أرشيف الوسم: أمير تاج السر

الكتابة كطوق نجاة، عن كتابٍ ينقذ طفلاً

Path 2015-10-10 20_25

(أسطورة الكتابة.. كتاب ينقذ طفلاً) شارك فيه اثنان وثلاثون كاتبا من الوطن العربي، وجّهوا من خلاله رسائل لأطفالٍ في مقتبل التعبيرو البوح .. متناولين فيه تجاربهم مع الكتابة، خطواتهم، عثراتهم، أحلامهم، ورؤاهم، ومواقفهم وتوجيهاتهم. يتلبّسون الطفولة أحيانا فيكتبون بلسانها إرادتها ودوافعها ونزعاتها وآثارها.و سيتم رصد أرباحه للإنفاق على تعليم أطفال عرب!* 

و قد اقتبسنا مجموعة نصوص من الكتاب منها:

يقول الشاعر (إبراهيم الوافي):

القراءة قبل الكتابة و معها و بعدها .. هي سفر لا ينتهي مع المعرفة التي لا تعرف متى ستحتاجها و متى ستحياها كي لا تموت، لكنك حتماً ستفتقدةها دائماً حين تهملها.

أصْدَقكم أيها الأصدقاء الصغار لا يكتب من لا يقرأ و لا يكون من لا تتكاثر خطواته في ذاكرته المعرفية.

و يقول:
الكتابة التي تشرب القهوة كما يقول أكثر الكتاب لا تشتهيها في كل ساعة و لا يمكنك أن ترغمها على تناولها حينما يكون مزاجها صائماً عنك، إنها حالة لا تكون أجمل و أقدر إلا حينما تسترسل فيك حضورها و تقطف من عينيك صحوها و من قراءاتك تلك الكلمات المسافرة في سطور ذاكرتك المعرفية و من قدراتك تطويعها لها و الامتثال لضجيجها و قلقها.
و مع كل هذا المنعة و الترف المزاجي، تحتمل الكتابة مالا يحتمله النسيان أو يطمره التاريخ فهي أثر أخلد من حياة و أبقى من مصير منذ ولادتها الأولى. تحتمل كل شيء تركه الإنسان في رحلته مع الوجود ذنوبه، أخطاء، غروره، نرجسيته، تطرفه، اعتداله، حضارته، ولادته، موته، كل شيء .. كل شيء قادرة هي على أن تحفظه في رحم الخلود و تبقيه في كنف التناقل مهما تباين الرواة أو تغشاهم المس النسياني أو أخذتهم الأهواء إلى التزوير .. ستبقى الكتابة ،حدها وعاء الوجود و ماء الحياة فيه!
الفرحة الأولى بالكتابة ستكرر دائماً. ستكتشف مهما تقدمت في العمر أنك تفرح. بما تكتب فرح الأطفال و أن موسيقى الفرح القديم تمشي معك. أجل فقد كنت تفرح منذ وقت مبكر بما تكتب. ستكون فرحتك فيما بعد مضاعفة. سيمشي معك الإحساس بالجمال الذي رأيته قديماً حين كانت روحك ترى قبل عقلك و سكون كل ما تكتبه جميلاً حتى لو كان عتابًا أو ألماً من صديق أو حبيب. و حتى لو تقدم العقل الذي نضج ليختار ماذا يكتب فلن يختار إلا ما يسعدك حين تكتبه و ما يسعد الناس حين يقرأونه.
أما (إبراهيم نصر الله) فقد زرع بذور الكتابة لديه أملاً في أن ينمو ضمير العالم و تخضرّ الأوطان بالسلام و تصفح الأراضي المخضّبة بالدماء.
 فيقول عن بداياته:
كان علي أن أستدير لأبحث عن ذلك الوطن بقوة أكبر، فبدأت بكتابة روايتي الأولى، لا عن فلسطين، بل عن حياة هؤلاء المعذبين في الأرض.
 أدركت عذابات الناس ففهمت عذابي أكثر
في الكتابة اتسع العالم، و في القراءة تعدد، لكن القيم الكبرى التي قاتل البشر من أجلها من جديد. و شيئاً فشيئاً اكتشفت أنك لن تقدّم شيئاً لوطنك، إلا إذا قدمت شيئاً جميلاً للعالم، رواية جميلة، قصيدة جميلة، موسيقى جميلة.
و في رسالة (أمير تاج السرّ) يقول عن فضل القراءة على الكتابة: 
كنت قارئاً متعثراً في البداية، ثم أصبحت قارئاً عاشقاً، و انتهيت كاتباً، حين أحسست بأن المعرفة التي شربتها من الكتب، يمكن أن تنتج معرفة تخصني، و أستطيع أن أن أشارك بها الآخرين.
و يقول:
كانت القراءة هي علف الذهن فعلاً، و كنا نطاردها و لا نمنحها أي فرصة لتطاردنا هي، كنا جوعى للمعرفة، واستمر معنا الجوع حتى كبرنا، و مازلنا جوعى إلى الآن، نبحث عن كل ما يمكن أن يشبع الذهن و لا يشبع.
أما (أميرة صليبيخ) فتحثك على الكتابة كلما كان وجعك أكبر فتقول: 
اكتب .. اكتب .. اكتب ..
حتى تلهيك الكتابة من أن تموت مبكراً بعد الذي شهدته و عاصرته.
فكلما حاول العالم أن يتجاهل أوجاعك، اعل أن آثار الجريمة ستكون أكثر وضوحاً، و أن من يملك قلماً يصبح هو سيد الساحة!
و تقول:
في الوقت الذي كنت أرى اتساع الجرح أكبر من العالم، كان القلم يرتق الجراح كلما تمادت في النزف، و حاولت الثورة على الشفاء.
 تتساءل (سعدية مفرح) هل تغيرنا الكتابة؟ فعلاً؟ 
هل نتغير بها؟
أم نتغير فيها و حسب؟ 
تستهوينا حياتنا المرتبة، رغم فوضويتها أحياناً، على الورق. و يغرينا أن تبدو أمام القارئ و كأنها فردوسه المفقود.
ندججها بالعبر و الحكم التي نفترض أمام ذلك القارئ الضحية أننا استخلصناها من الحياة. فنسهم في خداعه ذلك الخداع الشهيّ الذي يجعله يتلمس أطراف الأوراق الخضراء فتتندى أصابعه و يفرك جناح فراشة ملونة حطت للتو على حافة الكرسي القريب، و لعله يغني مع بلبل عابر بين الأسطر فتعبق رائحة غابة استوائية عربشت أغصانها على الجدران بينما تمسك بكتابه بين يديه.
الكتابة تفعل كل هذا فعلاً ياصغيري الغائب للأبد، تخدعك لأجلك.
يتحدث (سلطان العميمي) عن الكتابة كطوق نجاة فيقول:
الكتابة أوكسجين الحياة، لذلك عندما سألوني لماذا تكتب؟ أجبتهم: كي أتنفّس و أعيش، و أمد غيري بالفرصة نفسها.
أقول هذا دون أن أفصل الكتابة عن القراءة، فالكتابة بحاجة إلى وقود مستمر، و أحد المصادر التي تمد الكاتب بالطاقة المتجددة هو القراءة، و كلما قرأت أكثر، كتبت أكثر، لتشكل كتاباتك وقوداً لكتابات غيرك.
و يقول في موضع آخر :
اكتب، و تذكر أنك تخلق عالمك الخاص، الذي تدعو القراء للدخول فيه من أوسع أبوابه، فتسمج لهم بالجلوس و الاسترخاء، مسلماً إياهم مفاتيح أبواب التفكير و النقاش.
عن أي مفاتيح أتحدث؟
أتحدث عن مفاتيح الكلمات و الصياغات و الأفكار، سلمهم ما قد يفتح الأبواب و النوافذ المغلقة في داخلهم، فهناك شمس مشرقة خلف الجدران، و هناك من البشر من يظن أنه لا وجود لهذه الشمس إلا في الخيال، أثبت بكلماتك لأولئك اليائسين أن ثمة نوراً و هواءً في الخارج، يمكن معهما التنفس و رؤية الأشياء بألوانها الحقيقية، و أنهم قادرون على التحرر من السجون التي بنوها في داخلهم و حبسوا أنفسهم فيها.
اكتب كي تلون حياة البشر، كي تلوّن ضحكات الكبار و الصغار، كي تجعل لحظاتهم أكثر إشراقاً.
و يقول:
بكلماتك يمكنك أن تبني جسوراً تعبر بها نحو الآخر لإنقاذه، أو يعبر الآخر من خلالها نحوك و نحو العالم ليعيش بشكل أجمل.
أما رسالة (عبدالله العريمي) فجاء فيها: 
كن فكرة إذن لاشيء يحملها، ، لا شيء يمكنه أن ينهي وجودها، فالأفكار لا تُقتل، و لا يمكن لأحدٍ أن يُلقي القبض عليها، و احمل قلبك و رؤيتك المضاءة بقناديل المعرفة، و اخلق بلاداً للبلاد، لا شيء يحدّ من امتدادك الإنساني، فالمعرفة و الكتابة و الفنون جميعها كائن كوني لا يحمل جواز سفر و أوراق ثبوتية، إن الله ياصديقي حين خلق الكوكب الأجمل في هذا الكون الواسع لم يقسمه، حتى جاءت هذه الجغرافيا السياسية، إذن في البدء كلنا أبناء هذا التراب، نغتسل بضوء شمسٍ واحدة، و هواءٌ واحدٌ يختزل في ذراته أصواتنا و ذكرياتنا،  و ضحكاتنا و أحزاننا.
إن المعرفة ياصديقي هي القانون الإلهي الأول، و بداية الإنسان على الأرض كانت بسؤال دائم باحث عن إجاباته، إن هذا البحث عملية لا متناهية، فكل شيء ينمو و يتطور بشكل مستمر، و كل معرفة لها قوانينها المعبرة عنها، و التي يمكن استثمارها لخدمة الإنسانية بمقدار ما تحمله من حب للإنسانية، كما أنها أسلوب حياة خلاق، و من يتيقن في لحظة ما أنه وصل إلى قمة المعرفة و الثقافة فهو يعلن بذلك جمود عقله و إفلاسه المعرفي، و تخشّب إمكاناته، فاقرأ يا صديقي حتى الحرف الأخير و حتى الرمق الأخير.

ذاكرة الكتابة عند أمير تاج السر

1_1029203_1_34

أمير تاج السر طبيب وروائي سوداني يمت بصلة قرابة وثيقة للأديب السوداني المشهور (الطيب صالح). نالت أعماله اهتماماً كبيراً في الأوساط الأدبية والنقدية، كما حققت شهرة عالمية، بعد ترجمة معظمها إلى الكثير من اللغات الحية منها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية. في كتابه (ضغط الكتابة وسكّرها) كتب مقالاً عن دور الذاكرة في عمليّة الكتابة فقال:

أعتقد أن من أهم الأشياء التي ينبغي على الكاتب أن يمتلكها، وهو يمضي في سكة الكتابة، خاصة من احترف كتابة الأعمال الواقعية، أو الرواية الممزوجة بالسيرة الذاتية بشكل أو بآخر: ذاكرته. تلك العصا السّحرية التي تمكنه من نبش الماضي بسهولة واستخراج ما يصلح لكتابته ومالا يصلح أيضاً من أجل تعديله وتنقيته وإدراجه في النصوص التي ينتجها. ولطالما كانت الذاكرة المدربة جيداً، مفتاحاً لا يُمكن الاستغناء عنه في كل كتابة ناجحة.

الذاكرة هنا لا تقتصر على حياة الكاتب فقط، أي ماعاشه من أيام مضت بخيرها أو بشرّها، ولكن أيضاً في استدعاء الخبرات التي اكتسبها بعد أن كبر، مثل روس اللغة والعلوم المتشعّبة التي تعلمها في المدارس، و قراءاته لمن سبقوه، و أثّروا في كتابته، و من انتقدوا أعماله واستفاد من نقدهم، وأيضاً من قرؤوا أعماله من القرّاء العاديين، و أدلوا برأي فيها، سلباً أو إيجاباً.

و يطرح هنا سؤالاً بقوله: هل بالضرورة تولَد الذاكرة القويّة مع كل مبدع، مثل موهبته؟

يجيب عن ذلك:

لا أعتقد ذلك، فالموهبة ثبت أنها تولد مع المبدع مع أول نفَس في الحياة، وترسم له الطريق بعد ذلك، هناك من يولد شاعراً ومن يولد رسّاماً ومن يولد كاتباً، و ماعليه سوى اتّباع المسار الذي رُسِم له، وتقوية خطواته بعد ذلك باكتساب المعارف التي تخصّ ذلك الطريق بعكس الذاكرة التي قد تكون شحيحة بعض الشيء، و لكن بكثير من التدريب، يُمكن تقوية حبالها لانتشال ماهو بعيد في الماضي، ويستحق عناء انتشاله، وقد ساهم عشق الشعر وحفظه وتداوله في الماضي لدى أجيال سابقة من المبدعين، في تقوية ذاكرتهم بشدة، كذلك أولئك الذين عاصروا زمن الكاتب أو الخلاوي بلغة أهل السودان، حيث يدرس القرآن ويحفظ بواسطة الشيوخ، اكتسبوا ذاكرات مدربة سترتهم كثيراً فيما بعد، وسدّت فقرات النسيان التي ربما كانت تتحاوم في ذاكرتهم وأعتقد أن كتاباً مثل (الأيام) لـ(طه حسين)، من تلك النماذج التي كتبت بذاكرة خصبة للغاية لم تنسَ أي تفاصيل كان من شأنها أن تُثري الكتابة …

و يمضي بقوله:

في قراءة متأنّية لما تصطاده الذاكرة الإنسانية عادةً، وتحتفظ به لاستدعائه عند الضرورة، استوقفتني السير الموجعة أكثر من تلك المفرحة، بمعنى أن ما يبقى طويلاً في الذاكرة هو ما آلَم صاحبها أو أحدَث صدمة بداخله، مثل معاصرته لحرب أهليّة أو مجاعة أو كارثة مّا، أو تعرّضه شخصياً لحادث طارئ، ويوجد في الطب النفسي ما يُسمى أعراض ما بعد الحادث، تلك التي تستعيدها الذاكرة مراراً ولاتملّ من استعادتها و غالباً في شكل كوابيس ليليّة، لذلك تجد مادة خصبة عند الكتّاب والشعراء الذين عاصروا الحروب العالميّة وتشرّدوا أو فقدوا أحبّاءهم بسببها، ومن عاشوا حروب أفريقيا الأهلية، والذين عاصروا نكبة فلسطين في بدايتها، وحرب العراق الحديثة وكل ذلك أنتج أدباً رفيع المسوى ليس في فنّياته بالضرورة، وإنما في غِنى الذاكرة التي دلَقته بعد ذلك. وكلنا يعرف ما كتبه شعراء مثل معين بسيسو وكتّاباً مثل إميل حبيبي عن الأزمة الفلسطينيّة.

ومن العوامل الأخرى في تدريب الذاكرة كما أعتقد مسألة الاغتراب، أي أن يُفارِق المبدع وطنه لفترة طويلة، هنا تأتي مسألة الحنين القويّ للوطن، مما يُوقِد الذاكرة بشدة، يجعلها تستدعي كل لحظة عاشها المبدع في الوطن، حتى لو كانت بلا معنى، مثل أن يتذكر طفولته في الحواري والأزقة، وسط أصدقاء يستدعي ملامحهم أيضًا، يتذكر حبه الأول لفتاة الجيران، ويتذكر أي سلوى عابرة يمكن أن تطفئ الحنين، هنا يعمل الكاتب بلا وعي منه، في تدريب ذاكرته باستمرار، وبالتالي يحتفظ بمفتاحه السرّي، جديداً ولامعاً، وجيداً لاستخدامه في أي كتابة يكتبها.

لقد تعرّض (ماركيز) لمسألة الحنين هذه في روايته: (الحب في زمن الكوليرا) ووصفها بأنها تملك أحاييل شرسة ومتنوّعة، لجرّ المغترب إلى وطنه، أضيف إلى (ماركيز) أنها تملك أيضاً مزيلاً للصّدأ عن الذاكرة، ورواية مثل (موسم الهجرة للشمال) لـ(الطيب صالح)، التي كتبها أثناء اغترابه في لندن، الذي استمر حتى وفاته، أعتقد جازماً أن الحنين أثّر فيها بشكل أو بآخر، وأوقد ذاكرة مبدعها لتخرج هكذا رواية خالدة وروايته (عرس الزين) أيضاً كانت عن شخصية عاصرها صغيراً’ وكتب تفاصيها كلها في مغتربه البعيد.

و من الوسائل الأخرى لتدريب الذاكرة التي ذكرها العزلة حيث قالها فيها:

العزلة أيضاً من وسائل التعليم الكبرى التي تدرّب ذاكرة المبدعين. العزلة بمعناها الجسدي والنفسي، أن ينعزل المبدع عن الخارج المحيط به، ويبدأ في تشييد عالم داخلي خاص به وليس ثمة صلة وصل بينه وبين الخارج، سوى الذاكرة التي تحصل على تدريب جيد بلا شك وتعتبر السجون من الأماكن التي تتيج العزلة بجدارة. و من قرأ أدب السجون بقرأ بجانب معاناة السجين اليومية، حصاد ذاكرته التي كانت تحلق في الماضي باستمرار، وتلتقط أنفاساً من الحرية تنفّس بها المبدع ذات يوم.

وأظن أن (صنع الله إبراهيم) من الذين كتبوا عزلة السجون بذاكرة مضيئة. وكذا أدباء آخرون من تونس و المغرب و سوريا.