أرشيف الوسم: إدوارد سعيد

مخاطر العقلانية من وجهة نظر إدوارد سعيد

Edward_Said

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه (روبرت فيسك) بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

20152809212815

تحدث كتاب (إدوارد سعيد من تفكيك المركزية الغربية إلى فضاء الهجنة والاختلاف) عن دراسة تحدثت عن أحد أمثلة مخاطر العقلانية التي تحدث عنها (إدوارد سعيد) وكان “الاستشراق” موضوعها بأنها:

يتميز تمثيل الشرق الذي نقله مجمل الإنتاج العلمي للمستشرقين في القرن التاسع عشر بتماسكه وعقلانيته كما يقول (سعيد). بفضل الوضعية العلمية، أصبح العالم الشرقي الغريب والفوضوي مفهوماً للقارئ الغربي، ووفر لرجال السياسة لغة جعلت خطابهم ممكناً وذا مصداقية. هذا الترابط المنطقي، يقول (سعيد)، بأنه وهمي واستيهامي. ليس هذا الترابط المنطقي سوى نتيجة لتأثير أنتجه أسلوب التصنيف، هذا النظام المغلق الذي يُعطي الشعور بالاكتمال والموضوعية العلمية، لكنه يخفي المحتوى الأيدلوجي للخطاي الاستشراقي والثغرات والتحيز الذي يستند إليه. إن كتاب (المكتبة الشرقية) للمستشرق (هيرلبوت) الذي نشر في 1697، والذي سيكون بمثابة نموذج لكتاب وصف مصر يقدم، حسب (سعيد)، مثالاً على هذه المعرفة التي تخفي عقلانيتها وتنظيمها الأبجدي “أساطير إيديولوجية“.

في كتاب علمي مثل (المكتبة الشرقية) الذي هو نتيجة لدراسات وبحوث منهجية، يفرض المؤلف نظاماً على المادة التي اشتغل عليها، بالإضافة إلى ذلك، يريد أن يفهم القارئ جيداً بأن هذا الكتاب عند طباعته يمثل حكما منظماً ومنضبطاً عن هذه المادة “الشرق“. ماينقله كتاب (المكتبة الشرقية) هو الفكرة القائلة بأن قوة الاستشراق وفعاليته تذكر القارئ في أي مكان أنه من الآن فصاعداً لكي يفهم كنه الشرق، يجب عليه أن يمر عبرالخطابات والرموز الثقافية التي قدّمها المستشرق الأوروبي.

هكذا، خلق الاستشراق ، حسب منظور (سعيد)، تحت ستار التبحر العلمي الممنهج، نظاماً ممن التمثيلات الوهمية عن واقع قائم أساساً على وحدة جغرافية وثقافية ولغوية وإثنوغرافية، في حين أن هذا التقليد الأوروبي “الاستشراق” يستند إلى تشظي وتقسيم تعسفي لهذه الوحدات. بسبب وهم الترابط المنطقي لظاهرة الاستشراق والسعي إلى فهم فوضى الشرق، سيطر الغرب على الشرق، لكن هذا الشرق لم يكن في غالب الأحيان سوى تسلية واستجمام للمستشرقين لأن محتوى الدراسات الاستشراقية يستند حسب منظور (إدوارد سعيد) إلى “أساطير إيديولوجية“. لدعم وجهة نظره، يستند (سعيد) إلى أمثلة التعامل مع اللغة العربية وتمثيل (النبي محمد) الذي اعتاد كتاب (المكتبة الشرقية) إنتاج صورته كدجال على شاكلة الصورة التي كانت موجودة من قبل العصور الوسطى أو العمل الشهير (الكوميديا الإلهية) للكاتب الإيطالي (دانتي).

في هذا المستوى من التحليل أيضاً، من الواجب التلويح بعدد من التحفظات. يخص التحفظ الأول مرة أخرى الطابع المنهجي لتحليلات (سعيد) الذي لاتميل إلى المتون العلمية الغزيرة التي اشتغل عليها فيه إلى إبراز الاختلافات والفروق الدقيقة لفكر الكتّاب، بل تسعى إلى إثبات تواطؤ لغتهم والنفاق الواعي أو المستتر لنواياهم. على شاكلة العلماء الذين كان إنتاجهم موسوعياً وغزيراً، تبنى علماء اللغة مثل (إرنست رينان)، وعلماء النحو مثل (سيلفستر دو ساسي)، نظام تصنيف، يؤكد (سعيد) أنه فتّت المعرفة وأصابها بالتشظي، وخلق بالتالي فجوات ملائمة لتطوير الأساطير الايديولوجية.

إذا كانت أعمال المؤلفين الذين تم الاستشهاد بهم تنقل صورة سلبية عن الإسلام والشرق -وهو المناسبة ليس الشيء نفسه، لكنه يتطابق عن قصد في منظور (سعيد)- فإن هذه الصور لا تنشأ بالضرورة من هذا الوعي بالتفوق الغربي واحتقار الآخر والايدولوجيا الاستعمارية. إن أراء (دانتي) و(سلفستر دو ساسي) و(إرنست رينان)، إذا كانت تطلق أحكاماً سيئة عن الدين الإسلامي أو الثقافة الشرقية، فهذا لا يعني بالضرورة أن تفكيرهم تهيمن عليه إيديولوجية قديمة تحصرهم في اجترار الخطاب نفسه والأحكام نفسها واستنساخهما.

إن التصور الذي نملك،على سبيل المثال، العبودية والعنصرية والاستعما، لم يعد يخضع للمعايير نفسها. إذا فشل المستشرقون في التخلص من الايديولوجيا الاستعمارية التي تبقى موضع تساؤل، فإن العمل الهائل الذي قاموا به، وبعيداً عن خلق صورة وهمية خيالية عن الإنسان الشرقي، قدّم لهذا الأخير مجموعة هائلة من المعلومات تسمح له بتشكيل تاريخه وثقافته. هل في وسع المرء اليوم أن يُنكر إسهام (شارل أندري جوليان) و(جاك بير) في البحث التاريخي في المنطقة المغاربية؟ ماهي المواد العلمية التي  استخدمها (ادوارد سعيد) عن الشرق، إن لم تكن كما يبين ذلك جيداً كتابه سوى أعمال المستشرقين؟

ومع ذلك، إذا كان كتاب (ادوار سعيد) كان قد خلق ضجة في أوساط المستشرقين وأتاح للأوروبين تغيير نظرتهم للشرق، فإنه عزز لدى المثقفين العرب رفض الآخر، ورسخ بشكل عميق الكولونيالي، ومنح قاعدة فكرية للأفكار الأصولية؛ باعتماد لغة جدلية في حدتها، وتقييد حقل الدراسة في غايات إيديولوجية.

إدوارد سعيد في حديثه عن النظام التعليمي

408195b

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني.

في كتابة (خيانة المثقفين)، تحدث (إدوارد) عن النظام التعليمي العالمي، فقال:

لسوء الحظ أن كل أنظمة التعليم المعروفة اليوم لا تزال قومية خفية أو ضمنية. إلى حد ما، هذه ضرورة للغة والسياق والحقيقة الوجودية. إن كنتَ فرنسيا مثلًا، يجب أن تتعلم اللغة القومية، وتتعلم تاريخ البلاد وتفهم مجتمعه لكي تعيش فيه. في المجتمعات الأقل ليبرالية، هناك ضرورة أكبر لتعليم الشباب بأن لغتهم وثقافتهم متفوقة وبالاستنتاج تكون الثقافات الأخرى أقل أهمية أو بطريقة ما أجنبية وغير مرغوبة لكي تبدو غير جذابة.

أتمنى لو أستطيع القول بأن الطرق العامة الأحدث للتعليم والتطوير الثقافي تلهم المرء بحماس أكبر، لكنها للأسف لا تفلح في ذلك.

التفكير المشترك عن العولمة تغلب على الشعور لدرجة يجب أن تكون فيها وظيفة التعليم، في رأيي، تعزيز روح المقاومة بدل الامتثال، والتفويض الفردي بدلا من الجبرية الجمعية. وإلا كيف سنشجع طلابنا على التمييز بين العدل والظلم، بين الأفكار العقائدية – الأرثوذكسية–عن الديمقراطية وبين الديمقراطية التشاركية الحقيقية؟ أولا وقبل كل شيء، كيف نستطيع أن نحفز الناس من خلال التعليم ليصنعوا تاريخهم بأنفسهم، وأن يكون التاريخ نفسه تنافس حول القضايا الأخلاقية الأساسية التي تشمل السلطة والمسؤولين والشعور الأخلاقي؟ دعني الآن أقدم وجهة نظر بديلة عن النظرة التقليدية الموجودة في تقرير اللجنة العالمية.

هناك سطر لازمني منذ سنوات كثيرة في مقال عن (ليوناردو دا فينشي) لشاعر أوائل القرن العشرين الكبير (بول فاليري). واصفا عقل (ليوناردو) في قوته وأناقته، يقول (فاليري): “إن الفنان الإيطالي لم يستطع التفكير إلا بالجسر كلما فكر بالهاوية”. كلام مجازي. الهاوية البديل عمّا يقدّم لنا كثابت ونهائي ومستحيل تجاوزه. بغض النظر عن مدى عمق وصعوبة المشهد الذي قدّم نفسه له، كان لدى (ليوناردو) المقدرة على التفكير في بديل ما دائمًا، طريقة ما لحل المشكلة، هبة ما لعدم القبول السلبي لما قُدّم له، كما لو أن المشهد الذي تخيله يمكن دائما تخيله بطريقة مختلفة وربما بطريقة مفعمة بأمل أكبر.

طبعا، كان (ليوناردو) عبقريا، وفي كل طريقة يمكن تخيلها لم يكن شخصًا عاديًا قليلٌ منّا من يجرؤ على مقارنة نفسه به. لكني أعتقد أن إحدى فوائد التعليم هي، عدا عن إعطائنا أساليب ومهارات للتعامل مع مجالات من الخبرة مثل الطب أو القانون أو الإنسانيات، يعطينا أيضا الفرصة لنرى الأشياء بصورة مختلفة، وأن نحاول بطريقتنا الخاصة بأن نبني جسورًا فوق الهاوية. لا يعني هذا بأن لا يفترض في التعليم أن يكون حول اكتساب المعرفة – طبعا هو كذلك – لكن المعرفة أكثر من مجرد تكديس للمعلومات. قال (جان بول سارتر) مرةً عن صديق درس في أعظم الجامعات الفرنسية؛ (إيكول بوليتكنيك): “صديقي ذكي بشكل لا يُصدّق حقًّا. هو يعرف كل شيء، لكن ذلك كل ما يعرفه”.

ثم يقول بعد ذلك:

أحد أصعب الأشياء بالنسبة لي كمعلم هو أن أعطي طلابي كل ما أعرفه عن الموضوع، وأحاول شرحه بشكل كامل بقدر ما أستطيع وبعد ذلك أجعلهم يشعرون بعض الرضا حول ما قلته أيضا أو على الأقل الشك به بعيدا عن حالة الرفضية الآلية، الشكوكية هي الخطوة الأولى لتشييد بناء فوق هاوية. إن لم تستطع أن تلهم طلابك لفعل ذلك، إن لم تستطع أن تحركهم ليفهموا بأن التعليم هو تعليم ذاتي فعلا وليس قبول بلا نقاش لما يقوله المسؤول “السلطة” أخيرا، حينها عليك أن تدرك بأنك سلمتهم إلى عبودية فكرية وبالتالي أخلاقية.

هل يمكننا الاستماع اليوم لفاجنر ؟

اشتُهِر ثيودور أدورنو (1903-1969) باهتمامه بالموسيقى والنقد الموسيقي وأنه أحد مؤسسي خط النقد الثقافي الموسيقي في مدرسة فرانكفورت. واشتهر أيضا بكتاباته المتعلقة بارتباط الموسيقى بالعنف النازي إبان الحرب العالمية الثانية وارتباط الموسيقى بالأيديولوجيا أو ما يسميه هو “بالوظيفة الأيديولوجية للنقد الموسيقي”، أيضا مسائل الإستهلاك والفيتشية الموسيقية. وارتبط أدورنو بالموسيقار والمسرحي الألماني ريتشارد فاجنر وعلاقته بالعقيدة النازية للنظام الهتلري الحاكم لألمانيا آنذاك. حيث اشتهر فاجنر بمعاداته للسامية وبتأليفه أعمالاً كانت فيما بعد ركيزة للفكر النازي ومعاداة السامية عموما وأدبا من أهم ادبياتهما. أعمالٌ مثل: “حلقة النيبلونج” وهي أربع أوبرات مستوحاة من الأساطير الجرمانية، “بارسيفال” هي أوبرا يشير فيها بشكل متكرر إلى مواضيع المسيحية والجنس من خلال القومية الألمانية والعداء لليهود. ايضا دراسة موسيقية بعنوان “اليهود في الموسيقى” اتَهم فيها الموسيقيين اليهود بالسطحية والانحطاط، ويعود هذا الانحطاط إلى انحطاط اللغة العبرانية إذا ما قارناها بالألمانية. وكان هتلر معجباً إعجاباً شديداً بفاجنر وكان يأمر بتنظيم حفلات لأعماله ويأمر أتباعه بحضورها. واشتهر في مرويات الهولوكوست أن الإعدامات في معسكرات الإعتقال مثل أوشفيتز تتم على أنغام افتتاحية معزوفة “الأساتذة الموسيقيون لنورمبرغ” أو يُجبَر المعتقلين على الإستماع لموسيقاه على سبيل إعادة التأهيل مثلما حدث في معسكر “داشاو”.

اهتم أدورنو بمسألة عداء السامية عند فاجنر وعلاقتها بمنتجه الفني، هل هما منفصلان أم هل ينبع عمله الموسيقي كمركب فني من أصل عداء فاجنر للسامية وماهو أصل هذا العداء في المقام الأول؟ فكتب بخصوص هذا كتاباً بعنوان “البحث عن فاجنر” في عام 1938، ولكنه لم يُنشر إلا بعد هروب أدورنو إلى نيويورك وعودته في 1952. في هذا الكتاب يناقش أدورنو فاجنر من نواحٍ عدة، خاصة مسألة أخلاقية الاستماع لفاجنر وعلاقته بالحاضر، وتحول فاجنر الفكري في شبابه من الأنسنة المتأثرة بفيورباخ للعدمية الشوبنهاورية بعد هزيمة ثورات شارك فاجنر في محاولة إذكائها. وهنا يبدو تأثر أدورنو في التحليل بهوركهايمر في علاقة العدمية والثورات المضادة الناتجة عن هزيمة الثورات ويقارب هذا التحول بدراسات هوركهايمر عن المجتمع البرجوازي. وتتمظهر هذه التحولات في الأوبرا الأخيرة  من “حلقة النيبلونج” والمعنونة بـ”شفق الآلهة” أو Gotterdammerung والمأخوذ من أسطورة نورسيّة قديمة عن حرب بين البشر والآلهة تنتهي بحريق وغرق يليهما نشوء وولادة عالم جديد.

كان أدورنو صارماً في نقده لفاجنر بحكم الوضع السياسي العصيب الذي عاشه بسبب النظام النازي إلا أنه قد أصبح لين الجانب قليلا فيما بعد ذلك فيقول في محاضرة له ألقاها في عام 1963 معلقا على كتابه:

اليوم أود أن أعيد صياغة العديد من الأشياء التي تم ذكرها في الكتاب بشكل مختلف. خاصة الإشكال المركزي فيه، وهو العلاقة بين الشؤون المجتمعية هذا من جهة. ومن جهة أخرى الشؤون الاستطيقية، فربما تعمقت أكثر من اللازم عما كانت عليه الأمور آنذاك. لكني لا أتخلى عن الكتاب ولا أضع مسافة بيني وبين مبادئه التي يقوم عليها.

ويكمل قائلا:

ربما علي أن أشكر الحرية، فباستطاعتي الآن أضع بعض التعليقات بخصوص التغييرات التاريخية في سلوكنا تجاه فن فاجنر، فنحن لا نستطيع تجاهل العامل السياسي. فلقد حلت بنا كوارث عدة حتى نرى الجمالي فيها ونغلق أعيننا عليه.

 أول أسئلة أدورنو كانت من أين تأتي معاداة السامية هذه عند فاجنر؟ فحاول البحث فلسفيا عن هذه الإجابة. فاعتبر أن موسيقى فاجنر ماهي إلا تجسيد لخيبة ثوراته، بشكل تناقضي يحدث هذا من خلال الجمع بين الرفض المحافظ للحداثة الرأسمالية والعناصر الرئيسية للإستهلاك الفيتيشي. وبالتالي إذا سلّمنا بهذا تصبح المعاداة للسامية عند فاجنر ليست خيارا شخصيا أو رأيا ظاهريا فحسب، وإنما هي محفورة في البنية الداخلية لأعماله الفنية.

يحاول الناقد السلوفيني سلافوي جيجيك الإجابة على هذا السؤال من خلال توطئة كتبها لأحد نسخ كتاب أدورنو بعنوان “لماذا يستحق فاجنر الإنقاذ؟” قائلا:

في تعاملنا مع معاداة السامية عند فاجنر، يجب أن نضع في حسباننا أن معارضة ما يسمى بالروح الجرمانية للمبدأ اليهودي ليستا معارضة حقيقية. بل هناك لفظة ثالثة، ألا وهي الحداثة. حيث هي تسيّد للتبادل في المجال العام، واضمحلال للعلاقات العضوية وتسيّد للصناعات الحديثة، وتسيّد للفردانية.

ويكمل محاولاً توضيح أن رفض الحداثة لدى فاجنر ليس مباشراً وإنما هو أكثر تعقيداً. ففاجنر يحاول عنده تحويل الحداثة هذا الكيان التجريدي الغير شخصي إلى وجه مألوف وكان هذا الوجه هو اليهود. فرفض اليهود هو رفض لمبادئ التكامل والإحتواء الحداثي:

لنخلص الموضوع، إن معاداة السامية لا تعبر عن معاداة للحداثة بهذا الشكل، وإنما هي محاولة لجمع الحداثة والهيمنة الإجتماعية والتي هي خاصية من خصائص الثورات المحافظة.

كل ما سبق هو محاولة لتوضيح أن معاداة السامية عند فاجنر ليست رأياً شخصيا يمكن تجاهله، وإنما هي كامنة في أصل وذات أعماله الفنية. وإذا ما عرفنا ذلك، هل ما زال بإمكاننا تجاهل ذلك عندما نستمع للموسيقى ؟ أم نرفض الاستماع إليه كما يفعل المعادون للفاجنرية أو كما يحدث في دولة الإحتلال الصهيوني حيث هناك منع غير رسمي لأعمال فاجنر. يذكر إدوارد سعيد أن الموسيقي دانييل بارينبويم حاول أن يعزف أحد المقطوعات الخاصة بفاجنر في تل أبيب، حتى اقتربت منه سيدة عجوز قائلة: “أنى لك الرغبة أن تعزف شيئا كهذا ؟ لقد رأيت عائلتي تساق للإعدام على أنغام افتتاحية “الأساتذة الموسيقيون لنورمبرغ”.”

وهنا يناقش إدوارد سعيد في كتابه “متتاليات موسيقية” بادئا ذي بدء بدور المسيقى الكلاسيكية في الغرب المعاصر:

وعليه، فإن الموسيقى بشكل حرفي تملأ تماما فضاءً اجتماعياً، وهي تفعل ذلك عن طريق إحكام أفكار السلطة والتسلسل الهرمي الاجتماعي المرتبط مباشرة مع مؤسسة مسيطرة يُتخيّل أنها مترأسة وسائدة.

يدافع إدوارد عن عن الجدارة الجمالية لدى موسيقى فاجنر برغم ما يشوبها من إرث ثقافي وسياسي ويعتبرها جمالية غر قابلة للإتهام. فهي سم ودواء في آن واحد، على الرغم من فظاظتها إلا أنه ليس بالإمكان أن نختزلها إلى مستوى واقعيتها الفظة فحسب، وهنا يختلف سعيد مع أدورنو:

كل التحليلات ذات الأثر الرجعي، سواء أكانت للموسيقى أم لأي نشاط إنساني آخر، والتي تحكم وتُنظّر وتشمل في الوقت نفسه، والتي تقول بالنتيجة إن شيئا واحداً كالموسيقى يساوي كل الأشياء، أو أن كل أنواع الموسيقى تساوي نتيجةً ملخصة واحدة ما كان لها أن تحصل بأي طريقة أخرى، تبدو لي ذات عيوب وعلل فكرية وتاريخية.

أيضا:

فالموسيقى كما يشهد تفسيري المختلف قليلا لفاجنر لا يمكن اختزالها لواقع فظ ليس لأنها تعكس العلاقات الإجتماعية فقط، بل لأنها تسمو عليها أيضا.

كان التفكير بالموسيقى والتغريب الثقافي في أواسط وأواخر القرن التاسع عشر (عند فيردي،بيزيت،فاجنر، ..إلخ) أو بالموسيقى أو السياسة خلال القرن السابع عشر والقرن العشرين (مونتيفريدي، شونبرغ، الجاز، الروك) بمثابة رسم خريطة لمجموعة الارتبطات السياسية والإجتماعية والولاءات والإنتهاكات، التي لا يمكن اختزال أي منها إلى مجرد فصل بسيط أو إلى انعكاس للواقع الفظ الردئ.

ما يستدعي لكتابة التدوينة هذه هو زمن انحطاط السياسي، وبالتالي انحطاط الأدبي والفني معه بالضرورة. وكل مرة يتبنى فنان ما أو أديب ما موقفاً سياسيا يتعارض بشكل حاد مع مواقفنا الشخصية نسأل ذواتنا هل نستطيع أن نستمع لذلك الموسيقي أم نقرأ لهذا الشاعر أو لذلك الأديب وكأننا نحمل جزء من المسؤولية اذا ما شاركنا كمتلقين لهذا العمل الجمالي. مسألة فاجنر خير مثال بإمكانه الإجابة على أسئلتنا في هذا الخصوص، سواء كنا ممن يأخذ برأي أدورنو وبرأي أصحاب التوجه المعادي لفاجنر أم كنا ممن يأخذ برأي إدوارد سعيد.

المنفى الثقافي عند إدوارد سعيد

408195b

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه (روبرت فيسك) بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

أما عن كتاب (الآلهة تفشل) فهو مجموعة من المحاضرات التي ألقاها (إدوارد سعيد) في برنامج ريث في الولايات المتحدة عام 1993م، نُشِرت في هذا الكتاب واقتبست منها بعض ماجاء في الفصل الثالث بعنوان: المنفى الثقافي – مُبعدون ومهمّشون. وقال في مقدمته للمنفى:

النفي واحد من المصائر الأكثر حزناً. قبل الأزمنة الحديثة كان النفي على وجه الخصوص عقوبة فضيعة نظراً لأنها لم تكن تعني سنوات من التجوال بلا هدف بعيداً عن الأهل و الأمكنة المألوفة فقط. بل عنت أيضاً نوعاً من منبوذ باستمرار ؛ شخصاً لم يشعر بالألفة و دائماً في نزاع مع البيئة، لا عزاء له حول الماضي. ويشعر بالمرارة حول الحاضر والمستقبل. كان ثمة ربط دائم بين فكرة النفي ومظاهر الذعر من أن يكون المرء مصاباً بالجذام، منبوذاً اجتماعياً وأخلاقياً.

خلال القرن العشرين، تحوّل النفي من عقوبة مختارة بعناية، و أحياناً حصرية لأفراد محددين – مثل الشاعر اللاتيني العظيم أوفيد، الذي نفي من روما إلى بلدة نائية على البحر الأسود – إلى عقاب وحشي لجماعات و شعوب بكاملها، وفي أحوال كثيرة نتيجة غير متعمدة لقوى غير شخصية كالحرب والمجاعة والمرض.

أما عن الرؤية السائدة للمنفى فقال فيها:

ثمة فرضية شعبية لكنها خاطئة بالكامل أن المنفي مجتث تماماً، منعزل، منفصل عن موطنه الأصلي على نحو ميؤوس منه. لو أنه فصل حراحي تام لكان ذلك صحيحاً، لأنك عندئذٍ على الأقل تستطيع أن تحصل على عزاء معرفة أن ماتركته وراءك، في معنى مّا، لا يمكن التفكير به و لايمكن شفاؤه أبداً. أما الواقع بالنسبة لمعظم المنفيّين هو أن الصعوبة لاتكمن ببساطة في الإجبار على العيش بعيداً عن الوطن، بل الأصح مفترضاً عالم اليوم، العيش مع أشياء كثيرة تذكرك أنك منفي، و أن وطنك في الواقع ليس بعيداً جداً، وأن الحركة العادية للحياة اليومية المعاصرة تبقيك في اتصال دائم مع المكان القديم لكنه اتصال معذب لأنه يقرب أشياء لا سبيل إلى تحقيقها. لذلك فإن المنفي يحيا في حالة وسط، ليس وحيداً تماماً مع البيئة الجديدة ولا هو تخلّص بالكامل من القديمة، محاصراً بنصف ارتباط ونصف انفصال، مشتاقاً إلى الماضي وعاطفياً من جهة ومقلداً بارعاً أو منبوذاً غامضاً من جهة أخرى.

فتصبح براعة البقاء المطلب الرئيسي ومعها يشكل الرخاء والأمان خطرًا يجب الاحتراس منه باستمرار.

و يطرح نقطتين عن المثقف الذي لا يستطيع بسبب المنفى أو الأقرب إلى القصد لن يخلق تكيفاً مفضلاً بدلاً من ذلك البقاء خارج الاتجاه السائد، غير متكيف، غير مستوعب، مقاوماً، فيقول:

الأولى ؛ هي بينما المنفى حالة واقعية، هو أيضاً بالنسبة لأهدافي حالة مجازية بذلك أعني أن تشخيصي للمثقف في المنفى ينشأ من التاريخ الاجتماعي والسياسي للتشريد والهجرة الذي بدأت به هذه المحاضرة، لكنه غير محدود به. فحتى المثقفون الذين هم أعضاء مجتمع طوال عمرهم يمكن، لنقل أن ينقسموا إلى مندمجين ودخلاء: من جهة هؤلاء الذين ينتمون بالكامل إلى المجتمع كما هو، الذين ازدهروا فيه دون حس غامر بالتنافر أو الخلاف، هؤلاء الذين يمكن أن نسميهم القائلين نعم، و هناك من جهة أخرة القائلين لا، الأفراد الذين هم على خلاف مع مجتمعهم و لذلك دخلاء و منفيون طالما كانت الامتيازات و السلطة و الألقاب هي الشاغل. النموذج الذي يشرع الطريق للمثقف كدخيل تمثله حالة المنفى جيداً، حالة عدم التكيف على نحو تام أبداً، شاعراً دائماً أنه خارج العالم المهذار، المألوف والمسكون بالأصليين، لنقل هكذا , ميّالاً إلى تفادي وحتى كره زخارف التكيف والرفاهية القومية.

المنفى للمثقف في هذا المعنى الميتافيزيقي هو القلق، و الحركة، وعدم الاستقرار بشكل متواصل، وإقلاق الآخرين. لا تستطيع أن تعود إلى حالة مّا مضت وربما مستفرة أكثر من الوجود في البيت، وللأسف لا يمكنك أبداً أن تنجح على نحو كامل، و تنسجم مع ملجئك أو وضعك الجديد.

ثانياً ؛ و أجدني بطريقة مّا مندهشاً بهذه الملاحظة حتى عندما أقدّمها أنا – يميل المثقف كمنفي لأن يكون سعيداً بفكرة التعاسة، وبالتالي ذلك الاستياء المتاخم لسوء الهضم، ضرب من سوء الطبع على نحوٍ نزِق، يمكن أن يصبح ليس أسلوب تفكير فقط، بل أيضاً سكنى جديدة ولو مؤقتة.

 و من ناحية إيجابية للمنفى والهامشية يقول إدوارد سعيد:

 أحد – الإيجابيات- طبعاً هو فرح الاندهاش، وعدم قبول أي شيء كبديهي، و تعلم البديل المؤقت في ظروف عدم الاستقرار المتزعزع التي تربك وتروع معظم الناس. إن المثقف يبحث عن المعرفة والحرية بشكل أساسي، بيد أن ذلك يتطلب معنى ليس كأشياء مطلقة – كما في التعبير المبتذل ” يجب أن تحصل تعليماً جيداً كي تستطيع أن تستمتع بحياة هانئة ” – بل كتجربتين معاشتين. فالمثقف يشبه شخصاً غرقت سفينته يتعلم كيف يعيش بمعنى محدد مع الأرض، ليس عليها، لا (كروبنسون كروزو) الذي كان هدفه أن يعمر جزيرته الصغيرة بل أشبه بـ(ماركو بولو) الذي لم يخذله إحساسه بالرائع أبداً وهو المسافر دوماً، والضيف العابر، لا طفيلي ولا فاتح أو قرصان.

و لأن المنفي يرى الأشياء في شرط ماتركه خلفه وماهو واقع له فعلاً، فثمة منظور مزدوج لا يرى الأشياء في العزلة أبداً. كل مشهد أو وضع في البلد الجديد يستحضر بالضرورة نظيره في البلد القديم. ثقافياً هذا يعني أن فكرة ما أو تجربة مّا توازن دائماً بأخرى و ذلك يجعلهما تظهران في صورة جديدة لا يمكن التنبّؤ بها أحياناً.

الفائدة الثانية لما في الواقع هي أن وجهة نظر المنفى بالنسبة للمثقف هي أنك تميل إلى رؤية الأشياء، ليس ببساطة كما هي، بل كيف تطورت لتكون كذلك.

و في ختام محاضرته يقول:

إن كون المثقف هامشياً و غير مدجّن مثل شخص ما في منفى حقيقي عليه أن يكون مستجيباً على نحو غير عادي للخبير بالسفر لا لصاحب السلطة، للمؤقت والمنذر بالخطر لا للمعتاد، للابتكار والتجربة لا لشرط الوضع القائم بقوة السلطة. إن المثقف المنفي لا يستجيب لمنطق التقاليد بل لجرأة المغامرة، وتمثيل التغيير والسير قدماً، لا للسكون الراكد.

الوجه البشع للموسيقى عند إدوارد سعيد

إدوارد سعيد

كان إدوارد سعيد (1 نوفمبر 1935- 25 سبتمبر 2003) شغوفًا بالموسيقى إلى حد كبير. فقد كان مستمعا جيدا مخلِصًا للموسيقى الكلاسيكية ذوقيا ، فقد تعود و تدرب على سماعها منذ صِغره و تعلم العزف على البيانو في عمر مبكرة – حتى اقتنع انه سيكون مستقبلا عازفا كبيرا لآلة البيانو – كنوع من الدخول في أسلوب الحياة البرجوازية الذي حاول والده آنذاك يعوّده عليه بزعمه. و بالفعل كان له ما توقع و لو قليلا على الأقل فقد عزف البيانو في بعض الحفلات التي حضرها قبل أن يتغير مستقبله كليا و يصير المفكر و الناقد الثقافي الذي نعرفه. رغم ما صار إليه إدوارد سعيد من موضع آخر بعيد عن الموسيقى إلا أنه كتب ماهو ليس بالقليل عنها فقد ألف كتابين هما ” توضيحات موسيقية ” و ” موسيقى بلا حدود ” و العديد من المقالات مثل مقالاته في مجلة الأمة الأمريكية الشهيرة.

و قد تأثر إدوارد سعيد في تحليله الموسيقي و آثار الموسيقى الإجتماعية تأثرًا جليا بالفيلسوف الكبير ثيودور أدورنو الذي اختص بمجال الجماليات و علمها في مدرسة فرانكفورت الفلسفية ولا يكاد يخلو كتاب ولا مقال لإدوارد عن الموسيقى ولا يأتي ذكر أدورنو كأب روحي لسعيد في هذا الجانب. يلتقي إدوارد سعيد بأدورنو في كون أن الموسيقى لا تنفصل عن النشاط الإجتماعي ، خاصة المفارقة غير الإنسانية التي ما ربطت كثير بين الموسيقى كونها في جوهرها فن نبيل و بين ممارسات بشعة مثل سوق المعتقلين في السجون النازية على موسيقى الموسيقار الشهير فاغنر. و كان أدورنو أول من بدأ هذه الإشارة إلى الربط بين الموسيقى و الإعتقال و التعذيب و سوْق المعتلقين إلى غرف الإعدام على أنغام الموسيقى الكلاسيكية. و لم يلبث طويلا حتى سار إدوارد على نفس النهج و الأخذ بالمقارنة ذاتها و إنزالها على أفعال إحتلال الإسرائيلي في سجونها تجاه الفلسطينيين ، حيث تُمارِس نفس الأسلوب فيذكر سعيد استخدامها موسيقى الميتال ” روك ميتال ميوزك ” لإزعاج المحاصرين في كنيسة المهد في بيت لحم عام 2002 في الإجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية آنذاك.

يذكر سعيد في أحد المقالات:

إنني مهتم جدا بالأثر و المكون الإجتماعي للموسيقى. وما تصنعه من إشكاليات أخلاقية ربما بحسب أدورنو ، الذي استفزه عزف الموسيقى الكلاسيكية في معسكرات أوشفيتز الشهيرة ، فالضابط كان يقتل الناس نهارا ليعزف باخ ليلا !

و يكمل سعيد عن الممارسات الإسرائيلية في سجونها ذاكراً أن القوات الإسرائيلية و منها المخابرات كانت تبث موسيقى بيتهوفن أثناء تعذيب المعتقلين الفلسطينيين كنوع من ” الضغط البدني المعتدل ” كما يصفه الإسرائيليون. و يذكر أيضا أن صديق ابنه و الذي كان عضوا في حركة المقاومة الإسلامية ” حماس ” لم يكن يحتمل موسيقى بيتهوفن التي كانت تدوي في منزل إدوارد. فعندما سأله لماذا ؟ قال له بأن الإسرائيليين كان يضعونه في زنزانة مجهزة بمكبرات الصوت و يعزفون الموسيقى الكلاسيكية بأعلى صوت ممكن كنوع من أنواع الضغط.

إن جوهر القضية بالنسبة لإدوارد سعيد يتلخص ربما في قوله :

إن استخدام الموسيقى الكلاسيكية من جانب أناس لديهم ثقافة موسيقية رفيعة المستوى – حيث أن فرقة الأوركسترا الإسرائيلية كانت تعزف أعمال بيتهوفن و موتسارت و آخرين مثل أي فرقة بالعالم – في مراكز الإستجواب ضد الفلسطينيين هو ، ببساطة أمر لا يمكن الدفاع ولا السكوت عنه.