أرشيف الوسم: إكليل_عشر_سواقي_2019

قصة حياتي: كيف يشكل السرد شخصياتنا؟

 

 هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

في رواية (بول مورّاي) (سكيبي يموت) تجيء لحظة يعاني فيها بطل الرواية (هاورد) من أزمة وجودية فيقول: “ليست هذه الصورة التي تخيلتها لحياتي”. 

فيرد صديق: “ما الذي توقعته؟”

يتأمل (هوارد) السؤال: “أعتقد- يبدو هذا أحمقًا- لكني أظن أنني اعتقدتُ بوجود منحنى سردي أكثر في حياتي”.

لكن هذه الفكرة ليست حمقاء على الإطلاق. بالرغم ربما من حقيقة أن حياة الواحد المعروضة منذ بدايتها حتى نهايتها لن تمثل سردًا لمراقبها من الخارج، إذ أن الطريقة التي يختارها الآخرون لقص حكاية حياتهم للآخرين والأهم لأنفسهم لا تتبع دومًا تقريبًا منحنى سردي. فحين تروي قصتك فيما أصبحت وفيما كنت قبلها تصبح القصة بذاتها جزءً من هويتك.

يكتب (دان مكادمز) بروفسور علم النفس في جامعة نورث ويتسرون مشاركًا (إريكا مانزاك) في فصل لدليل الشخصية وعلم النفس الإجتماعي لجمعية علم النفس الأمريكية:

لا تعكس قصص حياة الواحد شخصيته ببساطة. هذه القصص هي الشخصية، أو بدقة أشد هي الأجزاء المهمة من الشخصية بالإضافة إلى الأجزاء الأخرى كالسمات المزاجية، الأهداف، القيم.

في مجال علم النفس السردي ليست قصة حياة الشخص سيرة ذاتية على موقع ويكيبيديا تتضمن الحقائق والأحداث التي حصلت فيها، لكنها الطريقة التي يجمع فيها الشخص بين هذه الحقائق والاحداث في داخله، كيف ينتقيها أجزاءً ثم يعيد نسجها ليكون لها معنى. يصبح هذا السرد شكلًا من أشكال الهوية: فالأشياء التي يختارها ليضمنها في القصة، والطريقة التي يرويها فيها يمكن أن تشكل هويته وتعكسها. ليست قصة حياة الشخص محض إخبارٍ بما حدث، بل هي تطرح سبب أهميته، وما تعنيه لما عليه الشخص الآن، ولما سيصبح عليه، ولما سيحدث بعدها.

يقول (جونثان أدلِر) الأستاذ المشارك في علم النفس في كلية أولين للهندسة:

أحيانًا في حالات التوحد الحادة لا يشكل المصابون بناءً سرديًا لحيواتهم، لكن النمط الافتراضي لإدراك الإنسان هو النمط السردي.

حين يتحدث الأشخاص للآخرين عن أنفسهم عليهم تقريبًا أن يحكوها سردًا، إنها الطريقة التي يتواصل بها البشر. لكنهم حين يفكرون بحيواتهم بينهم وبين أنفسهم فدومًا ما يسلك ذلك منحنى سرديًا، بحبكة تسير من نقطة إلى أخرى. وهناك مثل مأثور يقول بأن داخل كل شخص كتاب. (كريستوفر هيتشنز) قال مرة: الداخل “هو بالضبط أينما أظن يجب أن يظل في معظم الأحيان”. هل هناك أي شخص في هذا العالم بقصة حياة ليست على شكل قصة أبدًا، ولكنها أقرب لكونها تمثيل مفكك غير تقليدي لوجوده؟

تقول (مونيشا باسباثي) برفسورة علم نفس التنموي في جامعة يوتا: “يستحيل تقريبًا التطرق لهذا السؤال من ناحية علمية”. فحتى لو كنا “حيوانات حكاءة” كما أسمانا (جونثان غوتشل) فما الذي يعنيه هذا من شخص لآخر؟ إذ أن الأمر لا يتمحور فقط حول الاختلافات الفردية في الطريقة التي يفكر بها الأشخاص بقصصهم، بل هناك اختلاف شاسع في الدرجة التي ينخرطون فيها في القص السردي أصلًا.

تقول (كايت مكلين) الأستاذ المساعد في علم النفس في جامعة ويسترن واشنطن: “يكتب البعض في مذكراتهم مستبطنين لذواتهم متعمقين فيها، والبعض الآخر ليس كذلك إطلاقًا”. فرغم أن عادة التدوين المستمر هي طريقة لتوثيق قصة الحياة لكنها لا تشكل دومًا سردًا عميق الانفعال. حين أجريتُ منذ عدة شهور مقابلة مع الكاتبة (سارة مونقوسو) والتي داومت على تدوين يومياتها لمدة خمس وعشرين سنة وما زالت أخبرتني: “لم يكن السرد يومًا أسلوبًا تسرب إليّ بيسر”.

بيد أن جميع الباحثين الذين تحدثت معهم كانوا مقتنعين بأنه ولو لم تكن الفكرة عالمية متعارف عليها بنسبة 100% فإنها تظل على الأقل شائعة جدًا.

تقول (باسباثي):

أعتقد أن جميع البالغين الطبيعيين السلميين يشتركون في قدرتهم جميعًا على تكوين قصة حياة. يمكنهم جميعًا جمع الأجزاء وتكوينها… فلنحظى بعلاقات علينا جميعًا أن نحكي أجزاءً من قصتنا. ولذا من الصعب أن تكون إنسانًا وتنخرط في علاقات دون أن يكون لك نسخة من قصة حياتية تطفو حولك.

لكن الحياة نادرًا ما تتبع في سيرها التعاقب والتوالي المنطقي الذي تتبعه معظم القصص -القصص الجيدة- حيث تجتمع القرائن كلها، وحيث تُطلق الأسلحة المتروكة على رف الموقد في اللحظات المناسبة، ولا الذروة التي تظهر في المشهد الثالث. لذا يبدو السرد طريقة تأطير متناقضة للفوضى الحياتية لحين تذكرك لمنبع القصة مصدرها في الأساس. وفي النهاية فإن المادة الوحيدة التي استطعنا يومًا أن نخلق منها قصصًا هي خيالنا والحياة نفسها.

إذًا حكاية القصص خيالية كانت أم لا، واقعية أو تعج بالتنانين هي طريقة لجعل العالم من حولنا منطقيًا ذو معنى.  

يقول (أدلِر):

الحياة معقدة للغاية، يحدث الكثير والكثير طيلة الوقت في محيطنا وفي حيواتنا، ولنشبث لتجربتنا ونحفظها علينا جعلها ذات معنى، والسبيل إلى ذلك هو بهيكلة حيواتنا قصصًا وحكايا.

إنه التزام صعب، فالناس يحوون بين جنباتهم جموعًا وأعني بالجموع مكتبات. فلربما كان لأحدهم سردٌ حياتيٌ جامع شامل لكل حياته، وقصصٌ مختلفة بسرد مختلف لحياته، وظيفته، حياته العاطفية، عائلته، إيمانه. ولربما كان داخل كل قصة قصصٌ أخرى تتقاطع، تتضارب أو تتضاد مع الأخريات، وكلها محشوة بقصصٍ أدق لأحداث معينة. وليكون قصة حياته عليه أن يتبع ما يسميه الباحثون “استخلاص السيرة الذاتية” لكل الأحداث كما كتب (مكادمز) و(مانزاك):

تمييز الدروس المكتسبة والخبرات المكتسبة من الحياة، وتحديد التطور والتحسن خلال تعاقب الأحداث، وإظهار مدى دقة المراحل الحياتية في تصوير الحقائق الدائمة عن الذات.

كما يُضيف (مكادمز):

لا يُفترض بالقصص أن تكون بسيطة جدًا كالقصص الخيالية، يمكنها أن تكون معقدة، يمكنها أن تكون كروايات جيمس جويس هناك على أرض الواقع.

إذا كنت حقًا كـ(جيمس جويس) فلربما هناك العديد مثله. إذ يحصد الناس القصص المحيطة بهم -الحكايات الخيالية، مقالات الصحف، نوادر العائلة الملفقة- ومن ثم يتماهون معها ويقتبسون منها بينما يصوغون مفاهيمهم وتصوراتهم الذاتية الشخصية. يشبه الأمر شريط موبيوس: القصص هي الحياة، الحياة هي القصص.

إلا أن الناس لا يدونون حياتهم منذ ولادتهم، إذ تستغرق القدرة على صياغة السرد الحياتي زمنًا لأن عملية النمو تمنح الأولوية لممارسات أخرى كالسير والتحدث وإدراك وجود الأشياء وملاحظتها. ويمكن للأطفال رواية قصصٍ عن أحداث بعينها بإرشاد ومساعدة، بينما تخصص معظم فترة المراهقة لتعلم:” ما يُضمن في القصة.. وما يجعل القصة جيدة في المقام الأول” وفقًا لـ(باسباثي)، وإذ تتابع: “لا أعلم كم من الوقت قضيتِ بصحبة الأطفال إلا أنهم لا يدركون حقًا هذه الأفكار. عندي طفل يمكنه أن يحدثك لمدة ساعة كاملة عن لعبة ماين كرافت”. إذ يتعلم الأطفال من الأصدقاء والعائلة والأدب ما يعنيه أن تكون حكاءً جيدًا، ولهذه القدرة على حياكة قصصٍ مدهشة وجيدة قيمة اجتماعية.

يبدأ تعلم صياغة القصص الحقيقي في السنوات الأخيرة من المراهقة والسنوات المبكرة من النضج؛ لأن الأدوات الإدراكية التي يحتاجها الأشخاص لخلق قصة حياتية متسقة ومتماسكة تكون حينها نمت وتطورت. وتتضمن هذه الأدوات التناسق والتماسك السببي أي القدرة على وصف كيف أدى حدث إلى آخر، والتناسق والتماسك الموضوعي أي القدرة على تحديد القيم الشاملة والرئيسية و تعزيز التجدد والتكرار خلال القصة. توصلت دراسة تحلل قصص الحياة لأشخاص بعمر الثامنة، الثانية عشر، السادسة عشر، والعشرين إلى أن أشكال التناسق المضمنة في القصة تزيد بتقدم العمر. وباقتراب القصة الحياتية من فصولها الأخيرة لربما أصبحت محددة أكثر لا تتغير، ففي دراسة لـ(مكلين) تمتع البالغون الأكبر سنًا بدرجة أعلى من التناسق الموضوعي، وحكوا قصصًا أكثر عن الاستقرار، بينما نزع البالغون الشباب والأصغر إلى رواية قصص أكثر عن التغيير.

يعتقد (مكادمز) بأن هذا التطور والنمو ناتجٌ عن تقسيمات الجوانب الثلاث للذات. فالبشر منذ الولادة تقريبًا “ممثلون، لهم سمات شخصية، يتفاعلون مع العالم، لهم أدوارٌ محددة عليهم أن يؤدوها: الابنة، الأخت، طفل الجيران المولود حديثًا والذي سيبكي طيلة الليل ويبقيك مستيقظًا. وحين يبلغون العمر المناسب ليحددوا أهدافهم ويختارونها يصبحون مفوضين، وتظل لهم أيضًا أدوارٌ ليؤدوها ويتفاعلون مع العالم، ولكنهم يتخذون قراراتهم على أمل أن يحصلوا على النتائج المرغوبة. أما التقسيم الأخير فهو المؤلف أي حين يبدأ الأشخاص بحزم أفكارهم عن المستقبل وفرزها بخبرتهم من الماضي والحضر وتحويلها إلى سرد ذاتي.

يمكن أن يشرح هذا المسار التطوري السبب لاستمتاع الأشخاص بأنواع مختلفة من القصص الأدبية والخيالية في أعمار مختلفة. يقول (مكادمز): “حين تكون طفلًا يتمحور اهتمامك في مجمله حول الحبكة، سيحدث هذا وسيحدث ذلك. ولا تكون متماشيًا مع فكرة أن الشخصيات ستتطور”. ولذا على الأرجح لا تعتق جاذبية الشخصيات الكرتونية ولا تكبر.

مؤخرًا قرأ نادي قراءة (مكادمز) رواية (إيثان فروم) للروائية (إديث وارتون) يقول عن ذلك:

قرأتُ الرواية في المدرسة الثانوية وكرهتها، كل ما يمكنني أن أتذكره عنها هو تلك المزلجة التي اصطدمت بالشجرة. ومؤخرًا قرأنها في النادي ويا للعجب إنها مذهلة. اصطدمت المزلجة بالشجرة نعم ولا شك أنه مشهد مهم، ولكن كيف غيرت هذه الحادثة حيوات الأشخاص والمأساة الناتجة عن هذا كله فُقدت كلها حين كنتُ في الثامنة عشر من عمري. ما يُفقد في الثامنة من العمر يُسترجع في الأربعين، وما يحس ذو الثامنة من عمره بأنه قهري وممتع سيدفع ذي الأربعين من عمره للبكاء يومًا ما.

وكاختلاف الأذواق في الكتب أو الأفلام فإن القصص التي نخبرها لأنفسنا عن أنفسنا متأثرة بأكثر من ذواتنا في حقيقة الأمر. إذ يبدو أن الطريقة التي يسرد فيها الأشخاص تجاربهم للآخرين تُشكل الطريقة التي ينتهون فيها لتذكر الأحداث. ووفقًا لبحث (باسباثي) يحدث هذا بعدة حالات، إحداها أن الأشخاص يواءمون القصص لتتناسب مع السياق ومع مستمعيهم. فمثلًا أنا أروي الآن قصة الحادث الذي أصبت فيه سيارتي والدتي بالضرر الآن لأصدقائي باختلاف كبير عما قلته لأمي حين الحادث أي ببكاء أقل.

  أما الحالة الأخرى هي أن فعل الرواية هو تدربٌ على القصة كما تقول (باسباثي): “ويقوي التدرب على القصة الروابط بين بضع معلومات موجودة في عقلك عن القصة ويضعف الروابط بين معلومات أخرى. لذا تصبح الأحداث التي أخبرك بها أقرب إليّ وأيسر في تذكرها واسترجاعها. ولربما كان هذا التأثير دائمًا ثابتًا”. لذا حين يلقي أحدهم بطعم الجملة المعسولة ما هي قصتك؟” في الحانة، فإن ذلك يكون لمسًا للوتر الحساس فينا كرجلٍ شق شريانه السباتي بينما كان يحلق لحيته.

لكن وكما لرواية قصصنا عواقب فهناك عواقب لعدم روايتها. فإن خشي أحدهم من الكيفية التي لربما تفاعل بها الناس مع قصته وأبقاها لنفسه، فإنه أقرب لتفويت الإثراء الناتج عن تبادل المحادثات. تعلق باسباثي على هذا فتقول: “لربما منحك السامع جانبًا آخر لما ترويه لتفكر به، أو لربما اعترف بأن ما تعتقد أنه حملٌ ثقيل وهم ما هو إلا أمرٌ يسير في حقيقة الأمر”. وإن أنت لم تتحدث تتابع (باسباثي) قائلة: “فإن ذاكرتك لربما أصبحت أقل مرونة فيما يخص هذا الحدث وضاءلت فرصتك بالنمو والتحسن”، وهذا هو بالضبط الأساس المنطقي للعلاج النفسي بالتحدث.

وهذا لا يضع في الحسبان كل المحادثات التي خططتَ لخوضها، أو التي تخيلت بتفصيل خوضها ولم تخوضها أبدًا. إن الدرب من الخارج إلى الداخل ثم إلى الخارج مرةً أخرى وعرٌ، مظلم، وضاجٌ بالتعرجات.

متى ما ضُمنت قصص معينة في الثقافة فإنها تصبح سرديات أساسية: مخططات للأشخاص ليتبعوها حين صياغة قصصهم للأحسن أو للأسوأ. وإحدى هذه المخططات هي حياتك النمطية: “التحق بالجامعة، تخرج، توظف، تزوج، أنجب أبناءً”.

هذه المخططات لربما كانت سيناريو مفيد يمنح الأطفال منحنى متوقعًا للحياة، ويعرض لهم أمثلة لأحداث مضمونة من المحتمل أنها ستحدث. لكن مساوئ السرد النمطي موثقة جيدًا: إنها تصم أي شخص لا يتبعها وصمًا نهائيًا، وتخلق توقعات غير واقعية عن سعادة أولئك الذين سيتبعونها. وإن كان هذا المخطط لطاولة من إيكيا لا للحياة فإن كل شخص سيحاول تقريبًا اتباعه سينتهي به المطاف بشيء متذبذب ومشوه، ببعضٍ من المسامير الباقية أسفل الأريكة ذات تأثير سيء على السلامة البنيوية لما بنيته.

تقول (باسباثي):

أظن أن هذا الإطار مهلك تحديدًا لأولئك الذين ينجبون أبناءً، ذلك السرد الحياتي الذي تكون ذروته هو الزواج وإنجاب الأبناء و منذ تلك اللحظة سيكون كل شيء سعيدًا سعادة قاطعة.

تتطور هذه السيناريوهات بتطور الثقافة فمثلًا: في القرون الماضية ما كانت قصص المس الشيطاني في غير محلها، لكنها يستبعد الآن في هذا العصر أن يصف معظم الأشخاص تصرفاتهم بمصطلحات كهذه.

أما الصياغة الأخرى للسرد الشائعة في عددٍ من الثقافات اليوم هي متسلسلة الاسترداد والتعويض ومتسلسلة التدنيس. تبدأ قصة التعويض بحدث سيء وتنتهي نهاية حسنة “قربتنا تلك الإجازة الفظيعة في نهاية الأمر من بعضنا البعض كعائلة”، أما قصة التدنيس فعلى العكس تمامًا “كانت الرحلة البحرية رائعة حتى تسممنا”. ترتبط ثيمة الاسترداد في قصة الواحد الحياتية بدرجات عالية من السلامة النفسية والصحة، بينما تميل ثيمة التدنيس للتزامن مع صحة عقلية أضعف.

للعديد من الأشخاص قصصٌ أصغر لكل حدث تناثر في حياتهم بمجملها، رغم أن تصرفات الشخص، ثقافته، ومحيطه يمكن أن تؤثر فيما ينجذب إليه. كما يمكن أيضًا أن يعد الأشخاص منحى حياتهم الكامل كاسترداد أو كتدنيس، ومنحنى الاسترداد هو الشائع تحديدًا، وتحديدًا في السرد الأمريكي. كتب (مكادمز) في بحث استعراضي للقصة الحياتية:

تطورًا وتحولًا منذ التطهيرية إلى رالف والدو إمرسون إلى أوبرا وينفري.. سعى الأمريكان لتوثيق حيواتهم وكتابتها كحكايا تعويضية للتكفير، للانعتاق والتحرر، للتشافي، لتحقيق الذاتي، ولرفع الارتقاء الاجتماعي. تتحدث القصص عن شخصيات رئيسية لأفراد أبطال -المختارون- قدرهم الواضح هو إحداث تغييرٍ إيجابي في عالم خطر، حتى لو لم يرغب العالم بالخلاص.

 إن قصة التعويض هي تمثيل للتفاؤل الأمريكي -سيكون كل شيء على ما يرام!- و الاستثنائية الأمريكية -أنا قادر على تحسين الأشياء!- وهذه موجودة في الماء والهواء، وفي رؤوسنا. وهذا في حقيقة الأمر أمر حسن معظم الوقت، إذ أظهرت الدراسات أن إيجاد معنى إيجابي في الأحداث السيئة مرتبط بإدراك للذات معقد أكثر ورضى أعمق عن الحياة. وحتى فيما يخص التحكم بالتفاؤل العام توصل مكادمز وزملاؤه إلى أن وجود متسلسلة الاسترداد والتعويض أكثر في قصة الحياة ما زال مرتبط بمستويات أعلى من العافية والسلامة النفسية.

تحدث المشكلة حين لا يكون التعويض ممكنًا، فحكاية التعويض الأمريكية امتيازٌ، أما أولئك غير قادرين على التحكم بظروفهم ولا سبب عندهم لاعتقاد بتحسن الوضع، سيكون التعويض خيارًا غير منطقي وصعب المنال. وهناك ما يحدث لأولئك الذين لا ينالون الخلاص ولا التعويض.

يصعب ربما مشاركة قصة تؤول إلى: “هذا ما حدث، وكان فظيعًا. النهاية”. طلبت (مكلين) في بحثٍ أجرته الأشخاص الذين خاضوا تجربة الاقتراب من الموت أن يحكوا قصصهم للناس وتقول في هذا الخصوص:

تعرض الذين حكوا هذه القصص المعلقة لردات فعل سلبية، فإذا لم يكن للقصة نهاية مبهجة، تعويضية (بغض النظر عن نجاتهم من الموت فقط) سيمتعض المستمعون.

وتتابع قولها:

لقصة التعويض والاسترداد والتحرر قيمتها في أمريكا؛ لأنها طريقة رائعة لرواية القصص لعددٍ من الناس، لكن أولئك غير القادرين على ذلك، غير القادرين على تعويض صدماتهم والتحرر منها لأي سبب هم فيما يشبه القيد المزدوج. فعند كلاهما هذه القصة الحمقاء المعلقة لكنهم أيضًا غير قادرين على نيل قبول الناس أو تصديقهم.

وفي حالة كهذه لأولئك الذين خاضوا العديد من الصدمات لربما كان خيرًا لهم ألا يؤرخوا لها كسيرة لحياتهم وألا يبحثوا فيها أبدًا.  

تقول (مكلين): “في المرة الأولى التي اكتشفت فيها هذا الارتباط بين التفكير والتبرير و ضعف الصحة العقلية اعتقدتُ بأني حللتُ البيانات التي بين يدي خطأ”. لكنها وبعد أن حاكت الأبحاث الأخرى نتائجها اقتنعت بوجود رابط، إذ تعتقد أن الأشخاص لربما كبحوا وقمعوا الأحداث الصادمة والمؤذية في دواخلهم بسلوك لربما ليس الاختيار المثالي لكنه يظل “صحيًا“.

وتضيف:

إن الفكرة النمطية هي أنك ستكبح ما يعتمل في داخلك لكنه سيطفو مرة أخرى ويفترسك إن أنت لم تتصالح معه، لكن ذلك يظل في ظل افتراض أن الأشخاص يمتلكون ما يلزم للتصالح مع ما يكبتون.

قابلت (مكلين) في إحدى دراساتها هي وزملاؤها مراهقين يرتادون مدرسة ثانوية للطلاب الأضعف والأكثر هشاشة. كانت إحدى الحالات جوزي ذات السبعة عشر عامًا ابنة لأم عزباء، عانت من إدمان المخدرات والكحول، اضطراب ثنائي القطب، الاغتصاب، ومحاولة الانتحار. أخبرت الباحثين أن ذكراها المحددة لذاتها هي قسم والدتها على عدم إنجاب الأبناء، ومن ثم حنثها به.

قالت (جوزي) حين سردت تلك الذكرى:

أنا الشخص الوحيد الذي أعول عليه في حياتي؛ لأني حاولتُ أن أعول على الآخرين وإما طُعنت في ظهري أو جُرحت وأوذيت، لذا أعرف تمام المعرفة أنني لا أثق سوى بنفسي ولا أعول إلا عليها.

يمكن أيضًا أن تمعن التفكير وتتعمق في أحداث طيبة في حياتك أيضًا تقول (مكلين):

أجريت بعض الأبحاث التجريبية التي أظهرت أنك حين تسأل الناس ليتحدثوا عن تجربة إيجابية تشعرهم بالسوء والتضايق؛ لأنك تدفعهم إلى ما يشبه: “حسنًا لِم تزوجت ذلك الشخص؟”. إن الحكمة والنضج والتعقيد الإدراكي صفات نقدرها لكنها لا تجعلك بالضرورة سعيدًا.

رغم أن البحث المتعمق في سيرة حياة الواحد لربما أوصله إلى أفكار سيئة أو كئيبة، ولكنه لربما أحيانًا أوصل الأشخاص إلى إيجاد معنى فيما حدث. وبينما من المحتمل أن تقدر على تجنب التفكير بحدث معين فمن الصعب أن تترك كل صفحات قصة حياتك غير مكتوبة ولا مدونة.

يعبر (أدلِر) عن رأيه فيقول:

أظن أن فعل صياغة حيواتنا كسرد ما هو فعل إيجابي ولا سلبي، إنه كما هو. غير أن لفعل ذلك سلوكيات سيئة وأخرى جيدة لصحتنا العقلية.

لاحظ (أدلِر) في بحثه طابعين في قصص الناس التي تميل لربطها بصحة وسلامة عقلية أفضل: التمثيل الشخصي، أو الشعور بأنك المتحكم في حياتك، والمشاركة، أو الشعور بأن لك علاقات جيدة في حياتك. والرابط “ضبابي بعض الشيء” كما يصفه (أدلِر)، فهناك علاقة قوية بين المشاركة وبين الصحة العقلية في الوقت ذاته، ولا يتضح كثيرًا إذا ما كان الشعور بالقدرة على المشاركة الآن يتنبأ بصحة عقلية أفضل لاحقًا.

لكن التمثيل الشخصي مرتبطٌ طبعًا وذلك معقول؛ نظرًا لكون الشعور بالعجز واليأس هي الأعراض الأساسية للاكتئاب، ولذلك فإن الشعور بالسيطرة والتحكم مفيدٌ للصحة العقلية. أجرى أدلِر دراسة ممتدة على سبعة وأربعين بالغ يخضعون للعلاج النفسي، طالبًا منهم كتابة سرد شخصي والخضوع لتقييمات للصحة العقلية خلال مدة 12 جلسة علاجية. ولم يكن ما توصل له فقط أن طابع التمثيل الشخصي زاد في قصص المشاركين بمرور الوقت، وأن معدل الصحة العقلية ازداد أيضًا وأن كلاهما كان مرتبط بالآخر، ولكنه أيضًا توصل إلى أن طابع التمثيل الشخصي المتزايد ظهر في القصص قبل أن تتحسن الصحة العقلية للمشاركين.

يقول (أدلِر) عن ذلك:

يبدو الأمر كما لو أنهم خلقوا نسخًا جديدة من ذواتهم وعاشوا وفقًا لذلك.

هناك تحديدًا ما يميز السرد: فصحيح أن التعبير عن أفكار الواحد ومشاعره بخصوص الأحداث السلبية يبدو مفيدًا للسلامة العقلية، أظهرت إحدى الدراسات أن كتابة تلك الأفكار والمشاعر في صياغة السرد أفادت الأشخاص أكثر من إنصات الآخرين لهم.

لكن يستدرك:

لكني لستُ كالسيد الممثل لذاته، التمثيل الشخصي بأي ثمن. لا أعتقد بصحة ذلك. فإذا كنت في المرحلة الرابعة من مرض السرطان لربما كان التمثيل الذاتي حسنًا لك لكن هل هو خيار منطقي؟ ولا أعتقد أن التحرر جيد على الأمد البعيد، لكن في أتون أولئك الذين يعانون حقًا من الأمر لا أعلم إن كان ذلك يفيدهم حقًا.

لكني تساءلتُ: برغم أن التمثيل الذاتي لربما كان نافعًا لك، هل رؤيتك لذاتك كبطل روايتك القوي هو على حساب الشخصيات الأخرى في قصتك؟ هل هناك أثرًا للتعاطف إن نحن عاملنا الآخرين كلاعبين بدلًا من أبطالٍ في قصصهم الشخصية؟

تقول (باسباثي):

تلك حقيقةً فكرة استقرائية مثيرة للاهتمام. لم أعرف أحدًا بحث في الأمر.

كما أظهرت أبحاث (أدلِر) بحتاج الناس لرؤية أنفسهم كممثلين إلى حد معين، وأظهرت أبحاث باسباثي أن للآخرين دورًا كبيرًا في تشكيل القصص الحياتية. أما السؤال الآن على الأرجح ما مدى إدراك الأشخاص لكون تمثيلهم الذاتي غير مطلق.

وفقًا لإحدى الدراسات عادة ما يروي الأشخاص المكترثون -أي الأشخاص الذي يهتمون ويلتزمون بمساعدة الأجيال القادمة- قصة عن أشخاصٍ ساعدوهم في الماضي. ويقترح مكادمز أن النرجسيين عادة أكثر ميلًا للتصرف على النقيض من ذلك “إنهم أشخاص جيدون حقًا في التحدث عن أنفسهم وفي خلق سردٍ عنها، لكنهم غير قادرين على الاستماع لك”.

أما (باسباثي) فتعلق:

إذا كانت قصصنا عن ذواتنا كمنتصرين بها في الحياة وفي تذليل صعابها، وتقلل هذه القصص من دور الآخرين فيها ومن دور الدعم المؤسسية في مساعدتنا على عمل الأشياء، علينا على الأقل أن ننجح في ملاحظة كيف تقييد المؤسسات والآخرين حياة غيرنا. أعتقد أن لذلك إشارات حقيقة لفهمنا للإجحاف والتفاوت في مجتمعنا. فكلما اعتقدت بأن العالم بأكمله مخلوق ليناسبك، كلما قل إدراكك لكونه يناسبك ويسير معك.

إنها مشكلة مُربكة؛ يستخدم الناس القصص لفهم الحياة لكن ما مدى ما تعكسه هذه القصص عن واقع الحياة وحقيقتها؟ وحتى مراعاة حقيقة قدرة الأشخاص المعقدة على رواية القصص كجويس، فإن الانحيازيات، الاختلافات الشخصية، أو العواطف يمكن أن تؤدي بالأشخاص المختلفين لرؤية الحدث نفسه رؤية مختلفة. وباعتبار مدى قابلية تعرض البشر للذكريات الزائفة من سيضمن أن الحبكات في قصة حياة أحدهم حدثت حقًا، أو حدثت بالطريقة التي اعتقد أنها حدثت، أو تسببت بالأثر الذي يعتقد أنها فعلت؟

لا تقتنع (باسباثي) بأهمية دقة القصص الحياتية من عدمها. تتناول العديد من الأبحاث عن الذكريات الزائفة شهادة الشهود، بينما ما يهم حقًا ما إذا كان الشخص يروي القصة كما حدثت بالضبط. لكن ما يهم الباحثين في علم نفس السرد حقًا وفقًا لـ(باسباثي):

ما إذا كان ما يرويه الشخص حقيقيًا في المشهد الجنائي أو القانوني، إن ما يهم حقًا إذا ما كان الشخص قادرًا على صياغة قصة ذات معنى ومتناسقة بناءً على ما حدث. يختلط كل صياغة لسرد ببعضٍ من الكذب، وبعض الكذبات صادقة كفاية.

إن تنظيم الماضي على شكل قصة سردية ليست فقط طريقة لفهم الذات ولكنها أيضًا محاولة لتوقع المستقبل، وهذا مثير للاهتمام؛ لأن رواية القصص تبدو متعارضة جدًا مع وقائع الحياة الحقيقية المنذر بها مجازيًا طبعًا. علمتني الجلسات النقاشية في فصل لمادة الأدب خلال دراستي الجامعية يمكنك أن تعد أي شيء مجازًا إن بذلت أقصى جهدك، عبارة دالة بلا شك. فحتى لو كنتَ تحيا حياتك عشوائيًا قدر الإمكان ستحدث أشياء كافية لتبدأ الأنماط في ولوج حياتك كنظرية القرد اللامحدودة.      

لكن بغض النظر عن مدى محاولاتك الجادة وبغض النظر عن رغبتك الملحة في ذلك لا وجود لطريقة حقيقية صادقة لمعرفة المستقبل، والعالم لم يخلق بذاته ليمنحك إشارات وتلميحات. إن كنت ميالًا للمبالغ في التفكير وتجرب كل سيناريو ممكن في ذهنك مسبقًا سترى تنبؤً في كل ما حولك. فالطريقة التي ينظر والداك لك فيها تعني شجارًا تحلق في الأفق، المديح من رئيسك يعني أنك سائرًا نحو الترقية، وكل تلك الأشياء التي نسيتها بمرور السن تعني أنك ستصاب بالخرف حين تتقدم في السن.

كتب الروائي (إي إم فوستر) مرةً:

تضج الحياة الحقيقة بالإشارات والعلامات المزيفة التي تقود إلى اللامكان”. وأصبح هذا واضحًا في تدوين المذكرات كما كتبت مونقوسو في كتابها (Ongoingness) الذي تحدثت فيه عن كتابتها لمذكراتها لمدة خمسة وعشرين سنة: “تخيل سيرة ذاتية لا تتضمن فقط سردًا ولكن كل الأحداث التي فشلت في توقعها. فمعظم ما تتضمنه المذكرات لا يتنبأ بأي شيء.

إذًا ما تصنع بكل ما لم يُرتب بدقة؟ يشير دليل إلى أن وجود بعض “الأحادية” في هويتك السردية أفضل نفسيًا من انعدام وجودها. وعلى الأرجح أن الأسهل هو الإلقاء بالأشياء التي تسحبها من الفوضى رغم أنها ستتطلب قليلًا من إعادة التكيف.

لكن (باسباثي) ترفض ذلك:

أفضل أن أرى الأشخاص يبذلون جهدهم وينجحون في محاولاتهم لعدم ترك الأشياء معلقة لعدم قدرتهم على ترتيبها والربط بينها. نحن لا نحاول إلغاء وجود أجزاءٍ من حياتك.

وحتى لو بلغ الأشخاص نهاية مسدودة أو مفاجآت غير متوقعة فإنهم لا يستطيعون كبح جماح التوقعات تعلق (باسباثي): “نحنُ نحاول توقع المستقبل طيلة الوقت”. وتفترض أن السبب في وجود تنبؤات في الأعمال الأدبية في المقام الأول هو بسبب هذه النزعة الإنسانية لها. إن حالة انعدام اليقين حول المستقبل والشك به تجعل الأشخاص قلقين والقصص هي طريقة للتعاطي مع ذلك.

يقول (أدلِر): “ليس المستقبل نسخة مباشرة عن الماضي أبدًا، لذا علينا أن نكون قادرين على جمع بعض مما حدث لنا سابقًا و إعادة تشكيله لما يمكن أن يكونه المستقبل”. فمثلًا بالتجربة يتعلم الواحد أن جملة “علينا أن نتحدث” نادرًا ما تتنبأ بأمرٍ حسن. (للحياة نمطيتها الثابتة).

أجريت بعض الأبحاث التي تتناول العقل تدعم هذا الرابط بين الماضي والحاضر، و تُظهر نتائجها أن بعض مناطق الدماغ تنشط حين يُطلب من الأشخاص أن يتذكروا شيئًا ما وحين يُطلب منهم أن يتخيلوا حدثًا لم يحدث بعد. من ناحية أخرى يواجه مريض فقدان الذاكرة صعوبة أيضًا في تخيل المستقبل.

إذًا وعلى نفس المنوال يبدو أن الطريقة التي يتخيل فيها الواحد مستقبله تؤثر في الطريقة التي يرى فيها ماضيه، وفي نفس الوقت يخبر الماضي عن الطريقة التي يتخيل فيها مستقبله.

يقول (مكادمز):

إذا كنتَ تخطط لصبح طبيبًا وأنت في الخامسة والعشرين من عمرك وبدأت دراسة الطب، وفي بالك توقعات عما ستكونه الخمس إلى عشر سنوات القادمة فإنك على الأرجح شكلت سردًا مبني على ماضيك يساعدك على فهم كيفية وصولك إلى تلك النقطة. ولنقل مثلًا أنك التحقت بكلية الطب وكرهتها وانسحبت منها فإنك على الأرجح في نفس تلك اللحظة ستغير الماضي. إنك تعيد كتابة التاريخ.

تُكتب قصة الحياة بالطباشير لا بالحبر، أي أنها قابلة للتغير كما يقول (أدلِر):

أنت القاص والشخصية الرئيسية في حياتك وذلك يمكن أن يكون أحيانًا إلهامًا: “حسنًا، أنا أحيا هذه القصة، أنا المؤول عن هذه القصة حقيقةً.

سواء كان بمساعدة العلاج النفسي في غمرة أزمة الهوية حين تطارد توقعات وتنبؤات بسرعة روودرنر نحو نفق يتضح أنه مرسوم على الحائط فقط، أو ببطء وبمنهجية يومًا تلو الآخر كما يحدث في كل القصص يتمحور الأمر برمته حول إعادة الكتابة والتشكيل.

“الماضي دائمًا في قبضتنا” كما يقول (مكادمز).

 


[المصدر]

 

 

 

 

 

نصيحة (كانط) للقلب المفطور: رسالة لطالبة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

درس عددٌ من الفلاسفة أعمال (إيمانويل كانط) ومساهماته و أخلاقيته، لكن قلة منهم شكلوا حيواتهم بناءً عليها.

في سنة 1791 تلقى (كانط) رسالة من (ماريا فون هيربيرت) النمساوية وهي إحدى مريدي فلسفته. بعثتُ له تسأله النصح للتعايش مع انفطار قلبها مؤخرًا، مأساة شديدة جدًا دفعتها للتفكير بإنهاء حياتها حتى أدركت أن ذلك سيكون منافٍ لأعمال (كانط) وفلسفته.

كانط العظيم؛

أراسلك طلبًا للمساعدة كما يدعو المؤمن ربه يسأله، طلبًا للراحة، أو لنصيحة تجهزني للموت. تثبت كتاباتك وجود حياة آخرة. لكنّي في هذه الحياة لم أجد أي شيء، أي شيء مطلقًا سيحل بديلًا للخير الذي خسرته، أحببتُ شخصًا كان في عينيّ يتضمن في دواخله كل ما هو جدير بالاهتمام؛ لذلك عشتُ لأجله فقط، وكل شيء مقارنة به كان مجرد توافه رخيصة قميئة. حسنًا، أهنتُ هذا الشخص بسبب كذبة كبيرة طال أمدها وكشفتها له الآن، رغم عدم وجود مصلحة شخصية فيها لي، ولم أرتكب أي خطيئة أو رذيلة في حياتي لأحتاج لإخفائها.

لكن الكذبة كانت كافية، وتلاشى حبه. ولكونه رجل شريف لم يرفض صداقتي. لكن ذاك الشعور في بواطننا الذي انبثق مرة فجأة وقادنا لبعضنا اختفى: آه لقلبي الذي يتشظى لآلاف الشظايا! لو لم أقرأ الكثير من أعمالك كنتُ بلا شك سأنهي حياتي. لكن الخلاصة التي استقيتها من نظريتك أوقفتني: من الخطأ أن أموت؛ لأن حياتي هي عذابي، بل وعليّ أن أعيش لوجودي. ضع نفسك الآن في مكاني وإما ِالعني أو أرحني. قرأتُ كتابك (تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق) وقرأت عن الحتمية القاطعة ولم تساعدني ولو قليلًا. هجرني عقلي فقط حين احتجته. أجبني، أناشدك أو أنك لا تتصرف تبعًا لحتميتك القاطعة.

حدد (كانط) القيمة المتأصلة في الحياة الرشيدة وأدان الانتحار لكونه معارض منطقي لنموذجه الأخلاقي لاختيار القرارات.

وكان رد (كانط) مثيرًا للاهتمام نوعًا ما:

لابد أن رسالتك هذه عميقة الشعور نابعة من قلب خُلق لأجل الفضيلة والصدق؛ لأنه منفتح جدًا على تلقي هذه الخصال. عليّ كما طلبتِ -تحديدًا- أن أضع نفسي في مكانك، وأصف لك مسكنًا أخلاقيًا خالصًا. لا أعلم إن كانت علاقتك هذه علاقة زواج أو صداقة، لكن لا فارق واضح بينهما. فالحب سواءً كان للشريك أم للصديق الافتراض المُسبق لذات الاحترام المتبادل للشخص الآخر ما هو إلا وهم جسدي سريع العطب.

هذا النوع من الحب الذي يريد أن يكشف نفسه بالكلية، ويتوقع من الآخر كشفًا مماثلًا لمكنونات قلبه يُضعفه التكتم المرتاب. وهذا هو النموذج الأمثل لمطالب الصداقة. لكن شيئًا في دواخلنا يُحد من هذه الصراحة، عائقٌ لتدفق ما يعتمل في القلب المتبادل هذا مما يجعل الواحد يحتفظ بجزء من أفكاره حبيسة في باطنه، حتى حين يكون الآخر الأشد حميمة له. اشتكى الحكماء القدماء من الريبة السرية كما قال (أرسطو): “أصدقائي الأعزاء لا وجود للصديق!”.

لا يمكننا أن نتوقع الصراحة من الآخرين؛ لأن خوف كل واحد من تعرية ذاته وكشفها بالكلية سيجعل الآخرين يحتقرونه. لكن يظل غياب الصراحة هذه، هذه المقاومة مختلفٌ كليًا عن الخداع. ما هو الصدق سوى رجلٌ يقول الحقيقة لكن ناقصة. أما المخادع أو فهو من يلفظ ما يعرف أنه كذب. ومثل هذا القول يُسمى في نظرية الفضيلة كذبًا. لربما كان غير مؤذٍ لكنه لا يعد بريئًا. هو انتهاك جسيم لواجب الواحد تجاه نفسه: إنه يقوض كرامة الإنسانية في نفسك، ويهاجم جذور تفكيرنا. كما ترين طلبتِ مشورة طبيب لا يتزلف. أتحدث نيابة عن حبيبك وأعرض موقفه بالحجج التي تبرر تزعزع عاطفته نحوك.

اسألي نفسك هل تلومينها لتهورها بالاعتراف أم للأخلاقية المتأصلة في الكذبة. إذا كان للسبب الأول فأنتِ نادمة على إتمام مهمتك. ولِم؟ لأنها تسببت بخسارتك لثقة صديقك. لا يحرك هذا الندم أي شيء أخلاقي؛ لأنه ناتج عن إدراك ووعي لا بالفعل ذاته بل بعواقبه. لكن إذا كان لومك لذاتك مُستندًا على حكم أخلاقي لسلوكك، فإن الطبيب الذي سينصحك بنبذه من عقلك سيكون فقير أخلاقٍ.

حين يتكشف التغير في موقفك لمحبوبك سيحتاج وقتًا فقط لانطفاء آثار سخطه المبرر رويدًا رويدًا، ولتحول بروده لحب أشد رسوخًا وثباتًا. أما إن لم يحدث ذلك فهذا يعني أن دفء عاطفته المبكر كان حسيًا شهوانيًا أكثر من كونه أخلاقيًا، و قد اختفى على أي حال: سوء حظ يواجهنا في الحياة عادةً، وحين نواجهه علينا أن نتحلى برباطة الجأش. طالما أن قيمة الحياة تتضمن المتعة التي ننالها من الآخرين فستكون مبالغًا بها كثيرًا.

بالتالي يا صديقتي العزيزة تجدين التقسيمات التقليدية للموعظة: التوجيه، الجزاء، والراحة. كرسي نفسك للاثنتين الأولى: حين يظهر أثرهما ستُوجد الراحة من نفسها.

كانت وصفة (كانط) الأخيرة: الزمن. وحده الزمن قادرٌ على شفاء الألم الشعوري الذي تحسه في قلبها، ويسمح لحبهما بالتجدد والإذكاء مرة أخرى. وإن لم يشفي الزمن جرحها فإن حبهما كان في أصله “حسيًا وجسديًا” لا أخلاقيًا”.

ردت (فون هيربيرت) عليه وهنا مقتطف مختصر من ردها:

رؤيتي واضحة الآن. أشعر بخواء شاسع تمدد داخلي، وحولي؛ لذلك أحس نفسي زائدة عن الحاجة، غير ضرورية. لا شيء يجذبني. يعذبني ضجر وسأم يجعل الحياة لا تُطاق. لا تظن أني متعجرفة بقولي هذا لكن متطلبات الأخلاق سهلة جدًا بالنسبة لي. سأتصرف بلهفة ضعفي ما تتطلب مني. تنبع هيبة الأخلاق فقط من جاذبيتها للخطيئة، ولا تكلفني مقاومتها أي جهد… لم أعد أدرس العلوم الطبيعية أو الفنون  بعد الآن؛ لأني لا أشعر أني عبقرية كفاية لتوسيع نطاقها، و عن نفسي لا حاجة لمعرفتها. لا أبالي بكل ما لا يؤثر في الحتمية القطعية، ولا في وعي الفائق بالرغم من أنيّ تخلصت من كل هذه الأفكار أيضًا.

ربما أنت قادرٌ على رؤية رغبتي بشيء واحد فقط تحديدًا لقصر هذه الحياة عديمة الجدوى، التي اقتنعتُ بأنها ما كانت لتسوء أو تتحسن أكثر. إذا كنتَ تعتقد أني ما زلتُ شابة وكل يوم يثير اهتمامي فقط بالقدر الذي يقربني من موتي، يمكنك أن تحكم على مدى إحسانك الذي يمكن أن تبلغه إذا كنتَ تسأل نفسك هذا السؤال عن كثب. أسألك لأن تصوري عن الأخلاق صامت هنا بينما يتحدث بحزم في كل المسائل الأخرى. وإذا كنت غير قادرٍ على منحي الجواب الذي أسعى له. أتوسل إليك أن تمنحني شيئًا ينزع هذا الخواء الذي لا يُحتمل من روحي.

لم يرد (كانط) على هذه الرسالة أبدًا.

في سنة 1803 انتحرت (ماريا فون هيربيرت).


[المصدر]

لقاء باريس ريفيو مع كورت فونيجت، بعنوان “فن الخيال”

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

أجرى المقابلة كلا من: (ديفيد هايمان)، (ديفيد ميكايليس)، (جورج بيمبتون)، و(ريتشارد رودس).

نُشرت هذه المقابلة في مجلة (باريس ريفيو)، العدد 69، في ربيع عام 1977م. 

هذه المقابلة مع (كورت فونيجت) هي في الأصل تجميع لأربع مقابلات أجريت مع المؤلف على مدى العشر السنوات الماضية. تجميع هذه المقابلات مرت على نطاق عمل واسع ومكثف قام بها المؤلف نفسه، والذي ينظر إلى حديثه بقلق بالغ. يمكن اعتبار ما سيأتي مقابلة أجراها مع نفسه.

مقدمة أول مقابلة، والتي أجريت في ويست بارنستابل، ماساتشوستس، عندما كان (فونيجت) في الرابعة والأربعين، تضمنت على ما يلي: 

رجل عائلي من المحاربين القدامى، محنك ذو عظام عريضة ومفاصل ضعيفة، جلس على الكرسي مرتديا سترة شعثاء بنسيج صوفي خشن، وبدلة كامبريدج رمادية وقميص بروكس بروذر ازرق منسدل للأسفل واضعاً يداه في جيبه. يعصف المقابلة بالسعال والعطاس، الناتج من نزلة برد الخريف والتدخين طوال حياته. صوته غرب أوسطي جهور رنان مع نبرات صوتية ساخرة.

من وقت لآخر يقوم بتوشح الابتسامة الواعية للرجل الذي رأى واحتوى بداخله كل شيء تقريبا: الاكتئاب، الحرب، احتمالية أن يموت بعنف، تفاهة شركة العلاقات العامة، 6 أطفال، دخل غير منتظم، وتقدير متأخر.

آخر هذه المقابلات أجريت خلال صيف 1976 بعد سنوات من أول مقابلة. تم وصفه في ذلك الوقت “… يتحرك بوداعة ككلب العائلة العجوز”

بشكل عام كان مظهره أشعث؛ شعر طويل مجعد،و شارب، وابتسامة مملؤة بالعاطفة، توحي بأنه رجل يحزنه ويسعده ما يجري من حوله، استأجر منزل جيرالد ميرفي لفصل الصيف كان يعمل في غرفة نوم صغيرة في نهاية الممر حيث مورفين (الفنان والمفعم بالحيوية وصديق الفن المتوفي في عام 1964). يمكن لـ(فونيجت) أن ينظر إلى الحديقة الأمامية من خلال نافذة صغيرة من مكتبه؛ ويوجد خلفه سرير أبيض ذو ستائرمنسدلة. وبجوار الآلة الكاتبة التي فوق المكتب نسخ من مقابلة (آندي وارهول)، ورواية (Zone of the Interior) لـ(كلانسي سيغال) والعديد من علب السجائر الفارغة.

يدخن (فونيجت) باستمرار سيجارة من نوع بول مولز منذ 1936م، وأثناء المقابلة يدخن سيجارة من أفضل مالديه من السجائر، صوته منخفض و أجش، وحينما يتحدث، فإن اشعال السجائر وزفير الدخان يتكرران كأنه علامات الترقيم لحديثه. وهناك بعض الامور التي تقاطعه، مثل رنين الهاتف ونباح كلب صغير أشعث اسمه (Pumpkin)، لكنها لم تؤثر على تصرفات (فونيجت) اللطيفة. في الواقع، قال (دان ويكفيلد) ذات مرة عن زملائه من خريجي مدرسة شورتريدج الثانوية، “كان يضحك كثيراً وكان طيبًا مع الجميع”.


أنت جندي سابق في الحرب العالمية الثانية؟

نعم فعلاً. أريد جنازة عسكرية عندما أموت؛ عازفي موسيقى، علم على النعش، فرقة إطلاق النار، و أرض مجوفة.

لماذا؟

لأنها الطريقة الوحيدة التي من خلالها يمكن أن أحقق ما أردته، أكثر من أي شي آخر؛ شيء لم يكن بإمكاني الحصول عليه إلا إذا قتلت أثناء الحرب.

ماهو؟

أن أحظى باستحسان كافة أفراد المجتمع.

ألا تشعر بأنك تحظى به الان؟

يقول أقربائي أنهم سعداء أنني غني، لكنهم ببساطة لا يستطيعون فهمي.

هل كنت من ضمن فرقة المشاة في الحرب؟

نعم، لكني تلقيت تدريباً على مدافع الهاوتزر 240 ملم.

إنه سلاح كبير نوعاً ما.

كان أكبر مدفع متنقل موجود لدى الجيش في ذلك الوقت، حيث يتكون هذا السلاح من ست قطع، تم سحب كل قطعة بواسطة جرارات Caterpillar.  كلما طلب منا أن نطلقه كان يجب علينا تركيبه أولاً. كان علينا أن نكون مبتكرين في ذلك، فنضع كل قطعة فوق الأخرى باستخدام الرافعات، فإن القذيفة نفسها كانت بقطر تسعة ونصف بوصة وتزن ثلاثمائة رطل. لقد بنينا خط سكة حديد صغير يسمح لنا بتوصيل القذيفة من الأرض إلى الجزء الخلفي من المدفع، الذي كان على ارتفاع حوالي ثمانية أقدام من على سطح الأرض. او كما يقولون، إن إغلاق الجزء الخلفي من السلاح كان أشبه بإغلاق باب جمعية القروض والإدخار في البيرو.

لابد أن هناك تأهب عند إطلاق مثل هذا السلاح

ليس تمامًا، نضع القذيفة في المدفع، ثم نضع داخل الفوهة أكياس متفجرة بطيئة للغاية. كانت الأكياس عبارة عن بسكويت رطب خاص بالكلاب على ما أعتقد. ثم نغلق فوهة المدفع، و نطلق المطرقة لتهوي وتصطدم بالغطاء المصنوع من فلمينات الزئبق، والذي بدوره يقذف شعلة من النار على بسكويت الكلاب الرطب. الفكرة الرئيسية، على ما أعتقد، كانت توليد البخار فبعد فترة، كنا نسمع أصوات طهي، أصوات تشبه الى حد كبير أصوات طهي ديك رومي. حتى يمكننا فتح غطاء فوهة المدفع من وقت لآخر بسلامة تامة، لتبريد ظرف القذيفة. في نهاية المطاف، مدافع الهاوتزر دائماً ماتهيج بعد الطلقة و تعود في النهاية بتناغم لآلية الارتداد الخاصة بها على أية حال، ويتعين عليها أن تقذف ظرف القذيفة. ثم يخرج ظرف القذيفة عائماً مثل منطاد Goodyear لو كان لدينا سلالم، لكان بإمكاننا رسم “Fuck Hitler” “على القذيفة أثناء انفصاله عن البندقية. والمروحيات كان من الممكن أن تقلد ذلك وتطلق القذائف ايضا….

هي أقوى الأسلحة الإرهابية

من الحرب الفرنسية البروسية.

ولكن في نهاية المطاف تم إرسالك إلى الخارج، لكن ليس باستخدام هذه الأداة ولكن مع فرقة المشاة 106.

“الغداء في كيس” اعتادوا على توزيع الغداء علينا في أكياس، ساندوتش السلامي و برتقالة.

في المعركة؟

ونحن في الولايات المتحدة 

في الوقت الذي تم تدريبك فيه كجندي مشاة؟

لم أتدرب كجندي مشاة قط. الكتيبة الاستطلاعية كانت من قوات النخبة وتتكون كل كتيبة من 6 أفراد، ولم يكن هناك أي شخص متأكد مما يجب علينا فعله، لذلك كنا نسير إلى غرفة الاستجمام كل صباح، ونلعب بينغ بونغ ونملأ طلبات التقديم لمدرسة تدريب الضباط.

أثناء التدريبات الأساسية لابد أنه كان لديك خلفية عن أسلحة أخرى غير مدافع الهاوتزر.

إذا تعلمت استخدام مدافع هاوتزر التي يبلغ طولها 240 ملمتر، فلن يكون لديك الوقت الكافي حتى لمشاهدة فيلم الأمراض التناسلية.

ماذا حدث عندما وصلت الى الجبهة؟

قلدت جميع أفلام الحرب التي شاهدتها.

هل صوبت نحو أي شخص في الحرب؟

لقد فكرت في ذلك وقمت بتثبيت الحربة مرة استعدادا للتصويب.

هل صوبت؟

لا. لو قام أي شخص آخر بالتصويب لصوبت أيضًا، لكننا لم نرى أحد فقررنا ألا نطلق.

حصل هذا في معركة البلج، أليس كذلك؟ وكانت من أكبر هزائم الأسلحة الأمريكية عبر التاريخ.

على الأرجح. ففي آخر مهمة استطلاعية قمت بها كان علي العثورعلى المدفعيات الخاصة بنا، رغم أن مهمة فرقة الكشافة غالبًا هي البحث عن أسلحة العدو، لكن الأمور كانت سيئة للغاية لدرجة أننا كنا نبحث عن أداوتنا الخاصة. حتى أن الجميع ظن أنه من الرائع إذا استطعت العثور على قائد كتيبتنا.

هل تمانع أن تصف كيف أعتقلك الألمان؟

بكل سرور. كنا بداخل أخدود عميق مثل خنادق الحرب العالمية الأولى، وقد نفذ منا الطعام وتجمع الثلوج من حولنا وقال أحدنا أننا قد نكون في لوكسمبورغ.

من المقصود بـ”كنا”؟

6 افراد من كتيبة الكشافة وحوالي خمسون شخصًا لم نلتق بهم من قبل كما أنه بإمكان الألمان رؤيتنا، فقد تحدثوا إلينا عبر مكبرات الصوت و قالوا إن وضعنا ميؤس منه، وحديث من هذا القبيل. حدث هذا عندما قمنا بتثبيت الحراب، بدا وضعًا خاطئًا لبضع دقائق.

كيف ذلك؟

ستصبح كالنيص محاطاً بهذه الأشواك الحادة في الحقيقة أشفق على أي شخص عليه أن يأتي بعدنا.

لكنهم جاءوا على أي حال ؟

لا. بدلاً من ذلك أرسلوا ثمان وثمانين قذيفة. انفجرت بأعلى الأشجار وكانت أصوات الانفجارات عالية جداً فقد أطلقت فوق رؤسنا مباشرة، وأمطرنا بشظايا صلبة أصابت البعض. مرة أخرى أمرنا الألمان أن نخرج قلنا “حسنًا” و“خذوا الأمور ببساطة” وما إلى ذلك لم نصرخ رفضا، أو أي شيء من هذا القبيل. وعندما أظهر الألمان أنفسهم كانوا يرتدون بدلات بيضاء لتمويهنا لكن لم يكن لدينا أي شي مقارب لهذا اللباس كنا نرتدي الزيتوني الفاتح بغض النظر عن أي فصل من السنة لكننا لم نرتدي غيره.

مالذي قاله الألمان؟

قالوا إن الحرب انتهت بالنسبة لنا، ونحن محظوظون، كوننا واثقين الان بأننا سوف نعيش طيلة أمد الحرب ويبدو أنهم كانوا على يقين تام بذلك. ولكن في الواقع، مع تعقد الأمور ربما أنهم قُتلوا أو أسروا من قبل جيش باتون الثالث في غضون الأيام القليلة المقبلة. 

هل تتحدث الألمانية؟

لقد سمعت والديّ يتحدثناه كثير، لكنهم لم يعلموني إياها، حيث كان هناك غضب ضد كل مايتعلق بالألمان في أمريكا خلال الحرب العالمية الأولى. استخدمت بعض الكلمات التي التقطتها من خاطفينا وسألوني اذا ماكنت ألمانيا فأجبت بنعم، وأرادوا أن يعرفوا لماذا أقف في حرب ضد إخوتي.

وبماذا أجبت؟

وجدت أن السؤال ينم عن جهل وأنه سؤال مضحك بعض الشيء. قام والديَّ بابعادي تماما عن ماضيّ الألماني، إلى درجة أنه لو كان خاطفي بوليفيين او تبتيين لما عرفت الفرق.

بعد أن قبض عليك ،تم ارسالك إلى دريسدن؟ 

العربات التي تم اقتيادنا بها إلى هناك بدت كأنها التي أقلت اليهود والغجر وشهود يهوه وغيرهم إلى معسكرات الإبادة، لكن بالنهاية مازالت عربات نقل. وبالليل هاجمنا البريطانيون عدة مرات بقذائف الموسكيتو، معتقدين أنّنا أحد أنواع الأسلحة الاستراتجية، واستهدفوا حينها سيارة بداخلها معظم ضباط كتيبتنا. وعليّ الاعتراف بأني في كل مرة أقول فيها أنني أكره الضباط، ومازلت أقولها كثيرا، كان علي أن أذكر نفسي أنه لم ينجو أيًا من ضابط من الذين قمت بخدمتهم. كما صادَفنا عيد الميلاد في مكان ما هناك.

وبالنهاية وصلت إلى دريسدن.

أولًا، كنا في سجن جنود ضخم في جنوب دريسدن، وحينها تم فصل الجنود عن ضباط الصف والضباط. بموجب مادة في اتفاقية جنيف، وهي وثيقة إدواردية تقر على أنه يتعين على الجنود العمل بها، كي يحافظوا عليها كان على الجميع أن يقبع في السجن ولأني من الجنود تم إرسالي إلى دريسدن.

ماهو انطباعك عن المدينة قبل القصف؟

أجمل مدينة شاهدتها على الإطلاق. مدينة مليئة بالتماثيل وحدائق الحيوان مثل باريس. كنا نقيم في مسلخ، داخل حظيرة خنازير اسمنتية رديئة وغير مستخدمة. وضعوا لنا أسرة ذو طوابق مفروشة بالقش بداخل الحظيرة، وكنا نذهب كل صباح للعمل في مصنع لشراب الشعير، وهو شراب مخصص للنساء الحوامل. انطلقت حينها صفارات الإنذار اللعينة وكنا قد سمعنا أن هناك مدينة أخرى تشهد نفس الشيء. لكننا لم نتوقع حصول ذلك فعدد ملاجئ الغارات الجوية في المدينة قليل جدًا، و لا توجد مصانع حربية، فقط مصانع السجائر والمستشفيات ومصانع الكلارينيت. و في 13 فبراير 1945 انطلقت صفارات الإنذار ونزلنا حينها طابقين تحت السطح حيث يوجد خزانة لحم كبيرة، الجو كان باردا هناك، والجثث معلقة في كل مكان. وعندما  صعدنا كانت المدينة قد اختفت.

ألم تختنقوا بداخل خزان اللحوم؟

لا، لقد كانت واسعة جدًا، ولم يكن عددنا كبير. والهجوم أيضا لم يبدو كجحيم ففي البداية أسقطوا المتفجرات ليزلولوا كل شيء ثم نشروا المواد الحارقة، وما ان سقطت على درسدن حتى أصبحت عبارة عن حطام؛ اللعنة أحرقوا المدينة بأكملها!

مالذي حصل حينما صعدت للأعلى؟

كان حراسنا من ضباط صف – رقيب، عريف وأربعة جنود؛ بلا قائد ولا مدينة فقد كانوا من مدينة درسدن يقاتلون على جبهتها وأرسلوا إلى أوطانهم من أجل المهمات السهلة. أبقونا تحت الملاحظة لبضع ساعات ولم يكن لديهم علم عمّا يجب عليهم فعله. ذهبوا وتحدثوا مع بعضهم البعض، وأخيرًا، قمنا بشق الطريق عبر الأنقاض وقاموا بإيوائنا في إحدى الضواحي مع بعض الأشخاص من جنوب إفريقيا.

وكتدبير صحي؛ كنا في كل يوم نتجول فيه في المدينة نقوم بحفر الطوابق السفلية والملاجئ لإخراج الجثث. عندما دخلنا لاحدى الملاجئ بدا أنه ملجأ نموذجي وقبو عادي كما هو بالمعتاد، لكن الأمر أشبه بعربة نقل ممتلئة بالأشخاص الذين أصيبوا بسكتة قلبية في آنِ واحد. مجموعة من الأشخاص يجلسون على مقاعدهم وجميعهم فارقوا الحياة. يالها من عاصفة نارية مدهشة، فالقصف لا يأتي بشكل طبيعي بل يتغذى من الأعاصير التي تحدث في وسطه ولا يوجد أي شيء يمكن للشخص استنشاقه.

أخرجنا الجثث الى الخارج، حملناهم في عربات ونقلوا إلى الحدائق، وهي مناطق كبيرة مفتوحة في المدينة لم تكن مليئة بالأنقاض. تم حرق الجثث لمنع انتشار الأمراض والروائح النتنة، و جرت عدة جنائز في المانيا لحرق الجثث. وتم إخفاء مائة وثلاثين ألف جثة تحت الأرض و كانت عملية اخفائهم مروعة.

ذهبنا للعمل ونحن محاطين بجنود ألمان حتى لا يتمكن المدنيون من رؤية مانحن بصدد فعله. فبعد عدة أيام بدأت تنبعث روائح من المدينة وتم افتعال أسلوب جديد، فالحاجة أم الاختراع. كنا نقتحم الملاجئ ونقوم بتجميع الأدوات الثمينة من حضن الأشخاص بدون تحديد هويتهم وتسليمها للحراس. ثم يأتي الجنود ومعهم قذائف اللهب ويقفون أمام الباب ويحرقون الناس بالداخل. وكانت السياسة المتبعة وقتها “اجلب الذهب والمجوهرات ثم احرق جميع من بالداخل”.

يا له من انطباع من شخص يفكر في أن يصبح كاتباً!

كان شيء مروع شي من ضرب الخيال ان أرى كل هذا. كانت لحظة لانكشاف الحقيقة أيضًا، لأن المدنيين الأمريكيين والقوات البرية لم يكن لديهم علم أن القاذفات الأمريكية كانت متورطة كذلك في هذا القصف. لقد ظل سرًا حتى وقت قريب جدًا من نهاية الحرب وكان أحد أسباب إحراقهم درسدن هو أنهم قد أحرقوا بالفعل كل شيء آخر. تعلمون “مالذي سنفعله الليلة؟” وهنا كان الجميع يستعد وألمانيا مازالت تقاتل وهذه كانت الألية المستخدمة لإحراق المدن. كانت آلية سرية لحرق المدن و جعلها تغلي واشعال النار بالعربات. وكان هناك هراء يقال حول جهاز تصويب القنابل في نوردن. ستشاهد في الأخبار مفجر يقف بقرب من أحد النواب حاملا مسدس من نوع دراون 45. هذا هو نوع من الهراء والجحيم الذي كانوا يقومون به. مئات الطائرات تحلق فوق المدن ويسقطون كل شيء عليها.

عندما ذهبت إلى جامعة شيكاغو بعد الحرب ، قام الرجل الذي استجوبني للاعتراف بقصف درسدن. عندما وصل إلى ذلك الجزء من قصة حياتي وقال: “حسنًا، لقد كرهنا أن نفعل ذلك”. لقد علقت هذه الملاحظة في ذهني.

أو رد آخر من ممكن أن يكون “لقد أمرنا بذلك”

كان رده أكثر إنسانية. أظنه شعر أن القصف أمر لابد منه وربما كان كذلك. الشيء الوحيد الذي تعلمه الجميع مدى سرعة إعادة بناء المدينة، قال المهندسون أن إعادة بناء ألمانيا سيستغرق 500 عام لكن في الواقع استغرق الأمر 18 أسبوع.

كونك مررت بهذه التجرية هل تنوي الكتابة عنها؟

عندما تم هدم المدينة لم يكن لدي أي فكرة عن حجم ما حدث. سواءً مالذي يبدو عليه بريمن هامبورغ أو كوفنتري، الأخيرة لم أزرها قط لذلك لم يكن لدي أي تصور سوى الذي شاهدته في التلفاز. عندما عدت إلى الوطن، كنت كاتباً في صحيفة (كورنيل صن)، إلا أنه كان هناك مساحة لكتاباتي ففكرت أن أكتب قصتي عن الحرب. فجميع أصدقائي عادوا إلى مدنهم ولديهم مغامرات رائعة. ذهبت إلى مكتب الصحيفة (Indianapolis News) وقمت بالبحث عما لديهم عن دريسدن. وجدت قطعة بطول نصف بوصة مكتوب عليها عبرت طائراتنا فوق مدينة دريسدن وفقدنا اثنتين منها. استنتجت أن هذه هي أدق التفاصيل التي تم ذكرها عن الحرب العالمية الثانية وكان لدى الأخرين الكثير ليكتبوا. أتذكر و أغبط (آندي روني) الذي هرول سريعًا إلى المطبعة في ذلك الوقت، لم أكن أعرفه ولكن أظن أنه أول شخص قام بنشر قصته عن الحرب بعد انتهاءها تحت مسمى (Air Gunner). 

يا إلهي لم أحظى بمغامرة كلاسيكية كهذه. لكن في كثير من الأحيان أقابل أوروبيًا ونتكلم عن الحرب وعندما أخبره أنني كنت في درسدن تظهر ملامح الدهشة على وجهه ويتحمس لمعرفة المزيد. بعد ذلك، تم نشر كتاب للكاتب (ديفيد إيرفينغ) عن درسدن، يقول فيه أنها كانت أكبر مذبحة في التاريخ الأوروبي. قلت، أقسم بذلك، لقد عاصرت كل شيء! و سأحاول كتابة قصتي الحربية، سواءً كانت ممتعة أم لا، وأحاول أن أقدم شيء ما. بدأت بوصف العملية، بشكل بسيط في مقدمة رواية (المسلخ رقم 5) ورأيت أن يكون أبطالها (فرانك سيناترا) و(جون واين)، لكن بنهاية الأمر قالت فتاة تدعى (ماري أوهير)، زوجة صديقي وكانت متواجدة معي آنذاك: “لقد كنتم مجرد أطفال. ليس من العدل التظاهر بأنكم كنتم رجال مثل (واين) و(سيناترا)، وليس من العدل للأجيال المقبلة كذلك أن تظهر الحرب بصورة جيدة”. لقد كان ذلك استنتاج مهم للغاية بالنسبة لي.

هذه الفكرة قامت بتحويل كامل اهتمامك.

لقد جعلتني أكتب بحرية لكوننا أطفالا حينها: السابعة عشر، الثامنة عشر، التاسعة عشر، العشرون، الحادي والعشرون. كانت وجوهنا طفولية وكسجين لا أذكر أنني حلقت كثيراً وبالحقيقة لم تكن مشكلة.

سؤال آخر عن الحرب: أمازلت تفكر في القنابل الحارقة التي ألقيت على دريسدن؟

كتبت عنه في كتابي (المسلخ رقم 5) الكتاب لايزال في المطبعة. وكوني رجل أعمال، عليّ بين الحين والآخر، أن أفعل شيئًا حيال هذا الأمر. طلب مني (مارسيل أوفلس) أن اشارك في فلمه (ذاكرة العدالة)؛ أن أتحدث عن درسدن باعتباره عملاً وحشيًا. بدلًا من ذلك أخبرته أن يتحدث مع صديقي (برنارد ف. أوهير)، زوج (ماري)، وهذا ما فعله. كان (أوهير) من زملائي في فرقة الكشافة، ثم زميلي أيضا كأسير حرب. و الآن هو محام في ولاية بنسلفانيا .

لماذا لا ترغب بإدلاء شهاتك؟

أحمل اسمًا ألمانيًا. ليس لدي رغبة بأن أدخل في جدال مع أناس يرون أن دريسدن تستحق ماحدث لها. كل ماذكرته في كتابي أن دريسدن تعرضت لقصف حد الجحيم سواءً قبِلنا بذلك أو لا.

كانت أكبر مذبحة في التاريخ الأوروبي، أليس كذلك؟

كانت أسرع عملية قتل لهذا الكم الهائل من الأشخاص؛ حيث قتل 135 ألف في غضون ساعات. بالطبع كانت هناك خطط للقتل بشكل أبطأ.

تعني معسكرات الإبادة.

نعم، لقد قتل الملايين في نهاية المطاف. لكن يرى الكثيرين أن مذبحة دريسدن باعتبار أنها صحيحة، إلا انها كانت محدودة للغاية مقارنة بما قامت به المعسكرات. وكما قلت أنني لا أختلف أبدًا في هذه النقطة، فقد لاحظت مرارًا أن عقوبة الإعدام كانت مطبقة على أي شخص يتواجد في المدن التي تفتقر إلى وسائل دفاعية؛ أطفال، كبار السن، حدائق الحيوانات، والآلاف المؤلفة من النازيين المتطرفين، وبالطبع من ضمنهم أنا وصديقي المقرب (برنارد ف. أوهير). كنا يجب أن نكون ممن تم تصفيتهم جسديًا. فكلما زادت الجثث صح الانتقام.

نشرت مكتبة فرانكلين على ما أعتقد، نسخة ممتازة من كتاب (المسلخ رقم 5).

نعم فقد طلبوا مني كتابة مقدمة جديدة للكتاب.

هل لديك أي أفكار جديدة؟

لقد قلت أن هناك شخص واحد استفاد من هذه الغارة التي كلفت ملايين الدولارات. فالغارة لم تقصر أمد الحرب حتى لنصف ثانية، ولم تضعف الدفاع أو الهجوم الألماني قط، ولم تحرر شخصًا واحدًا من معسكر الإبادة. فقط شخص واحد هو المستفيد ليس اثنان أو خمس او عشرة فقط واحد. 

ومن هو ذلك الشخص؟

أنا. لقد حصلت على 3 دولارات عن كل شخص قتل. هل لك أن تتخيل ذلك؟

ما مدى التقارب الذي تشعر به بينك وبين أقرانك؟

أتقصد إخواني وأخواتي الكتاب؟ هي ودية بالطبع ولكن من الصعب أن أتحدث إليهم لكوننا نحمل اهتمامات مختلفة، هذه معضلة لي لفترة من الزمن لكن بعد ذلك صادقت (شاول شتاينبرغ).

الفنان الجرافيكي؟

بالطبع. قال “أن في جميع الفنون تقريبًا، هناك أشخاص لديهم تأثير واسع في تاريخ الفن، عن طريق نجاحاتهم وإخفاقاتهم وتجاربهم السابقة، وآخرين ممن لم تسنح لهم الفرص لكل هذا”. أضم نفسي مع المجموعة الثانية، فلم أتمكن من ممارسة الأنشطة مع أسلافي الأدباء. لأنني لم أتعلمها بشكل جيد. درست الكيمياء في جامعة كورنيل ثم الأنثروبولوجيا في جامعة شيكاغو. كنت بعمر 35 قبل ان أصبح مهووساً بـ(بليك). وبالاربعين  قبل أن أقرأ عن (مدام بوفاري) وسمعت عن (سيلين) بالخامسة والاربعين. وكنت محظوظا حينما قرأت (Look Homeward, Angel) بالوقت المناسب.

متى؟

في الثامنة عشرة.

لابد أنك كنت تقرأ باستمرار؟

نعم فعلًا. لقد نشأت في منزل مكتظ بالكتب. لكنني لم أضطر أبدًا إلى قراءة كتاب لزيادة محصولي الأكاديمي ،ولا لكتابة مقالة حول موضوع معين، ولم أضطر يومًا لإثبات أنني فهمته ضمن أي مؤتمر. لست بارعًا في مناقشة الكتب وخبرتي في هذا الأمر معدومة.

أي فرد من أفراد عائلتك كان له التأثير الأكبر عليك ككاتب؟

أعتقد أمي، (إديث ليبر فونيجوت). بعد أن خسرت عائلتنا جميع الأموال تقريبًا في فترة الكساد الكبير. اعتقدت والدتي أنه يمكنها أن تجني ثروة جديدة عن طريق الكتابة في المجلات اللامعة، أخذت دورة في كتابة القصص القصيرة بالليل، وقامت بدراسة المجلات كدراسة المقامرين لأوراق اللعب. 

لقد كانت غنية ذات مرة؟

والدي، مهندس معماري بسيط، تزوج واحدة من أغنى الفتيات في المدينة. وكانت هناك ثروة على وشك النهوض مرتكزة على Lieber Lager Beer وبعد ذلك Gold Medal Beer. Lieber Lager Beer أصبحت Gold Medal Beer بعد أن فازت بجائزة في احد معارض باريس.

لابد أنها بيرة جيدة جدا.

لم أتذوقها أبدًا. كان قبيل زماني بوقت طويل. ولكن على حد علمي كانوا يضعون فيه مكون سري لم يسمح أيًا من جدي وخبير الخمور لأي شخص من مشاهدة ما كانوا يضعونه.

هل تعلم ماهو؟

القهوة.

درست والدتك كتابة القصص القصيرة؟

ووالدي يقوم برسم اللوحات في الاستديو الذي أنشأه في الطابق العلوي من المنزل. لم يكن هناك الكثير من العمل للمهندسين المعمارين خلال فترة الكساد الكبير. في الحقيقة لم يتوفرعمل لأي شخص. ومن الغريب رغم ذلك أن أمي كانت على حق؛ فحتى الكتاب في المجلات العادية كانو يجنون كميات وفيرة من المال.

لذا اتخذت والدتك موقفًا فعليًا تجاه الكتابة.

ليس بشكل تام. بالمناسبة كانت امرأة ذكية مثقفة. التحقت بنفس المدرسة الثانوية التي كنت فيها وكانت من القلائل الذين لم يحصلوا سوى على العلامة الكاملة حينما درست هناك. اتجهت بعد ذلك شرقا لاكمال دراستها ثم جالت أوروبا. كانت تتحدث الألمانية والفرنسية بطلاقة، ومازلت أحتفظ بتقاريرها الدراسية في مكان ما “علامة كاملة، علامة كاملة، علامة كاملة”. كانت كاتبة جيدة لكن تبين أنها لم تكن تملك موهبة في الابتذال التي تتطلبها المجلات اللامعة، ومن حسن الحظ أني ولدت محملا بهذه الموهبة، فحينما كبرت تمكنت من تحقيق حلمها كتبت لـ(Saturday Evening Post) ،(Cosmopolitan) وغيرها من المجلات، كان أمرا سهلا بالنسبة لي أسهل من السقوط من على لوح خشبي. تمنيت فقط انها مازالت حية حتى ترى ماكتبت و لكي ترى أحفادها أيضا فقد اصبح لديها عشرة أحفاد، لكن لم تتمكن من رؤية أي أحد منهم. لقد حققت حلمًا اخرًا لها: عشت في كيب كود لسنوات عديدة. كانت دائما ما تريد أن تعيش في كيب كود. من الشائع جدًا أن يحاول الأبناء تحقيق أحلام أمهاتهم المستحيلة. لقد تبنيت أبناء أختي بعد وفاتها، ومن المخيف رؤيتهم وهم يحاولون تحقيق أحلامها المستحيلة.

ماهو حلم شقيقتك؟

أرادت أن تعيش كأنها عضو في العائلة السوسرية روبنسون مع حيوانات أليفة في بيئة منعزلة جدا. ابنها الأكبر جيم يقوم برعي الأغنام بسفوح جبال جامايكا منذ 8 سنوات. بلا هاتف ولا كهرباء.

ارتدت انت ووالداتك ثانوية Indianapolis 

ووالدي ثانوية Shortridge

كانت لديهم صحيفة يومية، على ما أعتقد.

نعم فعلا. The Shortridge Daily Echo. يوجد هناك محل طباعة في المدرسة. بعد المدرسة كان بعض الطلبة يكتبون المقالات واخرون يعدونها للطباعة.

لقد ضحكت للتو على شيء ما.

موقف تافه تذكرته، حصل في الثانوية لا علاقة له بالكتابة.

هل ترغب بأن تشاركه معنا على أية حال؟

أوه! كنت قد تذكرت أمرا حصل في المرحلة الثانوية، في صف التربية المدنية، مادة تتحدث عن كيفية عمل حكوماتنا. طلب منا الأستاذ أن نقف تباعا ونقول مالذي قمنا بعمله بعد المدرسة. كنت أجلس في آخر الفصل، بجوار شخص يدعى (ج. ت. ألبيرغر)، أصبح فيما بعد يعمل كموظف تأمينات في لوس انجلوس، توفي في وقت قريب. على أية حال، كان يشير إلي ويحثني ويتحداني أن أقول الحقيقة. حتى أنه عرض عليا خمسة دولارات لذلك. كان يرغب أن أقف و أقول: “أنا أبني مجسمات الطائرات وأستمني”.

فهمت.

قمت بالعمل أيضا في The Shortridge Daily Echo

هل كان العمل هناك ممتعا؟

ممتع ومريح. وجدت دائما أن الكتابة سهلة. فقد تعلمت أن أكتب لزملائي عوضا عن المعلمين، أغلب الكتاب المبتدئين لم تسنح لهم فرصة الكتابة لأقرانهم، فأنت بذلك تفتح باب الحجيم على نفسك.

إذا بعد الظهيرة دائما ماتذهب إلى مكتب Echo

نعم. وذات مرة بينما كنت أكتب وانا شارد الذهن صادف أن قمت بشم إبطي، وقد شاهدني العديد من الأشخاص وأنا أفعل ذلك ووجدوه أمرًا مضحكا، ومنذ ذلك الحين لقبت بـ“الشمام”.

وفي حفل التخرج السنوي عام 1940, أدرج اسمي كـ(كورت “الشمام” فونيجت، الابن). في الحقيقة لم أكن شمام. فالشمام هو الشخص الذي يحوم حول مقاعد دراجات الفتيات ويستنشقها. ولم اكن افعل ذلك.

“Twerp” أيضا له معنى محدد جدًا ، يعرفه قليل من الناس الآن. نتيجة لقلة تداوله، يعد “Twerp” الآن إهانة عديمة الشكل إلى حد كبير.

ما هو “Twerp” بالمعنى الدقيق للكلمة ، بمعناه الأصلي؟

هو الشخص الذي يقوم بإدخال طقم الأسنان الاصطناعية بين عضلات مؤخرته.

فهمت.

أستسمحك عذرًا بين عضلات مؤخرته أو مؤخرتها. دومًا ما أسيء للنسويات بهذه الطريقة.

لا أفهم لم قد يفعل الشخص شيئا كهذا بأسنانه الاصطناعية.

حتى يقتلعوا الأزرار من مقاعد سيارات الأجرة، هذا ما يثيرهم جنسيًا.

التحقت بجامعة كورنيل بعد جامعة Shortridge؟

أتصور ذلك.

تتصور ذلك؟

كان لي صديق يشرب الكحول بكثرة. وإذا ما سأله أحدهم إذا كان قد شرب في الليلة الماضية، كان يجيب باستمرار وبشكل عابر: “أوه، أتصور ذلك”. لقد أحببت دائما هذه الإجابة. إني أعتبر الحياة كحلم، وكورنل كان حلمًا مزعجًا. جزء منه بسبب الكحول نفسه، والآخر كوني التحقت بمجال لا املك فيها أي موهبة. اتفق أبي وأخي على أنني يجب أن أدرس الكيمياء، كون أخي كان جيدًا في المواد الكيميائية في M.I.T. هو أكبر مني بثماني سنوات. وأكثر مرحًا أيضًا. أهم اكتشافاته الشهيرة هو أن يوديد الفضة يُكوّن في بعض الأحيان المطر أو الثلج.

هل كانت أختك مرحة أيضا؟

أوه. نعم كان لديها طبع قاس غريب فالدعابة التي تمتلكها لم تتناسب مع بقية شخصياتها. كلما سقط أي شخص تراها تضحك بشكل هستيري. وفي إحدى المرات شاهدت امرأة تخرج من الحافلة بشكل أفقي، وضحكت على هذا الأمر لأسابيع .

بشكل أفقي؟

نعم صحيح. يبدو أن حذاء هذه المرأة علق بطريقة ما. على أي حال، فُتح باب الحافلة، وصادف أن أختي كانت تراقب من الرصيف، ثم رأت هذه المرأة تخرج أفقيًا؛ بشكل مستقيم مثل لوح، وجهها للأسفل، وقدماها بعيدتان عن الأرض.

والكوميديا التهريجية؟

بالطبع. أحببنا (لوريل) و(هاردي) هل تعلم ماهي اطرف المواقف التي تحصل في الفيلم؟

لا.

أن يكون لديك شخص يمشي من خلال ما يشبه بركة صغيرة ضحلة، ولكن في الواقع هي بعمق ستة أقدام. أتذكر في الفيلم حينما كان (كاري غرانت) يتجول في المروج الخضراء ليلًا. جاء إلى شجيرة صغيرة، قام بتشذيبها بجمال، الا أنه في الجانب الآخر كان هناك منحدر طوله 25 قدم في الجهة الأخرى. لكن ما أحببته أنا وأختي على وجه الخصوص، هو عندما يغضب شخص على البقية ثم يعصف بغرفة المعاطف، يعود بعدها عاصفًا متشابكًا في العلّاقات والأوشحة.

هل حصلت على شهادة في الكيمياء من جامعة كورنيل؟

رسبت في جميع المواد في منتصف دراستي بالسنة الثالثة. كنت مسرورا لالتحاقي بالجيش والذهاب للحرب. بعد الحرب التحقت بجامعة شيكاغو، سعدتُ بدراستي للانثربولوجيا، وهو علم معظمه من الشعر لا يكاد يوجد فيه أي مادة رياضية. كنت متزوجًا آنذاك، وسرعان ما أنجبت طفلي الأول وهو (مارك). الذي أصيب بالجنون لاحقا ونشر كتاب عظيم عن تلك المرحلة فيما بعد اسمه (The Eden Express)، أنجب للتو طفلا وهو أول حفيد لي، صبي اسمه (زاكاري). ينهي الآن (مارك) سنته الثانية في كلية الطب في جامعة هارفاد، وسيكون الطالب الوحيد من دفعته غير مديون للجامعة عند تخرجه بسبب كتابه. واعتبره تعافٍ جدير بالاحترام بعد هذه النكسة.

هل ساهمت دراستك للانثربولوجيا في تنويع كتاباتك؟

رسخ إلحادي والذي كان معتقد آبائي على كل حال. كان يجري عرض الأديان ودراستها وكأنها من ابتكارات (روب غولدبرغ) مثلما ظننت دائما. لم يسمح لنا باعتبار ثقافة ما متفوقة على أي ثقافة أخرى، وكنا نفتح على أنفسنا أبواب الجحيم في حال ذكرنا للأعراق. كان الوضع مثاليا للغاية.

هل كان أشبه بديانة؟

بالضبط. وهي الديانة الوحيدة، بالنسبة لي، حتى الان.

ماهي أطروحتك العلمية؟

(مهد القطة).

لكنك كتبته بعد أعوام من مغادرتك لشيكاغو، أليس كذلك؟

غادرت شيكاغو وانا لم أكتب رسالتي ولم أحصل على شهادة. جميع الأفكار الذي طرحتها للرسالة رفضت وكنت محبطًا. حصلت على وظيفة موظف علاقات عامة في شركة (جينيرال إلكترونيك) في سكينيكتدي.

بعد 20 عاما تلقيت رسالة من عميد جديد للجامعة والذي كان يبحث في ملفي، أخبرني وفقا لقوانين الجامعة يمكن الاستعاضة عن الأطروحة بنشر عمل عالي الجودة. لذلك كان يحق لي أن أحصل على درجة الماجستير. وقد عرض (مهد القطة) لقسم الانثربولوجيا، وقالوا انه يعتبر عملا انثربولوجياَ بنسبة لا بأس بها. فقاموا بارسال شهادتي عبر البريد الإلكتروني. كنت خريج عام 1972 أو شيء من ذلك.

تهانيا.

ليس شيئًا يستحق الذكر. كان أمرا في غاية السهولة.

بعض الشخصيات في (مهد القطة) كانت لأشخاص تعرفت عليهم في (جينيرال الكتريك)، أليس كذلك؟

الدكتور (فيليكس هونيكر)، أعرف عنه القليل. هو عالم شارد الذهن، كان شخصية كاريكاتورية للدكتور (إيرفينج لانجموير) نجم فريق معمل الأبحاث في (جينيرال الكتريك)، عمل معه شقيقي. كان (لانغموير) شارد الذهن بشكل فضيع. لقد تساءل إحدى المرات بصوت عال: “إذا قامت السلاحف بسحب رأسها للداخل هل عامودها الفقري يلتوي أو يتقلص؟” وقد أضفت هذا في الكتاب. وأضفت عنه أيضا أنه ذات مرة ترك بقشيشا تحت صحنه حينما قامت زوجته بتقديم الفطور له. ومن أهم إسهاماته كانت فكرة اسميتها “ايس-9” هي أحد أشكال المياة المتجمدة في درجة حرارة الغرفة. لم يخبرني عنها مباشرة. لقد كانت خزعبلات حول المختبر، في الوقت الذي جاء فيه (هربرت جورج ويلز) إلى سكينيكتدي. كان ذلك منذة فترة طويلة قبل مجيئي إلى هناك، كنت حينها مجرد طفل أستمع إلى الراديو وأصنع طائرات صغيرة.

حسنا؟

على أية حال، جاء (ويلز) إلى سكنيكتادي، وتم إخبار (لانجمور) بأن يستضيفه. اعتقد (لانجمور) أنه ربما يستطيع أن يسلي (ويلز) بفكرة عن قصة للخيال العلمي؛ حيال نوع من الجليد الذي تجمد ولم يذب في درجة حرارة الغرفة. لم يهتم (ويلز) بالفكرة أو على الأقل لم يستخدمها أبدا. مات (ويلز) وبعده (لانجمور). ثم قلت في نفسي: “من وجد الشي فهو له، فالفكرة ملكي الان”. بالمناسبة (لانجمور) كان أول عالم في القطاع الخاص يفوز بجائزة نوبل.

ما هو شعورك حيال فوز (بيلو) بجائزة نوبل للآداب؟

كان من أفضل الطرق الممكنة لتكريم أدبنا بأكمله

هل كان من السهل عليك التحدث إليه؟

نعم، لقد أتيحت لي ثلاث فرص لمحادثته. كنت في ضيافته في جامعة أيوا، كنت أستاذا وكان محاضرا. سارت الأمور فيما بيننا على مايرام وكانت لدينا أمور مشتركة على كل حال.

ماهي هذه الأمور؟

على حد علمي، أن كلانا من قسم الأنثروبولوجيا بجامعة شيكاغو. لم يسبق له الذهاب لأي رحلات استكشافية في الأنثروبولوجيا، وأنا كذلك. واختلقنا شعوب لما قبل الصناعة؛ أنا في (مهد القطة) وهو في (هندرسون، ملك المطر).

إذا، هو زميلك العالم.

لست عالمًا، وأنا مسرور بذلك الآن، بعد أن تعرضت للضغوطات من قبل أبي و أخي لأصبح عالمًا. أنا أفهم كيفية الاستدلال العلمي، والعمل المسلي، مع ذلك ليس لدي الموهبة الكافية للانضمام اليه. أستمتع بالعمل في الشركات العلمية، أشعر بالسعادة والحماس حينما يخبروني بما يقومون به. قضيت أوقاتي مع العلماء أكثر بكثير مما قضيته مع الأدباء، وكانوا أغلبهم أصدقاء أخي. أستمتع أيضًا بالسباكة والنجارة ومكانيكا السيارات. لم أتعرف إلى أي شخص أدبي إلا في آخر عشر سنوات ابتداءً من العامين التي قمت فها بالتدريس في أيوا. وبشكل غير متوقع كنت صديق (نيلسون ألغرين) و(خوسيه دونوسو) و(فانس بورخيلي) و(دونالد جوستيس) و(جورج ستاربوك) و(مارفين بيل)، لقد كنت مذهولا حقا. الآن، واستنادًا إلى التقييمات التي تلقاها كتابي الأخير (كوميديا تهريجية)، فإن الناس يرغبون في إخراجي من المؤسسة الأدبية، وإعادتي للمكان الذي أتيت منه. 

كانت هناك بعض التعليقات سيئة؟ 

فقط في (The New York Times)، (Time)، (Newsweek)، (Rolling Stone)، (Village Voice)، (The New York Review of Books)، وأحبوني في (مديسين هات).

إلى ماذا تعزو هذا الحقد؟

(كوميديا تهريجية) كان كتاب سيئًا جدًا، وأنا على استعداد تام لقبول ذلك. الجميع يكتب كتب رديئة فلماذا لا أقوم أنا بذلك؟ ماكان غير اعتياديًا في التعليقات هو أنهم أرادوا من الناس الاعتراف بأني لم أكن جيدًا على الإطلاق. وبالفعل لقد طلب المراجع في صحيفة (صنداي تايمز) من النقاد الذين أشادوا بي في الماضي أن يعترفوا الآن علنًا بمدى خطأهم. حاول ناشر كتابي، (سام لورانس)، أن يريحني بالقول إن المؤلفين يتعرضون لهجوم دائمًا عندما يصبحوا أثرياء.

كنت بحاجة الى نوع من الطمأنينة؟

لم أشعر بشعور أسوأ في حياتي. شعرت أنني عدت مجددًا لأنام وافقا على عربة النقل في ألمانيا.

بهذا السوء؟

لا، ولكنها سيئة كفاية. فالنقاد بشكل مفاجئ أرادوا أن يسحقوني كالحشرة. وليس هذا فحسب، بل فجأة، لم يكن لدي المال أيضا. وهناك شكاوي سرية بأني كنت بربريا، وكتبت الكتاب بدون إجراء دراسة منهجية للأدب العظيم، ولست محترمًا نظرا لأني كنت كاتبًا مأجورًا مسرورٌ للغاية في المجلات اللامعة. ولم أقم بسداد رسومي الدراسية.

ألم تعاني؟

حسنا، لقد عانيت. ولكن كشخص تلقى تعليمًا سيئًا في شركة وتجارة مبتذلة. كان من العيب أن أفسد الفن من أجل المال. وبعد ذلك تجاوزت تلك المعضلة بأن أصبحت فاحش الثراء. كان أمرا سيئا للغاية بالنسبة لي وللجميع، لكن اسمي كان يضج في المطابع لذا جميعنا عالقون بي وبكتبي.

هل تعني بذلك أنك عدت من جديد؟

بطريقة ما. أنا الآن عضو في مجلس ولاية نيويورك للفنون، وكثيرًا ما يتحدث بعض الأعضاء الآخرين عن إرسال إشعارات إلى أقسام اللغة الإنجليزية بالكلية حول بعض الفرص الأدبية، وأقول: “أرسلهم إلى أقسام الكيمياء، وأرسلهم إلى دوائر علم الحيوان، أرسلهم إلى أقسام الأنثروبولوجيا وأقسام علم الفلك والفيزياء، وجميع كليات الطب والقانون. هذا هو المكان المحتمل أن يكون فيه الكتاب”.

كنت تؤمن بذلك؟

أعتقد أنه من الممتع للغاية أن يكون لمؤلف الأدبيات شيء آخر في ذهنه غير تاريخ الأدب. الأدب لا يجب أن يخفى بداخل حماقات خاصة، إن صح التعبير.

دعنا نتحدث عن المرأة في كتبك.

لايوجد أي واحدة. لا نساء، في الواقع، ولا حب.

ألا يستحق الامر تفسيرًا؟

إنها مشكلة آلية. الكثير مما يحدث عند سرد القصص الآلية، له علاقة بالمشاكل الفنية لكيفية عمل القصة. على سبيل المثال؛ قصص رعاة البقر وقصص رجال الشرطة تنتهي بإطلاق النار، لأن عمليات إطلاق النار هي أكثر الآليات موثوقية لإنهاء هذه القصص. لا يمكننا قول شي مثل الموت، يا له من شي مصطنع حينما يتم دائما قول “النهاية”.

أحاول أن أبعد الحب العميق عن قصصي لأنه بمجرد ظهور هذا الموضوع، يكاد يكون من المستحيل التحدث عن أي شيء آخر. لا يريد القراء سماع أي شيء آخر. يصبحون سذجًا إزاء الحب. إذا فاز العاشق في القصة بحبه الحقيقي، فهذه هي نهاية القصة، حتى لو كانت الحرب العالمية الثالثة على وشك أن تبدأ، والسماء مكتظة بالصحون الطائرة.

يعني ذلك أنك ابتعدت عن قصص الحب!

لدي شي أخر أريد أن اتحدث عنه. (رالف إيلسون) فعل الشيء نفسه في كتاب (رجل خفي)، إذ كان البطل في هذا الكتاب الرائع قد وجد شخصا يستحق الحب؛ شخصا أصبح مهووسًا به، لكان هذا الأمر هو نهاية القصة. و(سيلين) كذلك في to (رحلة إلى نهاية الليلة). لقد استبعد إمكانية الحب الحقيقي والأخير، حتى تستمر القصة بشكل أطول.

ليس هناك الكثير من الكتاب تحدثوا عن آلياتهم في الكتابة.

أنا شخص تكنوقراطي متعصب أؤمن أنه يمكنهم أن يعبثوا بها مثل (فورد موديل تي).

مالهدف؟

لأُكسِب للقارئ متعة في القراءة.

هل تظن أنك ستكتب يوما ما قصة حب؟

ربما. إنني أعيش فعلًا حياة مليئة بالحب. حتى حينما أعيش هذه الحياة المحبة ويسير كل شي بشكل جيد، أجد نفسي في بعض الأحيان أقول: “يا الهي ألا نستطيع التحدث عن أمر آخر لفترة؟” هل تعلم ما هو المضحك حقا؟

لا؟

تم رمي كتبي من المكتبات المدرسية في جميع أنحاء البلاد، لأنها ذات محتوى فاحش كما يزعمون. رأيت إحدى المرات رسالة مرسلة الى الصحف في المدن الصغيرة، طلب منهم أن يضعوا كتاب (المسلخ رقم 5) بنفس قسم مجلات (Deep Throat) و(Hustle). كيف يمكن لشخص أن يمارس العادة السرية في كتاب (المسلخ رقم 5)؟

يشمل جميع الأنواع.

حسنا. غير موجود النوع الديني الذي بلا رقابة. يجددوني شخص لايحترم اعتقادهم عن الآلهة. ويعتقدون أن الحكومة يجب أن تحمي اسم الإله. كل ما أقوله لهم هو حظا موفقا لهم وللحكومة وللآلهة.

هل تعلم مالذي قاله (لويس منكن) ذات مرة عن المتدينين؟ قال أنه أسيء فهمه إلى حد كبير. قال إنه لم يكرههم، بل ببساطة يجدهم ممتعين.

حينما سألتك قبل مدة أي شخص من عائلتك أثر عليك ككاتب، قلت والدتك. كنت أتوقع أن تذكر شقيقتك، لكونك تحدثت عنها كثير في (كوميديا تهريجية).

قلت في (كوميديا تهريجية) بأنني كنت أكتب لأجلها؛ كل شخص مبدع ناجح يضع شخصًا واحدًا من الجمهور في ذهنه. هذا سر التماسك الفني. يمكن لأي شخص تحقيق ذلك اذا قرر/قررت وضع شخص واحد في ذهنه. لم أكن اعلم أنها الشخص الذي أكتب من أجله إلا بعد وفاتها.

كانت تحب الأدب؟

كانت تكتب بطريقة رائعة جدًا. لم تكن تقرأ كثيرًا، لكن في السنوات الأخيرة، قرأت لـ(هنري ديفيد ثورو). وكذلك أبي لم يقرأ كثيرًا ولكن كانت كتاباته أشبه بحلم. شعرت بالخجل حينما قارنت النثر المكتوب في هذه الرسائل التي كتبها أبي وأختي مع تلك التي أكتبها. 

هل حاولت شقيقتك أيضا أن تجني المال مقابل الكتابة؟

لا ، فقد كانت أيضا نحاتة بارعة. وبختها ذات مرة لعدم بذلها المزيد من الجهد، رغم امتلاكها للموهبة. أجابت أن امتلاكك للموهبة لا يفرض عليك القيام بشي ما حياله. كانت عبارة مذهلة بالنسبة لي. دائما ماعتقدت أنه من المفترض أن يتمسك الناس بمواهبهم ويهربون معها بأقصى سرعة ممكنة.

ومالذي تعتقده الآن؟

‏حسنًا. إن ما قالته أختي في السابق، يبدو لي الآن نوعًا من الحكمة النسائية الغريبة. لدي ابنتان تتمتعان بموهبة كبيرة كتلك التي كانت تتمتع بها أختي، وستهلكان إن فقدتا توزانهما وحسّهما الفكاهي، من خلال انتزاع موهبتهما والركض بيأس في سبيلها بأسرع ما يمكن، ولأبعد مكان ممكن. لقد شاهداني وأنا أفعل هذا الشيء، ولا بد من أن هذا قد بدا لهما ضربًا من الجنون.

على الآلة الكاتبة؟

نعم. برأس أحمق يستمتع بالتدخين.

هل توقفت يوما عن التدخين؟

مرتين. إحداهما حينما كنت مدمنا وتحولت إلى (سانتا كلوز)؛ أصبحت قصيرًا وممتلئًا وقارب وزني الـ250 باوندًا. توقفت حينها لقرابة عام. وبعد ذلك أحضرتني جامعة هاواي إلى أواهيو لأتحدث عن التجربة. في إحدى الليالي كنت أشرب جوز الهند على سطح فندق Ili Kai، وكل ما كان علي فعله لاستكمال حلقة سعادتي هو أن أدخن سيجارة. وفعلت!

والمرة الثانية؟

في الآونة الأخيرة، في العالم الماضي بالتحديد. دفعت لمنظمة موقفي الدخان مائة وخمسين دولارًا لمساعدتي على الإقلاع، على مدار ستة أسابيع. وقد كان تماما كما وعدوني، سهلًا ومفيدًا. حصلت حينها على شهادة تخرج وشارة تقدير. المشكلة الوحيدة هي أني أصبحت أيضًا مجنونًا. كنت سعيدًا وفخورًا جدًا بنفسي، لكن من حولي وجدوني عنيدًا بشكل لايطاق، فظًا وصاخبًا. كما أنني توقفت عن الكتابة. فلم أكتب أية رسائل بعد ذلك. ومن الواضح أنها كانت صفقة سيئة. لذلك عدت للتدخين مرة أخرى. وكما اعتادت الرابطة الوطنية للمصنعين أن تقول: “لا وجود لما يسمى بالغداء المجاني”.

هل تعتقد أنه من الممكن حقا أن يتم تعليم الكتابة الإبداعية؟

بنفس الطريقة التي يتم فيها تعلم لعبة الغولف. يمكن للمحترفين أن يشيروا إلى أخطاء واضحة في تسديدتك. وأعتقد أني فعلت ذلك بشكل جيد في جامعة أيوا لمدة عامين. كان كلا من (غايل غودوين) و(جون إيرفينج) و(جوناثان بينر) و(بروس دوبلر) و(جون كيسي) و(جين كاسي) من طلاب الجامعة. و منذ ذلك الحين قاموا بنشر أعمال رائعة. درست الكتابة الإبداعية في هارفارد وبشكل سيء بعد ذلك، لأن زواجي كان ينهار، و كنت أتنقل كل أسبوع إلى كامبريدج من نيويورك. وبعد ذلك قمت بالتدريس بشكل أسوأ من سابقه في سيتي كوليدج قبل عامين. فكان لدي العديد من المشاريع الأخرى القائمة في نفس الوقت. فلم يعد لدي الرغبة في التدريس مجددا. لا أعرف سوى الطريقة النظرية.

هل يمكن أن تضع “النظرية” في بضع كلمات ؟

صرح بذلك (بول إنجل)، مؤسس ورشة الكتاب في ولاية أيوا. أخبرني أنه إذا عثرت على ورشة العمل في مبنى خاص بك، فيجب أن تُدرج هذه الكلمات على المدخل: “لا تأخذ الأمر على محمل الجد”.

وكيف سيكون ذلك مفيدًا؟

من شأنه أن يذكر الطلبة بأنهم كانوا يتعلمون أداء دعابات عملية.

دعابات عملية؟

إذا جعلت الناس تضحك أو تبكي من أجل علامات سوداء صغيرة على لوح من الورق الأبيض، أليست هذه دعابة؟ الحبكة لجميع القصص الرائعة هي عبارة عن دعابات عملية عظيمة يقع الناس فيها مرارًا وتكرارًا.

هل لك ان تعطينا مثالا؟

الرواية القوطية. تنشر العشرات من الأشياء كل عام، وتباع جميعها. قام صديقي (بوردن ديل) مؤخرًا بكتابة رواية قوطية من أجل المتعة، وسألته عن ماهية الحبكة، وقال: “امرأة شابة تقبل وظيفة في منزل قديم وتُخيفها السراويل”.

أمثلة أخرى؟

الأمثلة الأخرى ليست ممتعة كثيرا في وصفهم؛ شخص ما يقع في مأزق ثم يخرج منها، شخص ما يفقد شيئًا وثم يسترده، شخص ما ظلم ويحصل على انتقامه، سندريلا. شخص ما ينفصل وتتدهور حالته، يقع الناس في حب بعضهم البعض والكثير من الأشخاص يعترضون طريقهم، الشخص الصالح يتهم زوراً بالرذيلة، والشخص الآثم يعتقد أنه صالح. يواجه الشخص التحدي بشجاعة، وينجح أو يفشل؛ شخص يكذب، شخص يسرق، شخص يقتل، شخص يرتكب الزنا.

أعتذرعما سأقوله، لكن هذه الحبكات تبدو قديمة جدًا

أضمن لك أنه لا يوجد مخطط لتجديد القصص، حتى مع عدم وجود حبكة فلن يشعر القارئ بالرضى الحقيقي طالما لم يتم دس إحدى الحبكات التقليدية في مكان ما بالقصة. لا أشيد بهذا النوع من الأحداث باعتبارها تمثيل واقعي للحياة، ولكن كطريقة لإبقاء القراء يقرؤون. حينما كنت أُدرس الكتابة الإبداعية، كنت أخبر الطلاب أن يجعلوا الشخصيات في القصة ترغب بشيء ما على الفور ولو كان كوب ماء. فحتى الشخصيات التي فقدت قدرتها على الحركة بسبب عبثية الحياة، يشربون الماء بين الفينة والأخرى.

كتب أحد تلاميذي قصة عن راهبة عثرت على جزء من خيط الأسنان عالقة بين أضراسها السفلية اليسرى، ولم تستطع التخلص منه طوال اليوم. كانت قصة رائعة. تناولت قضايا أهم بكثير من خيط تنظيف الأسنان، ولكن ما جعل القراء يستمرون بالقراءة كان لهفتهم للحظة إزالة خيط تنظيف الأسنان. لا يمكن لأحد قراءة هذه القصة من غير أن يمرر إصبعه حول فمه. وهنا دعابة عملية بالنسبة للقارئ. حينما تستبعد الحبكة وتستبعد منها شغف الشخص للعثور على أمر ما، فإنك تستبعد القارئ وهذا تفكير لئيم جدا. يمكنك أيضًا استبعاد القارئ من خلال عدم إخباره على الفور بمكان حدوث القصة، ومن هم الأشخاص.

وما الذي يريدونه..

نعم. ويمكنك أن تجعله ينام وذلك بعدم جعل الشخصيات تواجه بعضها البعض. الطلبة قالوا انهم يفضلون عدم تصادم الشخصيات لأن الناس في الحياة الحديثة تتجنب ذلك. قالوا بأن “حياتنا المعاصرة موحشة جدا”. وهذا بنظري هو الكسل. فمهمة الكاتب تنظيم المواجهات وبذلك فإن الشخصيات تفاجؤنا ،وتكشف لنا عن الخبايا، تعلمنا وتمتعنا كذلك. إذا لم يتمكن الكاتب من فعل هذه الأمور أو لن يفعلها، فعليه أن ينسحب من التجارة.

التجارة؟

التجارة. النجارين يبنون المنازل. الميكانيكيين يصلحون السيارات. و رواة القصص يقتنصون أوقات فراغ القراء بطريقة لايشعر معها القارئ بأنه أضاع وقته. 

الموهبة بالتأكيد مطلوبة ؟

في جميع المجالات. كنت تاجرًا لشركة Saab في شركة Cape Cod لفترة من الوقت، وقد التحقت بمدرستهم الميكانيكة، وطردوني. لاني لا أملك موهبة.

ما مدى شيوع موهبة رواية القصص؟

يتكون فصل الكتابة الإبداعية بأي مكان في هذا البلد من عشرين شخص، ستة منهم موهوبين بشكل مذهل. اثنان منهم قد ينشرون شيئًا ما عما قريب.

ما الذي يميز هاذين الاثنين عن البقية؟

لديهم شيء آخر غير الأدب بحد ذاته في أذهانهم. من المحتمل أن يكونوا محتالين أيضًا. أعني أنهم لا يريدون يجلسوا مكتوفين اليدين حتى يتم اكتشافهم من قبل شخص ما. سوف يصرون عليك لقراءته.

كنت رجل علاقات عامة ورجل إعلانات.

أوه، أتصور ذلك.

هل كان هذا مؤلما؟ أقصد، هل شعرت أن موهبتك تهدر، وتضعف؟

لا. هذه أمور عاطفية والعمل على هذا النحو يدمر روح الكتابة لدى الكاتب. في ولاية أيوا اعتدت أنا و(ديك ييتس) على إلقاء محاضرة كل عام حول الكاتب ونظام المشاريع الحرة. والطلبة يكرهون ذلك. كنا نتحدث عن جميع الطرق الملتوية الذي يلجأ لها الكاتب اذا وجدوا أنفسهم يتضورون جوعا حتى الموت. أو في حالة رغبتهم جمع ما يكفي من رأس المال لتمويل كتابة كتاب. نظرًا لأن الناشرين لا يضعون أموالهم في أولى الروايات بعد الآن، وبما أن المجلات قد انتهى عهدها، ولأن التلفزيون لم يعد يشتري من الشباب العاملين لحسابهم الخاص، وبما أن المؤسسات لا تقدم منحًا إلا للمتمكنين القدامى مثلي، فسيتعين على الكتاب الشباب لكي يدعموا انفسهم ان يسلكوا طرق مخزية وغير شرعية، و قريبًا سنجد أنفسنا بلا أدب معاصر. شيء واحد مروّع تفعله أعمال القرصنة للكاتب، وهو تضييع وقتهم الثمين.

ليست مزحة.

انها مأساة. ما زلت أحاول التفكير في جميع الطرق التي يسلكها الكتاب الصغار حتى لو كانت مروعة، ليتشبثوا بالكتابة بطريقة أو بأخرى.

هل ينبغي دعم الكتاب الشباب؟

يجب القيام بشيء ما حيال هذا الأمر، خاصة بعد أن جعلوا من المستحيل أن يدعم الشباب أنفسهم من خلال الأعمال الحرة. كنت في بداياتي رجل أعمال مذهل، لسبب بسيط هو أن هناك الكثير من الأعمال التي كان من الممكن القيام بها. وحينما عملت لدى شركة (جنرال إلكتريك)، كتبت قصة بعنوان (تقرير عن تأثير بارنهاوس)، وهي أول قصة قمت بكتابتها. أرسلتها بعد ذلك بالبريد الإلكتروني إلى كوليرز. وكان (نوكس برغر) هو رئيس تحرير آن ذاك وأخبرني ما هي الأخطاء وكيفية تصحيحها. ففعلت ما قاله، واشترى القصة بمقابل سبعمائة وخمسين دولارًا، مدة عمل ستة أسابيع في (جنرال إلكتريك) كتبت بعدها  قصة أخرى، ودفع لي تسع مائة وخمسين دولارًا، واقترح علي أنه ربما حان الوقت لكي أترك (جنرال إلكتريك) وهذا مافعلته. انتقلت إلى (بروفينستاون) وأخيراتم تسعير قصتي القصيرة بتسع وعشرين مليون دولارًا كما أعتقد. وجلب لي (نوكس) حينها اثنين من الموظفين الذين كانوا ماهرين في سرد القصص؛ (كينيث ليتور)، الذي كان سلفه في كوليرز، و(ماكس ويلكينسون)، الذي كان محرر القصة في (إم جي إم). ودوِّن هذا الأمر لديك، أن (نوكس برجر) الذي كان في سني، اكتشف وشجع الكتاب الشباب أكثر من أي محرر آخر في وقته. لا أعتقد أنه قد تم تدوين هذا الأمر أي مكان. إنها حقيقة معروفة فقط لدى الكتاب، وهي حقيقة يمكن أن تختفي بسهولة، إذا لم يتم كتابتها في مكان ما.

أين هو (نوكس برجر) الآن؟

إنه وكيل أدبي. وفي الواقع إنه يمثل ابني (مارك) أيضًا.

و(ليتور) و(يلكينسون)؟

توفي (ليتور) قبل عشر سنوات أو نحو ذلك. لقد كان عقيدًا في Lafayette Escadrille، على كل حال، في عمر الـ23 عامًا، كان أول رجل قام بتمشيط خندق و كان مستشاري أيضا. تقاعد (ماكس ويلكينسون) في فلوريدا. لقد أحرجه دائمًا أن يكون وكيلا. إذا سأله شخص غريب عما فعله من أجل لقمة العيش، كان يقول دائما أنه يزرع القطن.

هل قمت بتعيين مستشارًا جديدًا الآن؟

لا .أظنني كبرت كفاية لأعثر على واحد. كل ما أكتبه الآن يتم تحريره دون أي تعليق من الناشر الذي يصغرني سنا، أو من قبل المحرر أو أي شخص. شقيقتي لم تعد موجودة كي تلهمني الكتابة. فشعرت فجأة أن هناك فراغ كبير في حياتي.

هل تشعر كما لو كنت في الفضاء بدون أي وسيلة تواصل؟

وبلا جاذبية الأرض لتساعدني على التوازن، إنه أمر مقلق في بعض الأحيان.

هل يوجد شيء اخر تود إضافته؟

هل تعرف القضيب المعدني الذي يوضع على الأبواب الرئيسية للمدارس والمسارح؟ و حينما تدفعه باتجاه الباب سينفتح ؟

نعم؟

اسم العلامة التجارية لأغلبها هو (فون دوبرين). “فون” من (فونجيت). حوصر أحد اقربائي بداخل حريق مسرح إيروكوا في شيكاغو منذ وقت طويل، واخترع القضيب الحديدي مع اثنين آخرين؛ “برين” من (برينزلر)، ونسيت من هو “دو”.

حسنا.

وأريد أن أقول أيضًا ، الفكاهيين في أسرهم هم غالبا الأطفال الأصغر سنًا. عندما كنت أصغر طفل على مائدة العشاء لدينا، كانت هناك طريقة واحدة فقط لجذب انتباه أي شخص، وهو أن أكون مضحكا. كان عليَّ التخصص في هذا. فقد اعتدت على الاستماع إلى الكوميديين في المذياع باهتمام شديد، حتى أتمكن من معرفة كيفية صنع النكات. وبعد أن أصبحت كبيرًا أصبح هذا ما يدور حوله كتبي الآن؛ النكات الفسيفسائية.

هل لديك أي نكات مفضلة؟

كنا نتجادل انا واختي حول أطرف النكات في العالم؛ طبعا بجوار نكتة الرجل الذي اقتحم خزانة المعطف. حينما عملنا معا أصبحنا أكثر ظرافة من (لوريل) و(هاردي). وهذا بالتحديد مايدور حوله كتاب (كوميديا تهريجية).

هل اتفقتم أخيرًا على أفضل نكتة في العالم؟

اتفقنا على اثنين. ومن الصعب تحديد أي منهما هكذا بكل بساطة.

أخبرنا على أية حال.

حسنا . لن تضحك. لم يضحك عليها احد من قبل. انها طرفة قديمة “الغرابان الأسودان”؛ رجلان أبيضان بوجه أسود يدعيان (موران) و(ماك). قاموا بتسجيل روتينهم الخاص على الة الفونوغراف. وبما انهم اثنان من الرجال السود فمن المفترض أن يتحدثان الى بعضهما بخمول، على أية حال قال أحدهما: “أنا حلمت أنني أتناول كعكات الفانيلا”، رد الآخر: “هل هذا صحيح؟”، قال الأول: “وعندما استيقظت، اختفت البطانية”.

اممم!

أخبرتك أنك لن تضحك عليها. النكتة الأخرى تتطلب تعاونك. سوف أطرح عليك سؤالًا، وعليك أن تقول “لا”.

حسنا.

هل تعرف لماذا القشدة أغلى بكثير من الحليب؟

لا.

لأن الأبقار يكرهون الجلوس على تلك الزجاجات الصغيرة. أرأيت لم تضحك أيضا. ولكن أعطيك كلمة شرف أنها طرفة رائعة جدًا، وتم إخراجها ببراعة.

يبدو أنك تفضل (لوريل) و(هاردي) على (تشابلن)، أليس كذلك؟

أنا مهووس بـ(تشابلن)، لكن هناك مسافة كبيرة بينه وبين جمهوره. من الواضح أنه عبقري جدا. فلديه أسلوبه الخاص، إنه رائع مثل (بيكاسو)، وهذا مخيف بالنسبة لي.

هل ستكتب قصة قصيرة أخرى؟

ربما. كتبت منذ 8 سنوات، واعتقدت أنها ستكون أخر قصة لي. فطلب مني (هارلان إليسون) المساهمة في مجموعة كان يعمل عليها قصة باسم : The Big Space Fuck أو (لعنة الفضاء الواسع)، وأظن أني أول شخص يقوم باستخدم كلمة “اللعنة” كعنوان. كان الأمر يتعلق بإطلاق سفينة فضائية برأس حربي مليء بالسائل المنوي إلى “مجرة أندروميدا”. وهذا يذكرني بصديقي الرائع من إنديانابوليس، وهو صديق الوحيد المتبقي لي من هذه المدينة؛ (ويليام فايلي). عندما خضنا الحرب العالمية الثانية، كان من المفترض أن يتبرع الجميع بالدم، تساءل (فايلي) عما إذا كان لا يستطيع إعطاء نصف لتر من السائل المنوي بدلاً من ذلك.

إذا لم يخسر والداك كل أموالهما، فماذا كنت ستفعل الآن؟

لشعرت بسعادة عارمة وأصبحت مهندس معماري في إنديانابوليس، مثل والدي وجدتي. ما زلت أتمنى أن ذلك قد حدث. على أي حال هناك شيء أخر أود قوله، أحد أفضل المهندسين المعماريين الشباب هناك يعيش في منزل أنشأه والدي لعائلتنا في العام الذي ولدت فيه، 1922. ويوجد على زجاج النوافذ الثلاث الصغيرة بجانب الباب الأمامي الأحرف الأولى من اسمي واسم أختي وأخي.

لديك ماضي جيد تتوق إليه.

نعم فعلا. عندما أذهب إلى إنديانابوليس ، نفس السؤال يتبادر الى ذهني مرارًا وتكرارًا: “أين سريري، أين سريري؟” وإذا كان أشباح والدي وجدتي يجوبون تلك المدينة، فيجب عليهم أن يتساءلون أين ذهبت كل مبانيهم. تم تحويل وسط المدينة وكانت معظمها مبانيهم إلى مواقف للسيارات. يجب أن يتساءلوا أيضًا أين ذهب كل أقاربهم. لقد نشأوا في عائلة ممتدة وضخمة لم تعد موجودة. لقد تذوقت هذا، الشيء العائلي الكبير. عندما ذهبت إلى جامعة شيكاغو، وسمعت رئيس قسم الأنثروبولوجيا، (روبرت ريدفيلد)، يحاضر عن المجتمع الشعبي، والتي كانت في الأساس أسرة ممتدة ومعزولة ومستقرة، لم يكن عليه أن يوضح كم هو أمر لطيف.

أي شيء اخر؟

حسنًا ، لقد اكتشفت للتو صلاة للكتاب. سمعت عن صلوات البحارة والملوك والجنود وما إلى ذلك، لكنني لم أسمع أي صلاة للكتاب. هل يمكنني أن أضع ذلك هنا؟

بالتأكيد.

كتبه (صموئيل جونسون) في 3 أبريل 1753، وهو اليوم الذي وقع فيه العقد وطلب منه كتابة أول قاموس كامل للغة الإنجليزية. كان يصلي من أجل نفسه. ربما يجب الاحتفال بالثالث من أبريل بـ“يوم الكتّاب”.

على أي حال ، هذه هي الصلاة: “يا الله، الذي يدعمني حتى هذه اللحظة، أن تمكنني من المضي قدماً في هذا العمل والقيام بالمهمة على اكمل وجه بوضعي الراهن؛ و أن أسلمه في اليوم الأخير، كإثبات للكفاءة التي منحتها لي، وحينها قد أتلقى عفواً من اليسوع المسيح. آمين”.

يبدو أنها هذه رغبة لحمل موهبته بأقصى وأبعد سرعة ممكنة.

نعم فعلا. وكان كاتبًا مأجورًا شهيرًا.

وأنت، هل تعتبر نفسك كاتبًا مآجورًا؟

بطريقةٍ ما.

ما هي؟

ابن الكساد العظيم. وربما ينبغي لنا أن نقول شيئًا في هذه المرحلة، وهو كيف تم إجراء هذه المقابلة، إلا إذا كانت الصراحة تفسد كل شيء بطريقة ما.

دع الأمور تأخذ مجراها.

تم تقديم أربع مقابلات مختلفة، أجريت معي إلى (باريس ريفيو)، وقد قاموا بتجميعها معًا لتشكل مقابلة واحدة وعرضوها علي. سارت الخطة بشكل جيد نسبيا، ولذلك اتصلت بمحاور أخر لجعلها مقابلة واحدة. كنت أنا ذلك المحاور. بكل شفافية، نعم لقد قابلت نفسي.

فهمت. سؤالنا الأخير. إذا كنت مفوض للنشر في الولايات المتحدة، فماذا كنت ستفعل لتخفيف الوضع الحالي المؤسف؟

لا يوجد لدينا نقص من ناحية المؤلفين المبدعين. ما نفتقر إليه هو جمهور من القراء يمكن الاعتماد عليه.

وبالتالي؟

أقترح أن يُطلب من كل شخص عاطل آو عاطلة عن العمل، تقديم تقريرعن كتاب قبل أن يحصل/تحصل على الإعانة.

شكرا لك.

شكرا لك.


[المصدر]

هانا أرندت العمل والبحث عن السعادة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

إن إعادة اكتشاف العمل ونشوء عالم علماني على الصعيد الحياة عامة، قد يكونان إلى حد بعيد من المواريث الثمينة الذي خلفه لنا العصر الحديث ونحن على وشك الدخول الى عالم جديد تمامًا.

ما هو مفهوم السعادة على أية حال؟ أمر لا يمكن لمسه، مجرد نفس، أو أثر زائل. تساءل (والت ويتمان) في مذكراته بعد مائة عام بالضبط  من قيام الآباء المؤسسون بنسج السعي خلف أثر زائل في قماش، وهو ما أسماه (وايتمان)؛ “آفاق أمريكا الديموقراطية”.

إن فكرة “البحث عن السعادة” لازمتنا منذ زمن حتى أصبح أمرًا معتادًا، ليس فقط كبند في الدستور الأمريكي، بل كمفهوم ثقافي شعبي غزى العالم بأشكال لا حصر لها. وحتى كهدف سياسي، فإننا غير متأكدين من مدى فهمنا له، فهو أمر غير مألوف، ونادر أيضا، مع غرابة التمييز بين الفكر العبقري من الساذج وغير متأكدين أي واحد منها قابل للإدراك.

تمت دراسة أصل وتداعيات هذا المفرد الغريب تاريخيًا من قبل المنظرة السياسية الألمانية (هانا آردنت) [1906 – 1975] في مقالة صدرت عام 1960 بعنوان “العمل والسعي لتحقيق السعادة” وجدت مقتطفات منها في (التفكير بلا عوائق؛ مقالات في الفهم 1953-1975). بعد وفاتها كتبت (آرندت) وهي لاجئة:

من بين عدة مفاجآت تخبؤه هذه الدولة للمواطنين الجدد هناك اكتشاف مدهش أكدته وثيقة الاستقلال أن “السعي لتحقيق السعادة”، هي أحد حقوق الإنسان الغير القابلة للنقاش، وبقيت هذه العبارة حتى يومنا هذا أكثر بكثير من مجرد جملة لا معنى لها في الحياة العامة والخاصة للجمهورية الأمريكية. إلى درجة وجود شيء مثل الإطار العقلي الأمريكي، الذي تأثر بشكل عميق للأفضل أو الأسوأ بحقوق الإنسان التي من الصعب نيلها، والذي على حد تعبير (هوارد مومفورد جونز) يخول الرجال بـ“امتيازات شنيعة لمواصلة واحتضان الوهم”

في الجهة المقابلة، بحثت (أرندت) قبل سنتين من أطروحتها التاريخية؛ (الدوافع السياسية لتطبيع الشر)، في كتابها أصل هذا الوعد الأمريكي للخير المطلق، وحق الإنسان الأساسي في السعادة: 

إن عظمة بيان الاستقلال … تنشأ من كونها الطريقة المثلى لأن تظهر الأفعال في كلمات. وبما أننا نتعامل هنا مع الكلمة المكتوبة وليس المنطوقة، فإننا نواجه إحدى اللحظات الاستثنائية التي تكون فيها قوة العمل كبيرة بما يكفي لإقامة نصب تذكاري خاص.

ومايصدق على بيان الاستقلال ينطبق بشكل أكبر على كتابات الرجال الذين صنعوا الثورة. كان ذلك عندما توقف عن التكلم بشكل عام وذلك أثناء تحدثه أو كتابته وفقا للأحداث الماضية أو المستقبلية، حيث كان (جيفرسون) أقرب شخص إلى تقدير العلاقة الحقيقية بين العمل والسعادة.

مثل (ويتمان)، الذي يعتقد أن الأدب هو أساس الديمقراطية، فقد استلهم الآباء المؤسسون في عصر النهضة  إلى حد كبير من الأدب والفلسفة، وخاصة من قبل “رجال المعرفة” في فرنسا في القرن الثامن عشر. تتبع (أرندت) بقولها سلسلة النفوذ الإيديولوجي عبر الزمن والمكان والثقافة، للثورة الفرنسية ونموذجها المثالي “للسعادة العامة” هو الذي استند إليه (جيفرسون). أصدر مقال قبل إعلان الاستقلال بسنتين، ناقش فيها أن الأسلاف الذين تركوا أوروبا إلى أمريكا قد جعلوا “على الأرجح الحق الذي أعطته الطبيعة للرجال لتأسيس مجتمعات جديدة بموجب القوانين والأنظمة المتعلقة بهم ، لتعزيز السعادة العامة”. ثم أدرج هذا الإصرار على السعادة بشكل واضح الى بيان الاستقلال الذي عدل سريا بطريقة ما، وتغيير صياغة الحقوق الغير قابلة للنقاش من “الحياة والحرية والملكية” إلى “الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة”. إن مثل هذا التعديل الدقيق للكلمة الواحدة في اللغة يمكن أن تؤثر بشكل عميق على ثورة أيديولوجية قد تكون غريبة، ولكنها ليس غريبة كما أشارت (أرندت)، كونها لم تكن ذو تأثير في حياة (جيفرسون) وفقدت دون أن يلاحظها أحد فقد كانت تعيد توجيه الأخلاق الوطنية بأكملها على مر القرون التي تلت ذلك.

وبتركيزها على الثورة الفرنسية والمثل الذي أثرى وألهم (جيفرسون)، اكتفشت كيف أن القرن الثامن عشر كان قد فهم شكل الاستبداد والحرية السياسية واعتبار إصرار على السعادة سلعة عامة او خاصة.

وفقا للفهم القديم والنظرية السابقة لمصطلح الاستبداد، فهي الحكومة التي يحتكر فيها الحاكم لنفسه حق العمل ويحرم المواطنين من الفضاء العام الى اطار خصوصية الأسرة حيث من المفترض أن يهتموا بأعمالهم التجارية الخاصة. وبعبارة أخرى، فإن الاستبداد يحرم الرجال من السعادة والحرية العامة دون التعدي بالضرورة على المصالح الشخصية والحقوق الخاصة التي يتمتع بها. الاستبداد، وفقا للنظرية التقليدية، هو شكل من أشكال الحكم الذي يستبعد فيه الحاكم بمحض إرادته ويسعى لتحقيق مصالحه الخاصة، وبالتالي التعدي على الرفاهية الخاصة والحريات الشخصية لمواطنيه.

عندما تم التحدث عن الاستبداد و الطغيان في القرن الثامن عشر فإنه لم يكن يميز بين هاذين المصطلحين وقد تعلم حدة التمييز بين القطاعين الخاص والعام وبين السعي دون عائق للمصالح الخاصة والتمتع بالحرية العامة أو السعادة العامة، و خلال الثورات، جاء هذان المفهومان اللذان اصبحا في صراع مع بعضهما البعض.

واستنادا إلى النسب بين الثقافات وبناء على كتاباتها السابقة على أن العمل كشكل لا يمحى الفكر، وسلطت (أرندت) الضوء على العلاقة الظاهرة بين العمل والسعادة:

سيتعين على كل نظرية سياسية حديثة أن تتعامل مع الحقائق التي تم تسليط الضوء عليها أثناء الاضطرابات الثورية التي حدثت خلال المائتي عام الماضية، وتختلف هذه الحقائق بالطبع إلى حد كبير عن ما تريد الإيديولوجيات الثورية منا أن نصدقه.

[…] قد تكون إعادة اكتشاف العمل ونشوء عالم علماني في الفضاء العام للحياة من أثمن المواريث الذي ورثناه للعصر الحديث ونحن على وشك الدخول الى عالم جديد تماما.

في المجمل أن (التفكير بلا عوائق) قراءة مبهجة فكريا، حيث يستكشف تقاطع السياسة والحياة الإنسانية من زوايا متنوعة مثل الخيال، وجرائم الحرب، وإرث (إيمرسون)، ومعنى الثورة، والعلاقة بين الحقوق الخاصة والمصلحة العامة. واستكمل هذا الجزء بالذات بشأن السعادة كواجب أخلاقي مع إليزابيث باريت براوننج، ثم تناولت (أرندت) كيفية استخدام الطغاة للعزلة كسلاح للاضطهاد، والكذب في السياسة، وقوة كونك دخيلًا، وحياة العقل، وتسليط الضوء على حالة البشر من الناحية الفنية والعلمية وكيفية التفريق بينهما.


[المصدر]

لماذا يكره الكارهون؟ كيركيجارد يفسر سيكلوجية المتنمر

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

عندما يظهر الاخرون انهم لايهتمون بي ويحاولون تبيان ذلك لي، فهذا لا يظهر سوى التبعيه، او النقصان.

يُحتفى بالكاتب والمفكر الدنماركي (سورين كيركيجارد) [1813 – 1855] كأول فيلسوف وجودي حقيقي، عاش حياة قصيرة لكنها كانت عميقة، وامتد تأثيرها على نطاق واسع عبر القرون والتخصصات والمدارس الفكرية. لقد كان أيضًا من بين العديد من الكتاب المشهورين الذين استفادوا من الاحتفاظ بمذكرات ذات مزيج متناقض من الكآبة والمثالية، اليأس بشأن الحالة الإنسانية والتفاؤل حول اهمية الحياة، تألق ببراعة أكثر من كتاب (يوميات سورين كيركيجارد)، خلاصة وافية عن تأملات (كيركيجارد) المكثفة والمتكررة دائمًا في كل شيء بدءًا من السعادة والكآبة وحتى الكتابة والأدب إلى التأمل الذاتي والرأي العام.

ابتداءً منذ عام 1847 ، لاحظ (كيركيجارد) البالغ من العمر 34 عاماً، الامراض البشريه العفويه المنتشره، موضحًا؛ علم النفس الأساسي الذي يكمن وراء الظواهر المعاصرة انذاك مثل التنمر، والتصيد، والاعتداءات العامة على النقاد المعينين ذاتيًا على الويب، التي عُرِفت بـ”الكارهين”.

كتب (كيركيجارد):

شاهدت أمثلة في كثير من الأحيان على شكل من أشكال الحسد، حيث يحاول الفرد الحصول على شيءٍ ما عن طريق التنمر. على سبيل المثال، إذا دخلت مكانًا فيه جمع من الناس، فغالبًا ما يحدث أن شخصاً ما يتآلب ضدي من خلال البدء في السخرية؛ على افتراض أنه يشعر بأنه يمثل الرأي العام. ولكن ها، إذا  أدليت بعد ذلك بتعليق عابر، يصبح هذا الشخص طيباً ومتعاوناً بلا حدود. في الأساس، يُظهر أنه يعتبرني شيئًا رائعًا، وربما أكثر مما انا عليه؛ ولكن إذا لم يُعتبر يبالغ في أهميتي، فسوف يسخر مني على الأقل. ولكن بمجرد أن يصبح مشاركًا، كما كان، يتباهى بعظمتي.

هذا هو ما يحصل من العيش في مجتمع ضيق الأفق.

 

من غير المحتمل أن يكون (كيركيجارد) على علم بما سيُعرف باسم “تأثير (بنجامين فرانكلين)”، حيث قام الأب المؤسس بصياغة خدعة علم النفس العكسي المشهورة للتعامل مع البغيضين، ومع ذلك يواصل نقل حكاية تجسدها تمامًا. يروي مجيئه إلى ثلاثة شبان خارج بوابته، وعند رؤيته، “بدأ يبتسم وبدأ سلسلة كاملة من الوقاحه”. وعندما اقترب منهم، لاحظ (كيركيجارد) أنهم يدخنون السيجار ويتجهون إلى أحدهم، لطلب القداحة. فجأة، اتخذ موقف الرجال منعطفًا دراماتيكيًا، فعلى ما يبدو قد وفر التبادل البسيط تلك الدعوة بشكل رائع للمشاركة:

على الفور، تخلص الثلاثة من قبعاتهم ويبدو أني قد قدمت لهم خدمة من خلال طلب القداحة. ومن ثم؛ نفس الأشخاص سيكونون سعداء ليقولوا “برافو” من أجلي إذا وجهت إليهم خطابًا ودودًا، ناهيك عن كلمة مبهرة؛ كما هو، يصرخون “عليه أن يموت!

 للتحدي … كله للمراءاة. ولكن كيف هو مثير للاهتمام أن يكون المرء معرفة علم النفس البشري المخصب بهذه الطريقة التي لا تقدر بثمن.

بعد سبع سنوات، وقبل وقت قصير من وفاته المفاجئة، يعيد النظر في هذا الموضوع في شعور يفسر بنظرة ثاقبة في علم نفس المُبغِضين:

إن إظهار أنهم لا يهتمون بي، أو ان يحاولون اظهار عدم اهتمامهم بي، لا يزال يدل على التبعية … إنهم يظهرون لي الاحترام على وجه التحديد من خلال إظهار أنهم لا يحترمونني.

قد تكون يوميات (سورين كيركيجارد) قصيرة الصفحات وتغطي مدى الحياة، لكنها كنز من الأفكار المتغلقة في التجربة الإنسانية. استكملها مع (كيركيجارد) على أعظم مصدر تعاسة، ثم قم بمراجعتها في الخطاب الحديث للتعامل مع البغيضين.


[المصدر

 

بيكاسو يتحدث: الحدس، كيف ينشأ الإبداع، ومن أين تأتي الأفكار

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

حتى تعلم ما تريد رسمه، عليك البدء بالرسم

“يستهدف الإلهامُ الهواة. أما البقية، فيذهبون إلى مكاتبهم ويشرعون في العمل مباشرة”، هكذا قال (تشَك كلوس) ساخراً. “استعدّ للعمل، استعدّ للعمل، استعدّ للعمل” وهكذا ألحّت الروائية (إيزابيل آليندي) في نصائحها للكتّاب الطموحين، “وبعد مدة ستستعدّ لك الأفكار”. وأوصى الملحن الأسطوري (بيتر إليتش تشايكوفسكي) داعمته بطريقة مشابهة في رسالة كتبها عام ١٨٧٨ ووجهها لها “يجب ألّا يحيد الفنان عن العمل بحجة أنه متعكر المزاج”.

بالطبع، فكرة أن الإبداع والأفكار المزهرة لا تنبع من الاستسلام السلبي للإلهام، وإنما من التطبيق المتفاعل المستمر لأخلاقيات العمل، أو الانضباط، كما ادّعى العظيم الراحل (ماسيمو ڤيجنيللي) أنه المحرك للعمل الإبداعي، هي فكرة شرحها جيش من أصحاب الأفكار المبدعة عبر العصور، كما شرحوا كيفية نشوء الأفكار أيضا. ولكن، وربما بشكل متوقع، يأتي التعبير الأجمل والأكثر إيجازًا من أحد أعظم الفنانين على مرّ العصور.

كان هذا أحد الأسئلة التي طرحها المصور الهنغاري الشهير (براساي على بابلو بيكاسو) (1881 – 1973) كجزء من سلسلة مقابلاتهم التي امتدت ثلاثين عاما والموجودة في كتاب (محادثات مع بيكاسو)، نفس نسخة عام 1964 الرائعة التي ناقشت رأي (بيكاسو) عن النجاح وعدم المساومة في الإبداع. عندما سأل (براساي) الرسام عما إذا كانت الأفكار تأتي له مصادفة أم عنوة، زوّد (بيكاسو) إجابته بشيء من الحكمة عند حديثه عن طغيان “العائق الإبداعي” وقال

لا أعلم أبدا. الأفكار بكل بساطة هي نقطة بداية، نادرا ما أستطيع إيقافها حيث تتدفق إلى مخيلتي. بمجرد ما أن أبدأ العمل، تسيطر أفكار أخرى على قلمي. حتى تعلم ما تريد رسمه، عليك البدء بالرسم، هذا ما يدور في ذهني عندما أجد نفسي أمام صفحة فارغة. ما أرسمه رغما عني يثير اهتمامي أكثر مما أكوّنه من أفكار.

لتوضيح هذه الفكرة بشكل أعمق، أن العمل الأكثر إبداعا ينبع عندما يتنحى العقل الواعي المفكر عن الميل الحدسي -أمرٌ شرحه (راي براديري) شرحا جميلا في مقابلة عام ١٩٧٤، يقدم (بيكاسو) مثالا توضيحيا، بالرغم من كونه معجبا فنيا وصديقا كذلك لـ(ماتيسو)، إلا أنه يعتبر طريقته الإبداعية المنهجية الشهيرة في الرسم خائنة لفكرة إخلاص الفنان لحدسه الإبداعي الأولي:

يبدأ (ماتيسو) بالرسم، ثم يعيد نسخ الرسمة. يكرر ذلك خمس مرات، ثم لعشر مرات وكل مرة بتوضيح أكبر لتفاصيلها. إنه يميل إلى الاعتقاد أن النسخة الأخيرة هي الأفضل والأنقى، مع أنها عادة النسخة الأولى. عندما يتعلق الأمر بالرسم، الرسم الأولي هو الأجمل.

قراءة كتاب محادثات مع (بيكاسو) بأكمله مكافئة بحد ذاتها.


[المصدر]

اخلق بعنف .. ألبير كامو عن الفنان كصوت للمقاومة وكمحرر للمجتمع

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

“أولئك الذين يقولون لك “لا تضمن الكثير من السياسية في فنك” ليسوا صادقين” كانت هذه ملاحظة (تشينوا أتشيبي) في محادثته الرائعة المنسية مع (جيمس بالدوين). “إذا ما دققت النظر بالأمر سترى أنهم نفس الأشخاص السعيدين بالوضع كما هو … وما يقولونه لا يزعج النظام”. وقبل نصف قرن من ذلك بسط (ويستن هيو أودن) و فصل هذه الفكرة حين أكد “إن عمل الفن المحض هو بذاته فعل سياسي”.

كتب (ألبير كامو) [1913-1960] في نص خالد و عميق جدًا بعنوان “اخلق بعنف” أن مهمة الفنان الجوهرية هي دفع المجتمع للأمام وذلك بإزعاج النظام، وهو نص كُتب في زمن أودن لكنه مرتبط بنا بشدة. وهذا النص هو في الأصل محاضرة أُلقيت في جامعة السويد بتاريخ ديسمبر سنة 1957 بعد أسابيع من حصول (كامو) على جائزة نوبل في الأدب ليكون بذلك ثاني أصغر فائز بها، والتي نالها لعمله الذي “يسلط الضوء ببصيرة نافذة و جدية على مشاكل الوعي الإنساني في زماننا“، والذي أُضيف لاحقًا إلى مجموعة مقالاته المهمة والتي نُشرت بعنوان (المقاومة، التمرد، و الموت).

قبل عقدين من دعوة (أودري لورد) الفنانين للتمسك بمسؤوليتهم تجاه “تحويل الصمت إلى لغة وفعل” كتب (كامو):

اعتاد الرجل الشرقي الحكيم دومًا أن يطلب من الآلهة في صلواته أن تكون عطوفة جدًا لتنقذه من العيش في عصر مشوق، ولأننا لسنا حكماء لم تحمنا الآلهة ونحنُ نعيش في عصر مشوق. على أية حال يفرض علينا عصرنا أن نهتم به ونقبل عليه. يعرف كتاب اليوم هذا: فإن تكلموا هوجموا وانتقدوا، وإن تواضعوا والتزموا الصمت لُوموا بشدة على صمتهم. وفي غمرة هذه الضجة والجلبة لا يمكن للكاتب أن يتأمل أن يبقى نائيًا بنفسه ليحث التأملات والصور العزيزة عليه. وحتى اللحظة الحالية ظل النأي بالنفس والانعزال ممكنًا في التاريخ. فحين لا يوافق أحدهم على شيء يمكنه أن يبقى صامتًا أو يتحدث عن أمر آخر، ولكن كل شيء تغير اليوم بل وحتى للصمت آثار خطيرة. فاللحظة التي ينظر فيها للامتناع عن الاختيار ذاته كخيار ويُعاقب على مثله أو يُشاد به بصبح فيها الكاتب طوعًا أو كراهيةً مُدموغًا في الخدمة. وتبدو لي “مدموغ” كلمة أدق في هذا الصلة من “ملتزم”. فبدلًا من التسجيل والانضمام ببساطة للخدمة التطوعية يؤدي الفنان الخدمة الإلزامية.

[…] من السهل رؤية كل ما يمكن للفن أن يخسره من هذه الالتزامات الدائمة: الطمأنينة كبداية وتلك الحرية المقدسة الجلية في أعمال (موزارت). من الأسهل أن نفهم لِم لأعمالنا الفنية جاذبية تسترعي النظر ولِم تنهار فجأة. ومن الواضح لِم لدينا صحافيون أكثر من كتاب المحتوى الإبداعي، وهواة في الرسم أكثر من (بول سيزان)، ولِم احتلت الحكايا العاطفية أو الروايات البوليسية محل (الحرب والسلام) أو (صومعة بارما).

ومع ذلك قبل خمس سنوات من تأكيد (بالدوين): “على المجتمع أن يفترض أنه مستقر، لكن على أن الفنان أن يعرف وعليه أن يُعرفنّا أنه لا وجود لشيء مستقر وثابت خارج الجنة” أصر (كامو) على وجود كسب أكثر من الخسارة في التزام الفنان بالعدالة الاجتماعية:

أن تخلق اليوم يعني أن تخلق بعنف. فأي منشور هو فعلٌ، وهذا الفعل يعرض الواحد لعواطف عصر لا يغفر شيئًا. لكن السؤال ليس ما إذا كان هذا ضارًا بالفن أم لا، السؤال لكل هؤلاء الذين لا يقدرون على العيش دون الفن ودون ما يمثله هو مجرد اكتشاف كيف تكون حرية الخلق الغريبة ممكنة بين كل أجهزة الأمن  هذه التابعة لكل هذه الأيدولوجيات؛ كم كنيسة يا للعزلة!.

بعد قرن من سخرية (رالف إمرسون) التي قال فيها أن “الحشود وقحة، سخيفة، لا يُمكن التحكم بها، مؤذية في مطالبها وتأثيرها، ويجب على الواحد ألا، يتنازل لها عن أي شيء، ولكن موجودة لتروضها، لتشق صفوفها، لتفرقها، ولتفككها، ولتسحب الأفراد منها ولتخرجهم” اعتبر (كامو) القوى أنها التي تشوه العمل الإبداعي وتتسبب بـ”استسلام الفنان“. عن إحساس الفصل والتمزق المرتبط بعصرنا بما يُسمى “مواقع التواصل الاجتماعي“، حيث يوجد تعسف الحشود، كتب يقول:

ما يميز عصرنا بالفعل هو الطريقة التي تنفجر فيها الحشود و حالتها البائسة في الحساسية الراهنة الحديثة. نحن نعلم الآن أنها موجودة بينما كانت لدينا القابلية لنسيانها. و إذا كنا أكثر إدراكًا فإنها أصبحت أفضل ولا تخاف ولا تخشى لا بسبب الأرستقراطية، الحركة الفنية أو غيرها، ولكن لأن الحشود أصبحت أقوى وأصبحت تمنع الناس من نسيانها.

بالإضافة إلى عوامل اجتماعية أخرى تعمل تعسفية الرأي العام هذه على: “تثبيط الخلق الحر بتقويض المبدأ الأساسي و هو إيمان الفنان بنفسه“. كتب (إدوارد إستلين كامينجز) في نفس الحقبة راصدًا أهمية حماية ذلك العنصر الأساسي في نصيحته الرائعة للفنان: “أن تكون لا أحد سوى نفسك في عالم يحاول جاهدًا ليل نهار أن يجعلك كل أحد آخر عداك يعني أن تخوض غمار المعركة الأقسى الأصعب التي يمكن لأي إنسان أن يخوضها“. بعيدًا عن هذا الامتصاص لفكرة الحرية الإبداعية والشجاعة يجادل (كامو) حول نشأة الكذبة الخطيرة أن الفن ما هو إلا ترف ورفاه. فبعد حوالي عقدين من إصرار (ريبيكا ويست) في غمار الحرب العالمية الثانية على أن:” الفن ليس ألعوبة بل ضرورة… ليس قطعة زخرفية بل كوبٌ تُسكب فيه الحياة ويُقرب من الشفاه ويُذاق طعمها” اعتبر (كامو) أن ما أوصل المجتمع الحديث إلى مثل هذه الإساءة العميقة في الفهم هو جوهر الفن وغرضه:

إذا ما كيف الفن نفسه مع ما يرغب به أغلبية مجتمعنا سيصبح ترفيهًا فارغًا بلا معنى. وإذا رفض المجتمع دون تبصر، إذا ما قرر الفنان أن يلجأ إلى حلمه لن يعبر الفن عن شيء سوى الإنكار. و هكذا علينا أن نملك نتاج الترفيهين أو نتاج النحويين النظامي وفي كلتا الحالتين سيؤدي هذا إلى اجتثاث الفن عن الواقع المعاش. لحوالي قرن كنا نعيش في مجتمع ليس حتى مجتمع المال، كان يمكن أن يثير الذهب الشهوة الجسدية، ولكن مجتمع الأفكار التجريدية للمال. إذ يمكن تعريف مجتمع التجار على أنه مجتمع تختفي فيه الأشياء لصالح الدلائل. فحين تقدر وتزن الطبقة الحاكمة ثرواتها لا بفدان من الأرض ولا بسبيكة من الذهب ولكن بعدد الشخصيات التي تناسب مثاليًا عدد من عمليات التبادل، وهي بالتالي تدين نفسها لتحديدها نوعًا من الأوهام في عمق تجربتها ومحيطها. إن المجتمع المبني على الدلائل هو في جوهره مجتمع صناعي حيث تلبى فيه حاجة الرجل الجسدية الحقيقة كأنها شيء صناعي. و لا داعي للتفاجئ بأن مجتمع كهذا يختار كدين له قانونًا أخلاقيًا لمبدأ رسمي نظامي وأنه يخط الكلمات “الحرية” و”المساواة” على جدران سجونه وكذلك على معابده المالية. ولكن لا يمكنك تلطيخ شرف الكلمات دون عقاب، إذ أن أكثر قيمة شوهت وحرف معناها اليوم هي بالطبع قيمة الحرية.

مرددًا أفكار الفيلسوفة والناشطة السياسية (سيمون فايل)، التي اعتبرها (كامو) “الروح العظيمة الوحيدة في زماننا“، حول الفرق الحسم الهام بين حقوقنا ومسؤولياتنا رثى (كامو) تبعات هذا التسليع للفن والحرية:

استخدم مجتمع التجار لمئة سنة الحرية استخدامًا حصريًا و فردانيًا معتبرًا إياها حقًا لا واجبًا، ولم يخشى أن يستخدم الحرية المثالية كما يمكن غالبًا أن تكون لتبرير اضطهادات حقيقية جدًا. ونتيجةً لذلك هل من مدعاة للدهشة في حقيقة أن مجتمعًا كهذا يطلب من الفن ألا يكون أداةً لتحرير ولكن ممارسة طفيفة عديمة العواقب و ترفيهًا محضًا؟

ثم يبحث في التمثيلية الاجتماعية التي تبتلع العمل الإبداعي التي تنفخ الأنا وتقلص الفن:

إن الفن لغاية الفن أي تسلية الفنان المنعزل هو الفن الصناعي لمجتمع كاذب متصنع و أناني. والنتيجة المنطقية لنظرية كهذه هو فن الزمر أو الفن الرسمي النظامي الذي يقتات على التكلف والأفكار التجريدية و ينتهي بتدمير وإتلاف كل ما في الواقع. وعلى هذه الحال ستجذب بضعة أعمال بضع أفراد بينما تفسد عدة ابتكارات الفظة عددًا آخر، وأخيرًا سيتشكل الفن خارج المجتمع وسيجتث نفسه من جذروه الحية. وشيئًا فشيئًا سيكون الفنان وحتى ول عرف وقدر وحيدًا أو على الأقل معروفًا في بلده على محطات الإذاعة أو الصحافة متوسطة الانتشار والتي ستعرض فكرة مبسطة ومناسبة عنه. كلما تخصص الفن في الحقيقة كلما أصبح الترويج له ونشره ضرورة. وهكذا سيراود ملايين الأشخاص الإحساس بمعرفتهم لهذا الفنان العظيم في زماننا أو ذاك لأنهم عرفوا من الصحف أنه يربي طيور الكناري أو أن زواجه لم يدم أكثر من ستة أشهر. يتمثل الأكثر شهرة اليوم و ذكرًا في ما يعجب به أو يبغض دون حتى قراءته. يجب على أي فنان ينوي الشهرة في مجتمعنا أن يعرف أنه ليس هو من سيشهر ولكن شخصٌ آخر باسمه، آخر سيهرب منه في نهاية المطاف وسيقتل على الأرجح يومًا ما الفنان الحقيقي بداخله.

ومع ذلك يدين (كامو) الفصل الساذج بين الأصالة الفنية و ما يمكن أن نسميه اليوم “البيع” لمجتمع رافض تمامًا، بما في ذلك عملات المشاهير، ما هو إلا ارتكاب لنوعٍ آخر من الغطرسة التي تفصل الفن عن مواده الأولية. بشعور سيردده (بالدوين) لاحقًا بعد سنوات في تذكيره لنا بما جعل (شكسبير) أعظم شاعر في اللغة الإنجليزية وهو أنه “وجد شعره حيث يوجد الشعر: في حيوات الناس” يكتب (كامو):

نتيجة لرفض كل شيء حتى تراث فنه يتوهم الفنان المعاصر أنه يخلق قانونه الذاتي و يعد نفسه في النهاية الرب، و يظن في نفس الوقت أنه قادرٌ على خلق واقعه بنفسه. لكنه وبمنأى عن مجتمعه لن يخلق سوى أعمالٍ رسمية أو تجريدية ستكون ممتعة كتجارب لكنها مجردة من الخصوبة التي نقرنها بالفن الحقيقي المطلوب للوحدة والتضافر.

بل إن (كامو) يقول بأن على الفنان أن يتصل بواقع زمانه أو زمانها منتزعًا منه شيئًا خالدًا وعالميًا:

على الفنان فقط أن يترجم معاناة وسعادة الكل إلى لغة يفهمها الكل وسيُفهم عالميًا. وكمكافأة على إيمانه التام المؤكد بالواقع سيحقق التواصل الكامل من بين الجميع.

إن فكرة التواصل العالمي هذه مثل أعلى لأي فنان عظيم. وخلافًا للفرضية الحالية إذا كان هناك من لا حق لها بالعزلة فهو الفنان، فالفن لا يمكن أن يكون حوارًا داخليًا. حين يحتكم أشد الفنانين عزلة وأقلهم شهرة للجيل الجديد فإنه بالكاد يعيد تأكيد رسالته الأساسية. باعتبار أن الحوار مع الصم والغافلين المعاصرين مستحيل فإنه يحتكم إلى حوار أوسع نطاقًا مع الأجيال القادمة.

ولكن للحديث عن الجميع مع الجميع على الواحد أن يتحدث عما يعرفه الجميع وعن الواقع المشترك بيننا جميعًا. البحر، الأمطار، الحتمية، الرغبة، الصراع مع الموت هذه كلها أشياء موحدة بالنسبة لنا جميعًا. نحن نشبه بعضنا البعض فيما نراه معًا، وفيما نعانيه معًا. الأحلام تختلف من فرد لآخر، لكن واقع العالم مشترك بيننا جميعًا. لذلك فإن السعي للواقعية مشروع، لأنه بالأساس مرتبط بمغامرة الفنان.

على خطى زميله الموسوعي (هنري بوانكاريه) وجزمه : “أن تخلق يعني أن تختار” و تأكيدًا لقناعة (أورسولا لي جوين): “لن نكون أحرارًا إن لم نتخيل الحرية” يجادل (كامو) حول مسؤولية الفنان لتخيل بدائل أسمى وأرفع للوضع الراهن، للنظام، للواقع الحاضر:

لا يُمكن إعادة إنتاج الواقع دون ممارسة الاصطفاء… ولذا فإن الشيء الوحيد الضروري هو إيجاد مبدأ للاختيار سيمنح العالم شكلًا. ومبدأ كهذا موجود لا في الواقع الذي نعرفه لكن في الواقع الذي سيكون ببساطة المستقبل. ولإعادة الإنتاج كما ينبغي على الواحد أن يصور أيضًا ما سيكون.

[…] يختار الفنان هدفه بقدر ما يختاره هدفه. إن الفن بمعنى من معانيه هو التمرد على كل ما هو عابر وغير مكتمل في العالم. وبالتالي فإن هدفه الوحيد هو منح الواقع شكلًا آخر مع أنه غير مضطر لحفظه كمصدر لشعوره. وفي هذا الصدد جميعنا واقعيون ولا أحد منا كذلك. فالفن ليس رفضًا كاملًا ولا قبولًا تامًا لما هو عليه، إنه قبول ورفض في آن واحد، ولذلك يجب أن يكون ألمًا منفصلًا ومتجددًا على الدوام. ويعيش الفنان دومًا في حالة من الغموض، غير قادرٍ على نفي الواقع وإنكاره ومع ذلك مقيد إلى الأبد بالسؤال في جوانب أبديته غير المكتملة.

[…] سيكون العمل الأسمى دومًا هو العمل الذي يصم توازنًا بين الواقع ورفص الواحد لهذا الواقع، كل منهما يرغم الآخر على أن يطغى عليه في تدفق دؤوب، والتي هي ميزة الحياة أصلًا في أقصى حالاتها الأكثر إبهاجًا وفطرًا للقلوب. ثم وبين الفينة والأخرى يظهر عالم جديد مختلفٌ عن العالم اليومي ومع ذلك يشابهه، خاصٌ ولكن عالمي، طافحٌ بالأبرياء منعدمي الأمان مُستحدثٌ وجودهم لساعات قليلة بقوة العبقرية و حنينها. إنه كذلك وليس كذلك أيضًا هذا العالم لا شيء وهو كل شيء أيضًا، وهذا هو أيضًا تناقض كل فنان حقيقي وصرخته الدؤوبة، الصرخة التي تبقيه واقفًا على قدميه بعنين مفتوحتين و بيقظة بين الفينة والأخرى عن كل هؤلاء الغافلين عن الزوال في هذا العالم ومصرين على الصورة التي نسلم بها عن العالم دون حتى معرفته.

إن هذا التعرض بين الحاضر والمستقبل، بين ما هو كائن وبين ما يمكن أن يكون، بين المعاناة وبين تجاوز المعاناة هو التربة الخصبة للفن يكتب (كامو) فيقول:

لا يقدر الفنان على أن يشيح بنظره عن زمانه ولا أن يغوص فيه.. والرسول -دينيًا كان أو سياسيًا- يمكن أن يحكم حتمًا ولن يتورع عن ذلك كما هو معروف، لكن الفنان لا يقدر على ذلك. فإذا حكم حكمًا حتميًا سيقسم الواقع تعسفًا إلى خير وشر ومن ثم سينغمس في الميلودراما. والفن على النقيض من ذلك لا لسن التشريعات أو ليسود بسمو ولكنه للفهم قبل كل شيء، و أحيانًا يسود بسمو كنتيجة للفهم. ولكن لم يبنَ أي عمل عبقري أبدًا على الكراهية والازدراء. ولذلك فالفنان في نهاية تقدمه البطيء يغفر بدلًا من أن يدين، وبدلًا من كونه حكمًا هو مبررٌ. ودفاعه ودعوته الأزلية هي عن المخلوق الحي لأنه حي.

[…] ربما تكمن عظمة الفن في التعارض بين الجمال والألم، حب البشر و جنون الخلق، العزلة التي لا تُحتمل و الوجود المرهق بين الجموع، بين الرفض و الموافقة… على الحافة التي يسير الفنان فيها متقدمًا كل خطوة من خطواته هي مغامرة، مخاطرة شديدة. ولكن وفي تلك المخاطرة وتحديدًا في تلك المخاطرة تكمن حرية الفن.

قبل ست سنوات من تأكيد (جون كيندي) في واحد من أعظم الخطابات على أن الفنان هو صوت المجتمع الأولي لمقاومة الظلم يضيف (كامو):

حاولتُ تعريف الفن بمقتضى جوهره الحر وتوحيده حيث ينتشر الاستبداد. وبالتالي ليس مفاجئٍ أن على الفن أن يكون العدو المحدد بكل شكلٍ من أشكال القمع. ولا غرابة أنه على الفنانين والمثقفين ان يكونوا الضحية الأولى للاستبداد الحديث … يعرف الاستبداد أن في العمل الفني قوة تحريرية غامضة فقط لأولئك الذين لا يقدسونها. كل عمل عظيم يجعل وجه الإنسان أكثر تقديرًا وأغنى وهذا هو سره الكامل. ولا تكفي آلاف معسكرات الاعتقال و لا الزنازين على إخفاء شهادات الكرامة المذهلة. ولذلك ليس صحيحًا أنه يمكن اعتقال وتوقيف الثقافة ولو مؤقتًا لإفساح المجال لأخرى جديدة… لا وجود لثقافة دون إرث مهما ستكون أعمال المستقبل لأنها ستحمل كلها نفس السر: مكونة من الشجاعة والحرية، متغذية على جرأة وجسارة آلاف الفنانين من كل الأزمنة وكل الدول.


[المصدر]

لقاء باريس ريفيو مع غابرييل ماركيز بعنوان: فن الخيال


هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014) روائى وصحفى كولمبي، يعد من أشهر الروائيين في كولومبيا وفي العالم الأدبي، تميز في كتابة الروايات الواقعية العجائبية وأحد أشهر مؤلفاته (مائة عام من العزلة).

غابرييل غارسيا ماركيز، فن الخيال، الجزء 69

أجرى المقابلة: بيتر هـ. ستون، العدد 82، شتاء 1981

بيتر هـ. ستون:
أُجريت هذه المقابلة مع (
غابرييل غارسيا ماركيز) في ديوانيته/مكتبه الواقع خلف منزله في دُور سان آنجيل، منطقة أثرية وجميلة، مليئة بورود مدينة مكسيكو الملونة. يقبع المعمل على بعد خطوات قليلة من المنزل، ذلك المبنى المنخفض الذي يبدو وكأنه مخصّص للضيافة. في الداخل، على إحدى جوانبه أريكة وكرسيّان، ومشرب مؤقت، بالإضافة إلى ثلاجة بيضاء صغيرة مزودة بتشكيلة معدنية أعلاها.

كان أبرز ما يميز الغرفة اللوحة الكبيرة التي تعلو الأريكة، يقف فيها (غارسيا ماركيز) وحيدا وهو يرتدي رداء أنيقا، واقفا أمام منظر طبيعي كـ(أنثوني كوين)

كان (غارسيا ماركيز) جالسا على مكتبه في أقصى الديوانية. قدم للترحيب بي، ماشياً بثقة وبخطوات خفيفة. كان رجلاً ذا بنية صلبة، طوله 180 سنتيمترا تقريبا، يبدو كمقاتل متوسط الحجم واسع الصدر وربما نحيف الساقين بعض الشيء. كان يرتدي بنطالاً قصيراً وسترة رقبة خفيفة وحذاء جلدياً أسوداً. شعره غامق اللون بني، مجعد، وشاربه عريض ممتلئ

استغرقت المقابلة ست ساعات مقسمة على ثلاثة أيام، تحدثنا لمدة ساعتين من عصر كل يوم. وبالرغم من أن لغته الإنجليزية جيدة جدا إلا إنه تحدث الإسبانية معظم الوقت وكان معه ابناه يترجمان. عندما يتحدث (غارسيا) فإن جسده يتحرك جيئة وذهابا، ويداه تتحركان إما وصفاً وتأكيداً لما يقول أو لتوضيح تغيير في اتجاه تفكيره. يتناوب جسده ما بين الميل إلى مستمعيه أو الاتكاء على الخلف ووضع إحدى قدميه على الأخرى


كيف تشعر حيال استخدامي لمسجل الصوت؟

المشكلة هي أنك بمجرد أن تعلم أن المقابلة مسجلة فإن أسلوبك يتغير. ففي حالتي مثلا، أتخذ موقفًا دفاعيًا على الفور. كصحفي، أشعر أننا مازلنا لم نتعلم بعد كيفية استخدام مسجل الصوت لإجراء مقابلة. الطريقة المثلى لإجراء المقابلات، كما أعتقد، هي الخوض في محادثة طويلة دون أن يدوّن الصحفيّ شيئا. ثم بعد ذلك، عليه أن يتذكر المحادثة وأن يكتب ما يتذكر من انطباعات ومشاعر حولها، وليس بالضرورة استخدام ذات الكلمات التي قيلت أثناء المقابلة. طريقة أخرى مفيدة هي تدوين الملاحظات ثم تفسيرها لاحقا مع الحرص على عدم الخروج عن مقصد الشخص الذي تقابله. الأمر المزعج في تسجيل كل شيء هو أن مسجل الصوت ليس مخلصًا للشخص الذي تجري مقابلته، لأنه يسجل ويتذكر كل شيء، حتى الأوقات التي تحرج فيها نفسك. لذلك، عند وجود شريط مسجل، فإن تركيزي عالٍ وانتباهي منصبّ على كوني في مقابلة، وعند غياب الشريط المسجل، فإني أتحدث بأريحية تامة.

إني أشعر بالذنب بعض الشيء، لكني أعتقد أنّا بحاجة إلى المسجل لهذا النوع من المقابلات

على كل حال، الهدف مما قلته للتو هو وضعك في موقف دفاعي مثلي

أتقول أنك لم تستخدم مسجل الصوت أبداً لتسجيل مقابلة أجريتَها؟

كصحفيّ، لا أستخدم المسجل أبداً. لدي مسجل شخصيّ أستخدمه لسماع الموسيقى. ومجددا، كصحفيّ، لا أجري المقابلات وإنما أكتب التقارير، دون مقابلة بأسئلة وأجوبة

سمعتُ من قبل عن مقابلة شهيرة مع البحّار الذي تحطمت سفينته

لم تكن مقابلة بأسئلة وأجوبة. أخبرني البحار بالقصة، ونقلتُها عنه باستخدام كلماته وكأنّه الكاتب. وعند نشر العمل كسلسلة في إحدى الصحف لمدة أسبوعين، كان هو من يوافق على كل جزء منها، وليس أنا. لم تُنشر القصة مرة أخرى بعد ذلك إلا بعد عشرين سنة، حينها علم الناس أني كنت الشخص الذي نقلها. ولم يُعِر أي محرّر لجودتها اهتماماً إلا بعد أن كتبت (مائة عام من العزلة).

بما أننا بدأنا بالتحدث عن الصحافة، كيف تشعر حيال عودتك إليها مرة أخرى، بعد تركها لكتابة الروايات لفترة طويلة؟ هل خضت فيها بأسلوب مختلف أو وجهة نظر مختلفة؟

لطالما كنت مؤمنا بأن مهنتي الحقيقية هي الصحافة. ما لم يعجبني في الصحافة سابقا كانت ظروف العمل. بالإضافة إلى أني أضطر أن أكيّف أفكاري لمصالح الصحيفة. والآن، بعد عملي كروائيّ، واستقلالي المالي كروائيّ، فبإمكاني اختيار الموضوعات التي تهمني وتتوافق مع أفكاري. على كل حال، إني أستمتع دائمًا بالأعمال الصحفية التي أقدمها.

أي من الأعمال الصحفية تراها عظيمة؟

هيروشيما لـ(جون هيرسي) كان عملا استثنائيا فعلا.

أهناك قصة في وقتنا الحالي تود نقلها تحديدا؟

هناك العديد، وقد نقلتُ بعضا منهم في الحقيقة. كتبتُ عن البرتغال وكوبا وأنغولا والفييتنام. أرغب بشدة أن أكتب عن بولاندا. أعتقد أني لو كتبتُ عن أوضاعهم الحالية هناك بالتفصيل فستكون قصة مهمة جدا. لكن بولندا باردة جدا هذه الأيام، وأنا صحفيّ يحب الراحة.

هل تعتقد أن الروايات قد تحقق أهدافا لا تحققها الصحافة؟

كلّا. لا أرى أن هناك فرق. المصادر نفسها والمعطيات نفسها، كما الموارد واللغة. (مذكرة عام الطاعون) للكاتب (دانييل ديفو) هي رواية رائعة، و(هيروشيما) في المقابل هي عمل صحفي رائع.

هل لدى الصحفيّ والروائيّ مسؤوليات مختلفة فيما يتعلق بالموازنة بين الحقيقة والخيال؟

في الصحافة، حقيقة مغلوطة واحدة قد تؤذي العمل بأكمله، والعكس تماما في الرواية، حقيقة صحيحة واحدة قد تمنح الشرعية للعمل بأكمله. هذا هو الفرق الوحيد، وهو عائد إلى التزام الكاتب. يستطيع الروائي عمل أي شيء، شريطة أن يجعل الناس يؤمنون به.

في بعض المقابلات التي أجريتَها الأعوام الماضية، كنتَ تتذكر أيامك كصحفيّ وكيف أنك كنت أكثر نشاطا.

أجد صعوبة في الكتابة الآن أكثر من قبل، سواء في الصحافة أو في كتابة الروايات. عندما كنت أعمل لدى الصحف، لم أكن أدقق في كل كلمة أكتبها كما أفعل الآن. عندما عملت لدى صحيفة “الاسبكتادور (El Espectador) في بوغوتا، كنت أنقل ثلاث قصص أسبوعياً على الأقل، واثنين أو ثلاث مراجعات تحريرية في اليوم، كما كنت أعمل مراجعات للأفلام. ثم بعد أن يغادر الجميع، تجدني في المكتب ليلاً أعمل على رواياتي. يعجبني صوت آلة الكتابة، يشبه صوت المطر، إن توقف صوتها وعمّ الهدوء، فلن أستطيع العمل حينها. والآن، المخرجات قليلة بالمقارنة. في يوم عمل طبيعي، أعمل من التاسعة صباحا حتى الثانية أو الثالثة عصرا، وأقصى ما يمكنني كتابته هو فقرة قصيرة من أربعة أو خمسة سطور أمزقها عادة في اليوم التالي.

ألذلك علاقة بشهرة أعمالك اليوم وأهميتها أم بسبب التزام سياسيّ ما؟

كلاهما. أعتقد أن الكتابة لعدد أكبر بكثير مما كنت أتخيل قد خلق في داخلي إحساسا بالمسؤولية الأدبية والمسؤولية السياسية. كما أن هناك نوعا من الكبرياء، حيث لست أريد أن أكتب شيئا أقلّ جودة مما كتبتُ من قبل.


كيف كانت بدايتك في الكتابة؟

الرسم. الرسوم المتحركة، قبل أن أتعلم القراءة أو الكتابة، كنت أرسم في المدرسة وفي المنزل. الطريف في الأمر، هو أني أتذكر أني كنت معروفا في مدرستي في المرحلة الثانوية بكوني كاتبا، رغم أني لم أكن كتبت شيئا. إن كان هناك منشور أو خطاب علينا كتابته كطلاب، فإني أنا من يكتبه لأني الكاتب كما يفترض. عندما التحقت بالجامعة، كانت لدي خلفية أدبية جيدة بشكل عام، أعلى من متوسط أصدقائي. في الجامعة في بوغوتا، بدأت بتكوين صداقات جديدة عرفتني على الكتّاب المعاصرين. في إحدى الليالي، أعارني صديق لي كتاب قصص قصيرة كتبها فرانك كافكا. عدتُ إلى منزلي وشرعتُ في قراءة (المسخ). صعقني السطر الأول، كنت متفاجئاً تماما. بدأ الكتاب بـ“عندما استيقظ (غريغور سامسا) صباحا بعد ليلة مليئة بالأحلام المضطربة، وجد نفسه قد تحول بشكل ما في فراشه إلى حشرة عملاقة …” عندما قرأت هذه الجملة فكرت في نفسي أني لم أكن أعلم أنه من المسموح لأحد أن يكتب شيئا كهذا، لو كنت أعلم ذلك لبدأت في الكتابة منذ زمن طويل جدا. لذا بدأت بعدها مباشرة في كتابة القصص القصيرة. كانت قصصا قصيرة ثقافية تماما وقد بدأت كتابتها معتمدا على تجربتي الأدبية، إذ لم أكن أعلم بعد كيفية الربط بين الأدب والحياة الحقيقية. نُشرت القصص في الملحق الأدبي من صحيفة “الاسبكتادور (El Espectador) في بوغوتا وقد حققت بعض النجاح في ذلك الوقت، ربما لأني أول من كان يكتب قصصا ثقافية قصيرة في كولومبيا. ما كان يكتبه الكتّاب في ذلك الوقت كان عن الحياة الريفية والاجتماعية. عندما كتبت القصص القصيرة تلك، شُبّه أسلوبي في الكتابة بكتابات (جيمس جويس).

وهل كنت قد قرأت لـ(جويس) في ذلك الوقت؟

لم أكن قد قرأت له بعد. لذا، بدأت بقراءة رواية (يوليسيس)، قرأتها بالنسخة الإسبانية الوحيدة الموجودة. ومن ذلك الحين، بعد قراءتها باللغة الإنجليزية ولاحقا بترجمة فرنسية جيدة جدا، علمت أن الترجمة الإسبانية كانت سيئة للغاية، لكني تعلمت شيئا أفادني كثيرا في وقت لاحق، وهو أسلوب كتابة الأفكار الداخلية للشخصيات. وجدت الأسلوب ذاته في كتابات (فيرجينيا وولف)، وأعجبتني طريقتها في الطرح أكثر من (جويس). علمت لاحقا أن الكاتب الذي بدأ باستخدام أسلوب الأفكار الداخلية هو كاتب (حياة لاثريو دي تورميس) (Lazarillo de Tormes) المجهول.

هل من الممكن أن تخبرني بأوائل المؤثرين بك؟

كان أول من ساعدني في التخلص من الأسلوب الأدبي البحت أثناء كتابة القصص القصيرة هم كتّاب الجيل المفقود، النّاجون من ضحايا الحرب العالمية الأولى. كان أسلوبهم الأدبي متعلقا بالحياة بطريقة لم تكن موجودة في قصصي القصيرة. ثم حدث أمر كان له علاقة كبيرة بهذا الأسلوب، في بوغوتازو، التاسع من أبريل، 1948 تعرض الزعيم السياسي (غيتان) إلى إطلاق النار، ثار بعدها الشعب. كنت على وشك تناول طعام الغداء في منزلي عندما سمعت الخبر. جريتُ إلى موقع الحادثة، لكن (غيتان) وُضع في تاكسي حينها وأُخذ إلى المشفى. في طريق عودتي إلى المنزل، كان الناس قد خرجوا إلى الشوارع متظاهرين، ينهبون المتاجر ويحرقون المباني، فانضممت لهم. علمتُ مساء ذلك اليوم نوع البلد الذي أعيش فيه، وعدم علاقة قصصي القصيرة بما يحدث فعلا. أدركتُ لاحقا عندما أُجبرتُ على العودة إلى بارانكويلا في منطقة الكاريبي، حيث قضيتُ أيام الطفولة، أن ذلك هو نوع الحياة التي عشتُها وعرفتها وأردت الكتابة عنها.

في عام 1950 أو 1951 حدث أمر آخر أثّر في توجهاتي الأدبية. طلبت مني أمي مرافقتها إلى أراكاتاكا، حيث وُلدتُ لبيع المنزل الذي قضيت فيه سنواتي الأولى. عندما وصلت إلى هناك، كنت متفاجئا جدا في البداية لأني كنت قد بلغت الثانية والعشرين حينها ولم أذهب إلى هناك منذ أن كنت في الثامنة. لم يتغير شيء، لكني شعرت بأني لست أنظر إلى القرية حقا، بل كنت أعيشها كما لو أني أقرأها. كان الأمر كما لو أن كل ما أراه قد كُتب بالفعل وكل ما كان علي فعله هو الجلوس ونسخ الشيء الموجود أصلا وما كنت أقرأ تلك اللحظة. لأسباب عملية تماما، تحول كل شيء أمامي إلى أدب، المنازل والناس والذكريات. لا أعلم إن كنت قد قرأت لـ (ويليام فوكنز) حينها أم لا لكني أعلم الآن أن ليس هناك أسلوب ساعدني في وصف وكتابة ما أراه إلا أسلوب شبيه بأسلوب (فوكنز). الأجواء والانحلال وحرارة القرية أشعرتني بذات الشعور الذي شعرت به مع (فوكنز). كانت منطقة خصبة لزراعة الموز يقطنها الكثير من تجار الفاكهة من أمريكا مما أعطاها أجواء جنوب أمريكا. تحدث النقاد عن تأثير (فوكنز) الأدبي، لكني أراها كمصادفة، وجدت ببساطة مادة كان علي التعامل معها كما تعامل (فوكنز) مع مواد مشابهة.

عدتُ من رحلتي تلك إلى القرية وكتبت (عاصفة الأوراق)، روايتي الأولى. ما حدث لي في تلك الرحلة إلى أراكاتاكا هو أني أدركت أن كل ما حدث لي في طفولتي كان له قيمة أدبية لم أعرف قيمتها إلا الآن. من اللحظة التي كتبت فيها (عاصفة الأوراق)، علمت أني أريد أن أكون كاتبا ولن يوقفني أحد، والأمر الوحيد الذي تبقى لي أن أفعله هو أن أكون أفضل كاتب في العالم. كان هذا في 1953 لكني لم أحصل على حقوق الملكية لأول مرة إلا في 1967 بعد أن كتبتُ كتابي الخامس من أصل ثمانية كتب.

هل تعتقد أنه من الشائع بين الكتّاب الشباب الاهتمام بالثقافة وإنكار قيمة طفولتهم وتجاربهم كما فعلتَ في البداية؟

كلا، عادة ما يحدث العكس. لكني إن أردت تقديم نصيحة لكاتب شاب فسأخبره بأن يكتب عمّا حدث له. يسهل دائما التمييز بين ما يكتبه الكاتب من تجربة شخصية وما يكتبه مما سمع أو قرأ. يقول (بابلو نيرودا) في إحدى قصائده “ربّ جنّبني التحريف عند الغناء“. يضحكني دائما أن أكثر ما يمدحه القرّاء هو حسّي الخياليّ، بينما أني لم أكتب في الحقيقة شيئا قطّ لم يكن منبعه حقيقي. يبدو أن الحياة الكاريبية تمثّل الخيال في أوضح صوره.

لِمن كنت تكتب في تلك المرحلة؟ من هم قرّاؤك؟

كتبت (عاصفة الأوراق) لأصدقائي الذين ساعدوني وأقرضوني كتبهم وكانوا متحمسين جدا لما أكتب. بشكل عام، أتوقع أنك عادة تكتب لشخص ما. عندما أكتب، دائما ما أفكر أن صديقي الفلاني سيعجبه هذا وصديقي الآخر ستعجبه هذه الفقرة أو ذلك الفصل، دائما ما أفكر بأشخاص محددين. الخلاصة، أن كل الكتب موجهة إلى أصدقائك. واجهت المشكلة بعد أن كتبت (مائة عام من العزلة)، حيث لم أعد أعرف إلى من أوجّه كتبي مِن ملايين الأعين، إنه أمر مزعج ومثبط. كأن مليون عين تنظر إليك ولا تعلم بماذا يفكرون.


وماذا عن تأثير الصحافة على خيالك؟

أعتقد أن التأثير متبادل. ساعدني الخيال في منح الجزء الصحفي قيمة أدبية. وساعدتني الصحافة في إبقاء مخيلتي على علاقة وثيقة بالواقع.

كيف تصف بحثك عن أسلوب فريد بعد (عاصفة الأوراق) وقبل أن تكتب (مائة عام من العزلة)؟

بعد أن كتبت عاصفة الأوراق، أيقنتُ أن كتابتي عن القرية وعن طفولتي كان مهربا من مواجهة الواقع السياسي في بلدي والكتابة عنه. كان لدي انطباع خاطئ أني كنت أختبئ خلف هذه المشاعر والحنين إلى الماضي بدلا من مواجهة الأحداث السياسية حينها. كانت تلك الفترة التي نوقشت فيها العلاقة بين الأدب والسياسة، حاولت جاهدا إغلاق الفجوة بينهما. كنت في السابق متأثرا بـ(فوكنز) والآن بـ(هيمنجواي). كتبتُ (ليس للكولونيل من يكاتبه) و(في ساعة نحس) و(جنازة الأم الكبيرةفي نفس الفترة تقريبا وكانت تجمعهم أمور عديدة مشتركة. تقع أحداث هذه القصص في قرية مختلفة عن القرية التي تقع فيها أحداث (عاصفة الورق) و(مائة عام من العزلة)، إنها قرية لا يوجد فيها سحر، إنه أدب الصحافة. لكني اكتشفتُ بعد أن أنهيت (في ساعة نحس) أن وجهات نظري كانت خاطئة مجددا، أدركتُ أن كتاباتي عن طفولتي في الحقيقة كانت سياسية ولها علاقة بما يحصل في بلدي أكثر مما ظننتُ سابقا. لم أكتب شيئا بعد (في ساعة نحس) لخمس سنوات، كانت لدي فكرة عما أردت كتابته، لكني ما زلت أشعر أن هناك أمراً مفقوداً لا أعلم ما هو، حتى اكتشفتُ النبرة الصحيحة، النبرة التي استخدمتها لاحقا في كتابة (مائة عام من العزلة). كانت مبنية على الطريقة التي كانت تستخدمها جدّتي في سرد القصص، كانت تسرد الأحداث التي تبدو خارقة وخيالية بطريقة طبيعية تماما. عندما اكتشفت النبرة الصحيحة أخيرا، عكفتُ على الكتابة اليومية لعام ونصف.

كيف كانت تسرد الأحداث “الخيالية” بطريقة طبيعية؟

كانت تعابير وجهها هي الأهم، لم تتغيّر تعابير وجهها بتاتاً عند سرد القصص، مما فاجأ الجميع. عند محاولاتي الأولية لكتابة (مائة عام من العزلة)، كنت أكتب القصة دون الإيمان بها. أدركتُ أن عليّ أن أؤمن بما أكتبه ومن ثم أنقله بنفس التعابير التي كانت تنقل بها جدتي قصصها، بتعابير جامدة.

يبدو أن هناك لمسة صحفية في تلك الطريقة أو النبرة. شرح الأحداث الخيالية بتفاصيل دقيقة مما يعطيها واقعيتها الخاصة بها. أتعلّمتَ ذلك من الصحافة؟

إنها بالفعل حيلة صحفية يمكن تطبيقها على الأدب. على سبيل المثال، إن ادّعيتَ أن الفيلة تطير في السماء، لن يصدّقك أحد. أما إن ادّعيتَ أن هناك أربعمائة وخمسة وعشرين فيلا فغالبا ما سيصدّقك الناس. (مائة عام من العزلة) مليئة بهذا النوع من السرد، إنه الأسلوب ذاته الذي استخدمته جدتي. أتذكر تحديداً الشخصية التي أحاطتها فراشات صفراء اللون، عندما كنت في سنّ صغيرة جدا، كان يأتينا ذلك الكهربائي الذي أثار اهتمامي فعلا، إذ كان يحمل معه حزاما يساعده في التسلق على الأعمدة الكهربائية. كانت جدتي تخبرنا أن هذا الرجل كان يملأ المنزل بالفراشات في كل مرة يزورنا فيها. لكني عند كتابة هذا، علمتُ أني إن لم أذكر أن الفراشات كانت صفراء اللون، فلن يصدّقني أحد. كذلك عندما كتبت فصل “صعود ريميديوس الجميلة إلى الجنة”، استغرق مني وقتا طويلا لإعطائه المصداقية اللازمة. خرجت مرة إلى حديقة الفناء، ورأيت العاملة التي اعتادت المجيء لإنهاء مهام المنزل، كانت تعلّق الأغطية لتجفّ، وكانت الرّيح شديدة. كانت تتجادل مع الريح وتأمرها بعدم تحريك الأغطية بشدة، أدركتُ أني لو استخدمت الأغطية مع ريميديوس الجميلة فإنها ستصعد، هكذا فعلتُ لإعطاء القصة مصداقية. المصداقية هي مشكلة كل كاتب، يستطيع أي شخص كتابة أي شيء، طالما أن الناس تصدقه.


ماذا عن طاعون الأرق في (مائة عام من العزلة)، ما مصدره؟

بدءا بـ(أوديب الملك)، لطالما أثار الطاعون اهتمامي. تعلمتُ الكثير عن الطاعون في العصور الوسطى. ويعتبر مذكرة عام الطاعون لـ(دانييل ديفو) أحد كتبي المفضلة لأسباب عديدة منها أن ما ينقله (ديفو) كصحفيّ يبدو وكأنه من نسج الخيال. لسنين عديدة، كنت أظن (ديفو) قد نقل عن طاعون لندن العظيم ما رآه بعينيه، ثم اكتشفتُ لاحقا أنها رواية، لأن (ديفو) لم يتجاوز السابعة عندما حلّ الطاعون بلندن. لطالما كان الطاعون بأشكاله المختلفة من المواضيع المتكررة في كتاباتي. النشرات المذكورة في (في ساعة نحس) هي طاعون. آمنتُ لسنين طويلة بالتشابه بين العنف السياسي في كولومبيا والطاعون في معطياتهما الأساسية. قبل (مائة عام من العزلة) استخدمتُ الطاعون لقتل جميع الطيور في قصة بعد يوم السبت. وفي (مائة عام من العزلة) استخدمت طاعون الأرق كحيلة أدبية، حيث أنه نقيض طاعون النوم. في النهاية، الأدب هو نوع من النجارة.

هلا شرحت وجه التشابه هنا؟

كلاهما عمل شاقّ، صعوبة الكتابة هي كصعوبة صنع طاولة. أنت تتعامل مع الواقع في الحالتين، مواد صلبة كالخشب. كلاهما بحاجة إلى خدع وأساليب مختلفة، شيء من السحر وكثير من العمل الشاق. وكما قال (بروست) كما أظن، أن الأمر بحاجة إلى 10% من الإلهام و90% من الجهد. لم أعمل في النجارة قط، لكنها مهنة أقدرها حقّاً، خصوصا أنها من الوظائف التي لن تجد من ينوب عنك فيها.

ماذا عن حمّى الموز في (مائة عام من العزلة)؟ ألها علاقة بما فعلته شركة الفواكه المتحدة؟

حمّى الموز مبنية على الواقع بشكل كبير. استخدمت بالطبع بعض الحيل الأدبية على الأمور التي لم تثبت تاريخيا. مجزرة الميدان هي حدث تاريخي حقيقي على سبيل المثال، ومع أني نقلتها بناء على الوثائق ونقلا عن الشهود، إلا أن عدد القتلى كان مجهولا. ذكرتُ أن العدد كان ثلاثة آلاف قتيل، وهو عدد بالغت فيه من ناحيتي بالطبع، لكني أذكر في طفولتي قطارا طويلا جدا غادر المزرعة مليئا بالموز كما قيل، قد يحتوي على ثلاثة آلاف قتيل يتم التخلص منهم في البحر لاحقا. المفاجئ حقيقة أن الناس تتحدث الآن في المؤتمرات والصحف بشكل طبيعي جدا عن وجود ثلاثة آلاف قتيل، وأظن أن نصف تاريخنا منقول بهذه الطريقة. في كتابي (خريف البطريرك)، يدعي الدكتاتور الطاغية أنه لا توجد أهمية لكون أمر ما حقيقي في لحظة ما طالما سيصبح حقيقة في المستقبل. عاجلا أم آجلا، سيصدّق الناس الكتّاب أكثر من الحكام.

وهذا يمنح القوة للكتّاب، أليس كذلك؟

نعم، ويمكنني الشعور بذلك أيضا، مما يعطيني حسّا أقوى بالمسؤولية. ما أتمنى فعله حقا هو نقل عمل صحفيّ حقيقي في جميع تفاصيله و بنفس جودة (مائة عام من العزلة). كلما تذكرت الماضي، آمنتُ أكثر بالارتباط الوثيق بين الأدب والصحافة.

ماذا عن البلد التي تخلّت عن بحرها للتخلص من ديونها الخارجية، كما في (خريف البطريرك)؟

نعم، لكن ذلك قد حدث في الحقيقة. حدث من قبل وسيحدث مرة وأخرى، (خريف البطريرك) هو كتاب تاريخيّ بحت. يجتمع الصحفي والروائيّ في أنّ كلاهما يبحثان عن الاحتمالات التي قد تنتج من الوقائع الحقيقية، وهذا عمل الأنبياء كذلك. يصنفني الكثير من الناس بأني كاتب خيال مع أني في الحقيقة واقعيّ جدا وأكتب ما أراه كواقع اشتراكي حقيقي.

كما المدينة الفاضلة؟

لستُ متأكدا إن كانت المدينة الفاضلة تعني الحقيقية أم المثالية، لكني أظنها الحقيقية.

هل بنيتَ الشخصيات في (خريف البطريرك)، كالطغاة على سبيل المثال، على شخصيات حقيقية؟ هناك بعض التشابه مع (فرانكو) و(بيرون) و(تروخيلو)

نجد في كل رواية شخصيات مركبة. خليط من شخصيات نعرفها أو سمعنا عنها أو قرأنا عنها. كنت قد قرأتُ كل ما يمكنني أن أقرأه عن طغاة أمريكا اللاتينية في القرن الماضي وبداية القرن الحالي، وتحدثتُ مع الكثير ممن عاش تحت حكم طاغية. فعلتُ ذلك لعشر سنوات، وعندما كوّنتُ فكرة عامة عن الشخصية التي أردت كتابتها، عملت جاهدا لأنسى كل ما قرأته وسمعته، حتى أستطيع أن أنشئ الشخصية دون الإشارة إلى أي أحداث حقيقية. أدركت في مرحلة ما أني شخصيا لم أعِش تحت حكم أي طاغية في حياتي، لذا جاءتني فكرة أني إن كتبت هذا الكتاب في إسبانيا فسيمكنني فهم طبيعة العيش في بلد ديكتاتورية، لكني اكتشفت أن طبيعة العيش مختلفة تماما في إسبانيا تحت حكم (فرانكو) عن الديكتاتورية الكاريبية، لذا توقفت عن إكمال الكتاب لعام تقريبا. كان هناك أمر مفقود لا أعلم ما هو. وفي إحدى الليالي، قررت أن أفضل ما يمكن عمله هو العودة إلى الكاريبي، لذا عدنا جميعا إلى بارانكويلا في كولومبيا، وأخبرت الصحفيين بأمرٍ ظنّوه مضحكا، أخبرتهم أني عدتُ لأني نسيت رائحة الجوافة، والحقيقة أني احتجت إلى ذلك لأنهي الكتاب. أخذت جولة في منطقة الكاريبي وأثناء تنقلي من جزيرة إلى جزيرة، وجدت العناصر التي تفتقدها روايتي.

تتحدثُ عادة عن عزلة السلطة؟

كلما زادت قوّتك، صَعُب عليك معرفة من يَصدُقك ومن يَكذُبك. وعندما تصل إلى القوة المطلقة فلن يكون لديك أي اتصال بالواقع وهذا أسوأ أنواع العزلة. يحاط الرجل شديد القوة أو الطاغية بأمور وأشخاص هدفهم الوحيد هو عزله من الواقع، يُسخّر كل شيء لعزله.  

وماذا عن عزلة الكاتب؟ أهو أمر مختلف؟

بل له علاقة كبيرة بعزلة السلطة، محاولة الكاتب في وصف الواقع تقوده عادة إلى تشويهه، في محاولته لنقل الواقع قد يفقد ارتباطه به وكأنه في برج عاجي كما يقولون. لذا تساعد الصحافة كثيرا في منع ذلك، ولهذا السبب أحاول دائما الاستمرار في العمل الصحفي، لأنه يبقيني على اتصال دائم بالعالم الحقيقي، وخصوصا الصحافة المتعلقة بالسياسيين والسياسة. كانت العزلة التي هددتني هي عزلتي بعد كتابة (مائة عام من العزلة)، لكنها لم تكن عزلة الكاتب، بل عزلة الشهرة والتي تشبه عزلة السلطة بشكل كبير. والشكر لأصدقائي الذين أنقذوني منها، أصدقائي المتواجدون دوما.

كيف ذلك؟

لأن أصدقائي لم يتغيروا طيلة حياتي، أعني أني لا أنفصل أو أترك أصدقائي القدامى، وهم من يبقوني على اتصال بالواقع، هم ليسوا مشاهير وعادة ما يبقون على علم بما يحدث.

من أي تبدأ الأمور؟ إحدى الصور المتكررة في (خريف البطريرك) هي بقر القصر، أكانت هذه إحدى الصور المبتكرة ؟

لديّ كتاب صوريّ سأريك إياه، قلت عدة مرات أن كل كتاب لي  يرتكز على صورة أساسية. أول صورة حضرتني لـ(خريف البطريرك) كانت لرجل كبير السن في قصر شديد الفخامة يدخله البقر ويأكل الستائر، لكن تلك الصورة لم تتجسد حتى رأيتها في صورة حقيقية في روما، حيث دخلت متجر كتب وألقيت النظر على بعض الكتب الصورية التي أحب جمعها، ووقعت عيناي على تلك الصورة المثالية. علمت حينها أنها هي ما أردت، وبما أني لست مفكرا كبيرا فسأجد قدوتي في أمور يومية طبيعية في حياتي وليس في التحف العظيمة.

هل تحتوي رواياتك على تقلبات غير متوقعة؟

كان الأمر كذلك في البداية. في القصص الأولى التي كتبتها، كان لدي انطباع عام عن الفكرة لكني كنت أسمح لنفسي بالخروج عنها إن صدف ذلك. من أفضل النصائح التي تلقيتها منذ البداية هي أنه من المقبول أن أعمل ذلك عندما كنت صغيرا لوجود سيل من الإلهام حينها. لكن قيل لي أني إن لم أتمسك بطريقة أو أسلوب فسأواجه المشاكل لاحقا عندما يزول الإلهام، حينها لن يعوّض النقص سوى الأسلوب. لو لم أتعلم ذلك منذ البداية لما استطعت أن أقسّم أفكاري عند بدأ الكتابة. التقسيم المبدئي هو أمر فني بحت، إن لم تتعلمه من البداية فلن تستطيع تعلمه أبدا.

الانضباط إذا مهم جدا بالنسبة لك؟

لا أعتقد أن بإمكانك كتابة أي شيء دون انضباط تام!

ماذا عن المحفزات الخارجية؟

أحد الأمور الرائعة التي أبهرتني من أقوال (هيمنجواي) هي أن الكتابة بالنسبة له كالملاكمة، كان عليه العناية بصحته وجسده لكليهما. واشتهر (فوكنز) بأنه سكّير، لكنه كان يقول في كل مقابلة له أنه من المستحيل كتابة أي شيء أثناء الشرب. نُقل عن (هيمنجواي) نفس الكلام. يأتيني بعض القرّاء السيئين لسؤالي عما إذا كنت سكرانا أثناء كتابة بعض من كتاباتي، وهذا يوضّح مدى جهلهم بالأدب أو بالمسكرات. حتى تكون كاتبا جيدا فعليك أن تكون واعيا تماما في كل لحظة من لحظات الكتابة وبصحة جيدة. إنني أخالف تماما المبدأ الرومانسي الذي يدّعي أن الكتابة هي عبارة عن تضحية، وأن الكتابة تتحسن إن ساءت الأحوال الاقتصادية أو الحالة العاطفية، أعتقد أن عليك أن تكون بحالة عاطفية جيدة وصحة جسدية جيدة. تتطلب الكتابة الأدبية بالنسبة لي الصحة الجيدة، وقد فهم كتاب الجيل المفقود ذلك. كانوا أناسا أحبوا الحياة.

ادّعى (بلايز سيندرارز) أن الكتابة هي مزية بحد ذاتها مقارنة بأغلب الأعمال وأن الكتّاب يبالغون في نقل معاناتهم. ما رأيك؟

أعتقد أن الكتابة أمر صعب جدا، لكن الأمر كذلك لكل عمل يتم تنفيذه بعناية. المزية حقيقة هو تنفيذ العمل بشكل يرضيك، أعتقد أني من النوع الذي يتطلب الكثير من نفسه ومن حوله لأني لا أتحمل الأخطاء. أعتقد أنها مزية حين تنفذ عملا ما بشكل متكامل. وصحيح فعلا أن الكتّاب يبالغون عادة في أهميتهم ويضعون أنفسهم في محور الكون وفي أصل المجتمع، لكني أقدر جدا الأعمال المتكاملة، أسعد جدا إذا علمتُ أن قائد الطائرة التي أركبها هو قائد جيد أكثر من كوني كاتبا جيدا.

ماذا عن عملك حاليّا؟ ألك جدول عمل تتبعه؟

كانت أكبر المشاكل التي واجهتني عندما امتهنتُ الكتابة هي جدولي. كوني صحفيّ يعني أن علي أن أعمل ليلاً، وعندما انتقلت إلى الكتابة بشكل كامل كنت قد بلغت الأربعين من عمري، أبدأ العمل من التاسعة صباحا حتى الثانية ظهرا، عند عودة أبنائي من المدرسة. ولاعتيادي على العمل الشاق، شعرت بالذنب لأني لم أكن أعمل سوى هذه الساعات من الصباح، لذا حاولت العمل ظهرا لكني اكتشفت لاحقا أني أضطر إلى إعادة كتابة كل ما أكتبه ظهرا صباح اليوم التالي، ولذلك قررت أن أعمل من التاسعة صباحا حتى الثانية والنصف ظهرا ثم أتوقف عن العمل وأستغلّ فترة الظهر في إجراء المقابلات وإنهاء المواعيد أو المهام التي قد تطرأ عليّ حينها. لدي مشكلة أخرى، وهي أني لا أستطيع العمل إلا في محيط مألوف بالنسبة لي وتم تجهيزه بالأدوات التي أحتاجها لإنهاء عملي ولذا لا أستطيع الكتابة في غرف الفنادق أو باستعمال آلات كاتبة مستعارة مما يوقعني في المشاكل كوني لا أستطيع العمل أثناء السفر. بالطبع، نحاول جميعا خلق الأعذار لتقليل العمل ولذا نعقّد الشروط التي نفرضها على أنفسنا طوال الوقت. نبحث عن الإلهام في مختلف الظروف، وهذه كلمة استغلها الرومانسيون كثيرا، يواجه أصدقائي الماركسيون صعوبة في تقبلها. لا تهمني التسمية بحد ذاتها، لكني مقتنع تماما بوجود حالة ذهنية خاصة تجعلك تكتب بسلاسة تامة وطرح متناسق تُخفي جميع الأعذار، كقولي أني لا أستطيع الكتابة إلا في المنزل. تأتي هذه اللحظة وتلك الحالة الذهنية عندما تجد الموضوع المناسب والأسلوب المناسب لتناوله، كما يجب أن يكون موضوعا تستهويه إذ يُعدّ عمل ما لا تحب من أسوأ الأمور.

أحد أصعب الأمور هي الفقرة الأولى، أقضي عدة شهور أكتب فقرتي الأولى أحياناً، وبمجرد كتابتها أجدني أكمل ما تبقى بسهولة تامة. تحل معظم مشاكل كتابك بالفقرة الأولى منه، لأنك حينها قد اخترت الموضوع والأسلوب والنبرة، وفي حالتي على الأقل، تريني الفقرة الأولى سير بقية الكتاب، لذا كتابة القصص القصيرة أصعب بكثير من كتابة الرواية لأنك تبدأ من الصفر مع كل قصة.

هل تعتبر الأحلام مصدر إلهام مهم بالنسبة لك؟

كنت أنتبه لها بشكل كبير في البداية، ثم أدركتُ أن الحياة بحد ذاتها هي أكبر مصدر إلهام وأن الأحلام هي جزء صغير جدا من تيار الحياة. ويظهر في كتاباتي أني مهتم كثيرا بالمفاهيم المختلفة للأحلام وتفسيراتها المختلفة، أرى الأحلام جزءا من الحياة بشكل عام لكن الواقع أغنى بكثير، أو ربما أن أحلامي هي المملة.

هل يمكنك التفرقة بين الإلهام والنباهة؟

الإلهام هو إيجاد الموضوع المناسب، موضوع يستهويك ويسهّل عليك عملك. أما النباهة والتي تعتبر مهمة أيضاً في كتابة الخيال، هي ميزة خاصة تساعدك في معرفة شيء ما دون الخلفية المعرفية عنه ودون علم خاص به. بإمكاننا فهم قانون الجاذبية بالنباهة وحدها دون أي أمر آخر، إنها طريقة لكسب الخبرة دون خوض التجربة. النباهة مهمة بالنسبة إلى الروائيين، إنها نقيض التثقف وهو ما أبغضه بشدة في هذا العالم، العالم الذي تحول إلى مجموعة من النظريات الثابتة. ميزة النباهة أنها سرعان ما تُثبت أو تُنفى، لن تستغرق وقتا طويلا لإيصال دائرة بدائرة أخرى أو مربعا بمثيله.

ألا تحب المنظّرين؟

بالطبع لا، لأني لا أفهمهم حقيقة، لهذا أحاول شرح العديد من الأمور عن طريق الحكايات، لأني لا أملك الطاقة لشرح الأفكار بتجريدها ولذا يدّعي النقاد أني لست مثقفا، لأني لا أقتبس بما يكفي.

هل تعتقد أن النقاد يصنفوك أو يصفوك بدقة؟

يمثّل النقاد بالنسبة لي أكبر مثال على التثقف، لديهم أولا شروط لما يجب أن يتّصف به كل كاتب، يحاولون أن يجبرون الكاتب أن يتبع رأيهم، وإن رفض الكاتب فلا يرون ضيرا في استعمال القوة. إني أجيب على هذا لأنك سألتَه، ولستُ مهتما بما يقوله النقاد عني ولم أقرأ لأي ناقد منذ سنين. لقد نصّبوا أنفسهم كوسطاء بين الكاتب والقارئ، لطالما حاولت أن أكون كاتبا واضحا ودقيقا، أحاول الوصول إلى القارئ مباشرة دون المرور بالناقد.

وما رأيك في المترجمين؟

أقدر المترجمين بشكل كبير، سوى أولئك الذين يستعملون الهوامش لشرح بعض الأمور للقارئ التي قد لا يعنيها الكاتب حتى. بما أنها كتبت بطريقة ما، فعلى القارئ أن يقرأها كما هي. الترجمة عمل صعب جدا، دون مردود جيد أو راتب مجزي. تُعدّ الترجمة الجيدة إعادة كتابة بلغة أخرى، لذا أقدر (جريجوري راباسا). تُرجمت كتبي إلى إحدى وعشرين لغة، و(راباسا) هو المترجم الوحيد الذي لم يطلب مني توضيح أمر قط لشرحه في الهامش. أرى أن أعمالي قد أعيدت كتابتها باللغة الإنجليزية، مع أن هناك أجزاء يصعب تتبعها أدبيا، والانطباع لدى القارئ هو أن المترجم قد قرأ الكتاب وأعاد كتابته من ذاكرته، لذا أقدر المترجمين حقا، إنهم يعتمدون على النباهة أكثر من التثقف. وإضافة إلى أن رواتبهم من الناشرين غير مجزية إطلاقا، لا يرونهم الناشرون كصانعي محتوى أدبي. هناك بعض الكتب التي أردت ترجمتها إلى الإسبانية، لكنه عمل شاق بنفس مستوى كتابة كتاب لي ولن أحصل مقابل مادي يساعدني على العيش.

ما الكتب التي أردت ترجمتها؟

كل كتب (اندريه مالرو)، وشيئا من كتب (جوزيف كونراد) و(أنطوان دو سانت اكزوبيري). يأتيني شعور الرغبة في الترجمة أحيانا أثناء القراءة، باستثناء الروائع الأدبية، أفضل قراءة ترجمة متوسطة الجودة لكتاب ما على محاولة قراءته بلغته الأصلية، لا أشعر بالراحة أبدا عند القراءة بلغة أخرى لأن اللغة الوحيدة التي أشعر بها داخلي هي الإسبانية. لكني أتحدث الإيطالية والفرنسية وأعرف الإنجليزية لدرجة تجعلني أسمّم نفسي بالنسخة الأسبوعية من مجلة التايمز لعشرين سنة.


هل تعتبر المكسيك وطنا بالنسبة لك الآن، هل تشعر بالانتماء إلى مجتمع كتّاب أكبر؟

لا أصادق الكتّاب والفنانين بشكل عام لمجرد كونهم كتّاب وفنانين. لدي العديد من الأصدقاء في مختلف المجالات ومن بينهم كتّاب وفنانون. بشكل عام، أشعر بأني من السكان الأصليين في أي بلد في أمريكا اللاتينية. يشعر أبناء أمريكا اللاتينية أن إسبانيا هي البلد الوحيد التي تتم فيها معاملتنا بشكل جيد لكني لا أشعر شخصيا أني من هناك، لا أحس في أمريكا اللاتينية بالحدود، أنا واع بالفروقات بين دولة وأخرى لكني لا أفكر أو أشعر بأي شيء مختلف بينها جميعا. أشعر بأني في وطني حقا في منطقة الكاريبي سواء في الجانب الفرنسي أو الهولندي أو الإنجليزي، ودوماً أتأثر عندما أركب الطائرة في بارانكويلا وتقوم سيدة سمراء البشرة بزيّ أزرق بختم جواز سفري وعندما أنزل من الطائرة في جامايكا فإن سيدة سمراء البشرة بزيّ أزرق تختم على جواز سفري ولكن بالإنجليزية. لا أرى أن اللغة تصنع الفارق الكبير. وفي أي دولة أخرى في العالم، أشعر كأجنبي، شعور يحرمني من الإحساس بالأمان، إنه شعور شخصي يرافقني دائما عند السفر، لأني أشعر بأني من الأقلية.

أتراه من الضروري أن يعيش كتّاب أمريكا اللاتينية في أوروبا لفترة من الزمن؟

ربما لأخذ انطباع خارجي حقيقي. يدور كتاب القصص القصيرة الذي أفكر في كتابته حول كتّاب أمريكا اللاتينية في زيارات لأوروبا، أفكر في هذا الكتاب من عشرين سنة، وإذا أردت الخلاصة من هذه القصص فهي أن الأمريكيون اللاتينيّون نادرا ما يقومون بزيارة أوروبا، وإن زاروها فإنهم لا يطيلون البقاء. جميع المكسيكيين الذين قابلتهم في أوروبا، يغادرونها بعد أقل من أسبوع.

ما أثر الثورة الكوبية على الحس الأدبي في أمريكا اللاتينية كما تعتقد؟

آثار سلبية حتى الآن. العديد من الكتّاب الذين يرون أن لديهم التزام سياسيّ يشعرون أنه من الخطأ الكتابة عما يريدون حقا، وأن الصواب هو الكتابة عما يعتقدون أنه يجب عليهم أن يريدون. وينتج عن هذا نوع من الأدب المدروس الذي ليس له علاقة بالتجارب أو بالنباهة. والسبب الرئيسي وراء ذلك هو الرفض الشديد لأي تأثير ثقافي من كوبا على أمريكا اللاتينية. في كوبا نفسها، لم يتم تحسين العملية بشكل يساعد على وجود حس أدبي أو فن ما، وهذا أمر يحتاج إلى وقت. تكمن أهمية الثقافة العظمى لـ كوبا في أمريكا اللاتينية في كونها جسرا لنقل نوع من الأدب الموجود في أمريكا اللاتينية من سنين عديدة. بمعنى أن ازدهار أدب أمريكا اللاتينية في الولايات المتحدة كان سببه الثورة الكوبية. كل كاتب من أمريكا اللاتينية في ذلك الجيل كان يكتب من عشرين سنة لكنهم لم يحظوا باهتمام الناشرين الأوربيين والأمريكيين. عندما بدأت الثورة الكوبية، كان هناك اهتمام مباشر بـ كوبا وأمريكا اللاتينية. تحولت الثورة إلى مادة جاهزة للاستهلاك ودخلت أمريكا اللاتينية إلى سباق الشهرة. تم اكتشاف روايات لاتينية أمريكية جيدة تستحق الترجمة وتم اعتبارها جزءا من الأدب العالمي. المحزن في الأمر هو أن الاستعمار الثقافي كان سيئا جدا في أمريكا اللاتينية لدرجة جعلت من المستحيل أن يؤمن الأمريكيون اللاتينيون بجودة رواياتهم حتى يخبرهم الناس من الخارج بذلك

أهناك كتّاب أمريكيون لاتينيّون ليسوا معروفين تقدرهم بشكل خاص؟

أشك في وجود أي منهم الآن. أحد أفضل الآثار الناتجة من ازدهار الكتابة في أمريكا اللاتينية هو أنها جعلت الناشرين في بحث مستمر للتأكد من أنهم لن يفوتوا (خوليو كورتاثار) الجديد. ولسوء الحظ ، اهتم الكثير من الكتاب الشباب بشهرتهم أكثر من اهتمامهم بأعمالهم. هناك بروفيسور فرنسي في جامعة تولوز يكتب عن أدب أمريكا اللاتينية، تواصل معه العديد من المؤلفين الشباب يخبرونه ألا يكتب الكثير عني لأني لا أحتاج إلى أحد مع وجود من هم أكثر حاجة مني. ما يتناساه هؤلاء الشباب أني عندما كنت بعمرهم، لم يكتب عني النقاد شيئا، بل عن (ميغيل أنخيل أستورياس). ما أود قوله هو أن هؤلاء الكتاب الشباب يهدرون وقتهم في الكتابة للنقاد بدلاً من العمل على كتاباتهم. أن تكتب أهمّ من أن يُكتب عنك. أحد الأشياء التي أعتقد أنها كانت مهمة للغاية في مهنتي الأدبية هو أني حتى الأربعين من عمري، لم أحصل أبدًا على قرش واحد من حقوق الملكية، على الرغم من أنني كنت قد نشرت خمسة كتب.

هل تعتبر الشهرة في سنّ مبكرة أمرا سيئا؟

إنها سيئة في جميع الأعمار. لكنت أحببت إن لم يعرفني الناس إلا بعد موتي، على الأقل في البلدان الرأسمالية حيث تصبح كالسلعة.

إلى جانب قائمتك المفضلة، ماذا تقرأ هذه الأيام؟

أقرأ أغرب الأشياء، كنت أقرأ (مذكرات محمد علي) قبل أيام. (دراكولا لـ(برام ستوكر) كتاب عظيم، لم أكن لأقرأه قبل سنوات لأني كنت سأراه مضيعة للوقت، ولا أبدأ قراءة كتاب إلا إذا تمت التوصية به من شخص أثق به. لم أعد أقرأ في الخيال، أقرأ الكثير من المذكرات والوثائق حتى وإن كانت وثائق مزورة. وأعيد قراءة كتبي المفضلة، ميزة إعادة القراءة هي أن بإمكانك البدء من أي صفحة لقراءة أجزاء تفضلها. فقدت الفكرة المقدسة التي تنص على قراءة “الأدب” فقط، سأقرأ أي شيء، وأحاول مواكبة العصر، أقرأ معظم المجلات العالمية المهمة كل أسبوع. تعودت منذ القدم البحث عن الأخبار منذ عادة قراءة الفاكس. ولكن بعد قراءة جميع الصحف الهامة من هنا وهناك تأتي زوجتي لتخبرني بالأخبار التي لم أسمع عنها، وعندما أسألها عن المصدر، تخبرني أنها من قسم التجميل من إحدى المجلات، لذا بدأت قراءة مجلات الموضة وجميع أنواع المجلات النسائية وأخبارها وتعلمت الكثير مما لا يمكن تعلمه إلا من هناك، كل ذلك يبقيني مشغولا.

لماذا تظن أن الشهرة مدمرة للكاتب؟

لأنها تقتحم حياتك الخاصة أولا، وتسلب منك الوقت الذي تقضيه مع أصدقائك والوقت الذي تعمل فيه. وتميل إلى عزلك عن العالم الحقيقي. على الكاتب المشهور الذي يريد أن يستمر في الكتابة أن يدفع عن نفسه الشهرة باستمرار. لا أحب أن أقول هذا لأن سأبدو كمنافق، لكني أتمنى حقا لو نُشرت كتبي بعد موتي، حتى لا أضطر للخوض في طريق الشهرة ودخول قوائم الكتّاب العظماء. في حالتي، الميزة الوحيدة للشهرة هي أني استطعت استعمالها في السياسة، عدا ذلك، فهي مزعجة جدا. المشكلة أنك تكون مشهورا طوال الوقت ولا تستطيع تأجيل الموضوع أو تقسيمه على الأيام أو اختيار الأماكن التي تريد أن تكون مشهورا فيها.

هل تنبّأتَ النجاح الباهر لـ(مائة عام من العزلة)؟

علمتُ أنه سيعجب أصدقائي أكثر من بقية كتبي. لكني انبهرت عندما أخبرني الناشر الإسباني أنه سيقوم بطباعة ثمان آلاف نسخة لأني لم أبِع من بقية كتبي أكثر من سبعمائة نسخة. وعندما سألته عن السبب الذي يجعله متعجلا لهذه الدرجة، أخبرني أنه يؤمن أنه كتاب جيد وأننا سنستطيع بيع جميع النسخ بين شهري مايو وديسمبر. وبيعت جميع النسخ خلال أسبوع واحد في منطقة بوينس ايرس.

ولماذا برأيك لاقت (مائة عام من العزلة) هذا القبول؟

ليس لدي أي فكرة. لأني شخصيا ناقد سيء جدا لأعمالي. أكثر سبب أسمعه من الناس هو أن الرواية تحكي قصة حياة الناس الخاصة في أمريكا اللاتينية، فقد كُتب الكتاب من أحد سكانها. يفاجئني هذا السبب لأني عندما بدأت كتابة الكتاب للمرة الأولى أردت تسميته “المنزل”، أردت أن تقع جميع أحداث الرواية داخل منزل، وكل الأحداث خارج المنزل لها تأثير بشكل ما على المنزل. ثم تجنبت لاحقا هذا العنوان، لكن الأحداث في الرواية لم تتجاوز مدينة ماكوندو على كل حال. سبب آخر سمعته أن القارئ بإمكانه تشكيل شخصيات الرواية كما يريد، وأنا لا أريد نقله إلى فيلم، لأن المشاهد سيرى الوجه ولن يستطيع أن يتوه في خياله حينها.

هل كان هناك اهتمام لنقل الرواية إلى فيلم؟

نعم، لقد عرضته وكيلة أعمالي بمليون دولار لتثبيط العروض، وعندما اقتربت العروض من ذلك زادت الرقم إلى ثلاثة ملايين. لكني لست مهتما بنقله إلى فيلم وإن استطعت أن أبقيه دون ذلك فسأفعل. أفضّل أن أبقيها كعلاقة خاصة بين الكتاب وقارئه.

هل تعتقد أن أي كتاب يمكن نقله إلى فيلم بنجاح؟

 لا أستطيع أن أفكر في أي فيلم نُقل عن رواية جيدة وفاق نجاحها. لكني قد أفكر في أفلام كثيرة فاقت نجاح روايات سيئة أصلا.

هل فكرت في صناعة الأفلام؟

مرّ علي وقت أردتُ أن أكون فيه مخرج أفلام، درستُ الإخراج في روما، وأحسست أن السينما هي الوسيط الذي لم يكن له حدود وأن كل شيء ممكن فيها. قدمتُ إلى المكسيك لأني أردت العمل في مجال الأفلام، ليس كمخرج وإنما ككاتب نصوص. لكن هناك حدود في السينما وهي أنها مجال صناعي، مجال صناعي متكامل. من الصعب جدا التعبير عما تريد بالضبط في السينما. لا زلت أفكر فيها، لكنها تبدو لي الآن وكأنها من الكماليات التي قد أريد عملها مع أصدقائي لكن دون أمل في التعبير عما في داخلي، لذا ابتعدت أكثر وأكثر عن السينما. علاقتي بالسينما كعلاقة زوجين لا يستطيعان الانفصال عن بعضهما ولا يستطيعان العيش سوية أيضا. لكن إن خُيّرت بين امتلاك شركة أفلام أو امتلاك صحيفة، فسأختار الصحيفة.

كيف تصف الكتاب الذي تكتبه الآن عن كوبا؟

 أشبّه الكتاب في الحقيقة بأنه مقال طويل في صحيفة عن الحياة في المنازل الكوبية وكيف استطاع الناس التعايش مع العجز الحاصل هناك. ما فاجأني خلال زيارتي العديدة إلى كوبا خلال السنتين الماضيتين هو أن الحصار قد خلق في كوبا نوعا من “ثقافة الضرورات”، حالة اجتماعية تجعل الناس يتعايشون مع بعض الأمور. الجانب الذي أثار اهتمامي هو أن الحصار قد ساهم بشكل ما في تغيير عقلية الناس. لدينا صراع بين المجتمع الرافض للاستهلاك وأكثر مجتمع مندفع بالاستهلاك في العالم. وصل الكتاب إلى مرحلة تحوله من مجرد عمل صحافي بسيط وقصير بعض الشي إلى كتاب طويل ومعقد. لكن ذلك لا يهمني حقا، لأنه ديدن جميع كتبي، بالإضافة إلى أن الكتاب سيثبت بالحقائق التاريخية أن الحياة الحقيقية في منطقة الكاريبي هي بذات الخيال في قصص (مائة عام من العزلة).

هل لديك طموحات بعيدة المدى أو أمور تندم عليها ككاتب؟

أظن أن الإجابة لهذا السؤال تشبه إجابتي لسؤال الشهرة. سئلت قبل فترة عما إذا كنت مهتما بالحصول على جائزة نوبل، أعتقد أن ذلك سيكون ككارثة بالنسبة لي، سأكون مهتما باستحقاقها لكن استلامها سيكون سيئا، لأنه سيعقد مسألة الشهرة بشكل أكبر، والشيء الوحيد الذي ندمت عليه في حياتي هو أني لم أُرزق ببنت.

أهناك مشاريع قادمة تود مناقشتها؟

أنا مقتنع تماما أني سأكتب أفضل كتاب في حياتي، لكني لا أعلم ما هو ومتى سأكتبه. عندما يأتيني هذا الشعور، وهو شعور لازمني منذ فترة فإني أميل إلى البقاء هادئا، حتى أكون متأهبا له عند مروره.


[المصدر]

عالم الاجتماع (السيد ياسين)؛ الإرهاب كأعلى صوت لعراك العولمة


هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

في خضم معارك التجليات الحديثة لمابعد الحداثة تأتي العولمة أولاً لفرض الهيمنة على العالم، في حين يتجذر التراث داخل الذات كصورة هويّة،
بمثابة قالب ينصب فيه مجموع الانوات، بلغة أخرى اتحاد “الأنا” مع “نحن” حيث أنها تتكون من منظومة متماسكة من المفاهيم العقائدية والتراثية، الخبرات وكل الأوضاع التي مرت بها الجماعة والتي أفرزت سلوك علمي وفكري يطبع الجماعة بصفات معينة خاصة بها دون جماعات أخرى مما يجعلها متميزة عنها في اللغة، الدين، الثقافة،لتحقيق المكانة والتميز الاجتماعي و الإنتماء الذي هو أحد الحاجات الخمس التي ذكرها (أبراهام ماسلو) في هرم الحاجات الضرورية للإنسان لتوليد الإحساس بالأمان.

ولكي نفهم الإرهاب وطبيعته وأسبابه، لابد لنا في البداية أن نحلل وندرس بعمق ظاهرة التطرف الأيديولوجي، من حيث تعريفه ومصادره ونتائجه وطرق مواجهته.
في الفكر العلمي العالمي دراسات متعددة عن التطرف الأيديولوجي والإرهاب، بحيث يحار الباحث أي دراسة يعتمد عليها إن أراد أن يقدم تعريفاً للتطرف الأيديولوجي وأبعاده المتعددة بغير أن يغوص في خضم النظريات العلمية المتعمقة بلغتها الصعبة، التي ليس من السهل على القارئ العادي أن يلم بها ويفهمها.

عالم الاجتماع المصري (السيد ياسين) رحمه الله [1933-2017]، مهتم بالتحليل السياسي و السوسيولوجي والسيكولوجي للتطرف الإيديولوجي يذكر إنه “لا يمكن فهم الظاهرة الإرهابية إلا بوضعها في سياقها العالمي ونعني التوصيف الدقيق للتحولات الكبرى التي حدثت في العالم منذ أواخر القرن العشرين
أهم هذه التحولات على الإطلاق هو الانتقال من نموذج المجتمع الصناعي الذي عاش قروناً منذ قيام الثورة الصناعية إلى النموذج المعلوماتي العولمي ويمكن القول إن هذا النموذج الجديد لم يكن يمكن خلقة إلا بعد أن قامت ثورة الاتصالات الكبرى بمفرداتها الأساسية، وهي البث الفضائي التلفزيوني، والذي جعل البشر في كل أنحاء الأرض، على رغم تعدد الثقافات، يعيشون أحداث العالم السياسية والاقتصادية والثقافية في الزمن الواقعي لها مما جعل العالم كله متصلاً بعضه ببعض.
يُطرح سؤال عن آلية فهم مجتمع المعلومات العالمي بما يتضمنه من آليات تقع على المستوى الفردي ثم الإجتماعي والسياسي؟
يسلط الضوء (ياسين) على مقتضب جوهر نظرية كاستلز:

لقد نشأ بعد اختراع الإنترنت صراع ثنائي القطبية بين «الشبكة والذات»
ويقصد بالشبكة : التشكيلات التنظيمية الجديدة التي قامت على أساس الاستخدام الواسع المدى للميديا الاتصالية المتشابكة والتي تميز أكثر القطاعات الاقتصادية المتقدمة، وينطبق ذلك على الشركات الكبرى المتنافسة تنافساً شديداً، وكذلك بالنسبة للمجتمعات المحلية والحركات الاجتماعية، وأبرزها الحركات السياسية الاحتجاجية المضادة للنظم الشمولية والسلطوية، إضافة إلى الحركات المتطرفة بمختلف تنوعاتها، والتي أصبحت تملأ ساحة المعمورة.
وعن الذات: فيُرمز لها بالأنشطة التي يحاول فيها الناس تأكيد هوياتهم، وخصوصاً أننا نعيش عصر العولمة الذي يسعى إلى توحيد النظام الاقتصادي العالمي في ضوء فلسفة الليبرالية الجديدة، كما يطمح إلى فرض ثقافة عالمية غربية المنشأ قد تؤدي إلى زوال الثقافات الوطنية المحلية.

وعن اللاعب الأساسي في عراك هذا الثنائي لمحاولة صد الاعتداء الثقافي العالمي على هوياتهم الدينية أو الثقافية يؤكد لنا المفكر (ياسين):

أن الهوية الوسيلة المثلى ضد موجات العالمية الهادرة التي تحاول القضاء على الخصوصيات الثقافية، وخصوصاً بالنسبة لشعوب العالم الثالث.
ومن هنا بزغت تشكيلات اجتماعية جديدة تدور حول الهويات «الأولية» والتي قد يكون تركيزها على الدين أو السلالة أو القومية. وهذه الهويات ينظر إليها دعاتها وكأنها خلايا بيولوجية اجتماعية جبلية غير قابلة للتغيير، وذلك في مواجهة التغيرات السريعة التي يمكن أن تلحق بالآفاق الاجتماعية.

أما عن نوع أنماط الهوية التي يتبع تعريف كاستلز بأنها عملية بناء المعنى استناداً إلى سمة ثقافية ما أو بالنسبة لمجموعة سمات ثقافية تكون لها الأسبقية بالنسبة لمصادر المعنى الأخرى وتنقسم الى ثلاث:

الأولى هي: هوية إضفاء الشرعية التي تستند إليها المؤسسات المسيطرة في المجتمع لكي تبسط رواق سيطرتها على باقي الفاعلين.

وهناك هوية المقاومة وينتجها هؤلاء الذين يشعرون أن وضعهم أو ظروفهم تؤدي إلى استبعادهم بحكم منطق الهيمنة.

أما الهوية الأخيرة فهي المشروع المستقبلي التي تصوغها الحركات الاجتماعية التي تسعى إلى التغيير الشامل والانقلابي للمجتمع قد تلجأ في مراحل تطورها إلى القيام بالإرهاب الصريح.

والسؤال عن أغنى البحوث في مجال دراسة الإرهاب وقع اختيار المفكر على ماحرره دافيد تاهلر وآخرون في عام 2003 بحث بعنوان “تحسين مستوى فهم العسكريين الأميركيين للبيئات غير المستقرة المهيأة للجماعات المتطرفة التي تمارس العنف: استبصارات من العلم الاجتماعي” 
يبين بعض محتواه (السيد ياسين) فيقول:

المبهر في هذا البحث أنه تضمن مسحاً شاملاً لكل النظريات السائدة في العلم الاجتماعي بفروعه المختلفة، والتي تتعلق ببيئات الصراع القلقة من وجهة النظر العلمية. ليس ذلك فقط ولكن البحث حدد اثني عشر عاملاً من العوامل المرتبطة بالبيئات المعرضة للصراعات وبعد ذلك قدم مصفوفات متكاملة تبين أنواع التفاعل المختلفة بين هذه العوامل، وحلل البحث ثلاث نظريات سوسيولوجية هي:

  1. نظرية الصراع: التوزيع غير المتكافئ للقوة والموارد داخل المجتمعات ينتج الصراعات. وهذه الصراعات لديها القدرة على تغيير العلاقات الاجتماعية القائمة في هذا المجتمع.
  2. نظرية الحركة الاجتماعية:تطرح الإطار التصوري لفهم كيف ولماذا ينشأ العمل الجماعي والخلاف السياسي. إذ تفترض أن الأفراد يلجأون الى العمل الجماعي عبر طرق؛ بتعبئة الموارد، وتوفير الفرص ضمن سياق سياسي عام، وصياغة رسائل وخطابات منظمي الحركة، وتجادل نظرية تعبئة الموارد بأن نشوء الحركات أو أعمال التمرد، تحتاج لوجود مؤسسة والتدفق المستمر للموارد المادية والمالية والبشرية. وبالتالي فإن نجاح الحركة يعتمد على مدى حشد هذه الموارد.
  3. نظرية «الشبكة الاجتماعية» وهي ميدان سوسيولوجي واعد لفهم واستدامة العمل الجماعي، وكذلك التمرد. فتقدم النظرية إطاراً لدراسة بناء الشبكات وقوة العلاقات بين أعضاء الشبكة، تجادل النظرية بأن بنية الشبكة ورصد العلاقات الناشئة بين أعضاء الجماعة وفي تشكيل هوية الأفراد الأكثر نفوذاً، وتقيس العلاقات والتفاعلات بين الفاعلين الأفراد داخل الشبكة، وتستخدم مخططات الشبكة لفهم تدفق السلطة والموارد؛ المال، والمرافق، المعدات، والمعلومات عبر التنظيم وكيف تؤثر الشبكة على تجنيد المؤيدين.

وفي التساؤل عن موقع تمثل مشكلة التطرف الإيديولوجي:

يذكر أن المشكلة الرئيسية بالنسبة للتطرف وخصوصاً في الصراعات الممتدة، لا تتمثل في عنف الأنشطة التي تقوم بها الجماعات المتطرفة ولكنها في الاتجاهات المتطرفة التي تتمثل في جمودها وثباتها وعدم تسامحها مع الغير، وبالتالي عدم قابليتها للتغير.

وهنا يتضح الانشطار الثقافي وتوسع دائرة الهوة بين نوعان من الإتجاهات يتبنى أحدهما الخطاب العصري والثاني التقليدي ويقرر سماته الأساسية:

أنه يتشبث بالماضي، وهذا الماضي المختار المتخيل يختلف بحسب هوية صاحب الخطاب. وهو خطاب يهرب من مواجهة الواقع، ولا يعترف بالتغيرات العالمية، أو على الأقل يحاول التهوين من شأنها، أو يدعو بصورة خطابية للنضال ضدها، بدون معرفة القوانين التي تحكمها. ومن سماته أيضا إلقاء مسئولية القصور والانحراف على القدر أو الضعف البشرى أو على الأعداء.

متلازمة الصفحة الفارغة ؛ نصائح أشهر الكتاب في كيفية تجاوز جمود الإبداع

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

صرح (بيكاسو) معلنًا عن كيفية خلق الابداع ومن اين تأتي الافكار قائلًا ” ابدأ الرسم لتعرف ما ستقوم برسمه

وقد يبدو من السهل، بالنسبة (لبيكاسو) طبعًا، قول ذلك، فنتجاهل نصيحته، لكن لابد لأي شخص قد خاض ببحر الابداع أن يشعر بعلاقة الـ(يين – يانغ) وهذا التصور؛ فبالمثل – وكما اعتقدت دائمًا – أن هذا المفهوم ينطبق على السؤال الاعظم والمتمثل في “العثور” على هدف إبداع الفرد واسلوبه في الحياة، فنحن “نبني” الطريق بسيرنا فيه، حتى اذ ما التفتنا “وجدناه”.

وبالنسبة للكُتاب قد يكون هناك فجوة محيرة بين معرفة هذه العلاقة بشكل بديهي والشعور بالهلع من مواجة متلازمة الصفحة الفارغة. ويأتي الكثير من هذا الشلل النفس-عاطفي من التعطش للكمال، وهو التصرف الذي اقتبسته جينيفر ايغان بشكل مثالي بنصيحتها قائلة:  “يمكنك الكتابة بشكل طبيعي حين تتقبل واقع كتاباتك السيئة… فتقبلك للكتابة السيئة ماهو الا تمهيد وتدريب يسمح لك بالتحسن والكتابة بشكل ممتاز “

ولايزال هنالك شيء يقف غالباً بين معرفة هذا الامر وتقبل العيش به. وهذا مايستعرضه أشهر ثمانية كتاب وهم: (جوناثان فرانزن) و(مارغريت أتوود) و(فيليب ماير) و(علاء الأسواني) و(جويس كارول أوتس) و(ليديا ديفيس) و(جوناثان ميتشل) و(دانييل كيلمان) في الفيديو الوثائقي المصغر والرائع من متحف لويزيانا لفنون لويزيانا شانيل الحديثة، والملخصة في النقاط التالية:

 

  • (جونثان فرانزن):

 

يحب أن تملأ فراغ عقلك قبل أن تجتاحك الشجاعة لمواجهة متلازمة الصفحة الفارغة فعليًا.

 

  • (دايفيد ميشل):

 

إن متلازمة الصفحة الفارغة ماهي الا باب لا متناهي كسماء الليل بقمر عملاق قريبٌ جدًا من الأرض ومليئة بالنجوم والمجرات، حيث يمكنك أن ترى كل شيء بوضوح شديد … أتعرف كيف يجعل ذلك نبضات قلبك تتسارع؟

 

  • (مارقريت أتوود):

 

هنالك شيء محفز في متلازمة الصفحة الفارغة يحثك على الكتابة وضرورة ملء هذا الفراغ.

 

  • (فيليب ماير):

 

في الواقع، أنا لا أؤمن بوجود ظاهرة “قفلة الكاتب“، فما هي إلا شعورٌ بعدم الأمان.فالنقد الذاتي يرتفع لأعلى من المستوى المطلوب في تلك اللحظة، بينما يجب عندما تبدأ بعمل ما، وأنت في حالة خواء من الأفكار  ولوحة الكتابة أمامك، أن يكون نقدك الذاتي هابطًا لنقطة الصفر، النقطة التي تحتم عليك كتابة أي شيء في الورقة لتسمح لنفسك بالاسترسال فقط. فبالكتابة وحدها يمكنك أن ستكتشف الشخصيات والافكار ونحوها من الامور.

 

  • (علاء الأسواني):

 

تمنحك متلازمة الصفحة الفارغة أفقًا لما يمكنك كتابته. فنحن نعاني دائمًا من التعارض بين ما نريد قوله وما يمكننا قوله، والكتابة تجسد هذا الصراع.

 

  • (جويس كارول أوتس):

 

لن أجازف بالكتابة أولًا، ولا أعتقد أنه تصرف حسن على الإطلاق. فبمجرد أن تبدأ الكتابة بلغة ما، تصبح ثابتة.

لذلك من الأفضل التفكير أولًا، ولفترة طويلة، ومن  ثم الكتابة عندما تكون مستعدًا لذلك. فالكتابة بنحو ارتجالي سابق لأوانه تصرف خاطئ.

 


[المصدر]