أرشيف الوسم: أورويل

هل تموت الكتب الورقية؟ أمبيرتو إيكو في حديثه عن الإنترنت والكتب الإلكترونية

أمبيرتو إيكو

أمبيرتو إيكو، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، وُلد في 1932، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم. في كتاب (صحبة لصوص النار)، قامت الكاتبة الصحفية الشاعرة اللبنانية (جمانة حداد) بمحاوراته، ونقاشه في عدد من المواضيع المهمة، اجتزأنا لكم منه بعض أسئلتها عن الكتب الإلكترونية والكتب الورقية، وعن الإنترنت وعن كم المعلومات الهائل الذي نجده.

ماذا عمّا يحكى من التهديد الذي تطرحه الكتب الإلكترونية، التي تشرّع، رغم عدم نجاحها الكبير تجاريًا إلى الآن، آفاقًا جديدة للنصوص بعيدًا عن الطباعة على الورق؟
طبعًا يجب ألا نتجاهل أهمية بعض العناصر الإيجابية التي ستتجسد قريبًا في مجال النشر الإلكتروني، على غرار إمكان مراجعة كاتالوج دار النشر على الإنترنت ومن ثم طباعة الكتاب المختار “على الطلب”، وبالمواصفات والخط والتصاميم المرغوبة. ذلك أمر سوف يغيّر من دون شك معالم قطاع نشر الكتب، كما أنه سيهدد وجود المكتبات إذ سيصبح العرض والتخزين إلكترونيين، أي أقل مساحة وأكثر فعالية وسرعة. أما الكتاب الإلكتروني في ذاته، أي ذاك الذي يتوجّب الاطلاع عليه من خلال شاشة الكمبيوتر، فلا حظوظ كبيرة لنجاحه في رأيي ؛ هل تتخيلين شخصًا يقرأ (الكوميديا الإلهية) على شاشة كمبيوتر؟ يا للهول! الأوراق ضرورية للتأمل في النص. وماذا عن الكتب التي نحب قراءتها في السرير قبل النوم؟ أو تلك التي يحلو لنا تصفحها في حضن كرسينا الهزاز الأثير؟ لا، إنها في رأيي مخاوف غير مبررة، علمًا أنه كثيرًا ما يُطرح عليّ هذا السؤال، وتفاجئني النظرة الخائبة واليابسة في عيني الصحافي السائل إذ أجيبه: “لا، الكتب لن تختفي”. سبب الخيبة طبعًا هو أنني أحرمه بجوابي “الخبطة”، أو السبق. فالموت دائمًا أكثر إثارة للاهتمام من البقاء على قيد الحياة. مثلًا، إذا نشرت خبر وفاة أحد حائزي جائزة نوبل، سيكون ذلك خبرًا مثيرًا وجاذبًا بالتأكيد. أما إذا كتبت مقالًا مفاده أن ذاك الرجل بصحة جيدة ولم يزل حيًا يرزق، لن تلفتي الكثير من الأنظار، باستثناء أنظاره هو، على ما أفترض!
لكنك أنت من يتحدث باستمرار، ومنذ وقت ليس بقصير، عن انعكاسات التكنولوجيا المعلوماتية على ثقافتنا، وتحديدًا عن مزايا “الهايبرتكست” (النص الإلكتروني المتفاعل) الكثيرة.
أجل صحيح، فالهايبرتكست يهمني في صفته شبكة كلمات متعددة البعد والطبقة، أو متاهة يمكن فيها ربط كل نقطة بأي نقطة أخرى. الهايبرتكست يجسّد بامتياز نظرة حرية تفسير النص، فهو قادر حتى على فتح أكثر النصوص انغلاقًا وتقيّدًا؛ إذا أخذنا في الاعتبار مثلًا قصة بوليسية مكتوبة بطريقة الهايبرتكست، سوف تكون مبنية على نحو يسمح للقارئ بأن يختار الحل الذي يريد، وأن يقرر في النهاية ما إذا كان المذنب هو اللحام أو الأسقف أو التحري أو الكاتب أو القارئ نفسه! ولكن إذا أمعنا التفكير ستكتشف أن اختراع الهايبرتكست ليس بالجديد حقًا. إنه حلم قديم جدًا في الواقع nihil sub sole novi (لا جديد تحت الشمس). فأول أداة سمحت لنا باختراع عدد لا متناه من النصوص عبر استخدام عدد محدود من العناصر موجودة منذ آلاف السنين، ألا وهي الأبجدية. وحتى قبل اختراع الكمبيوتر، سعى الكتّاب والشعراء إلى اختراع نص مفتوح يمكن تفسيره وإعادة تركيبه إلى ما لا نهاية. تلك كانت فكرة “الكتاب” كما مجدها (مالارميه) مثلًا. (ريمون كونو) اخترع بدوره نظامًا حسابيًا تركيبيًا يمكن بناء عليه تأليف ملايين القصائد انطلاقًا من عدد محدود من الأسطر. وفي أوائل الستينات، كتب (ماكس سابورتا) ونشر رواية يمكن تغيير تسلسل صفحاتها على نحو ينتج قصصًا مختلفة. ولكن طبعًا شكل الكمبيوتر حليفًا قويًا للهايبرتكست منذ ظهوره، وأذكر في هذا الإطار تجارب الشاعر (ناني بالستريني) الرائدة على هذا المستوى. إن بنية الهايبرتكست لا تملك نقطة مركزية ولا أطرافًا، بل هي متناهية بامتياز؛ وفي رأيي أن مفتاح اكتشاف العالم لا يكمن في الخطوط المستقيمة، بل في المتاهات تحديدًا.
إلا أن هذه البنية المتاهية التفاعلية التي تتكلم عليها قد تشكل عائقًا أيضًا رغم غناها. خصوصًا أمام القارئ غير المستعد لاستيعابها واستثمارها. فأنت تعلم طبعًا أن ليس لدى كل قارئ الرغبة في المشاركة في عملية الكتابة، وثمة كثير يفضلون تلقي ما يٌعطى لهم، بدلًا من استغلال “حرية تفسير النص” المتاحة. ألا يمثل الهايبرتكست، ومثله الرنترنت، من هذا المنظار، نوعًا من الحرية السلبية؟
ربما، وهذا طبيعي، ومنتظر، فالكمبيوتر، على غرار كل الأدوات الأخري، يولّد عصابه النفسي الخاص؛ ثمة مثلًا فيما يتعلق بالإنترنت ظاهرة “الإبحار القهري” التي يعدو معها الإنسان غير مهتم بما يراه بقدر ما هو مهتم بالقفز من مكان إلى مكان آخر إلى حد يفقد معه السيطرة على نفسه. يذكّرني ذلك بظاهرة الـzipping المرضية التي برزت مع اختراع الريموت كنترول. أولَم يوجد اختراع السيارة كذلك أشخاصًا استخدموها للسباق الجنوني على طريقة (جيمس دين) ولقتل أنفسهم والآخرين؟ من شأن كل أداة إذا أن تولّد نوعًا من الهستيريا. أما في ما يتعلق بالهايبرتكست، فأهم ما يفعله أنه يجعل عملية التصفح والمراجعة أسرع وأفعل. كنّا في ما مضى نلحس إصبعنا لكي نجول في الصفحات فنعود تارة إلى الوراء وطورًا نقفز إلى القسم الأخير من كتاب ما؛ وتلك الإصبع هي أيضًا أداة من أدوات الهايبرتكست. أما اليوم فيكفي أن نضغط على زر أو اثنين ويتم الأمر. تمامًا مثلما أتاح اختراع العجلة أداء وظيفة القدمين ولكن بسرعة وفاعلية أكبر. المشكلة الأخطر التي أرصدها شخصيًا في هذا التفاعلية هي إفساح مجال التعبير الشاسع حتى أمام الأشخاص الذين ليس لديهم ما يقولونه على الإطلاق، وذلك أمر ينضوي تحت لواء الحرية السلبية التي ذكرتها للتو. ففي المجتمع التقليدي، ثمة فصل واضح بين من ينتج الثقافة من جهة، ومن يستهلكها من ثانية، بين من يكتب الكتب، ومن يقرأها. أما مع الإنترنت فقد تغيرت المعادلة؛ يمكن أيًا كان أن يكتب أي شيء، وأن يوصله إلى شريحة كبيرة من الناس. ولا بأس في ذلك، إن لم يكن يؤدي في الوقت نفسه إلى الغوص في كمّ مرعب من المعلومات المتراكمة التي تتضمن خطر أن يلغي بعضها بعضًا. المشكلة تكمن تاليًا في كيفية اختيار المعلومات.
الأولوية إذًا، للتثقيف الإلكتروني، أو لنوع من حملة “محو الأمية” الإلكترونية.
بالضبط، فقدنا مع الإنترنت مفهوم “الأستاذ”، أي الموجّه أو المربّي. وإذا لم نعن بالتثقيف سوف نصل قريبًا إلى عالم يشبه عالم (1984) لـ(أورويل)، قائم على مجتمع منقسم ثلاث فئات؛ في الطبقة السفلى “البروليتاريا” الجديدة المؤلفة من أشخاص لا يعرفون استخدام الكمبيوتر ويستقون كل معلوماتهم من التلفزيونات. ثم في الوسط “البرجوازية” الجديدة التي تعرف استخدام الكمبيوتر لكنها عاجزة عن برمجته. وأخيرًا في القمة ثمة “النومنكلاتورا”، بالمعنى السوفياتي للكلمة، التي تضم مجموع الأشخاص الذين يجيدون التفاعل مع الكمبيوتر. إن هذا العالم يجب اجتنابه بأي ثمن.
إذًا أنت مؤمن بالديموقراطية الإلكترونية لدرء خطر التمييز ومساوئ النخبة؟
أجل، لنقل، أقله، بقدر إيماني بالديموقراطية نفسها. فنحن نعلم جميعًا أنه نظام غير كامل، لا بل مثلما قال (تشرشل)، هو نظام سيء لكن جميع الأنظمة الأخرى تبزّه سوءًا. يجب أن نعرف أن التمييز لطالما كان موجودًا، لا بل كان أكثر تفشيًا من الآن عند ولادة الكتاب المطبوع، لأن الإنترنت ينتشر بسرعة أكبر بكثير من انتشار الكتاب في الماضي. ينبغي أن نعي كذلك أن الديموقراطية لا تعني فقط الفرص المتساوية، بل هي أيضًا (هايد بارك)؛ أي إتاحة الفرص أمام أي كان ليقول ما يريد قوله، وسيكون ثمة من يقول أشياء مثيرة للاهتمام، وآخر يقول تفاهات لا قيمة لها. لذلك يجب أن يكون اهتمامنا منصبًا في الأعوام القليلة المقبلة على تلقين الناس مبادئ الفلترة والاختيار، وإلا سيكون توافر كل هذه المعلومات عديم الفائدة. تلك هي المشكلة الحقيقية.
وما السبيل إلى حل هذه المشكلة؟ كيف يمكن تلقين الناس، كما تقول، تقنيات الفلترة من دون تعزيز نوع من ثقافة الرقابة؟
أجهل حقًا سبل الحل، ولو أعرفها لكتبتُ بست سيللر ولكان اعتمد في كل مدارس العالم. ولكن بالحديث عن الرقابة، وهي وجهة نظر مثيرة للاهتمام، أميل إلى القول إن مفهوم “الأستاذ” أو المربّي بصيغته القديمة كان بدوره شكلًا من أشكال الرقابة. الأب أو الأم هما أيضًا رقباء. فالرقابة هي مزيج من إخفاء المعلومات وتسيير الأذهان لتحقيق غايات مختلفة؛ طبعًا غاية الأب، ألا وهي الحماية، مناقضة تمامًا لغاية الرقيب السياسي، التي غالبًا ما تكون التلاعب بفكر الناس ووعيهم. لذلك ينبغي ألا تؤخذ الفلترة بمعنى المأسسة والتنظيم والقوننة. إن أحد أجمل كنوز الإنترنت هي فوضاها بالذات. فإذا افترضنا أن استخدام الإنترنت يجب أن يكون متاحًا حصرًا لأعضاء الجهاز الأكاديمي مثلًا، دون سواهم من الناس، ثمة فرصة كبيرة في أن نحرم عبقريًا حقيقيًا من خارج هذا الجهاز إيصال رسالته، ناهية بواقع أن الجامعة تضم عددًا غير قليل من المغفلين، وهو نموذج غير نادر الوجود فيها. ما هو الخيار الأفضل إذًا؟ أن نحصر استخدام الإنترنت بالأحزاب السياسية؟ أو ربما بالكنيسة؟ أو بكبار الناشرين؟ لا، قطعًا لا. إذا كنا لنحمي فوضى الإنترنت البهية من التدهور، يجب علينا أن نكون مستعدين لمواجهة انعكاساتها السلبية بالاستعداد الملائم. تلك هي الفلترة التي كنتُ أعنيها؛ أي تعزيز ذكاء المبحرين.

كونديرا في حديثه عن أسباب وأخلاقيات الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. قام سنة ١٩٨٣ بكتابة مقالة، حملت عنوان: “تراث سرفانتس المغبون”، قال عنها بأنها “تحمل مفهومي الشخصي عن الرواية الأوروبية“، ووضعها مع عدد من المقالات واللقاءات الصحفية، في كتاب حمل اسم (فن الرواية).

ابتدأ (ميلان كونديرا) مقالته بالحديث عن (إدموند هوسرل) (1859-1938) الفيلسوف الألماني، وخطبته الأخيرة التي ألقاها في (فينا) عاصمة النمسا، و(براغ) عاصمة التشيك. يقول:

في عام ١٩٣٥، وقبل ثلاثة أعوام من وفاته، ألقى (إدموند هوسرل) محاضرته الشهيرة في (فينا) و(براغ) عن أزمة الإنسانية الأوروبية.

الحقيقة أن ما كان يعنيه (هوسرل) بصفة “الأوروبية” هو الهوية الروحية التي تتجاوز حدود أوروبا الجغرافية، إلى أمريكا مثلًا، والتي ولدت مع الفلسفة الإغريقية القديمة. فهو يعتقد أن هذه الفلسفة قامت بفهم العالم وكأنه سؤال يجب أن يلتقي بإجابته. لهذا تجدها تستجوب العالم، وليس إرضاءً للحاجة العملية، لكن لأن رغبة المعرفة سيطرت على الإنسان.

بدت الأزمة التي يتحدث عنها (هوسرل) عميقة لدرجة أنه تساءل إن كانت أوروبا ستستطيع تجاوزها. فجذورها تبدأ تاريخيًا مع بداية هذا العصر، عند (غاليليو) و(ديكارت)، في الطبيعة ذات البُعد الواحد للعلوم الأوروبية التي اختزلت العالم إلى مجرد موضوع بحث تقني ورياضي، وأخرجت بذلك الحياة الحقيقة من تلك الأفق.

دفعت نهضة العلوم بالإنسان إلى غياهب المعارف المتخصصة، فكلما ازدادت معرفة الإنسان، قلّ وضوح رؤيته للعالم ككل، أو حتى لذاته، غارقًا أكثر فيما وصفه (هيدغر)، تلميذ (هوسرل)، بتعبير جميل وساحر بأنه “نسيان الكينونة”.

يتطرق بعد ذلك إلى الرواية، وظهورها التاريخي، والحاجة إليها:

رافقت الرواية الإنسانَ دومًا وبإخلاص منذ بداية العصر الحديث. كانت “رغبة المعرفة“، والتي عدّها (هوسرل) جوهر الروحانية الأوروبية، هي التي سيطرت عندئذ على الإنسان، وقادته إلى دراسة الحياة الحقيقية للإنسان وحمايته ضد “نسيان الكينونة“، للتمسك بـ”عالم الحياة“، ووضعته تحت التنوير الدائم. هذا هو المعنى الذي أفهمه، وأشارك (هيرمان بروخ) الحاجة في تكرار مقولته: “إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه“. إن الرواية التي لا تكتشف عنصرًا مجهولا في الوجود، هي رواية لا أخلاقية. فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة في الرواية.

يتكلم بعد ذلك عن (هوسرل) مرة أخرى، وعن الأزمة الأوروبية، والتحول في عالم الروايات بعد الحرب العالمية الأولى:

كانت محاضرات (هورسل) حول الأزمة الأوروبية، وحول الاختفاء المحتمل للإنسان الأوروبي هي وصيته الفلسفية. لقد ألقى هذه المحاضرات في عاصمتين من عواصم أوروبا الوسطى. لهذه الواقعة دلالة عميقة: في أوروبا الوسطى هذه، وللمرة الأولى في تاريخه الحديث، استطاع الغرب أن يرى موت الغرب، أو بتر جزء منه -بشكل أوضح- عندما التهمت الإمبراطورية الروسية (وارسو) و(بواديست) و(براغ). هذه الكارثة سببتها الحرب العالمية الأولى، والتي تسبب فيها انهيار (امبراطورية هابسبورغ)، وأدت إلى نهاية هذه الإمبراطورية، وفقدت بذلك أوروبا المتهكة توازنها إلى الأبد.

انتهى الزمن الذي كان فيه الإنسان يشتبك مع وحش نفسه، زمن أمان (جويست) و(بروست). في روايات (كافكا) و(هاسيك) و(موزيل) و(بروخ)، يأتي الوحش من الخارج، ويُدعى التاريخ، لم يعد له علاقة بقطار اعتاد المغامرون ركوبه، فهو ليس شخص، صعب السيطرة عليه، لا يمكن حصره، غامض، ولا مفر منه. كانت تلك اللحظة -بعد الحرب العالمية الأولى- التي رأى فيها مجموعة كبار روائيي أوروبا الوسطى وأدركوا المفارقات النهائية للعصر الحديث.

على إنه من الخطأ قراءة رواياتهم كتنبؤات سياسية واجتماعية، وكأنها حدوتات (أورويل)، إن ما قاله لنا (أورويل) يمكن أن يُقال -وربما على نحو أفضل- في مقالة أو بحث. على العكس من ذلك، اكتشف هؤلاء الروائيون “ما يمكن أن تكتشفه الرواية فقط“. فهم يسجلون كيفية تبدّل المقولات الوجودية تحت الظروف “المفارقات النهائية”.

يتطرق بعدها إلى الحديث عن الروايات “الأكثر مبيعًا والأكثر انتشارًا”، وتلك الكتب التي انتشرت في فترة زمنية ما، وماتت بعد ذلك، ألا يتم نشر مثل تلك الكتب بشكل كبير؟ يجيب:

طبعًا، لكن هذه الروايات لا تضيف شيئًا إلى استعادة الكينونة. إنها لا تكتشف أي جديد في الوجود، إنما تؤكد ما سبق قوله، بل تأكيد ما قاله الجميع. (…) بعدم اكتشافها لأي شيء تفشل في المشاركة في تتالي الاكتشافات التي أطلق عليها “تاريخ الرواية“. إنها تصنع نفسها خارج ذلك التاريخ، وإذا رغبت، يمكنني تسميتها بأنها: روايات ما بعد تاريخ الرواية.

هل تسيطر هذه الروايات على المستقبل؟ يجيب (كونديرا):

لا أريد التنبؤ بدروب الرواية المستقبلية، فلن أستطيع الإجابة بشكل صحيح تمامًا، كل ما أود قوله هو: “إذا كان ينبغي للرواية أن تختفي، فليس لأنها استنفذت قواها، لكن لأنها وجدت في عالم أصبح غريبًا عنها”.

ثم يتابع عن حاجتنا الماسة في عصرنا الحالي إلى روايات عظيمة، يقول:

والآن إذا كان مبرر وجود الرواية وهدفها هو إبقاء “عالم الحياة” تحت النور دومًا، وحمايتنا ضد “نسيان الكينونة” أفليس وجود الرواية في يومنا هذا أشد ضرورة من أي وقت مضى؟ نعم، كما يبدو لي، لكن للأسف فالرواية أيضًا عرضة لنخر سوس الاختزال والتقليص الذي لم يكتف باختزال معنى العالم فحسب بل مدلولات الأعمال الإبداعية أيضًا. كغيرها من الثقافات توجد الرواية بين يدي وسائل الإعلام، وكوسيلة لتوحيد تاريخ الكوكب، فإنها تضخم وتوجه عملية الاختزال هذه، إنها توزع في كل مكان في العالم التبسيطات نفسها والصيغ الجاهزة والتي يمكن أن تكون مقبولة لدى أكبر عدد، كل فرد وكل البشرية.

يتابع بعد ذلك:

إن روح الرواية هي روح التعقيد ؛ فكل رواية تقول لقارئها “إن الأشياء ليست سهلة كما تبدو لك“، وهذه هي الحقيقة الأبدية للرواية. إلا أنه من الصعوبة سماع ذلك وسط لغط الأجوبة السريعة والبسيطة التي تسبق السؤال وتحجبه.

إن روح الرواية هي روح الاستمرارية ؛ فكل عمل روائي هو جواب لسابقه، وكل عمل يحمل خبرة الرواية السابقة. لكن روح عصرنا تركز بشدة على حاضر من الاتساع والوفرة بحيث يدفع الماضي بعيدًا عن أفقنا، ويقلص الزمن إلى اللحظة الراهنة.

ولكن وبسبب هذه السيطرة للقيمة الشرائية على عالم الروايات، تم إنتاج العديد من الروايات غير المهمة، كما يقول:

في مثل هذا النظام لم تعد الرواية عملًا  -شيئًا صنع ليدوم، لربط الماضي بالمستقبل- بل أصبحت حدثًا عرضيًا من بين الأحداث وإيماءة بدون غد.