أرشيف الوسم: أدب

اندريه تاركوفيسكي و “النحت في الزمن “

image-w1280

أندري تاركوفسكي (1932-1986) مخرج وممثل وكاتب روسي، و منظر سينمائي ومدير أوبرا. ولد (تاركوفسكي) في مدينة زفراجيه الروسية الواقعة على ضفاف نهر الفولغا، والده هو الشاعر الروسي (أرسيني تاركوفسكي)، والدته (مايا ايفانوفنا فيشيناكفا). يعدّ (تاركوفيسكي) أيقونة سينمائية مهمة جداً ويُعتبر من أفضل المخرجين في تاريخ السينما . له العديد من الأفلام مثل (طفولة إيفان) عا 1962 و(المرآة) عام 1975. صدر له أيضاً عدداً من المؤلفات منها (النحت في الزمن) عام 1986 والذي ناقش فيه آراؤه حول السينما و صناعة الأفلام، و شارك فيه بعض تأملاته في أفلامه.
يعتبر (تاركوفيسكي) نفسه شاعراً أكثر من كونه مخرجاً و تربطه علاقة قوية بالشعر، وفي واحد من آرائه جاء:

ﺣﻴﻦ ﺃﺗﺤﺪﺙ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻓﺈﻧﻨﻲ ﻻ ﺃﻧﻈﺮ إليه ﻛﻨﻮﻉ ﺃﺩﺑﻲ. ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻫﻮ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺑﺎﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻃﺮﻳﻘﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﻼﺗﺼﺎﻝ ﺑﺎﻟﻮﺍﻗﻊ. ﻫﻜﺬﺍ ﻳﺼﺒﺢ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺗﺮﺷﺪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻃﻮﺍﻝ ﺣﻴﺎﺗﻪ.

في نظره فإن لكل نوع من أنواع الفنون قيمته الخاصة و أغراضه الخاصة التي يقدمها للبشري:

ﻟﻜﻞ ﻓﻦ ﻣﻌﻨﺎﻩ ﺍﻟﺸﻌﺮﻱ ﺍﻟﺨﺎﺹ، ﻭ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ليست استثناء. ﺇﻥ ﻟﻬﺎ ﺩﻭﺭﺍً ﺧﺎصاً، ﻗﺪﺭﺍً ﺧﺎﺻﺎً. ﻟﻘﺪ ﻧﺸﺄﺕ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺃﻥ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻝ ﻣﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ، ﺣﺘﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﻟﻢ ﻳﺠﺪ ﺗﻌﺒﻴﺮﻩ ﻓﻲ ﺃﻱ ﺷﻜﻞ ﻓﻨﻲ ﻗﺎﺋﻢ. ﻛـﻞ ﺷـﻲء ﺟﺪﻳـﺪ ﻓـﻲ ﺍﻟﻔـﻦ ﺍﻧﺒﺜﻖ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﺤﺎﺟﺔ ﺭﻭﺣﻴﺔ، ﻭﻭﻇﻴﻔﺘﻪ ﺃﻥ ﻳﻄﺮﺡ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ ﺍﻟﺘـﻲ ﻫـﻲ ﻣﺘﺼـﻠﺔ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤﻮ ﺑﺎﺭﺯ ﻭﺭﻓﻴﻊ ﺑﺰﻣﻨﻨﺎ. ﻟﻘﺪ ﻧﺸﺄﺕ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺃﻥ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻝ ﻣﻌﻴﻦ ﻣـﻦ ﺍﻟﺤﻴـﺎﺓ ﺍﻟﺘـﻲ ﻣﻌﻨﺎﻫـﺎ، ﺣﺘﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﻟﻢ ﻳﺠﺪ ﺗﻌﺒﻴﺮﻩ ﻓﻲ ﺃﻱ ﺷﻜﻞ ﻓﻨﻲ ﻗﺎﺋﻢ. ﻛـﻞ ﺷـﻲء ﺟﺪﻳـﺪ ﻓـﻲ ﺍﻟﻔـﻦ ﺍﻧﺒﺜﻖ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﺤﺎﺟﺔ ﺭﻭﺣﻴﺔ، ﻭﻭﻇﻴﻔﺘﻪ ﺃﻥ ﻳﻄﺮﺡ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ ﺍﻟﺘـﻲ ﻫـﻲ ﻣﺘﺼـﻠﺔ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤﻮ ﺑﺎﺭﺯ ﻭﺭﻓﻴﻊ ﺑﺰﻣﻨﻨﺎ.

و قد بيّن (تاركوفيسكي) الفرق بين السينما و الأدب، و إمكانيات تحويل المادة الأدبية إلى مادة فيلميّة:

ﻓــﻲ ﺍﻟﺒــﺪء ﻳﺘﻌــﻴﻦ ﻋﻠــﻲ ﺍﻟﻘــﻮﻝ ﺑــﺄﻥ ﻟــﻴﺲ ﻛــﻞ عمل ﻧﺜــﺮﻱ ﻗﺎﺑــﻞ ﻟﻠﺘﺤﻮﻳــﻞ ﺍﻟــﻰ ﺍﻟﺸﺎﺷﺔ. ﺑﻌﺾ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻷﺩﺑﻴﺔ ﺫﺍﺕ ﻭﺣﺪﺓ ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﺗﺤﺘﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭ ﺃﺩﺑﻴﺔ ﺃﺻﻴﻠﺔ ﻭﺩﻗﻴﻘﺔ، ﻭﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺎﺕ ﻣﺮﺳﻮﻣﺔ ﺑﺤﻴﺚ ﺗﺤﻤﻞ ً ﻻ ﻳﺴـﺒﺮ ﻏﻮﺭﻫـﺎ، ﻭﻟﻠﺘﻜـﻮﻳﻦ ﻗـﺪﺭﺓ ﺍﺳـﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻓﺘﺎﻥ. ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ­ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ  ﻫﻮ ﻛﻞ ﻻ ﻳﺘﺠﺰﺃ، ﻭﻋﺒﺮ ﺍﻟﺼﻔﺤﺎﺕ ﺗﻮﺟﺪ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴـﺔ ﺍﻟﻔـﺬﺓ ﻭﺍﻟﻤﺪﻫﺸﺔ ﻟﻠﻤﺆﻟﻒ. ﺇﻥ ﻛﺘﺒﺎً ﻛﻬﺬﻩ ﺗﻌﺪ ﺗﺤﻔﺎ ﻓﻨﻴﺔ، ﻭﻓﻘﻂ ﺫﺍﻙ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺒﺪﻱ ﺍﻛﺘﺮﺍﺛـﺎً ﺑـﺎﻟﻨﺜﺮ ﺍﻟﺮﻓﻴﻊ ﻭﺑﺎﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻣﻌﺎً ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﺼﻮﺭ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺗﺤﻮﻳﻠﻬﺎ إﻟﻰ ﺍﻟﺸﺎﺷﺔ. ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻬﻢ ﻫﻨﺎ ﺗﻮﻛﻴﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﻷﻥ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻗﺪ ﺣﺎﻥ ﻟﻔﺼـﻞ ﺍﻷﺩﺏ عن ﺍﻟﺴـﻴﻨﻤﺎ ﻧﻬﺎﺋﻴﺎً ﻭﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﺣﺎﺳﻢ. ﺑﻌــﺾ ﺍﻷﻋﻤــﺎﻝ ﺍﻟﻨﺜﺮﻳــﺔ ﻣﺒﻨﻴــﺔ ﺑﻮﺍﺳــﻄﺔ ﺍﻷﻓﻜــﺎﺭ، ﻭﻭﺿــﻮﺡ ﻭﻣﺘﺎﻧــﺔ ﺍﻟﺒﻨــﺎء، ﻭﺟــﺪﺓ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ. ﻛﺘﺎﺑﺔ ﻛﻬﺬﻩ ﻻ ﺗﺒﺪﻭ ﻣﻌﻨﻴﺔ ﺑـﺎﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﺠﻤـﺎﻟﻲ ﻟﻠﻔﻜـﺮ ﺍﻟـﺬﻱ ﺗﺘﻀـﻤﻨﻪ.

من ناحية أخرى تحدّث (تاركوفيسكي) عن تأرجح السينما بين أن يكون مادة فنية لها معناها السامي و بين أن يكون سلعة تجارية الغرض الأساسي منها تحقيقة الربح فيكفّ بذلك عن تحقيق غاياته التي نشأ من أجلها:

ﻣﻮﻗﻊ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻤﻠﺘﺒﺲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﻦ ﻭﺍﻟﺼﻨﺎﻋﺔ ﻳﻔﺴﺮ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺷﻴﺎء ﺍﻟﺸﺎﺫﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺒﺪﻉ ﻭﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭ.ﺍﻧﻄﻼﻗﺎً ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ، ﺍﻟﻤﺴـﻠﻢ ﺑﻬـﺎ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤـﻮ ﻋـﺎﻡ، ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺍﻧﻈﺮ إﻟﻰ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺃﻭ ﺇﺛﻨﺘﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻌﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺍﺟـﻪ ﺍﻟﺴـﻴﻨﻤﺎ، ﻭﺍﺳـﺘﻨﻄﻖ ﺑﻌـﺾ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺿﻊ. ﻛﻞ ﺻﻨﺎﻋﺔ، ﻛﻤﺎ ﻧﻌﻠﻢ، ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﻭﻟﻠﻨﻤﻮ.ﻭﻟﻜﻲ ﺗﻌﻤـﻞ ﻭﺗﺘﻄـﻮﺭ، ﻳﻜﻔﻲ ﺃﻥ ﺗﺴﺘﺮﺟﻊ ﻣﺎ ﺃﻧﻔﻘﺘﻪ ﺑﻞ ﺃﻥ ﺗﺤﻘـﻖ ﺭﺑﺤـﺎً ﻣﺆﻛـﺪﺍً. والفيلم بوصفه ﺳـﻠﻌﺔ، ﻗـﺪ ﻳــﻨﺠﺢ ﺃﻭ ﻳﻔﺸــﻞ، ﻭﻗﻴﻤﺘــﻪ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴــﺔ ﺗﺘﻮﻃــﺪ ﻋﻠــﻰ ﻧﺤــﻮ ﻣﺘﻨــﺎﻗﺾ ﻇﺎﻫﺮﻳــﺎ، ﻭﻓﻘــﺎ ﻟﻠﻌــﺮﺽ ﻭﺍﻟﻄﻠﺐ، ﻭﺣﺴﺐ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﺴﻮﻕ ﺍﻟﺼﺮﻳﺤﺔ. ﻭﺗﺠﺪﺭ ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﻫﻨﺎ ﺇﻟﻰ أﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻓﻦ ﺁﺧﺮ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻰ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ. ﻭﻃﺎﻟﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺗﻈﻞ ﻓﻲ ﻭﺿﻌﻬﺎ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻓﺴﻮﻑ ﻟﻦ ﻳﻜﻮﻥ ﺳـﻬﻼً ﺃﺑـﺪﺍً ﻟﻠﻌﻤـﻞ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎﺋﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﺃﻥ ﻳﺮﻯ ﺍﻟﻨﻮﺭ، ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺃﻥ ﻳﺼﻞ ﺍﻟﻰ ﺟﻤﻬﻮﺭ ﺃﻭﺳﻊ.
ﻃﺒﻌﺎً ﺍﻟﻤﻘﺎﻳﻴﺲ ﺍﻟﻤﻌﺘﻤﺪﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻮﺍﺳـﻄﺘﻬﺎ ﻳﺘﻤﻴـﺰ ﺍﻟﻔﻨـﻲ ﻋـﻦ ﺍﻟﻼﻓﻨـﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﺰﺍﺋـﻒ ﻫﻲ ﻧﺴﺒﻴﺔ، ﻏﻴﺮ ﻭﺍﺿﺤﺔ، ﻭﻳﺘﻌـﺬﺭ ﺍﻟﺒﺮﻫﻨـﺔ ﻋﻠﻴﻬـﺎ إلـﻰ ﺣـﺪّ ﺃﻥ ﻻ ﺷـيء ﻳﻤﻜـﻦ ﺃﻥ ﻳﻜـﻮﻥ ﺃﺳﻬﻞ ﻣﻦ ﺍﺳـﺘﺒﺪﺍﻝ ﺍﻟﻤﻌـﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴـﺔ ﺑﻤﻘـﺎﻳﻴﺲ ﻣﻨﻔﻌﻴـﺔ ﻣﺤﻀـﺔ ﻓـﻲ ﺍﻟﺘﻘﻴـﻴﻢ، ﻭﻫـﺬﻩ ﺍﻟﻤﻘﺎﻳﻴﺲ ﺗﻤﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺃﺿﺨﻢ ﺭﺑﺢ ﻣـﺎﻟﻲ ﻣﻤﻜـﻦ ﺃﻭ ﺑـﺪﺍﻓﻊ ﺇﻳـﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻲ ﻣـﺎ ،ﻭﻛﻼﻫﻤﺎ، ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮﺍء، ﺑﻌﻴﺪ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻋﻦ ﻏﺎﻳﺔ الفن؟

فيما بعد أكمل متسائلاً عن العوامل التي توجّه ذوق الجمهور و ما يريده من السينما:

ﺑــﺎﻟﻄﺒﻊ ﺍﻟﻌﻮﺍﻣــﻞ ﺍﻟﺴﻮﺳــﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺔ (ﺍﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻴــﺔ)ﺗﻠﻌــﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻫﻨــﺎ، ﻭﺇﻻ ﻟــﻢ ﺗﺘﻮﺟــﻪ ﺟﻤﺎﻋﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ إﻟﻰ ﺍﻟﻔﻦ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﺔ ﻓﻘﻂ، ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﻳﺒﺤﺚ ﺁﺧـﺮﻭﻥ ﻋـﻦ ﺣـﻮﺍﺭ ﻓﻜﺮﻱ؟ ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻳﻘﺒﻞ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺳﻄﺤﻲ ﻭ”ﺟﻤﻴﻞ” ﻇﺎﻫﺮﻳﺎً ﻛﺸﺊ ﺣﻘﻴﻘـﻲ ﻣـﻊ ﺍﻧـﻪ ﺳﻮﻗﻲ ﻭﺭﺩﺉ ﻭﻣﺒﺘﺬﻝ ﻭﻓﻆ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻫﻨﺎﻙ ﺁﺧﺮﻭﻥ ﻣﺆﻫﻠـﻮﻥ ﻟﺘﻠﻘـﻲ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑـﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴـﺔ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤﻮ ﺣﻘﻴﻘﻲ؟ﺃﻳﻦ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻧﺒﺤـﺚ ﻋـﻦ ﺃﺳـﺒﺎﺏ ﺍﻟﺼـﻤﻢ ﺍﻟﺠﻤـﺎﻟﻲ –ﻭﺍﻷﺧﻼﻗـﻲ ﺃﺣﻴﺎﻧـﺎً – ﻷﻋﺪﺍﺩ ﺿﺨﻤﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ؟ﺫﻧﺐ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ؟ ﻭﻫﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﻣﺴﺎﻋﺪﺓ ﻣﺜﻞ ﻫـﺆﻻء ﺍﻟﻨـﺎﺱ ﻋﻠﻰ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻹﻟﻬﺎﻡ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺒﻮﺍﻋﺚ ﺍﻟﻨﺒﻴﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻄﻠﻘﻬـﺎ ﺃﻭ ﻳﺜﻴﺮﻫـﺎ ﺍﻟﻔـﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘـﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ؟

أمّا عن الزمن و أشكاله وخصائصه، و دوره في التجربة الإنسانية فقد كتب:

ﻳﻘﺎﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺑـﻞ ﻟﻺﻟﻐـﺎء، ﻭﻫـﺬﺍ ﺻـﺤﻴﺢ ﺗﻤﺎﻣـﺎً ﺇﺫﺍ ﻛـﺎﻥ ﻳﺘﺼـﻞ ﺑﺎﻟﻤﺎﺿـﻲ، ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻧﻚ “ﻻ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻌﻴﺪ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ” ﻛﻤـﺎ ﻳﻘﻮﻟـﻮﻥ. ﻟﻜـﻦ ﻣـﺎ ﻫـﻮ ﻫـﺬﺍ “ﺍﻟﻤﺎﺿـﻲ” ﺑﺎﻟﻀﺒﻂ ؟ ﻫﻞ ﻫﻮ ﻣﺎ ﻗﺪ ﻣﻀﻰ؟ ﻭﻣﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻨﻴﻪ “ﻣﻀﻰ” ﻟﻠﺸﺨﺺ ﺣﻴﻦ ﻳﻜـﻮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿـﻲ، ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻜﻞ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﺎ، ﻫﻮ ﺍﻟﺤﺎﻣﻞ لكل ﻣﺎ ﻫـﻮ ﻣﺴـﺘﻤﺮ ﻓـﻲ ﻭﺍﻗـﻊ ﺍﻟﺤﺎﺿـﺮ، ﻟﻜـﻞ ﻟﺤﻈـﺔ ﺟﺎﺭﻳﺔ ؟ ﺑﻤﻌﻨـﻰ ﻣـﺎ، ﺍﻟﻤﺎﺿـﻲ ﺃﻛﺜـﺮ ﺣﻘﻴﻘﻴـﺔ، ﺃﻛﺜـﺮ ﺭﺳـﻮﺧﺎً ﻭﺍﺳـﺘﻘﺮﺍﺭاً، ﺃﻛﺜـﺮ ﻣﺮﻭﻧـﺔ ﻣـﻦ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ. ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ ﻳﻨﺰﻟﻖ ﻭﻳﺘﻼﺷﻰ ﻛﺎﻟﺮﻣﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺻﺎﺑﻊ، ﻣﺤﺮﺯﺍً ﺛﻘﻼً ﻣﺎﺩﻳﺎً ﻓﻘـﻂ ﻓـﻲ ﺗـﺬﻛﺮﻩ. ﺇﻥ ﺧﻮﺍﺗﻢ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺳـﻠﻴﻤﺎﻥ ﻛﺎﻧـﺖ ﺗﺤﻤـﻞ ﻫـﺬﺍ ﺍﻟﻜـﻼﻡ ﺍﻟﻤﻨﻘـﻮﺵ “ﺍﻟﻜـﻞ ﺳـﻮﻑ ﻳﻤﻀـﻲ“. ﺑﺎﻟﺘﺒﺎﻳﻦ ﻣﻊ ﻫﺬﺍ، ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﻭﺟﻪ ﺍﻻﻧﺘﺒـﺎﻩ إلى ﻛﻴﻔﻴـﺔ ﺍﺭﺗـﺪﺍﺩ ﺍﻟـﺰﻣﻦ ﻭﻋﻮﺩﺗـﻪ إلى ﺍﻟـﻮﺭﺍء. ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﺰﻣﻦ ﺃﻥ ﻳﺰﻭﻝ ﺑﻼ ﺃﺛﺮ، ﻧﻈﺮﺍً ﻷﻧﻪ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺫﺍﺗﻲ، ﺭﻭﺣﻲ. ﺍﻟﺰﻣﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﺸﻨﺎﻩ ﻳﺴـﺘﻘﺮ ﻓﻲ ﺭﻭﺣﻨﺎ ﻛﺘﺠﺮﺑﺔ ﻣﻮﺿﻮﻋﺔ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺰﻣﻦ.

بحث تاركوفيسكي في تشكّل المعرفة الإنسانية ، و دور الفن في تحقيق ذلك

ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ، ﻛﻞ ﻓﺮﺩ ﻳﺨﺘﺒﺮ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﻣﻌﺮفة ﺍﻟـﺬﺍﺕ ﻓﻴﻤـﺎ ﻫـﻮ ﻳﺘﻮﺻـﻞ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﻧﻔﺴﻪ ﻭﺃﻫﺪﺍﻓﻪ. ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ، ﻛـﻞ ﺷـﺨﺺ ﻳﺴـﺘﻔﻴﺪ ﻣـﻦ ﺧﻼﺻـﺔ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓـﺔ ﺍﻟﻤﺘﺮﺍﻛﻤﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺠﻨﺲ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ، ﻟﻜﻦ ﻣـﻊ ذلك ﻓـﺈﻥ ﺗﺠﺮﺑـﺔ ﻣﻌﺮﻓـﺔ ﺍﻟـﺬﺍﺕ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴـﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻟﻜـﻞ ﻓـﺮﺩ. و ذاتياً، ﻫـﻲ ﻣﺨﺘﺒـﺮﺓ ﻓـﻲ ﻛـﻞ ﻣـﺮﺓ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ ﺷﻴﺌﺎً ﺟﺪﻳﺪﺍً . ﺇﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳﻘﻴﻢ، ﺍﻟﻤﺮﺓ ﺗﻠـﻮ ﺍﻷﺧـﺮﻯ، ﻋﻼﻗـﺔ ﻣﺘﺒﺎﺩﻟـﺔ ﺑـﻴﻦ ﻧﻔﺴـﻪ ﻭﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﻳﺮﻫﻘﻪ ﺍﻟﺘﻮﻕ إلى ﺇﺣﺮﺍﺯ، ﻭﺍﻟﺘﻮﺣﺪ ﻣﻊ، ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻜﻤﻦ ﺧﺎﺭﺟﻪ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﻔﻬﻤﻪ ﻛﻀﺮﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻷﻭﻝ ﺍﻟﻤﺪﺭﻙ ﺑﺎﻟﺤﺪﺱ. ﺇﻥ ﺍﺳﺘﺤﺎﻟﺔ ﺇﺣﺮﺍﺯ ﺃﻭ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﻮﺣﺪ، ﻭﻋﺪﻡ ﻛﻔﺎﻳﺔ”ﺃﻧﺎﻩ” ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ، ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺍﻟﺪﺍﺋﻢ ﻟﺸﻌﻮﺭ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺎﻷﻟﻢ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻹﺷﺒﺎﻉ. ﻫﻜﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻦ، ﻣﺜﻞ ﺍلعلم، ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻻﺳـﺘﻴﻌﺎﺏ ﺍﻟﻌـﺎﻟﻢ، ﻭﺍﺳـﻄﺔ ﻟﻤﻌﺮﻓـﺔ ﺍﻟﻌـﺎﻟﻢ، ﺃﺛﻨﺎء ﺭﺣﻠﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻧﺤﻮ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻰ “ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘـﺔ“. ﻣـﻦ ﺟﻬـﺔ ﺃﺧـﺮﻯ، ﺫﻟـﻚ ﻳﺸـﻜﻞ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺃﻱ ﺗﻤﺎﺛﻞ ﺑﻴﻦ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﺘﺠﺴﻴﺪﻳﻦ (ﺍﻟﻔـﻦ ﻭﺍﻟﻌﻠـﻢ) ﻟﻠـﺮﻭﺡ ﺍﻹﻧﺴـﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺨﻼﻗـﺔ، ﺍﻟﺘـﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻻ ﻳﻜﺘﺸﻒ ﻓﺤﺴﺐ، ﺑﻞ ﻳﺨﻠﻖ.
ﺑﻮﺍﺳﻄﺔ ﺍﻟﻔﻦ، ﻳﺴـﻴﻄﺮ ﺍﻹﻧﺴـﺎﻥ ﻋﻠـﻰ ﺍﻟﻮﺍﻗـﻊ ﻣـﻦ ﺧـﻼﻝ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑـﺔ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴـﺔ. ﻓـﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ، ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ ﺗﺘﺠﻪ ﺻﺎﻋﺪﺓ ﺳﻠّﻤﺎً ﻻ نهائياً، ﻭﻫـﻲ ﺗُﺴـﺘﺒﺪﻝ، ﻋﻠـﻰ ﻧﺤـﻮ ﻣﺘﻮﺍﻝ، ﺑﻤﻌﺮﻓﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ، ﺣﻴﺚ كل ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﻏﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ ﻳﺪﺣﻀﻪ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺁﺧـﺮ ﻣـﻦ أﺟـﻞ ﺑﻠـﻮﻍ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﺧﺎﺻﺔ.
ﺍﻻﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﻔﻨﻲ ﻳﺤﺪﺙ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺮﺓ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﺻﻮﺭﺓ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻭﻓﺮﻳﺪﺓ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺗﺼﻮﺭاً ﻣﺒﻬﻤﺎً ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ. ﺇﻧﻪ ﻳﻈﻬﺮ ﻛﻜﺸﻒ، ﻛﺄﻣﻨﻴﺔ ﺧﺎﻃﻔـﺔ ﻭﻣﺘﻘـﺪﺓ ﻟﻠﺴـﻴﻄﺮﺓ ﺣﺪﺳـﻴﺎً ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ: ﺟﻤﺎﻟﻪ ﻭﻗﺒﺤﻪ، ﻭﺩﺍﻋﺘﻪ ﻭﻗﺴﻮﺗﻪ، ﻻ ﺗﻨﺎﻫﻴﻪ ﻭﻣﺤﺪﻭﺩﻳﺘﻪ.
ﺍﻟﻔﻨﺎﻥ ﻳﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺷﻴﺎء ﺑﺨﻠﻖ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻜﺎﺷﻔﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻱ، ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ. ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻳﺘﻌﺰﺯ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺑﺎﻟﻼ ﻣﺘﻨﺎﻫﻲ: ﺍﻟﺴﺮﻣﺪﻱ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻨﻬﺎﺋﻲ، ﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻲ ﺿـﻤﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ، ﻭﺍﻟﻼ ﻣﺤﺪﻭﺩ ﻳﻜﺘﺴﺐ شكلاً. ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻦ ﺭﻣﺰ ﻟﻠﻜﻮﻥ، ﻧﻈﺮﺍ ﻷﻧﻪ ﻣﺘﺼﻞ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺮﻭﺣﻴﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ، ﺍﻟﻤﺘﻮﺍﺭﻳﺔ ﻋﻨﺎ ﻓﻲ ﺃﻧﺸﻄﺘﻨﺎ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺬﺭﺍﺋﻌﻴﺔ.

ثنائية الحياة والموت في قصص إيفان بونين

إيفان بونين (1870 ـ 1953) أحد الأعلام البارزين في الأدب الروسي الكلاسيكي، وقد بدأ حياته الأدبية شاعراً، ولم يكن قد تجاوز العشرين من عمره حين نشرت مجموعة أشعاره الأولى، التي نال من أجلها “جائزة بوشكين“، ثم منح الجائزة ذاتها للمرة الثانية حين ترجم عن الشاعر الأمريكي (لونغفيلو) ملحمته الشعرية (هياواثا).

بيد أن (بونين) معروف في المقام الأول ككاتب نثر ممتاز، ويعد أهم كاتب للقصة القصيرة بعد (تشيخوف). ويتميز أسلوبه بالثراء اللغوي والعمق السيكولوجي. (بونين) شأن (تشيخوف) يأسر القارىء في قصصه بوسيلة أكثر من أي متعة أخرى، إن قصصه مواقف آسرة وشخوص فريدة، فالكاتب يجذب إنتباهنا فجأة لما هو عادي تماماً ومألوف عندنا في خبرتنا اليومية والحياتية، ولما مررنا به في الماضي مرات عدة دون أن تصيبنا الدهشة لولا ذاكرته الفنية.

في عام 1909، عندما كان في التاسعة والعشرين من العمر، منحته أكاديمية العلوم الإمبراطورية الروسية لقب “أكاديمي” تقديراً لإبداعه الأدبي، وهو شرف لا يحظى به، إلا القلة من العلماء والمبدعين.

نال (بونين) “جائزة نوبل في الآداب” لعام 1933، عقب صدور روايته (حياة ارسينيف). و كان أول كاتب روسي يحصل على هذه الجائزة. وجاء في نص قرار منح الجائزة ما يلي: “بقرار من الأكاديمية السويدية تمنح جائزة الآداب لـ(إيفان بونين) لقاء الموهبة الفنية الحقة التي تمكن بواسطتها من إعادة خلق الشخصية الروسية بقالب نثري جميل“.

عندما تقرأ قصص (بونين) لا يمكنك إلا أن تفكر في لغز الوجود الإنساني ومواجهة الإنسان لمصيره المحتوم.


ثنائية الحياة والموت في قصص إيفان بونين

ثنائية الحياة والموت، كانت واحدة من اهم الثيمات الرئيسية في ابداع (ايفان بونين). وقد عالجها الكاتب بطرق مختلفة، ولكنه في كل مرة توصل الى إستنتاج مفاده أن الموت جزء لا يتجزأ من الحياة، وليس للإنسان عزاء أو سلوى، لا في العمل، ولا في الحياة الأسرية. الحياة اليومية روتينية ومملة، والعمل مرهق، والناس غرباء بعضهم عن بعض. عندما يأتي الإنسان الى الحياة، فأنه يندفع على الفور الى نهايته. العالم هاوية، مستنقع، والموت مسألة صدفة. حياة الأنسان لا شيء بالمفارنة مع العالم. والانسان نفسه عاجز وضعيف بصرف النظر عن موقعه في السلم الاجتماعي. كل شيء في العالم زائف ووهمي، والحقيقة الوحيدة هي الموت. ويرى (بونين) ان الحب هو مقاومة للموت وتجسيد للحياة. ولكننا اذا تمعنا عن كثب في قصصه عن الحب، نجد مفارقة واضحة، وهي ان الحب السمة الرئيسية للحياة: من يحب، يعيش حقاً. ولكن الموت يترصد للإنسان دائما في كل لحظة، وفي كل مكان. ويرى (بونين) ان الحب العميق الجارف كونه تركيز للحياة واللحظة الاكثر توترا في الوجود الانساني ينتهي بالموت في أكثر الأحيان.

يأتي الإنسان الى هذا العالم، عالم الفوضى، لفترة جد قصيرة من الزمن، والحياة توهب له لأسباب غير مفهومة لا يعلمها، الا الله. والموت ينهي هذه الحياة على نحو مأساوي. وكل شيء يحدث مصادفة. وثمة ارتباط وثيق بين الحياة والحب والموت.

في مجموعة قصص (بونين) الرائعة (الدروب الظليلة)، والتي اطلق عليها النقاد اسم “موسوعة الحب”، نجد إن النهاية التراجيدية امر طبيعي، لأن الحب الحقيقي الجارف يقتل العشاق حتماً، مما ينقذهم من خيبة الأمل. ولهذا لا نجد في (الدروب الظليلة) قصة واحدة تنتهي بالزواج. الزواج يحمل معه العادة التي تقتل الحب عاجلا ام آجلاً.

في العالم الذي صوره (بونين) في اقصوصة “اسطورة” شخصان: هو وهي. هي ميتة، وهو على قيد الحياة، ولكنه يعرف أنه سيموت أيضا في يوم ما. و سيأتي آخرون الى هذا العالم، وهو يأمل أن يعد هؤلاء بدورهم الزمن الذي عاش فيه، اسطورياً.

وتعد هذه الأقصوصة، التي ترجمناها عن الأصل الروسي، نموذجاً لنظرة بونين الى العلاقة، التي لا تنفصم بين الحياة والموت.


أسطورة

على أنغام الأورغ والغناء، كان الكل يغني على وقع الأورغ أغنية حلوة، حزينة، ومؤثرة تقول: “ما أطيب الوقت معك يا الهي!“. على ايقاع الأورغ والغناء رأيتها فجأةً بجلاء واحسست بها. لا أدري من أين انبثق طيفها في خيالي بشكل مباغت وغير متوقع، شأن كل ما يفاجئني  به خيالي في الحالات المماثلة، على نحو يجعلني أفكر في الأمر طوال اليوم.

أعيش حياتها وزمانها. لقد عاشت في تلك الأيام الغابرة التي نسميها العصور القديمة. ولكنها رأت هذه الشمس ذاتها التي أراها الآن، وهذه الأرض التي أعشقها، وهذه المدينة القديمة، وهذه الكاتدرائية، والصليب الذي ما زال يسبح بين الغيوم، كالعهد به في العصور القديمة. وسمعتْ الغناء نفسه الذي اسمعها الآن. كانت فتية، تأكل، وتشرب. وتضحك وتثرثر مع جاراتها، وتعمل، وتغني. كانت فتاة شابة، فعروساً، ثم أماً. ماتت قبل الأوان، مثلما تموت النساء الرقيقات المرحات في ريعان الشباب غالباً. في هذه الكاتدرائية أقيم القداس على روحها. وها قد مرت قرون عديدة على رحيلها عن العالم الذي شهد منذ ذلك الحين كثيراً من الحروب الجديدة، والبابوات الجدد، والملوك والتجار والقساوسة والفرسان. في حين ان عظامها النخرة، جمجمتها الصغيرة الفارغة راقدة تحت الأرض، كما رفات الآخرين. كم عددها في الأرض هذي العظام وهذي الجماجم؟ ان كل الماضي البشري وكل التأريخ الإنساني حشود غفيرة من الموتى! وسيأتي يوم سأنضم فيه الى جموعهم. وسأبث أنا أيضاً الرعب بعظامي وجثتي في مخيلة الأحياء، كما فعلت تلك الحشود الغفيرة من الجيوش التي ستغرق الأرض يوم الحشر .. ومع ذلك سوف يعيش أحياء جدد بأحلامهم عنا نحن الموتى، وعن حياتنا القديمة وزماننا القديم الذي سوف يبدو لهم رائعاً، وسعيداً، واسطورياً ..

فرناندو بيسوا وحديثه عن النثر

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب كما كتب في سطور  كتابه  الاشهر (كتاب اللاطمأنينة) فقال:

أنني أفضل النثر على الشعر حيث أن الشعر شيء وسطياً، خطوة  من الموسيقى باتجاه النثر الشعر، مثل الموسيقى محكوم بقوانين إيقاعية محددة، وحتى لو لم تكن من نمط القوانين الصارمة للشعر المنظوم فهي قائمة، ومع ذلك، كدفعات، كإكراهات كأجهزة أوتوماتيكية للضغط والعقاب إما في النثر فنحن نتحدث أحرار بإمكاننا أن نضمن إيقاعات شعرية، وأن نوجد خارجها، مع ذلك إن تسرب إيقاع  شعري معين بصفة عرضية إلى النثر لا يعوق النثر ؛ لكن تسرب إيقاع نثري عرضا إلى الشعر يفسد الشعر.

وعن علاقة الفن بالنثر يقول (بيسوا):

الفن كله متضمن في النثر من جهة لآنه في الكلمة، الكلمة الحرة يتركز العالم بكامله. ومن جهة ثانية لأنه في الكلمة الحرة توجد الامكانية الكاملة لكي نعبر عن العالم ونفكر فيه في ان واحد في النثر نمنحه كل شيء، بواسطة التحويل نمنحه اللون والشكل اللذين ليس بمقدور الرسم منحه إياهما الا على نحو مباشر وبدون أي بعد حميم ؛ ونمحنه الايقاع الذي لا تمنحه الموسيقى إلا مباشرة أيضاً، وبدون شكل مُجسدن، ومجرداً من ذلك الجسد الثاني الذي هو الفكرة ؛ ونمنحه البنية التي إذا كان على المعماري أن يشكلها من مواد صلبة، معطاة وخارجية فإننا نصنعها من إيقاعات و ترديدات من متتاليات وانسيابات ؛ ثم نمنحه الواقعية التي على المثال أن يخالفها في العالم بلا ليونة ولا استحالة ؛ وأخيرا نمنحه الشعر ؛ الشعر الذي دور الشاعر في شبيه بدور المبتدئ في محفل سري هو عبد، وإنه طوعاً، لمقامات وطقوس معينه.

ويكمل قائلاً:

إنني على يقين من أنه، في عالم متحضر تماماً لن يوجد فن اخر غير النثر حتى الفنون الدنيا، أو تلك التي يمكن تسميتها كذلك، تظهر وشوشتها في النثر فثمة نثر يرقص، نثر يغني، نثر ينشد بذاته لذاته ثمة ايقاعات شفهية هي بحد ذاتها رقصات تتعرى فيها الفكرة ملتوية بشهية وحسويه نصف شفافة ومتقنة، ثمة في النثر أيضاً خبايا مرتعشة يبث فيها ممثل كبير هو الفعل، بجوهره المُجسدْن، عبر الايقاع، سر الكون المتعذر على الإدراك المحسوس.

تيريزا براور: يوم الأحد الذي رحل به الجمال الأسود

 

Teresa Praauer

تيريزا براور (مواليد 1979). وهي روائية، شاعرة وفنانة نمساوية، تكتب بالألمانية وتجيد الإنجليزية. لها عدة كتب مقدرة في الرواية والفن حصدت جائزة الأسبكت عن روايتها (السيد في ما وراء البحار) عن أفضل عمل نثري ألماني 2012، وهو العمل الوحيد المترجم للعربية وحصدت عدة جوائز أدبية أخرى آخر أعمالها رواية (أو شيمي) 2016 وقد لاقت صدى إعلاميا ونقديا رائعين.

في ترجمة حصرية، لدى ساقية، لأحد أعمالها القصيرة النادرة، والتي عنونتها بـ“يوم الأحد الذي رحل به الجمال الأسود”، كتبت (تيريزا):

ارتحل خيلي بعيدا في يوم أحد.

خيل أسود فحل سميته الجمال الأسود. قال لي بعض الناس: “هذا هو ذات اسم الخيل بالمسلسل التلفزيوني”. ولكن خيلي سمي بذلك قبله، وأنا يزعجني الحديث عن التلفزيون حين أتحدث عن خيلي.

لم اختر الجمال الأسود. لم أكن أحب الخيول أبدا، حتى عندما كنت طفلة. ما حصل أنه كان يسكن بالجوار. وكنت أحب مشاهدته عندما يقف على التل البعيد جدا؛ كان يبدو منسجما في الأعلى هناك، يلصق كمامة لجامه بالعشب الرطب، والشمس كانت منخفضة حقا مع الأفق، وهو مستلق منسجم بالمعنى الحرفي في الأعلى، في انعكاس الضوء يبدو الجمال الأسود أكثر سوادا منه في الحقيقة. أحيانا يظهر في بقعة محددة، بحيث يبدو معطفه قصيرا. و في أماكن مختلفة يبدو وكأنه فظ ومتعب. وقد يبدو عُرفُه مجعدا حينا ومصفّفا في أحيان أخرى. شعرت بإحساس يشبه القرَابة عندما رأيته واقفا بذلك المقدار من المسافة، لكنه إحساس غامض، ربما كان احساسا بالشفقة أو الكآبة.

لم يكن لدي أي شيء أهتم به بعيدا عن ذلك الخيل وبصراحة تامة لم يكن هناك الكثير الذي يعني لي شيئا، ولكن وبشكل مفاجئ منذ ذلك اليوم الذي وقف هناك وأنا لا أستطيع ولا أريد أن أتخيل كيف ستكون الأمور بدون هذا الحيوان. يقول الناس: “هكذا هو الأمر مع الخيول”. ثم يضحكون ويربتون على كتفي. أعتقد أنهم كانوا سعداء أو شعروا بالشماتة لأنه أصحب لدي أيضا ما أهتم به وأقلق عليه.

عندما وقف الناس في حجرتي ينظرون من نافذتي رأوا الجمال الأسود يرعى في التل البعيد. عادة لا يدركون أنه خيل حقيقي.

 غالبا ما يقولون في النظرة الأولى أنه ورق مقصوص أو ظل خروف أو نجمة سوداء أو شيء ما يشبه لعبة راقصة باليه آلية.

ولكن، يا للسماء، ليس خيلا حقيقيا. يأتون بتبريرات بعيدة جدا لكي يبعدوه عن كونه خيلا حقيقيا يرعى العشب في التل البعيد.

لم يصدقني أحد إلا بيوم الأحد الذي رحل به الجمال الأسود.

كنت مع مجموعة نتنزه على التل ثم استلقينا كلنا في الأرجاء، وكدليل تكوّمت فضلات الحصان كثمر متساقط، ثمر كثير جد وكأنه نتاج حصاد خريفي، لو كان يحصد تفاح الخيول.

كان الثلج قد  استقر الثلج في بعض البقع بالتل، ورأى الناس شعر حصان أسود محاصر بين بلورات الثلج المتلألئة على السطح. لقد خلف ورائه أكثر الآثار رقة وكأنه رسم بقلم دائم خطا رفيعا جدا جدا.

توقفنا لنرى الشعر بشكل جيد، وقال بعضهم أنهم يستطيعون صنع شيء بهذه الشرائط.

 إلى أين ارتحل؟ وهل سنرى بعضنا البعض مرة أخرى.

عن حبسة الكاتب، من رسائل درويش وسميح

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني [2] التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب حمل اسم (الرسائل)، جُمعت تلك الرسائل التي تبادلها كلًا من (درويش) وصديقه (سميح القاسم) (1939-2014)، وأحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، رئيس التحرير الفخري لصحيفة كل العرب، عضو سابق في الحزب الشيوعي. 

في رسالة أرسلها (درويش) إلى (سميح) بالخامس من أغسطس، عام 1986 من العاصمة الفرنسية (باريس)، شكى (درويش) من حبسة الكاتب، كما كتب عن بعض من عاداته في الكتابة، فقال في رسالته:

عزيزي (سميح)،

[…] لقد انقطعت شهيتي عن الكتابة فجأة، لا لأن جدران المراحيض العامة هي صحافة المستقبل الحرة، بل لأنني لم أحترف الكتابة بعد كما لم آلف الزواج، فهل ينبغي عليّ أن أخاف هذا الصيف الذي يدفع النفس إلى الخمول، ويطلق أفاعي الذكرى من أوكارها؟ أم ينبغي عليّ أن أغتصب الكتابة؟

منذ شهور، وأنا أروض عاداتي. أصحو لأكتب. أصحو من أجل أن أكتب، وأنقح حياتي من عبث كان ضروريًا حين كان يبدو لي أن في العمر متسعًا لنضج فواكه اللغة. ولكن، أليست الكتابة عبثًا أقسى في هذا الصراع الضاري مع بياض لا ينتهي؟ فكلما كتبنا أحسسنا بأننا لم نكتب بعد. وكلما قرأنا شعرنا بأننا لم نبدأ القراءة.

ومن مشاكلي أنني لا أكتب في الليل. لا أحب الليل ولا أطمئن إلى الليل. والصباح هنا قصير. والفجر رصاصيّ موشح بحمام أسود. الحمام هنا أسود. ومن مشاكلي المهنية أيضًا أنني لا أعرف الإجازة، لا أعرف ماذا أصنع بالإجازة التي يقدسها الناس هنا. لذلك، اختلف مع الصيف ولا أتفق مع الليل. تعال .. تعال إذا استطعت لنواصل هجاء الزمان والمكان ولنلعب الطاولة، ولنطهو مذاق الطعام القديم.

هل يصيبك هذا العقم المفاجئ؟ هل يجتاحك الإحساس بالهزيمة النهائية إذا توقفت أسبوعًا واحدًا عن الكتابة إلى درجة تنسى معها أنك قد أنتجت كثيرًا هذا العام؟ قد علمتني تجربتي المتكررة، في هذا الإحباط، أن أبتعد عن المحاولة، فالكتابة حرون لا تنفع معها وسائل الإغراء إن عصت. سترضخ، سترضخ. تبًا لهذا الصيف. تبًا للجرائد.

قلت لي إنك تخاف كتابة النثر. لماذا تخاف؟ يبدو لي، يا عزيزي، أن النثر هو ديوان هذا العصر، إذا أبقى له التلفزيون له باقية! وماذا لو سرق النثر شيئًا من الشعر. أليس النصّ نصّك؟ لا أظن النثر هو استراحة الشاعر، أو فضيحته كما يقولون. فقد تتحقق الشاعرية في النثر أكثر من تحققها في القصدة المشروطة بشكل قد يكبح جماح الجنون، هناك دائمًا فائض شعري ينبجس من مكان آخر. المهم هو ألا نؤجل هذا الانبجاس، فليس من الصواب أن ندخر الشعر إلى أن تأتي قصيدته التي قد لا تأتي.

إياك، يا عزيزي، إياك أن تغربل النثر لتفصل ما يصلح منه للقصيدة القادمة، فالشعر لا يسقط في النثر، بل يولد معه، وأنت أدرى من سواك بأن الشاعرية شهوة تصعب إعادة إنتاجها في شروط توتر محسوب. الرغبة تصبح وتنفجر ولا تُنقل إلى موعد آخر.

ضع نفسك في الريح والجنون، فليس في وسع الشاعر إلا أن يكون شاعرًا.

[…]

أخوك محمود درويش

(باريس – 5 / 8 / 1986)

وجاء الرد من (سميح) بعد أسبوع، والذي يقول فيه:
سميح القاسم

العزيز (محمود)،

[…] لا يقلقني تحفظي من النثر، فهو كما يبدو تحفظ ذهني يشكل تساؤلًا أكثر مما يشكل موقفًا. وهو قائم على القناعة بأن عملية الكتابة، أية كتابة؛ القصيدة، الرسالة، الخبر الصحفي، المقالة، الإهداء الخاص على كتاب تهديه إنسانًا عزيزًا عليك، كلها تستهلك طاقة ما من المخزون المتراكم في حالة الكتابة وأعني بحالة الكتابة، تلك الحالة التي يتغير فيها وضعك النفسي والجسدي معًا، تنتابك غيبوبة ما، ترتفع حرارتك قليلًا، ترى ولا ترى، تسمع ولا تسمع، ولا ينقذك من اختلال التوازن الطارئ سوى ذلك الاندغام الكامل بين روحك وجسدك وقلمك والورقة الساحرة المستلقية بين يديك مثل امرأة وآلهة تصيح: “خذني”.

بلى، يصيبني “العقم المفاجئ” أحيانًا. ذات مرة استمر شهورًا بكاملها. استحوذ عليّ رعب لا يُوصف. لعله الرعب الذي يكتسح إنسانًا كاشفه الطبيب بأن داء السرطان لن يمهله طويلًا. لم أجد السلوى إلا في حكمة تلك النبعة الجبلية في كرم الزيتون الذي أشارت إليه إحدى رسائلك السابقة. أنها تحتبس عامًا وأكثر لتعود وتتدفق من جديد في موعد غير متوقع ولا يقدر إنسيّ على حسبانه.

[…]

أخوك سميح القاسم

(الرامة – 12 / 8 / 1986)