أرشيف الوسم: أدب

تيريزا براور: يوم الأحد الذي رحل به الجمال الأسود

 

Teresa Praauer

تيريزا براور (مواليد 1979). وهي روائية، شاعرة وفنانة نمساوية، تكتب بالألمانية وتجيد الإنجليزية. لها عدة كتب مقدرة في الرواية والفن حصدت جائزة الأسبكت عن روايتها (السيد في ما وراء البحار) عن أفضل عمل نثري ألماني 2012، وهو العمل الوحيد المترجم للعربية وحصدت عدة جوائز أدبية أخرى آخر أعمالها رواية (أو شيمي) 2016 وقد لاقت صدى إعلاميا ونقديا رائعين.

في ترجمة حصرية، لدى ساقية، لأحد أعمالها القصيرة النادرة، والتي عنونتها بـ“يوم الأحد الذي رحل به الجمال الأسود”، كتبت (تيريزا):

ارتحل خيلي بعيدا في يوم أحد.

خيل أسود فحل سميته الجمال الأسود. قال لي بعض الناس: “هذا هو ذات اسم الخيل بالمسلسل التلفزيوني”. ولكن خيلي سمي بذلك قبله، وأنا يزعجني الحديث عن التلفزيون حين أتحدث عن خيلي.

لم اختر الجمال الأسود. لم أكن أحب الخيول أبدا، حتى عندما كنت طفلة. ما حصل أنه كان يسكن بالجوار. وكنت أحب مشاهدته عندما يقف على التل البعيد جدا؛ كان يبدو منسجما في الأعلى هناك، يلصق كمامة لجامه بالعشب الرطب، والشمس كانت منخفضة حقا مع الأفق، وهو مستلق منسجم بالمعنى الحرفي في الأعلى، في انعكاس الضوء يبدو الجمال الأسود أكثر سوادا منه في الحقيقة. أحيانا يظهر في بقعة محددة، بحيث يبدو معطفه قصيرا. و في أماكن مختلفة يبدو وكأنه فظ ومتعب. وقد يبدو عُرفُه مجعدا حينا ومصفّفا في أحيان أخرى. شعرت بإحساس يشبه القرَابة عندما رأيته واقفا بذلك المقدار من المسافة، لكنه إحساس غامض، ربما كان احساسا بالشفقة أو الكآبة.

لم يكن لدي أي شيء أهتم به بعيدا عن ذلك الخيل وبصراحة تامة لم يكن هناك الكثير الذي يعني لي شيئا، ولكن وبشكل مفاجئ منذ ذلك اليوم الذي وقف هناك وأنا لا أستطيع ولا أريد أن أتخيل كيف ستكون الأمور بدون هذا الحيوان. يقول الناس: “هكذا هو الأمر مع الخيول”. ثم يضحكون ويربتون على كتفي. أعتقد أنهم كانوا سعداء أو شعروا بالشماتة لأنه أصحب لدي أيضا ما أهتم به وأقلق عليه.

عندما وقف الناس في حجرتي ينظرون من نافذتي رأوا الجمال الأسود يرعى في التل البعيد. عادة لا يدركون أنه خيل حقيقي.

 غالبا ما يقولون في النظرة الأولى أنه ورق مقصوص أو ظل خروف أو نجمة سوداء أو شيء ما يشبه لعبة راقصة باليه آلية.

ولكن، يا للسماء، ليس خيلا حقيقيا. يأتون بتبريرات بعيدة جدا لكي يبعدوه عن كونه خيلا حقيقيا يرعى العشب في التل البعيد.

لم يصدقني أحد إلا بيوم الأحد الذي رحل به الجمال الأسود.

كنت مع مجموعة نتنزه على التل ثم استلقينا كلنا في الأرجاء، وكدليل تكوّمت فضلات الحصان كثمر متساقط، ثمر كثير جد وكأنه نتاج حصاد خريفي، لو كان يحصد تفاح الخيول.

كان الثلج قد  استقر الثلج في بعض البقع بالتل، ورأى الناس شعر حصان أسود محاصر بين بلورات الثلج المتلألئة على السطح. لقد خلف ورائه أكثر الآثار رقة وكأنه رسم بقلم دائم خطا رفيعا جدا جدا.

توقفنا لنرى الشعر بشكل جيد، وقال بعضهم أنهم يستطيعون صنع شيء بهذه الشرائط.

 إلى أين ارتحل؟ وهل سنرى بعضنا البعض مرة أخرى.

عن حبسة الكاتب، من رسائل درويش وسميح

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني [2] التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب حمل اسم (الرسائل)، جُمعت تلك الرسائل التي تبادلها كلًا من (درويش) وصديقه (سميح القاسم) (1939-2014)، وأحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، رئيس التحرير الفخري لصحيفة كل العرب، عضو سابق في الحزب الشيوعي. 

في رسالة أرسلها (درويش) إلى (سميح) بالخامس من أغسطس، عام 1986 من العاصمة الفرنسية (باريس)، شكى (درويش) من حبسة الكاتب، كما كتب عن بعض من عاداته في الكتابة، فقال في رسالته:

عزيزي (سميح)،

[…] لقد انقطعت شهيتي عن الكتابة فجأة، لا لأن جدران المراحيض العامة هي صحافة المستقبل الحرة، بل لأنني لم أحترف الكتابة بعد كما لم آلف الزواج، فهل ينبغي عليّ أن أخاف هذا الصيف الذي يدفع النفس إلى الخمول، ويطلق أفاعي الذكرى من أوكارها؟ أم ينبغي عليّ أن أغتصب الكتابة؟

منذ شهور، وأنا أروض عاداتي. أصحو لأكتب. أصحو من أجل أن أكتب، وأنقح حياتي من عبث كان ضروريًا حين كان يبدو لي أن في العمر متسعًا لنضج فواكه اللغة. ولكن، أليست الكتابة عبثًا أقسى في هذا الصراع الضاري مع بياض لا ينتهي؟ فكلما كتبنا أحسسنا بأننا لم نكتب بعد. وكلما قرأنا شعرنا بأننا لم نبدأ القراءة.

ومن مشاكلي أنني لا أكتب في الليل. لا أحب الليل ولا أطمئن إلى الليل. والصباح هنا قصير. والفجر رصاصيّ موشح بحمام أسود. الحمام هنا أسود. ومن مشاكلي المهنية أيضًا أنني لا أعرف الإجازة، لا أعرف ماذا أصنع بالإجازة التي يقدسها الناس هنا. لذلك، اختلف مع الصيف ولا أتفق مع الليل. تعال .. تعال إذا استطعت لنواصل هجاء الزمان والمكان ولنلعب الطاولة، ولنطهو مذاق الطعام القديم.

هل يصيبك هذا العقم المفاجئ؟ هل يجتاحك الإحساس بالهزيمة النهائية إذا توقفت أسبوعًا واحدًا عن الكتابة إلى درجة تنسى معها أنك قد أنتجت كثيرًا هذا العام؟ قد علمتني تجربتي المتكررة، في هذا الإحباط، أن أبتعد عن المحاولة، فالكتابة حرون لا تنفع معها وسائل الإغراء إن عصت. سترضخ، سترضخ. تبًا لهذا الصيف. تبًا للجرائد.

قلت لي إنك تخاف كتابة النثر. لماذا تخاف؟ يبدو لي، يا عزيزي، أن النثر هو ديوان هذا العصر، إذا أبقى له التلفزيون له باقية! وماذا لو سرق النثر شيئًا من الشعر. أليس النصّ نصّك؟ لا أظن النثر هو استراحة الشاعر، أو فضيحته كما يقولون. فقد تتحقق الشاعرية في النثر أكثر من تحققها في القصدة المشروطة بشكل قد يكبح جماح الجنون، هناك دائمًا فائض شعري ينبجس من مكان آخر. المهم هو ألا نؤجل هذا الانبجاس، فليس من الصواب أن ندخر الشعر إلى أن تأتي قصيدته التي قد لا تأتي.

إياك، يا عزيزي، إياك أن تغربل النثر لتفصل ما يصلح منه للقصيدة القادمة، فالشعر لا يسقط في النثر، بل يولد معه، وأنت أدرى من سواك بأن الشاعرية شهوة تصعب إعادة إنتاجها في شروط توتر محسوب. الرغبة تصبح وتنفجر ولا تُنقل إلى موعد آخر.

ضع نفسك في الريح والجنون، فليس في وسع الشاعر إلا أن يكون شاعرًا.

[…]

أخوك محمود درويش

(باريس – 5 / 8 / 1986)

وجاء الرد من (سميح) بعد أسبوع، والذي يقول فيه:
سميح القاسم

العزيز (محمود)،

[…] لا يقلقني تحفظي من النثر، فهو كما يبدو تحفظ ذهني يشكل تساؤلًا أكثر مما يشكل موقفًا. وهو قائم على القناعة بأن عملية الكتابة، أية كتابة؛ القصيدة، الرسالة، الخبر الصحفي، المقالة، الإهداء الخاص على كتاب تهديه إنسانًا عزيزًا عليك، كلها تستهلك طاقة ما من المخزون المتراكم في حالة الكتابة وأعني بحالة الكتابة، تلك الحالة التي يتغير فيها وضعك النفسي والجسدي معًا، تنتابك غيبوبة ما، ترتفع حرارتك قليلًا، ترى ولا ترى، تسمع ولا تسمع، ولا ينقذك من اختلال التوازن الطارئ سوى ذلك الاندغام الكامل بين روحك وجسدك وقلمك والورقة الساحرة المستلقية بين يديك مثل امرأة وآلهة تصيح: “خذني”.

بلى، يصيبني “العقم المفاجئ” أحيانًا. ذات مرة استمر شهورًا بكاملها. استحوذ عليّ رعب لا يُوصف. لعله الرعب الذي يكتسح إنسانًا كاشفه الطبيب بأن داء السرطان لن يمهله طويلًا. لم أجد السلوى إلا في حكمة تلك النبعة الجبلية في كرم الزيتون الذي أشارت إليه إحدى رسائلك السابقة. أنها تحتبس عامًا وأكثر لتعود وتتدفق من جديد في موعد غير متوقع ولا يقدر إنسيّ على حسبانه.

[…]

أخوك سميح القاسم

(الرامة – 12 / 8 / 1986)

أنواع الاقتباسات والسرقات الشعرية عند الكاتب أسامه بن منقذ

unnamed

 

أسامة بن منقذ (1095-1188) فارس وشاعر، وأحد قادة (صلاح الدين الأيوبي). ولد في شيرز لينو منقذ، قضى أسامة آخر حياته في حصن كيفا منفياً فأقبل على التصنيف وصنف كتبا عديدة بلغت 13 كتابا من ضمنها (تاريخ القلاع والحصون) و (أزهار الأنهار).

يقسِّم الكاتب (آسامه بن منقذ) في كتابهِ أنواع السَّرقات الشعرية؛ وبهذا يضع أسماءً محدَّدة لأمور هلامية تشعُر بها لكنك لا تستطيع تعريفها بدقَّة. يمكنك أن تقابل أمورًا مماثلة في كل أنواع الفنون.

الاصطراف

أن يُعجَب الشاعر ببيت شاعر آخر فيستعمله، هنا قد يعترف بأنه ليس من شعره هو، يسمُّون هذا “الاجتلاب”. هذا يشبه أن تستعمل عبارة لـ(برنارد شو) في كلامك وتعترف أن العبارة لـ(برنارد شو). قد يدَّعي الشاعر أن البيت من تأليفه، هذه سرقة كاملة، ويطلقون عليها “الانتحال”. المثال هو قول (جرير):

إنَّ الذين غَدَوْا بلُبِّكَ غادرُوا *** وشلًا بعينِكَ لا يزالُ معينَا
غيَّضنَ من عبراتهِنَّ وقلنَ لي: *** ماذا لقيتَ منَ الهوى ولقينَا؟

فإن الرواة مجمعون على أن البيتين لـ(المعوط السعدي).

الشاعر (عبد الله بن الزبير) دخل على (معاوية) فأنشد بيتَي الشعر:

إِذَا أَنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أَخَاكَ وَجَدْتَهُ *** على طَرَفِ الهِجْرَانِ إنْ كانَ يَعْقِلُ
ويَرْكَبُ حَدَّ السَّيْفِ مِنْ أَنْ تَضِيمَهُ *** إِذا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَفْرَةِ السَّيْفِ مَزْمَلُ

راق البيتان لـ(معاوية) جدًا، راقا له إلى أن دخل شاعر آخر اسمه (معن بن أوس) وأنشد قصيدة أخرى لـ(معاوية)، فاكتشف هذا الأخير أن فيها نفس البيتين! لمَّا واجه (عبد الله بن الزبير) بهذا لم يُنكِر الشاعر أنه انتحل البيتين، وقال: “المعنى لي، واللَّفْظُ له، وبَعْدُ فهو أخي من الرضاعة، وأنا أحقُّ بشِعْره”.

هناك انتحال أقرب إلى النَّصب العلني. أنت شاعر شهير قوي؛ لذا تسطو على أشعار من هم أصغر منك فلا يستطيعون إثبات ذلك. نعرف قصصًا شهيرة عن كُتَّاب استولوا على قصص شبابٍ أدباء، ثم نشروا الأعمال ولم يجسر الكاتب الشاب ولم يستطع أن يثبت السرقة. هناك شعراء مغمورون يحاولون أن يثبتوا أنهم مؤلِّفو دواوين ناجحة لشعراء فائقي الشهرة، وبالطبع لا أحد يصدِّقهم. صديقي فنان الكاريكاتور اشترك في مسابقة أدبية نظَّمها كاتب كبير، ثم فوجئ بأن القصة التي قدَّمها للمسابقة منشورة باسم الكاتب الكبير، ولم يستطع إثبات حقه. هذا النوع من الانتحال اسمه “الإغارة”.

هناك نوع انتحال أقرب للبلطجة اسمه “الغصب”؛ أي إنك تأخذ البيت من صاحبه سواء أراد أو لم يُرِدْ، هناك بيت شعر لـ(الشمردل اليربوعي) يقول:

فَما بَينَ مَن لَم يُعطَ سَمعًا وطاعةً *** وبَين تَميمٍ غَيرُ حَزِّ الحَلاقِمِ

سمع (الفرزدق) هذا البيت فقام بممارسة ما نطلق عليه “التثبيت”، وقال للشاعر: “والله لتدعَنَّه أو لتدعنَّ عِرضك”.

فخاف (الشمردل) وتنازل عن بيت الشعر بنفس الطريقة التي تتنازل فيها عن الهاتف الجوال تحت تهديد السلاح، وقال: “خذه، لا بارك الله لك فيه”.
بصراحة لا أذكر حادثة أدبية مماثلة عندنا. لم أُشهِر سكينًا على عنق أديب لآخذ قصته لنفسي حتى هذه اللحظة. وعلى عكس الإغارة والغصب، هناك من يعطيك أبيات الشعر برضًا تام لتستعملها، وهذا ما يُطلقون عليه “المرادفة”؛ سمع (جرير) بيت الشعر الذي أنشده (ذو الرمة):

نَبَتْ عيناكَ عن طَللٍ بحُزْوَى *** عَفَتْه الريحُ وامْتُنِحَ القِطارَ
فقرَّر أن يساعده ببيتين قويين من تأليفه؛ هما:
يَعُدُّ الناسبون إلى تَميم *** بيوتَ المجدِ أربعةً كِبارَا
يَعُدُّون الرَّباب وآلَ سَعْدٍ *** وعَمْرًا ثم حَنْظلةَ الخِيارَا

وبما أن هؤلاء القوم شعراء فعلًا، فقد شمَّ (الفرزدق) رائحة شعر (جرير)، وأدرك أنه صاحب البيتين الأصليُّ.

أحيانًا يقتبس الشاعر نصف البيت ثم يُكمله بألفاظه هو … كأنك ترى قصة (هاري بوتر) فتبدأ بطفل يتيم يتربَّى مع أسرة قاسية، ثم يصير هذا الطفل طبيبًا بارعًا. أي إنك بدأت مع (راولنج) ثم انطلقت مبتعدًا. يطلقون على هذا “الاهتدام”. وهناك نوع اقتباس اسمه النظر والملاحظة والإلمام … أي إنك تستوعب فكرة البيت ثم تكتبه بلغتك أنت … هناك أعمال أدبية كثيرة بهذه الطريقة.

الاختلاس

هو أن تسرق فكرة من شاعر آخر وتستخدمها في غرض آخر. كقول (عبد الله بن مصعب):

كَأَنَّكَ كُنتَ مُحتَكِمًا عَلَيهم *** تُخَيَّرُ في الأُبُوَّةِ ما تَشاءُ

اختلسه من قول أبي نواس:

خلَّيتَ والحسنَ تأخذهُ *** تنتقي منه وتنتخِبُ

من الممكن للشاعر أن يعكس بيت شاعر آخر ويستعمله. فبيت شعر (حسان بن ثابت):

بيض الوجوهِ كريمةٌ أحسابهم *** شُمُّ الأنوفِ من الطِراز الأوَّلِ

يعكسه (ابن أبي قيس) بالضبط وبدقَّة:

سودُ الوُجوهِ لَئيمةٌ أحسابهمْ *** فُطْسُ الأُنوفِ من الطرازِ الآخِرِ

هناك توارد خواطر يجعل الشاعرَيْن بريئَيْن لم يسرق أحدهما عن الآخر، اسم هذا “المواردة”؛ فـ(ابن الأعرابي) و(الحطيئة) كلاهما قال بيت الشعر:

مُفِيدٌ ومِتْلافٌ إِذا مَا أتَيْتَهُ *** تَهَلَّلَ واهْتَزَّ اهْتِزَازَ المُهَنَّدِ

وقد تاه (ابن الأعرابي) فخرًا لأنه قال هذا البيت كما فعل شاعر عظيم مثل (الحطيئة) قبله.

من الممكن أن يجمع الشاعر عدة أبيات لغيره فيضعها في خليط واحد … مثل قول (يزيد بن الطَّثَريَّة):

إذا ما رآني مقبلًا غضَّ طرفه *** كأنَّ شعاعَ الشمسِ دوني مقابله

فهو “كوكتيل” متجانس من بيت شعر لـ(جميل) وبيت شعر لـ(جرير) وبيت شعر لـ(عنترة الطائي):

إِذا ما رَأَوني طالعًا من ثَنيةٍ *** يقولون: مَن هذا؟ وقد عَرَفوني

فَغُضَّ الطَّرفَ إِنَّكَ مِن نُمَيرٍ *** فَلا كَعبًا بَلَغتَ ولا كِلابا

إِذا أَبصَرتَني أَعرضتَ عَني *** كَأَنَّ الشَّمسَ مِن حَولي تَدورُ

في مديح الاستعارة، عند عادل مصطفى

0703_writing_cog

الدكتور عادل مصطفى، طبيب نفسى مصرى معاصر حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005 له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة. في كتابه (أوهام العقل)، والذي تناول فيه أفكار الفيلسوف (فرانسيس بيكون)، كتب جزءًا يمتدح في الاستعارة، كأسلوب أدبي رفيع. يقول الدكتور (عادل مصطفى):

إن تدمير المعنى الحرفي في الاستعارة يتيح لمعنى جديد أن يظهر. وبنفس الطريقة تتبدل العملية الإشارية في الجملة الحرفية وتحل محلها إشارة ثانية هي التي تجيء بها الاستعارة. وقد يبدو أن الاستعارة لا تفعل أكثر من تحطيم العملية الإشارية؛ غير أن هذا في الظاهر فقط. فالاستعارة المبدعة الحية تخلق إشارة جديدة تتيح لنا أن نصف العالم أو جزءًا من العالم كان ممتنعًا على الوصف المباشر أو الحرفي. فالاستعارة وسيلة سيمانتية -دلالية- للإمساك بقطاعات من الواقع ومن خبايا النفس لا يطالها التعبير الحرفي ولا يملك منفذًا إليها. بوسع الاستعارة أن تقبض على مستويات عديدة للمعنى في وقت واحد، وتربط المعنى المجرد بالمعنى الحسي البدائي المشحون بالعاطفة والانفعال، وتعقد بينهما وصلًا مثريًا وتكاملًا صحيًا. والاستعارة إذ تهيب بالخيال الصوري فهي تدعم “الذاكرة البعيدة” وتنمّي الإنتاج اللفظي وتحفز الفهم التكاملي. والاستعارة إذ تجلب كل ملحقات المشبَّه به وتلصقها في المشبَّه فهي تتيح كمًّا معلوماتيًا كبيرًا بمبذول لفظي صغير. وهي بهذا الاقتصاد الذهني تجعل الفكر أبعد مرمى وأكثر طموحًا.

مدينة الشعراء الموتى؛ الشاعر يانق ليان

يانق ليان

ولد الشاعر الصيني المعاصر (يانق ليان) بسويسرا 1955

وترعرع في بينق، هو معروف بنصوصه الطويلة التي تظهر فهما عميقا وارتباطا وثيقا بالأدب الصيني الكلاسيكي، وقد عرفه العالم بعد ان انتقدت الحكومة الصينية أعماله خلال الحراك السياسي “ضد تلويث الروح” ثم حين أصبح شاعرا في المنفى بعد مجزرة تيانمين.

ترجمت أعماله لأكثر من 20 لغة، وحصد عدة جوائز شعرية دولية منها الفيانو الإيطالية، ويعيش حاليا متنقلا بين برلين ولندن.

وهنا ننقل لكم قصيدتين، مترجمة حصريًا لدى ساقية:

مدينة الشعراء الموتى

وبدون أي قصد،

فقط من عاشوا يستحقون الموت،

الذين دفنت أسماؤهم منذ زمن طويل تحت الصمت،

وقّعوا على الصمت،

هذه المدينة دلقتها بيدك،

شارع مهجور يتظاهر أنه موكب جنائزي،

وضوء قمر صلب كالحديد،

العظام تطقطق في الأشجار المجلفنة*.

 

خارج النوافذ المهجورة منذ زمن،

الأشراك تقرع حشرجة الموت،

كل كلمة محوتها في حياتك،

تعود لمحوك،

محو بلا كلل،

محو شره،

العالم يُمحى،

الوجه الموجود ضمن العينات أقرب، أكثر وضوحا،

امحو العينين الرؤية ستشحذ الزجاج طوال الطريق،

بالخطوط الناعمة انحت طيرا،

كذلك الذي تهشم وأنت تشاهد،

تحطم ونُبذ على مسوّدة تتعفن في الزاوية،

موتك النهائي على دراية وثيقة بحجرة قديمة،

حيث تنتظر بقايا الموت أن تتم إزالتها.


حادث

مازلت كما أنت،

تسير بهدوء بعيد عن حادث،

حادث واحد بين حوادث عديدة،

يوم واحد بين العديد من الأشهر والسنوات،

ومثل الحقول الفاسدة ترفع رجلك مرة أخرى،

الثلج يثبتك على أصابع أقدام متجمدة،

اليوم ملبّد، رمادي ولكنه لايبدو كثلج،

برودتك وحدها تنتقل من الحياة تجاه الموت،

الأحداث الماضية صامتة لا تستطيع ترك آثار اقدام في الثلج.

 

الثياب القديمة بسيطة دائم،

كما تغطي الأسرة الخشبية الموتى.

انزلق الى البحر من أسفل زوج آخر من الأجساد،

وهو يمارس الحب،

لا يمكن لحادثة أن تحدث في حادثة ماضية.

 

حياة كاملة من الأخطاء،

قف كأشجار شاهقة على جبل،

أكثر ابتعادا أبيضا من الثلج،

تلك العظمة تمشي خارجة منك،

الأيام تمشي خارجة من العظمة،

أنت ملقى بعيدا, واحدا خلف الآخر،

تريان بعضكما البعض،

كثيرون،

كأشعة قمر غير مأهولة.

 

Continue Reading →