أرشيف الوسم: أفلاطون

الرومانتيكية كإرادة إنقاذ للإنسانية.. قراءة في كتاب جذور الرومانتيكية لايزايا برلين

يعتبر كتاب (إيزايا برلين) (جذور الرومانتيكية) أحد أهم الكتب التي تقدم “الرومانتيكية” ليس فقط كمذهب مقابل للكلاسيكية، بل كمذهب غيّر مفاهيم وأسّس لأخرى جديدة ستطغى على حياة الفكر الغربي وعلى وعيه منذ ما بعد عصر التنوير وحتى أيامنا هذه.

لم يأت الكتاب مباشرة من قلم المؤلف إلى المطبعة بل قام المحرر (هنري هاردي) بنسخٍ للمحاضرات التي كان ايزايا برلين قد ألقاها في متحف واشنطن للفنون، فالأخير كان بنيته كتابة كتاب آخر قد يكون مختلفاً ولكن لم يتمكن من ذلك. والكتاب بطبيعة الحال ليس خارج اهتمامات برلين المعرفية الأساسية، فالمفكر البريطاني ذي الأصول الروسية معروف كمنظر سياسي ومدافع عن الليبرالية والتعددية ومهاجم للأنظمة الاستبدادية وللتعصب الفكري، كما أن لديه كتاباً آخر عن الفكر السياسي الرومانتيكي، وكل هذا قاده لأن تكون موضوعة الرومانتيكية هي القلعة المناسبة لافناء العمر في دراستها، فقد كانت تمرداً على عصر التنوير بحسبه، تلك القيم الجامدة والدائرة حول القيم الأحادية للعقل والتقدم والصرامة العلمية والمنهجية الدقيقة، لكن ما يحتاجه العالم هو التعدد والاعتراف بالآخر المختلف مهما كانت طبيعته الفكرية وخلفيته الثقافية.


هرباً من التعريف

يقول (نيتشه) أنه “لا يمكن أن نضع تعريفًا إلا للأشياء التي ليس لها تاريخ” وبكل تأكيد فتاريخ الرومانتيكية طويل ومتجذر في تاريخ الحضارة الغربية، الحديث منه على الأخص، لهذا وفي الفصل الأول المعنون كسعي وراء التعريف يحذّرنا (برلين) أنه لن يدخل في شرك تعريف الرومانتيكية أو تقديم تعميمات لكي يصبح الموضوع مفهومًا لدى القارئ، فهو يتفق مع البروفسور (نورثروب فراي) أنه كلما قلنا أننا تمكنا من وضع تعريف جامع مانع يحدّ المصطلح إذا به ينفلت منا لجهة أخرى أو لزمان آخر قبلي عن حدود التعريف وزمانه، فقد انشغل من كتب عن الرومانتيكية بهرم مقلوب وأضاعو فيه إحساسهم بالاتجاه بحسب وصف برلين، فالموضوع “يشبه ذلك الكهف الذي وصفه فيرجيل حيث تقود جميع الخطا في الاتجاه نفسه. أو كهف بوليفموس من يدخله لا يبدو قادراً على الخروج مرة أخرى”. لذا وجب اتخاذ الحذر الشديد للدخول في أي محاولة للتعريف، ويظل البديل عند (برلين) هو تقديم تصور خاص به عن الرومانتيكية. والحذر والوجل الذي ينبغي اتخاذه هو نتيجة كون الرومانتيكية أحدث الحركات الكبرى التي أثرت وحولت الفكر الغربي، بل هي “التحول الأعظم والفريد الذي حدث في وعي الغرب”، وكل ما حدث في القرنين اللاحقين على القرن الثامن عشر هو بتأثيراتها وأقل أهمية من ظهور الحركة نفسه.


الرومانتيكية نموذج جديد؟

كل حضارة، بل كل فكر يخضع لنماذج مُهيمنة تسيطر عليه وتحدد معالم وجوده ومعالم اختلافه، هذه البراديغمات أو النماذج تُوجّه الكتابات وكل المنتجات الثقافية نحو نمط محدد تخضع له تلك الثقافة سواء كان ذلك المنتج فكرًا أو وعيًا أو أخلاقًا أو سياسة أو غيره، ولكي تدرس أي ثقافة ينبغي أن تتم الإحاطة بالنماذج الخاضعة لها، وهذه النماذج ليست تراكمية، فالتاريخ ليس خطًا متصلا مؤلفًا من نموذج واحد لا انقطاع فيه، وإن كان وجود نموذج عن رؤية كاملة وشاملة متسمة بالمعرفة المطلقة منضبطة بصرامة ساد الفكر الغربي من (أفلاطون) وحتى عصر النهضة إلا أنه لم يكتب له الاستمرار بعد ذلك، وبداية التغيير أو الثورة يكون بحصول تغيير في النظرة إلى العالم ويكون ذلك بتحرير الناس من وهم النموذج السابق وخطأه، لكن النموذج الجديد يبدأ في استعباد الناس أنفسهم بسبب فشله في شرح مجمل الخبرة البشرية، إنها “تبدأ بكونها محرّرة وتنتهي بنوع من الطغيان”. ولكن هل الرومانتيكية نموذج جديد؟.

لعل تلك الطفرات التي تحدث في تاريخ الفكر الانساني تكون علامات واضحة لبدايات نماذج، وازدهار موضوع معين في فترة زمنية محددة يكون آية جلية لميلاد نموذج ونهاية آخر، والعلامة الثانية هي انسحاب تأثيرات ذلك الموضوع على بقية مواضيع الفكر الانساني مثل ما حدث للـ(سوسيولوجيا) والـ(بيولوجيا) في القرن التاسع عشر ومثل طغيان نموذج الـ(سيكولوجيا) على المجالات الفكرية والثقافية الأخرى في القرن العشرين. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار التحولات الهائلة والجذرية التي عرفتها أوربا مع ظهور الحركة الرومانتيكية نموذجا تنطبق عليه القواعد فلم يعد أي شيء كما كان قبلها.

ولكي نحدد هذه التأثيرات بدقة فإن السؤال عن ماهي أو متى ظهرت الرومانتيكية لن يكون مناسباً، فماهية الرومانتيكية صعبة التحديد وفي النهاية فكل مفهوم معزول هو لا شيء وهو حكم قيمي أكثر مما هو تعريف بحسب هنري ديلاكروا، ويكفي الاطلاع على التعريفات التي نقلها برلين في الكتاب لتعطي هذا الاحساس المحير بالتناقض والتشتت في فهم هذه الظاهرة، ونفس الأمر يتعلق بخصائص الحركة، فقد جمع أكثر من أربع صفحات في محاولة تصنيف خصائصها والنتيجة ستكون أكثر غرابة، وكل حديث عن الزمن سيغطي الموضوع أكثر مما يطيق أي كتاب صغير، وقد تبنى مؤرخون فكرة أن الرومانتيكية ليست إلا حالة ذهنية يمكن أن نجدها بكل زمان وكل مكان، عند الروائي الاغريقي هيلودوروس أو هادريان أو حتى عند (أفلاطون) رغم أن (برلين) لا يوافقهم تماماً على ذلك، لذا بدلاً من ذلك قد يكون السؤال الأنسب: أين ظهرت الحركة الرومانتيكية؟

من الشائع لدى معظم المؤرخين وفي الكثير من الكتب المدرسية والجامعية أن الرومانتيكية ظهرت أول ما ظهرت بانجلترا ولكن (ايزايا برلين) لا يوافق أولئك المؤرخين، أو على الأقل لا يوافقهم أن صورتها الدراماتيكية الحادة ظهرت هناك بالبداية، إن الموقف والتحول الكبير الذي حدث وأثرّ في الوعي الغربي وما زال التأثير مستمراً هو ما حدث في الثلث الثاني من القرن الثامن عشر، ولم يكن في انجلترا أو فرنسا، بل كان معظمه في ألمانيا. ففي الوقت الذي شهدت فيه كل من فرنسا وانجلترا ثورتين، إحداهما سياسية واجتماعية والأخرى صناعية كانت ألمانيا خاضعة لامبراطور واحد وطغمة من الأمراء وأقاليم متعددة، وكانت هناك أيضاً زلزلة حرب الثلاثين عاماً التي خلفت بحراً من الدماء لم تستفق منه ألمانيا لمدة طويلة، كان ذلك جارحاً للكرامة الألمانية ولروحها ومانعاً لقيام أي ثورة أو نهضة ثقافية في البلاد، واكتفت الثقافة الألمانية بالحذلقات السكولاستية اللوثرية وبالحياة الباطنية الغنوصية نوعاً ما للروح البشرية، ذاك الجرح الذي سبب عقدة نحو الآخر الفرنسي بالذات وفي نفس الوقت أدى لنوع من الشعور بنقصٍ في الوطنية، قاد إلى حركة تقوية نابعة أساساً من تعاليم لوثر وهي المنبت الخصب الذي برزت فيه الحركة الرومانتيكية لتمد جذورها بعد ذلك.

يبدو واضحاً إذن أنه لا توجد علاقة تربط ما سميّ بالثورة الفرنسية بالحركة الرومانتيكية، فالأولى تبنت مبادئ العقل الكوني والعدالة المطلقة والنظام وغيرها من المبادئ الكونية الكبرى التي تصلح لكل البشر في أي مكان وفي أي زمان، بينما ما حصل في ألمانيا كان كراهية كبيرة للعقل وللغرباء، للفرنسيين خاصةً، إنه نوع من العداء للثقافة ذاتها، وتمجيد للحياة الداخلية الغنية بالأدب المثير الشخصي والعاطفي لكن المليء بالعنف والكاره للعقلانية. كما أنه لا يمكن ربط الرومانتيكية بالثورة الصناعية بشكل مباشر وإن كانت هناك بعض التداعيات ولكن ليس بالشكل الحاد الذي ربطه الماركسيون بالاثنين معتبرين الأولى نتيجة أهوال الثانية.

 إن القيّم التي بشّر بها عصر التنوير والثورة الفرنسية بالدعوة إليها هي أوّل ما هاجمته الثورة الرومانتيكية، ورغم أن تلك القيم قد تكون ظهرت قبل عصر التنوير إلا أن الأخير قدّم نسخته الخاصة لتلك المبادئ ولعل أهمها المبدأ المتمثل في أن كل سؤال حقيقي يمكن الإجابة عليه، إن لم يكن قد أجيب عليه من قبل فاليوم أو في المستقبل، وإن لم نتمكن من الإجابة عليه فلا شك أن الخطأ هو من السؤال وليس من امكانية الإجابة، وكذا فإن كافة الأجوبة المقدمة للأسئلة هي قابلة لأن تعرف ويمكن تعلّم وتعليم طرق اكتشاف تلك الأجوبة، وينبغي أن تكون كل تلك الأجوبة متسقة مع بعضها البعض، فجواب سؤال لا ينبغي أن يكون متناقضاً مع إجابة سؤال آخر وإلا كانت الفوضى. وهذه المبادئ مشتركة ما بين السكولائيين والمسيحيين والتنويريين وكذلك المدرسة الوضعية في القرن العشرين، وهو أول مبدأ تم الهجوم عليه من طرف الرومانتيكيين. وقد كانت أولى الضربات الخفيفة للعقلانية التنويرية قادمة من الوسط التنويري نفسه، من مونتسكيو الذي اعتبر أن البشر ليسوا متشابهين بالضرورة وهم خاضعين لتأثيرات المناخ والتربة والمؤسسات السياسية، وكذلك (هيوم) الذي لم يؤمن بالضرورات الكبرى التي أسبغها العقلانيون على الكون ورآها غير حقيقية مفسراً السببية بنوع من التتابع الدوري، ولكن كلاً من (مونتسكيو) و(هيوم) لم يكونا واعيين بهجومهما بل آمنا تماماً بالعقلانية كخلاص للإنسانية. 

وماذا عن (روسو)؟، يطرح برلين هذا السؤال في كتابه أكثر من مرة معترفاً أن (روسو) قد يكون أحد آباء الرومانتيكية، لكن في المقابل نجد في آراء (روسو) ما يتوافق مع مبادئ الثورة الفرنسية، مع ما يتلاءم مع أفكار (روبسبير) واليعاقبة الفرنسيين، (روسو) صاحب الشذرات التي تدعو للقضاء على كامل البنية الفوقية ومساواتها بالأرض وحرق المجتمع الانساني برمته في سبيل قيام مجتمع آخر غير فاسد وغير منافق، ليس هو (روسو) صاحب (العقد الاجتماعي) القائل بعقل كوني يربط كل البشر بعقد واحد، من هنا يعتبر (برلين) أن الزخم الرومانتيكي الذي تم اعطاءه لـ(روسو) كان مبالغا فيه. لذا فالهجوم الحقيقي لم يكن من فرنسا أو انجلترا.

كان الهجوم الأكبر الذي تعرّض له عصر التنوير قادماً من ألمانيا، من أولئك التقويين اللوثريين المعطوبة روحهم المنعزلين لذواتهم، وكان الهجوم الأول العنيف قادماً من طرف (يوهان جورج هامان)، صديق (ايمانويل كانط)، الذي احتج على (فولتير) صاحب مقولة أن البشر يسعون إلى السعادة في حين أنهم برأي (هامان) يسعون فقط نحو الإبداع بأكثر ما يمكن من الحماس، حتى ولو كان ذلك الحماس سيقود إلى حروب ودمار فذاك جزء من طبيعة البشر وقدرهم، أما الانسان الذي أخرجه المختبر التنويري فهو نوع من الموت في الحياة. أما مواطنه (هيردر) فقد هاجم هو الآخر وثوقية الأجوبة المطلقة واتساقها مع بعضها البعض، فالحقيقة نسبية بالنسبة له وعلى كل مجمتع، على كل فرد أن يعبر عن الحقيقة كما تظهر له في لحظته المكانية والزمانية، لا كما تظهر لمجتمع آخر أو لفرد آخر مختلف عنه، وهذا هو ما يخلق كونا رائعا، لن نراه كذلك بصورته الكاملة، فالله هو وحده فقط من يستطيع رؤية الكون كاملاً.

هناك آباء آخرين للرومانتيكية، لم يعلنوا أنفسهم متبنين لها، بل ربما صرّحوا بكرههم الشديد لها مثل الفيلسوف الألماني (ايمانويل كانط)، أولئك يسميهم (برلين) بالآباء المحافظين، فـ(كانط) لم يخف كرهه للرومانتيكية أو نبذه لكتابات (هامان) و(هردر)، لكنه في المقابل انتصر لها عن طريق فلسفته الأخلاقية والتي دعت بكل صراحة إلى تمجيد الحرية البشرية، فالبشر بشر فقط لأنهم أحرار في اختياراتهم، فبينما كل الأشياء والحيوانات في الطبيعة تخضع لنظام السببية نجد أن البشر على عكس ذلك أحرار الإرادة، وكانت معركة (كانط) الكبرى هي الوقوف ضد فكرة الوصاية التي لا معنى للحرية معها، ففي مقاله الشهر: “ما التنوير” يصرّح أن التنوير هو القدرة على الخروج من القصور الفكري وقدرة الآخرين على التكلم أو التحكم بالنيابة عنك، يقول كانط: “إن الإنسان الذي يعتمد على شخص آخر لا يعود انساناً، فهو فاقد لاستقلاليته، وليس سوى ملكية لشخص آخر”، وحرية البشر تستدعي إنكار الحتمية واللجوء لفكرة الإرادة الإنسانية، فهنا الاستقلال التام، بينما الحتمية نوع من التبعية يقول بكون القوانين خارج الإنسان، لذا كان لا بد من القضاء على الفكرة القائلة بخيرية الطبيعة وعبادتها ومحاكاتها فنياً وهو أمرٌ ثوريٌ قام به (كانط)، فأن يكون الانسان جزءاً من الطبيعة فهذا يعني أنه مقيّد بها وهو أمر سيحطم أي معنى لوجود أخلاق قائمة على مبدأ الحرية.

رغم كل ذلك ظل (كانط) متشبثاً بعقلانيته وبايمانه بوجود أجوبة على الأسئلة الكبرى وبتوافق كل الأجوبة واتساقها مع بعضها، لكن تعاليمه الأخلاقية المبشرة بروح الرومانتيكية ستجد تلاميذ مخلصين يدفعون بها إلى أقصى امكانياتها مثل (فردريك شيلر) المؤمن هو الآخر بالحرية وبالإرادة وبامكانية تجاوز الانسان للطبيعة واخضاعها لإرادته وهي أفكار بثها في إنتاجه المسرحي والشعري، ثم يأتي (فيشته) وقد كان ميالاً للتشكيك نافيا امكانية وجود أجوبة محددة على الأسئلة الكبرى، فالمعرفة تقود إلى معرفة أوسع، وكل جواب يقود إلى سؤال آخر ليعطي بدوره جواباً جديداً، لذا المعرفة التأملية ليست هي الطريق القويم، فالحياة لا تقوم على تلك المعرفة، بل إن الحياة تقوم على الفعل، فالمعرفة مجرد وسيلة لبلوغ الأهداف، أي بعبارة أخرى المعرفة الحقيقية هي معرفة كيف تبقى حياً، وسيقول شليقل معه أن الحرية هي الفعل، أن تكون رومانتيكياً بحريتك، فلا أحد يولد رومانتيكياً. 


موعظة الرومانتيكيين

إن الفكرة القادمة من التنوير والقائلة بأن الحياة نمط مغلق وكامل وحقيقي الوجود وموضوعي، وما دام يمكن الاسترشاد إليه فإنه يمكن تعليمه للآخرين، إن هذه الفكرة هي ما هاجمته الرومانتيكية من جميع الجبهات، فبالنسبة لها الكون في حالة حركة دائمة دون توقف وهو في نفس الوقت لا محدود وعلاقتنا معه علاقة منطلقة من ذواتنا لا من خارجها، لذا فالتعبير عن تلك العلاقة هو تعبير عن اللامحدود بمحدود أي اللغة والأخيرة لا تكفي وتلك هي المعاناة، وهذا ما جعل الرومانتيكيين يلجأون إلى الرموز وإلى المجاز لمحاولة تخطي حاجز اللغة، وبالتالي كانت الرمزية أحد أهم النظريات المركزية في الفكر الرومانتيكي، الرمزية كانت نتيجة لتلك الرغبة في التعبير، لذلك الحنين إلى اللامحدود والغير قابل للاستنفاد، لذا كانت موعظة الرومانتكية الأساسية هي أن تبدع رؤيتك الخاصة بالكون، فالكون هو ما تختار أن تجعله أنت، وأي محاولة للسعي لجعل ترى الأشياء باعتبارها خاضعة لنوع من العقلنة، لخطة ما، ومحاولة وضع مجموعة من القوانين لتلك الرؤية هو نوع من خداع الذات بالنسبة لهم ويعد غباءً انتحارياً، فأولئك الوحيدين الذي كان بامكانهم فهم الواقع هم أولئك الذين فهموا عبثية أي نوع من تلك المحاولات، فبالنسبة لشليقل “فسحر الحياة يكمن في اللغز الذي لا يمكن كشفه”. فكل القواعد ينبغي نسفها فقط لأنها قواعد وأي محاولة ممكنة للقضاء على التقاليد ينبغي أن يقام بها. والسخرية أحد أهم وسائل النسف التي اخترعها الرومانتيكيون، فكل مبدأ يمكن اعتبار نقيضه هو الصحيح، بل أنه يمكن وجود ثلاث افتراضات أخرى مناقضة للأول لكنها كلها صحيحة، فبالنسبة لشليقل أن نسخر هو أن نمتنع عن الموت، أن لا نستقر ونتجمّد. لذا لم يكن مطلوباً من الرومانتيكي أن يحدد موقفه السياسي، فقد يكون رجعياً وقد يكون تقدّمياً، متفائلاً أو متشائماً، مؤمنا بالمؤامرة وبقوى خفية تتحكم من وراء الستار أو كافراً بها، المهم بالأساس هو وضع اليد على القوى اللاواعية المظلمة والتي غفلت عنها الكلاسيكية المتخفية تحت شعار أن الفضيلة مرادفة للمعرفة منذ سقراط وحتى التقاليد المسيحية والتنويرية.

ولكي نختم فينبغي أن نتساءل ما الذي أنتجته الرومانتيكية؟ ما الذي أورثته للعالم؟، قد تكون الحركة الوجودية هي الوريث الشرعي والحقيقي للرومانتيكية بحسب ايزايا برلين، فبفضل تحويلها الحاد لبعض القيّم استطاعت الوجودية أن تظهر بلباس رومانتيكي متمثل بموعظة أنه لا يوجد في العالم ما يمكن الاعتماد عليه. لكن الفاشية أيضاً كانت وريثة للرومانتيكية، لأن الأولى لا تخضع لنظام عقلاني بل لتبنيها لفكرة الإرادة غير المقيدة سواء للفرد أو للجماعة وهو ما يجعلها في اندفاع يصعب كبح جماحه أو تنظيمه وعقلنته وتوقعه.

وبغض النظر عن مسؤولية الرومانتيكية عن الفاشيات إلا أن المجمتعات الحديثة والمجتمع الغربي خاصة يدين لها بالكثير، على المستوى الفني يدين لها بحرية الفنان وعدم قابلية تفسيره تفسيراً تبسيطياً والاعتراف أن الجواب الوحيد على أي سؤال هو أمر منهك وهو المسؤول الأول عن ميلاد الطغاة والمستبدين الذين سيسعون إلى فرض إجابتهم الوحيدة، فالقيم بالنسبة للرومانتيكية متعددة ومختلفة وغير قابلة للحسم. هذا ما نتج عنه دعوة إلى الليبرالية والتسامح وتقدير كبير للحياة نفسها باختلافها وتناقضاتها، ولأنهم كانوا مؤمنين بعدم قابلية الأنشطة الانسانية للتنبؤ فقد انتهوا بدون أن يقصدوا إلى عكس ما دعوا إليه، أي إلى فهم ذاتي وعقلاني للحياة.


بقلم: مولاي ارشيد أحمدو

في معنى الفلسفة الوجودية

كراش كورس (Crash Course) هي قناة يوتيوب تعليمية أنشأت من قبل الأخوين غرين (green brothers)، وهما (هانك جرين) و(جون غرين)، وهما معروفين بقناتهماVlogbrothers قدَّم الأخوان جون وهانك في الأساس دورات للمشاهدين في عدة مجالات من العلوم والعلوم الإنسانية، وتوسع البرنامج منذ ذاك الحين، ليشمل حلقات مشتركة تقدم من قبل ضيوف إضافيين.

في أحد الحلقات، تحدثت حلقة كراش كورس عن الفلسفة الوجودية بطريقة مبسطة جدًا. فكانت الافتتاحية التالية:

ما الذي يعطي حياتك معنى؟ الآلهة؟ الحب؟ المال؟ الوظيفة؟ أدب المعجبين؟ كرة القدم؟ التسوق؟ (شيرلوك

ربما لديك مفهومك الشخصي عن هدفك في الحياة،أو ربما نأمل من مشاهدتك لهذه الحلقة أن تساعدك على إيجاده.

أو ربما تعتقد أنك خُلقت بجوهر Eseesnce خاص كإنسان، وأن هدفك في الحياة مكتوب عليك بواسطة الإله.

أيًا ما كان الموضوع، فلن يلومك أحد، فقط لأنك تبحث لحياتك عن معنى. فالمعنى هو شيء كلنا نرغب به بشدة، بل وربما نحتاج إليه.

[…]

ربما تجد المعنى عبر التدين، أو الدفاع عن العدالة الاجتماعية، أو تثقيف الآخرين، أو البحث عن الجمال بطريقة فنية

لا يهم كيف تقوم بالأمر، فهناك مجموعة من الفلاسفة “الوجوديين” The Existentialists يقولون أن أي، أو جميع، هذه الأشياء يمكن أن تعطي لحياتك معنى. لكن في نفس الوقت يقولون أن أيًا منها لا تستطيع ذلك.

يبدأ المقطع بشرح الفلسفة الماهوية، والتي تقرر بأن المعنى لحياتنا، وُجد قبلنا. فيقول:

كما تعرفون الآن، الفلسفة عبارة عن جدل ؛ يقوم شخص ما بطرح فكرة، ثم يقوم شخص آخر بالرد عليها. أحيانًا يكون الرد مباشرًا، وفي بعض الحالات قد يستغرق آلاف السنين.

في اليونان القديمة (أفلاطون) و(أرسطو) أكدا بشكل قاطع بأن لكل شيء جوهر، وسبب للوجود ؛ مجموعة من الخصائص الأساسية الضرورية أو اللازمة لشيء ليكون على ما هو عليه. إذا كانت هذه الخصائص مفقودة، فسيكون ذلك الشيء شيئًا مختلفًا.

على سبيل المثال: قد يكون للسكين مقبض من خشب أو مقبض من معدن، هذا لا يهم. لكن إذا لم تمتلك نصلًا (شفرة السكين) فلن تكون سكينًا. النصل هو خاصية أساسية Essential Property في السكين، لأنه هو ما يحدد وظيفة السكين.

(أفلاطون) و(أرسطو) اعتقدا بأن لكل شيء جوهره الخاص، بما في ذلك البشر. واعتقدا بأن جوهرنا يكمن فينا قبل أن نوجد. وفقًا لهذا التفكير، جزء من معنى أن تكون إنسانًا جيدًا هو تمسكك بجوهرك. ربما تعلم أو لا تعلم ما هو جوهرك، وقد تكون جيدًا في العيش وفقًا لجوهرك، أو سيئًا فيه، لكن الأهم هو أن جوهرك هو ما يعطيك غاية، لأنك ولدت لتكون شيئًا ما.

هذا التفكير المعروف بـ”الماهوية” Essentialism والذي انتشر عالميًا حتى أواخر القرن ١٩ وما زال مقبولًا من قِبل البعض حتى الآن.

يمكن القول بأن نقطة التحول في هذه الفلسفة الماهوية، عندما جاء الرد من أشخاص آخرين بعد آلاف السنين. فيقول:

لكن في أواخر ١٨٠٠م، بعض المفكرين بدؤوا في تحدي في فكرة أننا نمتلك جوهرًا أو غاية. الفيلسوف الألماني (فريدريتش نيتشه) على سبيل المثال، تبنى فكرة “العدمية” Nihilism أو الاعتقاد باللامعنى المطلق للحياة. 

لكن في أواسط القرن العشرين، عُبِّد الطريق للفيلسوف الفرنسي (جان-بول سارتر) ليعيد سؤال الجوهر، ويسأل: ماذا لو وُجِدنا أولًا؟ ماذا لو وُلدنا من دون أي غاية، ومن ثم يعود الأمر إلينا في إيجاد جوهرنا الخاص؟ أصبح هذا هيكل ما يُعرف الآن بـ”الوجودية” Existentialism ونقطتها الأساسية هي أن الوجود يسبق الجوهر. بمعنى آخر، وجودنا يحدث أولًا، ومن ثم يعود الأمر إلى كل واحد منا لتحديد من يكون، وما هي غاياته، علينا أن نكتب جوهرنا الخاص عن طريق الحياة التي نختارها. لكن ليس لدينا فعليًا غاية أو هدف مسبق، ليس هناك طريق معبّد يجب اتباعه.

يمكنكم متابعة بقية التفاصيل حول الفلسفة الوجودية، وعدد من الأسئلة المرتبطة بهذه الفلسفة، في المقطع التالي، إذ يطرح المقطع عددًا من الأسئلة المهمة، مثل أسباب نشوء الفلسفة الوجودية، وعن ارتباطها بالإلحاد أو عده، وغيرها من النقاط المهمة.

 

 

أفلاطون في حديثه عن الفلاسفة والحكماء على أرض الواقع

(أفلاطون) (427ق.م. – 347 ق.م.)، فيلسوف يوناني كلاسيكي، رياضياتي، كاتب عدد من الحوارات الفلسفية، ويعتبر مؤسس لأكاديمية أثينا التي هي أول معهد للتعليم العالي في العالم الغربي، وضع (أفلاطون) الأسس الأولى للفلسفة الغربية والعلوم. كان تلميذاً لـ(سقراط)، وتأثر بأفكاره كما تأثر بإعدامه الظالم. كما أن الفيلسوف المعروف (أرسطو) هو أحد تلاميذه.

في كتابه (ثياتيتوس)، أو “عن العلم” كما يُطلق عليها أيضًا، والتي نقلتها الأستاذة (أميرة حلمي) إلى اللغة العربية، جعل جزءًا من حديثه عن حال الفلاسفة والمنشغلين بالعلم. يقول:

 

لنتحدث عن كبار الفلاسفة ما دمت راغبًا في ذلك، إذ ما فائدة أن نتحدث عن أولئك الذين لا يبدعون في الفلسفة، أيمكن القول بأنهم يجهلون منذ صباهم أي طريق يقود إلى ساحة المدينة وأين توجد المحكمة أو مجلس الشعب أو إلى أي مكان للاجتماع العام في المدينة، كما أنهم لا يعنون بسماع أو قراءة أي قرارات أو وثائق قوانين، ولا يهتمون بمشاحنات الأحزاب السياسية وفي الاجتماعات والاحتفالات، أما التنصت للاعبات الناي فإنهم حتى لا يحلمون بالمشاركة فيه، ولا ينشغل الفيلسوف بكل ما يحدث للمدينة من خير أو من شر أو بما ورثه الأحفاد عن جدودهم الرجال والنساء من فساد، لا تشغله هذه الأمور، لأن امتناعه عن المشاركة فيها ليس من قبيل الزهو، فالواقع أن الذي له وجود وإقامة داخل المدينة هو جسده فقط، أما فكره فيعد كل هذا هراء وسخفًا ويطوف محلقًا فوق السماء وتحت الثرى، على حد قول (بنداروس)، باحثًا في السماوات ليقيس مساحتها وليتابع سير النجوم وليبين طبيعة كل شيء في مجمله بغير أن يهبط إلى ما هو قريب منه مباشرة.

ثم يدعم كلاماته بمثال عن (طاليس) والذي يُعد أحد الحكماء السبعة عند اليونان القديم، فيقول:

كان (طاليس) يراقب النجوم فوقع في بئر وهو شاخص ببصره إلى السماء، ويُقال إن فتاة من (تراقيا) كانت تراقبه فضحكت من ذلك الذي يبذل جهده ليعرف ما يجري في السماء، في حين أنه لا يرى موقع قدميه، وينطبق هذا التشبيه على كل من يقضون حياتهم في الفلسفة، والواقع أن مثل ذلك الرجل لا يعرف من القريب أو الجار ولا يعرف ما الذي يعمله هذا ولا إن كان رجلًا أو كان من صنف حيوانات آخر، بل هو يبحث ما الإنسان وأي شيء ينبغي أن تتميز هذه الطبيعة عن غيرها في فعلها أو انفعالها؟

ويتطرق بعد ذلك إلى نظريته في أنه من حق الفلسفة أن تزكّي الإنسان وتدفع عنه تقبّل الشر، ويعقّب على ذلك قائلًا:

من المستحيل أن ينتفي الشر، إذ سوف يبقى دائمًا مقابلًا للخير، ومن المستحيل أيضًا أن يحل في عالم الآلهة، بل إنه يغزو هذا العالم والطبيعة الفانية. […] والمهم هنا الذي لا يسهل إقناع العامة به هو أن الدافع إلى التحلي بالفضيلة وتجنب الشر ليس مجرد اكتساب الشهرة. واتخاذ مظهر الفضيلة على نحو ما تقول الثرثرة من النساء وإنما هاك هي الحقيقة بعذا الصدد، ليس الله بظالم بأي حال من الأحوال، بل هو على العكس من ذلك عدل مطلق ولا يدانيه من كان منا عادلًا بقدر الإمكان، فبالنظر إلى وجود هذه الصفة أو عدمها تقدر قيمة الإنسان وقدرته الروحانية.

ومعرفة هذا الأمر هي التي تكوّن الحكمة والفضيلة الحقة، أما التظاهر بالفضيلة والحكمة والميزات الأخرى المختلفة عند الطبقة الحاكمة، فإنما هو نوع من الحقارة والضعة أشبه بالقدرة الآلية عند أهل الصنعة، ولا ينبغي أن نخشى من مكر من يرتكب الظلم والفسق في أحاديثه وأعماله، لأن مثل هؤلاء الناس يتباهون بأنهم رجال قادرون على مواجهة الحياة العامة، وليسوا فارغين أو ثقالًا وإنما ينبغي أن تقال لهم الحقيقة وهو أنهم يتوهمون ما ليس فيهم وأنهم يجهلون ما ينبغي أن يعرفوه جيدًا ألا وهو أن عقوبة الظلم ليست مجرد آلام جسدية أو موت قد يحدث أحيانًا أن يفلتوا منه، بل هو عقاب واقع لا مفر منه.

 

قيمة الموسيقى عند سيوران

إميل سيوران

في كتابه الشهير (المياه كلها بلون الغرق)، والذي يُعد أول كتب إميل سيوران (1911-1995) ترجمة إلى اللغة العربية، أفرد (سيوران) عدة صفحات عن الموسيقى، فقد عُرف عنه تعظيمه للموسيقى، حتى على حساب الفلسفة التي درسها ودرَّسها، فيقول مثلًا:

 

ولماذا نعاشر (أفلاطون) إذا كان أي ساكسفون قادرًا هو أيضًا على أن يكشف لنا عن عالم آخر.
 فالموسيقى قادرة على الكشف عن عوالم أخرى، غير تلك التي نقدر على الكشف عنها في حياتنا. فتعريفه لعالم المسموع أو عالم الموسيقى كان:
العالم المسموع: المحاكاة الصوتية لِما لا يُوصف. اللغز المنشور. اللانهائي المرئي والمستعصي على المَسك .. حين يحدث لنا أن نمتحن فتنته، يصبح حلمنا الوحيد أن نُحَنّط في آهة.
 ويقول أيضًا عن الموسيقى:
الموسيقى هي ملجأ الأرواح التي جرّحتها السعادة.
 وعلى الرغم من أنه صرّح في كثير من كتاباته بتمنّيه للموت، وبأن الحياة بلا معنى، إلا أنه بدا مختلفًا بعض الشيء عندما تحدث عن الموسيقى، كمقولته:
مرّت بي لحظات، كنت خلالها أستبعد وجود أبدية في وسعها أن تفصل بيني وبين (موزارت)، ومن ثم، كنت أفقد كل خوفٍ من الموت. حدث الأمر نفسه مع كل موسيقيّ. مع الموسيقى كلها.
 أو مقولته الأخرى عن الألحان، والتي اختار المترجم أن ينقلها بلفظتها “ميلودي” كما هي:
وماذا تساوي أي “ميلودي” بإزاء تلك التي تخنقها فينا الاستحالة المزدوجة للحياة والموت.
ولكن، هل كلّ ما عُزف على الأوتار يدخل في مقولاته هذه؟ ويُعتبر ملجأً للأرواح الجريحة كما قال في مقولته السابقة؟ هنا يتدخل (سيوران) ليضع شيئًا من الحقيقة لبعض الموسيقى، ويسلبها عن غيرها. فيقول:
لا موسيقى حقيقية غير تلك التي تجعلنا نجُسّ الزمن.
ونختتم أيضًا بمقولة أخيرة عن الموسيقى، يقول فيها:
اللانهائي “الراهن”، الذي تعتبره الفلسفة غير معقول، هو حقيقة الموسيقى وماهيّتها.

آلان باديو، بين الفلسفة والواقع

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه المشترك مع (سلافوي جيجك)، والذي حمل اسم (الفلسفة في الحاضر)، والذي كان عبارة عن محاضرة ألقاها في فيينا 2004، تحدث عن الفلسفة ومعانيها.

تساءل بداية، ملخصًا الأسئلة التي تدور حولها محاضرته: إلى أي حدٍّ تتدخل الفلسفة في الحاضر، في المسائل التاريخية والسياسية؟ وفي نهاية الأمر، ما هي طبيعة هذا التدخل؟ لمَ يجب استدعاء الفيلسوف للتدخل في مسائل تخصّ الحاضر؟

يقول بعد ذلك مبتدئًا حديثه عن فكرة الفيلسوف:

ثمة فكرة ابتدائية زائفة تحتاج الإلغاء، وهي أن بمقدرة الفيلسوف التحدث في كل شيء. تتمثل هذه الفكرة بفيلسوف التلفزيون؛ فهو يتحدث عن مشاكل المجتمع، ومشاكل الحاضر، وما إلى ذلك. لم هذه الفكرة زائفة؟ لأن الفيلسوف يُنشئ مشكلاته، هو مبتكر مشاكل، ولذلك فإنه ليس الشخص الذي يمكن أن يُسأل في التلفزيون، ليلةً إثر أخرى، عن رأيه بما يجري. والفيلسوف الأصيل هو من يحدد بنفسه المشكلات الهامة، هو شخصٌ يطرح مشكلات جديدة أمام الجميع. فالفلسفة تعني أولًا وقبل كل شيء: ابتكار مشكلاتٍ جديدة. ويلي ذلك تدخل الفيلسوف في لحظةٍ ما في الوضع – سواء كان تاريخيًا، أو سياسيًا، أو فنيًا، أو عشقيًا، أو علميًا .. – ثمة أشياء تتبدى له بشكل إشارات، إشاراتٌ تحتم ابتكار مشكلة جديدة.

عند هذه النقطة يتساءل مرة أخرى: “ضمن أية شروط يجد الفيلسوف، في هذا الوضع، الإشارات لمشكلة جديدة، لفكرٍ جديد؟” ثم يتساءل مرة أخرى عن فكرة (الوضع الفلسفي)، فبين كل الأحداث بالعالم، فبعض الأمور قد يُطلق عليها هذا المسمى، وبعضها لا، فيسأل ثانية: “أي وضع هو ذاك الذي يكون، فعليًا، وضعًا فلسفيًا؟“.

يتشكل الوضع الفلسفي في اللحظة التي يتم فيها تفسير الخيار. خيار الوجود أو خيار الفكر.

ثم يتطرق بعد ذلك إلى واجبات الفلسفة فيما يخص الأوضاع، فيقول:

بإمكاننا الآن تلخيص واجبات الفلسفة بما يخص الأوضاع.

أولًا، أن تلقي ضوءًا على الخيارات الجوهرية للفكر. وفي المرحلة الأخيرة، مثل هذه الخيارات تكون دومًا بين ما هو متأثر وما هو غير متأثر.

ثانيًا، أن تلقي ضوءًا على المسافة بين التفكير والسُلطة، بين حقائق الفكر والدولة. أن تدرس هذه المسافة. أن تعلم إذا ما كانت قابلة للعبور أم لا.

ثالثًا، أن تلقي ضوءًا على قيمة الاستثناء. قيمة الحدث. قيمة الانقطاع. وأن تفعل هذا بمواجهة استمرارية الحياة، وبمواجهة التحفظ الاجتماعي.

هذه هي الواجبات العظيمة الثلاثة للفلسفة؛ التعامل مع الاختيار، والتعامل مع المسافة، والتعامل مع الاستثناء. على الأقل إذا ما كانت الفلسفة ذات معنى للحياة، يجب أن تكون أكثر من مجرد فرع معرفي أكاديمي.

يقول بعد ذلك:

تخبرنا أعمق المفاهيم الفلسفية شيئًا كالآتي: “لو إردت لحياتك أن يكون لها معنى، عليك تقبل الحدث، عليك البقاء على مسافة من السلطة، وعليك أن تكون حازمًا في قرارك

ويتطرق بعد ذلك إلى دور الفلسفة وعلاقتها بالأحداث والوقائع، فيقول:

إذًا، يمكننا القول بأن الفلسفة، التي هي الفكر، لا تترافق مع الموجود، بل مع ما هو ليس موجود، مهتمة بالعلاقات التي ليست علاقات.

قال (أفلاطون) مرةً إن الفلسفة إيقاظ. وكان يعلم يقينًا بأن الإيقاظ يتضمن انقطاعًا صعبًا مع النوم. بالنسبة لـ(أفلاطون) الآن، وفي أي وقت، الفلسفة هي الفهم من خلال الفكر عما سينقطع مع نوم الفكر. إذًا يحق لنا التفكير بأن الفلسفة يمكن أن تحدث في كل مرة توجد فيها علاقة قائمة على المفارقة، أي، علاقة هي ليست علاقة، وضعٌ يتضمن تمزقًا ما.

أنا أصر على هذه النقطة، ليس بسبب وجود “شيء” توجد الفلسفة. فالفلسفة ليست انعكاسًا لأي شيء مطلقًا. هناك فلسفة، ويمكن أن تكون هناك فلسفة، لأن ثمة علاقات مبنية على المفارقة، لأن ثمة انقطاعات، قرارات، مسافات، وأحداث.

ويختتم محاضرته بالحديث عن حالة الغربة التي تصاحب الفيلسوف، أو حالة الأجنَبَة، كما اختار تسميتها:

أعتقد بأن من المهم أن نفهم الآتي: يقوم الالتزام الفلسفي الأصيل، في أوضاع ما، بخلق أَجْنَبَة. في الحالة العامة، هي تكون أجنبية. وحين تكون عمومية ببساطة، حينما لا تمتلك تلك الأجنبة، حينما لا تكون مغمورة بهذه المفارقة، ستكون حينئذ التزامًا سياسيًا، التزامًا أيدلوجيًا، التزام مواطن، ولكنه ليس التزامًا فلسفيًا بالضرورة. فالالتزام الفلسفي يتحدد بأجنبته الداخلية.

فالفيلسوف غريبٌ دومًا، يرتدي أفكاره الجديدة. وهذا يعني بأن يطرح أفكارًا جديدة ومشاكل جديدة. وهو يكتسب المزيد من الحراب، في طرق الصمت. هذا يعني بأنه قادرٌ على جذب عدد كبير من الناس إلى هذه المشكلات الجديدة، لأنه أقنعهم بأن هذه المشكلات كونية. والأمر المهم هو أن أولئك الذين يخاطبون الفيلسوف مقتنعون، بداية، من خلال صمت الاقتناع وليس عبر بلاغة الخطاب.

الانسان – فكرة، كما تقول جاكلين روس

18220971

جاكلين روس ، حاصة على الدكتوراه بالفلسفة والعلوم الانسانية، وكاتبة ومؤلفة موسوعية، لها مؤلفات عديدة باللغة الفرنسية، من بين كتبها المترجمة للعربية  هو : (مغامرة الفكر الاوربي : قصة الافكار الغربية)، تستهل جاكلين كتابها، بالحديث عن الافكار وعلاقتها مع الانسان :

إننا ورثة رؤيتين للكون ، كلتاهما ولدتاً مابين الفرات والنيل ، منذ آلاف السنين.

تستطرد جاكلين بشرح هذه الرؤيتين واثرهما بالفكر الغربي، والصراع الذي حصل بينهم :

نحت السومرين والمصريون مفهوم محيط أولي، وهو عبارة عن فوضى سائلة، من جوفها انبعث تلقائياًً مبدأ نظام – غالباً في صورة إله – ظهر من خلاله العالم، والآلهة، والبشر، الذين خُلقوا الواحد تلو الآخر، العالم والآلهة والبشر يشتركون في القوانين نفسها ويخضعون لها، وهي قوانين الطبيعة هكذا .. تتلخص الرؤية الاولى للعالم.

العبرانيون، اتبعواً مخططاً مختلفاً تماماً : يعتبرون أن قوة متعالية، هي الله، موجودة منذ الازل، وان الله خلق الكون من العدم، وخلق الانسان على صورة الإلهي، هذا الانسان الذي أراد أن يتشبه بالله، فأكل ثمرة شجرة المعرفة، وبالرغم العقاب الذي انزله الله له، الا أن بقى الانسان محور العالم الذي اعطي له، وكان عليه أن يحوله بعمله. في هذه الرؤية الثانية، رأى الانسان ان الله خصه بحرية اصيلة واوكل إليه مشروعاً اخلاقياً وهو أن يسيطر على الطبيعة ويعطيها معنى، ويسيرها بحسب مقاصد الله والانسان بما عند هذا الاخير من ذكاء وحكمة، لأنه االكائن الفريد الذي يتمتع بكرامة جديدة.

أعطى اليونانين الرؤية الاولى، افكار مازالت قوتها تجتذب العلم المعاصر، ببساطة كبيرة هي: صورة طبيعة فريدة ينظمها مبدأ (كالخير عند افلاطون مثلاً، والله، المحرك الاول عند ارسطو) ينتشر في العالم بواسطة العقل المشترك بين مجمل الكائنات، بناء على هذا فإن فكرة الطبيعة عند اليونانين هي المؤسسة. في المنظار الهليني، كل شئ، يتأتى من الطبيعة، وهي الى جانب اللوغوس (العقل) تضئ المعرفة، وتوضح تنظيم المدينة وايضاً الاخلاق، يشكل المذهب الطبيعي والمذهب العقلاني محورين أساسين في نظرة الهلنين الى العالم.

أما النظرة الثانية للعالم، التي تبلورت أولا في اليهودية، فإنها تبدو مختلفة تماماً، لم تعد الطبيعة التي يحركها العقل تشكل العمود الفقري، بل “الكلمة” أي الكلمة الآلهية، خالقة الكون، وتتحلى في القانون الالهي، وتعتبر تعليماً من تعاليم الوحي الآلهي، وحيث أن هذه النظرة تصب في فكرة خلق العالم وفكرة سقوط الانسان، فإنها تدخلنا في قصة انسانية مدعوة للالتحاق، يوماً بهذا الوجود الاعلى الذي فصلت عنه، هكذا يصبح الشعب العبري حامل رسالة عالمية الى ارجاء المعمورة، حولت المسيحية وجهة النظر العبرية نحو نقطة مركزية هي الانتصار على الموت: ضحى المسيح بذاته لينقذ الناس ويحمل إليهم الخلاص، سمحت ذبيحة الانسان – الإله ببناء الجسور بين الوجود الاعلى والانسانية، اما الكنيسة فهي مؤسسة رسولية عالمية، كونها المسيح، إنها ترتكز عليه وتنطلق منه ومن الاناجيل، لتنتشر البشرى الصالحة.

ستشكل المواجهة بين هاتين النظرتين، والتي تكون تاريخ الافكار في الغرب، على مدى العصور، مركباً متفجراً يصحبه شعور بالتأزم الدائم، لن ينفك الكتاب والمفكرون، والفلاسفة يعبرون عنه.

بعدها، (جاكلين روس)، تاخذنا الى رحلة تأملية عن ” الفكرة” .. فتقول:

ما الفكرة؟ هذه “كلمة- ملتقى” خضعت لتحولات دلالية عميقة عبر تاريخها : فالفكرة عند (افلاطون) تشير الى نموذج مدرك للواقع، اما عند (هيغل)، فهي مبدأ الجدلية عينه، تمثل الفكرة في نظرنا، شكلاً مثالياً يعطي العالم إطاراً ومعنى، ويوحد، وينظم، ذلك أن الفكرة تجسد وحدة جدلية حية، انها صورة غير ملموسة، لكنها تجمع أحداث التاريخ، وترشدها، وتنيرها، وتقودها، التطور، التاريخ، حقوق الانسان، العقل، العلم: كلها افكار ليست حيادية أبدا او خارجة عن ذواتنا، بل تشكل واقعاً موضوعياً كاملاً، وعالماً من التصورات العليا، ومجموعة من السلطات الخاصة والقائمة بذاتها.

تميز المؤلفة الفكرة عن الايدلوجيا:

تتميز الفكرة عن الايدولوجية التي هي نظام افكار ومفاهيم مجتمعة حول بعض المبادى الاساسية والهادفة الى تفسير العالم. يقول (ريمون ارون): ” نهاية الإيديولوجيات ، نهضة الافكار” وهو عنوان لأحد ابحاثه، فالايديولوجية، بالاشارة الى الماركسية، وهي الايديولوجية بامتياز، تتضمن عامة نقصاً، وعجزاً، وخطأ او مغالطة: فهي تعني مفهوماً للعالم وهمياً او مخادعاً، نوعاً من الخليط الذي تمتزج فيه اللاحقائق، لاتتماهى الفكرة مع الوهم الايدولوجي ، لانها انتاج روحي يرشد البشر وهو ضروري لهم.  من دون افكار ، لايمكن للفرد الا أن يتقهقر ويموت، يمكن للوجود أن يكون إنسانيا من دون اطار ايديولوجي، ضامن ومطمئن، ولكن لايمكنه أن يكون إنسانيا من دون افكار.

تبين المؤلفة أن الافكار، ليست حصراً على الفلاسفة فقط، فتقول :

لايمكن للفلاسفة أن يحصرو الافكار بذواتهم، إن الفنانين، والثوار، والعلماء، ومؤسسي الأديان، والشعراء ينظمون هم أيضاً العالم ويتفكرونه. هم أيضاً بحاجه الى تصورات كاشفة، وفئات روحية جامعة. سنة 1789، أعلن رجال الثورة حقوق الانسان وهي حقوق اساسية لكل الافراد، وضعت اليهودية والمسيحية فكرة الخلاص كمدحل لحالة الغبطة الأبدية بعد الموت، وكعودة الى الله المتعالي، الذي فُصل عنه الانسان بسبب خطيئة ادم، ثم لايمكن اختصار تاريخ الافكار بتاريخ المذاهب الفلسفية، تظهر الافكار هنا في المعنى الواسع للكلمة: انها تصنيفات فلسفية مجردة وايضاً مفاهيم تتعلق بالعلم، بالفن، أو بالدين .

عن علم الجمال، عند شوبنهور

Schopenhauer

آرثر شوبنهور (1788 – 1860) فيلسوف ألماني، معروف بفلسفته التشاؤمية يرى في الحياة شر مطلق فهو يبجل العدم، وقد كتب كتاب (العالم إرادة وتمثل) الذي سطر فيه فلسفته فلذلك تراه يربط بين العلاقة بين الإرادة والعقل فيرى أن العقل أداة بيد الإرادة وتابع لها. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، قام الأخير بسرد فصل يشرح فيه أفكار (شوبنهور) حول علم الجمال أو الاستطيقيا، مستندًا في شرحه على كتاب (شوبنهور) المذكور مسبقًا. يقول (ويليم كيلي رايت) مبتدئًا كلامه:

إن الأفكار، كما رأينا، أزلية، وتقف بين الإرادة من حيث إنها شيء في ذاته والأشياء الفردية المتغيرة التي تتمثل فيها الأفكار. وتظل المعرفة، عادة، خاضعة للإرادة ؛ فنحن لا نعرف إلا لكي ننفذ رغباتنا التي تنبثق من الإرادة. ومثل هذا الخضوع ثابت في حالة الحيوانات. ومع ذلك يستطيع الإنسان في خبرات استاطيقية مختصرة أن يلغي الخضوع للإرادة، ويركز تأمله مباشرة في الأفكار، بغض النظر عن إشباع الرغبات. وعندما يفعل ذلك، يخفي التمييز بالنسبة له بين الذات والموضوع، لأن هذا التمييز لا يوجد إلا في أفراد يتميز بعضهم عن بعض عن طريق مبدأ العلّة الكافية، ولا يتمسك بالأفكار التي تسبق هذا التمييز. ففي العالم فقط من حيث إنه تمثل، أي عالم الموضوعات المدركة، تكون الذات متميزة عن الموضوعات التي تدركها. ومن يصبح مستغرقًا في إدراك الطبيعة التي يفقدها كل إحساس بالفردية، ينتبه إلى معرفة أنه هو والطبيعة أصلًا  شيئًا واحدًا.

ثم يقول عن معنى الفن وقيمة الفنان عند (شوبنهور):

إن أحداث العالم، بالنسبة لأي شخص يفهم تلك الحقيقة، ليس لها أهمية إلا من حيث إنها الحروف التي نقرأ بها الأفكار. وهذا النوع من المعرفة، الذي يهتم بالأفكار، التي تكون المضامين الثابتة لكل الأشياء المتغيرة، هو الفن. فهو ينتج من جديد الأفكار الأزلية في وسيط مادي، مثل النحت، والتصوير، والشعر، والموسيقى. والإنسان الذي ينتج الأفكار أو يدركها في عمل من أعمال الفن يكون عبقريًا ؛ لأن أعمال الفن الفعلية هي في الغالب الأعم نسخ غير كاملة من الأفكار، وهي تفتن عبقريًا ذا خيال لكي يقوم بتمييز الفكرة فيها. ويظهر العبقري غالبًا، للناس العاديين القاصرين في التخيل، ولا يدركون موضوعات عادية بينما يرى العبقري فكرة، إنسانًا مجنونًا، وذلك ما يبينه (أفلاطون) في أسطورة الكهف وفي أماكن أخرى، وأشار إليه شعراء كثيرون. وفي حين أن معظمنا ليسوا عباقرة، إلا أن كل إنسان لديه القدرة على المتعة الأستاطيقية يمتلك مقدرة قليلة لإدراك الأفكار التي تكون أساسًا لموضوعات الطبيعة والفن التي ينتجها من جديد.

ثم يتحدث بتفصيل عن عدد من أشكال الفنون، اخترنا لكم بعضًا منها، فنون العمارة مثلًا:

ويوضح فن العمارة، من حيث إنه فن جميل، بعضًا من الأفكار التي تؤلف الدرجات الدنيا من تموضع الإرادة في الثقا والتماسك، والصلابة، والصلادة – الصفات الكلية للحجر، وتجليات الإرادة الأكثر بساطة وإبهامًا. والموضوع الوحيد لجماليات العمارة هو الصراع بين الثقل والصلابة، الذي يكشف عنه الفن بتمييز تام بالنسبة إلى الضوء. واستطاع الفنان المعماري أن ينتج هذه الآثار بحُرّية أكثر في المناخ المعتدل في الهند، ومصر، واليونان، وروما. أما في أوروبا الشمالية فقد قيّد المناخ القاسي حريته، ولابد من تزيين عربات الذخيرة الحربية، والأسطح المحددة، وأبراج العمارة القوطية بزخرفات مستعارة من فن النحت.

يتطرق بعد ذلك إلى فن آخر، وهو الشِعر عند (شوبنهور). يقول:

الشعر هو أعلى الفنون التي تكشف عن الأفكار، الذي يصور الناس في سلسلة مترابطة من مجهوداتهم وأفعالهم. إن الشاعر يصور الخصائص التي لها مغزى ودلالة في أفعال لها مغزى، ويكون أكثر نجاحًا في الكشف الحقيقي عن الأفكار من المؤرخ، الذي يكون مجبرًا على اختيار أشخاص وظروف كما تأتي في علاقاتها المتشابكة والمؤقتة من علل ومعلولات. ولذلك لابد أن ننسب حقيقة داخلية حقيقية بالفعل إلى الشعر أكثر من التاريخ. ويدرك الشاعر في الشعر الغنائي، والأغاني، حالته الداخلية الخاصة ويصفها. […] ويتوارى الشاعر بصورة كبيرة أو قليلة وراء تمثلاته في أنواع أخرى من الشعر، إلى حد ما في القصيدة الروائية، وبصورة كلية في الدراما الشعرية، التي تكون الصورة الأكثر موضوعية، وكمالًا  وصعوبة في الشعر. إن الشاعر هو مرآة البشرية، ويجلب إلى وعيها ما تشعر به، وما تفعله.

وبطبيعة (شوبنهور) المتشائمة، فقد تطرق بشكل أكبر إلى التراجيديا، وهي الأعمال الفنية الدرامية المائلة إلى التصوير المأساوي. فيقول عنها:

 التراجيديا هي ذروة الفن الشعري، بسبب عظمة تأثيرها، وصعوبة إنجازها. فهي تصور الجانب المرعب من الحياة، تصور الألم الذي يتعذر التعبير عنه، وشكوى البشر، وانتصار الشر، وسقوط البريء العادل. إنها صراع الإرادة مع نفسها، والمعنى الحقيقي للتراجيديا هو أن البطل يُكفِّر، لا عن خطيئته الفردية الخاصة، وإنما عن جريمة الوجود الفردي، وتحطم الإرادة إلى أشخاص منفصلين.

وفي النهاية يذكر الموسيقى كأحد أنواع الفنون:

أما الموسيقى فهي تقف وحدها، مختلفة عن كل الفنون الأخرى. لأن الفنون الأخرى تكشف عن الأفكار، في حين أن الموسيقى تنفذ وراء الأفكار وتكشف عن الإرادة من حيث هي شيء في ذاته. وتصور النغمات المنخفضة، في انسجام الألحان، الدرجات الدنيا لتموضع الإرادة، أي الطبيعة غير العضوية، وضخامة كوكب الأرض، في حين أن النغمات العالية تصور عالم النباتات والحيوانات. وتسير فواصل السلم الموسيقي في موازاة مع درجات التموضع في الطبيعة، أي الأنواع المختلفة.

وأخيرًا يختتم كلماته بالحديث عن المتعة، وعلاقتها بالجمال:

وتمكننا المتعة التي نستقبلها من الجمال بأسره، والعزاء الذي يقدمه لنا الفنان من أن نستغرق لحظة فيما كتب وننسى أنفسنا من حيث أننا أفراد، وننسى كل همومنا الشخصية. وندرك أننا واحد مع الطبيعة بأسرها من حيث إنها تعبير عن الإرادة، وندرك أن كل حياة، وليست حياتنا الخاصة، معاناة تذهب سدى. ويقدم لنا نسيان أنفسنا بهذه الطريقة راحة مؤقتة من الآلام المضنية لرغبات فردية تعي ذاتها.

نظرية الكهف عند أفلاطون

تعد نظرية الكهف لأفلاطون من أشهر نظرياته الفلسفية على مدى التاريخ وفيها مجازاً واقعياً لحياتنا وكيف يؤثر الواقع على رؤيتنا للأمور ووصولنا إلى الحقيقة. فرغم بساطتها إلا أنها فلسفة من الممكن أن تقودنا لاستخراج الكثير، لتخبرنا كيف بوسعنا أن ننظر للعالم من زوايا تختلف عن تلك التي اعتدنا النظر منها. فحين ندرك ان الأفكار هي نتاج واقع أو محيط أو قيود ساهمت بتشكيل قناعاتنا سيساعدنا ذلك بلا شك لتقبل الاختلاف خاصة في الأفكار. يبني أفلاطون فكرته الجوهرية في هذه النظرية على أن ما نراه أو مااعتدنا أن نراه قد لا يكون الواقع أو الحقيقة بل مجرد ظلال خادعة للحقيقة ولذا فالحواس بالنسبة له تخدع ولا يمكن الاعتماد عليها.

في كتابه “الجمهورية” يكتب أفلاطون هنا على لسان سقراط متحدثاً لأحد أتباعه:

سقراط: تخيل كائنات بشرية قبعوا في كهف تحت الأرض، له ممر طويل باتجاه النور، ظَل هؤلاء الناس هناك منذ نعومة أظافرهم، وقيدت أرجلهم و أعناقهم بأغلال، بحيث لا يستطيعون التحرك من أماكنهم أو رؤية أي شيء سوى ما يقع أمام أنظارهم، لأن السلاسل منعتهم من إدارة رؤوسهم. و من ورائهم تضيء نار اشتعلت عن بعد في موضع عال، و بين النار و السجناء طريق مرتفع. و لتتخيل على طوال هذا الطريق جدارًا صغيرًا، مشابها لتلك الحواجز التي يضعها أمامهم لاعبوا الدمى المتحركة، والتي تخفي اللاعبين وهم يعرضون ألعابهم.

غلوكون : إني لأتخيل ذلك.

سقراط: و لتتصور الآن، على طول الجدار الصغير، رجالًا يحملون شتى أنواع الأدوات الصناعية، التي تعلو على الجدار. وتشمل أشكالًا للناس والحيوانات وغيرها، صنعت من الحجر أو الخشب أو غيرها من المواد. و طبيعي أن يكون بين جملة هذه الأشكال من يتكلم ومن لا يقول شيئا.

غلوكون: إنها حقًا لصورة عجيبة، تصف نوعًا غريبًا من السجناء.

سقراط: إنهم ليشبهوننا، ذلك أولا لأن السجناء في موقعهم هذا لا يرون من أنفسهم و من جيرانهم شيئا غير الظلال التي تلقيها النار على الجدار المواجه لهم من الكهف، أليس كذلك؟

غلوكون: و كيف يمكنهم خلاف ذلك ماداموا عاجزين طوال حياتهم عن تحريك رؤوسهم؟

سقراط: فلتتأمل الآن ما الذي سيحدث إذا رفعنا عنهم قيودهم و شفيناهم من جهلهم. فلنفرض أننا أطلقنا سراح واحد من هؤلاء السجناء، و أرغمناه على أن ينهض فجأة، و يدير رأسه، و يسير رافعًا عينيه نحو النور.

عندئذ سيعاني آلامًا حادة ويضايقه التوهج ، و سوف ينبهر إلى حد يعجز معه على رؤية الأشياء التي كان يرى ظلالها من قبل. فما الذي تظنه سيقول إذا أنبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهمٌ باطل، و أن رؤيته الآن أدق، لأنه أقرب إلى الحقيقة، و متجه صوب أشياء أكثر حقيقة؟ و لنفرض أننا أريناه مختلف الأشياء التي تمر أمامه، و دفعناه تحت إلحاح أسئلتنا إلى أن يذكر ماهي. ألا تظنه سيشعر بالحيرة، و يعتقد أن الأشياء التي كان يراها من قبل أقرب من الحقيقة من تلك التي نريها له الآن؟

غلوكون: إنها ستبدو أقرب كثيراً إلى الحقيقة.

سقراط: و إن أرغمناه على أن ينظر إلى نفس الضوء المنبعث عن النار، ألا تظن أن عيناه ستؤلمانه، و إنه سيحاول الهرب و العودة إلى الأشياء التي يمكنه رؤيتها بسهولة، و التي يظن أنها أوضح بالفعل من تلك التي نريه إياها الآن؟

غلوكون: أعتقد ذلك.

سقراط: فلتتصور أيضا ماذا يحدث لو عاد صاحبنا واحتل مكانه القديم في الكهف، ألن تنطفئ عيناه من الظلمة حين يعود فجأة من الشمس؟ فإذا كان عليه أن يحكم على هذه الظلال من جديد، و أن يناقش السجناء الذين لم يتحرروا من أغلالهم قط، في الوقت الذي تكون عيناه فيه مازالت معتمة زائغة، وقبل أن تعتاد عيناه الظلمة، و هو أمر يحتاج إلى بعض الوقت، ألن يسخروا منه و يقولوا أنه لم يصعد إلى الأعلى إلا لكي يفسد أبصارهم وأن الصعود أمر لا يستحق منا عناء التفكير فيه؟ فإذا ما حاول أن يحررهم من أغلالهم، و يقودهم إلى أعلى و استطاعوا أن يضعوا أيديهم عليه، ألن يجهروا عليه بالفعل؟

غلوكون: أجل بالتأكيد.

والآن، فعلينا، يا عزيزي غلوكون، أن نطبق جميع تفاصيل هذه الصورة على تحليلنا السابق. فالسجن يقابل العالم المنظور، ووهج النار الذي كان ينير السجن يناظر ضوء الشمس، أما رحلة الصعود لرؤية الأشياء في العالم الأعلى فتمثل صعود النفس إلى العالم المعقول. فإذا تصورت هذا فلن تخطىء فهم فكرتي، مادام هذا ما تريد أن تعرفه. ولست أدري إن كانت فكرتي هذه صحيحة أم لا، ولكن هذا ما يبدو لي على أية حال، فآخر ما يدرك في العالم المعقول بعد عناء شديد هو مثال الخير، ولكن المرء ما أن يدركه، حتى يستنتج حتمًا أنه علة كل ما هو خير وجميل في الأشياء جميعًا، وأنه في العالم المنظور هو خالق النور وموزعه، وفي العالم المعقول هو مصدر الحقيقة و العقل. فبدون تأمل هذا المثال لا يستطيع أحد أن يسلك بحكمة، لا في حياته الخاصة ولا في شؤون الدولة.

ويشير أفلاطون هنا عن أهمية مواجهة الحقيقة التي قد تبدو مخيفة في أول الأمر ولذا قد يهرع بعضهم للعودة للخلف ويفضل البقاء في الظلام ولكن المواجهة والصراع بجانب المعرفة ستجعلنا قادرين للوصول للحقيقة والتعامل معها بشكل أفضل.

قصة مصوٌرة للنظرية:

للاستزادة:

شرح للنظرية من مدونة كلام فلسفة

لماذا اعترض سقراط على الكتابة ؟ رسالة سقراط إلى جيل الانترنت

Portrait Herm of

اعترض سقراط على الكتابة بشكل كبير، وفي معرِض اعتراضه يقدم لنا سقراط -كما نقل لنا أفلاطون– أقوى وأعمق الدروس التي أحوج ما نكون لها اليوم حيث التمييز بين المعلومات والمعرفة. سقراط كان يعتقد بأن الاعتماد على الكتابة سوف يُجهز على الذاكرة والنقطة الأهم كان يرى بأن القراءة ستدفع الطلاب للتفكير بأنهم حازوا على المعرفة، في حين أنهم  حازوا على المعلومات فقط.

في محاورة “فيدروس” -التي كتبها أفلاطون على لسان سقراط- يحكي سقراط قصة آلهة مصرية اسمها تحوت، مكتشفة الحروف الأبجدية، وماذا قال الملك الإله المصري “آمون” (تاموز باليونانية) لتوت عن هذا الاختراع.

هذا الاختراع سينتهي بمن سيعلمونه إلى ضعف التذكر لأنهم سيتوقفون عن تمرين ذاكرتهم. سيثقون بالحروف الأبجدية الخارجية المكتوبة ولن يتذكروا بأنفسهم. إنك لم تجد علاجاً للذاكرة ولكن للتداعي… أما بخصوص الحكمة فإن ما قدمته لتلاميذك ليس هو الحقيقة بل مظهرها، فهم حين يتجرعون بفضلك المعلومات بغير استيعاب يبدون قادرين على الحكم في كل شيء بينما هم في معظم الأحيان جهلة لا يمكن تحملهم ومن ثم يكونون أشباه الحكماء من الرجال لا الحكماء

وللكتابة يا فايدروس تلك الصفة العجيبة التي توجد أيضاً في التصوير، وذلك لأن الصور المرسومة تبدو كما لو كانت كائنات حية، ولكنها تظل صامتة لو أننا وجهنا إليها سؤالاً، وكذلك الحال في الكلام المكتوب. إنك لتظنه يكاد ينطق كأنما يسري فيه الفكر ولكنك إذا ما استجوبته بقصد استيضاح أمر ما فإنه يكتفي بترديد نفس الشيء، وهناك أمر آخر هو أن الشيء بعد ان يكتب يظل ينتقل من اليمين إلى اليسار بغير مبالاة، فيساق إلى من يفهمون وإلى من لا يعنيهم منه شيئاً على السواء وهو فضلاً عن ذلك لا يدري إلى مَنْ مِن الناس يتجه أو لا يتجه. ومن جهة أخرى حين تتجه إلى موضوعه أصوات المعارضة أو حين يُحتقر ظلماً يصبح في حاجة لمساعدة مؤلفه لأنه لا يستطيع وحده أن يدرأ الخطر عن نفسه ولا يقدر على الدفاع عن نفسه.

ويمهد سقراط لصديقه فايدروس

أليس هنالك نوع من الكلام أفضل بكثير من هذا النوع وله من القوة ماهو أعظم وأبعد ؟ .. إنه ذلك الحديث المصحوب بالعلم المنقوش في نفس الرجل الذي يدرس، إنه الحديث الذي لا يقوى على الدفاع عن نفسه، وهو الذي يعلم لمن ينبغي أن نوجه الكلام ولمن لا ينبغي أن نوجهه… حديث حي ذو نفس.

ويتساءل سقراط

إن كان لدى الزارع الماهر بذور يهتم بها ويتمنى ان تثمر فهل يذهب بها على التو وفي فصل الصيف فيبذرها كي يراها تزدهر في ثمانية أيام ؟ أم أنه يفعل ذلك بغرض اللهو كأن يكون بسبب العيد مثلاً لو فرض أنه حدث فعلاً؟ أليس المعقول أنه يعتني بها فيسترشد بفن الزراعة كي يبذرها في الأرض المناسبة ثم يسعد بجنيها بعد ثمانية أشهر حين يبلغ ما بذره تمام نضجه ؟…. وفيما يتعلق بمن حصل على علم العدل والجمال والخير، أتظن أنه سيكون أقل تعقلاً من الزارع عند استعماله لبذوره ؟

إذن من يعني بالأمر لن يأخذ قلماً يكتب به على الماء أحاديث ليست قادرة فقط على الدفاع عن نفسها بالكلام بل هي غير قادرة على تعليم الحقيقة بالطريقة الصحيحة.. لا إن هذا ليس مُحتملاً- فلا يوجد في الواقع أحد يبذر حقائق الكتابة هذه إلا بغرض التسلية أو لكي يحتفظ بها صاحبها لنفسه على أنها كنز من الذكريات ينتفع به حين يبلغ الشيخوخة ذات النسيان، او من كان مثله يتبع نفس الطريق.

ويضيف

ولكن يبدو لي أن هناك شيئاً أجمل حين نتجه إلى هذه الغاية، وهو أنه إذا وجدنا نفساً قابلة لأن نبذر فيها بالعلم وقواعد الجدل أحاديث قادرة على تأييد نفسها وتأييد من أنبتها ولا تظل عقيمة بل تحمل البذور التي تنبت في النفوس الأخرى أحاديث أخرى مزدهرة دائماً تجدد البذر حتى تضمن له الخلود وتحقق لمن يحصل عليها أكبر نصيب من السعادة الممكنة للإنسان على الأرض.

وبهذا التأييد للتعليم الشفهي على التدريس الكتابي يختتم أفلاطون -على لسان معلمه سقراط- رسالته إلى جيل الانترنت.

المصدر