغة الجسد، بالضبط مثلما تقول لشخص ما: “أحبك”، إنك تقول ذلك لشخص ما على قيد الحياة، يقف أمامك، لكنك تخاطب كذلك شيئًا ما لا يمكن اختصاره إلى هذا الحضور المادي البسيط، شيئًا ما يتجاوزه ويتضمّنه كلية، في الوقت ذاته. هذا هو المسرح، في أصوله؛ إنه الفكرة في الجسد، إنه الفكرة في الجسد. يمكن أن أكرر كلمة فكرة مرة أخرى بمعنى آخر. لأن المسرح، كما نعرف، يعني التكرار. يقول المخرج: “فلنكرر المشهد مرة أخرى”. لا تندمج الفكرة بسهولة في الجسد. إنها مسألة معقدة: علاقة الفكرة بالمكان مع الإيماءات التمثيلية. لابد أن تكون عفوية ومدروسة في الوقت ذاته. هذا ما يحدث في الحب أيضًا. الرغبة قوة آنية، لكن الحب يتطلب فوق ذلك الاستئناف والرعاية. يعرف الحب نظام التكرار. “قل مرة ثانية إنك تحبني”، وفي أحيان كثيرة: “قلها بشكل أفضل من هذا”. وتبدأ دائمًا الرغبة مرة أخرى. يمكن أن نسمع، أثناء الملاطفات، كما لو أن الحب يسكنها “أكثر .. أكثر”؛ نقطة حيث يعزز الحاجة إلى الحركة إصرار الكلمة، والإعلان الجديد دائمًا. نحن نعرف تمامًا أن قضية أداء الحب في المسرح حاسمة، وتدور كلها تحديدًا حول مسألة الإعلان. ولأنه يوجد، كذلك، مسرح الحب هذا وأداء الحب والصدفة، القويان جدًا، على الأقل بالنسبة لي، أحمل هذا الحب للمسرح.
هل يؤيد (باديو) مقولة (فيتز): “هذا ما أردت أن أقدمه مسرحيًا دائمًا: أن أعرض القوة العنيفة للأفكار، كيف تلوي الأجساد وتعذبها”. يقول (باديو):
بالتأكيد. أنت تعرف، (بيسوا)، الشاعر البرتغالي، يقول في مكان ما: “الحب فكرة”.هذه جملة تنطوي على المفارقة، ظاهريًا، لأن الجميع يقول دائمًا إن الحب هو الجسد، هو الرغبة، هو المشاعر، إنه أي شيء آخر سوى أن يكون الحب العقل والفكرة. وهو يقول “الحب فكرة”. أعتقد بأنه محق. أعتقد بأن الحب فكرة وأن العلاقة بين تلك الفكرة والجسد علاقة فريدة تمامًا ويعلّمها دائمًا كما يقول (أنطوان فيتز) العنف الجامح. نختبر هذا العنف في الحياة. وحقيقي جدًا أن الحب يمكن أن يلوي أجسادنا ويثير أقسى أنواع العذابات. إن الحب كما يمكن أن نلاحظ، ليس نهرًا طويلًا هادئًا. لا نستطيع أن ننسى تمامًا العدد المرعب من قصص الحب التي أدت إلى الانتحار أو القتل. إن الحب في المسرح ليس فقط، ولا حتى أساسًا، فارسًا جنسيًا أو قصة رومانسية بريئة. إنه تراجيديا، ورفض وغضب كذلك. إن العلاقة بين المسرح والحب هي كذلك علاقة اكتشاف للمتاهة التي تفصل الأفراد ووصف لهشاشة الجسر الذي يرميه الحب بين كيانين منعزلين.
 يتحدث بعد ذلك عن علاقة المسرح والحب، فيتساءل بداية:
لابد أن نسأل كذلك، وهذا يتصل بسؤالك السابق، ما الذي كان سيقدمه المسرح لو أن الحب غير موجود؟
يجيب قائلًا:
كان يمكن أن يتحدث، وقد فعل، مطوّلًا عن السياسة. إذًا، نستطيع أن نقول أن المسرح هو السياسة والحب وتقاطعاتهما عمومًا. إن تقاطع السياسة والحب تعريف محتمل للتراجيديا. لكن حب المسرح هو، بالضرورة، حب الحب كذلك، لأنه من دون قصص الحب، ومن دون الصراع من أجل تحرير الحب من قيود العائلة، لن يضيف للمسرح الكثير من الحب. إن الكوميديا الكلاسيكية مثل مسرحيات (موليير) تقول لنا أساسًا كيف أن الشباب الذين تلاقوا صدفة يجب أن يقللوا من قيمة الزواج الذي رتّبه لهم آباؤهم. أما الصراع الأكثر شيوعًا، والأكثر توظيفًا على خشبة المسرح هو صراع حب الصدفة في مواجهة القانون العنيد. أما الأكثر براعة فهو صراع الشباب الذي يدعمه البروليتيا (العبيد والخدم)، في مواجهة القديم/العجوز الذي تدعمه الكنيسة والدولة.

آلان باديو، بين الفلسفة والواقع

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه المشترك مع (سلافوي جيجك)، والذي حمل اسم (الفلسفة في الحاضر)، والذي كان عبارة عن محاضرة ألقاها في فيينا 2004، تحدث عن الفلسفة ومعانيها.

تساءل بداية، ملخصًا الأسئلة التي تدور حولها محاضرته: إلى أي حدٍّ تتدخل الفلسفة في الحاضر، في المسائل التاريخية والسياسية؟ وفي نهاية الأمر، ما هي طبيعة هذا التدخل؟ لمَ يجب استدعاء الفيلسوف للتدخل في مسائل تخصّ الحاضر؟

يقول بعد ذلك مبتدئًا حديثه عن فكرة الفيلسوف:

ثمة فكرة ابتدائية زائفة تحتاج الإلغاء، وهي أن بمقدرة الفيلسوف التحدث في كل شيء. تتمثل هذه الفكرة بفيلسوف التلفزيون؛ فهو يتحدث عن مشاكل المجتمع، ومشاكل الحاضر، وما إلى ذلك. لم هذه الفكرة زائفة؟ لأن الفيلسوف يُنشئ مشكلاته، هو مبتكر مشاكل، ولذلك فإنه ليس الشخص الذي يمكن أن يُسأل في التلفزيون، ليلةً إثر أخرى، عن رأيه بما يجري. والفيلسوف الأصيل هو من يحدد بنفسه المشكلات الهامة، هو شخصٌ يطرح مشكلات جديدة أمام الجميع. فالفلسفة تعني أولًا وقبل كل شيء: ابتكار مشكلاتٍ جديدة. ويلي ذلك تدخل الفيلسوف في لحظةٍ ما في الوضع – سواء كان تاريخيًا، أو سياسيًا، أو فنيًا، أو عشقيًا، أو علميًا .. – ثمة أشياء تتبدى له بشكل إشارات، إشاراتٌ تحتم ابتكار مشكلة جديدة.

عند هذه النقطة يتساءل مرة أخرى: “ضمن أية شروط يجد الفيلسوف، في هذا الوضع، الإشارات لمشكلة جديدة، لفكرٍ جديد؟” ثم يتساءل مرة أخرى عن فكرة (الوضع الفلسفي)، فبين كل الأحداث بالعالم، فبعض الأمور قد يُطلق عليها هذا المسمى، وبعضها لا، فيسأل ثانية: “أي وضع هو ذاك الذي يكون، فعليًا، وضعًا فلسفيًا؟“.

يتشكل الوضع الفلسفي في اللحظة التي يتم فيها تفسير الخيار. خيار الوجود أو خيار الفكر.

ثم يتطرق بعد ذلك إلى واجبات الفلسفة فيما يخص الأوضاع، فيقول:

بإمكاننا الآن تلخيص واجبات الفلسفة بما يخص الأوضاع.

أولًا، أن تلقي ضوءًا على الخيارات الجوهرية للفكر. وفي المرحلة الأخيرة، مثل هذه الخيارات تكون دومًا بين ما هو متأثر وما هو غير متأثر.

ثانيًا، أن تلقي ضوءًا على المسافة بين التفكير والسُلطة، بين حقائق الفكر والدولة. أن تدرس هذه المسافة. أن تعلم إذا ما كانت قابلة للعبور أم لا.

ثالثًا، أن تلقي ضوءًا على قيمة الاستثناء. قيمة الحدث. قيمة الانقطاع. وأن تفعل هذا بمواجهة استمرارية الحياة، وبمواجهة التحفظ الاجتماعي.

هذه هي الواجبات العظيمة الثلاثة للفلسفة؛ التعامل مع الاختيار، والتعامل مع المسافة، والتعامل مع الاستثناء. على الأقل إذا ما كانت الفلسفة ذات معنى للحياة، يجب أن تكون أكثر من مجرد فرع معرفي أكاديمي.

يقول بعد ذلك:

تخبرنا أعمق المفاهيم الفلسفية شيئًا كالآتي: “لو إردت لحياتك أن يكون لها معنى، عليك تقبل الحدث، عليك البقاء على مسافة من السلطة، وعليك أن تكون حازمًا في قرارك

ويتطرق بعد ذلك إلى دور الفلسفة وعلاقتها بالأحداث والوقائع، فيقول:

إذًا، يمكننا القول بأن الفلسفة، التي هي الفكر، لا تترافق مع الموجود، بل مع ما هو ليس موجود، مهتمة بالعلاقات التي ليست علاقات.

قال (أفلاطون) مرةً إن الفلسفة إيقاظ. وكان يعلم يقينًا بأن الإيقاظ يتضمن انقطاعًا صعبًا مع النوم. بالنسبة لـ(أفلاطون) الآن، وفي أي وقت، الفلسفة هي الفهم من خلال الفكر عما سينقطع مع نوم الفكر. إذًا يحق لنا التفكير بأن الفلسفة يمكن أن تحدث في كل مرة توجد فيها علاقة قائمة على المفارقة، أي، علاقة هي ليست علاقة، وضعٌ يتضمن تمزقًا ما.

أنا أصر على هذه النقطة، ليس بسبب وجود “شيء” توجد الفلسفة. فالفلسفة ليست انعكاسًا لأي شيء مطلقًا. هناك فلسفة، ويمكن أن تكون هناك فلسفة، لأن ثمة علاقات مبنية على المفارقة، لأن ثمة انقطاعات، قرارات، مسافات، وأحداث.

ويختتم محاضرته بالحديث عن حالة الغربة التي تصاحب الفيلسوف، أو حالة الأجنَبَة، كما اختار تسميتها:

أعتقد بأن من المهم أن نفهم الآتي: يقوم الالتزام الفلسفي الأصيل، في أوضاع ما، بخلق أَجْنَبَة. في الحالة العامة، هي تكون أجنبية. وحين تكون عمومية ببساطة، حينما لا تمتلك تلك الأجنبة، حينما لا تكون مغمورة بهذه المفارقة، ستكون حينئذ التزامًا سياسيًا، التزامًا أيدلوجيًا، التزام مواطن، ولكنه ليس التزامًا فلسفيًا بالضرورة. فالالتزام الفلسفي يتحدد بأجنبته الداخلية.

فالفيلسوف غريبٌ دومًا، يرتدي أفكاره الجديدة. وهذا يعني بأن يطرح أفكارًا جديدة ومشاكل جديدة. وهو يكتسب المزيد من الحراب، في طرق الصمت. هذا يعني بأنه قادرٌ على جذب عدد كبير من الناس إلى هذه المشكلات الجديدة، لأنه أقنعهم بأن هذه المشكلات كونية. والأمر المهم هو أن أولئك الذين يخاطبون الفيلسوف مقتنعون، بداية، من خلال صمت الاقتناع وليس عبر بلاغة الخطاب.