أرشيف الوسم: أرسطو

في ذاته و لذاته و اللاتناهي عند هيجل

image

جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770 — 1831)، فيلسوف ألماني وُلد في المنطقة الجنوبية الغربيةِ من ألمانيا. يعتبر (هيغل) أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

(هيجل) وكما سبق التعريف عنه في مقالة سابقة، يتناول مصطلح “في ذاته و لذاته”En soi et pour soi

و الذي هو عنده على خلاف ما جاء به (كانط) لا يرادف “ما هو لذاته” بل يتقابل معه. غير “أن الوجود لذاته” فكرة معقدة و ليس السبب في ذلك أنها تقابل “الوجود في ذاته” فحسب، بل لأنها أيضاً تقابل مصطلح “الوجود للآخر”.

الفكرة التي تقول إذا كان شيء ما وجود لذاته فإن ذلك يعني أنه مدرك لذاته – تؤدي إلى فكرة أبعد هي القول أن للكائن في ذاته خصائص معينة ليست من أجل ذاته. فالطفل عاقل في ذاته. و لكن ليس من أجل ذاته، طالما أنه ليس مدركاً أنه عاقل، والعبد بوصفه إنساناً فهو حر في نفسه، لكنه لا يكون حراً من أجل ذاته. والطور عند (هيجل) يتضمن عودة إلى البداية أو إلى ما هو في ذاته، فالثبات في النهاية ينتج بذوراً من جديد، والشيخوخة هي عودة من صراع خصائص الشباب إلى نسخة راقية من تآلف الطفولة ورضاها عن العالم. 

الوجود في ذاته ولذاته ؛ كثيراً ما يرى على أن المرء في بيته و مع نفسه، أو يعني وصول المرء إلى ذاته في الآخر.

و ذلك شبيه باللاتناهي و بصفة عامة فإن استخدامات (هيجل) لتعبيرات “ذاته” متنوعة ومرنة.


(هيجل) واللاتناهي “L’Infinie

مصطلحات “اللاتناهي” و”اللامتناهي” تقابل “التناهي” و”المتناهي“، وهي تشير إلى غياب النهاية أو الحد “اللامحدود“.

ولقد رأى (شلنج) و(هيجل) مشكلتين أساسيتين في اللامتناهي:

أولاً: إذا كان اللاتناهي متميزاً عن (التناهي) فهو بذلك محدود بواسطة المتناهي، هكذا يكون متناهياً وليس لا متناهياً. فإذا كان الله مثلاً متميزاً عن العالم فهو متناه.

و من ثم فقد ذهبا، مثل (فتشه)، إلى أن اللامتناهي ليس متميزاً عن المتناهي، لكنه يتضمن المتناهي كوجه له أو لحظة من لحظاته.

ثانياً: التراجع اللامتناهي أو التقدم اللامتناهي (فاسد) فهو غير متماسك من الناحية العقلية ويقضي على نفسه من الناحية العملية.

وهكذا يعترضان على فكرة (كانط) و(فتشه) القائلة:

يأن للبشرية هدفاً ينبغي عليها أن تكافح من أجله، لكنها لا يمكن أن تبلغ متناه.

(هيجل) حاول أن يستعيد، على مستوى أعلى العالم المتناهي المنغلق على ذاته عند (أرسطو) في مقابل العالم ذي النهاية المفتوحة في عصر التنوير و في علم (نيوتن) المليء بالاضداد بين الذات والله والعالم، وبضروب من المتناهي عسرة الهضم، غير أن هذه الضروب من اللاتناهي يصعب اسبعادها:

إذ يذهب (هيجل) إلى أن الزمان و المكان هما ضربان من اللامتناهي “الفاسد“.

ولم يلمح إلى أن المكان دائري حتى أن الحركة في خط مستقيم لا بد في النهاية أن ترتد بنا إلى نقط البداية من جديد . كما أنه لم يعمد مثل (نيتشه) إلى إحياء الفكرة الفيثاغورثية التي تتضمن العود الذي لا نهاية له للشيء نفسه بالضبط، و لا حتى الأحداث الممتدة في هوية واحدة من الناحية الكمية.

ففكرة العود الأبدي تتعارض مع إيمان (هيجل) أن التاريخ يتقدم نحو هدف ما. لكن إهماله لها جعله يتأرجح بالتساوي بين النظرة التي تقول أن التاريخ يصل أو أنه وصل إلى نهاية، وبين النظرة التي تقول أنه يسير نحو لا متناه، حتى لو استطعنا أن نعرف كيف سيواصل سيره وأننا لا بد أن نحضر أنفسنا في اللامتناهي الحقيقي الخاص بالحاضر.

إبراهيم الكوني في حوار

Ibrahim-Al-Koni.jpg

إبراهيم الكوني روائي ليبي ينتمي إلى قبيلة الطوارق من مواليد ٨ أغسطس ١٩٤٨ في غدامس، ليبيا.
يصنف كأحد أهم خمسون روائيا معاصرا وفقاً لمجلة لير الفرنسية، بلغ عدد مؤلفاته نحو ثمانون كتاباً.
كتب أعماله في عدة مجالات وهي: الرواية، الدراسات الأدبية والنقدية، السياسة، التاريخ. ويقوم عمله الروائي على عالم الصحراء بما فيه من ندرة وقسوة وانفتاح على جوهر الكون، وتدور معظم رواياته حول العلاقة الجوهرية التي تربط الإنسان بالطبيعة الصحراوية وموجوداتها وعالمها المحكوم بالحتمية والقدر الذي لا يرد.

في لقاء شيّق (في حديث العرب) يبيّن (الكوني) آراءه النقدية ذات البعد الفلسفي عن السياسة والايدلوجيا في العالم العربي والافريقي وأثرهما على الأدب والثقافة، تطرق فيه الحوار أيضاً عن الصحراء وفلسفة الرحيل والحب والعلاقة الانسانية ومفهوم الحرية والتأمل من خلال أعماله الروائية.

تقول ان الطوارق أمة وليست قبيلة ولكن الايدولوجية العربية ألغتهم واختزلتهم في قبيلة، من هم الطوارق في تعريف (ابراهيم الكوني)؟

من المؤسف بعد قرون من مئات السنين على وجود أمة في رحاب أكبر صحراء في العالم وأكثرها تنوعا وغنى وجمالاً كما يقول عنها علماء وخبراء الصحاري أن تظل مسألة هوية هؤلاء القوم -الذين يسكنون ذاك العالم- مجهولة او تحتاج الى تعريف، لأن من يقرأ لابن خلدون وتاريخه يستطيع أن يدرك في جملة واحدة من هم الطوارق ومن هم سكان الصحراء الكبرى بما في ذلك سكان شمال افريقيا حيث يقول: “إنهم أمة عظيمة مثلها مثل العرب والفرس والروم”، فإذا أضفنا الى ذلك أول متن في التاريخ العالمي وهو تاريخ هيرودوت الذي خصص لهم كتابا كاملا عن ليبيا يستطيع أن يَفهم أنّ هذه  الأمة أمة عريقة ذات ثقافة ثرية ولغتهم أثرت ليس فقط في الأمم المجاورة بل في كل اللغات ذات الطابع الديني، وأثرت في تكوين المفاهيم اليونانية القديمة، وكذلك في اللاتينية.
كتبت موسوعة من سبع مجلدات حول هذه القضية ولكنها لم تقرأ أو قرأت وتم تجاهلها!

هل يفضّل (ابراهيم الكوني) القول بأنه يمثل الطوارق أم العرب أم الانسانية؟ بماذا يعرف (ابراهيم) نفسه؟

بالإنسان، يعرفني الغرب والشرق العالمي من اليابان إلى أوروبا بأنني كاتب إنساني، ومن يقرأ أعمالي سوف يدرك ذلك، ولكن أعمالي لا تقرأ، أنا أقرأ كشخص، ولكنني لا أقرأ كنص،  هذه مسألة جدل النص والشخص، مسألة في غاية الأهمية وفي غاية الخطورة، الناس يستهويهم الشخص ولا يستهويهم النص، النص مسألة صعبة، النص يحتاج الى قراءة، يحتاج الى أسلحة أخرى، يحتاج الى فلسفة، معرفة أو قدر محدد من المعرفة وأيضاً إلى بطولة في اقتحام النص، لأن قراءة النص سيّما كان موزعّا بين ثمانين كتاب أصبح في عالمنا المعاصر مخاطرة كما يبدو.
الناس لا يعرفون لأنهم لا يقرأون نصي. والاغلبية الان لا تقرأ لأن العراقيل أمامها تتمثل في التقنية، تقنية المعلومات التي هيمنت على عالم اليوم وغربته عن المعرفة الحقيقية الموجودة في النص وليس في الشخص.

انت حذرتني من أن يتحول هذا الحديث الى حديث سياسي، لماذا لا تحب الخوض في السياسة؟

بالتأكيد لان عالمنا كله مسيّس، انا استنكر تسييس عالمنا، واختزال الوجود في حرف ساكن وميت هو حرف السياسة، أو ربيبتها الأيدولوجيا،لأن عالمنا لم يشهد تسييساً او تزييفاً للروح كما نشهده اليوم بفعل نزعة التسييس ونزعة الأدلجة، عالمنا كله مسيّس بالايدلوجيا سواء كانت دينية، قومية، أممية أو ليبرالية.

هل تخشى من تسييس الأدب أيضا؟

هذا حاصل في واقع الأمر، وهذه أكبر كارثة نعانيها اليوم، بالتأكيد، الأدب اليوم ليس أدباً، الأدب اليوم عبارة عن تقارير، هذه التي يطلق عليها اسم روايات، هي ليست روايات، الروايات أسطرة، لماذا لا نحتكم الى الواقع؟ هل هناك نص يمثل الأدب، ويمثله في البعد السياسي مثل نصوص كافكاً مثلا أو ماركيز، ولكنهم لا يكتبون تقارير سياسية، هم يأسطرون الواقع، لان أسطرة الواقع بطولة، تحتاج الى أدوات وإمكانيات صعبة، ولكن أَهلُ هذا العصر يستسهلون هذه الأشياء ويذهبون الى الأشياء من أقصر طريق، بدلاً من أن يذهبوا لها من أعمق طريق، “الطريق الشرعي”.

تقول: “رؤيتي للعالم غير سياسية، إنها فلسفية أو إنسانية”، لكن أين المفر من السياسة؟

أنا مشاهد، أنا أحيا مشاهدا، أنا لا أشارك في اللعبة، تصلني شظاياها بالتأكيد، وفي عالم اليوم لا يسلم أحداً من هذه الشظايا، إنني طوال الوقت أحيا مشاهدا وأحاول أن أتأمل ما أشاهد، والمشاهد هو أفضل من يُشارك في المسرحية، لأن من يشارك المهزلة أعمى، بينما المشاهد هو من يرى، لا يرى فقط ولكنه يرى بوضوح، أعني هو صاحب الرؤيا الكاملة.

أليس المطلوب من المثقف خاصة في منطقة مثل منطقة العالم العربي، مليئة بالتناقضات والأحداث، ألا يُطالب بأن يلعب دور فيها؟

أنا لا ألعب دورا، ولكن نصي هو من يقوم بذلك، إن النص هو الذي يمثلني، فأنا لا أمثل نصّي، النص هو الحكم وليس الشخص، فلنحتكم الى النصوص والكتب، المقياس هو النص، ولكن الناس يتعبون لأنهم مولعون بالمعلومة وليس بالعلم والمعرفة، فلذلك النصوص الحقيقية مغتربة، وهذه حقيقة واقعة.

أنت ترى أنه لم يعرقل النهضة العربية مثل الشعارات الأيدلوجية، وأيضا لك موقف واضح من الأيدلوجية؟

بطبيعة الحال، لو لم تعترض الأيدلوجيات النهضة العربية التي بدأت مع مطلع القرن العشرين لكان الأمر معها أمراً آخر، وأقصد هنا الأيدلوجيات بفروعها لا أستثني منها أي ركن.

لكن المهيمن على المنطقة في العصر الحالي هي الأيدلوجيا الدينية؟

اليوم الدينية، وبالأمس القومية، وما قبلها كانت الأممية،
هل ترى الناس اليوم سعداء؟ لماذا لا نتسائل عمّا إذا كنّا سعداء؟
نحن أشقياء في واقع الامر بسبب الشعارات، بسبب الأيدلوجيا، الانسان الشعاري هذا إنسان مغترب عن قيمته الانسانية الحقيقية ولهذا هو شقي.

تقول حيثما هيمنت الأيدلوجيا تجد الناس تعساء؟

نعم بالحرف الواحد، لأن الأيدلوجيا تنتج الطاغوت، والميثولوجيا تنتج اللاهوت، مع اللاهوت دائما الامر يختلف، ويجب ان نرجع الى المصدر، من أين أتت الأيدلوجيا؟ ومن أين أتت الميثولوجيا؟ الميثولوجيا أتت من إنسان البرية من الانسان الراحل، عندما كان المجتمع قطبٌ راحل وقطبٌ مستقر، القطب المستقر هو الذي أنجب الأيدلوجيا والسياسة والسلطة، في حين نموذج البرية أنتج الحرية، وأنتج الميثولوجيا، واللاهوت، ولهذا السبب جميع الأديان قَدِمت من البرية، من الصحاري.

لماذا ابراهيم الكوني متعصب للصحراء؟

أنا متعصب للصحراء، ليس لأنني بطبيعة الحال ابن الصحراء، ولكن لأنها الطبيعة الوحيدة المتسامحة والمظلومة والتي تدمر كل يوم، البيئة التي تعاني منذ الازل من التدمير والتهميش والاستعباد والإنكار، بالرغم ان عالم اليوم كله يستمد من الطاقة القادمة من الصحراء ومن الخيرات التي تمدها الصحراء، في بلد مثل ليبيا أضحت الصحراء مصدراً للماء.

تقول أن الأيدلوجيا تزاداد طغيانا، وهذا الموضوع يهم جدا الأوضاع السياسية التي تشهدها المنطقة، كيف أن الأيدلوجيا تزادا طغيانا؟

عندما قامت ثورات الربيع العربي، اعتقدنا أن هذا إيذان بغروب الأيدلوجيا، وفجأة تقفز الى المسرح أيدولوجيا أعتى وأقسى عنفا، وهي الأيدلوجيا الدينية. لقد اعتقدنا أن الثورات العربية ستصنع النهضة المفقودة، التي وأدتها الأيدلوجيات السابقة، سواء الاممية أو القومية فإذا بِنَا نتفاجأ بأننا عدنا إلى الوراء تماما، وهذا ليس فقط بسبب هيمنة الأيدلوجيات بل أيضا بسبب جنونها.

تقول: “إن إنسان العمران متوتر دائما بسبب الاحتكاك المستمر”، وتشير الى مثل طوارقي قربّوا قلوبكم وباعدوا بيوتكم، كيف نشرح هذه الفكرة؟

في غاية البساطة، لقد قلت وأقول دائما أن الحلقة المفقودة في التاريخ البشري هي اليوم الذي انفصل فيه المجتمع البشري كله الذي كان راحلاً في البداية إلى قطبين أساسيين، قطب راحل وقطب مستقر، القطب الذي اختار الاستقرار أنتج في بداية الامر حرفة، كالزراعة مثلاً، والحرفة أنتجت الملكية، الملكية أنتجت الصفقة التجارية، والصفقة التجارية أنتجت السلطة والسلطة أنتجت الأيدلوجيا من خلال السياسية أو -ما نسميه سياسة-، والأيدلوجيا هي التي أنتجت الطاغوت. في المقابل أن إنسان البرية الذي يحيى على اقتصاد شحيح تهبه الطبيعة بالدرجة الأولى، ويسمى رعوي إلتباساً، لأنه في واقع الامر ليس رعوياً، وإنما يرعى مبدأ أعظم وأنبل وهو الحرية، مبدأه الرئيسي هو الحرية، هذه الحرية هي التي أنتجت الميثولوجيا، لأن هذا الانسان ذو طابع وجداني ورومانسي ولأنه قريب للطبيعة، فلهذا السبب كانت هناك الفنون، وكانت هناك التمائم التي ولدت بعد الفنون، وهناك وُلد الدين بالمعنى الميثولوجي في بادئ الأمر، هذه الميثولوجيا هي التي أنجبت اللاهوت، فإذاً كل الديانات وكل الأفكار الكبرى قادمة من البرية.

كيف لإبن المدينة اليوم أن يجمع بين الحداثة وبين ثقافة الصحراء؟

هناك تقنية العزلة، الكثيرون يستعينون بها في سبيل استعادة الحرية المفقودة، وفي سبيل استعادة البعد المفقود في الوجود، لأن الانسان بطبيعته حالم وباحث عن الله، باحث عن فردوسه المفقود، والفردوس لو لم يكن مفقودا لما كان فردوساً، ولو وضعنا هذا الانسان في الفردوس لخرج منه كما حدث مع آدم بالضبط، إذاً هو بطبيعة الحال مبدأ مفقود، ولكنه يعيننا على أن نحيا وأن نعبر جحيم هذا الوجود، هذا الحلم بالحرية أو بالبعد المفقود أو بالفردوس المفقود هو ما يهب الانسان قيمة أخلاقية، لهذا الروح الاخلاقية قوية جداً لدى هذا الانسان الراحل البسيط العفوي، لأنه عفوي.

تقول: “دين الرحيل هو دين الحرية”، كيف يكون الرحيل دينٌ وحرية؟

الرحيل كما قلنا هو استجابة لنداء وجودي لدى كل إنسان في هذا الوجود هو الحلم بوجود معنى للوجود، ونستطيع أن نقوله بصيغة أخرى وهي البحث عن مثال، البحث عن الله، البحث عن الحقيقة، البحث عن الفردوس المفقود، كلها أسماء متعددة لمبدأٍ واحد، إذا هو حرية لأنه لا يعترف بالواقع، واقع الإنسان الراحل، واقع اللا واقع، لأنه لا وجود للعلاقة هناك، العلاقة موجودة فقط في مجتمع العمران -المكتظ، المكان الذي يسميه الانسان الراحل بـ”الحبوس“، المدن هذه حبوس، فإنسان الرحيل متحرر من العلاقة، قد يلتقي أو يجتمع مع الآخر، لكن إجتماعه لا يدوم إلا ليفترق، وحتى لو اجتمعوا، اجتمعوا متباعدين، أخبية متباعدة متناثرة في الخلاء في الطبيعة.

هل هذا يفسر إرتحالك الدائم؟ لديك رؤية وفلسفة حول ترحالك بل ذكرت أنك تؤمن بحرق السفن في مشوار الترحال، لماذا هذا الرحيل الذي لا يتوقف، عشت في مدن كثيرة جدّاً وخمساً وأربعين سنة وأنت تُمارس الترحال؟

الترحال أيضا نداء، أو استجابة لنداء ولكنه نداء يحتاج إلى شجاعة لكي تنفذه بأرض الواقع.

ما هو هذا النداء؟

نداء الحرية الذي اتحدث عنه، نداء الحقيقة، نداء الوجود نداء شيء ما وراء الأفق، وراء الوجود، إنسان لا يبحث عن حقيقته، عن هويته الإلهية خارج هذه الحدود المرئية إنسان فاشل ولن يكون سعيداً على الإطلاق، لأن السعادة موجودة في الطلب كما يقول أهل التصوف، السعادة موجودة في البحث عن السعادة، عن الله أو عن فكرة نبيلة إنسانية كبرى، ولهذا السبب أصبح الرحيل بالنسبة لي يحيى بالجينات. ولإنني إبن الصحراء يقيناً، ولكن لا يزيدها الهم الوجودي إلا تأججاً، يغذيها. لا بد أن يوجد شيء ما نسميه: “الهم بالكينونة”، إذا لا بد أن أبحث عن نفسي في الآخرين، في الأمم، في المسافات، إلى الأبد.
لا بد أيضاً أن نأخذ بوصايا الحكماء الذين يقولون: يجب أن نجعل النصف الآخر من حياتنا أو من رحلتنا هذه أجمل من النصف الاول، وعندما تأتي رحلة الوداع، علينا أن نفرح لأننا وصلنا إلى نهاية المطاف.

كتبت عن الصحراء كثيرا وما زلت، البعض يقول أن (إبراهيم الكوني) لم يعش الصحراء حقيقةً، ولكنه يتخيل الصحراء أو يحلم بالصحراء؟

لقد عشت الصحراء كما لم يحياها الذين يعيشون في الصحراء.

كيف؟

بالوجدان أو بسلطة الوجدان، أنا ولدت بالصحراء، وحبل السُرّة موجود هناك، الوتد الأصلي هناك، السر الأول موجود هناك، الكنز الأصلي موجود هناك، صحيح أَنِّي لم أعشْ في الصحراء فترة طويلة ولكنها في اللا وعي وهنا تصبح المسألة ملتبسة وأقوى عندما تسكن اللا وعي، في حين أنني أعود الصحراء وأزورها بشكل مستمر، عندما كنت أُقيم في الاتحاد السوفييتي في نهاية الستينات وبداية السبعينات، كنت أزور الصحراء كل ستة أشهر رغم الصعوبات، نوعٌ من الحج إلى الحرم، لأن الصحراء وأقولها دائماً هي حرم، وإلا لما ورد في الكتب المقدسة الأمر الإلهي الموجه إلى فرعون في سفر الخروج والذي يقول : أطلق شعبي ليعبدني في البرية، لم يقل له أطلق شعبي ليذهب إلى أرض الميعاد، وهذا يعني أن البرية هي المسجد أو المعبد، هي الحرم.
لماذا قَبِلَ الرب قربان هابيل ولم يقبل قربان قابيل؟
هابيل يمثل الإنسان الراحل، فهو راعي، أما قابيل فيمثل الإنسان المستقر لأنه فلاح، إذاً الرب رفض قربان الإنسان المستقر وقبل قربان الانسان الراحل لأنه هو إبن الحرية، لهذا السبب كان القديس اوغستين يقول: “القبيلة الإلهية هي القبيلة الراحلة والقبيلة الدنيوية هي القبيلة المستقرة -قبيلة قابيل-، ولهذا السبب أيضاً حدثت أول جريمة في التاريخ بسبب الغيرة والحسد”.

تقول: “إن عالم الصحراء عالم صارم جداً، الأخلاق هي من تحكمه وهناك أيضا ثنائية العرف والقانون”؟

هذه بالنسبة لمسألة المقارنة بين المجتمع الراحل والمجتمع المستقر، المجتمع الراحل قانونه العرف أو الناموس الأخلاقي، والمجتمع المستقر قانونه القوانين، فهو اضطر إلى أن يسن القوانين ليضع حدًّا لاعتداء الإنسان على أخيه الإنسان، في حين أن طبيعة العلاقات في الصحراء طبيعة غير نفعية بالتالي تصبح غير عدوانية ولهذا السبب استطاع أهل الصحراء أن يؤسسوا لأنفسهم ناموس آخر، كما يرد في الكتب المقدسة النص القائل: “هؤلاء الذين ليس لديهم الناموس وعملوا ما في الناموس، هم في الواقع ناموسٌ لأنفسهم!”.
فهؤلاء أسسوا ناموس إلهى بالعلاقة الفعلية ولم يضطروا إلى تأليف قوانين كما هو الحال لدى الانسان المستقر.
هذه ليست مفاضلة بين القطبين ولكن هذا الواقع.

الصحراء هي مرحلة من عمر المجتمعات والشعوب كما نلاحظ، لا يمكن أن تعيش المجتمعات إلى الأبد بهذا النظام القبلي معتمدة على العرف. أليس من سنة الحياة أن تتحول المجتمعات من البدائية إلى الحداثة؟

قد يحدث تلاقح، أو الهجرة من هنا إلى هناك أو العكس، وللأسف أن إنسان البرية -في الغالب- هو الذي تلتهمه المدنية ويفقد هويته وروحه وحريته.

في رواية (عشب الليل) تقول: “ما إن يعلم الإنسان بأن له أخاً يحيى في الرقعة المجهولة حتى يصبح لا بد من أن يحتال ويبدع ويركب الريح ليصل إليه، يصل إليه يرتمي بين ذراعيه، يحتضنه بحرارة ويبكي بدموع الحنين بين يديه ثم يستغفله في الظهر الطعنة المميتة، هذا هو الإنسان!”
هل تحاول قول : أن الإنسان غدار بطبعه؟

الذي يحدث هنا هو بسبب العلاقة، والعلاقة دائما عداء!
ولهذا يُقال الجحيم هو الآخر.
عندما يقول (أرسطو): “الإنسان كائن اجتماعي” فهو لم يخطئ، لأنه كائن إجتماعي وإجتماعي شقي.
عندما يصبح الانسان اجتماعياً يصبح شريراً، وهذا أشبه ما يكون بالدراما، حين لا نستطيع ان نستغني عن الانسان فـ نهرع له ونرتمي بين يديه كالطفل ولكن لا نلبث قليلا بحكم العلاقة ألا ويحدث الصراع، كصراع قابيل وهابيل.

من مقولاتك في رواية (رسول السماوات السبع): “نحن لا نُميت إلا من نحب”.

هذه دراما الحب،
الحب علاقة تريد أن تأله المحبوب، والمحبوب لا يستطيع أن يتأله أبدا فتقتله، لكي تتماهى معه،
لكي تحبه كما ينبغي يجب أن تحبه في الموت، وفي الواقع لا حب إلا في الموت،
ما هو الموت؟ الموت هو الحرية في بعدها الأقصى.

من مقولات “الناموس” : “يتلذذ الانسان في الاجتماع الى الناس، ويجد أشد الصعوبات في الاجتماع الى نفسه”!
هل يحب الاستاذ ابراهيم العزلة؟

بالتأكيد، بدون عزلة لا إبداع، ولا نبوءة.
من هو النبي الذي خرج إلى العالم بدون عزلة، ألا تذكرنا العشرون عاما بـ غار حِراء، الثمن الذي يدفعه كل نبي؟
ألا يذكرنا تيه الأربعون عاماً في صحراء سيناء بذلك؟
في الحقيقة، كل الأفكار الكبرى نتجت عن التأمل، والتأمل لا يحدث إلا بعزلة.

رسائل أوستر وكوتزي عن الصداقة

بول أوستر، كاتب وروائي أمريكي، من مواليد 1947، تمزج كتاباته بين الوجودية، وأدب الجرائم، والبحث عن الهوية في أعمال مثل؛ (ثلاثية نيويورك) و(كتاب الأوهام) و(حماقات بروكلين). تُرجمت كتبه إلى حوالي أربعين لغة. أما جيه. إم. كوتزي، فمن مواليد 1940، كاتب وروائي ومترجم، من جنوب إفريقيا، حصل على جائزة نوبل في الآداب لعام 2003. من أعماله؛ (عصر الحديد) و(العار) و(العدو) و(إليزابيث كوستلو).

في كتاب (هنا والآن)، نُشرت عدد من الكلمات التي تراسلها الكاتبان على مدار أربع سنوات، تحديدًا من 2008 وحتى 2011. ابتدأ الكتاب برسالة من (كوتزي) يحكي فيها عن الصداقة، فيقول:

14 و15 يوليو 2008

عزيزي بول،

أفكر منذ فترة في الصداقات، كيف تنشأ، وكيف تدوم -أو يدوم بعضها- لفترات طوال، تتجاوز حتى علاقات الارتباط الغرامي التي أحيانًا ما نفترض -مخطئين- أن الصداقات نسخ باهتة منها. لقد كنت أوشك أن أكتب لك رسالة عن كل هذا، تبدأ بملاحظة أنه من المدهش أن ما كُتب في الصداقة قليل، في ضوء أهميتها في الحياة الاجتماعية، ومدى ما تعنيه لنا، لا سيَّما في الطفولة.775dd30cc09342f5b09e6fd35acaf8fb

لولا أني سألت نفسي إن كان ذلك صحيحًا. فمضيت إلى المكتبة لأتحقق بسرعة من الأمر، قبل أن أجلس للكتابة إليك. ويا إلهي، كم كنت مخطئًا. لقد وجدت سجلّ المكتبة يحتوي كتبًا بأكملها في الموضوع، عشرات الكتب، والكثير منها حديث. ولكنني حينما مضيت خطوة أبعد، فألقيت نظرة حقيقية على هذه الكتب، استرددت بعضًا من احترامي لنفسي. لقد كنت محقًا، أو شبه محق، فما تقوله هذه الكتب في الصداقة لا يكاد يثير الاهتمام، أو هذا حال أغلبها. إذ تبقى الصداقة لغزًا في ما يبدو؛ صحيح أننا نعرف أن الصداقة مهمة، لكن لماذا يصبح الناس أصدقاء ويبقون كذلك؟ هذا ما لا نملك إزاءه إلا التخمين.

ما الذي أعنيه حينما أقول إن المكتوب في هذا الموضوع لا يكاد يثير الاهتمام؟ قارن الصداقة بالحب. هناك مئات الأشياء المثيرة للاهتمام التي يمكن أن تقال في الحب. على سبيل المثال: يقع الرجال في غرام النساء اللاتي يذكّرنهم بأمهاتهم، أو بدلًا من ذلك، يذكّرنهم ولا يذكرنهم بأمهاتهم، اللاتي هن أمهات لهم ولسن أمهات لهم في الوقت نفسه. صحيح؟ ربما، وربما لا. مثير للاهتمام؟ قطعًا. والآن تعال إلى الصداقة. من الذين يتخذهم الرجال أصدقاء؟ رجال آخرون لهم تقريبًا مثل أعمارهم، ومثل اهتماماتهم، بالكتب مثلًا. صحيح؟ ربما. مثير للاهتمام؟ بالقطع لا.

دعني أسرد لك بعض ملاحظات عن الصداقة، جمعتها من زيارتي للمكتبة، وأراها مثيرة للاهتمام.

(1) لا يستطيع أحد أن يصادق شيئًا جامدًا، في ما يرى (أرسطو)، (الأخلاق، الفصل الثامن). بالطبع لا! من قال من قبل إن هذا ممكن؟ لكنه يبقى مثيرًا للاهتمام؛ فبغتة يرى المرء مصدر إلهام الفلسفة اللغوية الحديثة. إذ كان (أرسطو) قبل ألفين وأربعمئة سنة يبيّن أن ما يبدو من قبيل المسلّمات الفلسفية قد لا يزيد عن بعض قواعد النحو. ففي جملة “أنا صديق س” يقول (أرسطو) إن “س” لابد أن يكون اسمًا لكائن حي.

(2) قد يكون للمرء أصدقاء دون أن يرغب في رؤيتهم، كما يقول (تشارلز لام). صحيح، ومثير للاهتمام أيضًا، وهذا وجه آخر من أوجه اختلاف مشاعر الصداقة عن الارتباط الإيروتيكي.

(3) الأصدقاء، الذكور منهم في الغرب على الأقل، لا يتكلمون عن إحساسهم تجاه بعضهم بعضًا. قارن ذلك بثرثرة المحبين. وحتى هذا، ليس مثيرًا للغاية. لكن عندما يموت الصديق، ينصبّ الحزن: “أواه، فات الأوان”. سؤال: هل الحب ثرثار لأن الرغبة بطبيعتها تنطوي على مشاعر متضاربة، بينما الصداقة قليلة الكلام لأنها خالية من المشاعر المتضاربة؟

(4) ملاحظة لـ(كريستوفر تيتجنز) من (نهاية المسيرة) لـ(فورد مادوكس فورد)؛ وهي أن المرء يمضي بامرأة إلى سريره ليتسنّى له أن يتكلم معها. والمغزى: أن تحويل المرأة إلى عشيقة ليس إلا خطوة أولى، الخطوة الثانية، أي تحويلها إلى صديقة، هي المهمة، ولكن مصادقتك لامرأة لم تنم معها مسألة مستحيلة، إذ يبقى الكثير عالقًا في الأجواء.

لو صحّ بالفعل أنه من الصعب قول أي شيء مثير للاهتمام في الصداقة، فبالإمكان المضي إلى نظرة أبعد: فنقول إن باطن الصداقة يتفق وظاهرها، خلافًا للحب أو السياسة اللذين لا يتفق باطنهما مطلقًا مع ظاهرهما، أي أن الصداقة شفافة.

أكثر التأملات إثارة للاهتمام في موضوع الصداقة هو الذي يأتينا من العالم القديم. لماذا؟ لأن أناس العصور القديمة كانوا لا يرون أن الموقف الفلسفي في صلبه هو موقف تشكك، ومن ثم كانوا لا يرون أن من جملة البديهيات أن باطن الصداقة لا بد أن يكون شيئًا آخرًا غير ظاهرها، أو يخلصون -في المقابل- إلى أن الصداقة هي ظاهرها ومن ثم فلا يمكن أن تصلح موضوعًا للفلسفة.

أطيب التمنيات،

جون.

وكان رد (أوستر) على الرسالة السابقة كالآتي:

29 يوليو 2008

عزيزي جون،

هذا سؤال أطلت التفكير فيه على مدار السنين. قد لا أقول إنني انتهيت في الصداقة إلى موقف متماسك، ولكنني ردًا على رسالتك، التي أثارت بداخلي زوبعة من الأفكار والذكريات، أظن أن اللحظة المناسبة لذلك قد حانت.

بادئ ذي بدء، سأحصر نفسي في حدود الصداقات الذكورية، أعني صداقات الرجال، صداقات الأولاد.

(1) نعم، هناك صداقات شفافة وخالية من المشاعر المتضاربة -بتعبيرك-، ولكنها ليست كثيرة، في ضوء تجربتي. ولعل لهذا علاقة بمصطلح آخر من مصطلحاتك: قلة الكلام. إنك تصيب إذ تقول إن الصداقات الذكورية -لا سيما في الغرب- تنزع إلى قلة الكلام، فلا يتكلم الصديق مع صديقه عمّا “يشعران به تجاه أحدهما الآخر”، وسأمضي بهذا خطوة أبعد فأقول إن الرجال لا يميلون إلى الكلام عن مشاعرهم، ولا أزيد.

ولو أنك لا تعرف كيف هو شعور صديقك، أو ما شعوره، أو سبب شعوره، فكيف بصدق تقول إنه صديقك؟ ومع ذلك تدوم الصداقات، ولعقود كثيرة في الغالب، في هذه المنطقة الغامضة من عدم المعرفة.

[…]بول أوستر

موجة مُخيّة مباغتة: أفضل الصداقات وأبقاها ما يقوم على الإعجاب. هذه هي صخرة الشعور التي تربط بين اثنين على المدى البعيد. أن يعجبك شخص لما يفعله، لما هو إياه، لكيفية اجتيازه سبيله في الحياة. إعجابك به يعلي من شأنه في نظرك، يضفي عليه نبلًا، وسموًا إلى مقام تحسب أنه أعلى من مقامك أنت. ويعجب بك هذا الشخص أيضًا، فيعليك هذا عنده، ويضفي عليك نبلًا، وسموًا إلى مقام هو عنده يفوق مقام نفسه، ثم إذا بكما في موقف من المساواة التامة. وإذا بكل منكما يعطي أكثر مما يأخذ، وفي ظل هذا التبادل، تزدهر الصداقة. يقول الكاتب الفرنسي (جوبير) في (الدفاتر) 1809: “على المرء أن لا ينمّي أصدقاءه فحسب، بل والصداقات في نفسه. لا بد من صيانتها، ورعايتها، وريّها”. و(جوبير) أيضًا يقول: “إننا دائمًا ما نفقد صداقة من نفقد احترامنا لهم”.

(2) الأولاد. الصداقة أشد مراحل حياتنا توترًا، لأن كل ما نفعله فيها إنما نفعله للمرة الأولى. وليس هنا ما أقدمه غير الذاكرة، ولكن الذاكرة تُبرز -في ما يبدو- القيمة المطلقة التي نوزعها للصداقة في صغرنا، بل في صغرنا البالغ. […] أنت تميز في رسالتك بين الصداقة والحب. ولكن في صغرنا، قبل أن تبدأ حياتنا الإيروتيكية، لا يكون ثمة فارق. تكون الصداقة والحب شيئًا واحدًا.

(3) ليست الصداقة والحب شيئًا واحدًا. الرجال والنساء. الفرق بين الزواج والصداقة، ومقتطف آخر من (جوبير) 1801: “لا تتخيّر زوجة إلا امرأة لو كانت رجلًا لاتخذتها صديقًا”، صيغة أخرى عبثية في تصوري، إذ كيف لامرأة أن تكون رجلًا، ولكن الفكرة تصل على أية حال، وهي جوهريًا غير بعيدة عن ملاحظة (فورد مادوكس) في (نهاية الموكب) وتأكيده الظريف النزق على أن “المرء يصطحب المرأة إلى السرير كي يتسنى له الكلام معها”.

الزواج في المقام الأول حوار. وإذا لم يعرف زوج وزوجة كيف يكونان صديقين، فليس للزواج إلا فرصة ضئيلة للبقاء. الصداقة من مكوّنات الزواج، ولكن الزواج مهمة في طور التنفيذ طوال الوقت، دائم التطور، مسعى لبلوغ المرء أعماق نفسه وإعادته اختراع ذاته في علاقته بالآخر، بينما الصداقة نقية، أعني الصداقة بعيدًا عن الزواج، تميل إلى أن تكون أكثر ثباتًا، وتهذيبًا، وسطحية. ونحن نتوق إلى الصداقة لأننا كائنات اجتماعية، وُلدنا من كائنات ومقدور لنا أن نعيش وسط كائنات إلى يوم أن نموت، ومع ذلك تأمّل الشجارات التي تقع في أفضل الزيجات، الخلافات المحتدمة، الإهانات الملتهبة، الأبواب المصفوقة والأطباق المتهشمة، فكّر في ذلك وسوف ترى على الفور أن أمثال هذه السلوكيات لا يمكن أن تكون مقبولة في غرف الصداقة الرزينة. الصداقة احترام، وطيبة، وثبات شعوري. والأصدقاء الذين تعلو أصواتهم على بعضهم البعض نادرًا ما يبقون أصدقاء. في حين أن الأزواج والزوجات الذين تعلو أصواتهم على بعضهم البعض غالبًا ما يستمرون في زيجاتهم، بل وتستمر زيجاتهم هذه في سعادة.

هل يمكن أن تقوم صداقات بين الرجال والنساء؟ أعتقد أنه ممكن. ما لم يكن ثمة انجذاب جسدي. ولا يكاد الجنس يدخل المعادلة، حتى يتوقف قبول الرهانات.

[…]

مع أدفأ الأفكار من نيويورك الساخنة،

بول.

حديث أرسطو عن الوسطية كطريق إلى السعادة

تمثال أرسطو

أرسطو (٣٨٤ق.م – ٣٢٢ق.م) فيلسوف يوناني، تتلمذ على يد (أفلاطون)، وقام بتعليم (الاسكندر الأكبر) ابن الملك المقدوني (فيليب). وأنشأ مدرسة (اللوقيون) التي قام فيها بتدريس الأحياء والعلوم الطبيعية. كما كتب (أرسطو) في مواضيع متنوعة ومن كتبه العلمية: (الطبيعيات)، (علم الظواهر الجوي)، (أجزاء الحيوان). ومن كتبه الفلسفية: (الاخلاق)، (السياسة)، (العلم الإلهي).

يقول عنه (ويل ديورانت) في كتابه: (قصة الفلسفة): “إن من مآثر (أرسطو) أنه قام بوصل خطين من الفكر وهما الفيزيائي والأخلاقي. حيث أمسك مرة ثانية بحبل التطور العلمي الذي اتخذ طريقه باليونان في الفترة السابقة لأيام (سقراط)، وجمع النتائج المتراكمة وواصل أعماله بتفصيل أكثر حزما ً، وملاحظات واستقصاء أكثر تعدداً، وجمع كل النتائج المتراكمة في مجموعة هامة من العلم المنظم.

ينقل لنا (ديورانت) حديث أرسطو إلى تلاميذه عن الأخلاق والطريق إلى السعادة. حيث أنه لما كَثُر التلاميذ الشباب حول (أرسطو)، بدأ بالاتجاه إلى المسائل الأخلاقية، ورأى بأن السؤال الأكثر أهمية هو ما هو الطريق الموصل إلى الفضيلة والسعادة؟

تميزت نصائح (أرسطو) بالواقعية حيث، لم يكن يبحث مُثل الكمال العليا الغير قابلة للتطبيق. ولما كان مدركا ً بطبيعة البشر كان يقول:

هدف الحياة ليس الخير في حد ذاته، بل السعادة، لأننا نختار السعادة لذاتها لا لشيء أخر، ونحن نختار الشرف، والسرور، والادراك لأننا نعتقد اننا نصل عن طريقها الى السعادة.

ويأمل (أرسطو) بأن الطريق الموصل للسعادة يكمن في إجابة سؤال ما الذي يميز الانسان عن غيره من المخلوقات الحية؟ فهو يعتقد بأن الانسان يبلغ السعادة عندما يتحلى بصفته الخاصة المميزة له عن بقية الكائنات.

يمتاز الانسان عن غيره بقوة فكره التي بفضلها يتفوق ويحكم جميع اشكال الحياة الأخرى، وبما ان نمو وتطور هذه المقدرة على الفكر مكنته من السيادة، لذلك يمكننا ان نفترض ان تطور هذه المقدرة الفكرية سيحقق له السعادة.
عندئذ يكون العقل شرطا ً للسعادة باستثناء قضاء بعض اللوازم الجسدية.

ثم يكمل بالحديث عن الوسطية كطريق الى الفضيلة والسعادة:

تتوقف الفضيلة أو بالأحرى الفضل على الرأي الواضح وضبط النفس وتناسق الرغبات وفن الاعتدال، وهي ليست ملكا ً للإنسان البسيط أو هبة للقصد البريء ولكنها نتيجة خبرة الانسان المتطور تطورا ً كبيرا ً.

ومع ذلك هناك طريق لبلوغ السعادة، ومرشد لبلوغ الفضل قد يوفر علينا الكثير من التأخير والعناء. وهو الطريق الوسط، أو الوسط الذهبي، حيث تُنَظم الأخلاق في شكل ثلاثي يكون الطرفان الأول والأخير فيه تطرفاً ورذيلة. والوسط فضيلة أو فضل. وهكذا يكون بين التهور والجبن فضيلة الشجاعة، وبين البخل والاسراف فضيلة الكرم، وبين الكسل والجشع فضيلة الطموح، وبين البخل والإسراف فضيلة الكرم، وبين الكتمان والثرثرة فضيلة الأمانة، وبين الكآبة والمزاح فضيلة البشاشة، وبين محبة الخصام والتملق فضيلة الصداقة. عندئذ لا يختلف الصواب في الأخلاق والسلوك عن الصواب في الرياضيات والهندسة، حيث يعني الصحيح والمناسب وأفضل عمل لأفضل نتيجة، على كل حال فإن الوسط الذهبي ليس كالوسط الرياضي، أي متوسط محكم النقيضين محسوبين بدقة. ولكن يتذبذب مع الظروف المحاذية لكل وضع، ويبدي نفسه للعقل الناضج المرن فقط. إن الفضيلة فن يمكن كسبه بالمران والعادة.

ويضيف (أرسطو) أن التحلي بالفضيلة كأسلوب حياة هو شرط للسعادة:

هذه الفضائل تتشكل في الإنسان بعمله لها. إننا عبارة عن عما نفعله دائما ً. إن الفضل أو الخير بالإنسان هو عمل النفس بالطريق إلى الفضيلة طيلة حياته. وكما أن ظهور عصفور الجنة أو السنوفو أو وقوع يوم صحو من الأمطار لا يعني أننا في فصل الربيع، لذلك لا يكفي يوم واحد أو زمن قصير لجعل الانسان صالحاً أو سعيداً.

ثم يعلق (ديورانت) بأن التفريط أو الإفراط قد يصدر من الإنسان نتيجة سوء فهمه للفضيلة بمعناها الصحيح، فيقول:

عندما يرتكب الشباب خطاً فإن هذا الخطأ يجنح إلى التطرف والمبالغة وبهذا فإن الصعوبة في موقف الشباب هي في الخروج من تطرف والوقوع في تطرف معاكس له، وقد رأينا وسمعنا مثل هذه المواقف تحدث بكثرة في مجتمعنا هنا. فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون المرور بالوسط الذهبي إلا قليل منهم وبعد خوض تجارب مريرة وانكسارات روحية ومعنوية لأن التطرف الواحد يؤدي بسهولة إلى الآخر سواء بسبب زيادة التقويم أو غيره.

أولئك الذين يشعرون بتطرفهم في أمر من الأمور لا يطلقون اسم “الفضيلة” على الوسط ولكن على الطرف المقابل لتطرفهم وقد يكون هذا أمراً حسناً في بعض الأحيان لأننا إذا كنا نشعر بأخطائنا في أمر واحد متطرف ينبغي أن نوجه هدفنا إلى الآخر وبهذا قد نصل إلى الموقف الوسط كما يفعل الناس في تقويم جذع الشجرة المنحني، ولكن المتطرفين الذين لا يشعرون بتطرفهم ينظرون إلى الوسط الذهبي على أساس كونه رذيلة فيتقاذفون الإنسان المعتدل كما يتقاذفون الكرة فالجبان على سبيل المثال يعتبر الشجاعة تهوراً واندفاعاً وينظر المتهور للشجاعة على أنها جبن وضعف وقس على ذلك بقية الأمور

الانسان – فكرة، كما تقول جاكلين روس

18220971

جاكلين روس ، حاصة على الدكتوراه بالفلسفة والعلوم الانسانية، وكاتبة ومؤلفة موسوعية، لها مؤلفات عديدة باللغة الفرنسية، من بين كتبها المترجمة للعربية  هو : (مغامرة الفكر الاوربي : قصة الافكار الغربية)، تستهل جاكلين كتابها، بالحديث عن الافكار وعلاقتها مع الانسان :

إننا ورثة رؤيتين للكون ، كلتاهما ولدتاً مابين الفرات والنيل ، منذ آلاف السنين.

تستطرد جاكلين بشرح هذه الرؤيتين واثرهما بالفكر الغربي، والصراع الذي حصل بينهم :

نحت السومرين والمصريون مفهوم محيط أولي، وهو عبارة عن فوضى سائلة، من جوفها انبعث تلقائياًً مبدأ نظام – غالباً في صورة إله – ظهر من خلاله العالم، والآلهة، والبشر، الذين خُلقوا الواحد تلو الآخر، العالم والآلهة والبشر يشتركون في القوانين نفسها ويخضعون لها، وهي قوانين الطبيعة هكذا .. تتلخص الرؤية الاولى للعالم.

العبرانيون، اتبعواً مخططاً مختلفاً تماماً : يعتبرون أن قوة متعالية، هي الله، موجودة منذ الازل، وان الله خلق الكون من العدم، وخلق الانسان على صورة الإلهي، هذا الانسان الذي أراد أن يتشبه بالله، فأكل ثمرة شجرة المعرفة، وبالرغم العقاب الذي انزله الله له، الا أن بقى الانسان محور العالم الذي اعطي له، وكان عليه أن يحوله بعمله. في هذه الرؤية الثانية، رأى الانسان ان الله خصه بحرية اصيلة واوكل إليه مشروعاً اخلاقياً وهو أن يسيطر على الطبيعة ويعطيها معنى، ويسيرها بحسب مقاصد الله والانسان بما عند هذا الاخير من ذكاء وحكمة، لأنه االكائن الفريد الذي يتمتع بكرامة جديدة.

أعطى اليونانين الرؤية الاولى، افكار مازالت قوتها تجتذب العلم المعاصر، ببساطة كبيرة هي: صورة طبيعة فريدة ينظمها مبدأ (كالخير عند افلاطون مثلاً، والله، المحرك الاول عند ارسطو) ينتشر في العالم بواسطة العقل المشترك بين مجمل الكائنات، بناء على هذا فإن فكرة الطبيعة عند اليونانين هي المؤسسة. في المنظار الهليني، كل شئ، يتأتى من الطبيعة، وهي الى جانب اللوغوس (العقل) تضئ المعرفة، وتوضح تنظيم المدينة وايضاً الاخلاق، يشكل المذهب الطبيعي والمذهب العقلاني محورين أساسين في نظرة الهلنين الى العالم.

أما النظرة الثانية للعالم، التي تبلورت أولا في اليهودية، فإنها تبدو مختلفة تماماً، لم تعد الطبيعة التي يحركها العقل تشكل العمود الفقري، بل “الكلمة” أي الكلمة الآلهية، خالقة الكون، وتتحلى في القانون الالهي، وتعتبر تعليماً من تعاليم الوحي الآلهي، وحيث أن هذه النظرة تصب في فكرة خلق العالم وفكرة سقوط الانسان، فإنها تدخلنا في قصة انسانية مدعوة للالتحاق، يوماً بهذا الوجود الاعلى الذي فصلت عنه، هكذا يصبح الشعب العبري حامل رسالة عالمية الى ارجاء المعمورة، حولت المسيحية وجهة النظر العبرية نحو نقطة مركزية هي الانتصار على الموت: ضحى المسيح بذاته لينقذ الناس ويحمل إليهم الخلاص، سمحت ذبيحة الانسان – الإله ببناء الجسور بين الوجود الاعلى والانسانية، اما الكنيسة فهي مؤسسة رسولية عالمية، كونها المسيح، إنها ترتكز عليه وتنطلق منه ومن الاناجيل، لتنتشر البشرى الصالحة.

ستشكل المواجهة بين هاتين النظرتين، والتي تكون تاريخ الافكار في الغرب، على مدى العصور، مركباً متفجراً يصحبه شعور بالتأزم الدائم، لن ينفك الكتاب والمفكرون، والفلاسفة يعبرون عنه.

بعدها، (جاكلين روس)، تاخذنا الى رحلة تأملية عن ” الفكرة” .. فتقول:

ما الفكرة؟ هذه “كلمة- ملتقى” خضعت لتحولات دلالية عميقة عبر تاريخها : فالفكرة عند (افلاطون) تشير الى نموذج مدرك للواقع، اما عند (هيغل)، فهي مبدأ الجدلية عينه، تمثل الفكرة في نظرنا، شكلاً مثالياً يعطي العالم إطاراً ومعنى، ويوحد، وينظم، ذلك أن الفكرة تجسد وحدة جدلية حية، انها صورة غير ملموسة، لكنها تجمع أحداث التاريخ، وترشدها، وتنيرها، وتقودها، التطور، التاريخ، حقوق الانسان، العقل، العلم: كلها افكار ليست حيادية أبدا او خارجة عن ذواتنا، بل تشكل واقعاً موضوعياً كاملاً، وعالماً من التصورات العليا، ومجموعة من السلطات الخاصة والقائمة بذاتها.

تميز المؤلفة الفكرة عن الايدلوجيا:

تتميز الفكرة عن الايدولوجية التي هي نظام افكار ومفاهيم مجتمعة حول بعض المبادى الاساسية والهادفة الى تفسير العالم. يقول (ريمون ارون): ” نهاية الإيديولوجيات ، نهضة الافكار” وهو عنوان لأحد ابحاثه، فالايديولوجية، بالاشارة الى الماركسية، وهي الايديولوجية بامتياز، تتضمن عامة نقصاً، وعجزاً، وخطأ او مغالطة: فهي تعني مفهوماً للعالم وهمياً او مخادعاً، نوعاً من الخليط الذي تمتزج فيه اللاحقائق، لاتتماهى الفكرة مع الوهم الايدولوجي ، لانها انتاج روحي يرشد البشر وهو ضروري لهم.  من دون افكار ، لايمكن للفرد الا أن يتقهقر ويموت، يمكن للوجود أن يكون إنسانيا من دون اطار ايديولوجي، ضامن ومطمئن، ولكن لايمكنه أن يكون إنسانيا من دون افكار.

تبين المؤلفة أن الافكار، ليست حصراً على الفلاسفة فقط، فتقول :

لايمكن للفلاسفة أن يحصرو الافكار بذواتهم، إن الفنانين، والثوار، والعلماء، ومؤسسي الأديان، والشعراء ينظمون هم أيضاً العالم ويتفكرونه. هم أيضاً بحاجه الى تصورات كاشفة، وفئات روحية جامعة. سنة 1789، أعلن رجال الثورة حقوق الانسان وهي حقوق اساسية لكل الافراد، وضعت اليهودية والمسيحية فكرة الخلاص كمدحل لحالة الغبطة الأبدية بعد الموت، وكعودة الى الله المتعالي، الذي فُصل عنه الانسان بسبب خطيئة ادم، ثم لايمكن اختصار تاريخ الافكار بتاريخ المذاهب الفلسفية، تظهر الافكار هنا في المعنى الواسع للكلمة: انها تصنيفات فلسفية مجردة وايضاً مفاهيم تتعلق بالعلم، بالفن، أو بالدين .