أرشيف الوسم: إليف شافاق

إلف شفق تتساءل: ما الذي يعنيه حقًا أن تكون سويًا؟

 

أَلِفْ شَفَقْ (مواليد 1971) هي روائية تركية تكتب باللغتين التركية والإنجليزية، وقد ترجمت أعمالها إلى ما يزيد على ثلاثين لغة. اشتهرت بتأليفها رواية (قواعد العشق الأربعون) سنة 2010.

في كتابها (حليب أسود)، والذي ترجمه إلى العربية الأستاذ (أحمد العلي)، تتساءل (إلف) عمّا يجعل المرء سويًا، سواءً كان ذكرًا أو أنثى. فتبدأ (إلف) باقتباسها من المغنية (كورتني لوف)، إذ قالت:

قالت مرة المغنية (كورتني لوف): “في الجزء الأكبر من حياتي اليومية، أحب أن أتصرف بشكل سويّ، بطريقة مُثلى، حتى لو كنت منهكة ومستنفذة بالرؤى المريضة للعنف والإرهاب والجنس والموت“.

تعقب بعد ذلك (إلف) قائلة:

نحن بخير طالما أننا نتظاهر بذلك، طالما أننا ندعيه من الخارج.

لكن مالذي يعنيه حقًا أن تكون سويًا؟ ما هي بالضبط المرأة السوية؟ ما الصفات النسائية التي تعتبر طبيعية؟ وما هي الصفات الأخرى التي تصنف على أنها ثقافية؟ هل مقدّر على الفتيات، جينيًا، أن يكُنّ أموميات وراعيات وعاطفيات؟ أم أن عوائلهن ومجتمعاتهن من يُشكّلنهن على هذا النحو؟ أم أنه أمر آخر، تكون فيه الصفات الطبيعية والثقافية متضافرة بشدة على الحدّ الذي يصعب معه البت في أي تقسيم لتلك الصفات المشكِّلة للمرأة؟

تقول (إلف) مجيبة عن تساؤلاتها:

تأتي الصفات دومًا على شكل زوج. هناك الصفة وهناك عكسها، هناك الصفة وما يقابلها. لكل جميل في العالم، هناك بالتأكيد مقابل قبيح، ربما، في التحضير للطوفان الكبير، استقلت الصفات سفينة نوح زوجًا زوجًا، كما فعلت الحيوانات تمامًا. لهذا نميل على الدوام للتفكير في المصطلحات بشكل ثنائي. إن كان هناك تعريف ثابت لما تم التعارف عليه على أنه “النسوية المثالية“، فشكرًا لذلك التعريف الذي ترسخ على أنه تعريف “الرجولة المثالية“. كلا التعريفين، وما يترتب عليها من توقعات، مروّعان بشكل أو بآخر لكلا الطرفين، للرجال والنساء على حد سواء.

ننتقل بعد ذلك مع (إلف) إلى موضع آخر، فتقول فيه:

حلال قرون طويلة على وجه المعمورة، كان المتوقع من الفتيات والنساء أن يلتزمن بقائمة صفات ثابتة، بينما يُقاس الفتيان والرجال بقائمة أخرى. وإذا جمع أي أحد صفات من كلا القائمتين مهما كان الزمان الذي يعيش فيه أو المكان، فإن حياته ستتعقد بشكل رهيب. لذلك يُقال، إلى يومنا هذا، عن المرأة التي توصم بالحزم، إنها “رجولية“، وستواجه متاريس صلبة من ردود الفعل الخشنة، تمامًا كما سيحدث للرجل الذي يوصم بأنه “أنوثي“. وكلما كان المجتمع محافظًا، يكون من النادر فيه أن تتقاطع القائمتان وأن تلتقي الصفات في أحد من أفراده. ما أشرس الحياة! ومع ذلك يبقى تحديد العلاقة بين الجنسين وتعريفها أمرًا محصورًا في المجتمعات التقليدية. وعلى الرغم من تغيرها المستمر، أعني تلك المجتمعات، فإن المشكلة تبقى كونية ومنتشرة. فمنذ الأساطير القديمة وحتى كتب المصوّرات الحديثة، من الحكايات الشعبية إلى الإعلانات التجارية، وهذه الثنائية في التفكير تتشعّب يومًا آخر في كل جوانب حياتنا.

الرجل / المرأة

عضلي/ رقيق

خشن / خجول

حاضر / غائب

ثقافة / طبيعة

النهار / الليل

منطقي / عاطفي

العقل / الجسد

لمسي / حسية

عمودي / أفقي

السفر / الاستقرار

متعدد العلاقات / وحيد العلاقة

أفعال / أقوال

متجرد / ذاتي

تمجيدي / رثائي

وبشكل مستغرب، بما فيه الكفاية، اعتادت النساء أيضًا على التفكير في أنفسهن وفقًا لتلك الصفات المحددة. إن العلاقات التي ينشئها بعضنا بالآخر، وأحاديث النفس التي نجريها في دواخلنا، والطريقة التي نربي وفقها بناتنا، مثقلة بظلال تلك الانشطارات بين الصور المثلى للجنسين.

تختتم (إلف) تساؤلاتها، قائلة:

عندما يبدو كل شيء مثقلًا بالميراث الثقافي، كيف لي أن أعرف إذا ما كان ما أشعر به وأفكر فيه طبيعيًا؟ ومن قال أنه ليس إملاء مفروضًا عليّ من الوسط الذي أعيش فيه؟

١١ نصيحة من إليف شافاق في الكتابة

إلِيف شافاق، من مواليد 1971. هي روائية تركية تكتب باللغتين التركية والإنجليزية، وقد ترجمت أعمالها إلى ما يزيد على ثلاثين لغة. اشتهرت بتأليفها رواية (قواعد العشق الأربعون) سنة 2010.
في مقالة لها، نُشرت في صحيفة (تيليغراف) البريطانية، كتبك (إليف) ١١ نصيحة ذهبية في الكتابة، نترجمها إليكم بشكل حصري.
  1. الكتابة هي تكريسٌ للعزلة، اختيارٌ للانطواء على الانبساط، أن تفضّل الخلوة لساعات وأيام وشهور وربما سنوات على المرح والحياة الاجتماعيّة؛ الكتّاب ربّما يحبّون الثرثرة والقيل والقال -كونها تشكل مادةً خامًا لهم للكتابة-  لكنّ فعل الكتابة والاتصال مع الذات يحتاج لعزلة خالصة.
  2. الطريقة الوحيدة لتعلّم الكتابة هي أن تكتب، الموهبة مغرية كما يبدو؛ لكنها لا تشكل سوى %12 من العملية الإبداعية، الاجتهاد والجدّ حصتهما 80والباقي للحظ أو للقدر، تلك الأشياء الصغيرة التي لا نقوم بها بأنفسنا.
  3. اقرأ كثيراً، ونوّع قراءاتك، لكن لا تُلزم نفسك بالقراءة لنفس الكتّاب، وسّع أفق قراءتك. كن جموحاً ولا منطقياً؛ فالخيال لا يمكن أن يقتصر على ما هو متوقع .
  4. اكتب الكتاب الذي تحب أن تقرأ. إذا كنت مستمتعاً بما تكتب و لا يعني ذلك أنك لن تعاني أثناء كتابته- فالناس سوف تشعر بنفس مشاعرك التي كتبتَ بها. إذا لم يوجد شغفٌ بين الكاتب وقصته، فالغالب لن يوجد شغف بين القارئ و القصة فـالعلاقة تبادلية”.
  5. لا تخشَ من الكآبة، هي جزء لا يتجزأ من رحلة الكتابة، لكن حذارِ أن تحيطها بهالة من الرومانسية، تعامل معها كروحٍ طليقة؛ كصديق لا يعوّل عليه يأتي ويذهب متى يشاء .
  6. لا تكنْ رحيماً مع نفسك، قطِّع نصوصك، مزّقها، أعد كتابتها من جديد، استبعد صفحات كاملة مما كتبت، الكتابة السيئة كالعلاقة السيئة، لا تتمسك بها لمجرد أنك ألفتها.. إن كانت كذلك فاتركها!
  7. على أيّ حال؛ لا تكنْ قاسياً  مع شخصيات كتبك، لا تتعالى عليهم، مهمتك ككاتب ليس الحكم عليها، بل فهمها ومساعدة الآخرين على ذلك، تذكر: أن تحيا شخصياتك تلك هي كلمة السر.
  8. مهما كان ما تفعله؛ لا تتحدث عن الرواية أو الكتاب الذي تعمل عليه الآن، خصوصًا مع وكيل أعمالك أو الناشر، إذا اضطرتُ للحديث مع أي أحد عمّا تكتبه؛  فقلْ كلمات مقتضبة ومثيرة للاهتمام دون شرح.
  9. أثناء الكتابة .. انسَ القرّاء .. انسَ النقاد .. انسَ الجميع، في الواقع عليك أن تنسى أنّ هناك عالماً في الخارج أيضاً .
  10. لا يوجد ما يسمى “حبسة الكاتب، لكن لو نضب إلهامك، سافر إلى مدينة مكتظة؛ إسطنبول مثلاً، اقضِ يومين في فوضاها، مراقباً، ومصغياً، ومطعماً النوارس. شاعراً انقباضك وانبساطك في آن معاً، ستتدفق مشاعرك حتماً ويلتهب إبداعك من جديد.
  11. النصيحة الأهم  .. تجاهل كل قواعدي السابقة، لا تلتفت لها، لا يوجد قوالب جاهزة للكتابة وهذا هو جمالها، وهذه هي الحرية التي يجب ألا نسمح لأحد بأن ينتزعها منّا.

[المصدر]

إلِف شفق تتساءل: متى نكبر في أعين أمهاتنا؟

 إليف شافاق
إلِف شفق، من مواليد 1971. هي روائية تركية تكتب باللغتين التركية والإنجليزية، وقد ترجمت أعمالها إلى ما يزيد على ثلاثين لغة. اشتهرت بتأليفها رواية (قواعد العشق الأربعون) سنة 2010.
في مقالة لها، قمت بترجمتها مؤخرًا من اللغة التركية، تتساءل (شفق) عن اللحظة التي نكبر فيها بأعين أمهاتنا. تقول في مقالتها:
حدث ذلك قبل سنوات. كنت وقتها أكتب (قصر القمل) او (شرف). كنت منزوية في ركن، مستغرقة في رحلة داخل نفسي. أمامي على مكتبتي كتب ومعاجم وأوراق ولابتوبي، كنت أكتب، بلغت منتصف الرواية الآن ،والشخصيات اكتست عظامها ولحمها وتشكلت. اتجول في عالم الخيال. وبينما أنا مستغرقة إذا بصوت أمي يأتي من الداخل، واضح أنها تتحدث على التليفون :”من الجيد أنك اتصلتِ يا سمراء“. من يدري من كانت تكلم؟ اما قريبة او صديقة قديمة ، تتكلم وتتكلم؛ ثم تحول محور الحديث إلي “ايه، ألِف أيضا بخير، كما عرفتيها. تقرأ باستمرار، ستعمي عينيها. تذاكر دروسها بالداخل“. أذاكر دروسي؟؟ مرت سنين منذ تخرجت من الجامعة. ما أفعله ليس له اي علاقة بالدراسة ، فكتابة الروايات هي عملي ووظيفتي وهوايتي. لكن لامشكلة… فأنا مازلت في عين أمي التي اسمها هو نفس اسم عائلتي (شفق)، طالبة في الجامعة.
مرت سنوات على ذلك الموقف. كان قد صدر كتاب (حليب أسود). وكنت أعقد مؤتمرا صحفيا، الاجواء جدية، والأسئلة خشنة، وهاتفي على الوضع الصامت. فجأة تتصل السيدة (شفق)، لم اتحمل فأجبتها “ألِف عزيزتي، انا الان في سوبر ماركت، المحاسبة هنا تقول أنها تحبك جدا. إسمها نازان، وهي من تونجلي، سأعطيها الجوال، سلمي عليها!” و قبل أن أستطيع قول “لكني مشغولة” إذ بصوت شخص غريب في اذن، كانت فتاة شابة صوتها يرتجف من الحماس “مرحبا سيدة (شفق)، لقد قرأت كل شيء كتبتيه، أحبك جدا” كانت تتكلم من قلبها وبكل براءة ،فرردت عليها بنفس النبرة “مرحبا” وقتها كان الصحفي الجالس أمامي يراقبني بفضول وسخرية، من يدري ماذا سيكتب عني الآن؟ إستمررت على هذا الوضع متحدثة إلى هذه الفتاة لمدة عشرة دقائق، بعدها تناولت أمي الجوال “جميل أنكما تعرفتما على بعضكما، مع السلامة“.
بعد سنة او سنتين، كنت في معرض كتاب. لقاءات وأيام توقيع متعاقبة. أولا اعطيت كلمة طويلة، وبعدها تعرضت لسيل القراء، اسئلة تلو اسئلة، ثم تصفيق طويل. بعدها دخلنا إلى الصالون الداخلي، كان هناك صف طويل جدا كان مستعدا لأن ينتظر ساعتين حتى يلتقط الصور معي، أو يحضنني، أو يحصل على توقيع، كما كان هناك صحفيين وكاميرات، و ازدحام وارتباك.
في تلك اللحظة تتصل بي السيدة (شفق). عندها، وفجأة، تتغير السيدة الحكيمة العارفة بكل شيء، المتحدثة من فوق سحابتها “انا” تماما. فأصبح طفلة صغيرة أهمس للجوال “امي انا في حفل توقيع، سأكلمك لاحقا” فترد “اعرف أنك في حفل توقيع، رأيتك في التليفزيون، لماذا لم تخبريني؟ لماذا لا أعرف عن نشاطاتك الا من الصحافة؟” وأكلمت تتكلم دون ان تتيح لي مجالا لأن أجيب على هذه الاسئلة المستحيلة “ربما لا تتذكرينها، السيدة منور جارتنا القديمة اتصلت تبارك لك، إنها تتذكر طفولتك. لقد استفرغتِ في بيتها مرة، اكلت أربع بيضات ،من الطبيعي أن تستفرغي، مازالت المرأة تتذكر الحادثة الى اليوم
بينما كنت أستمع الى كيفية إستفراغي ونا طفلة، جاء الأصدقاء من دار النشر الى جانبي والناشر. “سيدة (ألِف)، جاهزون للتوقيع متى ماكنت جاهزة، الجميع ينتظر بفارغ الصبر، والحضور كبير” فاقول لهم حسنا خلال دقيقة سانهي المكالمة ،كان العرق يسيل بغزارة، وأمي تكمل كلامها “والجيران أيضا يبلغون سلامهم، وأصدقاءك من المدرسة أيضا، لا تنسي إحضار كتبا موقعة؛ احدها لخليل السباك الذي أصلح حنفيتنا، هو خاطب، وخطيبته تحبك. إسمها سميراء، لا تنس، سميراء وليس حميراء. انه يدعوك لحفل زفافهم، وقد دعاني أنا أيضا. لقد وعدت ثلاث بنات في المشغل ايضا.” لحظتها انفصلت عن محيطي. في تلك اللحظة .. لا ادب ..لا فن… لا فلسفة..لا كتب
كنت مشغولة بفهم لغة السيدة (شفق). لم تُكتشف شفرة لفهم لغتها بعد. “اي مشغل يا أمييي؟” فتقول “فتاة المناكير تريد رواية الهارب، وأمين الذي يصبغ شعري، انه شاب محترم، هو ايضا يريد رواية اللقيطة . كما هناك الذي يحضر الشاي، هو أيضا يريد العشق الممنوع. لكنه لا يريد الوردي، احضري ذو الغلاف الرمادي” واخيرا عندما تنتهي المكالمة. كان الانتقال من هوية “بنت امها” الى “كاتبة قراءها” يأخذ بعض الوقت ، اشرب كأس ماء بارد، ثم أباشر بالتوقيع بأسلوب غاية في الجدية.
متى سنكبر في أعين أمهاتنا؟ بعد نشر كم رواية للكاتب؟ بعد إصدار كم ألبوم للموسيقي؟ بعد كم أطروحة للأكاديمي؟ وبعد كم مرة يكسب السياسي؟ بعد كم عملية للدكتور يصبح بعدها بالغا في عيني أمه؟ لا أعرف!.

إليف شافاق، تحكي عن الحب، الزواج، والأمومة

إليف شافاق

هل هذا هو ما عليه الإكتئاب ؟ الشعور بالغرق لأن اتصالك بالله قد انقطع، وقد تُركت وحيداً في فضاء مائع أسود ؟ مثل رائد فضاء انفصل عن مركبته وانقطع عن كل ما يربطه بالأرض؟

الرائعة والجميلة شكلياً وأدبياً كاتبة (قواعد العشق الأربعون) الروائية التركية (أليف شافاق)، هذا الاسم الذي يحمل معنى محبب لدى الكاتبة، حيث أليف: يعني حرف الألف في الابجدية العربية. شافاق: هو اسم والدتها الذي اختارت أن تحمله وهو بمعنى شفق أي الفَجر.

تحمل شفق شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة الشرق الأوسط التقنية في تركيا كما تحمل شهادة لماجستير في “الجندر والدراسات النسوية” والدكتوراه في العلوم السياسية من الجامعة ذاتها. نالت عن أطروحتها لنيل الماجستير في موضوع الإسلام، والنساء، والتصوف، جائزةً من “معهد علماء الاجتماع”.

تزوجت سنة 2005 من الصحافي التركي (أيوب كان) وأنجبت منه طفلين. أسمت ابنتها (زيلدا) على اسم (زيلدا فيتزجرالد)، وأسمت ابنها على اسم (الزاهر)، بطل إحدى قصص (بورخيس). ولهذا الزواج، ما قبله وما بعده، حكاية تحكيها الكاتبة في (حليب أسود) وهو آخر ما صدر لها، والذي ترجمه للعربية أحمد العلي لدار مسيكلياني :

هذا الكتاب هو قصة مواجهتي لتعددي الداخلي، وكيف تعلمت أن أتحد وأصير واحدة.

 حيث كتبت هذا الكتاب أثناء معاناتها مع اكتئاب ما بعد الولادة الذي باغتها بعد أن أحبت وتزوجت وأنجبت طفلتها الأولى، وهي التي كانت ترفض الزواج ولا ترى لها أبناء سوى الكتب، وحبيباً سوى القلم.

تجيب عن السؤال الذي تردد كثيراً من حولها حول السبب الذي غيّر رأيها وقناعاتها عن الحب والزواج، فتقول: “ببساطة، لقد وقعت في الحب!” 


تحكي في الكتاب عن مواقفها وآرائها من الحياة قبل أن تقع في الحب، وكيف وقعت فيه، وكيف غيّرها ذلك وكشف لها صوتاً داخلياً يأمرها أن تكون المرأة التي لم تتخيل نفسها أن ستكونها يوماً !

لكنها رغم ذلك عاشت صراعاً بين أصواتها الداخلية المتناقضة والتي أسمتهم في كتابها (جوقة أصوات نسوة الأصابع) واللاتي يتدرجن بين الآنسة المثقفة والآنسة الطموحة والسيدة الدرويشية والسيدة العملية، وغيرها من الأصوات التي تكتشفها الكاتبة تباعاً. لخصت الكاتبة صراعها الداخلي مع ذاتها ومع الحياة في جملة واحدة قالت فيها على لسان الآنسة المثقفة :

لا يهم أي امرأة ستصيرين، لأنك ستتمنين دوماً لو أنكِ الأخرى.

عن حياتها قبل الحب والزواج والإنجاب تقول:

شعرت أن هناك الكثير في هذا الكون مما لا أستطيع القبض عليه بحواسي الخمسة وحدها. الحقيقة أني لم أكن مهتمة بفهم العالم بقدر ماكنت مهتمة بتغييره.

وأما عن الأمومة فهي ترى أن المرأة لا تصير أماً بمجرد الإنجاب؛ بل عليها أن تتعلم الأمومة. وهذا ما لم تجده الكاتبة سهلاً  كما كانت تظن! وأن الأمومة تحتاج إلى الكمال والتوحد وهو ما كانت تفتقده على وجه التحديد :

ظننت بأنه لا يمكنني التعامل مع أصواتي الداخلية المتضاربة، حين أتفق مع واحدة، لا يمكنني مصالحة الأخريات، كنت في كل فترة أميل إلى واحدة منهن أكثر من الأخريات.. لكن بعد ولادتي لم يعد ذلك النظام فعالاً، لم أكن قادرة على تحمل التعدد الذي بداخلي فالأمومة تحتاج إلى التوحد، تحتاج إلى الثبات والكمال، بينما كنت منقسمة داخلياً إلى عدة أصوات ولذا تصدعت تحت ذلك الضغط النفسي ووقعت فريسة للإكتئاب!

الكتاب أكثر من رائع! ليس فقط للنساء بل -كما تقول في المقدمة- هو لكل من يبحث عن التصالح مع ذاته المتشظيّة إلى ذوات، وإلى جانب المتعة والخفة زودت الكتاب بدراسة مفصلة عن أشهر الكاتبات والأديبات اللاتي عرفهن العصر وكيف أثرت مهنتهن على حياتهن الاجتماعية، بل وحتى زوجات أشهر الكتاب كزوجة تولستوي الحقيقة وزوجة (شكسبير) الخيالية .. مما يجعله مرجعاً أدبياً مهماً في الحقيقة. 

وكما قالت د.(بدرية البشر) في مقدمة الكتاب :

تكتب (إليف شفاق) ببراءة تشبه براءة أفلام الكارتون التي تصور الجميع أبرياء أو بشراً في النهاية، وتجعلنا نتعاطف معهم. إليف قلم أصيل، لا يتبع ما يعثر عليه في السياق، ولا يروج له، بل يكتب ما اختبره بنفسه مع احترام تجارب الآخرين. وقد برعت وأثبتت أنها شجاعة وطيبة مثل بطلات الحكايات الخرافية اللاتي يفُزن في النهاية.

الجدير بالذكر أن الكاتبة و بعد سنة من تجربتها تلك كتبت رائعتها قواعد العشق الأربعون والتي بيع منها 550,000 فأصبح بذلك الكتاب الأكثر مبيعًا في تركيا. وترجمت أعمالها لما يزيد عن ٣٠ لغة.