أرشيف الوسم: أسلوب الحياة

سركون بولص، وحديثه عن التحولات الثلاث في فكر نيتشه

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر عراقي، قدّم العديد من الدواوين الشعرية، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء، مثل (تيد هيوز). 

في كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة)، تطرّق (بولص) إلى “التحولات الثلاث” التي ذكرها الفيلسوف (فريدريك نيتشه) في كتابه الأشهر (هكذا تكلم زرادشت)، وقام بشرحها بشكل لطيف، ضمن مقالة حملت عنوان “ملاحظات على الشعر والتحولات الثلاث”. يقول (بولص):

هناك مثال يصف علاقة المبدع بالعالم في “التحولات الثلاثة”، وهي أول خطبة يفتتح بها (نيتشه) كتابه (هكذا تكلم زرادشت)، يقول فيها كيف ينبغي للروح أن تصير جَملًا في المرة الأولى، ثم يصبح أسدًا، وفي النهاية يتحول الأسد إلى طفل.

يبدأ (بولص) في شرح الحالة الأولى، وهي حالة الجَمل، فيقول:

ويرمز الجمل إلى مهمة القيام بحمل أعباء العالم والمعيشة فيه، بينما يقتات على الشوك والعاقول ليشبع جوعه إلى الحقيقة. إن مشيئة الإنسان الخلّاق، يقول (نيتشه)، ترضخ لضرورة التعلم من الظواهر والوقائع والأشياء بأن تصير جزءًا من مسار العالم، وأن تتفاعل مع قضايا العالم الحديّة، هذه هي الخطوة الأولى.

ومن ثم، يبدأ في شرح الحالة الثانية، وهي حالة الأسد، قائلًا:

لكن الروح، بعد ذلك، تحتاج إلى الاستئساد في صراعها مع العالم لكي تنحر تنين القيم الخارجية، […] بهذا الفعل تتخذ الروح كينونة قادرة على الحرية والخلق من جديد. هذه هي المرحلة التي ينبذ فيها الشاعر جميع الآراء السابقة ليجد منابعه ومراجعه الخاصة.

وأخيرًا تكون حالة الطفل، هي ختام التحولات الثلاث. فيقول (بولص):

وأخيرًا على الأسد أن يصبح طفلًا، لأن الروح الجديدة لن تدخل إلى العالم سوى عن طريق الطفل الذي يملك البراءة والقدرة العفوية على النسيان. وهذه هي لحظة الخلق الأصيل؛ يستدير الشاعر بكامل وجوده إلى لحظة كتابة بعقل البدايات، حرًا من جميع الدوافع الأخرى، ما عدا رغبته في أن يقول ما يريد، كما ينبغي أن يُقال.

يعقب على ذلك (بولص)، فيقول عن الفنانين عمومًا، مخصصًا حديثه عن الشعراء منهم:

الشعر بلا رؤيا، لا يمكن أن يحمل أية قيمة جوهرية من حيث كونه شعرًا، وليس لعبة ذهنية أو لفظية. وبالرؤيا، لا أعني هنا شطحة الخيال المغمضة العينين […] ذلك أن رؤيا الشاعر ليست واسطة، ليست جسرًا إلى مدى آخر، بل هدف بحدّ ذاته من حيث أنها تجسيد للعالم بوجهيه، الظاهر والكامن.

وربما يصدق على ذلك قوله، في أحد اللقاءات الصحفية، والتي نُشرت في مجلة (السفير) عام 2000م، إذ قال:

طبيعي أن الشاعر الحقيقي يعيش الشعر دائمًا في كل لحظة في حياته.

لماذا نتدارس الرياضيات؟ (راسل) يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في كتابه (عبادة الإنسان الحر)، والذي نقله إلى العربية الأستاذ (محمد عمارة)، تحدث (راسل) عن أحد الأسئلة التي لطالما التقطتها آذاننا حول أهمية علم الرياضيات، والفوائد العائدة على تعلمها. فيتحدث (راسل) مجيبًا في مطلع حديثه عن أحد أهم أهداف الرياضيات:

أحد الأهداف الرئيسية التي تهدف إليها الرياضيات، عندما تدرس بطريقة سليمة، هو إيقاظ إيمان المتعلم بالعقل، وتنمية ثقته في حقيقة ما تم إيضاحه وفي قيمة هذا الإيضاح. هذا الهدف لا يخدمه التدريس القائم حاليًا، ولكن من السهل رؤية الطرق التي يجب أن تخدمه.

ولفهم كيفية تعاملنا مع الرياضيات كأحد تجليات علم المنطق وأساليب الترميز، يقول (راسل):

في بدايات علم الجبر، كان أكثر الأطفال ذكاء يجدون، كقاعدة عامة، صعوبات كبيرة في فهمه، حيث كان استخدام الحروف يمثل لغزًا، ويبدو كما لو أن ليس له من هدف إلا الغموض. وربما كان يستحيل في البداية ألا يُعتقد أن كل حرف يمثل رقمًا بعينه لو كان المدرس يكشف عن الرقم الذي يمثله.

الحقيقة أنه في علم الجبر يتم تعليم العقل في البداية النظر إلى الحقائق العامة، الحقائق التي لا يُقال إنها تنطبق فقط على هذا الشيء أو ذاك، بل على كل شيء فرد من مجموعة من الأشياء. إن القدرة على فهم واكتشاف تلك الحقائق يكمن فيها تمكن العقل من عالم الأشياء الفعلية والممكنة. ومقدرته على التعامل مع ما هو عام يعد إحدى المواهب التي يجب أن يتمتع بها دارس الرياضيات.

ومن ثم يبدأ الجزء الأشد صعوبة في الرياضيات، وهي علم الجبر، والمعادلات غير النهائية. فيتابع (راسل):

عندما يتم تعليم الجبر، تسير الأمور بيسر إلى أن نصل إلى الدراسات التي توجد بها مفاهيم اللانهائية، والمعادلات اللانهائية، وكل الرياضيات العليا. وحل الصعوبات التي كانت تحيط اللانهائية الرياضية ربما كان أعظم الإنجازات التي يفاخر بها عصرنا؛ فمنذ بداية الفكر الإغريقي، كانت تلك الصعوبات معروفة، وفي كل عصر حاولت أعظم العقول الإجابة على السؤال الذي بدا أنه لا إجابة له، والذي سأله (زينو الإلياتي). أخيرًا وجد (جورج كانتور) الإجابة، وتمكن من جعل العقل يقهر مجالًا جديدًا وواسعًا كانت تسيطر عليه الفوضى.

بعيدًا عن آليات تدريس الرياضيات، وعودة إليها ذاتها، وإلى أهميتها، يقول (راسل):

الآن حان الوقت لاكتساح كل ذلك بعيدًا، ولندع الذين يودون الولوج إلى عالم الرياضيات، يتعلمون في نفس اللحظة النظرية الصحيحة، بكل نقائها المنطقي، وبكل التركيز الذي يوفره جوهر مكوناتها.

إذا نظرنا إلى الرياضيات على أنها غاية في ذاتها، وليس تدريبًا تقنيًا للمهندسين -فمن المرغوب فيه بشدة الحفاظ على نقاء وقطيعة تسبيبها- وبالتالي فإن من وصلوا إلى التمرس الكافي بأجزائها الأسهل، يجب أن يوجهوا للخلف قليلًا. فمن الفروض التي قبلوها على أنها ذاتية الدليل إلى الأسس الأصولية التي كان ما يبدو منها في السابق يعد فرضًا يمكن استنتاجه.

يجب أن يتعلموا -وهو ما تظهره نظرية اللانهائية- أن الكثير من المقدمات يبدو ذاتي الدليل للعقل غير المدرب، وأنها بالتمحيص الدقيق تصبح خطأً. بهذه الطريقة يتم توجيههم إلى البحث التحليلي للقواعد الرئيسية، وإلى اختبار الأسس التي ينبني عليها صرح التسبيب المنطقي بكامله، أو باستخدام عبارة أدق؛ يتأسس الجذع الأعظم الذي تخرج منه الفروع الأخرى.

في هذه المرحلة يكون من الأفضل أن تتم دراسة الأجزاء الرئيسية للرياضيات من جديد، دون السؤال عن صحة فرض من الفروض ولكن بالإجابة على السؤال؛ “كيف أمكن إثباته من القواعد المركزية للمنطق؟” الأسئلة من هذا النوع يمكن الآن إجابتها بدقة وتأكد كانا مستحيلين سابقًا، وفي سلسلة التسبيب التي تتطلبها الإجابة، فإن وحدة كل الدراسات الرياضية تفصح عن نفسها.

فالرياضيات هي البحث في المسببات للنتائج المشهودة لكل الأشياء الفعلية والممكنة، كما يقول (راسل) في موضع آخر من حديثه:

عادة ما يصر الفلاسفة على أن قوانين المنطق، التي تتميز بها الرياضيات، هي قوانين للفكر وأنها قوانين تنظم عمليات عقولنا. بهذا الرأي تم الحط من كرامة التسبيب بدرجة كبيرة؛ فلم يعد بحثًا في قلب الجوهر غير المتغير لكل الأشياء الفعلية والممكنة، وإنما أصبح بدلًا من ذلك بحثًا في شيء إنساني بدرجة أو بأخرى، وعرضة لمحدداتنا.

إن تدبر ما ليس إنسانيًا، واكتشاف أن عقولنا قادرة على التعامل مع مواد دامدة وليست من ابتكارات عقولنا، فوق كل ذلك، إدراكٌ بأن الجمال هو شيء ينتمي للعالم الخارجي كما ينتمي للعالم الداخلي.

يختتم (راسل) حديثه عن الرياضيات، وتأثيرها على حياتنا اليومية، بقوله:

تعد الوسائل الرئيسية للتغلب على الإحساس بالمؤلم بالعجز والضعف تجاه قوى معادية، والتي من المؤكد أنه ينتج عن الاعتراف بالقدرة الغامرة لقوى غريبة، وإن تصالحنا باستعراض جمالها الطاغي وبسيطرة القدر -والذي يعد تجسيدًا لهذه القوى- يكون ذلك هو مهمة التراجيديا.

ولكن الرياضيات تأخذنا إلى أبعد مما هو إنساني؛ إلى منطقة الضرورة المطلقة التي يجب أن ينسجم معها، ليس العالم الفعلي فحسب، وإنما كل عالم آخر ممكن. وحتى هنا فإنها تشكل اعتيادًا، أو نجد اعتيادًا مستمرًا، حيث تتحقق مثلنا العليا، ولا تخيب أعظم آمالنا. فقط عندما نفهم بعمق استقلاليتنا الكاملة التي تنتمي للعالم الذي يجده عقلنا، يمكننا أن ندرك الأهمية الشاملة لجمال هذا العالم.

عن اللحظات المؤثرة في تشكيل الإنسان عند زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود ( 1905-1993م)، فيلسوف وكاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري، من مؤلفاته (المنطق الوضعي) في جزأين، و(موقف من الميتافيزيقا) و(تجديد الفكر العربي).

كما تعد أحد أبرز مؤلفاته هي (قصة نفس)، والتي تمثل سيرة ذاتية سيكلوجية له. ضمن الكتاب الأخير، كتب (زكي نجيب محمود):

ليست لحظات الزمن في حياة الإنسان سواسية كلها من حيث قوتها في توجيه الأحداث، وأثرها في تكوين الشخصية وتشكيلها، فمنها ما قد يمضي ولا أثر له، ومنها ما يكون له من بعد الأثر وعمقه ما يظل يؤثر في مجرى الحياة إلى ختامها، ولا عجب أن تجيء حيوات الأفراد متفاوتة الوزن والقيمة، متباينة الخصوبة والثمر. فمنها ما تتابع فيه اللحظات على وتيرة واحدة، حتى لكأنها في نهاية الأمر لحظة واحدة مكررة معادة، فضلا عما تتصف به هذه اللحظة الواحدة من خواء؛ ولذلك فهي حياة تمضي وكأنها لم تكن شيئا. ولكن منها كذلك حياة تجيء لحظاتها ثقالا بأحمالها، فتمضي تاركة وراءها أثرا يبقى على وجه الدهر أمدا طويلا، وبأمثال هذه اللحظات الحبالى تُصنع الحضارات وتُبنى.

يقول بعدها:

إن النظر إلى حياة بمجموعة أحداثها، كالنظر إلى صورة فنية لا يسير عليها البصر في خط مستقيم بادئا في حافة الإطار إلى حافة الإطار هناك، بل إنه ليقع أول ما يقع على نقطة مركزية فيها، كشجرة فارعة على يمينها، أو قمة شامخة على يسارها، أو بقعة لونية في أي موضع منها تلفت النظر إليها لتكون له نقطة ابتداء، ثم ينساب البصر في مختلف الاتجاهات، عائدًا آنا بعد آن إلى نقطة البدء، فكأنما هذه النقطة المركزية ينبوع تفجرت منه سائر النقاط، وكذلك قل عند النظر إلى حياة فرد من الأفراد بمجموعة أحداثها، فهناك كذلك يتجه الانتبهاه إلى لحظات أمهات كانت حاسمة في توجيه صاحب تلك الحياة.

ثم تساءل بعدها عن معايير هذه اللحظات المحورية في تشكيل الإنسان، وإذا ما كانت لحظة الميلاد أحداها، فيجيب:

إنه لوهم غريب هذا الوهم الذي يوهم الإنسان باتصال شخصه من لحظة الميلاد إلى لحظته الراهنة! نعم إنها وسيلة نافعة لغيري من الناس أن يعدّوني فردًا واحدًا متصل الحياة، بدأ في اللحظة الفلانية ولبث ينتقل هنا وهناك حتى انتهى إلى ما هو عليه الآن. أقول إنها وسيلة نافعة للناس لكي يسهل عليهمو عدّ الأفراد عند الإحصاء، ولكن ما لي أنا وما ينفع الناس عند العدّ والحساب؟ المرجع عندي هو خبرتي كما أحياها واعيًا بها، وليس ذلك الطفل الذي يروون لي عن زمان مولده ومكانه وجزءًا من تلك الخبرة الحية الواعية.

الحياة عقد إيجار

نشأت وأنا أخاف الموت واعتدت على ترك التلفاز يعمل أثناء نومي ليلاً حتي لاتنجرف أفكاري نحو النهاية المحتومة، رأيت مقطورات في فيلم مخيف عام 2012 مما سبب لي صعوبة في التنفس وانخراط في البكاء. حينما كنت بعمر السابعة أو الثامنة كانت فكرة إنتهاء حياتي وهلاكي أنا وأحبائي تملأني بالبؤس. هذا ما أنبثقت عنه ذاكرتي كأول أفكار روادتني عن الموت وكلما كبرت في السن قلَّت نوبات القلق الوجودي لدي فقد أصبح لدي أشياء أخرى لكي أقلق بشأنها. عندما كنت طفلاً دمر الركود الإقتصادي عائلتي فتركنا العيش في بيت مستقر وانتقلت مع أمي من مكان لآخر، لم يكن لدي وقت للتفكير في الموت ولكن مع ذلك لم يغادر الموت قط تفكيري. ركزت على أن أكون مُنتجاً وأضمن مستقبلاً أفضل ومع ذلك لم أتمهل لأستريح أو لأجد السعادة في أيامي التى أقضيها.
على حد تعبير (أوغسطينوس):

لقد ضاق صدري بسبب التعب من مشقة الحياة والخوف من الموت.

مع ذلك كان ينتابني شعور غريب بالإرتياح طوال الوقت الذى كنت ألهث فيه خلف تحقيق أعلى المعايير التي أضعها بنفسي كنت أشعر أنني بخير حتى لو لم أكن سعيداً . ولكن وجهة نظري تغيرت حينما التحقت بأول سنة لي في الجامعة والتحقت بدورة الفلسفة الهلنستية، فقد أثَّرت بي مقالة (سينيكا) “الحياة قصيرة” التى يخاطب فيها الفيلسوف الراقي (بولينيوس) [من المحتمل يقصد (ومبيوس بولينوس) والذي كان سيناتوراً رومانياً وربما صهر (سينيكا)] في العام الذي عاد فيه إلى روما من المنفى في كورسيكا.
يبدأ المقال:

يا (بولينوس) معظم البشر يشتكون مر الشكوى من قسوة الطبيعة، لأنهم يعيشون حياه قصيرة وحتى هذة الحياة القصيرة تمر سريعاً بخلاف عدد قليل لاتقسو عليهم الحياة فإن معظم البشر يجدون أن الحياة نبذتهم قبل حتى أن يعدوا أنفسهم ليستمتعوا بالحياة.

لقد شعرت وكأن (سينيكا) تشاهدني، لم يخطر في بالي أبداً من قبل أنني كنت أضيع وقتي وحياتي بتجاهلي لإقتناص السعادة من الوقت الحاضر.
من المحتم لأن الدافع الخفي خلف سعيي لتحقيق طموحاتى العالية والذي لا يتوافق مع معدل وفاتي ولا مع حالتي البائسة في ظروفي الحالية. لو أنني استمريت في السعي لتحقيق أهداف أعلى مع تجنب التفكير في الموت أو حتى تجاهل وجود الموت باعتباره واقع سيخلق هذا لدي شعور وهمي بأن الحياة لن تنتهي في نهاية المطاف فإن التقليل من شأن الموت سيؤذينا. في الواقع فكرة عدم وجودنا في المستقبل تشجعنا على الإستفادة من الحياة التى لدينا الآن بينما لازلنا نملكها.

كتب (سينيكا):

حياتنا ليست قصيرة ولكننا نجعلها كذلك لأننا نضيع الوقت فيما لايفيد ولكنها طويلة لمن يرتب أولوياته بشكل صحيح.

ألقت كلماته في وجهي كأساً من الماء البارد، أيقظني من غفلتي، عقدت العزم وبدأت أقضي وقتي في فعل أشياء استمتعت بها حقًا وهممت بفعل ما شعرت أنه جديرا بإهتمامي مثل المشي على الشاطئ وقراءة المزيد من الفلسفة و الإهتمام بقضايا ذات صلة بالعدالة الإجتماعية وممارسة الرياضة.
لعل أكثر ما يسير إستيائنا من الموت هو ليس لأنه ينهي وجودنا فحسب ولكن لأنه ينهي أحلامنا وأمالنا المستقبلية.
نحن مضطرون لتقبل عدم وجود خاتمة.
عند الموت لن يعرف المرء أبداً كيف ستسير الأمور، لن نعرف مطلقاً إذا كان البشر سوف يكتشفوا أسرار الكون الأبدية أو أنهم سيخرجوا من درب التبانه إلى مجرات أخرى ليستعمروها.
جد جد جدي الأكبر لم يكن يعلم عن وجودي ولم يكن يأمل حتى بأن يعرف عني وكذلك لن أعرف أى شيء عن حفيد حفيد حفيدي الأصغر ولا أعرف إن كان سينجح أم سيفشل أو حتى سيولد.
عدم وجودنا مطلقا إلى جانب جهلنا التام هو ما يقتتات علينا.
غالبا ما يُمجِّد البشر هبة الحياة و لكنهم يعادون فكرة الموت في النهاية وخسارة هذة الهبة ولكن الجبن في مواجهة الطبيعة وإنكار الموت لايعني سوى أن تعيش في الوهم.
على حد تعبير (ماركوس أوريليوس):

كن حراً وأنظر للأشياء باعتبارك رجلاً أو كائناً بشريا أو مواطناً أو مخلوق مصيره الموت.

بالرغم من عدم نجاحي دائماً حاولت تغيير أفكاري بشأن الموت بالأخص الإنتحارية منها مما رفع من روحي المعنوية.
لأنني أتعامل مع وجودي في الحياة على أنه هو كل ما أملك، فلم أعد أرى سبباً لتعجل النهاية الحتمية بغض النظر عن سرعة إنتهاء الحياة.
تذكُّر أنني سأموت يوماً ما يشجعني. فلم يعد الموت يكبلني، ولم تعد كآبته تخنقني.
كما ذكر (ميشيل دي مونتين) في كتاباته (الخبرات):

لأحمق هو من يسع في الدنيا متبطراً قلقاً على ما ستمنعه عنه الدنيا في المستقبل.

ومع ذلك لا أستطيع التخلي عنها بدون ندم ولكنها كشيء من طبيعته الفناء فإن عدم كره الموت محتمل لمن لايستمتع بحياته.
يحتاج الأمر لحسن إدارة للحصول على حياة ممتعة.
دعونا لانؤجل الاستمتاع بالمستقبل لكن لنقتنص مسببات السعادة في الحال وهنا بينما نهتم بمستقبلنا، كلاهما معا. إغترف من الحياة المزدهرة بدلاً من الإنجراف في الغفلة والعادات.
لا تضيع وقتك فيما لا يفيد واقتنص من وقت فراغك للاستمتاع بكل يوم.
تأمل في حياتك التي عشتها وذكرياتك الحميمة مع ترك مساحة للإستمتاع بأخرى جديدة.
كما كتب (سينيكا):

لكن أولئك الذين ينسون الماضي ويتجاهلون الحاضر ويخافون على المستقبل لديهم حياة قصيرة جدًا ومليئة بالقلق: وعندما يواجهون الموت، يدرك هؤلاء البائسون بعد فوات الأوان، بأنهم شغلو أنفسهم بما لايُرجى منه فائدة.

علمني (ميشيل دي مونتين) و(سينيكا) و(ماركوس أوريليوس) أن الحياة ما هي إلا عقد إيجار. إنه شيء نستعيره ونعيده، وليس هبة أبدية، لذلك يجب أن نبذل مجهوداً متضافراً لإستخدامه بحكمة. فكر في إيجاز الحياة حتى لا تضيع منك -فقط عندها ستبدو حياتك طويلة-.


[المصدر]

علم النفس الفردي: قوة النظرية وتميزها

من المعلوم في حقل العلاج النفسي ونظريات الشخصية، أنه وبعد ثورة العلاج المعرفي السلوكي والنظريات الإنسانية الوجودية لم يَعُد يُنظر للتحليل النفسي كما في السابق [على وجه الخصوص: التحليل النفسي الكلاسيكي] وأصبح البعض يراها مجرد نظرية تاريخية في علم النفس والطب النفسي، إلا أن النظرية التحليلية التي بقيت متماسكة بكيانها ومفاهيمها بل وتزداد قوةً وشعبيةً وحضوراً في العلاج النفسي هي نظرية: (علم النفس الفردي) للطبيب وعالم النفس (الفرد آدلر). [Alfred Adler, 1870-1937]
وذلك لأنها نَظَرت للإنسان نظرة حقيقية عميقة كما هوَ، فلم تبالغ به وتجعله فوق منزلته، ولم تنزل به ليكون كالحيوان أو كالآلة، وأتت بمفاهيم تكاد تُشكِّل المحاور الرئيسية لأي إنسان على وجه الأرض؛ الذات الخلَّاقة، أسلوب الحياة، عقدة الشعور بالنقص والقصور، الشعور الاجتماعي.


الذات الخلَّاقة:

ينظر (آدلر) للذات الخلَّاقه بأنها الرأس أو الهرم لأعماله، ويشير (آدلر) إلى أن الذات الخلَّاقة هي التي تجعل للحياه هدف ومعنى، و تجعلنا نشعر بالطاقة و تُحرِّكنا بقوة نحو تحقيق الأهداف [آل تركي، ٢٠١٥م].
كما يرى (آدلر) أن هناك قوه تعطي الإنسان القدرة على التَّفرُّد لينقل الحقائق الموضوعية إلى حوادث شخصية ذات معنى وقد سمَّاها بالذات الخلَّاقة، والذات الخلَّاقة تحفظ الشخص من أن يكون ضحية للناحية البيولوجية والظروف الاجتماعية، وهي تُحرِّك الشخص تجاه فردية أكثر واستقلالية أكثر [عبداللطيف، ٢٠١٣، نقلاً عن: الشناوي، ١٩٩٣، prochaska,1994].
يقول (آدلر):

لا تخلو دراسة تَصوُّر الفرد عن معنى الحياة من الفائدة لأنه في نهاية الأمر هي القاعدة التي تؤطِّر تفكيره وانفعاله ومن ثم نشاطه، ولكن المعنى الحقيقي للحياة يتكشَّف في المقاومة التي يواجهها الفرد عندما يتصرف بطريقة خاطئة، إن مشكلة التعليم والثقافة والشفاء تكون في مد جسر بين معطيين: معنى حقيقي للحياة؛ وسلوك خاطئ يقوم به الفرد…حين يتشبَّث فرويد بفكرته حول الموت الذي يجذب الكائنات البشرية، إلى حد أنهم يتشهونه في أحلامهم، نجد أن هذه الفكرة غير ناضجة وقابلة للكثير من النقاش والجدل.
لا شك أن هناك أناس يُفضِّلون الموت على الكفاح والعمل ضد المعضلات الخارجية القاسية التي يواجهونها، ذلك لأنهم يخشون لغرورهم وكبريائهم الفشل في حل هذه المعضلات! هؤلاء هم أنفسهم الذين يرغبون بشكل أبدي أن يَظلُّوا في أحضان أمهاتهم، وأن يقوم الآخرون بالعمل الموكل إليهم بدلاً عنهم، هم المُدلَّلون ذوو النفوس الصغيرة التي لا طائل منها في حياة تستوجب العمل والصراع المرير كي تأخذ معناها…إن الشعور بالرضا والألم الذي يرافق هذا الصراع ليس سوى عامل مساعد للفرد في طريقه، والبحث الخالد عن الأمان هو الذي يدفع الفرد إلى الانتصار على الواقع الحالي الماثل أمامه، وذلك من أجل فرض واقع أفضل، فالحياة البشرية تصبح مستحيلة دون دورة الحضارة هذه والتي لا تتوقف عن دفعنا للأمام [آدلر، ٢٠١٩م].


أسلوب الحياة:

هو الذي يجعل الفرد يتكيَّف مع بيئته ويواجه العقبات التي تعترض في حياته، ومن خلاله يحقق الانسان أهدافه، وهو الذي يجعل الأطفال كذلك يناضلون بطرق وبأشكال فردية من أجل تحقيق الكمال والتفوق، فمثلاً الطفل الذي يُنتَقد كثيراً من قِبل الأطفال الآخرين في الحي، غالباً ما يُطوِّر أسلوباً ونمطاً لفظياً معيناً للتعامل وللتأثير على الأطفال الآخرين والتحايل عليهم، ومن ثم فإن هذا السلوك يمكن أن يُعوِّض عن النقص الذي تعرَّض له الطفل جرَّاء انتقادات الآخرين له، ويعتقد آدلر أن أسلوب الحياة يرتكز على التغلب على سلسلة من القصور والنواقص لدى الفرد، ومعظم هذه الامور يمكن أن تنشأ في سن الرابعة والخامسة من العمر، وبالتالي يصبح من الصعب على الإنسان تغير أسلوب حياته بعد ذلك. في الحياه بعد ذلك.
ويشير (آدلر) إلى أن أسلوب الحياة يمكن أن يُفهَم من خلال مراقبة كيفية قيام الأفراد بمعالجة ثلاثة مهمات رئيسية مترابطة: المهنه، المجتمع، الحب [علاء الدين، ٢٠١٣م].
يقول (آدلر):

من الواضح أننا لسنا متأثرين بالوقائع ولكن بتصورنا حولها…نصل الى نتيجه مفادها أن كل واحد منا يحمل في ذاته تصور عن نفسه وعن مشكلات الحياة وخطَّاً معيناً يتبعه فيها، وقانوناً ديناميكياً يحركه دون أن يفهمه أو يدرك كنهه، هذا القانون الديناميكي يولد في الإطار الضيق للطفولة، ويتطور تبعاً لاختيار محدد تقريباً، وذلك باستخدام حر للقوى الفطرية وللانطباعات حول العالم الخارجي، دون القدرة على التعبير عنها أو تعريفها بصيغة رياضية.
منذ وقت طويل وأنا أحاول الإحاطة بمسائل الحياة هذه وتحديدها بثلاثة أشكال: الحياة في المجتمع، العمل، الحب. من السهل معرفة الأهمية التي تأخذها هذه المسائل في فرض وجودها علينا دون أن نستطيع شيئاً للتخلص منها، ذلك لأن جميع مواقفنا تُشكِّل الجواب الذي نقدمه بفضل نمط حياتنا. وبما أن هذه المسائل الثلاث مرتبطة ببعضها، خاصة وأنها تتطلب درجه كافية من الشعور الاجتماعي لحلها نرى أنه من السهولة أيضاً فهم أن نمط حياة كل واحد منَّا ينعكس بطريقة واضحة تقريبا في مواقفه اتجاهها…في الحب الذي يسد حاجة الفرد على المستوى النفسي والجسدي أيضاً، يبدو الشعور الاجتماعي كمبدأ خلَّاق مباشر لقدرنا، وكذلك في الصداقة وعلاقات الأطفال فيما بينهم ومع آبائهم، إن الحب الذي نتكلم عنه هنا هو علاقة بين اثنين من جنسين مختلفين يقوم بدوره في دوام النسل واستمرارية النوع البشري في الوجود، لذا لا يوجد مشكلة بشرية تُعنَى بخلاص الفرد في المجتمع في كالحب، إن مشكلة بين اثنين لها نظامها الخاص، ولا يمكن حلها بطريقة مُرضيَة بالطريقة نفسها التي يتعرض لها الشخص الواحد. كي تستكمل مشكلة الحب شروطها على الشريكين أن ينسيا نفسيهما كاملاً، فيتحد أحدهما بالآخر كي يُشكِّلا كلَّاً واحداً من جديد.
أن نأخذ الحب كمفهوم سطحي، أي كما نراه في العلاقات السريعة المختلطة أو الدعارة أو الانحرافات…إلخ، يعني أن نُجرِّده من قيمته الفضلى وبريقه وسحره الجمالي. إن رفض علاقة دائمة يزرع الشك وعدم الثقة في نفوس الشركاء، ويجعلهم عاجزين عن الوفاء والإخلاص نحو بعضهم، فمشكلات كهذه حتى لو كانت متنوعة حسب الأوضاع، يمكن لها أن تبدو كإشارة لشعور اجتماعي ناقص في حالات الحب جميعها أو الزواج التعس، وفي حالات العجز جميعها للقيام بالأعمال التي ننتظرها منهم. لاشك عندي البتَّة أن الحط من قيمة الحب والانتقاص من قدره، وهو ما يعني انتكاساً في الشعور الاجتماعي، يفتح الباب أمام الأمراض وتدمير الحياه الفردية والعائلية والشعوب بأكملها [آدلر، ٢٠١٩م].


الشعور بالنقص:

يرى (آدلر) أن الشعور بالنقص هو الذي يحرك الإنسان نحو التميز ومحاولة الوصول للكمال، والنقص يشمل النقص الجسمي والعقلي والاجتماعي الحقيقي أو المتوهم. ويعتقد آدلر أن جميع الناس يمرون بمشاعر النقص، ولكن منهم من تدفعه تلك المشاعر للنجاح والتميز ومنهم من تكون سبب في إصابته بالعصاب [آل تركي، ٢٠١٥م].
يقول (آدلر):

منذ وقت طويل، و أنا أُصرّ على أنَّ معنى الكائن البشري يكمن في شعوره بالدونية…وهو يشبه إلى حد كبير التوتر المؤلم الذي يتطلب حلاً للتخلص منه…يمكن للتوتر في بعض الظروف أن يترافق مع آلام دائمة أو عابرة، كما يحدث أحياناً في سفر من نحب، أو فقدان صديق وفي، وكما يقوم الرضيع بحركاته كي يعبر عن حاجاته ونقصها، ومحاولته بتحسين وضعه، وإيجاد الحلول الحيوية، كذلك تاريخ البشرية، والذي يشبه إلى حد بعيد الشعور بالدونية في محاولته وبحثه الدؤوب عن إيجاد حلول لكل ما يصادفه من عوائق في الحياة … بيد أنّ الحضارة في تقدّم مستمر، وهي تحيط بنا من كل جانب من جوانب الحياة، وتُبيِّن لنا حاجتها الدائمة للأمان، وتُرينا الإنسان بكل وضوح في حالته العاطفيّة الدائمة، وهو يشعر بالدونية التي تخصه، وتدفعه دفعاً كي يتحرك، ويعمل بكل طاقته للوصول إلى أقصى درجة من درجات الأمان … يهيمن الشعور بالدونية على الحياة النفسيّة، وإننا لنرى ذلك
بوضوح في شعورنا الدائم بالنقص فيما نملك، وبعدم الكمال بما نقوم به من أفعال تُفرض علينا…يبدو الشعور البشري بالدونية، والذي عادة ما يُستنفد في الصراع من أجل التقدم، أكثر حركة وحيويّة في عواصف الحياة ومخاضاتها، وأكثر وضوحاً في التجارب القاسية التي تواجه الفرد، إنه يعبر عن نفسه بشكل مختلف تبعاً للأوضاع التي يصادفها ، وإذا ما أردنا الإيجاز في التعبير عن تجلياته في كل حالة من هذه الحالات، فإننا نجده يمثل نمط حياة كلّ فرد على حدة، وهو يظهر بأشكال متشابهة في مواقف الحياة جميعها [آدلر، ٢٠١٩م].


المراجع:

١.ادلر، الفرد.معنى الحياة. ط١. دمشق: دار الفرقد. ٢٠١٩م.

٢.علاء الدين، جهاد محمود. نظريات الإرشاد النفسي (التحليل النفسي والسلوكية). ط١. عمَّان: الأهلية للنشر والتوزيع. ٢٠١٣م.

٣.أبو أسعد، أحمد عبداللطيف. علم نفس الشخصية. ط٢. الأردن: عالم الكتب الحديث. ٢٠١٣م.

٤.آل تركي، خالد تركي. التحليل النفسي بصورة مبسطة. ط١. مصر: دار العلوم العربية للنشر والتوزيع. ٢٠١٥م.