أرشيف الوسم: أمريكا اللاتينية

الحاجة إلى الكتابة الأدبية عند يوسا

يوسا

ماريو باراغاس يوسا، هو روائي وصحفي وسياسي بيروفي، من مواليد عام 1936، حاصل على جائزة نوبل للآداب في عام 2010، إضافة إلى العديد من الجوائز الأدبية، من أشهرها حصوله على جائزة ثيرفانتس للآداب عام 1994، والتي تعد أهم جائزة للآداب الاسبانية.

في كتابه (رسائل إلى روائي شاب)، والذي يضم عدة تأملات في عالم الرواية والسرد، نشرها كرسائل قصيرة إلى الروائيين الشباب، يتسائل (يوسا) عما يمثل نقطة الانطلاق في ميل الكاتب، واستعداده لاختلاق كائنات وحكايات خارجة عن العالم الواقعي. فيقول:

أظن الجواب هو: التمرد.

فأنا مقتنع بأن من يستسلم لنسج حيوات من الخيال، مختلفة عن تلك التي يعيشها في الواقع، يعلن بهذه الطريقة بطريقة غير المباشرة، عن رفضه وانتقاده للحياة، كما هي عليه، أي للعالم الواقعي، ويعرب عن رغبته في استبدالها بتلك الحياة التي يصطنعها بمخيلته ورغباته. وإلا، لماذا يكرس وقته لأمر سريع التلاشي وشديد الوهمية -خلق وقائع مختلقة- من هو راضٍ، في أعماقه، عن العالم الواقعي، وعن الحياة، مثلما يعيشها؟ حسن: من يتمرد ضد هذه الأخيرة، مستخدمًا وسيلة إبداع حياة أخرى وأناس آخرين، يمكنه عمل ذلك بمبررات لا حصر لها: إيثارية غيريّة أو شائنة، مريمة أو دنيئة، معقدة أو مبتذلة. طبيعة هذا الطرح الجوهري للواقع الواقعي الذي ينبض، في رأيي، في أعماق كل ميل لدى كاتب قصص لا تهم في شيء. فما يهم هو أن يكون هذا الرفض راديكاليًا، بحيث يغذي الحماسة، لخوض هذه العملية -شديدة الكيخوتية إلى حد إشهار رمح ضد طواحين الهواء- التي تتلخص في استبدال وهمي، لعالم الحياة المعيشة الملموس والموضوي، بعالم التخييل المرهف والعابر.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أن هذه العملية وهمية، إلا أنها تتحقق بطريقة ذاتية، ومجازية، وغير تاريخية، وتتوصل إلى إحداث تأثيرات طويلة النفس في العالم الواقعي، أي في حياة الناس الذين هم من لحم ودم.

ثم يكمل بعد ذلك قائلًا:

هذا التعارض مع الواقع، الذي هو المبرر السري لوجود الأدب -لوجود الميل الأدبي- يفرض على هذا [الأدب] أن يقدم لنا شهادة فريدة، حول فترة معينة. فالحياة التي تصفها قصص التخيل -وخصوصً أكثرها اتقانًا- ليست هي، على الإطلاق، تلك التي عاشها حقًا من ابتكروها، وكتبوها، وقرؤوها، واحتفلوا بها: وإنما التخيل الذي كان عليهم أن يختلقوه بصورة مصطنعة، لأنهم لم يستطيعوا أن يعيشوه في الواقع. ولهذا ارتضوا أن يعيشوه، فقط، بالطريقة غير المباشرة والذاتية التي تعاش بها هذه الحياة الأخرى: حياة الأحلام والتخيلات. فالتخيل هو أكذوبة تخفي حقيقة عميقة؛ إنه الحياة التي لم تكن .. الحياة التي أراد رجال ونساء حقبة معينة امتلاكها، ولم يحصلوا عليها؛ ولهذا كان عليهم اختلاقها. إنه ليس صورة التاريخ، بل هو أقرب لأن يكون وجهه النقيض، أو عكسه. إنه ذلك الذي لم يحدث. ولهذا السبب تحديدًا، كان لا بد من إبداعه بالمخيلة والكلمات، من أجل إخماد الطموحات التي عجزت الحياة الحقيقة عن إشباعها، ومن أجل ملء الفجوات التي يكتشفها الرجال والنساء فيما حولهم، ويحاولون أن يملؤوها بأشباح يصنعونها بأنفسهم.

أما عن آثار هذا النوع من الكتابة على الحياة الواقعية، فيقول:

ومع ذلك فإن لعبة الأدب ليست من النوع غير المؤذي. فالخيال الذي هو نتاج عدم رضى حميم ضد الحياة، كما هي عليه، هو أيضًا مصدر استياء وعدم رضى. لأن من يعيش، من خلال القراءة، وهمًا كبيرًا. يعود إلى الحياة الواقعية بحساسية أكثر تيقظًا بكثير، حيال محدوديتها ونقائصها، عارفًا من خلال تلك الروايات التخيلية العظيمة، أن العالم الواقعي، والحياة المعيشة، هما أكثر مصداقية بكثير من الحياة التي اختلقها الروائيون. هذا القلق، في مواجهة العالم الواقعي، الذي يثيره الأدب الجديد في النفوس، يمكن له، في ظروف معينة، أن يُترجم أيضًا إلى موقف تمرد في مواجهة السلطة، أو المؤسسات، أو المعتقدات السائدة.

ويقول في موضع آخر:

فاختلاق القصص المتخيلة هو، تحت مظهره المسالم، طريقة لممارسة الحرية، والاحتجاج ضد من يريدون إلغاءها، سواء أكانوا متدينين أم علمانيين. وهذا هو السبب الذي دفع جميع الديكتاتوريات -الفاشية أو الشيوعية أو الأنظمة الأصولية أو الاستبدادية الطغاة العسكريين الأفارقة أو الأمريكيين اللاتينيين- إلى محاولة التحكم بالأدب، فارضين عليه قميص “الرقابة” الجبري.

موسيقى المارياتشي، صبغة عشق وفرح

Mariachi

الموسيقى تصبغك جمال وجلال في جميع الأحوال وتستشف المشاعرالإنسانية بوضوح، فكما أن الموسيقى تستطيع أن تحكي الحزن وتفاصيله، فهي تصيغ الفرح وتحتويه وعرف عن موسيقى المارياتشي المكسيكية هذه الميزة فقد خلقت لتعلن عن زفاف العشاق وفرحتهم في ساحة غاريبالدي في مدينة مكسيكو .

اختلف في تسمية مرياتشي حيث قيل أنها من “مارياج” وأنها انحدرت من اللغة الفرنسية ومعناها الزواج، وقال آخرين أنها تعني بالمكسيكية مجموعة من الموسيقين الشعبيين أو المكان الذي يرقص فيه في الهواء الطلق، فقد قال الأستاذ محمد الخطابي عنها :

يشير بعض العلماء المختصّين فى تاريخ الموسيقى المكسيكية أنه عثر على وثيقتين سابقتين لتاريخ 1860 وهو تاريخ دخول الفرنسيين إلى المكسيك مستغلّين إنشغال أمريكا الشمالية بحربها الأهلية ،وترد فى هاتين الوثيقتين كلمة “مارياتشي” ممّا يؤكّد حسب رأيهم انّ هذا المصطلح كان له وجود قبل دخول الفرنسيين للمكسيك ، ويذهبون أيضا أنّ لهذه الكلمة عدّة معان عندهم فهي تعني مجموعة من الموسيقيين الشعبيين ، كما أنها تعني المكان الذي يرقص فيه فى الهواء الطلق ، ويزعم هؤلاء كذلك انّ كلمة مارياتشي تعني إسم شجرة ، ثم أصبحت تعني هؤلاء الذين يتجوّلون أو يهيمون على أنفسهم فى القرى،والضيع، والمداشر، والبوادي وهم يشيعون الفرح والحبور فى قلوب المنكوبين أو المهمومين .

لكل موسيقى صفة معينة وتأخذ هذه الموسيقى حيزها من الجمال وغالبا الموسيقى تحكي بين طيات حكاياها قصص شعوب قد هاجرت من أماكن مختلفة حتى استقرت في وطن واحد، وهنا حين نتحدث عن المارياتشي فنحن بذلك نتحدث عن المكسيك وكم المهاجرين الذين انتقلوا إليها ومنهم كثيرين كانوا في الأندلس لذا نلحظ الكثير من التفاصيل المشتركة بينهم ومنها الموسيقى إلا أن موسيقى المارياتشي تطورت وأصبحت ذات ملامح مستقلة، ويعرف أنها تناقلتها الأجيال بالممارسة من جيل لجيل فليس هناك أكاديميات تخرج عازفي المارياتشي إلا حديثاً فيقول الأستاذ محمد الخطابي :

عرفت المكسيك هجرات متوالية فى فترات متواليىة من تاريخها الطويل، وقد حملت هذه الهجرات على إختلافها معها العديد من العادات والتقاليد والمظاهر الثقافية والحضارية والفنية واللغوية والموسيقية وسواها، ويتغنّى المارياتشي المحترف بمقطوعات شعرية جميلة من الفولكلور الشعبي المكسيكي ، كما انّ هناك نوعا آخر ليس له طابع خاص مميّز على أنه يلجأ إلى التقليد حسب المناسبات والظروف فيتغنّون بمقطوعات مارياتشي الأرياف والمدن على حد سواء وغايتهم من ذلك هو كسب قوت العيش وإرضاء جميع الاذواق. وهناك أسماء فرق يربو عمرها على ازيد من قرن من الزمان حيث يحل الأبناء محل الآباء ثم الأحفاد وهكذا ، فيغدو بالتالي هذا الفن متوارثا بين الاسرة الواحدة .وأقدم فرقة من هذا القبيل أسّسها ” غاسبار برقاش”عام 1898 (ويلاحظ أصل هذا الإسم الأندلسي الأمازيغي الذي ما زال موجودا ومنتشرا فى المغرب والأندلس حتى اليوم) وما زالت هذه الفرقة التي تحمل إسم مؤسّسها وهي من أشهر واكبر وأغلى فرق المارياتشي فى المكسيك . وفى عام 1921 تولّى رئاسة هذه الفرقة النجل الأكبر للسيّد برقاش أو بركاش سيلفيستري -الذي مثلما قام ” زرياب” عند وصوله إلى الأندلس بزيادة وتر خامس إلى العود – عمل برقاش على زيادة آلات موسيقية جديدة مستحدثة إلى هذه الفرقة وهي البوق أو النفير حيث غلبت هذه الآلة الموسيقية على الآلة التقليدية فى هذه الفرق وهي آلة “الفيولين” التي كانت تعتبر الأداة الرئيسية عند المارياتشي إلى جانب أدوات أخرى وتريّة وآلات النقر والنفخ.

موسيقى المارياتشي تتميز بأن أفراد فرقتها يرتدون الزي المكسيكي المزركش ذات القبعات الخسف الكبيرة فهي مميزة بطابعها الشعبي الذي لايزال حتى الآن، فقد قال الأستاذ الخطابي :

هناك أنواع عديدة من فرق المارياتشي، وهم يتباينون فى أزيائهم حيث تكون غاية فى الإتقان والتنسيق ،أو ربما كانت أزياء بسيطة ولكنها مع ذلك تكون مثيرة تسير فى نفس الخط العام المميّز لهذه الفرق ،كما يختلفون فى أنواع وأحجام قبّعاتهم المزركشة ،وتضاهي أحذيتهم أحذية رعاة البقر الأمريكيين ، وهم يستعملون أحزمة جلدية سميكة مرصّعة بالنقود المعدنية الفضية والمذهّبة ، ويعتزّ أفراد فرق المارياتشي إعتزازا كبيرا بنوعية الغناء الذي يؤدّونه وهم يعتبرونه إرثا فنيا رفيعا ورثوه عن أجدادهم ،ولهم فيه نوابغهم وأفذاذهم الذين أجادوا هذا الفن وبرعوا فيه واخلصوا له على إمتداد الاجيال.

فلكل عاشق مذهبه في العشق حتى عشاق المكسيك لهم تقليد خاص، فعشقهم يتصل اتصالا وثيقا بفرق المارياتشي، حيث يصطحب العاشق فرقة مرياتشي ذات ليلة ويقف تحت نافذة محبوبته ويغني لها ماشاء من أغاني الحب فإذا أضاءت مصباح غرفتها فهي بذلك تكون قد أعلنت له عن مبادلتها له بهذا العشق فيقول الأستاذ الخطابي :

من عادة أهل المكسيك الجميلة أن يصطحب العاشق المغرم إلى منزل محبوبته فرقة من المارياتشي وتسمّى هذه العادة عندهم “سيريناتا” وهي لحن يعزف ليلا لإستعطاف المحبوب والتغنّي بجماله ومحاسنه ، وخصاله ومحامده، وتقف فرقة المارياتشي وإلى جانبها المحبّ قبالة منزل محبوبته فى ساعة متأخّرة من الليل ، وتبدأ فرقة المارياتشي فى الغناء والطرب معبّرة عن مشاعر الحبّ التي يشعر بها العاشق الولهان نحو حبيبته فى أنغام حلوة ومؤثّرة تحطّم سكون الليل وخلوته، فإذا قامت الفتاة وأوقدت نور الغرفة وأطلّت من شرفة منزلها فمعنى ذلك أنها قبلته وتبادله نفس مشاعر الحبّ ،وبالتالي يمكن لهذا الشاب أن يأتي إلى منزلها متى يشاء ليطلب يدها من ذويها بصفة رسمية ،وإذا لم يضاء النور، ولم تطل المحبوبة من غرفتها فمعنى ذلك أنها غير راضية بحبّه والزواج منه ، عندئذ يطلب الشاب من المارياتشي الإنسحاب بعد أن يدفع لهم أجر عملهم ،ثم يعود هو منكسر الخاطر،شارد البال، حزينا متحسّرا يجرّ أذيال الخيبة والفشل ،وما زالت هذه العادة قائمة ومنتشرة فى مختلف المدن والقرى المكسيكية حتى اليوم.

هذه عينات من أغاني المارياتشي

للإستزادة: المارياتشي.. صوت المكسيك في أفراحه وأتراحه / تاريخ المارياتشي