أرشيف الوسم: ألبير كامو

من رسائل (كامو) إلى (ماريا كازارس)

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. 

نقدم لكم هنا، ثلاثة من رسائل (كامو) إلى (ماريا كازاس) والتي جمعته معها علاقة غرامية، جُمعت هذه الرسائل وغيرها في كتاب عام 2017، حمل عنوان (الرسائل 1944-1959) باللغة الفرنسية بترجمة حصرية لدى ساقية.


الرسالة: 16 

شتنبر 1944، الساعة الواحدة صباحا.

منذ لحظة،قطعتُ بغتة المكالمة الهاتفية لأن الدموع خنقتني. لا تعتقدي أني اتسمتُ بالعدوانية نحوكِ. لم يسبق قط لقلب إنسان أن غمرته المحبة ثم الخيبة في ذات الوقت. أينما وجهت بصري، لا ألمح سوى حلكة الليل. برفقتكِ أو بدونكِ، ضاع كل شيء. وفي غيابكِ، خارت قواي. أعتقد أني أتمنى الموت. ولا أمتلك ما يكفي من القوة لمقاومة الأشياء بل ونفسي، مثلما دأبتُ على فعل ذلك منذ صرتُ إنسانا. لم أعد قادرًا سوى على النوم، فقط لاغير. أنام وأدير رأسي نحو الحائط، مترقبا مجيئك. متى يمكنني الصراع ضد مرضي وأصبح أكثر قوة من حياتي الخاصة، لا أعرف متى سأعثر ثانية على طاقة القيام بذلك.

مع ذلك لا تقلقي. أفترض أن كل هذه الأمور ستعود لنصابها. تعكس رسالتي هاته، إلى جانب مختلف باقي التفاصيل، إيماني دائما بكِ، وكذا إصرار رغبتي على رؤيتكِ سعيدة. وداعا، حبيبتي. تذكَّري دائما الشخص الذي عشقكِ أكثر من حياته. ولا تغضبي مني.


الرسالة: 17

باريس، أكتوبر 1944،الساعة الواحدة ونصف ظهرا

ستأتين بعد قليل وسأخبركِ بصيغة لا لبس فيها، عن ما وددتُ أيضا الإفصاح لكِ عنه. بعدها، ستنتهي مسارات حكايتنا. غير أني لا أريد الانفصال في ظل نظرة بئيسة نحاول بحسبها أن نبلور بلا جدوى مالا يمكنه التحقق. قضيتُ ليلة البارحة متسائلا إنْ أحببتني حقا أو كان مختلف ذلك فقط تجليا مظهريا كنتِ بدوركِ في خضمه نصف مخدوعة. لكن من الآن فصاعدا لن أستفسركِ أبدا بهذا الصدد. أريد الحديث معكِ، بخصوصنا معا ثم عني. أتطلع إلى إسعاد (فرانسين) [1]. لكن أجدني ضعيفا تماما كي أنتشل نفسي من دوامة هذه الحكاية. جسديا، أشعر بانكسار يفوق ما بوسعي البوح به. معنويا، لا أحس سوى بأني قلب جاف، صارم، محروم من رغباتي. فليس أمامي إذن أي موضوع ألتمسه وقد عشت ما يكفي من الوقائع تجعلني أستسيغ حقا نوعا من التخلي. لكن في خضم هذه الحياة، سيظل عشقي وفيّا لكِ.

تكمن أمنيتي الأكثر صدقا وفطرية في أن لا يلمسكِ أي رجل آخر، غداة اختفائي. أعلم أنه تطلع مستحيل. في المقابل، كل ما أتمناه، أن لا تضيعي هذه الحقيقة الرائعة التي هي أنتِ، بالتالي لا تمنحي هذا العطاء سوى للكائن الذي يستحقه. ومادام يصعب، تسيُّدي على كل هذا الحيز، الذي أود بغيرة اكتساحه، أريد منكِ أن تحرسي داخل قلبكِ، هذه المكانة المميزة، حيث بدا لي خلال لحظات نادرة أني أستحقها. طموح حزين، لكن هذا مابقي في جعبتي.

أنا، فقط محبط. خلال فترة هذا الصباح مع اضطرابي، سادني حزن جاف، نتيجة فكرة انتهاء علاقتنا، نعم انتهت فعلا، ثم اقتراب موعد فصل الشتاء، بعد الربيع وهذا الصيف الذي لفحتني كثيرا أشعة شمسه. آه! (ماريا) عزيزتي، أنتِ الكائن الوحيد الذي ألهمني الدموع. أشياء كثيرة لم أعد أتذوقها! فالمسرات التي عرفتها معكِ صارت تبدو قياسا لها، فقيرة تلك الأخرى التي بوسعي ملاقاتها.

أفكر في مغادرة باريس والسفر بعيدًا قدر الإمكان. هناك أشخاص وشوارع غير قادر على زيارتهما ثانية. لكن مهما حدث، تذكّري دائما وجود كائن في هذا العالم، بوسعكِ خلال أيّ لحظة الرجوع إليه أو القدوم عنده. لقد منحتكِ ذات يوم، من صميم فؤادي، كل ما أملكه وجل ما أنا عليه. اهتمي بذلك غاية رحيلي عن هذا العالم الغريب الذي بدأ يتعبني. ويظل أملي أن تدركي في يوم من الأيام إلى أيّ مدى أحببتكِ.

وداعا، عزيزتي، شغفي. ترتجف يدي وأنا أكتب لكِ هذا. إذن احرصي على نفسكِ، وحافظي على نقائكِ. لا تنسي قط أن تستمري كبيرة. أفتقد إلى هذا القلب حينما أستحضر كل الزمان القادم وأنتِ غائبة تماما. لكن وأنا أعرفكِ فنانة عظيمة، تتماثل مع جوهركِ، أو سعيدة وفق أسلوبكِ، أدرك في الوقت ذاته، إضافة إلى ماسبق، أني سأكون سعيدا، بالرغم مني. وستتجلى لدي فكرة مفادها أني لم أضعف أي شيء لديكِ وهذا الحب الشقي لم يسعفكِ. هي مواساة خاطئة، لكنها الوحيدة المتبقية لدي.

مرة أخرى، وداعا عزيزتي، وليشملكِ حبي برعايته. أقبِّلُكِ، وعلى امتداد هذه السنوات التي سأعيشها بدونكِ، أقبِّل وجهكِ العزيز مع كل الألم والحب المهول الذي يستوطن قلبي.


الرسالة: 18

21 نوفمبر 1944

عيد ميلاد سعيد، عزيزتي [2]. أود أن أبعث إليكِ في نفس الآن كل ابتهاجي، لكن حقيقة غير قادر. لقد أنهيتُ البارحة رسالتي إليكِ وقلبي ممزق. وبعد الظهيرة، ترقبتُ طيلة تلك الفترة، مكالمة هاتفية منكِ. ليلا، أدركتُ جيدا أكثر إلى أي حد أفتقدكِ. تملكني شيء فظيع ومزمن . لست قادرا التعبير عنه.

أريد إحاطتكِ علما بمختلف ذلك بين طيات تعبكِ. أعلم جيدا أنه ليس خطأكِ، لكن ماذا بوسعكِ فعله ضد هذا الوجع المحيط بي عندما أحدد كل ما يفصلني عنكِ. كما قلت لكِ، أريد أن تمكثي أمامي، تتواجدين دون هدنة وأعلم مدى عبثية أمنية من هذا القبيل.

لاتبالي كثيرا بوضعي، أتدبّر أمري بكيفية حسنة. كوني سعيدة هذا المساء. فلا نعيش دائما سنّ الثانية والعشرين، ولا باقي أعمار السنوات، بوسعي فعلا تلقينكِ كيفية ذلك، أنا من يشعر بكوني كهلا جدا منذ عهد قريب.

لم أخبركِ إلى أي حد عشقتكِ وأنت تؤدين دورا في مسرحية :القروي [3].وقد أظهرتِ أناقة وتوهجا وإبداعا.

نعم بوسعكِ أن تكوني سعيدة، مادمت أنتِ فنانة عظيمة جدا. ثم بغض النظر عن كل ما يؤلمني،فقد استمتعت برفقتكِ.


[1]: بعد عامين من الانفصال الاضطراري، غادرت (فرانسين) مدينة وهران بالجزائر، أواخر سنة 1944، صوب باريس للالتحاق بزوجها (كامو)، وقد أقاما في شقة صغيرة استأجرها الروائي الشاب من (أندريه جيد).

[2]: ولدت (ماريا كازارس)، يوم 21 نوفمبر 1922، في غاليسيا بإسبانيا، وقد بلغت آنذاك سن الثانية والعشرين.

[3]: مسرحية البيت الريفي لـ(أنطون تشيخوف)، أخرجها (مارسيل هيرون) سنة 1944 .

 

اخلق بعنف .. ألبير كامو عن الفنان كصوت للمقاومة وكمحرر للمجتمع

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

“أولئك الذين يقولون لك “لا تضمن الكثير من السياسية في فنك” ليسوا صادقين” كانت هذه ملاحظة (تشينوا أتشيبي) في محادثته الرائعة المنسية مع (جيمس بالدوين). “إذا ما دققت النظر بالأمر سترى أنهم نفس الأشخاص السعيدين بالوضع كما هو … وما يقولونه لا يزعج النظام”. وقبل نصف قرن من ذلك بسط (ويستن هيو أودن) و فصل هذه الفكرة حين أكد “إن عمل الفن المحض هو بذاته فعل سياسي”.

كتب (ألبير كامو) [1913-1960] في نص خالد و عميق جدًا بعنوان “اخلق بعنف” أن مهمة الفنان الجوهرية هي دفع المجتمع للأمام وذلك بإزعاج النظام، وهو نص كُتب في زمن أودن لكنه مرتبط بنا بشدة. وهذا النص هو في الأصل محاضرة أُلقيت في جامعة السويد بتاريخ ديسمبر سنة 1957 بعد أسابيع من حصول (كامو) على جائزة نوبل في الأدب ليكون بذلك ثاني أصغر فائز بها، والتي نالها لعمله الذي “يسلط الضوء ببصيرة نافذة و جدية على مشاكل الوعي الإنساني في زماننا“، والذي أُضيف لاحقًا إلى مجموعة مقالاته المهمة والتي نُشرت بعنوان (المقاومة، التمرد، و الموت).

قبل عقدين من دعوة (أودري لورد) الفنانين للتمسك بمسؤوليتهم تجاه “تحويل الصمت إلى لغة وفعل” كتب (كامو):

اعتاد الرجل الشرقي الحكيم دومًا أن يطلب من الآلهة في صلواته أن تكون عطوفة جدًا لتنقذه من العيش في عصر مشوق، ولأننا لسنا حكماء لم تحمنا الآلهة ونحنُ نعيش في عصر مشوق. على أية حال يفرض علينا عصرنا أن نهتم به ونقبل عليه. يعرف كتاب اليوم هذا: فإن تكلموا هوجموا وانتقدوا، وإن تواضعوا والتزموا الصمت لُوموا بشدة على صمتهم. وفي غمرة هذه الضجة والجلبة لا يمكن للكاتب أن يتأمل أن يبقى نائيًا بنفسه ليحث التأملات والصور العزيزة عليه. وحتى اللحظة الحالية ظل النأي بالنفس والانعزال ممكنًا في التاريخ. فحين لا يوافق أحدهم على شيء يمكنه أن يبقى صامتًا أو يتحدث عن أمر آخر، ولكن كل شيء تغير اليوم بل وحتى للصمت آثار خطيرة. فاللحظة التي ينظر فيها للامتناع عن الاختيار ذاته كخيار ويُعاقب على مثله أو يُشاد به بصبح فيها الكاتب طوعًا أو كراهيةً مُدموغًا في الخدمة. وتبدو لي “مدموغ” كلمة أدق في هذا الصلة من “ملتزم”. فبدلًا من التسجيل والانضمام ببساطة للخدمة التطوعية يؤدي الفنان الخدمة الإلزامية.

[…] من السهل رؤية كل ما يمكن للفن أن يخسره من هذه الالتزامات الدائمة: الطمأنينة كبداية وتلك الحرية المقدسة الجلية في أعمال (موزارت). من الأسهل أن نفهم لِم لأعمالنا الفنية جاذبية تسترعي النظر ولِم تنهار فجأة. ومن الواضح لِم لدينا صحافيون أكثر من كتاب المحتوى الإبداعي، وهواة في الرسم أكثر من (بول سيزان)، ولِم احتلت الحكايا العاطفية أو الروايات البوليسية محل (الحرب والسلام) أو (صومعة بارما).

ومع ذلك قبل خمس سنوات من تأكيد (بالدوين): “على المجتمع أن يفترض أنه مستقر، لكن على أن الفنان أن يعرف وعليه أن يُعرفنّا أنه لا وجود لشيء مستقر وثابت خارج الجنة” أصر (كامو) على وجود كسب أكثر من الخسارة في التزام الفنان بالعدالة الاجتماعية:

أن تخلق اليوم يعني أن تخلق بعنف. فأي منشور هو فعلٌ، وهذا الفعل يعرض الواحد لعواطف عصر لا يغفر شيئًا. لكن السؤال ليس ما إذا كان هذا ضارًا بالفن أم لا، السؤال لكل هؤلاء الذين لا يقدرون على العيش دون الفن ودون ما يمثله هو مجرد اكتشاف كيف تكون حرية الخلق الغريبة ممكنة بين كل أجهزة الأمن  هذه التابعة لكل هذه الأيدولوجيات؛ كم كنيسة يا للعزلة!.

بعد قرن من سخرية (رالف إمرسون) التي قال فيها أن “الحشود وقحة، سخيفة، لا يُمكن التحكم بها، مؤذية في مطالبها وتأثيرها، ويجب على الواحد ألا، يتنازل لها عن أي شيء، ولكن موجودة لتروضها، لتشق صفوفها، لتفرقها، ولتفككها، ولتسحب الأفراد منها ولتخرجهم” اعتبر (كامو) القوى أنها التي تشوه العمل الإبداعي وتتسبب بـ”استسلام الفنان“. عن إحساس الفصل والتمزق المرتبط بعصرنا بما يُسمى “مواقع التواصل الاجتماعي“، حيث يوجد تعسف الحشود، كتب يقول:

ما يميز عصرنا بالفعل هو الطريقة التي تنفجر فيها الحشود و حالتها البائسة في الحساسية الراهنة الحديثة. نحن نعلم الآن أنها موجودة بينما كانت لدينا القابلية لنسيانها. و إذا كنا أكثر إدراكًا فإنها أصبحت أفضل ولا تخاف ولا تخشى لا بسبب الأرستقراطية، الحركة الفنية أو غيرها، ولكن لأن الحشود أصبحت أقوى وأصبحت تمنع الناس من نسيانها.

بالإضافة إلى عوامل اجتماعية أخرى تعمل تعسفية الرأي العام هذه على: “تثبيط الخلق الحر بتقويض المبدأ الأساسي و هو إيمان الفنان بنفسه“. كتب (إدوارد إستلين كامينجز) في نفس الحقبة راصدًا أهمية حماية ذلك العنصر الأساسي في نصيحته الرائعة للفنان: “أن تكون لا أحد سوى نفسك في عالم يحاول جاهدًا ليل نهار أن يجعلك كل أحد آخر عداك يعني أن تخوض غمار المعركة الأقسى الأصعب التي يمكن لأي إنسان أن يخوضها“. بعيدًا عن هذا الامتصاص لفكرة الحرية الإبداعية والشجاعة يجادل (كامو) حول نشأة الكذبة الخطيرة أن الفن ما هو إلا ترف ورفاه. فبعد حوالي عقدين من إصرار (ريبيكا ويست) في غمار الحرب العالمية الثانية على أن:” الفن ليس ألعوبة بل ضرورة… ليس قطعة زخرفية بل كوبٌ تُسكب فيه الحياة ويُقرب من الشفاه ويُذاق طعمها” اعتبر (كامو) أن ما أوصل المجتمع الحديث إلى مثل هذه الإساءة العميقة في الفهم هو جوهر الفن وغرضه:

إذا ما كيف الفن نفسه مع ما يرغب به أغلبية مجتمعنا سيصبح ترفيهًا فارغًا بلا معنى. وإذا رفض المجتمع دون تبصر، إذا ما قرر الفنان أن يلجأ إلى حلمه لن يعبر الفن عن شيء سوى الإنكار. و هكذا علينا أن نملك نتاج الترفيهين أو نتاج النحويين النظامي وفي كلتا الحالتين سيؤدي هذا إلى اجتثاث الفن عن الواقع المعاش. لحوالي قرن كنا نعيش في مجتمع ليس حتى مجتمع المال، كان يمكن أن يثير الذهب الشهوة الجسدية، ولكن مجتمع الأفكار التجريدية للمال. إذ يمكن تعريف مجتمع التجار على أنه مجتمع تختفي فيه الأشياء لصالح الدلائل. فحين تقدر وتزن الطبقة الحاكمة ثرواتها لا بفدان من الأرض ولا بسبيكة من الذهب ولكن بعدد الشخصيات التي تناسب مثاليًا عدد من عمليات التبادل، وهي بالتالي تدين نفسها لتحديدها نوعًا من الأوهام في عمق تجربتها ومحيطها. إن المجتمع المبني على الدلائل هو في جوهره مجتمع صناعي حيث تلبى فيه حاجة الرجل الجسدية الحقيقة كأنها شيء صناعي. و لا داعي للتفاجئ بأن مجتمع كهذا يختار كدين له قانونًا أخلاقيًا لمبدأ رسمي نظامي وأنه يخط الكلمات “الحرية” و”المساواة” على جدران سجونه وكذلك على معابده المالية. ولكن لا يمكنك تلطيخ شرف الكلمات دون عقاب، إذ أن أكثر قيمة شوهت وحرف معناها اليوم هي بالطبع قيمة الحرية.

مرددًا أفكار الفيلسوفة والناشطة السياسية (سيمون فايل)، التي اعتبرها (كامو) “الروح العظيمة الوحيدة في زماننا“، حول الفرق الحسم الهام بين حقوقنا ومسؤولياتنا رثى (كامو) تبعات هذا التسليع للفن والحرية:

استخدم مجتمع التجار لمئة سنة الحرية استخدامًا حصريًا و فردانيًا معتبرًا إياها حقًا لا واجبًا، ولم يخشى أن يستخدم الحرية المثالية كما يمكن غالبًا أن تكون لتبرير اضطهادات حقيقية جدًا. ونتيجةً لذلك هل من مدعاة للدهشة في حقيقة أن مجتمعًا كهذا يطلب من الفن ألا يكون أداةً لتحرير ولكن ممارسة طفيفة عديمة العواقب و ترفيهًا محضًا؟

ثم يبحث في التمثيلية الاجتماعية التي تبتلع العمل الإبداعي التي تنفخ الأنا وتقلص الفن:

إن الفن لغاية الفن أي تسلية الفنان المنعزل هو الفن الصناعي لمجتمع كاذب متصنع و أناني. والنتيجة المنطقية لنظرية كهذه هو فن الزمر أو الفن الرسمي النظامي الذي يقتات على التكلف والأفكار التجريدية و ينتهي بتدمير وإتلاف كل ما في الواقع. وعلى هذه الحال ستجذب بضعة أعمال بضع أفراد بينما تفسد عدة ابتكارات الفظة عددًا آخر، وأخيرًا سيتشكل الفن خارج المجتمع وسيجتث نفسه من جذروه الحية. وشيئًا فشيئًا سيكون الفنان وحتى ول عرف وقدر وحيدًا أو على الأقل معروفًا في بلده على محطات الإذاعة أو الصحافة متوسطة الانتشار والتي ستعرض فكرة مبسطة ومناسبة عنه. كلما تخصص الفن في الحقيقة كلما أصبح الترويج له ونشره ضرورة. وهكذا سيراود ملايين الأشخاص الإحساس بمعرفتهم لهذا الفنان العظيم في زماننا أو ذاك لأنهم عرفوا من الصحف أنه يربي طيور الكناري أو أن زواجه لم يدم أكثر من ستة أشهر. يتمثل الأكثر شهرة اليوم و ذكرًا في ما يعجب به أو يبغض دون حتى قراءته. يجب على أي فنان ينوي الشهرة في مجتمعنا أن يعرف أنه ليس هو من سيشهر ولكن شخصٌ آخر باسمه، آخر سيهرب منه في نهاية المطاف وسيقتل على الأرجح يومًا ما الفنان الحقيقي بداخله.

ومع ذلك يدين (كامو) الفصل الساذج بين الأصالة الفنية و ما يمكن أن نسميه اليوم “البيع” لمجتمع رافض تمامًا، بما في ذلك عملات المشاهير، ما هو إلا ارتكاب لنوعٍ آخر من الغطرسة التي تفصل الفن عن مواده الأولية. بشعور سيردده (بالدوين) لاحقًا بعد سنوات في تذكيره لنا بما جعل (شكسبير) أعظم شاعر في اللغة الإنجليزية وهو أنه “وجد شعره حيث يوجد الشعر: في حيوات الناس” يكتب (كامو):

نتيجة لرفض كل شيء حتى تراث فنه يتوهم الفنان المعاصر أنه يخلق قانونه الذاتي و يعد نفسه في النهاية الرب، و يظن في نفس الوقت أنه قادرٌ على خلق واقعه بنفسه. لكنه وبمنأى عن مجتمعه لن يخلق سوى أعمالٍ رسمية أو تجريدية ستكون ممتعة كتجارب لكنها مجردة من الخصوبة التي نقرنها بالفن الحقيقي المطلوب للوحدة والتضافر.

بل إن (كامو) يقول بأن على الفنان أن يتصل بواقع زمانه أو زمانها منتزعًا منه شيئًا خالدًا وعالميًا:

على الفنان فقط أن يترجم معاناة وسعادة الكل إلى لغة يفهمها الكل وسيُفهم عالميًا. وكمكافأة على إيمانه التام المؤكد بالواقع سيحقق التواصل الكامل من بين الجميع.

إن فكرة التواصل العالمي هذه مثل أعلى لأي فنان عظيم. وخلافًا للفرضية الحالية إذا كان هناك من لا حق لها بالعزلة فهو الفنان، فالفن لا يمكن أن يكون حوارًا داخليًا. حين يحتكم أشد الفنانين عزلة وأقلهم شهرة للجيل الجديد فإنه بالكاد يعيد تأكيد رسالته الأساسية. باعتبار أن الحوار مع الصم والغافلين المعاصرين مستحيل فإنه يحتكم إلى حوار أوسع نطاقًا مع الأجيال القادمة.

ولكن للحديث عن الجميع مع الجميع على الواحد أن يتحدث عما يعرفه الجميع وعن الواقع المشترك بيننا جميعًا. البحر، الأمطار، الحتمية، الرغبة، الصراع مع الموت هذه كلها أشياء موحدة بالنسبة لنا جميعًا. نحن نشبه بعضنا البعض فيما نراه معًا، وفيما نعانيه معًا. الأحلام تختلف من فرد لآخر، لكن واقع العالم مشترك بيننا جميعًا. لذلك فإن السعي للواقعية مشروع، لأنه بالأساس مرتبط بمغامرة الفنان.

على خطى زميله الموسوعي (هنري بوانكاريه) وجزمه : “أن تخلق يعني أن تختار” و تأكيدًا لقناعة (أورسولا لي جوين): “لن نكون أحرارًا إن لم نتخيل الحرية” يجادل (كامو) حول مسؤولية الفنان لتخيل بدائل أسمى وأرفع للوضع الراهن، للنظام، للواقع الحاضر:

لا يُمكن إعادة إنتاج الواقع دون ممارسة الاصطفاء… ولذا فإن الشيء الوحيد الضروري هو إيجاد مبدأ للاختيار سيمنح العالم شكلًا. ومبدأ كهذا موجود لا في الواقع الذي نعرفه لكن في الواقع الذي سيكون ببساطة المستقبل. ولإعادة الإنتاج كما ينبغي على الواحد أن يصور أيضًا ما سيكون.

[…] يختار الفنان هدفه بقدر ما يختاره هدفه. إن الفن بمعنى من معانيه هو التمرد على كل ما هو عابر وغير مكتمل في العالم. وبالتالي فإن هدفه الوحيد هو منح الواقع شكلًا آخر مع أنه غير مضطر لحفظه كمصدر لشعوره. وفي هذا الصدد جميعنا واقعيون ولا أحد منا كذلك. فالفن ليس رفضًا كاملًا ولا قبولًا تامًا لما هو عليه، إنه قبول ورفض في آن واحد، ولذلك يجب أن يكون ألمًا منفصلًا ومتجددًا على الدوام. ويعيش الفنان دومًا في حالة من الغموض، غير قادرٍ على نفي الواقع وإنكاره ومع ذلك مقيد إلى الأبد بالسؤال في جوانب أبديته غير المكتملة.

[…] سيكون العمل الأسمى دومًا هو العمل الذي يصم توازنًا بين الواقع ورفص الواحد لهذا الواقع، كل منهما يرغم الآخر على أن يطغى عليه في تدفق دؤوب، والتي هي ميزة الحياة أصلًا في أقصى حالاتها الأكثر إبهاجًا وفطرًا للقلوب. ثم وبين الفينة والأخرى يظهر عالم جديد مختلفٌ عن العالم اليومي ومع ذلك يشابهه، خاصٌ ولكن عالمي، طافحٌ بالأبرياء منعدمي الأمان مُستحدثٌ وجودهم لساعات قليلة بقوة العبقرية و حنينها. إنه كذلك وليس كذلك أيضًا هذا العالم لا شيء وهو كل شيء أيضًا، وهذا هو أيضًا تناقض كل فنان حقيقي وصرخته الدؤوبة، الصرخة التي تبقيه واقفًا على قدميه بعنين مفتوحتين و بيقظة بين الفينة والأخرى عن كل هؤلاء الغافلين عن الزوال في هذا العالم ومصرين على الصورة التي نسلم بها عن العالم دون حتى معرفته.

إن هذا التعرض بين الحاضر والمستقبل، بين ما هو كائن وبين ما يمكن أن يكون، بين المعاناة وبين تجاوز المعاناة هو التربة الخصبة للفن يكتب (كامو) فيقول:

لا يقدر الفنان على أن يشيح بنظره عن زمانه ولا أن يغوص فيه.. والرسول -دينيًا كان أو سياسيًا- يمكن أن يحكم حتمًا ولن يتورع عن ذلك كما هو معروف، لكن الفنان لا يقدر على ذلك. فإذا حكم حكمًا حتميًا سيقسم الواقع تعسفًا إلى خير وشر ومن ثم سينغمس في الميلودراما. والفن على النقيض من ذلك لا لسن التشريعات أو ليسود بسمو ولكنه للفهم قبل كل شيء، و أحيانًا يسود بسمو كنتيجة للفهم. ولكن لم يبنَ أي عمل عبقري أبدًا على الكراهية والازدراء. ولذلك فالفنان في نهاية تقدمه البطيء يغفر بدلًا من أن يدين، وبدلًا من كونه حكمًا هو مبررٌ. ودفاعه ودعوته الأزلية هي عن المخلوق الحي لأنه حي.

[…] ربما تكمن عظمة الفن في التعارض بين الجمال والألم، حب البشر و جنون الخلق، العزلة التي لا تُحتمل و الوجود المرهق بين الجموع، بين الرفض و الموافقة… على الحافة التي يسير الفنان فيها متقدمًا كل خطوة من خطواته هي مغامرة، مخاطرة شديدة. ولكن وفي تلك المخاطرة وتحديدًا في تلك المخاطرة تكمن حرية الفن.

قبل ست سنوات من تأكيد (جون كيندي) في واحد من أعظم الخطابات على أن الفنان هو صوت المجتمع الأولي لمقاومة الظلم يضيف (كامو):

حاولتُ تعريف الفن بمقتضى جوهره الحر وتوحيده حيث ينتشر الاستبداد. وبالتالي ليس مفاجئٍ أن على الفن أن يكون العدو المحدد بكل شكلٍ من أشكال القمع. ولا غرابة أنه على الفنانين والمثقفين ان يكونوا الضحية الأولى للاستبداد الحديث … يعرف الاستبداد أن في العمل الفني قوة تحريرية غامضة فقط لأولئك الذين لا يقدسونها. كل عمل عظيم يجعل وجه الإنسان أكثر تقديرًا وأغنى وهذا هو سره الكامل. ولا تكفي آلاف معسكرات الاعتقال و لا الزنازين على إخفاء شهادات الكرامة المذهلة. ولذلك ليس صحيحًا أنه يمكن اعتقال وتوقيف الثقافة ولو مؤقتًا لإفساح المجال لأخرى جديدة… لا وجود لثقافة دون إرث مهما ستكون أعمال المستقبل لأنها ستحمل كلها نفس السر: مكونة من الشجاعة والحرية، متغذية على جرأة وجسارة آلاف الفنانين من كل الأزمنة وكل الدول.


[المصدر]

ألبير كامو، وحديثه عن الشر والجهل

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”.

في روايته الشهيرة، والتي حملت عنوان (الطاعون)، تحدث في أحد الصفحات عن الخير والشر، فيقول مبتدئًا حديثه:

أميل إلى الاعتقاد بأن المبالغة في وصف أهمية الأعمال الجليلة تنتهي آخر الأمر بتكريم غير مباشر للشر. لأن في ذلك افتراضًا أنه ليس للأعمال الجليلة هذه القيمة العظيمة إلا لأنها نادرة، وأن السوء واللامبالاة أشد وأوفر تحريكًا لتصرفات الناس.

ثم يتحدث عن ارتباط الشر بالجهل، فيقول:

إن الشر القائم في الدنيا يصدر غالبًا عن الجهل، وبوسع النية الصادقة إن لم تكن نيّرة متبصّرة أن تحدِث من الأضرار مثلما يُحدِث الخبث وسوء النية. إن الناس أميَل إلى الخير منهم إلى الشراب، وليست هذه هي القضية في الحقيقة. وإنما هم يجهلون أكثر أو أقل، ومن هنا يكون ما يسمّونه فضيلة أو نقيصة، ويكون أسوأ النقائص الجهل الذي يحسب أنه يعرف كل شيء، والذي يسمح لنفسه إذ ذاك بأن يقتل. إن روح القاتل عمياء.

ويختتم حديثه المستطرد في الرواية بقوله:

وليست هناك طيبة حقيقية، ولا حب جميل، من غير أكبر حظ ممكن من التبصّر.

الكتابة عند نزار عملٌ انقلابيّ

نزار بن توفيق القباني (1342 – 1998) ديبلوماسي وشاعر سوري معاصر شهير، وُلد من أسرة دمشقية عربية عريقة إذ يعتبر جده أبو خليل القباني رائد المسرح العربي. يُخبرنا (نزار) عن الشرط الأساسي في الكتابة بقوله:

الشّرط الأساسي في كل كتابة جديدة هو الشرط الانقلابي. وهو شرط لا يمكن التساهل فيه، أو المساومة عليه. وبغير هذا الشرط، تغدو الكتابة تأليفاً لما سبق تأليفه، وشرحاً لما انتهى شرحه، ومعرفةً بما سبَق معرفته.

الكتابة الحقيقية هي نقيض النسخ، ونقيض النقل، ونقيض المحاكاة الزنكوفرافية أو الطباعيّة.
فالقصيدة الجيّدة هي النّسخة الأولى التي ليس لها نسخة ثانية سابقة لها أو لاحقة بها. يعني أنها زمان وحيد هاربٌ من كل الأزمنة. ووقت خصوصي منفصل كلياً عن الوقت العام.

القصائد الرديئة هي القصائد التي تعجز عن تكوين زمنها الخصوصي فتصبّ في الزمن العام.
وتضيع كما تضيع مياه النهر في البحر الكبير.

الكتابة هي فنّ التورّط. ولا كتابة حقيقية خارج التورّط. الكتابة ليست سجادة فارسيّة يمشي عليها الكاتب، كما يقول (جان كوكتو)، ولا مقعداً مغلفاً بـ”الأوبوسون“، ولا مخدةً من ريش العصافير تغوص رؤوسنا فيها، ولا يختاً خاصاً نتشمّس على ظهره .. ونشرب البيرة الدنماركية المثلّجة.

إن الكاتب يجب أن يظلّ في أعماقه بدوياً يتعامل مع الشمس، والملح، والعطش.
يجب أن يبقى حافيَ القدمين حتى يتحسّس حرارة الأرض، ونتوءاتها ووجع حجارتها.
يجب أن يبقى عارياً كحصان متوحّش، ورافضاً كل السّروج التي تحاول الأنظمة وضعها على ظهره.
ومتى فقد الكاتب بداوته, وتوحّشه، وقدرته على الصهيل، ومتى فتح للجام الحديدي ومنح ظهره للراكبين، تحوّل إلى “أوتوبوس حكومي” مضطر إلى الوقوف على جميع المحطات، والخضوع لصفّارة قاطع التذاكر.

ويقول:

إن الكتابة هي لعبة يوميّة مع الموت. هكذا فهم هيمنغواي الأدب. وهكذا فهمه (كافكا)، و(لوركا)، و(كامو)، و(مايا كوفسكي)، وغيرهم ممن عاشوا حياتهم وأدبهم في البرزخ الفاصل بين الحياة والموت!

وفي تحديده لموقف الكاتب إزاء مايكتب يقول:

لا يمكن أبداً أن يكون للكلمة وجهان: وجه باطني, ووجه مكشوف. ولا يُمكن أن يلبس الشاعر بذلتين: واحدة للشغل، وواحدة للحفلات العامّة.. والمناسبات.
وحين يعجز الكاتب عن إقامة التوازن بين فنّه وموقفه من العالم، فإن عليه أن ينسحب من الشعر فوراً. وهذا مافعله الشاعر الفرنسي (رامبو) حين وجد أن تجارة الرقيق التي امتهنها تتنافى مع خلفيّة الشعر، فتوقف نهائياً عن الكتابة.

 

المسؤولية في المذهب الوجودي بشروحات سارتر

سارتر

جان بول سارتر (1905-1980) هو فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي وناقد أدبي فرنسي. عُرف (سارتر) بأعماله الغزيرة، وبفلسفته الوجودية، وبالتحاقه بالحزب اليساري المتطرف. في محاضرة له قدمها في باريس عام 1945، نُشرت بعد التنقيح في كتاب حمل اسم (الوجودية منزع إنساني)، تكلم (سارتر) بإيجاز عن الملامح الأساسية للمذهب الفلسفي الوجودي الذي يتبناه.

في البداية بدأ (سارتر) بتقسيم الوجوديين إلى مدرستين رئيسيتين:

أولهما الوجوديون المسيحيون، وأذكر منهم (ياسبرس) و(غابرييل مارسيل)، ذوي العقيدة الكاثوليكية. وهناك من ناحية أخرى، الوجوديون الملحدون، وندرج ضمنهم (هايدغر) والوجوديين الفونسيين أيضًا وأنا نفسي.

أما عن الرابط بين هاتين المدرستين فيعبر عنه قائلًا:

وما يشتركون فيه هو ببساطة أنهم يعتبرون الوجود سابقًا على الماهية، وإن شئتم، أنه ينبغي الانطلاق من الذاتية.

فالماهية هي مجموعة الصفات والوصفات التي تعرِّف وتسمح بالصنع.

لدينا هاهنا إذًا رؤية تقنية للعالم نقول ضمنها أن الصنع يسبق الوجود. […] وهكذا فإن مفهوم الإنسان، عند الله مماثل تمامًا لمفهوم قاطعة الورق في ذهن صانعها ؛ فالله يخلق الإنسان تبعًا لتقنيات وتصوّر، تمامًا مثلما يصنع الحرفي قاطعة الورق طبقًا لتعريف ما وتقنية ما. فالإنسان الفرد إذًا يحقق مفهومًا معينًا موجودًا عند الإله قبل عملية الخلق.

أما عن المدرسة الأخرى فيقول:

إن الوجودية الملحدة التي أمثلها، تبدو أكثر تماسكًا. فهي تعلن أنه إذا لم يكن الله موجودًا، فيوجد على الأقل كائن يكون الوجود لديه سابقًا للماهية، كائن يوجد قبل أن يكون قابلًا للتعريف وفق أي مفهوم، وأن هذا الكائن هو الإنسان أو الواقع الإنساني كما يقول (هايدغر). ماذا يعني هنا أن الوجود سابق للماهية؟ هذا يعني أن الإنسان يوجد أولًا، يلتقي بالعالم وينبثق فيه، ثم يعرّف بعد ذلك. وإذا لم يكن الإنسان على نحو ما يتمثله الوجودي قابلًا للتعريف، فذلك لأنه لا يمثل شيئًا في المنطلق ولا يكون كذلك إلا لاحقًا، ولا يكون إلا على النحو الذي سينشئه نفسه.

وبذلك يكون التصور الوجودي هو أول مبادئ الفلسفة الوجودية:

لا يكون الإنسان على نحو ما يتصوّره عن نفسه، كما يريد، لن يكون الإنسان شيئًا آخر سوى ما ما يصنعه بنفسه بعد هذه الوثبة نحو الوجود. ذلك هو أول مبدأ للوجودية.

وبهذا، فالوجودية تضع المسؤولية كاملة للإنسان. يقول:

فإن أول مسعى للوجودية يتمثل في جعل كل إنسان متملكًا لوجوده، وتحميله المسؤولية الكاملة عن وجوده. وعندما نقول بأن الإنسان مسؤول عن ذاته، فإننا لا نريد أن نقول بأن الإنسان مسؤول عن نفسه كفرد، وإنما عن كل الناس.

فالإنسان هو الذي يختار كل أفعاله وأقواله، وعن كل ما يصيب البشر أيضًا، بذلك يتحول إلى نقطة أخرى، وهي القلق. فنتيجة المسؤولية الضخمة التي يكون الإنسان فيها، يكون القلق نتيجة إلزامية. يقول (سارتر):

إن الإنسان الذي يلتزم وينتبه إلى أنه ليس من يختار ما يكون عليه فقط، وإنما يكون مشرّعًا يختار نفسه في الوقت الذي يختار فيه الإنسانية برمّتها، لن يكون قادرًا عندها على الإفلات من الشعور بمسؤولية تامة وعميقة.

لأنه الإنسان الذي يشعر بمسؤوليته لن يرضى بالخطيئة. فعندما يقوم المخطئ عمدًا باختيار فعلٍ عن سوء نية لا يستشعر أنه بفعلته هذه يضفي إلى الخطيئة المعنية قيمةً كونية. ولكن أليس هذا القلق الكبير مثبطًا ضد الفعل؟ ألن يشعر الجميع بمسؤولية كبيرة تمنعهم من القيام بواجباتهم اليومية؟ يقول مجيبًا:

ولا يتعلق القلق هنا بقلق يقود الدعة والجمود، وإنما هو قلق بسيط يعرفه كل من اضطلع بمسؤوليات.