أرشيف الوسم: أدب

كيفية التعافي من آلام الفقد برأي بيرل باك

Image result for Pearl Buck

بيرل باك (1892-1973)، كاتبة وروائية أمريكية. ولدت لأبوين أمريكيين يعملان في الصين. عاشت (باك) معظم طفولتها في الصين، إلى أن عادت، في سن السابعة عشر، إلى وطنها أمريكا، حيث التحقت بإحدى الكليات الجامعية. كتبت (باك) العديد من الروايات والقصص القصيرة، من أشهرها رواية (الأرض الطيبة) التي نشرت عام 1931.

في عام 1938 حصلت على جائزة نوبل في الأدب. كما ساهمت (باك) في إثراء أدب الطفل، فكتبت العديد من قصص الأطفال، من بينها رواية (الموجة الكبرى)، التي نشرت عام 1947، وترجمها إلى العربية (سالي رءوف) ونشرها المجلس القومي للترجمة، في سلسلة (عالم الطفل)، عام 2013.

Image result for ‫الموجة الكبرى‬‎
تحكي الرواية عن (كينو)، الفتى الصغير، الذي يعيش على جانب إحدى الجبال في اليابان مع أسرته، وعن صديقه (جيا) الذي يعيش في قرية صيادين عند سفح الجبل. مع بداية الرواية يسمع (كينو) عن (الموجة الكبرى)، التي يخافها جميع أهل القرية، صغارًا وكبارًا. وذات يوم حدث ما كان يخافه أهل القرية، وجاءت الموجة الكبرى وأغرقت المنازل عند سفح الجبل، وفقد (جيا) عائلته.

تأثر (كينو) بما حدث لعائلة (جيا)، وذهب إلى أبيه حزينًا يشعر بالهزيمة وأخبره أنه لا يظن أن صديقه (جيا) سيصبح قادرًا على الشعور بالسعادة بعد الآن، فرد عليه والده قائلًا:

بل سيصبح سعيدًا ذات يوم. فالحياة دائمًا أقوى من الموت. سيشعر (جيا) عندما يستيقظ أنه لن يستطيع ابدًا أن يصبح سعيدًا مرة خرى. سيبكي ويبكي ويجب أن ندعه يبكي، لكنه لا يستطيع أن يستمر دائمًا في البكاء. بعد أيام قليلة، سيتوقف عن البكاء الدائم.. سيبكي بعض الوقت فقط. سيجلس حزينًا وصامتًا، ويجب أن نتيح له أن يحزن، ويجب الا نحمله على الكلام .. لكن ذات يوم سيشعر بالجوع ويأكل شيئًا مما تطوه أمنا، وسيبدأ في الشعور بأنه تحسن، ولن يواصل البكاء بعدئذ خلال النهار، لكنه سيفعل ذلك ليلًا. ويجب أن نتركه يبكي في الليل. لكن خلال كل هذا الوقت سيقوم جسمه بتجديد نفسه .. دمه الذي يتدفق من شرايينه، عظامه التي تنمو، وعقله الذي سيبدأ ثانية في التفكير، كل هذا سيجعله يعيش.

فرد (كينو) على والده بأن (جيا) لن يستطيع نسيان عائلته التي فقدها، فرد عليه أبيه:

إنه لا يستطيع ولا يجب أن ينساهم. لكن تمامًا كما عاش معهم وهم أحياء، سيعيش معهم وهم أموات. ذات يوم سيتقبل موتهم باعتباره جزء جزءًا من حياته، وعندئذ لن يعود إلى البكاء. سيحملهم في ذاكرته وأفكاره.. لحمه ودمه جزء منهم.. وطالما هو يعيش فإنهم ايضًا سيعيشون معه.

 

أشهر القبلات في تاريخ الأدب العالمي

 

إيميلي تيمبل

في عام ٢٠١٢، نشرت (إيميلي تيمبل) في صحيفة The Atlantic Magazine، مقالة أسمتها “أشهر القبلات في تاريخ الأدب العالمي”، ننشر لكم ترجمة حصرية لمقالتها في ساقية.

تقول (إيميلي) في افتتاحية مقالتها:

ومثل كل المهوسيين بالكتب، لا نستطيع أن نساعد، ولكن نستطيع أن نفكر في أكثر مؤلفات الأدب الرومانسي عمقاً. وبالتحديد كتبنا التي أصبحت مفضلة، تلك الكتب التي زودتنا بالوحي الإلهي الصغير. وبعد كل ذلك لا أعتقد ان هناك ما هو أكثر رومانسية من امتلاك عناصر التعبير عن المودة والحب. ومن هذا الذي يستطيع التعبير عنه أفضل من (شكسبير)، و(نابكوف)، و(بايرون)؟ ولذلك إذا كنت تبحث عن  أفكار للأعتناء أكثر برومانسيتك، أو حتى إذا كنت هنا لفضول وإغراء الموضوع فقط، فهنا أعظم 10قبلات في تاريخ الأدب العالمي، والتي انطوت بدورها على خلفيات وقصص في غاية العشق الإنساني ومفترق التحديات المصيرية:

ثم تكمل بعد ذلك في سردها لهذه القبلات الشهيرة:

أولًا:

القبلة الأولى كانت من نصيب رواية (ذهب مع الريح)، للكاتبة الأمريكية (مارغريت ميتشل). [1936]

وفي ذلك المقطع المُرتبك و الإستثنائي من الرواية، وقبل أن تسحب (سكارليت أوهارا) عقلها من أماكنها البعيدة، حيث ألتفت ذراعيّ (ريت بيتلر) حولها، ستشعر عندها بالعجز المتنامي من عشيقها الأول (آشلي ويلكس) ومع شعورها المتكرر بالعدم، يقرّب (ريت بيتلر) رأسها بين ذراعيه بحنو ويقبّلها، تلك القُبلة التي ستبدأ بهدوء ونعومة في البداية، لتتدرج سريعاً بعد ذلك بشدة محمومة، ليلتحمان بعد ذلك بكلا شفتيهما، إصراراً وفراقاً وهزاً، تلك الهزات التي ستنتشر على طول أعصابها، وبجسدها المليء بالأحساس ستفكر عندها أنها لم تكن تعرف أنها قادرة على الشعور مرةً أخرى، لتجد نفسها أخيراً تشعر و تُبادله القُبل.

ثانيًا:

من مسرح (روميو وجوليت)، لـ(وليام شكسبير). [1596]

– (روميو): (إلى جولييت) بعد أن قبّل يدها لأول مرة:

عفواً إن كانت يدي الأثيمة قد دنست حرم يديكِ المقدس فدنسته

فلو كان لي أن أزيل خطيئتي بخطيئة عذبة، إذ أن لي شفتين كالحجاج

حمراون من فرط الخجل.

– (جولييت): يا أيها الحاج الكريم ظلمت كل الظلم راحتك، فهي التي

أبدت أخلاق العابدين، وفي تلامس الكفين للحُجّاج قُبلةً مقدسة.

– (روميو): لكن أليس للحاج والقديسة شِفاه؟

– (جولييت): بلى، ولكن يقتصرن على الصلاة.

– (روميو): إذاً فلنجعل الشفاه يا قديستي، تفعل ما تفعله الشفاه.فها هما الآن تصلّيان لك.

– (جولييت): لكن قدّيساتنا لا تتحرك، حتى ولو سمعت دُعاك.

– (روميو): إذاً لا تتحركي .. حتى أنال ثَوابي، وتزيل قُبلة ثغرك البسّام أثار الخطيئة من فَمي.

[فقبَّلها]

– (جولييت): نقلت إلى شفتي حطيئة ثغركَ!

– (روميو): خطيةً من مبسمي؟ ما أعذب الأثم الذي دعوتني إليه!

هيّا أعيدي لي خَطيئتي!

[فقبَّلها مرةً أخرى].

ثالثًا:

رواية (بيتر بان)، للاسكتلندي (جيمس باري). [1911]

“ولأن ليس أعظم القبلات دائماً تكون حقيقية”

(بيتر بان)، الطفل الخيالي الشقي والممتع الذي لا يكبر أبداً، والذي لا يعرف معنى القبلة! هذا الطفل الذي يأتي من عوالمه البعيدة، ليستمع إلى حكايات (ويندي) لأخويها الآخرين، عن (سنو وايت) و(سندريلا) و(الحسناء النائمة) .. وفي إحدى الليالي المشحونة بالأثارة والتشويق، حين تنهض من سريرها وتقترب منه لتقول: “سأعطيك قبلة لو أردت”، ولكن (بيتر) لا يعلم ماذا كانت تقصد! ماداً يده لها بترقب وكأنه ينتظر شيء ستضعه هي داخل يده. لتجيبه (ويندي) باستغراب “ألا تعرف ما هي القُبلة؟”، ليجيبها (بيتر الخيالي): “سأعرف عندما أراى واحدة منها”، ولكي لا تجرح شعوره ناولته كشتبان الخياطة. ليشعر انه لابد أن يرد الجميل. “أيجب عليَ أن أعطيك قبلة أيضاً؟”، لتجيبه مادة شفتيها ووجهها إليه: “إذا سمحت”. تنتظر (ويندي) القُبلة، وهي مغمضة العينين، ولكن (بيتر) الجاهل يرى وجهها باستغراب ويناول يدها قطعة خشبية من البلوط، لتسايره (ويندي) وتلفها بسلسلة حول عنقها .. قائله بخيال: “أنه من الجميل أن تلف قُبلة حول عنقها”.

رابعًا:

رواية (غاتسبي العظيم) لـ(فرنسيس سكات فيتزجيرالد). [1925]

“ولأن ليس أعظم القبلات تقع على المنصة، وعلى مرأى من الكل، ولأن هذه القبلة هي واحدة من أصدق مفاهيم القبلات عبر تاريخ قراءة الأدب”.

غاتسبي: “لقد كان على هذا النحو، آخر ما كنت أتذكره هو وقوفي بجانب (دايزي)، ومشاهدة الصور المتحركة للمفرقعات النارية في السماء ونجومها الاصطناعية. كان الجميع مازالوا تحت أشجار البرقوق البيضاء، وقد لامست وجوههم الظلال الشاحبة للأضواء في السماء، وخيوط قليلة من ضوء القمر بينهم. خطر لي أن هذا الانحناء كان يقترب كل مساء لتحقيق هذا التقارب بيننا. وحتى انتهيت من مراقبة أنحداره لآخر درجاته، اقتربت أكثر، وقبّلتها على خدها”.

خامسًا:

فارمير وإيوان، في (عودة الملك) لـ(جون تولكين)، من سلسلة (ملك الخواتم). [1955]

“ولأن بعض الأحيان، كل ما تحتاجه هو قبلة على الجبين وفرصة لتدع شَعرك، يتحدث بدلاً عنك”

في تلك اللحظة عندما تقول (إيوان): “أذاً أتعتقد أن الظلام قادم؟”، الظلام الذي لا مفر منه، لتجد نفسها تلتصق به بقوة. ليرد (فارمير): “لا”، ناظراً لوجهها، ليفكر أن شراً عظيماً قد حلَ، وأنهم على وشك النهاية، ولكن قلبه يقول له: “لا”، بجميع أطرافه الخفيفة بالأمل والفرح يقول له “لن يحدث، في هذه الساعة لا أؤمن أن أي ظلام سوف يدوم”، يقول لها ليتوقف عن الكلام عندها، ويقبل جبينها .. وهكذا وقفوا على جدران مدينة (غوندور)، لترتفع حينها ريح عظيمة مع الفجر، بشعرهما الذهبي والأسود والمختلط بقربٍ مع الهواء.

سادسًا:

أسطورة (دافنيس وكلوي)، للأغريقي (لونقس).

دافنيس: “يا الهي.ما هذه المشاعر؟ شَفتيها أكثر نعومة من أوراق الوردة، فَمها حلو كالعسل، ولها قُبلة تلحق بي أكثر من ألم لسع النحل، وإنني كثيراً ما قبّلت أطفالي، وإنني كثيراً ما قبّلت خرافي، ولكني أبداً، ما عرفت البتة مثل تلك القُبلة. نبضي يتضارب أسرع، يال دقات قلبي، كما لو كنت على وشك الأختناق، ولكن على الرغم من ذلك، أرغب بقبلة أخرى، غريب! لم يحدث أن أشتبه عليَ الألم .. وبثمالة أتساءل هل (كلوي) قبّلتني حقاً؟ وكيف حدث أنها نفسها لم تمت من تلك القبلة؟!

سابعًا:

كالي وكلمنتين، من رواية (ميدلسكس)  أو (الجنس الوسط)، لـ(جيفري يوجينيدس). [2002]

“ولأن القبلات الطفولية البريئة يمكن أنّ تغير الحياة”

بحواف عين (كلمنتين) المحترقة، تثائبت وهي تفرك أنفها براحة يدها، لتسألني: “هل ترغب في تجريب القُبّل؟” .. “لم أكن أعرف كيف أجيبها، فأنا أعرف مسبقاً كيف أقبّل، أليس كذلك؟ ولكن وكأن هناك شيء أكثر من ذلك تريد أن تتعلمه. وخلال جولة هذه الأسئلة في رأسي، كانت (كلمنتين) تمضي قدماً في تجريب التقبيل، كانت تقول أنها جاءت خصيصاً لتواجه وجهي، ومع تعبير خطير من عينيها، أحاطت بذراعيها حول عنقي .. شعرت أن وجهي وشفتيّ مسلوبة، لم أمتلك أي هجوم أمامها، لكن ما أود لك أن تتخيله معي هو وجه (كليمنتين) الأبيض، يقترب ملاصقاً لوجهي، بعينيها الناعستين والمُغلقة الآن، بشفتيها التي تعلو الآن، وتخلف تجعيدها من أثر التقبيل، بجميع أصوات العالم التي تحولت صامتة في هذه اللحظات! بحفيف وتحرك ملابسنا، بأمها التي تصعد السلالم من الأسفل، بضجيج الطائرة التي ترسم علامة تعجب في السماء، كل ذلك كان صامتاً. مثل تعليم (كلمنتين) على وجهي الآن، بشفتيها التي تبلغ من العمر ثماني سنوات على شفتيّ.

ثامنًا:

لوليتا وهمبرت، في رواية (لوليتا) لـ(فلاديمير نابوكوف). [1955]

“لحساسيتها المُفرطة، ولعبقرية غنائيتها الغير مريحة، وللطريقة التي نُحرج ونتلوى بها على مقاعدنا كلما قرأناها”

وما كادت سيارتي تقف، حتى كانت (لوليتا) قد طارت إلى ما بين ذراعي..

على أنني اكتفيت بأن أمس مساً رقيقاً، وبأقصى الحذر شفتيها المنفرجتين الدافئتين، ذلك أنني لم أجرؤ على أن أطلق لنفسي العنان. ولم أجرؤ على أن أدع روحي تدرك من أنّ هذه هي بداية الحياة الرائعة التي انفتحت لي أبوابها بمساعدة القدر .. كانت قُبلتي لها بريئة خالية من كل شهوانية، ولكن (لوليتا) دفعت بنفسها بفروغ صبر، وأطبقت بفمها على شفتيّ بقوة، أحسست معها بوطأة أسنانها الأمامية، وتذوقت من خلالها رضابها الممتزج بطعم نعنان العلكة..

تاسعًا:

وأخيراً، هيدي وجوان، من الملحمة الشعرية (دون جوان) لـ(لورد بايرون). [1824]

“ولأن قبلة واحدة منكِ، يمكن أن تساوي يوم كامل من الصيف”

إنهم ينظرون للسماء، بتوهجها العائم

مُنتشرةٍ كمحيطٍ ورديّ، واسعةً ومشرقة

إنهم يحدقون على البحر المتلألئ أدناها

أين يرتفع القمر مُحلقاً في الأفق؟

سمعوا الموجات المتدفقة

والرياح المُنخفضة أكثر

لينتبه كلاً منهما لأندفاع نور عينيّ الآخر فيه

لتقترب وجوه شِفاهِهم أكثر.. وتتشبث بقبلة.


[المصدر]

لماذا يُكتبُ التاريخ الأدبيّ ؟

frenchlibrary3-1024x768
كليمان موازان، ولدت في باريس ودرست اللغات الشرقية في جامعة لومونوسوف في موسكو. كتبت موازان عددًا من الكتب، بالإضافة إلى ترجماتها ومشاركاتها الصحفية.

في كتاب (ما التاريخ الأدبي؟) من تأليف (كليمان موازان)، تحدث في أحد فقراته عن سبب كتابة التاريخ الأدبي. فيقول مستفتحًا حديثه باقتباس عن (رولان بارت) بالمصدر التتالي (تدريس الأدب، باريس، من منشورات Plon)، يقول فيه:

تاريخ الأدب موضوع مدرسيّ أساسًا ولا وجود له، بالضّبط، إلاّ من خلال تدريسه، فالأدب هو ما يُدرس و كفى. إنه موضوع للتّدريس.
رولان بارت، تدريس الأدب، باريس، من منشورات Plon.

ثم يُتبع (موازان) حديثه فيقول:

لقد أجاب (رولان بارت) جوابًا حاسمًا عن سؤال: “لماذا يُكتب التّاريخ الأدبيّ؟” من أجل تدريسه. فالتّاريخ الأدبيّ هو، أولاً وقبل كل شيء، أداة تدريس، و من ثم فهو وسيلة لنقل المعارف، تصبحُ بسبب هذا المؤسساتي، شكلاً من أشكال التربية بكل معاني الكلمة؛ الوطنيّة، الأخلاقية، الدّينية، السياسية، القوميّة و غيرها، لكن قبل أن يصل التاريخ الأدبي إلى هذه الغاية وحتى يصل إليها كذلك فإنه يتبنى مجموعة من الأدوات التي تقوم على أنماطٍ مختلفةٍ من فهم الحدث التاريخي، وعلى مناهج تسمح بتفسيرها و وصفها. وبما أن الأمر يتعلق بتدريس معين، فمن السهولة بمكان أن نفهم أن غاية التاريخ الأدبي إنما تمكن، في المقام الأوّل، في تنظيم الوقائع و منحها معنى معينًا، وفي حالتنا هذه، منح معنى إلى الكتّاب و الأعمال الأدبية اللذين يشكلان موضوع حكاية أو سرد.

ثثم يقول بعد ذلك:

غير أن التدريس لم يكن أبدًا نشاطًا محايدًا، فنحن لا ننقل معارف موضوعية خالصة بل ننقل، على العكس من ذلك تمامًا، معارف ذاتية خالصة. إننا نتداول الوقائع و الأفكار، رغم أنفنا وبعلم منا، ونغلفها بطرقنا الخاصة في النظر إليها وفي فهمها، إن العامل المحول هو ذلك الأستاذ الذي يختار النصوص، على غرار الكتاب المدرسي، ويقطعها تبعا لرغباته، محددًا معناها السياقي، وذلك بهدف تقييمها وتكريسها للحصول على إقرار المؤسسة في نهاية المطاف.

إيجلتون يتحدث عن خطأ شائع في قراءة الأدب

تيري إيجلتون

تيرينتس فرانسيس إيجلتون، (مواليد 1943)، هو أحد أهم الباحثين والكتاب في النظرية الأدبية ويعد من أكثر النقاد الأدبيين تأثيراً بين المعاصرين في بريطانيا.

في كتابه (كيف نقرأ الأدب)، والذي قام بترجمته الدكتور (محمد درويش)، تحدث (إيجلتون) عن أحد أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة الأدب، فيقول:

وأكثر الأخطاء التي يقترفها طلاب الأدب شيوعًا يتمثل في السعي إلى معرفة ما تعبر عنه القصيدة أو الرواية، غاضين الطرف عن الأسلوب الذي تعبر به.

ويبرر مقولته السابقة، فيقول:

إن مثل هذه القراءة إنما تعني إهمال الطابع الأدبي للعمل؛ بمعنى أنه قصيدة أو مسرحية أو رواية وليس تقريرًا عن حادثة تآكل التربة في ولاية نبراسكا. إن الأعمال الأديبة قطع بلاغية وتقارير أيضًا، وتتطلب نمطًا من القراءة على درجة بالغة من اليقظة؛ نمطًا منتبهًا للنبرة والحالة المزاجية والسلاسة والجنس والنحو والتراكيب والنسيج والإيقاع وبنية السرد وعلامات التنقيط والإبهام، بل لكل ما ينطوي عليه موضوع الشكل. صحيح أن في وسع القارئ أن يقرأ دومًا تقريرًا عن تعرية التربة في نبراسكا بهذا الأسلوب الأدبي.

ومن شأن هذا أن يعني بكل بساطة إيلاء بالغ الاهتمام باشتغال بغته. ومن شأن هذا أيضًا أن يكون كافيًا في رأي بعض منظري الأدب لتحويله إلى عمل أدبي، وإن ليس ندًا ربما لمسرحية (الملك لير).

ويقول أيضًا عن مكانة اللغة في الأدب:

إن إحدى المعاني التي نريدها بأي عمل “أدبي” هو ذلك المعنى الذي يُنظر به إلى ما يُعبّر عنه في ضوء الأسلوب الذي يُعبر به. وهو نمط كتابي لا ينفصل فيه المضمون عن اللغة التي جاء التعبير بها. فاللغة مؤسسة لواقع التجربة وليس وسيلة لها.

أفونسو كروش في حديثه عن الخيال

أفونسو كروش

أفونسو كروش، من مواليد عام 1971. هو روائي برتغالي، ومصوِّر، وموسيقي. وُلد في فيجيرا دا فوز، ودرس في كلية أنتونيو آرينو للآداب في لشبونة، وكلية الفنون الجميلة في لشبونة أيضًا، ومعهد ماديرا للفنون التشكيلية.

في روايته (هيا نشتر شاعرًا)، وهي نوفيلا قصيرة ساخرة، جعل فعلها الأخير للحديث عن وجهة نظره حول الشعر والفنون بشكل عام، نقتبس منها حديثه عن الخيال، حيث يقول:

يُقال في بعض الأحيان إن الخيال هو هروب مزعوم من الواقع، وكما قال (إليوت): “الإنسانية لا تتحمل كثيرًا من الواقع”، كما لو أنه لم يصل إلينا أو أنه آلمنا ولذلك نحتاج إلى قليل من الخيال، كحاجتنا إلى المخدرات والترفيه. إذ يمكننا أن نكون نفعيين أكثر ونكتشف في الخيال نفعية أكبر غابت عن عالم النفس الذي يحدثنا عن الفظائع والمظالم.

الخيال ليس هروبًا من القبح، ومن الرعب، ومن المظالم الاجتماعية، وإنما، هو بالضبط تصميم لبناء بديل، هندسية فرضية لمجتمع أكثر انسجامًا مع انتظاراتنا الإنسانية والأخلاقية.

“ليس في كل يوم ينتظم العالم في قصيدة”، قال (والاص ستيفنس)، ولكننا نحاول في كل يوم أن نجعل من بعض القصائد عالمًا. وعلى الرغم من كل جهود الردع، فإن التراجع عن فعل ذلك ليس خيارًا بشريًا بالمرة.

الخيال والثقافة يبنيان كل ما نحن عليه. لم نولد بفراء وأسنان ومخالب. وإنما صنعنا ملابس وأدوات كانت دائمًا نتاج الخيال والثقافة. الحقيقة تنقذنا لأسباب واضحة لكن الخيال أيضًا. يمكن أن نُنبّه إلى أن هناك نمرًا يقترب منّا، فمن المهم قول الحقيقة، الملاحظة، ولكن لندافع عن أنفسنا نحتاج، وقبل أن يقترب منا الحيوان، إلى تخيّل إمكانية نجاتنا. حرفيًا، الخيال ينقذنا. فلأننا تخيّلنا، لستطعنا أن ندرك ماذا علينا فعله، واستطعنا امتلاك الأدوات أو الخيارات الضرورية لردّ الفعل. فالحيوانات تولد مع الحقيقة، بحقيقة صلبة مما يقلل لديها الحاجة إلى التعلم؛ نحن نولد بحقيقة أقل ولكن بإمكانيات، وبأسلحة وليدة الخيال؛ نحن نبتكر. فشوكة أو كمّاشة لهما وظيفة واضحة ومن هذه الناحية تفيدان أكثر من بيت شعر ولكن، الشوكة أو الكمّاشة، كانتا نتيجة لابتكار، لتحقيق ذلك كان لا بد من تخيّلهما وابتكارهما. فعندما ننظر حولنا ونرى كراسي، طاولات، قمصانا، فرشاتات، ملاعق، فوانيس، أقلًا، كتبًا، فكل ما نراه ليست أشياء ولدت معنا ولكنّها ولدت من الخيال، من الأفكار. فالعالم الذي يحيط بنا هو نتاج الثقافة.

المجتمع يكون أفضل إن نحن تخيلنا أفضل.

لدينا ذلك الذي سمّاه (جون لوك) بالكمال، تلك الخاصية الغريبة التي تسمح لنا بالتطوّر حتى نحقق إنسانية مثالية، مُفَكّرًا فيها، مُتخيّلة. فمستقبلنا سيكون دائمًا خيالًا، شيئًا لم يوجد بعد، تحويل الطاقة إلى فعل.