أرشيف الوسم: أفلاطون

في معنى الفلسفة الوجودية

كراش كورس (Crash Course) هي قناة يوتيوب تعليمية أنشأت من قبل الأخوين غرين (green brothers)، وهما (هانك جرين) و(جون غرين)، وهما معروفين بقناتهماVlogbrothers قدَّم الأخوان جون وهانك في الأساس دورات للمشاهدين في عدة مجالات من العلوم والعلوم الإنسانية، وتوسع البرنامج منذ ذاك الحين، ليشمل حلقات مشتركة تقدم من قبل ضيوف إضافيين.

في أحد الحلقات، تحدثت حلقة كراش كورس عن الفلسفة الوجودية بطريقة مبسطة جدًا. فكانت الافتتاحية التالية:

ما الذي يعطي حياتك معنى؟ الآلهة؟ الحب؟ المال؟ الوظيفة؟ أدب المعجبين؟ كرة القدم؟ التسوق؟ (شيرلوك

ربما لديك مفهومك الشخصي عن هدفك في الحياة،أو ربما نأمل من مشاهدتك لهذه الحلقة أن تساعدك على إيجاده.

أو ربما تعتقد أنك خُلقت بجوهر Eseesnce خاص كإنسان، وأن هدفك في الحياة مكتوب عليك بواسطة الإله.

أيًا ما كان الموضوع، فلن يلومك أحد، فقط لأنك تبحث لحياتك عن معنى. فالمعنى هو شيء كلنا نرغب به بشدة، بل وربما نحتاج إليه.

[…]

ربما تجد المعنى عبر التدين، أو الدفاع عن العدالة الاجتماعية، أو تثقيف الآخرين، أو البحث عن الجمال بطريقة فنية

لا يهم كيف تقوم بالأمر، فهناك مجموعة من الفلاسفة “الوجوديين” The Existentialists يقولون أن أي، أو جميع، هذه الأشياء يمكن أن تعطي لحياتك معنى. لكن في نفس الوقت يقولون أن أيًا منها لا تستطيع ذلك.

يبدأ المقطع بشرح الفلسفة الماهوية، والتي تقرر بأن المعنى لحياتنا، وُجد قبلنا. فيقول:

كما تعرفون الآن، الفلسفة عبارة عن جدل ؛ يقوم شخص ما بطرح فكرة، ثم يقوم شخص آخر بالرد عليها. أحيانًا يكون الرد مباشرًا، وفي بعض الحالات قد يستغرق آلاف السنين.

في اليونان القديمة (أفلاطون) و(أرسطو) أكدا بشكل قاطع بأن لكل شيء جوهر، وسبب للوجود ؛ مجموعة من الخصائص الأساسية الضرورية أو اللازمة لشيء ليكون على ما هو عليه. إذا كانت هذه الخصائص مفقودة، فسيكون ذلك الشيء شيئًا مختلفًا.

على سبيل المثال: قد يكون للسكين مقبض من خشب أو مقبض من معدن، هذا لا يهم. لكن إذا لم تمتلك نصلًا (شفرة السكين) فلن تكون سكينًا. النصل هو خاصية أساسية Essential Property في السكين، لأنه هو ما يحدد وظيفة السكين.

(أفلاطون) و(أرسطو) اعتقدا بأن لكل شيء جوهره الخاص، بما في ذلك البشر. واعتقدا بأن جوهرنا يكمن فينا قبل أن نوجد. وفقًا لهذا التفكير، جزء من معنى أن تكون إنسانًا جيدًا هو تمسكك بجوهرك. ربما تعلم أو لا تعلم ما هو جوهرك، وقد تكون جيدًا في العيش وفقًا لجوهرك، أو سيئًا فيه، لكن الأهم هو أن جوهرك هو ما يعطيك غاية، لأنك ولدت لتكون شيئًا ما.

هذا التفكير المعروف بـ”الماهوية” Essentialism والذي انتشر عالميًا حتى أواخر القرن ١٩ وما زال مقبولًا من قِبل البعض حتى الآن.

يمكن القول بأن نقطة التحول في هذه الفلسفة الماهوية، عندما جاء الرد من أشخاص آخرين بعد آلاف السنين. فيقول:

لكن في أواخر ١٨٠٠م، بعض المفكرين بدؤوا في تحدي في فكرة أننا نمتلك جوهرًا أو غاية. الفيلسوف الألماني (فريدريتش نيتشه) على سبيل المثال، تبنى فكرة “العدمية” Nihilism أو الاعتقاد باللامعنى المطلق للحياة. 

لكن في أواسط القرن العشرين، عُبِّد الطريق للفيلسوف الفرنسي (جان-بول سارتر) ليعيد سؤال الجوهر، ويسأل: ماذا لو وُجِدنا أولًا؟ ماذا لو وُلدنا من دون أي غاية، ومن ثم يعود الأمر إلينا في إيجاد جوهرنا الخاص؟ أصبح هذا هيكل ما يُعرف الآن بـ”الوجودية” Existentialism ونقطتها الأساسية هي أن الوجود يسبق الجوهر. بمعنى آخر، وجودنا يحدث أولًا، ومن ثم يعود الأمر إلى كل واحد منا لتحديد من يكون، وما هي غاياته، علينا أن نكتب جوهرنا الخاص عن طريق الحياة التي نختارها. لكن ليس لدينا فعليًا غاية أو هدف مسبق، ليس هناك طريق معبّد يجب اتباعه.

يمكنكم متابعة بقية التفاصيل حول الفلسفة الوجودية، وعدد من الأسئلة المرتبطة بهذه الفلسفة، في المقطع التالي، إذ يطرح المقطع عددًا من الأسئلة المهمة، مثل أسباب نشوء الفلسفة الوجودية، وعن ارتباطها بالإلحاد أو عده، وغيرها من النقاط المهمة.

 

 

أفلاطون في حديثه عن الفلاسفة والحكماء على أرض الواقع

(أفلاطون) (427ق.م. – 347 ق.م.)، فيلسوف يوناني كلاسيكي، رياضياتي، كاتب عدد من الحوارات الفلسفية، ويعتبر مؤسس لأكاديمية أثينا التي هي أول معهد للتعليم العالي في العالم الغربي، وضع (أفلاطون) الأسس الأولى للفلسفة الغربية والعلوم. كان تلميذاً لـ(سقراط)، وتأثر بأفكاره كما تأثر بإعدامه الظالم. كما أن الفيلسوف المعروف (أرسطو) هو أحد تلاميذه.

في كتابه (ثياتيتوس)، أو “عن العلم” كما يُطلق عليها أيضًا، والتي نقلتها الأستاذة (أميرة حلمي) إلى اللغة العربية، جعل جزءًا من حديثه عن حال الفلاسفة والمنشغلين بالعلم. يقول:

 

لنتحدث عن كبار الفلاسفة ما دمت راغبًا في ذلك، إذ ما فائدة أن نتحدث عن أولئك الذين لا يبدعون في الفلسفة، أيمكن القول بأنهم يجهلون منذ صباهم أي طريق يقود إلى ساحة المدينة وأين توجد المحكمة أو مجلس الشعب أو إلى أي مكان للاجتماع العام في المدينة، كما أنهم لا يعنون بسماع أو قراءة أي قرارات أو وثائق قوانين، ولا يهتمون بمشاحنات الأحزاب السياسية وفي الاجتماعات والاحتفالات، أما التنصت للاعبات الناي فإنهم حتى لا يحلمون بالمشاركة فيه، ولا ينشغل الفيلسوف بكل ما يحدث للمدينة من خير أو من شر أو بما ورثه الأحفاد عن جدودهم الرجال والنساء من فساد، لا تشغله هذه الأمور، لأن امتناعه عن المشاركة فيها ليس من قبيل الزهو، فالواقع أن الذي له وجود وإقامة داخل المدينة هو جسده فقط، أما فكره فيعد كل هذا هراء وسخفًا ويطوف محلقًا فوق السماء وتحت الثرى، على حد قول (بنداروس)، باحثًا في السماوات ليقيس مساحتها وليتابع سير النجوم وليبين طبيعة كل شيء في مجمله بغير أن يهبط إلى ما هو قريب منه مباشرة.

ثم يدعم كلاماته بمثال عن (طاليس) والذي يُعد أحد الحكماء السبعة عند اليونان القديم، فيقول:

كان (طاليس) يراقب النجوم فوقع في بئر وهو شاخص ببصره إلى السماء، ويُقال إن فتاة من (تراقيا) كانت تراقبه فضحكت من ذلك الذي يبذل جهده ليعرف ما يجري في السماء، في حين أنه لا يرى موقع قدميه، وينطبق هذا التشبيه على كل من يقضون حياتهم في الفلسفة، والواقع أن مثل ذلك الرجل لا يعرف من القريب أو الجار ولا يعرف ما الذي يعمله هذا ولا إن كان رجلًا أو كان من صنف حيوانات آخر، بل هو يبحث ما الإنسان وأي شيء ينبغي أن تتميز هذه الطبيعة عن غيرها في فعلها أو انفعالها؟

ويتطرق بعد ذلك إلى نظريته في أنه من حق الفلسفة أن تزكّي الإنسان وتدفع عنه تقبّل الشر، ويعقّب على ذلك قائلًا:

من المستحيل أن ينتفي الشر، إذ سوف يبقى دائمًا مقابلًا للخير، ومن المستحيل أيضًا أن يحل في عالم الآلهة، بل إنه يغزو هذا العالم والطبيعة الفانية. […] والمهم هنا الذي لا يسهل إقناع العامة به هو أن الدافع إلى التحلي بالفضيلة وتجنب الشر ليس مجرد اكتساب الشهرة. واتخاذ مظهر الفضيلة على نحو ما تقول الثرثرة من النساء وإنما هاك هي الحقيقة بعذا الصدد، ليس الله بظالم بأي حال من الأحوال، بل هو على العكس من ذلك عدل مطلق ولا يدانيه من كان منا عادلًا بقدر الإمكان، فبالنظر إلى وجود هذه الصفة أو عدمها تقدر قيمة الإنسان وقدرته الروحانية.

ومعرفة هذا الأمر هي التي تكوّن الحكمة والفضيلة الحقة، أما التظاهر بالفضيلة والحكمة والميزات الأخرى المختلفة عند الطبقة الحاكمة، فإنما هو نوع من الحقارة والضعة أشبه بالقدرة الآلية عند أهل الصنعة، ولا ينبغي أن نخشى من مكر من يرتكب الظلم والفسق في أحاديثه وأعماله، لأن مثل هؤلاء الناس يتباهون بأنهم رجال قادرون على مواجهة الحياة العامة، وليسوا فارغين أو ثقالًا وإنما ينبغي أن تقال لهم الحقيقة وهو أنهم يتوهمون ما ليس فيهم وأنهم يجهلون ما ينبغي أن يعرفوه جيدًا ألا وهو أن عقوبة الظلم ليست مجرد آلام جسدية أو موت قد يحدث أحيانًا أن يفلتوا منه، بل هو عقاب واقع لا مفر منه.

 

قيمة الموسيقى عند سيوران

إميل سيوران

في كتابه الشهير (المياه كلها بلون الغرق)، والذي يُعد أول كتب إميل سيوران (1911-1995) ترجمة إلى اللغة العربية، أفرد (سيوران) عدة صفحات عن الموسيقى، فقد عُرف عنه تعظيمه للموسيقى، حتى على حساب الفلسفة التي درسها ودرَّسها، فيقول مثلًا:

 

ولماذا نعاشر (أفلاطون) إذا كان أي ساكسفون قادرًا هو أيضًا على أن يكشف لنا عن عالم آخر.
 فالموسيقى قادرة على الكشف عن عوالم أخرى، غير تلك التي نقدر على الكشف عنها في حياتنا. فتعريفه لعالم المسموع أو عالم الموسيقى كان:
العالم المسموع: المحاكاة الصوتية لِما لا يُوصف. اللغز المنشور. اللانهائي المرئي والمستعصي على المَسك .. حين يحدث لنا أن نمتحن فتنته، يصبح حلمنا الوحيد أن نُحَنّط في آهة.
 ويقول أيضًا عن الموسيقى:
الموسيقى هي ملجأ الأرواح التي جرّحتها السعادة.
 وعلى الرغم من أنه صرّح في كثير من كتاباته بتمنّيه للموت، وبأن الحياة بلا معنى، إلا أنه بدا مختلفًا بعض الشيء عندما تحدث عن الموسيقى، كمقولته:
مرّت بي لحظات، كنت خلالها أستبعد وجود أبدية في وسعها أن تفصل بيني وبين (موزارت)، ومن ثم، كنت أفقد كل خوفٍ من الموت. حدث الأمر نفسه مع كل موسيقيّ. مع الموسيقى كلها.
 أو مقولته الأخرى عن الألحان، والتي اختار المترجم أن ينقلها بلفظتها “ميلودي” كما هي:
وماذا تساوي أي “ميلودي” بإزاء تلك التي تخنقها فينا الاستحالة المزدوجة للحياة والموت.
ولكن، هل كلّ ما عُزف على الأوتار يدخل في مقولاته هذه؟ ويُعتبر ملجأً للأرواح الجريحة كما قال في مقولته السابقة؟ هنا يتدخل (سيوران) ليضع شيئًا من الحقيقة لبعض الموسيقى، ويسلبها عن غيرها. فيقول:
لا موسيقى حقيقية غير تلك التي تجعلنا نجُسّ الزمن.
ونختتم أيضًا بمقولة أخيرة عن الموسيقى، يقول فيها:
اللانهائي “الراهن”، الذي تعتبره الفلسفة غير معقول، هو حقيقة الموسيقى وماهيّتها.

آلان باديو، بين الفلسفة والواقع

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه المشترك مع (سلافوي جيجك)، والذي حمل اسم (الفلسفة في الحاضر)، والذي كان عبارة عن محاضرة ألقاها في فيينا 2004، تحدث عن الفلسفة ومعانيها.

تساءل بداية، ملخصًا الأسئلة التي تدور حولها محاضرته: إلى أي حدٍّ تتدخل الفلسفة في الحاضر، في المسائل التاريخية والسياسية؟ وفي نهاية الأمر، ما هي طبيعة هذا التدخل؟ لمَ يجب استدعاء الفيلسوف للتدخل في مسائل تخصّ الحاضر؟

يقول بعد ذلك مبتدئًا حديثه عن فكرة الفيلسوف:

ثمة فكرة ابتدائية زائفة تحتاج الإلغاء، وهي أن بمقدرة الفيلسوف التحدث في كل شيء. تتمثل هذه الفكرة بفيلسوف التلفزيون؛ فهو يتحدث عن مشاكل المجتمع، ومشاكل الحاضر، وما إلى ذلك. لم هذه الفكرة زائفة؟ لأن الفيلسوف يُنشئ مشكلاته، هو مبتكر مشاكل، ولذلك فإنه ليس الشخص الذي يمكن أن يُسأل في التلفزيون، ليلةً إثر أخرى، عن رأيه بما يجري. والفيلسوف الأصيل هو من يحدد بنفسه المشكلات الهامة، هو شخصٌ يطرح مشكلات جديدة أمام الجميع. فالفلسفة تعني أولًا وقبل كل شيء: ابتكار مشكلاتٍ جديدة. ويلي ذلك تدخل الفيلسوف في لحظةٍ ما في الوضع – سواء كان تاريخيًا، أو سياسيًا، أو فنيًا، أو عشقيًا، أو علميًا .. – ثمة أشياء تتبدى له بشكل إشارات، إشاراتٌ تحتم ابتكار مشكلة جديدة.

عند هذه النقطة يتساءل مرة أخرى: “ضمن أية شروط يجد الفيلسوف، في هذا الوضع، الإشارات لمشكلة جديدة، لفكرٍ جديد؟” ثم يتساءل مرة أخرى عن فكرة (الوضع الفلسفي)، فبين كل الأحداث بالعالم، فبعض الأمور قد يُطلق عليها هذا المسمى، وبعضها لا، فيسأل ثانية: “أي وضع هو ذاك الذي يكون، فعليًا، وضعًا فلسفيًا؟“.

يتشكل الوضع الفلسفي في اللحظة التي يتم فيها تفسير الخيار. خيار الوجود أو خيار الفكر.

ثم يتطرق بعد ذلك إلى واجبات الفلسفة فيما يخص الأوضاع، فيقول:

بإمكاننا الآن تلخيص واجبات الفلسفة بما يخص الأوضاع.

أولًا، أن تلقي ضوءًا على الخيارات الجوهرية للفكر. وفي المرحلة الأخيرة، مثل هذه الخيارات تكون دومًا بين ما هو متأثر وما هو غير متأثر.

ثانيًا، أن تلقي ضوءًا على المسافة بين التفكير والسُلطة، بين حقائق الفكر والدولة. أن تدرس هذه المسافة. أن تعلم إذا ما كانت قابلة للعبور أم لا.

ثالثًا، أن تلقي ضوءًا على قيمة الاستثناء. قيمة الحدث. قيمة الانقطاع. وأن تفعل هذا بمواجهة استمرارية الحياة، وبمواجهة التحفظ الاجتماعي.

هذه هي الواجبات العظيمة الثلاثة للفلسفة؛ التعامل مع الاختيار، والتعامل مع المسافة، والتعامل مع الاستثناء. على الأقل إذا ما كانت الفلسفة ذات معنى للحياة، يجب أن تكون أكثر من مجرد فرع معرفي أكاديمي.

يقول بعد ذلك:

تخبرنا أعمق المفاهيم الفلسفية شيئًا كالآتي: “لو إردت لحياتك أن يكون لها معنى، عليك تقبل الحدث، عليك البقاء على مسافة من السلطة، وعليك أن تكون حازمًا في قرارك

ويتطرق بعد ذلك إلى دور الفلسفة وعلاقتها بالأحداث والوقائع، فيقول:

إذًا، يمكننا القول بأن الفلسفة، التي هي الفكر، لا تترافق مع الموجود، بل مع ما هو ليس موجود، مهتمة بالعلاقات التي ليست علاقات.

قال (أفلاطون) مرةً إن الفلسفة إيقاظ. وكان يعلم يقينًا بأن الإيقاظ يتضمن انقطاعًا صعبًا مع النوم. بالنسبة لـ(أفلاطون) الآن، وفي أي وقت، الفلسفة هي الفهم من خلال الفكر عما سينقطع مع نوم الفكر. إذًا يحق لنا التفكير بأن الفلسفة يمكن أن تحدث في كل مرة توجد فيها علاقة قائمة على المفارقة، أي، علاقة هي ليست علاقة، وضعٌ يتضمن تمزقًا ما.

أنا أصر على هذه النقطة، ليس بسبب وجود “شيء” توجد الفلسفة. فالفلسفة ليست انعكاسًا لأي شيء مطلقًا. هناك فلسفة، ويمكن أن تكون هناك فلسفة، لأن ثمة علاقات مبنية على المفارقة، لأن ثمة انقطاعات، قرارات، مسافات، وأحداث.

ويختتم محاضرته بالحديث عن حالة الغربة التي تصاحب الفيلسوف، أو حالة الأجنَبَة، كما اختار تسميتها:

أعتقد بأن من المهم أن نفهم الآتي: يقوم الالتزام الفلسفي الأصيل، في أوضاع ما، بخلق أَجْنَبَة. في الحالة العامة، هي تكون أجنبية. وحين تكون عمومية ببساطة، حينما لا تمتلك تلك الأجنبة، حينما لا تكون مغمورة بهذه المفارقة، ستكون حينئذ التزامًا سياسيًا، التزامًا أيدلوجيًا، التزام مواطن، ولكنه ليس التزامًا فلسفيًا بالضرورة. فالالتزام الفلسفي يتحدد بأجنبته الداخلية.

فالفيلسوف غريبٌ دومًا، يرتدي أفكاره الجديدة. وهذا يعني بأن يطرح أفكارًا جديدة ومشاكل جديدة. وهو يكتسب المزيد من الحراب، في طرق الصمت. هذا يعني بأنه قادرٌ على جذب عدد كبير من الناس إلى هذه المشكلات الجديدة، لأنه أقنعهم بأن هذه المشكلات كونية. والأمر المهم هو أن أولئك الذين يخاطبون الفيلسوف مقتنعون، بداية، من خلال صمت الاقتناع وليس عبر بلاغة الخطاب.

الانسان – فكرة، كما تقول جاكلين روس

18220971

جاكلين روس ، حاصة على الدكتوراه بالفلسفة والعلوم الانسانية، وكاتبة ومؤلفة موسوعية، لها مؤلفات عديدة باللغة الفرنسية، من بين كتبها المترجمة للعربية  هو : (مغامرة الفكر الاوربي : قصة الافكار الغربية)، تستهل جاكلين كتابها، بالحديث عن الافكار وعلاقتها مع الانسان :

إننا ورثة رؤيتين للكون ، كلتاهما ولدتاً مابين الفرات والنيل ، منذ آلاف السنين.

تستطرد جاكلين بشرح هذه الرؤيتين واثرهما بالفكر الغربي، والصراع الذي حصل بينهم :

نحت السومرين والمصريون مفهوم محيط أولي، وهو عبارة عن فوضى سائلة، من جوفها انبعث تلقائياًً مبدأ نظام – غالباً في صورة إله – ظهر من خلاله العالم، والآلهة، والبشر، الذين خُلقوا الواحد تلو الآخر، العالم والآلهة والبشر يشتركون في القوانين نفسها ويخضعون لها، وهي قوانين الطبيعة هكذا .. تتلخص الرؤية الاولى للعالم.

العبرانيون، اتبعواً مخططاً مختلفاً تماماً : يعتبرون أن قوة متعالية، هي الله، موجودة منذ الازل، وان الله خلق الكون من العدم، وخلق الانسان على صورة الإلهي، هذا الانسان الذي أراد أن يتشبه بالله، فأكل ثمرة شجرة المعرفة، وبالرغم العقاب الذي انزله الله له، الا أن بقى الانسان محور العالم الذي اعطي له، وكان عليه أن يحوله بعمله. في هذه الرؤية الثانية، رأى الانسان ان الله خصه بحرية اصيلة واوكل إليه مشروعاً اخلاقياً وهو أن يسيطر على الطبيعة ويعطيها معنى، ويسيرها بحسب مقاصد الله والانسان بما عند هذا الاخير من ذكاء وحكمة، لأنه االكائن الفريد الذي يتمتع بكرامة جديدة.

أعطى اليونانين الرؤية الاولى، افكار مازالت قوتها تجتذب العلم المعاصر، ببساطة كبيرة هي: صورة طبيعة فريدة ينظمها مبدأ (كالخير عند افلاطون مثلاً، والله، المحرك الاول عند ارسطو) ينتشر في العالم بواسطة العقل المشترك بين مجمل الكائنات، بناء على هذا فإن فكرة الطبيعة عند اليونانين هي المؤسسة. في المنظار الهليني، كل شئ، يتأتى من الطبيعة، وهي الى جانب اللوغوس (العقل) تضئ المعرفة، وتوضح تنظيم المدينة وايضاً الاخلاق، يشكل المذهب الطبيعي والمذهب العقلاني محورين أساسين في نظرة الهلنين الى العالم.

أما النظرة الثانية للعالم، التي تبلورت أولا في اليهودية، فإنها تبدو مختلفة تماماً، لم تعد الطبيعة التي يحركها العقل تشكل العمود الفقري، بل “الكلمة” أي الكلمة الآلهية، خالقة الكون، وتتحلى في القانون الالهي، وتعتبر تعليماً من تعاليم الوحي الآلهي، وحيث أن هذه النظرة تصب في فكرة خلق العالم وفكرة سقوط الانسان، فإنها تدخلنا في قصة انسانية مدعوة للالتحاق، يوماً بهذا الوجود الاعلى الذي فصلت عنه، هكذا يصبح الشعب العبري حامل رسالة عالمية الى ارجاء المعمورة، حولت المسيحية وجهة النظر العبرية نحو نقطة مركزية هي الانتصار على الموت: ضحى المسيح بذاته لينقذ الناس ويحمل إليهم الخلاص، سمحت ذبيحة الانسان – الإله ببناء الجسور بين الوجود الاعلى والانسانية، اما الكنيسة فهي مؤسسة رسولية عالمية، كونها المسيح، إنها ترتكز عليه وتنطلق منه ومن الاناجيل، لتنتشر البشرى الصالحة.

ستشكل المواجهة بين هاتين النظرتين، والتي تكون تاريخ الافكار في الغرب، على مدى العصور، مركباً متفجراً يصحبه شعور بالتأزم الدائم، لن ينفك الكتاب والمفكرون، والفلاسفة يعبرون عنه.

بعدها، (جاكلين روس)، تاخذنا الى رحلة تأملية عن ” الفكرة” .. فتقول:

ما الفكرة؟ هذه “كلمة- ملتقى” خضعت لتحولات دلالية عميقة عبر تاريخها : فالفكرة عند (افلاطون) تشير الى نموذج مدرك للواقع، اما عند (هيغل)، فهي مبدأ الجدلية عينه، تمثل الفكرة في نظرنا، شكلاً مثالياً يعطي العالم إطاراً ومعنى، ويوحد، وينظم، ذلك أن الفكرة تجسد وحدة جدلية حية، انها صورة غير ملموسة، لكنها تجمع أحداث التاريخ، وترشدها، وتنيرها، وتقودها، التطور، التاريخ، حقوق الانسان، العقل، العلم: كلها افكار ليست حيادية أبدا او خارجة عن ذواتنا، بل تشكل واقعاً موضوعياً كاملاً، وعالماً من التصورات العليا، ومجموعة من السلطات الخاصة والقائمة بذاتها.

تميز المؤلفة الفكرة عن الايدلوجيا:

تتميز الفكرة عن الايدولوجية التي هي نظام افكار ومفاهيم مجتمعة حول بعض المبادى الاساسية والهادفة الى تفسير العالم. يقول (ريمون ارون): ” نهاية الإيديولوجيات ، نهضة الافكار” وهو عنوان لأحد ابحاثه، فالايديولوجية، بالاشارة الى الماركسية، وهي الايديولوجية بامتياز، تتضمن عامة نقصاً، وعجزاً، وخطأ او مغالطة: فهي تعني مفهوماً للعالم وهمياً او مخادعاً، نوعاً من الخليط الذي تمتزج فيه اللاحقائق، لاتتماهى الفكرة مع الوهم الايدولوجي ، لانها انتاج روحي يرشد البشر وهو ضروري لهم.  من دون افكار ، لايمكن للفرد الا أن يتقهقر ويموت، يمكن للوجود أن يكون إنسانيا من دون اطار ايديولوجي، ضامن ومطمئن، ولكن لايمكنه أن يكون إنسانيا من دون افكار.

تبين المؤلفة أن الافكار، ليست حصراً على الفلاسفة فقط، فتقول :

لايمكن للفلاسفة أن يحصرو الافكار بذواتهم، إن الفنانين، والثوار، والعلماء، ومؤسسي الأديان، والشعراء ينظمون هم أيضاً العالم ويتفكرونه. هم أيضاً بحاجه الى تصورات كاشفة، وفئات روحية جامعة. سنة 1789، أعلن رجال الثورة حقوق الانسان وهي حقوق اساسية لكل الافراد، وضعت اليهودية والمسيحية فكرة الخلاص كمدحل لحالة الغبطة الأبدية بعد الموت، وكعودة الى الله المتعالي، الذي فُصل عنه الانسان بسبب خطيئة ادم، ثم لايمكن اختصار تاريخ الافكار بتاريخ المذاهب الفلسفية، تظهر الافكار هنا في المعنى الواسع للكلمة: انها تصنيفات فلسفية مجردة وايضاً مفاهيم تتعلق بالعلم، بالفن، أو بالدين .