أرشيف الوسم: ألبير كامو

ألبير كامو، وأحاديثه عن ثنائية الحب والموت

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. انتقينا لكم هنا من مذكراته أفكاره حول ثنائية الحب والموت، علنا بذلك نصل إلى صورة كاملة عن نظرته الفريدة. يقول (كامو) في بداية أحاديثه:

لو كان عليّ تأليف كتاب عن الأخلاق، لجعلته من ١٠٠ صفحة، ٩٩ منها بيضاء. وكتبت في الأخيرة: “لا أعرف سوى واجب واحد، ألا وهو الحب”. [١٩٣٧]
فحالة الحب، كما يقول، تساعد المرء على المضي في حياته ضد اليأس، والعالم العبثي برأيه:
يجب أن يكون لدى المرء حُب – حب كبير في حياته، لأنه ضد حالات اليأس غير المبرر التي تضنينا. [١٩٣٧]
فهذا العالم العبثي، ليس له أي حقيقة، وكل من يعتقد بأنه وصل إلى الحقيقة، فهو واهم:
بؤس هذا العالم وعظمته، في كونه لا يهب الحقائق أبدًا، وإنما الحب. فالعبثية تسود، والحب ينقذنا منها. [١٩٣٨]
الغرور الفريد للإنسان الذي يود أن يقنعنا، ويقنع ذاته، في أنه يطمح إلى الحقيقة، بينما هو يطالب العالم بشيء من الحب والتقدير. [١٩٣٨]
ومن تلك النقطة ينطلق إلى ثنائية الحب والموت، فكلاهما ضروري لتعريف الآخر:
في لحظة ما، سنفقد الإحساس بمشاعر الحب. فلا يبقى إلا ما هو مأساوي. والعيش من أجل شخص ما، أو فكرة ما، يفقده معناه. فلا نجد من معنى إلا لفكرة الموت من أجل شيء ما. [١٩٤١]
الموت هو ما يعطي للحب شكله مثلما يعطي للحياة شكلها، محوّلًا كل ذلك إلى قدر. فإذا ماتت المرأة التي تحبها فحبك لها سيبقى ثابتًا إلى الأبد، ولولا تلك النهاية لتلاشى. ولولا الموت لكانت الحياة سلسلة من الأشكال المتلاشية، والمبعثة هربًا وقلقًا. ولحسن الحظ، هناك ما هو ثابت، الموت. [١٩٤١]
ويصل بذلك إلى نقطة يلخص فيها نظرته بين المعرفة والحب:
الحب، والمعرفة، مترادفتان للمعنى ذاته. [١٩٤١]
ثم ينتقل إلى الأخلاق وعلاقتها بالحب، فيقول:
لا يمكن المحافظة على مشاعر الحب، إلا لأسباب خارجية. كالأخلاق مثلًا. [١٩٤٣]
فالأخلاق ضرورة للحفاظ على المشاعر. والحب هو الآخر ضرورة أخلاقية:
علينا أن نلتقي بالحب، قبل أن نلتقي بالأخلاق، وإلا تمزق الأخير. [١٩٤٩]
وفي النهاية، فالحب سبب رئيسي للحياة ومعناها، وللفن والإبداع أيضًا:
لا اكتمال من غير حب، أي التخلي عن الذات والموت في العالم، حتى النهاية. في حالة الذوبان في الحب، ستكون قوة الحب هي ما يبدع، ليس أنا. [١٩٥٠]
من غير المنطقي في الحب، أن نرغب في تسريع أيامنا وتبديدها. وكأننا هكذا نرغب بالاقتراب من النهاية، ويلتقي بذلك الحب مع الموت. [١٩٥٠]
يقتبس بعد ذلك مقولة للفنان الشهير (فان كوخ):
يقول (فان كوخ): “إذا ما استمررنا في الحب بإخلاص، لكل ما هو جدير بالحب، ولم نهدر مشاعرنا على ما هو سخيف وتافه وغير ممتع، سنحيى -نتاجًا لذلك- في النور، ونصبح أكثر قوة”.
 ويعقب قائلًا:
من لا يعطِ شيًئا، لا يحصل على شيئ. ليس الشقاء الأكبر ألا تكون محبوبًا، وإنما ألا تحب. [١٩٥٢]
فالحب عطاء، لا يتعلق بالآخر، وإنما بقدرتنا على الحب:
حب لا يحتمل مواجهة الواقع ليس حُبًا. وإذًا، فعدم القدرة على الحب هو امتياز خاص بالقلوب النبيلة. [١٩٣٩]
لا أحد يستحق الحب، لا أحد على مستوى هذه الهبة غير المحدودة. [١٩٥٣]

أحاديث كامو حول الحرية والسياسة

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. انتقينا لكم هنا من مذكراته كل ما يتعلق بالسياسة والأحزاب السياسية، وكل ما يدور حول الحرية والعدالة، علنا بذلك نصل إلى صورة كاملة عن نظرته الفريدة. يقول (كامو) في بداية أحاديثه:

يؤاخذني البعض على كتاباتي التي تطرق للجانب السياسي. ما يعنونه حقًا ؛ أنهم يريدونني أن أتناول حياة الأحزاب السياسية. لكنني أنا لا أتناول إلا حياة الفرد الإنسان في مواجهته لآلة الدولة. وأنا أعي جدًا ما أكتب. [١٩٤٧]

ثم يقول عن الخطابات السياسية:

في كل مرة أستمع فيها إلى خطاب سياسيًا، أو أقرأ فيها تصريحًا لأحد قادتنا، ينتابني شعور بالخوف، لعدم سماعي ما ينبئ بأن تلك الأصوات بشرية بعد. هي دومًا ذات الكلمات التي تضمر ذات الأكاذيب. تهدف إلى أن يعتادها الناس، وألا يكفوا عن كونهم مجرد دمىً متحركة، وهذا هو الدليل -بنظري- على أن البشر لا يولون أي اهتمام لحكوماتهم، إنهم فقط يقامرون، أجل يقامرون حقًا على الوجه السياسي القادم، مضحين بجزء كامل من حياتهم، ومن مصالحهم الحياتية على حد قولهم. [١٩٣٧]

ثم يصف السياسيين بعد ذلك قائلًا:

إن السياسة ومصير البشر، صنيعة أناس لا مُثل لهم، ولا عَظمة تُترتجى فيهم. فالعظماء حقًا لا يتعاطون السياسة. هكذا هي الحال. لكن المسألة تتعلق الآن ببعث الإنسان فينا من جديد ؛ بجعل كل الأناس الفاعلين أناسَ مُثل وشعراء صناعيين ؛ بأن نعيش أحلامنا وأن نحققها. كنا سابقًا نتخلى عن أحلامنا أو نتوه فيها، والمفترض ألا نتوه فيها ولا نتخلى عنها. [١٩٣٨]

أما الأحزاب السياسية فيقول عنها:

إن الحزب السياسي ينفي الاختيار الحر لدى الفرد، وفي نفس الوقت، يطالبه بالتخلي الإرادي عن حريته في الاختيار. كأن ينفي حرية الفرد في الاختيار بين حَلَّين، وفي ذات الوقت، يطالبه بالاختيار الأفضل بنظرب الحزب. كأن ينفي قدرة المرء على التمييز بين الخير والشر، ويخاطبه أيضًا بنبرة مثيرة للشفقة عن الشعور بالذنب والخيانة. [١٩٤٦]

وأخيرًا يتحدث عن الحضارة المدنية الحديثة:

من خلال القضاء على جمال الطبيعة، وتغطيته بمساحات شاسعة من النفايات الصناعية. ولّدت الحضارة الحديثة حاجاتٍ اصطناعية واستحثتها. فجعلت معيشة الفقراء وتحملها مستحيلين. [١٩٦٥]

هذه الحضارة اصطنعت مجدًا مبنيًا على المتعة لفئة قليلة، على حساب الكثير:

البلدان التي تؤوي الجمال هي الأصعب في الدفاع عنها، لشدة رغبتنا في تحييدها. وبالتالي فعلى الشعوب الفنانة أن تكون الضحية المفضلة للشعوب الجاحدة. حتى لو لم يكن حب الحرية مقدمًا على حب الجمال في قلوب البشر. إنها حكمة غريزية، لأن الحرية هي مصدر الجمال. [١٩٤٣]

لا تنفصل السلطة عن الظلم. السلطة الجيدة هي الإدارة السليمة والحذرة للظلم. [١٩٥٨]

ينبغي للشهداء أن يختاروا بين أن يتم نسيانهم أو استغلالهم. [١٩٥٣]

فقد وُجدت الحضارة الحديثة على المتعة البشرية المحضة، وتلبية لرغباتها:

انحطاط الحضارة: رغبة الإنسان بالثروة. عمى! [١٩٣٦]

لا وقت لدينا لأن نبحث عن ذواتنا. لا وقت لدينا إلا لأن نكون سعداء. [١٩٣٧]

لا تكمن الحضارة في ارتفاع درجة الرفاهية. وإنما في الوعي المشترك لكامل الشعب. وهذا الوعي ليس رفاهية. [١٩٣٦]

ما الحل إذًا في مواجهة هذه الحالة القبيحة ؟

الثورة أمرٌ جيد، وإنما لماذا؟ يجب أن تكون لدينا فكرة واضحة عن الحضارة التي نريد ابتكارها. إن القضاء على المُلكية والرغبة بالثروة ليست هدفًا .. إنما وسيلة. [١٩٥٦]

يقول مجيبًا على هذا السؤال، بتعريف بسيط للثقافة:

الثقافة: صرخة البشر أمام قدرهم. [١٩٣٦]

يفصل بعد ذلك في الثقافة والفكر قائلًا:

الفكر متقدمٌ دائمًا. فهو ينظر إلى ما هو أبعد من هذا الجسد المتفاني في الحاضر فقط. إلغاء الرجاء هو إعادة الفكر إلى الجسد. وعلى الجسد أن يفنى. [١٩٣٨]

العفة في الفكر، هي منع الرغبات من الضلال، والفكر من التشتت. [١٩٤٠]

كلما كان الإنسان عظيمًا أكثر، كانت الفلسفة أصدق. [١٩٣٧]

وعن حالة الثقافة الحالية، وحال المثقفين في عصر المادة الذي نعيشه:

الحاجة لأن نكون على حق دائمًا، تلك هي سمة النفس المبتذلة. [١٩٣٦]

ويتبع كلماته قائلًا:

نحن نحيا في عالمٍ عليك الاختيار فيه بين أن تكون ضحية للجلاد أو جلادًا، وما من خيار آخر. ليس هذا الخيار سهلًا. إذ لطالما بدا لي أنه لا يوجد جلادون في الحقيقة، وإنما فقط ضحايا. في نهاية المطاف طبعًا. لكنها حقيقة غير منتشرة. لدي ميل قوي إلى الحرية، وبالنسبة إلى كل مثقف، تتماهى الحرية في نهاية المطاف مع حرية التعبير. لكني مدرك تمامًا أن هذا الهاجس ليس الشاغل الأول لشريحة كبيرة جدًا من الأوروبيين، فالعدالة وحدها كفيلة بمنحهم الحد المادي الأدنى الذي يحتاجونه، ولأنهم، عن خطأ أو عن صواب، قد يضحون عن طيب خاطر بالحرية من أجل تلك العدالة الأساسية. أني مدرك لذلك منذ زمن بعيد. وإن كان الدفاع عن التوفيق ما بين العدالة والحرية ضروريًا، فلأن الأمل الأخير للغرب يكمن ها هنا برأيي. بيد أن التوفيق هذا لا يمكن أن يتحقق إلا في مناخ معيّن يظهر لي اليوم غير بعيد عن الطوبائية.

فهل ينبغي التضحية بواحدة أو بأخرى من هاتين القيمتين؟ ما الذي يجب تفكيره؟ يتأتى الأمر كله عن كون المكلفين بالكلام عن الشعب لا يملكون ولم يملكوا أبدًا هاجس الحرية الحقيقي. وهم يفاخرون بكونهم عكس ذلك حتى عندما يكونون صادقين. إنما يكفي هاجس بسيط .. وبالتالي، فإن أولئك الذين سيعيشون مع هذا الهاجس، وهم ندرة، أن يهلكوا ذات يوم (هناك عدة سبل للموت بهذا الصدد). وإذا ما كانوا فخورين، فهم لن يفعلوا ما لم يكونوا قد ناضلوا. ولكن، كيف لهم أن يناضلوا ضد إخوتهم والعدالة بأكملها؟ هم سوف يشهدون، هذا بكل ما في الأمر. ونحن سنتفرج كل ألفي عام على تكرار التضحية بـ(سقراط). [١٩٤٥]

ليست الحرية سوى أمنية بعض النفوس. العدالة أمنية الأكثرية، والأكثرية تخلط ما بين الحرية والعدالة. لكن، سؤال: هل تساوي العدالة المطلقة السعادة المطلقة؟ نصل إلى تلك الفكرة القائلة بوجوب الاختيار ما بين التضحية بالحرية من أجل العدالة، أو بالعدالة من أجل الحرية. بالنسبة إلى الفنان، يوازي الأمر في بعض الظروف، الاختيار ما بين فنه وسعادة البشر. أيستطيع الإنسان وحده ابتكار قيمه الخاصة؟ تلك هي المعضلة كلها، [١٩٤٣]

يجب التفريق أولًا ما بين العدالة والحرية، فالهدف الذي يجب أن نصبو إليه هو الحرية أولًا وأخيرًا:

تخلو السياسة من المشاعر. فالمساواة هي عدوة الحرية أحيانًا. في اليونان، كان هناك رجال أحرار بسبب وجود العبيد. [١٩٤١]

ويقول نهاية في كلمتين بسيطتين:

ليست الحرية هي أمل المستقبل. وإنما الحاضر والتوافق مع الكائنات والعالم في الحاضر. [١٩٥٦]

ليست الديموقراطية حكم الأكثرية، ورنما حماية الأقلية. [١٩٥٩]

فالواجب علينا في مواجهة هذا العالم البشع، أن نبحث عن حريتنا أكثر. وأن نخلق مجالًا حرًا يرقى بنا، وبفكرنا وفلسفتنا، كما يعبر الفيلسوف (ألبير كامو) عن ذلك.

الفنون والأعمال الأدبية عند ألبير كامو

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. انتقينا لكم هنا من مذكراته كل ما يتعلق بالفنون والكتابة والأعمال الفنية، علنا بذلك نصل إلى صورة كاملة عن نظرته الفريدة. يقول (كامو) في بداية أحاديثه عن الفن:

الاعتراف ضرورة لمواجهة تأنيب الضمير، ينبغي الإقرار بذلك. ليس لدي الكثير لأقوله، سوى أنني لامست حياة الفقر، بين كل المتعجرفين والمتواضعين، لامست فعلًا  ما يبدو لي بأنه معنى الحياة الحقيقي. الفن بالنسبة لي ليس كل المعنى الحقيقي، ولكنه على الأقل وسيلة للوصول. [١٩٣٥]

 

فالفن هو وسيلة الوصول إلى المعرفة، وإلى معنى الحياة، كما يقول، وكما يؤكد ذلك في مقولة أخرى:

لا توجد معرفة نقية شاملة، أي نزيهة، مترفعة. الفن هو محاولة لمعرفة نقية، من خلال التفاصيل. [١٩٤٣]

فالفن إذًا يخلق معرفة كاملة للحياة من خلال تدعيم التفاصيل، حتى تتراكم مع بعضها البعض. يقول بعد ذلك:
والفنانون وحدهم هم المحسنون إلى هذا العالم. [١٩٤٣]
فمن مبررات الفن برأيه:
إن العمل الفني الحقيقي مُعينٌ على الصدق، إنه يعزز التواطؤ فيما بينهم. [١٩٤٤]
ومن هذا ينساق تعريفه للفنان، ووظيفته:
الفنان هو المكلف بالوعظ في عالمٍ ما عاد يؤمن بالخطيئة. وكما أن كلمات الكهنة كانت تستمد قوتها من وجود الأنموذج، فالفنان أيضًا يحاول أن يكون هو أنموذجًا. ولذا فتجده يُعدم تارة بالرصاص، أو يُرمى إلى معسكرات الاعتقال، وسط دهشته مما يحدث له. المعركة غير متكافئة، فالتعوّد على الفضيلة يستهلك وقتًا أكثر مما يستهلكه تعلم استخدام الأسلحة. [١٩٤٨]
ثم يصف العالم الحديث فيقول:
بعد القضاء على الجمال الطبيعي، وبعد ردم المساحات الشاسعة بالنفايات الصناعية، وُلدت الحضارة الصناعية، ووُلّدت الحاجات الاصطناعية وتم استحداثها. مما جعل الفقر وتحمله مستحيلين. [١٩٥٦]
ويقول في موضع آخر:
يحاول الفن الحديث أن يسترجع الغرض من وجوده، بعدما نسي الطبيعة. فهو الآن يعيد صناعة الطبيعة، وهو أمر ضروري لأنهم نسوها. عندما ينتهون من صناعة الطبيعة، قد تكون هناك سنوات فنية عظمى. [١٩٤٨]
أما الآن، فحتى المغامرين:
.. لديهم شعور واضح بأنه لا يوجد ما يمكن تقديمه للفن. لا شيء عظيم أو جديد ممكن، في ثقافة الغرب هذه على الأقل. لم يتبقَ سوى التطبيق. لكن أولئك المتمتعين بأرواح عظيمة لن يشاركوا في هذا التطبيق إلا بيأس. [١٩٣٥]
ويقول أيضًا:
إن هدف العمل الأدبي هو خلق الأشكال لكل ما لا يملك شكلًا. لا وجود للإبداع في ذلك، وإنما هو تصحيح للمفاهيم. من هنا تكمن أهمية الشكل. [١٩٤٧]
بما أننا لا نفكر إلا من خلال الصور، فإذا أردت أن تكون فيلسوفًا، فاكتب رواية. [١٩٣٥]
أن تكتب هو أن تفقد الاهتمام. الفن هو نوعٌ من التخلّي. [١٩٣٥]
 ثم يورد بعد ذلك بعضًا من النصائح للفنانين والكُتّاب. فيقول مثلًا:
إن أول ما على الكاتب تعمله، هو فن نقل وتحويل ما يشعره، إلى ما يريد الإشعار به. في المرات الأولى، قد ينجح ذلك مصادفةً، ولكن بعد ذلك ينبغي على الموهبة أن تحل محل المصادفة. هناك شيء من الحظ في أصل النبوغ. [١٩٤٢]
ويقول ناصحًا في موضع آخر:
كريهٌ هو الكاتب الذي يحكي ويستغل ما لم يعِش أبدًا. لا أقول بأن القاتل هو أفضل من يحكي عن الجريمة (بالرغم من أن ذلك قد يكون صحيحًا). ينبغي تصوّر مسافة ما بين الخلق والفعل. فالفنان الحقيقي يقف في منتصف المسافة بين مخيلته وأفعاله. وهو القادر على أن يكون هو ما يصف، وأن يعيش ما يكتب. الفعل وحده هو ما يُحِدّه، وقد يكون هو الفاعل أحيانًا. [١٩٤٢]
ويقول أيضًا:
لا يموت الأدب بشدة توجيهه لخدمة الأفكار، وإنما لانقطاعه عن الآداب الأخرى، فكل فنان لا يكون منفتحًا على ما سبقه، هو فنان مقطوع. [١٩٥٤]
أما نصيحته الذهبية فتقول:
لكي نكتب، علينا أن نرضى بالقليل من التعبيرات. الثرثرة ممنوعة في جميع الأحوال. [١٩٣٨]
يشرح ذلك فيقول:
التحفة الفنية الحقيقية هي التي تقول الأقل. توجد علاقة ما بين التجربة العامة للفنان (فكره وحياته)، والعمل الذي يعكس هذه التجربة. ستكون هذه العلاقة سيئة إذا ما قام العمل الفني بنقل كامل التجربة، مع تذييلها بشيء من الأدب. وستكون في حالٍ جيدة إذا ما كان العمل الفني مقتطع من التجربة، كمثل الألماس نختصره في بريقه. في الحالة الأولى، هناك حشو وأدب. أما الثانية فهي عمل مثمر بسبب الدلالة الضمنية الكاملة لتجربة نحرز ثراءها.
المسألة هي اكتساب معرفة التصرف التي تتخطى القدرة على الكتابة. وفي النهاية، الفنان العظيم هو قبل كل شيء محب للحياة متمتع بالعيش. [١٩٣٨]
ويقسم بذلك الأعمل الأدبية إلى قسمين:
التوفيق بين العمل الأدبي الذي يصف والعمل الأدبي الذي يشرح. منح الوصف معناه الحقيقي. حين يكون وحده، يكون الوصف رائعًا لكنه لا يحصد شيئًا. يكفي إذًا أن نلمح إلى أن حدودنا موضوعة عمدًا، هكذا تختفي ويظهر العمل. [١٩٣٩]
ويقول عن الحكمة في الفن التشكيلي:
الفن التشكيلي يختار. إنه يعزل وهذه هي طريقته الوحيدة في التوحيد. المنظر يعزل في الفضاء، ما يضيع بشكل طبيعي في المنظور. فرسم المناظر يعزل في الزمن، الحركة التي تضيع عادة في حركة أخرى. الرسامون الكبار هم الذين يعطون الانطباع بأن المنظر قد جُمد لتوه، كما لو أن أداة عرض العرض قد توقفت بشكل لحظي. [١٩٤٧]
وباختصار:
في الفن، لا ينبغي الخوف أبدًا من المبالغة .. إنما على المبالغة أن تكون مستمرة. متناسقة مع بعضها. [١٩٤٢]
ولكن، ماذا عن مقولته بأن: “الفنان العظيم هو قبل كل شيء محب للحياة متمتع بالعيش” ؟ يقول:
إن مضاعفة السعادة في حياة إنسان هي إطالة المأساوي في شهادته. على التحفة الفنية المأساوية فعلًا  (إذا ما اعتبرناها شهادة فعلًا) أن تكون نتاج الإنسان السعيد. ذلك يعني أن الموت هو ما سيملي هذه التحفة الفنية بأكملها. [١٩٣٨]
كل هذا لا يتعارض إذا ما شرحه بقولته:
الفنان التراجيدي ليس متشائمًا. فهو يتقبل كل ما هو إشكالي وفظيع. [١٩٣٩]
ويقول أيضًا:
يخضع المبدع بشكل أساسي للمتعة. [١٩٥٤]
ويحكي قصة أخيرة في الختام:
ذهب فنان تشكيلي إلى بورت – كروس لكي يرسم. كل شيء هناك فائق الجمال لدرجة أنه اشترى منزلًا، وضع لوحاته جانبًا، وما عاد مسّها. [١٩٣٩]
وختامًا ؛ يقول (ألبير كامو):
الجمال هو الحرية الكاملة. [١٩٥٤]

رسالة ألبير كامو لمعلمه بعد فوزه بجائزة نوبل

Albert Camus

بعد فوزه بجائزة نوبل ، فكر الفيلسوف ألبير كامو ( نوفمبر 1913 – يناير 1960 ) بشكر والدته أولا و معلمه في المرحلة الإبتدائية ثانيا. فكتب كامو رسالة الشكر و العرفان هذه لمعلمه لويس جيرمين ، و الذي إهتم  به و رعاه في طفولته و وجّهه على الطريق الذي قاده في نهاية المطاف لأن يصبح الكاتب ذو الصيت و الإحترام العالمي ، و الذي حازت أعماله و رواياته على

جوائز عدة.

و قد فاز ألبير كامو بجائزة نوبل للأدب عام 1957 عن كتابه الشهير (الغريب) .و قد فاز بالجائزة في نفس العام الذي نشر فيه مقاله ” تأملات في المقصلة ” .

و يُعرف كامو بأنه أحد أبرز الفلاسفة و الكتاب الوجوديين ، رغم أنه يبغض هذا المصطلح. و قد ذكر ذك في أحد المقابلات الشخصية معه : ” لا ، لست وجوديًا. أنا و سارتر دائما ما تفاجئنا بإرتباط إسمينا معًا. لدرجة أننا فكرنا في نشر بيان قصير نعلن فيه أنه لا شئ مشترك بيننا البتة ! “

و هنا نص الرسالة:

19 نوفمبر 1957

 عزيزي سيد جيرمين

سمحت لشعوري الغامر أن يهدأ قبل أنا أحدثك من صميم قلبي. فلقد نلت شرفًا عظيما جدا ، شرفٌ لم أبتغيه ولم أطمح له.

لكنني عندما علمت بخبر فوزي بالجائزة ، أول ما خطر على ذهني ، بعد والدتي ، هو أنت. فلولاك ، ولولا هذه اليد العطوف التي مددتها لذلك الطفل المسكين الذي كنته ، و لولا تعاليمك ولولا وجودك كقدوة ، لم يكن كل هذا ليحدث.

لا أحصل على هذا شرف عظيم كهذا دائما. لكنني أريد أن أستغل هذه الفرصة الآن لأعبر عن مكانتك لدي سابقا و حاليا ، و أؤكد لك أن جهودك ، و عملك ،  و تفانيك ما زال يعيش في أحد تلاميذك الصغار. الذين و برغم كل هذه السنين ، لم يتوقفوا عن كونهم تلاميذك المدينين لك.

أعانقك بكل قلبي.

ألبير كامو