أرشيف الوسم: أحمد بادغيش

Admin
مدون سعودي.
مواليد مدينة جدة، يسكن حاليًا في مدينة الرياض.
مهتم بالفلسفة والفنون، السردية خاصة.

أحمد أمين في مفهوم الأدب ومعانيه

أحمد أمين إبراهيم الطباخ (1 أكتوبر 1886- 30 مايو 1954) ، أديب ومفكر ومؤرخ وكاتب مصري، صاحب تيار فكري مستقل قائم على الوسطية، وهو والد المفكر المعاصر جلال أمين.

له العديد من المؤلفات التي يبلغ عددها 20 كتاب، منها كتاب إلى ولدي وكتاب ابتسم للحياة وأيضًا سيرته الذاتية الغنية علمتني الحياة . ومن مقالاته في ساقية رسالة أحمد أمين في التربية على الجمال و رسالة أحمد أمين في الذات والشهوات والكثير من المقالات المشوقة.

في كتاب (التوجيه الأدبي) والذي قام بكتابته عدد من الأدباء والمفكرين العرب في القرن الماضي وهم (طه حسين) و(أحمد أمين) و(عبدالوهاب عزام) و(محمد عوض محمد) تطرّق المؤلفون إلى تعريف كلمة “الأدب” وتطور معانيها الخاصة والعامة في اللغة العربية.

دلّت مادة الأدب منذ أقدم العصور العربية الإسلامية على معنيين مختلفين ومتقاربان.

الأول: رياضة النفس بالتعليم،  والتمرين على ما يُستحسن من السيرة والخُلق.

الثاني: التأثر بهذه الرياضة والانتفاع بها، واكتساب الأخلاق الكريمة واصطناع السيرة الحميدة.

فالأب الذي يأمر ابنه بالخير وينهاه عن الشر ويحمله على ما يُستحسن ويرده عمّا يُكره مؤدِّب لابنه، والابن متأدب بأدب أبيه.

طرأ تغيير مهم بعد ذلك في القرن الأول للهجرة، أو كما يصفه المؤلفين.

ثم تطوّرت هذه الكلمة بعض الشيء فاستُعملت بمعنى التعليم، وأصبح لفظ المؤدب يرادف لفظ المعلِّم الذي يتخذ التعليم صناعة ويكسب به رزقه عند الخلفاء والأمراء ووجوه الناس. أصبح لفظ الأدب يدل على ما يلقيه المعلم إلى تلميذه من الشعر والقصص والأخبار والأنساب وكل ما من شأنه أن يُثقف نفس الصبي ويهذبها ويمنحها حظًا من المعرفة.

وغلب استعمال كلمة الأدب والتأديب بهذا المعنى أثناء القرن الأول للهجرة، في كل ما من شأنه التثقيف والتهذيب من أنواع العلم ما عدا العلوم الدينية؛ فقد كان المسلمون يعتنون بها عناية خاصة تقوم على التحفظ، بحيث كان للمسلمين في ذلك العصر نوعان من الثقافة، إحداهما دينية وهي: القرآن والحديث وما يتصل بهما. والأخرى غير دينية وهي: الشعر والأخبار والأنساب وما يتصل بها، وهذه الأخيرة هي التي كانت تسمى أدبًا.

ومن ثم تغيّرت دلالة الكلمة في القرن الثاني والثالث:

في القرن الثاني والثالث، نشأت علوم اللغة العربية ونمت واستقلّت بأسمائها، فكان النحو والصرف واللغة. وأصبح الأدب يدلّ على الكلام الجيد من المنظوم والمنثور، وما كان يتصل به ويفسره من الشرح والنقد والأخبار والأنساب وعلوم اللغة العربية.

وأُلّفت في الأدب بهذا المعنى كتب معروفة مشهورة منها كتاب (الكامل) لـ(أبي العباس محمد بن يزيد المبرد) وكتاب (البيان والتبيين) لـ(أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ)، وكتاب (طبقات الشعراء) لـ(محمد بن سلام)، وكتاب (الشعر والشعراء) لـ(ابن قتيبة).

تُختتم المقالة بتحديد معنيين لكلمة “الأدب”:

نستطيع أن نقول أن لكلمة الأدب معنيين مختلفين، الأول: الأدب بمعناه الخاص، وهو الكلام الجيّد الذي يُحدث في نفس قارئه وسامعه لذة فنية سواء كان هذا الكلام شعر أو نثر.  والثاني الأدب بمعناه العام، وهو الإنتاج العقلي الذي يصوّر في الكلام ويُكتب في الكتب.

فالقصيدة الرائعة، والمقالة البارعة، والخطبة المؤثرة، والقصة الممتازة، كل هذا أدب بالمعنى الخاص، لأنك تقرؤه أو تسمعه فتجد فيه لذة فنية كاللذة التي تجدها حين تسمع غناء المغنّي وتوقيع الموسيقى. وحين ترى الصورة الجميلة والتمثال البديع، فهو يتصل بذوقك وحسّك وشعورك ويمسّ ملكة تقدير الجمال في نفسك، والكاتب في النحو أو في الطبيعة أو في الرياضة من نوع أدب بالمعنى العام، لأنه كلام يصوّر ما أنتجه العقل الإنساني من أنواع المعرفة، سواءً أحدث في نفسك أثناء قراءته أو سماعه هذه اللذة الفنية أو لم يحدثها.

الشعر والحاسة الشاعرية، من يوميات بيسوا

أنطونيو فرناندو بيسوا ( 1888- 1935) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، يوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية. وأكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها.

كتب في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يحكي فيه بداية عن تفاهة الإنسان، يقول فيه:

وحينئذ، ما الإنسان في ذاته؟ أليس سوى حشرة تافهة تطنّ مصطدمة بزجاج نافذة؟ ذلك لأنه أعمى، غير قادر على النظر ولا على التحقق مما يوجد بينه وبين الضوء. لذلك يتحمس مجتهدًا في محاولة الدنو أكثر فأكثر، فكيف للعلم أن يساعده؟ في إمكانية معرفة متانة الزجاج أو هشاشته معًا، والتأكد من مدى سُمك جزء منه ورهافة جزء آخر؛ واحد أثخن وآخر أرهف. بهذا كله ما مدى دنوّك من الضوء أيها الفيلسوف اللطيف؟ وما مقدار ازدياد إمكانات الرؤية لديك؟

هل بوسع الإيمان بأن يجعل رجل الموهبة، أعني الشاعر. في أن يبلغ على نحو معين حد تهشيم الزجاج باتجاه الضوء، ليشعر بالفرح والفتور الناجمين عن الإنوجاد أبعد فأبعد عن الآخرين جميعًا؟ لكن أليس هو نفسه أيضًا أعمى؟ هل تمكن أحد، من الدنو من الحقيقة الأبدية؟

يتابع بعد ذلك قائلًا:

دعوني أمضي باستعارتي نحو الأبد. بعضهم يبتعدون عن الباب الزجاجي في الاتجاه المعاكس، إلى الخلف، ويصيحون عندما يتأكدون من أنهم لم يصطدموا بالزجاج، لأنه ليس خلفهم. ويوقولون “لقد مررنا”.

أنا شاعر محفز بالفلسفة، ولست فيلسوفًا ذا مزايا شعرية؛ مفتون أنا بملاحظة جمال الأشياء وبرسم اللامرئي والمتناهي الصغر مما يميز الروح الشعرية للكون.

شعرية الأرض لا تموت أبدًا. في وسعنا القول أن عصورًا سالفة معينة كانت شعرية. لكن بوسعنا القول أن الشعر موجود في كل شيء، في البر وفي البحر، في البحيرة، وعلى ضفة النهر، وموجودة أيضًا في المدينة، لا تنكر ذلك، يبدو جليًا أمام عينيّ وأنا جالس؛ ثمة شعر في ضوضاء السيارات على قارعة الطريق، في أيّما حركة مبتذلة ومضحكة لصبّاغ في الناحية الأخرى من الشارع وهو يلوّن إعلانًا لدكّان اللحّام.

ثم يقول عن الحاسة الشعرية:

الحاسة الأعمق لديّ تهيمن على حواسي الخمس على نحو يجعلني أرى أشياء الحياة، أنا واثق، بصورة مختلفة عن باقي البشر. لقد وُجد أو يوجد، بالنسبة إليّ ثراء في مدلول شيء مضحك وتافه، في مفتاح، باب، مسمار في جدار، في شاربي هر. بالنسبة إليّ ثمة إيماء روحي تام في دجاجة تعبر الطريق مقوقئة، يوجد بالنسبة إليّ مدلول أعمق من خوف الأشخاص في رائحة الصندل، في علبة أعواد ثقاب منسية، في ورقتين وسختين في يوم عاصف تطوفان الهواء، ثم تتبعان شارعًا سفليًا.

ويوضح بعد ذلك سبب استشعاره الشعري لهذه اللحظات البسيطة في الحياة، فيقول:

وذلك لأن الشعر دهشة وحيرة، مثل كائن سقط من السماء ثم تأكد أثناء سقوطه ذاهلًا من سقطته. مثل مَن عرف أشياء الروح وفي مجاهدته لتذكر تلك المعرفة تحقق من أن تلك الأشياء لم تكن كما عرفها ولا وفق تلك الصورة وتلك الشروط، ثم وجد نفسه عاجزًا عن تذكر المزيد.

على الفنان أن يكون رائعًا ونبيلًا، لأن من يُعجب بالجمال لا يجب أن يفتقر إليه. ولا شك في أن ما يسبب ألمًا رهيبًا للفنان هو ألا يجد في نفسه شيئًا مما يبحث عنه بعناء. من يستطيع وهو يتأمل صورة شيلي، وكيتس، بيرون، وميلتون وإدغاربو ومحل إعجاب كما كانوا يمتلكون حرارة العيش والفرح الإلهي، تمامًا كما يليق بأي شاعر، وأي إنسان.

غاندي .. الخط الجميل ضرورة ثقافية

موهانداس كرمشاند غاندي (1869-1948) سياسي بارز وزعيم روحي للهند خلال حركة استقلال الهند، المعروف بلقب (المهاتما غاندي)، صاحب مبدأ اللاعنف. في كتابه (قصة تجاربي مع الحقيقة)، من ترجمة (منير البعلبكي)، يقول بأنه لا يزال يدفع ثمن إهمال، الاهتمام بجمال الخط.

لست أدري من أين تسرب إلى ذهني أن الخط الجميل ليس جزءًا أساسيًا من الثقافة، ولكني بقيت محتفظًا بهذه الفكرة حتى ذهبت إلى إنكلترة.

وحين رأيت في ما بعد، وخاصة في جنوبي إفريقية، جمال خط المحامين والشبان الذين ولدوا وتلقوا علومهم في جنوبي إفريقية، خجلت من نفسي وندمت على إهمالي. لقد رأيت أن سوء الخط يجب أن يعتبر علامة من علامات الثقافة الناقصة. وحاولت منذ ذلك الحين أن أحسن خطي، ولكن بعد فوات الأوان.

فلم يكن في ميسوري قط أن أصلح الإهمال الذي فرط في عهد الشباب. فليتعظ كل شاب و كل شابة بما أصابني، وليفهم أن الخط الجميل جزء ضروري من الثقافة. وأنا اليوم من الذين يعتقدون بأن الأطفال يجب أن يعلموا فن الرسم قبل أن يتعلموا كيف يكتبون.

دع الطفل يتعلم أحرفه بالملاحظة، كما يتعلم أشياء مختلفة، كالأزهار، والأطيار، إلخ. على أن لا يتعلم الخط  إلا بعد أن يتعلم كيف يرسم الأشياء. إن خطه خليق بأن يصبح، عندئذ، بارعاً جميلاً.

في الشعر، ما يشمله وما يبقى خارجه. ولماذا ينظُم محمود درويش؟

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر (درويش) يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. ويظهر ذلك جليًا في وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب (أنا الموقع أدناه)، وهو لقاء صحفي مع الشاعر قامت به الصحفية (إيفانا مرشليان)، ونُشر بعد وفاة الشاعر بعدة سنوات كما أوصاها حين خابرها، من الأردن، في ربيع 2008، متمنّياً عليها: «أعلني عن الأوراق، بعد 5 سنين على الأقل، وأنشريها لتكن هديتي ومفاجأتي، على يدكِ… أنا الموقّع أدناه محمود درويش».

سألت الصحفيّة: “أستاذ محمود، لماذا الشعر؟ وماذا يبقى منك خارجه؟”. فكان جواب (درويش):

لماذا الشعر؟ لأني أستطيع أن أقول فيه وأن أفعل فيه ما لا أستطيع قوله أو فعله خارج الشعر.

فلو فعلنا وقلنا خارج الشعر ما نفعل ونقول داخله، لبدا الشعراء عصابة من المجرمين والمجانين.

تصوّري لو أنني مشيت عاريًا في الشارع، أو تصوّريني أقول لجرسون المقهى: “أعطني فنجانًا من القهوة تزغرد فيه مياه المزاريب”!

لا أستطيع في القصيدة إلا أن أكون حرًا. ولا أستطيع أن أكون حرًا إلا إذا كنت عاريًا تمامًا من الأقنعة، ومن الأهداف، ومن التقاليد، ومن الحرية ذاتها.

أما ما يبقى مني خارج الشعر فهو: القناع، والهدف، والموروث، وشرط الحرية.

وقد يكون ذلك أفضل.

يكمل محمود درويش بعد ذلك، فيقول:

ولكن اسمعي هذه النصيحة من إنسان يدخل إلى الشعر ويخرج منه: إن بعض الأسئلة المهووسة بالمفارقة، كسؤالك هذا – وهو سؤال جميل لأنه يريد أن يؤسس التناقض، أو التعارض، بين داخل الشاعر وخارجه.

ولكن، علينا أن نتذكر دائمًا أو أحيانًا كما تشائين، أنه لا وجود للداخل من دون الخارج. ليس لي ما أجده داخل الشعر إذا لم أكن ممتلئًا بالخارج، بالواقع، بالناس، بالتاريخ، بالطبيعة وغيرها.

وللداخل أن يركب كيمياء داخله الخاص والسري، بطريقته التي نفهم آلية عملها، مع العناصر القادمة من الخارج والمكوّنة أيضًا لعلاقة الداخل بها.

أما كيف يتجلّى الداخل داخلًا مستقلًا عن عناصر تكوينه الخارجية، فتلك إحدى أسرار خصوصية كل واحد منا. من الطبيعي أن يخرج الداخل بعالمه الخاص – قصيدته – إلى الخارج مختلفًا عنه. ولكنه لو لم يكن منه اختلف عنه. وليس في وسع الشاعر أن يكون شاعرًا دائمًا.

إن ما يتبقى منا خارج الشعر هو قابليتنا المتوترة لتحويل الخارج إلى مادة يهضمها الداخل، أي إلى تحويل الواقع اللاشعري إلى حالة شعرية.

خطاب محمود درويش لدى عودته إلى المدرسة بعد ٤٠ عامًا

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب (حيرة العائد) تم نشر كلمات ألقاها (درويش) في احتفال خاص في مدرسة (كفر ياسيف)، والتي درس فيها الشاعر، في مدينة (الجليل) الفلسطينية. يقول:

أرجو أن تأذنوا لي بالتعبير عن حيرة عاطفية، فليس سهلًا على المرء، حتى لو كان شاعرًا ضالًا، أن يجد نفسه بين أهله دفعة واحدة، دون أن يضطرب. فالسعادة المفاجئة هي أخت الحَرَج. وأنا سعيدٌ ومُحرج؛ سعيد لأني الآن معكم، هنا في (الجليل) الجميل، مُبتدأ الكلام وخَبره. ومُحرج لأني لا أقوى على النظر في ماضيَّ الذي يوبخني قليلًا؛ أين كنت؟ دون أن تغرورق اللغة بدمعها السري.

كأني لم أنتبه إلا الآن إلى ما فعل الزمن بي. أما كان في وسعه أن يعلمني الحكمة، كما علمني التاريخُ السخريةَ بثمن أقل من الرحيل؟

مر أربعون عامًا، منذ زودّني هذا المكان الأجمل بعُدّة السفر الطويل على طرق لم يكن واضحًا منها إلا أولها. أما آخرها، فتلك أمنية تتقاذفها مغامرة الحياة وسِجال العلاقة بين الخطوة والطريق. لكن إغواء الشِّعر فينا يحث السائر الحالم على ابتكار جهاته، بذكاء القلب وطيشه، متوهمًا أن طريقه هي خطاه، وأن الطريق المعبّد ليس طريق الحالمين.

وكأني أحلم بأنني أرى في الحلم أنني أفيق من حلمي. وحين أعود الآن إلى هذا المكان زائرًا، أتساءل: هل يزور المرء نفسه؟ ولا أعرف إن كانت لغتي التي تعلمت الكتابة بها هنا، ما زالت صالحة للتعبير عن رموز لا تجد مجالها الحيوي إلا في الرحلة، من فرط ما أدمنت الحضور في الغياب، ولا أعرف أيضًا إن كان في وسع لغتي أن تألف مرجعيتها الأولى، منذ حوّلت المسافة الماكرة كل حجر هنا إلى طائر هناك. وهل أستطيع أن أعيد الصورة الشعرية إلى عناصرها الأولى، بطريقة لا تمدح المنفى إلا على دوره في رفع العادي إلى المقدس؟

لعل هذا هو امتحاني في ثنائية البيت والطريق. أما البيت، فلا يليق به إلا المعنى الخالي من البلاغة. ولكن، هل عدت حقًا؟ وهل عاد أحد إلا مجازًا؟ سأجد صعوبة بالغة إن حاولت الإمساك بأولى المفردات، للتأكد من صحة مكانتها في السياق، فقد اختلط الواقعي بالأسطوري، والتبس البعيد على القريب. بيد أن النهر ليس هو الينبوع.

من هذا المكان الجليلي، وُلدت من لغتي تدريجيًا، ولم أكمل ولادتي بعد، فلا فرد يستطيع الإطمئنان إلى جوابه الشخصي عن سؤال كان جماعيًا منذ البداية، منذ مأساة الاقتلاع الكبير … إلى ملهاة سلام لا يعتمد إلا موازين القوى مرجعيّة وحيدة. فماذا تفعل اللغة أكثر من الدفاع عن ثقافتها، عن ذاكرة جماعية ومكان مكسور، وهوية؛ وعن عناد الأمل المُحاصر بالقنوط والتشكيك. فما من شيء غير الخيال بقادر على إعادة تركيب الزمن المنكسر، أما الواقع، هو كالتاريخ، من صُنع البشر القادرين على وضع الزمان في المكان الصحيح.

كان هذا المكان كبيرًا عليَّ حين كنت صغيرًا فيه. كان مَعلَمًا ومُعلّمًا. فمنه أخذتني الحياة إلى أسئلتي الأولى، وإلى اختباراتي الأولى. منه أُخذت إلى زنزانتي الأولى .. إلى امتحان حريتي الأول. ومنه ذهبت إلى قصائدي الأولى التي أخذتني، ومازالت، إلى عذاب غربة لا شفاء منها، مهما اطمأن الشعر إلى قدرته على تثبيت المكان في اللغة، وإلى تشييد منطقة حُرة في أعالي الكلام.

من هنا، من (كفر ياسيف) من الجليل، بدأ أول الطريق إلى وضع الهاجس الشخصي والسؤال الذاتي في مكانه من السؤال العام، واتضح الوعي الأول بالتلاحم التلقائي بين الذاكرة الجَمعيّة والذكرى الشخصية، حين كانت هذه القرية/البلدة تحمل من الإشارات والمعاني أكثر من مساحتها الجغرافية. فلم نتعلم من المدرسة بقدر ما تعلمنا من محيطها، من الصراع الملتبس الاسم على هوية المكان وعلى هوية الكائن، من غاب منه ومن حضر. ومن وقف، مثلي، بين المنزلتين حاضرًا غائبًا. ولعل أحد لم يُسأل كما سُئِل كل واحد منا: من أنت؟

لم يكن الجواب في حاجة إلى تعقيد؛ أنا ابن هذه الأرض وابن تاريخها، لولا إلحاح الاقتلاع المدجج بالسلاح وبالأسطورة على الزج بنا في معركة الصراع على شرعية الوجود، وجودنا. إذ كان يقترح علينا تبنّي رواية تاريخ آخر، يبدأ من الأسطورة ولا ينتهي إلا بتفريغ التاريخ من محتوياته ومنا. وإذ، لم يكن لتاريخ هذه الأرض من عَمَل إلا انتظار امتلائها بأمس الآخر الأبدي.

لم يكن ذلك يعني صراعًا على الحاضر وحده، بل على الماضي أيضًا، إذ لم يكن وجودنا هنا، إذًا، إلا احتلالًا! ولم يكن الموجود فينا أكثر من شبح زائر يقتضي تنظيف الأرض منه ارتكاب بعض المجازر بحق البعض، ووضع بقية الشبح في شاحنات الترحيل. أما الناجون من المذبحة ومن الشاحنة، الصامدون الذين آثروا الموت على الرحيل، فسيصارعون طويلًا  من أجل الحصول على إقامة دائمة في هامش المواطنة، وعلى مساواة شكلية في حق الاقتراع على دين الدولة اليهودية. وهكذا لن تتمكن واحة الديموقراطية الغربية من إرجاء البوح بنزعتها العرقية، منذ البداية.

لم ينس أحد قصته، لا ماضيه ولا حاضره. ولم نكن في حاجة إلى انتظار المؤرخين الجدد، لنحمّل الدولة الإسرائيلية المسؤولية عن الظلم التاريخي الذي ألحقته بالشعب الفلسطيني، دون أن تعترف أو تعتذر، لتحسين مناخ السلام، على الأقل. لم ينسَ أحد قصته، فما زال الدفاع عن حقوق المواطنة مرتبطًا بالدفاع عن حق العودة. ومازال اللاجئون في بلادهم لاجئين في بلادهم، وفي منأى عن أي تفاوض خارجي أو داخلي. فالمواطنة ليست بديلًا أو تعديلًا عن حقوق المواطنين، ولا حلًا لمشكلة اللاجئين في بلادهم.

إن للأقلية القومية ذاكرة جماعية، لها تداعياتها ومطالبها الثقافية والحقوقية والسياسية، ودورها في وعي ذاتها، وفي تحديد سياسة الدولة تجاهها، وتجاه قضية شعبها التي لن تتشظى هويته الوطنية إلى هويات مبعثرة ومتنافرة، مهما ابتعدت مسيرة السلام أو اقتربت من جوهر السلام.

وفي هذا المكان الذي درّبني على الربط بين المسألة الديموقراطية والمسألة القومية من جهة، وعلى التمهل في البحث عن حل نظري أو عملي للتوتر القائم بين الجنسية والهوية، من أجل ترجيح سؤال البقاء في الوطن على أي سؤال آخر، من جهة ثانية، أشعر بخشية خفيفة وخفيّة من تداعيات الانقلابات الدولية والإقليمية على طريقتنا في محاكمة تجربتنا السابقة بمعايير الآن الضاغطة، وخارج سياقها التاريخي، فصواب فكرة ما، كفكرة العدالة الاجتماعية، وحق الشعوب في التحرر، وحقوق الإنسان، لا يُقاس دائمًا بنجاحها الآني، ولن تصبح أفكارًا بالية لأن أداة تطبيقها قد فشلت هنا أو هناك. لذا، لا يحق لأحد بأن يطالبنا بالاعتذار عن الإيمان بمثل هذه القيم الإنسانية الخالدة. ولا يحق لأصحاب الخيار الصهيوني بأن يطالبونا بتقويمهم على أنهم كانوا مستقبليين بعيدي النظر، لا لشيء، إلا لأن المشروع الصهيوني نجح في احتلال المزيد من الأراضي العربية، واستطاع أن يجد منصب سفير إسرائيلي شاغرًا في موريتانيا.

لكن شعوري بالعنفوان هنا أقوى من شعوري بالقنوط، وبالخشية من سقوط المعنى في البراغماتية المبتذلة السائدة. فإن ملحمة الصمود الطويلة على هذه الأرض كانت أحد العوامل الرئيسية التي لم تأذن للخرافة الصهيونية الكبرى أرض بلا شعب بأن تعمّر طويلًا. وفي هذا الصمود اليومي البطولي حافظ شعبنا، هنا، على وحدة مكونات هويته القومية والثقافية على أرضه، وعلى إبقاء ملف القضية الوطنية الفلسطينية مفتوحًا، كما حرم المشروع الإسرائيلي من تحقق حلمه بإقامة دولة طاهرة العرق على حساب تطهير الأرض من شعبها الأصلي. وهكذا لم يسلَم المشروع من بذور ثنائية القومية، الأمر الذي يعرض تجاهله الديموقراطية إلى امتحان يومي، كما تعرض الديموقراطية الحرص على طهارة الدولة اليهودية، وغير اليهودية ديموغرافيًا، إلى امتحان آخر. لذا، لا يسلَم أحد، حتى المنتصر، من سؤال الهوية المتوتر. فإما التحصن في القلعة حرصًا على نقاء الهوية، وإما الخروج إلى الأفق حرصًا على الحياة في المستقبل، حتى لو كان أحد شروطها انفتاح الذات على الآخر، واختلاط الهوية في ما ليس منها. فإذا كان من الطبيعي أن تخشى الناس من الحروب، فإنه ليس مألوفًا ولا طبيعيًا أن يتحدث أحد عن خطر السلام!

لستُ هنا لأذكّر أحدًا بقصته. بل لنتذكر جميعًا حكايتنا الجماعية .. أيام كان الطريق أصعب وأوضح. أيام لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى هذا البلد، ولم يكن الحكم العسكري المباشر قد رفع قبضته الفولاذية عن أحد، ولم يسلَم المدرّسون ولا الطلبة من المُلاحقة. أيام لم تكن الوطنية، ولا عكسها، مجرد وجهة نظر. أيام لم نجد كتبًا كافية للتعلم. أيام كان (حاييم نحمان بياليك) يطرد (أبا الطيب المتنبي)، و(أحاد هعام) يطرد (ابن خلدون) من برامج التعليم. أيام كانت (بياعر بحديرة) ضرورية أكثر من جحيم (دانتي). وأيام كان “يوم الاستقلال” هو المناسبة الوحيدة لزيارة أنقاضنا بلا عقاب. ذكرى تذكِّر بنقيضها. أيام كنا صغار السن كبار النفوس والمحن. أيام لم نعرف من هو المسيحي فينا ومن هو المسلم. لم تعتَدِ الكنيسة على الجامع، ولم يستفز الجامع الكنيسة. أيام كان الدين لله والوطن للجميع. وأيام لم نتذكر من سيرة (صلاح الدين الأيوبي) إلا تحريره بلاد الشام والقدس من الصليبيين، ولم يكن في سيرته ما يصلح لإشعال نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين.

في تلك الأيام، دلّتنا (كفر ياسيف) على بوصلة الشمال، على أول الوعي، وعلى أول الطريق، وعلى أولى الخطوات. على السجن الأول، وعلى حرياتنا الصغيرة، وعلى طموحاتنا الأولى وخياراتنا الصعبة، وعلى أوّل الكتابة، وعلى ما يدلنا على أننا جزء من جماعة قومية، أيام كان انتماؤنا لمصلحة الشعب العامة، لا العائلة أو القبيلة أو الطائفة.

هل مرّ أربعون عامًا حقًا دون أن أنتبه إلى ما فعل بي الزمن. لا أحد يعود إلى مرآته الأولى إلا ليهرب من ذاته الأولى إلى ذاته الثانية. أو ليقفز من وجهه إلى قلبه، ومن قلبه إلى ماضيه. لكن الماضي لا يصلح للإقامة الدائمة، بل لزيارة ضرورية، نُحاكم خلالها أفعالنا، ونجسّ ما في الزمن من تاريخ، ونسأل: هل كنّا جديرين بأحلامنا الأولى، وأوفياء لأرضنا الأولى؟ أما أنا، فلعلي لا أستطيع الإجابة، ولكني أحيل الأسئلة كلها إلى هويتي الشخصية الوحيدة؛ قصيدتي. أما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .. وفي الشعر.

وهكذا أجد نفسي هنا. لم أذهب ولم أرجع، لم أذهب إلا مجازًا. ولم أعد إلا مجازًا.