أرشيف الوسم: آينشتاين

معنى لوحة “إصرار الذاكرة” لـ(سلفادور دالي)

سيلفادور داليسلفادور فيليبي خاثينتو دالي إي دومينيتش (1904-1989)، رسام إسباني. يُعتبر (دالي) من أهم فناني القرن العشرين، وهو أحد أعلام المدرسة السريالية. يتميز (دالي) بأعماله الفنية التي تصدم المُشاهد بموضوعها وتشكيلاتها وغرابتها، وكذلك بشخصيته وتعليقاته وكتاباته غير المألوفة والتي تصل حد اللامعقول والاضطراب النفسي. وفي حياة (دالي) وفنه يختلط الجنون بالعبقرية، لكن (دالي) يبقى مختلفاً واستثنائياً. في فوضاه، في إبداعه، في جنون عظمته، وفي نرجسيته الشديدة.

الرسام السريالي (سالفادور دالي) هو واحدًا من أكثر الفنانين غموضًا في القرن العشرين والذي تميز بمواضيعه الغربية والغير مألوفة. أكثر أعماله الفنية شهرة هي لوحة  “إصرار الذاكرة” [1931]  والتي تعتبر تحفة سريالية وتسمى في أغلب الأحيان بلوحة “الساعات“. لكن ما هو المعنى خلف لوحة “إصرار الذاكرة” لـ(سلفادور دالي)؟ وما الذي تشير إليه كل هذه الساعات الذائبة؟

salvador-dali-persistence-of-memory-clocks-meaning


(سلفادور دالي) والسرياليين

لا يمكن فهم المعنى خلف تحفة (سلفادور دالي) الفنية “إصرار الذاكرة” [1931] بسهولة. في اللوحة أربع ساعات ظاهرة بوضوح وفي الخلفية يظهر صحراء خالية. بينما تبدو هذه التفاصيل غريبة بما فيه الكفاية، إلا أن الأكثر غرابة يكمن في شكل الساعات؛ فهي غير مسطحة كما هو متوقع، بل مثنية وفي حالة مائعة تبدو وكأنها في مرحلة الذوبان. في النهج السريالي الكلاسيكي يطرح هذا التضاد الغريب والغير متوقع الكثير من الأسألة أمامنا. في البداية، لماذا تذوب كل هذه الساعات؟ ولماذا توجد الساعات في الصحراء؟ وأين هم جميع البشر؟

بينما يبدو موضوع ومحتوى لوحة الساعات لـ(سلفادور دالي) غير منطقي وغير عقلاني، إلا أن المرء قد يدهشه الطبيعة التمثيلية والأقرب للفوتوغرافية للوحة والتي تتناسب تمامًا مع تفسير (دالي) الشخصي لفنه كـ“صور مرسومة يدويًا للأحلام”. يعتبر مفهوم “الحلم” أساسي لفهم السريالية كما أنه يلعب دور رئيسي في معنى لوحة “إصرار الذاكرة”.


الفن السريالي وقيمة الأحلام

إيجاد أفضل تمثيل مرئي لوصف حالة الإنسان وهو يحلم هي إحدى أهم أهداف السرياليين. في البداية، قد تبدو السريالية غير عقلانية قليلًا  ولكننا جميعًا رأينا رؤى بها اندماجًا غير مفسر كلية لأناس وأماكن وأشياء غير متصلة ببعضها البعض. أول جزء لإيجاد معنى للوحة “إصرار الذاكرة” هي فهم  أنها قد تصور حالة حلم.


المعنى المتعلق بالأحلام

إذا كانت لوحة “إصرار الذاكرة” تصور حالة حلم، فالساعات الذائبة والمائلة ترمز إلى مرور الوقت الغير منتظم الذي نشعر به أثناء الحلم. هل حدث واستيقظت متوقعًا أن الوقت هو منتصف الليل وتفاجأت أن الصباح قد أشرق بالفعل؟ بينما نحن غالبًا ما نكون جيدين بتتبع مرور الوقت أثناء سعينا اليومي، إلا أن تتبع الوقت أثناء نومنا لهو قصة أخرى .. ايضًا الساعات المائلة تشير إلى أن الوقت لا يوجد له أي تأثير في عالم الأحلام ولذا فهي تذوب.

يصور (دالي) في لوحة “إصرار الذاكرة” كيف أن مفهوم الوقت الإعتيادي يصبح اعتباطيًا وغير منطقيًا، وبلا فائدة بداخل حالة الحلم. أثناء حياتنا اليومية، نكون دائمًا في حالة من الانشغال والاستعجال، محاولة منا لإنهاء جميع مشاغلنا في الوقت المحدد. يختلف الكثير من الباحثين المتخصصين بالفنون حول إذا كانت هذه الساعات هي ساعات حائط أو في حقيقة الأمر ساعات جيب، والتي كانت من أكثر الإكسسوارات انتشارًا في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي حيث كان يعمل السرياليون وقتها. سخّر السرياليون من معظم ما كان مجتمع الطبقة الوسطى يأخذه على محمل الجد، ويشمل ذلك الأهمية التي نضعها في الأشياء مثل ساعات الجيب التي تحدد مرور الوقت.


المعنى المتعلق بـ(إينشتاين) والنسبية

يعتقد بعض الباحثون المتخصصون بالفن أن ساعات (دالي) الذائبة يمكن لها أن ترمز إلى النظرية النسبية المبتكرة لـ(ألبرت إينشتاين)، والتي كانت تعتبر نظرية جديدة وثورية في ثلاثينات القرن الماضي. من خلال النظرية النسبية، عرض (إينشتاين) مفهوم جديد للزمن كشيئ نسبي ومعقد وليس كشيئ ثابت يسهل تتبعه بأجهزة بدائية مثل ساعة الجيب. في اللوحة، يعرض (دالي) الساعات وهي تتلاشى وبالتالي تفقد تأثيرها وتوازنها في العالم  من حولهم. من خلال الساعات الذائبة،  قد يشير (سلفادور دالي) إلى أن في عالم ما بعد (إينشتاين) أصبحت الآلآت البسيطة مثل ساعات الجيب تعتبر بدائية وبالية وبلا فائدة.


المعنى المتعلق بالسخرية

تعتبر الأحلام عنصر مهم في السريالية، إلا أن النكات والفكاهة والسخرية والتلاعب بالألفاظ يعتبر أيضًا أساسي في الفن السريالي. يستخدم (سلفادور دالي) السخرية في عنوان لوحة الساعات، “إصرار الذاكرة” ليضيف معنى أكثر غموضًا للوحة. فكما ناقشنا سابقًا، الساعات تفقد تأثيرها في عالم الأحلام وفي لوحة (دالي) فهي حرفيًا تتلاشى،  وبالتالي فهي قد تبدو أي شيئ إلا “مُصرَة“.  على نفس النمط،يرمز أكل النمل لسطح الساعة الحمراء أيضًا  إلى التلفان وبالتالي إلى الطبيعة الزائلة لطريقتنا الإعتباطية لتتبع مرور الوقت.


المعنى المتعلق بسيرة (دالي) الذاتية

في اللوحة تذوب الساعات في أرض يابسة وقاحِلة ومقفرة. لاحظ بعض الباحثون المتخصصون بالفن التشابه بين هذه الأرض والأرض التي كان يملكها (سلفادور دالي) أمام منزله بمسقط رأسه في  قرية بورت ليجات. يمكن أن يشير المعنى المحتمل المتعلق بسيرة (دالي) الذاتية، إلى ذكرى (دالي) الشخصية عن محيط طفولته … في اللوحة يوجد ساعة واحدة معلقة على إحدى فروع الشجرة مثل ملابس مغسولة تركت على حبل الغسيل لتجف، والفرع غير مزهر أو مغطى بأوراق الأشجار أو الخضرة، ولكنه مرهق وجاف. رسم (دالي) لوحة “إصرار الذاكرة” وهو في السابعة والعشرين من عمره، فالساعات إذًا يمكن لها أن تشير إلى مراهقته والتي أصبحت تتلاشى بسبب أنه لم يعد يتذكرها بدقة لمرور الكثير من الوقت.


إذًا ما هو المعنى الحقيقي للوحة؟

تعتبر لوحة إصرار الذاكرة مع ساعاتها الأيقونية الذائبة، والتي هي أكثر لوحات (دالي) شهرة، أيقونة للسريالية وواحدة من أكثر القطع الفنية شهرة في القرن العشرين. بينما لا يمكننا أن نعرف بطريقة مؤكدة المعنى و التأويل أو التحليل الحقيقي الذي قصده (دالي) في لوحته، إلا أنه من المرجح أن (دالي) نفسه قد أدرك وطور من درجات اختلاف المعنى التاريخي والفني والإجتماعي والذاتي الذي يرمز له لوحته. فالمعنى الحقيقي للوحة “إصرار الذاكرة” هو على الأرجح مجموع كل هذه المعاني.


[المصدر]

رومان رولاند، وإعلان استقلال العقل

رومان رولاند

في العام ١٩١٩ كتب الروائي الفرنسي الحائز على جائزة نوبل للآداب (رومان رولاند) بعد الحرب العالمية الأولى وقبل توقيع اتفاقية فرساي إعلان معنون بـ: إعلان إستقلال العقل، دعا رولاند فيه لإجلال نور العقل والتمسك به في العتم، ودعا المثقفين إلى عدم استخدام العقل كآداة للبرباغاندا وزرع بذور الكراهية، ونادى لاستخدام معرفتهم وفنونهم لخدمة سمو الشعوب فوق الإختلافات العرقية والطبقية والسياسة والإجتماعية، شعوب تُشكل شعب واحد كوني بروح واحدة. لقد نقد رولاند المساومات على العقل وحث على العمل على تحريره من عبودية قوى الطغيان التي اختطفته.

وقع على الإعلان نخبة من أعظم العلماء والفلاسفة والفنانين في ذلك الوقت مثل (آلبرت آينشتاين)، (برتراند راسل)، (رابندرانات طاغور)، (جاين آدامز) و(هيرمان هيسه). ونُشر لأول مرة في جريدة البشرية الناطقه بالفرنسية، وننقله هنا لكم بترجمة حصرية.

على الرغم من أن هذا الإعلان كتب احتجاجا على تجريد الفكر من مهمته الساميه (وهي العمل لخير الشعوب ووحدتها) وتهديمه من قبل حامليه أنفسهم خلال الحرب العالمية الأولى، إلا أننا اليوم بحاجة لإعادة قراءة هذه الصرخة العابرة للزمان وللحدود في وقتنا هذا ومنطقتنا هذه التي يبدو أن الفكر فيها تم تنحيته من قبل “القوة البدائية للتيارات الجمعية الطاغية.” نحن اليوم بحاجة لإنتشال العقل من زمننا المضرج بالغرائز والتكبر.

إعلان إستقلال العقل

أيها العمال من أجل العقل، أيها الرفاق المنتشرون في العالم، يا من فرقتهم الجيوش والرقابة والكراهية لخمسة أعوام، نناشدكم في هذه الساعة التي تنهار فيها الحواجز وتفتح فيها الحدود، من أجل استعادة وحدتنا الأخوية، وبأن تكون هذه الوحدة أكثر متانة ويعتمد عليها ومختلفه عن الوحدة التي وجدت بيننا سابقا.

لقد قامت الحرب ببلبلة صفوفنا وأخذها نحو التخبط. معظم النخب من المثقفين وضعوا علومهم وفنونهم ومنطقهم في خدمة الحكومات. نحن لا نبغي إتهام أحد، أو أن نوجه اللوم لأي أحد. نحن نعرف ضعف النفس البشرية والقوة البدائية للتيارات الجمعية الطاغية التي نَحّت هذا الضعف بلحظة واحدة، ولم يكن هناك أي تحضيرات من أجل المساعدة على مقاومتها. فلندع إذا هذه التجربة تساعدنا على الأقل من أجل المستقبل.

دعونا قبل كل شيء نقر بالكوارث التي جلبها لنا اختطاف العقل في العالم ووضعه طوعا تحت العبودية لقوى منفلته من عقالها. لقد قام المفكرون والفنانون بضخ سموم لا يمكن حصرها في الوباء الذي يلتهم جسد وروح أوروبا. لقد بحثوا في ترسانة معرفتهم، ذاكرتهم، خيالهم، عن أسباب قديمة وجديدة، أسباب تاريخية، علمية وحتى شاعرية لتكريس الكراهية. لقد عملوا على تدمير التفاهم والمحبة بين البشر، وبهذا قاموا بتشويه وإنتقاص وخفض منزلة والحط من شأن الفكر الذي كانوا يمثلونه. لقد استخدموا الفكر كآله للأهواء (قد يكون بدون معرفتهم) ووضعوه في خدمة المصالح الأنانية للقبيلة الإجتماعية أو السياسية، للولاية، للبلد، أو للطبقة. في الوقت الحاضر، فإن جميع الدول التي شاركت في هذه المعركة المتوحشة، إن كانت منتصرة أم مهزومة، تخرج منكهة، ومحطمة، وإن لم يقروا بالأمر فهم في قرارة قلوبهم يشعرون بالخزي والإهانة بسبب فائض جنونهم، وأن الفكر الذي ساوموا عليه في معاركهم، سقط معهم.

قفوا جميعا! دعونا نحرر العقل من مساوماته، من تحالفاته المهينة، ومن استرقاقه الخفي. العقل ليس عبد لأحد، ولكن نحن سدنة العقل، وليس لدينا أسياد غيره. نحن نوجد لكي نتمسك وندافع عن نوره، ومن أجل حض البشر المضللين على الإلتفاف حوله. إن مهمتنا تتمحور حول الحفاظ على دعامة ثابته، أن نشير نحو نجم القطب في خضم دوامات النوازع في الليل. وأمام نوازع التكبر والتدمير المتبادل، ليس لدينا خيار سوى أن نرفضها كلها. نحن نُجل الحقيقة فقط، الحقيقة الحرة، بدون حدود، بدون قيود، بدون اضطهاد أممي أو طبقي. بالتأكيد الإنسانية محور إهتمامنا، نحن نعمل من أجل الإنسانية، من أجلها كوحدة واحدة. نحن لا نعرف شعوبا، نحن نعرف الشعب المتفرد، الكوني، الشعب الذي يعاني، الذي يصارع، الذي يفشل، والذي يقوم أبدا على قدميه، والذي يمضي في الطريق الصعب مضرج بدمه، الشعب الجامع لكل البشر، جميعهم متساوون بالأخوة، ومن الصواب أن يدرك الشعب هذه الإخوه كما ندركها، وأن نتسامى فوق الصراعات العمياء. إن تابوت العهد، ألا وهو العقل الحر، واحد ومتنوع، وأبدي.

كتب غيّرت العالم

frenchlibrary3-1024x768

روبرت داونز مؤلف أمريكي غزير الإنتاج. كان مدافعاً عن الحرية الفكرية و له مؤلفات و منشورات تتعلق بموضوعات الرقابة على الأعمال الأدبية.

في كتابه المُعنوَن بـ(كتب غيّرت العالم)، وصف ستة عشر كتاباً عظيماً غيّرت مجرى التاريخ.
و قسّمه لقسمين:
١/ عالم الإنسان و الكتب التي تناولها هي:
٢/ دنيا العلوم دنيا العلوم و الكتب التي تناولها هي:
يُبيّن داونز الغرض من مؤلفه في مقدمته بقوله: 
الغرض من هذا المؤلف هو توضيح القوة العاتية للكتب، عن طريق مناقشة أمثلة معيّنة. فأولاً، يجب التركيز على أنه ليس في نيتنا تقديم قائمة بأحسن الكتب أو أعظم الكتب، فإن عمل مثل هذه القوائم هواية محبوبة لتمضية الوقت انقاد الأدب و المؤلفين و الناشرين و رجال التعليم و أمناء المكتبات، الذين تنحصر توصياتهم في العلوم الأدبية. أما الهدف منه فهو اكتشاف الكتب التي كان لها أعظم أثر عميق على التاريخ و الاقتصاد و الثقافة و الفكر العلمي منذ عصر النهضة تقريباً إلى منتصف القرن العشرين.
و يقول :
” هناك خصائص معينة يشترك فيها معظم المؤلفين، تبدو واضحة. و باستثناء علماء الطبيعة الذين تضمهم القائمة. و الذين يكون التعليق أقل مناسبة لهم. فالكتب التي تضمها القائمة كتبها أشخاص غير تابعين للكنيسة و أشخاص متطرفون و متعصبون لدينهم، و ثوريّون و مثيرين للاضطرابات. و غالباً ماتكون كتب رديئة التأليف تعوزها المسحة الأدبية. “
أما عن سر نجاح هذه الكتب دون غيرها فيعزُوه إلى :
” … الزمن كان ملائماً و على استعداد تام لهم. حملت كتبهم رسالات، كانت في أغلب الأحوال عاطفيّة، يتوسّلون فيها إلى ملايين البشر. و في بعض الأحيان كان النفوذ للخير، كما كان أحياناً أخرى للشّر. و من الجليّ أن الكتب يمكن أن تكون قوى لكل من الخير و الشر. و على أية حال، ليس الغرض هنا قياس القيم الأخلاقية، بل لتوضيح أن الكتب أدوات أو أسلحة حركيّة و قوية.”