أرشيف الوسم: إمبورتو إيكو

أمبيرتو إيكو يتساءل: هل الرواية أكذوبة؟

أمبيرتو إيكو (1932-2016)، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

في مقالة نُشرت في صحيفة (إيسبريسو) الإيطالية، ونقلها إلى العربية المترجم القدير (معاوية عبدالمجيد)، عبر مدونته الشخصية، تساءل (إيكو) عما إذا كانت الرواية عبارة عن أكذوبة، فيقول:

غالباً ما يصعب على القرّاء التمييز بين الحقيقة والخيال في رواية ما. ويقوم أكثرهم بنسب أفكار الشخصيات وآرائها إلى كاتب الرواية، دون بذل أدنى جهد في الربط بين عناصر الحبكة. وجدتُ دليلاً على ذلك في موقع إلكتروني ينشر أقوالاً مهمة لعدد من الكتّاب، من بينها مقتطفات تحت اسم (كلمات لأمبرتو إيكو) مثل: “إنّ الإيطاليّ غدار، كذاب، خائن وخسيس، يفضّل الخنجر على السيف والسمّ على الدواء، يراوغ في مواقفه، ويغيّر وجهته دوماً كما تأتي الرياح”. لا أنفي أنّ في ذلك شيء من الصحة. لكن هذه الجملة – في روايتي (مقبرة براغ) – أطلقها رجلٌ كانت قد بدت عليه في الصفحات السابقة نزعة عنصرية تختلف كليّاً عما ورد في هذه الجملة، مستخدماً عبارات اعتيادية وعبثية جدّاً. حسناً، سأحاول ألّا أضع شخصيات تافهة في رواياتي القادمة، فقد تنسب إليّ يوماً ما مقولات مثل: “ليس لدى الإنسان من الأمهات سوى واحدة”!

وكما يتّفق معي الكثيرون على أنّ الحدود بين الحقيقي والمصطنع تتلاشى في التخييل الروائي، وأنّ القرّاء يأخذون الرواية على محمل الجدّ، كأنها تنحصر على سرد أحداث وقعت فعلاً؛ فإنني أتّفق مع الكثيرين على أنّ التخييل الروائي قد يكون أكثر صدقاً من الحقيقة عينها، وأنه يستطيع أن يدخلنا في حالة من المطابقة مع الشخصيات لنجد أنفسنا فيها. فيجعلنا نفهم الظواهر التاريخية، ونكتسب أساليب جديدة من الإدراك الحسي. إضافة إلى أنه يفتح أمامنا أبواباً جمالية: فلا يخفى على أحد منّا أنّ مدام بوفاري مثلاً ليست شخصية حقيقية، ورغم هذا نستمتع بالطريقة التي ألّف بها (فلوبير) تلك الشخصية.

لكنّ البعد الجمالي يحملنا إلى نقيضه: البعد الأخلاقي، المعنيّ ﺒ”مفهوم الحقيقة” الذي يشترك فيه الفلاسفة والعلماء والقضاة على حدٍّ سواء. إذ ليس حريّاً بقاضٍ أن يحرّك مشاعره أحدُ المذنبين عندما يروي أكاذيبه بطريقة جمالية.

هذا هو الفرق إذن بين الخيال والكذب. فالروائي لا يرغب أن يكون كاذباً، بل يتصور أنّ ما يقصّه قد حدث بالفعل، ويطلب منا أن نشاركه التخيّل، تماماً كما نتقبّل طفلاً يمسك عصا ويلعب بها كما لو كانت سيفاً. ويطلب منا الكاتب بعد ذلك أن “نؤجّل شكوكنا” مثلما أوصى الشاعر كولريج. فنحن نتأثر بمصير إيما بوفاري حتى البكاء، مع أننا نعرف أنها من صنع الخيال الذي يدفعنا إلى البحث عن ذاتنا في عمق شخصيتها. وإذا لم يكن لمدام بوفاري أي وجود، فإن الكثير من النساء يشبهنها حقاً، وربما يشبهها بعض الرجال أيضاً. وهكذا نتعلم درساً عن الحياة بشكل عام وعن أنفسنا بشكل خاص.

كان الإغريق القدماء يؤمنون بحقيقة ما جرى لأوديب، لتمنحهم مأساته فرصةً للتأمل في القدر. بينما كان (فرويد) يعلم أنّ (أوديب) ليس إلّا بطلاً خيالياً، فقرأ في أحداث تلك الأسطورة مغزىً عظيماً عن أسرار اللاوعي.

فما الذي ينتاب أولئك القرّاء إذن؟

إنهم ينشغلون بوقائع الرواية دون أن يهتموا بجودتها الفنية. فهم يعانون من عجز في الخيال – على حدّ تعبيري – لأنهم لا يسعون إلى استنتاج العبرة، أو إلى الاندماج في الحكاية وشخصياتها. فتراهم يغفلون في نهاية الأمر عن كل الدلالات والقيم الجمالية… والأخلاقية أيضاً.


[المصدر]

نصائح للروائي الشاب، من أمبيرتو إيكو

أمبيرتو إيكو (1932-2016)، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

في أحد اللقاءات الصحفية، سُئل (إيكو) عن نصائحٍ للكاتب الشاب. فكان الرد الأول:

بألا يغتر بنفسه، بأنه قد أصبح فنانًا.

وألا يأخذ نفسه على محمل الجد.

بألا يظن بأنه تعرض للإلهام، فكما تعلم بأن العبقرية هي ١٠٪ من الإلهام، و٩٠٪ من الجهد.

ثم تحدث (إيكو) عن الروائيين الذين يغرقون العالم برواياتهم، فقال:

ثمة أمرٌ آخر أعجز عن استيعابه؛ أولئك الروائيين الذين ينشرون كتابًا في كل عام.

إنهم يبددون تلك المتعة في قضاء ستة أع،ام، أو سبعة أو ثمانية، في الإعداد، في إعداد القصة.

تطرق (أمبيرتو) بعد ذلك إلى نقطة أخرى، فيقول:

دائمًا ما أنزعج ممن يرغب بنشر كتاباته في شبابه.

أذكر بأن شابًا طلب مني نصائحًا في كيفية الكتابة، فأجبته بأنه لا يمكن أن يكون جنرالًا، ما لم يكن قبلها عريفًا، قم رقيبًا، ثم ملازمًا.

امضِ في طريقك خطوة فخطوة. إياك بالتظاهر فورًاباستحقاقك لجائزة نوبل للآداب، لأن هذا ما يقتل كل مستقبل أدبي.

أمبيرتو إيكو: أنا كاتب، ولست قارئًا

 

أمبيرتو إيكو

أمبيرتو إيكو (1932-2016)، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

في كتاب جديد عن مستقبل الأدب، وهو (هذه ليست نهاية الكتاب)، يعترف الكاتبان (أمبيرتو إيكو) و(جان كلود كاريير) بأنهما ليسا قارئين جيدين كما قد نتوقع.

يقول (أمبيرتو إيكو):

هناك كتب فى العالم أكثر من عدد الساعات المتوفرة لقرائتها. ونحن نتأثر بعمق بكتب لم نقرأها، وليس لدينا الوقت لقرائتها. من الذى قرأ حقا (يقظة فينيجان)؟ أعنى من البداية للنهاية؟ من الذى قرأ الكتاب المقدس جيدًا؟ من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا؟

ولكني لديّ فكرة فيها بعض الدقة عما لم أقرأه. عليّ أن أعترف أننى قرأت (الحرب والسلام) عندما كنت فى الأربعين. ولكني كنت أعرف الأساسيات من قبل ذلك. لم أقرأ (المهابهارتا) رغم أننى أملك ثلاث نسخ بثلاث لغات مختلفة. من الذى قرأ حقا (الكاما سوترا)؟ رغم أن الكل يتحدث عنه؟ والبعض يمارس ما جاء فيه. نرى أن العالم ممتلئ بالكتب التى لم نقرأها ولكننا نعرفها جيدا.

وأخيرا عندما تبدأ فى قراءة مثل هذه الكتب فسوف تجدها مألوفة بالفعل. كيف هذا؟ أولا: هناك هذا التفسير الغامض عن هذه الموجات التى تنتقل من الكتاب إليك، هذا الرأى الذى لا أعتنقه. ثانيا: ربما ليس من المؤكد أنك لم تفتح هذا الكتاب أبدا؛ طوال سنوات كنت مضطرا لأن تنقله من مكان لمكان، فربما تكون قد ألقيت نظرة عليه ونسيت أنك فعلت ذلك. ثالثا: طوال سنوات قرأت العديد من الكتب التى ذكرت هذا الكتاب مما يجعله مألوفا.

يقول (كاريير):

هناك كتب على أرفف مكتباتنا لم نقرأها وبلا شك فلن نقرأها. كل منا ربما يضع فى اعتقاده أنه سيقرأها لاحقا؛ ربما فى حياة أخرى. بؤس المحتضر يكون شديدا عندما يعرف أنه يقضي الساعة الأخيرة فى حياته ولا يزال لم يقرأ (بروست).

يرد (إيكو) قائلًا:

عندما يسألنى الناس إن كنت قرأت هذا الكتاب أو ذاك، فأنا أجد أن الإجابة الآمنة هى: “أتعرف؟ أنا لا أقرأ وإنما أكتب”. هذا يخرسهم. على الرغم من أن هذا السؤال يقال لك دوما؛ “هل قرأت رواية (سوق التفاهات) لثاكرى؟” استسلمت وحاولت قراءتها فى ثلاث مناسبات مختلفة ولكنى وجدتها كئيبة جدا.

(المصدر)

هل تموت الكتب الورقية؟ أمبيرتو إيكو في حديثه عن الإنترنت والكتب الإلكترونية

أمبيرتو إيكو

أمبيرتو إيكو، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، وُلد في 1932، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم. في كتاب (صحبة لصوص النار)، قامت الكاتبة الصحفية الشاعرة اللبنانية (جمانة حداد) بمحاوراته، ونقاشه في عدد من المواضيع المهمة، اجتزأنا لكم منه بعض أسئلتها عن الكتب الإلكترونية والكتب الورقية، وعن الإنترنت وعن كم المعلومات الهائل الذي نجده.

ماذا عمّا يحكى من التهديد الذي تطرحه الكتب الإلكترونية، التي تشرّع، رغم عدم نجاحها الكبير تجاريًا إلى الآن، آفاقًا جديدة للنصوص بعيدًا عن الطباعة على الورق؟
طبعًا يجب ألا نتجاهل أهمية بعض العناصر الإيجابية التي ستتجسد قريبًا في مجال النشر الإلكتروني، على غرار إمكان مراجعة كاتالوج دار النشر على الإنترنت ومن ثم طباعة الكتاب المختار “على الطلب”، وبالمواصفات والخط والتصاميم المرغوبة. ذلك أمر سوف يغيّر من دون شك معالم قطاع نشر الكتب، كما أنه سيهدد وجود المكتبات إذ سيصبح العرض والتخزين إلكترونيين، أي أقل مساحة وأكثر فعالية وسرعة. أما الكتاب الإلكتروني في ذاته، أي ذاك الذي يتوجّب الاطلاع عليه من خلال شاشة الكمبيوتر، فلا حظوظ كبيرة لنجاحه في رأيي ؛ هل تتخيلين شخصًا يقرأ (الكوميديا الإلهية) على شاشة كمبيوتر؟ يا للهول! الأوراق ضرورية للتأمل في النص. وماذا عن الكتب التي نحب قراءتها في السرير قبل النوم؟ أو تلك التي يحلو لنا تصفحها في حضن كرسينا الهزاز الأثير؟ لا، إنها في رأيي مخاوف غير مبررة، علمًا أنه كثيرًا ما يُطرح عليّ هذا السؤال، وتفاجئني النظرة الخائبة واليابسة في عيني الصحافي السائل إذ أجيبه: “لا، الكتب لن تختفي”. سبب الخيبة طبعًا هو أنني أحرمه بجوابي “الخبطة”، أو السبق. فالموت دائمًا أكثر إثارة للاهتمام من البقاء على قيد الحياة. مثلًا، إذا نشرت خبر وفاة أحد حائزي جائزة نوبل، سيكون ذلك خبرًا مثيرًا وجاذبًا بالتأكيد. أما إذا كتبت مقالًا مفاده أن ذاك الرجل بصحة جيدة ولم يزل حيًا يرزق، لن تلفتي الكثير من الأنظار، باستثناء أنظاره هو، على ما أفترض!
لكنك أنت من يتحدث باستمرار، ومنذ وقت ليس بقصير، عن انعكاسات التكنولوجيا المعلوماتية على ثقافتنا، وتحديدًا عن مزايا “الهايبرتكست” (النص الإلكتروني المتفاعل) الكثيرة.
أجل صحيح، فالهايبرتكست يهمني في صفته شبكة كلمات متعددة البعد والطبقة، أو متاهة يمكن فيها ربط كل نقطة بأي نقطة أخرى. الهايبرتكست يجسّد بامتياز نظرة حرية تفسير النص، فهو قادر حتى على فتح أكثر النصوص انغلاقًا وتقيّدًا؛ إذا أخذنا في الاعتبار مثلًا قصة بوليسية مكتوبة بطريقة الهايبرتكست، سوف تكون مبنية على نحو يسمح للقارئ بأن يختار الحل الذي يريد، وأن يقرر في النهاية ما إذا كان المذنب هو اللحام أو الأسقف أو التحري أو الكاتب أو القارئ نفسه! ولكن إذا أمعنا التفكير ستكتشف أن اختراع الهايبرتكست ليس بالجديد حقًا. إنه حلم قديم جدًا في الواقع nihil sub sole novi (لا جديد تحت الشمس). فأول أداة سمحت لنا باختراع عدد لا متناه من النصوص عبر استخدام عدد محدود من العناصر موجودة منذ آلاف السنين، ألا وهي الأبجدية. وحتى قبل اختراع الكمبيوتر، سعى الكتّاب والشعراء إلى اختراع نص مفتوح يمكن تفسيره وإعادة تركيبه إلى ما لا نهاية. تلك كانت فكرة “الكتاب” كما مجدها (مالارميه) مثلًا. (ريمون كونو) اخترع بدوره نظامًا حسابيًا تركيبيًا يمكن بناء عليه تأليف ملايين القصائد انطلاقًا من عدد محدود من الأسطر. وفي أوائل الستينات، كتب (ماكس سابورتا) ونشر رواية يمكن تغيير تسلسل صفحاتها على نحو ينتج قصصًا مختلفة. ولكن طبعًا شكل الكمبيوتر حليفًا قويًا للهايبرتكست منذ ظهوره، وأذكر في هذا الإطار تجارب الشاعر (ناني بالستريني) الرائدة على هذا المستوى. إن بنية الهايبرتكست لا تملك نقطة مركزية ولا أطرافًا، بل هي متناهية بامتياز؛ وفي رأيي أن مفتاح اكتشاف العالم لا يكمن في الخطوط المستقيمة، بل في المتاهات تحديدًا.
إلا أن هذه البنية المتاهية التفاعلية التي تتكلم عليها قد تشكل عائقًا أيضًا رغم غناها. خصوصًا أمام القارئ غير المستعد لاستيعابها واستثمارها. فأنت تعلم طبعًا أن ليس لدى كل قارئ الرغبة في المشاركة في عملية الكتابة، وثمة كثير يفضلون تلقي ما يٌعطى لهم، بدلًا من استغلال “حرية تفسير النص” المتاحة. ألا يمثل الهايبرتكست، ومثله الرنترنت، من هذا المنظار، نوعًا من الحرية السلبية؟
ربما، وهذا طبيعي، ومنتظر، فالكمبيوتر، على غرار كل الأدوات الأخري، يولّد عصابه النفسي الخاص؛ ثمة مثلًا فيما يتعلق بالإنترنت ظاهرة “الإبحار القهري” التي يعدو معها الإنسان غير مهتم بما يراه بقدر ما هو مهتم بالقفز من مكان إلى مكان آخر إلى حد يفقد معه السيطرة على نفسه. يذكّرني ذلك بظاهرة الـzipping المرضية التي برزت مع اختراع الريموت كنترول. أولَم يوجد اختراع السيارة كذلك أشخاصًا استخدموها للسباق الجنوني على طريقة (جيمس دين) ولقتل أنفسهم والآخرين؟ من شأن كل أداة إذا أن تولّد نوعًا من الهستيريا. أما في ما يتعلق بالهايبرتكست، فأهم ما يفعله أنه يجعل عملية التصفح والمراجعة أسرع وأفعل. كنّا في ما مضى نلحس إصبعنا لكي نجول في الصفحات فنعود تارة إلى الوراء وطورًا نقفز إلى القسم الأخير من كتاب ما؛ وتلك الإصبع هي أيضًا أداة من أدوات الهايبرتكست. أما اليوم فيكفي أن نضغط على زر أو اثنين ويتم الأمر. تمامًا مثلما أتاح اختراع العجلة أداء وظيفة القدمين ولكن بسرعة وفاعلية أكبر. المشكلة الأخطر التي أرصدها شخصيًا في هذا التفاعلية هي إفساح مجال التعبير الشاسع حتى أمام الأشخاص الذين ليس لديهم ما يقولونه على الإطلاق، وذلك أمر ينضوي تحت لواء الحرية السلبية التي ذكرتها للتو. ففي المجتمع التقليدي، ثمة فصل واضح بين من ينتج الثقافة من جهة، ومن يستهلكها من ثانية، بين من يكتب الكتب، ومن يقرأها. أما مع الإنترنت فقد تغيرت المعادلة؛ يمكن أيًا كان أن يكتب أي شيء، وأن يوصله إلى شريحة كبيرة من الناس. ولا بأس في ذلك، إن لم يكن يؤدي في الوقت نفسه إلى الغوص في كمّ مرعب من المعلومات المتراكمة التي تتضمن خطر أن يلغي بعضها بعضًا. المشكلة تكمن تاليًا في كيفية اختيار المعلومات.
الأولوية إذًا، للتثقيف الإلكتروني، أو لنوع من حملة “محو الأمية” الإلكترونية.
بالضبط، فقدنا مع الإنترنت مفهوم “الأستاذ”، أي الموجّه أو المربّي. وإذا لم نعن بالتثقيف سوف نصل قريبًا إلى عالم يشبه عالم (1984) لـ(أورويل)، قائم على مجتمع منقسم ثلاث فئات؛ في الطبقة السفلى “البروليتاريا” الجديدة المؤلفة من أشخاص لا يعرفون استخدام الكمبيوتر ويستقون كل معلوماتهم من التلفزيونات. ثم في الوسط “البرجوازية” الجديدة التي تعرف استخدام الكمبيوتر لكنها عاجزة عن برمجته. وأخيرًا في القمة ثمة “النومنكلاتورا”، بالمعنى السوفياتي للكلمة، التي تضم مجموع الأشخاص الذين يجيدون التفاعل مع الكمبيوتر. إن هذا العالم يجب اجتنابه بأي ثمن.
إذًا أنت مؤمن بالديموقراطية الإلكترونية لدرء خطر التمييز ومساوئ النخبة؟
أجل، لنقل، أقله، بقدر إيماني بالديموقراطية نفسها. فنحن نعلم جميعًا أنه نظام غير كامل، لا بل مثلما قال (تشرشل)، هو نظام سيء لكن جميع الأنظمة الأخرى تبزّه سوءًا. يجب أن نعرف أن التمييز لطالما كان موجودًا، لا بل كان أكثر تفشيًا من الآن عند ولادة الكتاب المطبوع، لأن الإنترنت ينتشر بسرعة أكبر بكثير من انتشار الكتاب في الماضي. ينبغي أن نعي كذلك أن الديموقراطية لا تعني فقط الفرص المتساوية، بل هي أيضًا (هايد بارك)؛ أي إتاحة الفرص أمام أي كان ليقول ما يريد قوله، وسيكون ثمة من يقول أشياء مثيرة للاهتمام، وآخر يقول تفاهات لا قيمة لها. لذلك يجب أن يكون اهتمامنا منصبًا في الأعوام القليلة المقبلة على تلقين الناس مبادئ الفلترة والاختيار، وإلا سيكون توافر كل هذه المعلومات عديم الفائدة. تلك هي المشكلة الحقيقية.
وما السبيل إلى حل هذه المشكلة؟ كيف يمكن تلقين الناس، كما تقول، تقنيات الفلترة من دون تعزيز نوع من ثقافة الرقابة؟
أجهل حقًا سبل الحل، ولو أعرفها لكتبتُ بست سيللر ولكان اعتمد في كل مدارس العالم. ولكن بالحديث عن الرقابة، وهي وجهة نظر مثيرة للاهتمام، أميل إلى القول إن مفهوم “الأستاذ” أو المربّي بصيغته القديمة كان بدوره شكلًا من أشكال الرقابة. الأب أو الأم هما أيضًا رقباء. فالرقابة هي مزيج من إخفاء المعلومات وتسيير الأذهان لتحقيق غايات مختلفة؛ طبعًا غاية الأب، ألا وهي الحماية، مناقضة تمامًا لغاية الرقيب السياسي، التي غالبًا ما تكون التلاعب بفكر الناس ووعيهم. لذلك ينبغي ألا تؤخذ الفلترة بمعنى المأسسة والتنظيم والقوننة. إن أحد أجمل كنوز الإنترنت هي فوضاها بالذات. فإذا افترضنا أن استخدام الإنترنت يجب أن يكون متاحًا حصرًا لأعضاء الجهاز الأكاديمي مثلًا، دون سواهم من الناس، ثمة فرصة كبيرة في أن نحرم عبقريًا حقيقيًا من خارج هذا الجهاز إيصال رسالته، ناهية بواقع أن الجامعة تضم عددًا غير قليل من المغفلين، وهو نموذج غير نادر الوجود فيها. ما هو الخيار الأفضل إذًا؟ أن نحصر استخدام الإنترنت بالأحزاب السياسية؟ أو ربما بالكنيسة؟ أو بكبار الناشرين؟ لا، قطعًا لا. إذا كنا لنحمي فوضى الإنترنت البهية من التدهور، يجب علينا أن نكون مستعدين لمواجهة انعكاساتها السلبية بالاستعداد الملائم. تلك هي الفلترة التي كنتُ أعنيها؛ أي تعزيز ذكاء المبحرين.

علاقة الجمال بالثقافة عند د.ملاك نصر

ملاك نصر

د. ملاك نصر. محاضر في الدراسات الدينية والثقافة -جامعة فيجن إنترناشيونال، كاليفورنيا. باحث إعلامي وثقافي.كاتب صحافي

قال في مقدمة كتابه (الجمال في زمن القبح):

عالمنا يعيش ” أزمة جمال ” رغم الهوس المحموم بالجمال.
و زمننا – كزمن للتغيير نحو الأفضل – يسعى إلى جمال الناس و المجتمع و السياسة و الأخلاق، بعد كل القبح الذي أصاب مساحات كثيرة من حياتنا و ربما نفوسنا.

في الفصل الأول المُعنون بـ “الجمال و ثقافتنا: أحمر الشّفاه يُغطي الإحساس بالنقص“، تطرّق إلى العلاقة بين الجمال و ثقافتنا الشائعة و تأثير ذلك على نفوسنا و فكرتنا عن أنفسنا بل وعلاقتنا الاجتماعية و تحدث عن قصّة الجمال مع الثقافة من الفيلسوف (أفلاطون) إلى نجم السينما (ليوناردو دي كابريو) و كيف وصل الحال بوسائل الإعلام أن تجعلنا نكره أنفسنا و أجسامنا فصرنا نعاني من الخوف من القبح في زمن يدّعي الجمال!

إن للجمال و ثفافة الجماهير، حيث الشاشات الملوّنة و الصفحات المصقولة و المواقع الإلكترونية، علاقة غريبة مثيرة للتفكير. فقد أصبح الجمال – كقيمة من القيم العليا للحياة – مشوّهاً بسبب ثقافة الجماهير خاصّة في جانبها الإعلامي! و صارت هناك نقطة معتمة في أنصع القيم و أكثرها إشراقاً: الجمال. كما تحوّل الجمال في كثير من أشكال ثقافة الجماهير إلى سلعة تُنتج و يتم تصنيعها بأدوات و إبداعات تلك الثقافة.

يسرد لنا أهم ملامح قصة علاقة الجمال بالثقافة في ثمانية نقاط وهي:

أولاً: الجمال من (أفلاطون) إلى (ليوناردو دي كابريو):

بدأت قصة الجمال مع الثقافة الإنسانية من خلال الثقافة اليونانية و معها بدأت قصة “علم الجمال” عند كبار الفلاسفة اليونان، و لعل أكثرهم في تناول الجمال كقضية مهمة تمسّ الحياة كان (أفلاطون) في محاورته “فايدروس أو عن الجمال“. و هناك قول لهذا الفيلسوف عن الجمال و الرجل يقول فيه:
الأمنيات الثلاث لكل رجل: أن يكون بصحّة جيدة، غنياً بوسائل مشروعة، و جميلاً “.
كما اهتمت حضارات أخرى قديمة بفكرة الجمال، خاصة الرجل، فقد اهتم الفنانون في الحضارة المصرية و الإغريقية و الرومانية. بمعايير الجمال لدى الرجل و التي استمرت فيما بعد في أعمال فنيّة كثيرة بالحضارة الغربية الحديثة. ووُضعت تلك المعايير لجمال الرجل على أساس الطول الفارع ( أكثر من 6 أقدام ), والذراعين الكبيرين، والعضلات المفتولة البارزة في الكتفين، و الأرجل الطويلة و الرأس المليء بالشعر الكثيف و الجبهة العريضة كعلامة على الذكاء، و العيون الواسعة التي تقف على بوابتها رموض كثيفة مع الفم الصغير كبوابة لفك قوى الأسنان. وصارت تلك المعايير هي المقياس الأوحد لجمال الرجل، وتلقفتها الحضارة الغربية أوقات كثيرة على أنها مقاييس الرجول المثالية. و الغريب أن تلك المقاييس لجمال الرجولة ظلت باقية لعصور طويلة بل تختفي و تعود مرةً أخرى …
كما نستطيع أن نلمس تلك المقاييس للرجولة المثالية كما تقدمها لنا ثقافة الجماهير من خلال “هوليوود” في عصرها الذهبي في الثلاثينات و الأربعينات و الخمسينات من القرن الماضي، حيث قدمت لنا “أيقونات” رجالية أو أبطالاً سينمائيين أمثال (جاري كوبر) و (تايرون باور) و (كاري جرانت)، و غيرهم من الذين كانوا يتمتعون – بل جعلوهم يتمتعون- بالمقاييس الكلاسيكية للجمال أو الرجولة.
و اليوم، لم يعد كثير من نجوم هوليوود يتمتعون بتلك المقاييس الكلاسيكية، و لكن ثمة مقاييس أخرى الآن موجودة على وجوه و أجساد نجوم أمثال (براد بيت) و (مات دامون) و (ليوناردو دي كابريو) و غيرهم.

ثانيًا: متجر كبير .. للجمال و النجوم:

صرنا في زمننا هذا “نخضع لإغراء متواصل و لنماذج جمال مصطنعة“، على حد تعبير واحد من أهم المفكرين المعاصرين المهتمين بالجمال و هو عالم السيميولجيا و الروائي الإيطالي (إمبرتو إيكو) و قد أطلق هذا الحكم بمناسبة صدور كتابه “تاريخ الجمال” في حوار له مع مجلة ” كي لير – Quee Leer ” الفرنسية حول الجمال كقيمة، و كيف تحولت و تبدلت تلك القيمة في تعريفاتها مراراً و تكراراً بفعل الثقافة و الإعلام. و حول تجديد معيار الجمال اليوم, يرى أن عصرنا يتميز بتعدد نماذج الجمال. فمن ناحية نجوم الجمال اليوم. يرى أن عصرنا يتميز بتعدد نماذج الجمال .. فمن ناحية نجوم الفن و الإعلام في أقصى تطرف للجسد الإنساني مثل (أرنولد شوارزنيجر)، ومقابله الجسد النحيل لنجم هوليوود الكلاسيكي (فريد استير)، فهما نموجان للجمال مختلفان جداً، و كلاهما مقبول. إذن – في رأي (إمبرتو إيكو) لم يبق هناك نموذج ثابت دائم للجمال فنحن نجد أنفسنا أمام “متجر كبير للجمال” حيث يشتري كل شخص مايشاء. و لم يبق هناك نموذج كلاسيكي أو نخبوي للجمال. ما يجعل هذا الشرك خطيراً – في نظر (إمبرتو إيكو) – لأنه سيجعل هناك دائماً الأحدث في الجمال، أي الجديد الأكثر جدّة، فما كان رائجاً بالأمس لن يكون هكذا بالغد.. لذلك، فنحن نعيش تحت الابتزاز أكثر بكثير من إنسان عصر النهضة، فإنسان عصر النهضة لم يكن يرى من الجنس الآخر سوى الوجه و الباقي كان محجوباً.
اليوم نحن خاضعون لابتزاز النماذج المعروضة علينا، بيد أنها سطحيّة جداً، فحتى أجمل عارضة أزياء هي في الحياة و في الواقع أقل جمالاً من الصورة. نحن خاضعون لإغراء متواصل، إنما لنماذج جمال مصطنعة.

ثالثًا: إعلام التجميل .. في مجتمع الشيخوخة المبكرة:

في عصرنا هذا، حيث زمن القبح بأنواعه الكثيرة أصبح كل شيء “يشيخ” بسرعة شديدة خاصة في مجتماعتنا العربية. الجمال أيضاً صار يشيخ أمام هول البشاعة المنتشرة الآن على الشاشات التي نقل أحداثاُ واقعية لم يكن أخصب خيال ليصل إليها يوماً مّا. و من خلال ضغط هذه الشيخوخة المبكّرة على الوجوه و النفوس و العقول يأتي هوس التجديد و التجميل – تجميل الوجوه و الأجساد على الشاشات الفضية و الملوّنة و الافتراضيّة، من خلال برامج لاحصر لها تتسابق على تغيير ملامح المشاهدين نساءً و رجالاً أيضاً.

لقد بدأت ظاهرة إعلام التجميل منذ صدور الإعلام المطبوع في وطننا العربي عندما صدرت المجلات و تحديداً النسائية بالقاهرة و بيروت و عواصم أخرى. حيث كانت تخصص تلك المجلات زوايا أو أبواباً متخصصة في التجميل تقدم فيها نصائح عملية لكيفيّة التزيّن عند النساء.
ثم تطورت الأمور و صارت هناك مساحات أوسع للتجميل و الأزياء و خطوط الموضة للنساء. ثم تطورت الصحافة التجميليّة لتصدر مجلات متخصصة فقط في فنون الماكياج و الأزياء و الموضة، و صارت تُطبع بالآلاف لتوزع في شتى البقاع العربية بما فيها المناطق الريفيّة التي لا تعرف فيها المرأة التجمّل إلا بالوسائل التقليديّة الشعبيّة و ليس بمستحضرات التجميل الصناعيّة.
و مع بداية الإعلام المرئي صارت هناك برامج عامّة للمرأة فيها فقرات خاصة بالتجميل، ثم تطوّر الأمر إلى تخصيص برامج نسائية كاملة قائمة على عالم التجميل و الماكياج و خطوط المرأة. و بظهور الفضائيات العربية الخاصة بدأت الثورة الحقيقية الخاصة بما يكن أن نسميه “إعلام التجميل المرئي” التي قادت هذه الثورة التجميلية ليس فقط على الشاشات و بشكل نظري مرئي، بل بشكل عملي داخل العقول و البيوت و على الوجوه.
لقد جاءت الفضائيات العربية باعتبارها واحدة من أهم القوى الضاربة المؤثرة لثقافة الجماهير لتنشر “ثقافة الجمال” و هي ثقافة مطلوبة و مرغوبة لأسباب اجتماعية كثيرة.
كما أن المرأة الشرقيّة أو العربية تحديداً تهمل كثيراً ( أو كانت تهمل ) في مظهرها و جمالها لحساب مسئوليتها الكبرى تجاه أولادها و زوجها. لذلك جاءت برامج التجميل بانتشارها الكبير لكي تلفت انتباه المرأة إلى فكرتين على قدر كبير من الأهمية بالنسبة للمرأة و هما: الجمال و الشباب. فالقبح و الشيخوخة هما عدوا المرأة الأساسين. لذلك تفاعلت المرأة العربية بشكل غريزي قوي مع برامج التجميل، خاصة في ظل ظهور موجة جديدة من النجمات/ الموديلات اللاتي يشكّلن الجمال الأسطوري الكامل الذي لا يعرف الخطأ أو القبح أو التشويه، وهذا ماضاعف من الضغوط الاجتماعية الاقتصادية تحديداً على كل من المرأة و الرجل على حد سواء.
و يختم هذه النقطة بقوله:

” … أصبح في مجتمعاتنا العربية ما يُمكن أن نسميه “هوس التجميل” المرتبط دائماً بما تبثّه الفضائيات، مع أن مجتمعاتنا هذه تعاني قبحاً شديداً في كثير من الجوانب و التي تحاول الثورات إزالته بشتى الطرق.
و نتيجة للعجلة الدائرة ليل نهار لماكينات تصنيع الجمال الحسّي في مصانع ثقافة الجماهير، يخرج الجمال من ضمن منتجات عصرنا، في شكل “منتج” مصنّع إعلامياً و فنّياً و اقتصادياً. ونتيجة لتصنيع هذا الجمال تصنيعاً مفتعلاً غير حقيقي، صارت ثمّة ظواهر جمالية مرتبطة بالناس في عرصنا، و هي ظواهر تشكل بدورها ثقافتنا عن الجمال و عن أجسادنا بل و عن نفوسنا و شخصياتنا – وهذا هو الأهم و الأخطر – باعتبار أن “صورة الجسد” من أهم مقوّمات صورة الشخصية لدينا حسب أدبيات علم النفس.

و يورد إثر ماسبق سؤالاً بقوله:
رابعًا: كيف يجعلنا الإعلام نكره أجسامنا؟

يجيب على ذلك بقوله: ليس من الغريب أن تؤتى ثقافة الصورة و صورة الجمال تحديداً من كل حدب و صوب في عقليات و طرق تفكير الكثيرين في عالمنا، إلى الدرجة التي تؤدي أحياناً إلى كراهية الإنسان لجسده، أو لجزء معيّن من جسده يتمنى لو أنه يختفي من العالم و الوجود. و لعل هذا النوع من كراهية الجسد مايتحدثون عنه الآن في الدوائر النفسية من عرض نفسي يسمى Body Dysmoraphic Disorder و يشيرون إليه بـ (BDD) و هو يعني عرض أو اضطراب الجسم المشوّه. هذا العرض أو الاضطراب بؤدي إلى نوع من الاكتئاب، لأنه يشغل الإنسان بجسده و يرفضه لإحساسه أن بهذا الجسد عيب مكروه من الآخرين. و تقول التقديرات النفسية إن الشخص المصاب بهذا الاضطراب يفكر في تشوّه جسده أو جزء منه من ثلاث إلى ثمانية مرات في اليوم الواحد – على حد تعبير الباحثة النفسية و الأخصائية في السلوك الإنساني (كاثرين فيليبس) التي ترى أيضاً أن ذلك العرض لايؤدي فقط إلى الاكتئاب بل مشاعر القلق و الإحباط و الخزي. و المثير في الأمر:

إن العلاج لهذا الاضطراب كما تؤكد (كاثرين فيليبس) لا يأتي من عمليات التجميل الجراحية أو علاجات البشرة أو خلافه، لأن ذلك الاضطراب يأتي من أعماق الإنسان حيث الإحساس القوي بتشوّه جسده.

خامسًا: التمييز الجمالي: في زمن حقوق الإنسان:

هناك تعريف لما يُسمى “الناس الجميلة” في ثقافة الجماهير الآن، و هو يستخدم لتعريف هؤلاء الأشخاص القريبين في مقاييس جمالهم من الاتجاهات الجديدة في الموضة و الفن و الإعلانات و الميديا بكل أشكالها.
وفي الغالب تكون نماذج تلك الاتجاهات من هؤلاء الأشخاص أصحاب القدر الكبير من الثراء أو النجومية أو التأثير في المجتمع مثل الفنانين و رجال الأعمال و لاعبي كرة القدم أو الرياضة عموماً إلى جانب الموسيقى و نجوم المجتمع.
و “الناس الجميلة” عادةً هم هؤلاء الذين يستمتعون “بصورة” قائمة على المركز الاجتماعي و الذي بدوره يمنحهم النجاح و السلطة و الجمال.
و لكن هذا القصور في تعريف الجمال و بالتالي الجاذبية الاجتماعية ثم القبول الاجتماعي للناس الجميلة، بناءً على المركز الاجتماعي أو المالي أو الفني أو الرياضي، أدى إلى نتائج وخيمة اجتماعية و أخلاقية بل وروحية أيضاً.
ففي الثقافة الغربية نشأ تعبير (Lookism)
الذي يمكن ترجمته بتعبير: “المظهرية” و الذي صار الآن معبّراً عن أدبيات العلوم الإنسانية و الاجتماعية عن “التمييز الاجتماعي و الاقتصادي بل و الجنسي أيضاً بين البشر في المجتمع الواحد، لأنه تمييز قائم على “مظهر” الإنسن و مدى تطابق هذا المظهر مع المقاييس العامة للجمال و المنتشرة في المجتمع بسبب ثقافة الجماهير بكل إبداعاتها“. و بالتالي, ارتبط الآن تعبير “المظهريّة” أو (lookism) بمفاهيم الجمال وعلاقته بالثقافة و “التنميط” بناءً على الدور الاجتماعي للرجل أو للمرأة و التوقعات من ذلك الدور و هي الأدوار التي تتأثر بشدة بمستوى الجمال، للأسف الشديد. و كأن ثمة تمييزاً الآن، بين البشر، ليس على أساس عنصري فقط، بل على أساس جمالي أيضاً.

سادسًا: الهوس بالجمال .. في زمن عقلاني:

عصرنا هو عصر “الهوس بالجمال” مع أنه يدّعي العقلانية.
أصيب عصرنا – المصاب أصلاً بالقبح السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الروحي و الديني- بالهوس بالجمال، ذلك الهوس الذي تحاربه الآن الحركات النسويّة بكل قوّتها, و دخل فيما يسمي “حروب الثقافة
Culture Wars. حيث تنشر الثقافة بكل ما أوتيت من قوّة تكنولوجية اتصالية الاهتمام بالجمال الحسّي الجسدي إلى حد الهوَس.
و كأن عصرنا مدفوع بقوة القبح الجبارة التي تملأ ملامج وجهه إلى السعي المحموم إلى الجمال الشكلي الحسي، تعويضاً عن إحساس لا يهدأ بالقبح الاجتماعي و السياسي و الأخلاقي و الاقتصادي، مادفع بالأجيال الجديدة إلى التمرّد على هذا القبح بالثورات. فالثورات تمرّد صد القبح بكل أنواعه.

سابعًا: (إيزيس)، (فينوس)، (أفروديت) .. أساطير على قيد الحياة:

عصرنا هو عصر الأساطير الجديدة المعاصرة، منها الكثير الذي يخص الجمال، مع أنه عصر يدّعي أنه متديّن. و كأن الإنسان مقدّر عليه صنع أساطيره بنفسه لنفسه، خاصّة فيما يخص الجمال. ففي كل ثقافة على مدار الإنسانية كانت ثمة أسطورة للجمال خاصة بتلك الثقافة، وكانت معظم تلك الأساطير شخصيات أنثوية بالطبع أو آلهة مؤنثة، مثل أساطير إلهات الحضارات الأربع الكبيرة: (أفروديت) في أساطير الحضارة الإغريقية، (فينوس) في أساطير الحضارة الرومانية، (إيزيس) في أساطير الحضارة المصرية، و (رادا) في أساطير الحضارة الهنديّة.
تلك الأساطير أو الشخصيات الجمالية غير الحقيقية، كانت تمثل النموذج الأكمل للجمال في نظر شعوبها آنذاك. و أهم من ذلك كانت تلك الآلهة – إلهات الجمال بكل ما تملأ الأساطير من حكاياتها – شعلة لاتنطفئ تلهب الخيال حول الجمال و بالتالي إشباع الحاجة الشيدة إلى الجمال داخل الإنسان، كما أنها كانت تخاطب الإحساس الغريزي بالجمال.
أما عصرنا الحالي، فهو لم يتهلى عن حاجته لأساطير جديدة مستحدثة حول الجمال و في الجمال و للجمال. و بالرغم من كل نزعته إلى التديّن العائدة بقوة جارفة، إلا أن الحاجة العميقة مازالت موجودة في داخلنا إلى الجمال السّامي، الكامل، النموذج (فالحاجة إلى الجمال صارت ضمن الهرم الشهير للحاجات الإنسانية الأساسية الذي صمّمه عالم النفس الشهير (أبراهام ماسلو)

أخيرًا: الخوف من القبح .. في زمن الجمال:

أظهرت مجلة ” الإيكونومست-Economist ”
في التقرير الخاص حول الجمال و صناعاته أن ذلك التصاعد الهائل في صناعات التجميل و الجمال يعود إلى اللعب على “وتر الخوف” من القبح داخل الناس، في مقابل الإحساس بالسعادة المرجوّة عندما يحصلون على الجمال أو المظهر الجذّاب إلى جانب الاعتماد (في وسائل الإعلام و الدعايات) على النظريات الجديدة لعلم النفس لإقناع النساء بأن إحساساً بالنقص من الممكن أن يزول من خلال أحمر شفاه! مما يجعل من العمليّة كلها مجرّد انتهاك للحقائق بلا رحمة.