أرشيف الوسم: أحمد أمين

تطوّر معنى “الأدب” في اللغة العربية

في كتاب (التوجيه الأدبي)، والذي قام بكتابته عدد من الأدباء والمفكرين العرب في القرن الماضي، وهم (طه حسين) و(أحمد أمين) و(عبدالوهاب عزام) و(محمد عوض محمد)، تطرّق المؤلفون إلى تعريف كلمة “الأدب” وتطور معانيها الخاص والعام، في اللغة العربية.

دلّت مادة الأدب منذ أقدم العصور العربية الإسلامية على معنيين مختلفين ولكنهما مع ذلك متقاربين. الأول؛ رياضة النفس بالتعليم، والتمرين على ما يُستحسن من السيرة والخُلق. والثاني؛ التأثر بهذه الرياضة والانتفاع بها واكتساب الأخلاق الكريمة واصطناع السيرة الحميدة.

فالأب الذي يأمر ابنه بالخير وينهاه عن الشر ويحمله على ما يُستحسن ويرده عمّا يُكره مؤدِّب لابنه. والابن متأدب بأدب أبيه.

طرأ تغيير مهم بعد ذلك في القرن الأول للهجرة، أو كما يصفه المؤلفين:

ثم تطوّرت هذه الكلمة بعض الشيء فاستُعملت بمعنى التعليم، وأصبح لفظ المؤدب يرادف لفظ المعلِّم الذي يتخذ التعليم صناعة ويكسب به رزقه عند الخلفاء والأمراء ووجوه الناس. وأصبح لفظ الأدب يدل على ما يلقيه المعلم إلى تلميذه من الشعر والقصص والأخبار والأنساب وكل ما من شأنه أن يُثقف نفس الصبي ويهذبها ويمنحها حظًا من المعرفة.

وغلب استعمال كلمة الأدب والتأديب بهذا المعنى أثناء القرن الأول للهجرة، في كل ما من شأنه التثقيف والتهذيب من أنواع العلم ما عدا العلوم الدينية؛ فقد كان المسلمون يعنون بها عناية خاصة تقوم على التحفظ في روايتها عن رجال وقفوا أنفسهم على ذلك من الصحابة والتابعين. بحيث كان للمسلمين في ذلك العصر نوعان من الثقافة؛ إحداهما دينية وهي القرآن والحديث وما يتصل بهما، والأخرى غير دينية وهي الشعر والأخبار والأنساب وما يتصل بها، وهذه الأخيرة هي التي كانت تسمى أدبًا.

ومن ثم تغيّرت دلالة الكلمة في القرن الثاني والثالث:

فلما كان القرن الثاني والثالث، نشأت علوم اللغة العربية ونمت واستقلّت بأسمائها؛ فكان النحو والصرف واللغة، وأصبح الأدب يدلّ على الكلام الجيد من المنظوم والمنثور، وما كان يتصل به ويفسره من الشرح والنقد والأخبار والأنساب وعلوم اللغة العربية. وأُلّفت في الأدب بهذا المعنى كتب معروفة مشهورة منها كتاب (الكامل) لـ(أبي العباس محمد بن يزيد المبرد)، وكتاب (البيان والتبيين) لـ(أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ)، وكتاب (طبقات الشعراء) لـ(محمد بن سلام)، وكتاب (الشعر والشعراء) لـ(ابن قتيبة).

تُختتم المقالة بعد ذلك بتحديد معنيين لكلمة “الأدب”:

ومن هنا نستطيع أن نقول إن لكلمة الأدب معنيين مختلفين؛ أحداهما الأدب بمعناه الخاص، وهو الكلام الجيّد الذي يُحدث في نفس قارئه وسامعه لذة فنية سواء أكان هذا الكلام شعرًا أو نثرًا. والثاني الأدب بمعناه العام، وهو الإنتاج العقلي الذي يصوّر في الكلام ويُكتب في الكتب. فالقصيدة الرائعة، والمقالة البارعة، والخطبة المؤثرة، والقصة الممتازة؛ كل هذا أدب بالمعنى الخاص؛ لأنك تقرؤه أو تسمعه فتجد فيه لذة فنية كاللذة التي تجدها حين تسمع غناء المغنّي وتوقيع الموسيقى، وحين ترى الصورة الجميلة والتمثال البديع. فهو إذًا يتصل بذوقك وحسّك وشعورك ويمسّ ملكة تقدير الجمال في نفسك. والكاتب في النحو أو في الطبيعة أو في الرياضة أدب بالمعنى العام، لأنه كلام يصوّر ما أنتجه العقل الإنساني من أنواع المعرفة، سواءً أحدث في نفسك أثناء قراءته أو سماعه هذه اللذة الفنية أو لم يحدثها.

رسالة أحمد أمين عن الشرق والغرب

الأديب-أحمد-أمين

أحمد أمين (1886-1954) هو أديب ومفكر ومؤرخ مصري كتب العديد من المؤلفات المهمة مثل ثلاثيته ”فجر الإسلام” و”ضحى الإسلام” و”ظهر الإسلام”.  في كتيبه إلى ولدي، وهو رسائله ونصائحه إلى أبناؤه كتب يقول عن الفروقات الأساسية بين بلاد الشرق والغرب فيقول:

أي بني !
إن العالم اليوم كبوتقة الصائغ، تصب فيها كل العناصر من شرق وغرب وقديم وحديث، ثم تستغل كلها ليؤخذ خيرها، وهي تتطلب من الإنسان أن يكون مرنًا واسع الصدر .. لا يزدري ما في الشرق لشرقيته، ولا يُمجّد الغرب لغربيته، وإنما يمجّد الحق حيث كان. فنصيحتي أن تكون مفتَّح العينين، مفتّح الأذن. تتطلب الحق حيث كان، لا تأبه للجديد لجدته، ولا تنفر من القديم لقدمه.
إن للشرق مزايا لا يستهان بها، فكمته مركزة متبلورة، وهو يعتمد على الإلهام أكثر مما يعتمد على العلم والتجربة والحقيقة. وللغرب مزايا لا يستهان بها، فهو يعتمد على الحقيقة والتجربة والعلم، ولكن كانت لنتيجة العلم الأوروبي القنبلة الذرية، وهذه القنبلة ينقصها النظر إلى خير الإنسانية لا إلى استعمالها في الغلبة. ولو استكشفت وصحبها النظر إلى خير الإنسان لاكتشف تحطيم الذرة لا القنبلة الذرية، ولاستخدمت في خير الإنسان، من إزالة سدود وقيود قبل أن تستخدم في القنابل. أم قصد الغلبة فيرمى إلى القنبلة الذرية أكثر مما يرمي إلى خير الإنسانية، لأن القنبلة الذرية إنما تستعمل في الفتك لا النفع.
أي بني !
خير ما تواجه به هذا الزمان، سعة دراستك ووقوفك على حقائق الشرق والغرب، وانتفاعك بما في كلٍّ من مزايا. وعيب الشرقيين شعورهم بمركب النقص أمام المدنية الحديثة، فهم يقدرونها فوق قيمتها، ويقدرون أنفسهم أقل من قيمتهم، ولو أنصفوا لزادوا من قيمة أنفسهم وقللوا من قيمة المدنية الغربية.
فالمدنية الحقة إنما تقاس بإسعاد الناس لا بكثرة الاختراع ولا بكثيرة التجارب. نعم إن المدنية الغربية أكثر اختراعًا وأكثر تجارب، ولكنها ليست أكثر إسعادًا للناس، فكثرة حروبها وكثرة تكاليف الحياة عندها وكثرة مطالبها، جعلتها أشق على الحياة وأفقدتها قيمتها في السعادة.
أي بني !
لست أريد أن أبثك رأيي وألزمك به، فأنت حر في اختيار آرائك ووزنها بميزانك، ولكن هذا لا يمنعني من أن أبث إليك بعض آرائي لا عن طريق إلزامك بها، ولكن رغبتي في نفعك جعلتني أعرض عليك كل ما أرى لترى فيه ما ترى.

رسالة أحمد أمين في اللذات والشهوات

الأديب-أحمد-أمين

أحمد أمين (1886-1954) هو أديب ومفكر ومؤرخ مصري كتب العديد من المؤلفات المهمة مثل ثلاثيته ”فجر الإسلام” و”ضحى الإسلام” و”ظهر الإسلام”.  في كتيبه إلى ولدي، وهو رسائله ونصائحه إلى أبناؤه كتب فقال:

أي بني !
لست أريدك أن تكون راهبًا، فمتى خلقت إنسانًا لا مَلكًا فلتكن إنسانًا له ملذاته وشهواته في حدود عقله ومنفعته ومنفعة أمته. والقرآن يقول : {قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطبيات من الرزق} ؟ أريدك أن تفهم معنى اللذة في حدودها الواسعة لا الضيقة .. إن للذة درجات كدرجات السلم الآخذة في الصعود، فأسفل درجاتها لذة الأكل والشرب واللباس، وما إلى ذلك. ومن غريب أمر هذه اللذة أنها تفقد قيمتها بعد الاستمتاع بقليل منها، فلكل إنسان طاقة من هذه اللذة يقف عندها، فإذا تعدّاها انقلبت ألمًا .. ثم هي ليست مرادفة للسعادة، فكثير ممن يأكلون الأكل الفاخر، ويلبسون اللباس الأنيق، ويسكنون القصور الفخمة، هم مع ذلك أشقياء .. فسعادتهم إنما هي في نظر غيرهم لا في نظر أنفسهم، ولو كانت هذه اللذة هي السعادة لكان هؤلاء الناس أسعد الناس دائمًا.
ثم هذه اللذائذ قيمتها في الاعتدال فيها، وعدم التهافت على كسبها. إن شئت فاحسب حساب من أفرط فيها في فترة قصيرة من الزمن ثم فقد صحته، فلم يعد يستطيع أن يتابع لذته، وحساب من اعتدل فطال زمن لذته مضافًا إلى لذته من صحته.
وأرقى من هذه درجة لذة العلم والبحث والقراءة والدرس .. فهذه لذة العقل وتلك لذة الجسم، وهذه أطول زمنًا، وأقل مؤنة، وأبعد عن المنافسة والمزاحمة، والتقاتل والتكالب، وصاحبها أقل عرضة لتلف النفس وضياع الصحة.
وإن أردت الدليل على أنها أرقى من اللذائذ المادية، فاسأل من جرب اللذتين، ومارس النوعين، تجد العالِم الباحث والفنان الماهر والفيلسوف المتعمق لا يهمهم مأكلهم وملبسهم بقدر ما تهمهم لذتهم من بحثهم وفنهم وتفكيرهم.
وأرقى من هذه وتلك لذة مَن وهب نفسه لخدمة مبدأ يسعى لتحقيقه، أو فكرة إنسانية يجاهد في إعلانها واعتناقها، أو إصلاح لداء اجتماعي يبذل جهده للقضاء عليه .. فهذه هي السعادة ولو مع الفقر، ولكن لا يصل إلى هذه اللذة إلا من رقى حسه وسمت نفسه.
أي بني !
إنك خُلقت إنسانًا ذا جسم وعقل وروح، وقد رُبيت فنما جسمك، وثُقفت فنما عقلك. وأرجو أن يكون قد صادفك في بيئتك ما نمّى روحك. ولكل من هذه العناصر الثلاثة غذاؤها، ولكل لذاته، ولذة اللذائذ أن تستطيع أن تمد العناصر الثلاثة بغذائها ولذاتها من غير أن يطغى عنصر على غيره، فيختل التوازن ويضيع التعادل.

رسالة أحمد أمين في التربية على الجمال

الأديب-أحمد-أمين

أحمد أمين (1886-1954) هو أديب ومفكر ومؤرخ مصري كتب العديد من المؤلفات المهمة مثل ثلاثيته ”فجر الإسلام” و”ضحى الإسلام” و”ظهر الإسلام”، كما أنشأ مع بعض زملائه سنة 1914م “لجنة التأليف والترجمة والنشر” وبقي رئيسا لها حتى وفاته. وشارك في إخراج “مجلة الرسالة“. كذلك أنشأ مجلة “الثقافة” الأدبية الأسبوعية . وبعد توليه الإدارة الثقافية بوزارة المعارف، أنشأ ما عرف باسم “الجامعة الشعبية” وكان هدفه منها نشر الثقافة بين الشعب عن طريق المحاضرات والندوات. في نفس الفترة، أنشأ “معهد المخطوطات العربية” التابع لجامعة الدول العربية. في كتيبه إلى ولدي، وهو رسائله ونصائحه إلى أبناؤه كتب فقال:

أي بني !
إن الذوق عملَ في ترقية الأفراد والجماعات أكثر مما عملَ العقل. فالفرق بين إنسان وضيع وإنسان رفيع، ليس فرقًا في العقل وحده. بل أكثر من ذلك فرق في الذوق. وإن كان العقل أسس المدن، ووضع تصاميمها، فالذوق جمّلها وزيّنها. إن شئت أن تعرف قيمة الذوق في الفرد، فجرّده من الطرب للموسيقى والغناء، وجرّده من الاستمتاع بمناظر الطبيعة وجمال الأزهار، وجرّده من أن يهتز للشعر الجميل، والأدب الرفيع، والصورة الرائعة، وجرّده من الحب في جميع أشكاله ومناحيه، ثم انظر بعد ذلك ماذا عسى أن يكون وماذا عسى أن تكون حياته.
وإن شئت أن تعرف قيمة الذوق في الأمة، فجرّدها من دُور فنونها، وجردها من حدائقها وبساتينها، وجردها من مساجدها الجميلة والجليلة وكنائسها الفخمة، وعمائرها الضخمة، وجردها من نظافة شوارعها، وتنظيم متاحفها، ثم انظر بعد ذلك إلى قيمتها، وفيما يميزها عن غيرها من الأمم المتوحشة والأمم البدائية.
أي بني !
إن للذوق مراحل كمراحل الطريق، ودرجات كدرجات السلم. فهو يبدأ بإدراك الجمال الحسي : من صورة جميلة، ووجه جميل، ،زهرة جميلة، وبستان جميل، ومنظر طبيعي جميل. ثم إذا أحسنت تربيته ارتقى إلى إدراك جمال المعاني، فهو يكره القبح في الضعة والذلة، ويعشق الجمال في الكرامة والعزة، وينفر من أن يظلم أو يُظلم ويحب أن يعدل ويُعدل معه، ثم إذا هو ارتقى في الذوق كره القبح في أمته وأحب الجمال فيها، فهو ينفر من قبح البؤس والفقر والظلم فيها، وينشد جمال الرخاء والعدل في معاملتها، فيصعد به ذوقه إلى مستوى الصالحين. فالإصلاح المُؤَسس على العقل وحده لا يجدي، وإنما يجدي الإصلاح المؤَسس على العقل والذوق جميعًا. ثم لا يزال الذوق يرقى إلى أن يبلغ درجة عبادة الجمال المطلق والفناء فيه.
فعلى هذا الأساس نظِّم ذوقك : استشعر الجمال في مأكلك وملبسك ومسكنك، وصادق الزهور وتعَشَّقها، ثم أنشدِ الجمال في مجال الطبيعة ومدَّ بين قلبك ومناظر البساتين والحدائق – والسماء ونجومها، والشمس ومطلعها ومغيبها، والبحار وأمواجها، والبحار وجلالها – خيوطًا حريرية دقيقة تتموج بموجاتها، وتهتز بهزاتها، ثم انظر إلى الأخلاق على أن فضائلها جمال، ورذئلها قبح، لا على أن فضائلها منفعة ورذائلها متلفة، ثم غنِّ للجمال واهتف به حيثما كان، واعبده وافنَ فيه، وأنا واثق أنك ستسعد بذلك سعادة لا يتذوقها ذوو الشهوات، ولا أصحاب رؤوس الأموال، ولا الفلاسفة والعلماء.

رسالة أحمد أمين في الحقوق والواجبات

الأديب-أحمد-أمين

أحمد أمين (1886-1954) هو أديب ومفكر ومؤرخ مصري كتب العديد من المؤلفات المهمة مثل ثلاثيته ”فجر الإسلام” و”ضحى الإسلام” و”ظهر الإسلام”، كما أنشأ مع بعض زملائه سنة 1914م “لجنة التأليف والترجمة والنشر” وبقي رئيسا لها حتى وفاته. وشارك في إخراج “مجلة الرسالة“. كذلك أنشأ مجلة “الثقافة” الأدبية الأسبوعية . وبعد توليه الإدارة الثقافية بوزارة المعارف، أنشأ ما عرف باسم “الجامعة الشعبية” وكان هدفه منها نشر الثقافة بين الشعب عن طريق المحاضرات والندوات. في نفس الفترة، أنشأ “معهد المخطوطات العربية” التابع لجامعة الدول العربية. في كتيبه إلى ولدي، وهو رسائله ونصائحه إلى أبناؤه كتب فقال:

أي بني !

سادت عند أمثالك من الشبان فكرة خاطئة، وهي شدة المطالبة بالحقوق، من غير التفات إلى أداء الواجبات مع تلازمها، فهما معًا ككفة الميزان، إن رجحت إحداهما خفّت الأخرى. وهم يلجؤون إلى كل الوسائل للمطالبة بحقوقهم : من إضراب، إلى اعتصام، إلى تخريب، إلى غير ذلك، ولا نسمع شيئًا عن فكرة أداء الواجب ! فحذار من الوقوع في هذا الخطأ. فعلى كل إنسان أن يؤدي واجبه دائمًا كما يطالب بحقوقه. والإنسان في هذه الحياة لا يعيش لنفسه فحسب، وإنما يعيش له وللناس، ولسعادته وسعادة الناس. وأداء الواجب يؤدي إلى تحقيق السعادة : فالطالب الذي يؤدي واجبه لأسرته يُسعدها، والأغنياء يتأديتهم ما عليهم من بناء للمستشفيات، وتبرع للخيرات، يزيدون في راحة الناس ورفاهيتهم ؛ وعلى العكس من ذلك السارقون والسكيرون، فإنهم بإهمالهم الواجب عليهم وعدم إطاعتهم قوانين البلاد، يزيدون في شقاء الناس وتعاستهم. ومقياس رقي الأمة إنما هو في أداء أفرادها ما عليهم من واجبات، فالذي يتقي الله في صناعته يُسعد الناس بإتقانه، ولا يبقى العالم ويرقى إلا بأداء الواجب. ولو أن مجتمعًا قصَّر في أداء كل واجباته لفَنِيَ في الحال. والأمة المتأخرة إنما بقيت لأن أفرادها قاموا بأداء أكثر الواجبات وتأخرت بالقسم الذي لم يُؤدّ.
وكثير.