أرشيف الوسم: ابن القيم

قمة الأخلاق كما يراها ابن القيم

aa6dc3984fe653ae56fd415354a4ef40

الإمام ابن القيم شرح في كتابه “مدارج السالكين” الكثير من المفاهيم الأخلاقية والتعبدية السامية التي لايمكن أن نستغني عنها في هذا العصر الذي يقدس المادة. فبعد أن كتبنا عن رؤية ابن القيم للتواضع الحقيقي وعن سر اكتساب مكارم الأخلاق، يكتب هذه المرة عما يسميه بالفتوة. والتي يمكن فهمها بلغتنا المعاصرة كقمة الهرم الأخلاقية، حيث يقول

إن قلب (الفتوة) وإنسان عينها، أن تفنى بشهادة نقصك، وعيبك على فضلك، وتغيب بشهادة حقوق الخلق عليك عن شهادة حقوقك عليهم. والناس في هذا مراتب، فأشرفها هم أهل هذه المرتبة، وأخسها عكسهم، وهم أهل الفناء في شهود فضائلهم عن عيوبهم، وشهود حقوقهم على الناس عن شهود حقوق الناس عليهم.

ومن مظاهر (الفتوة) ترك الخصومة، والتغافل عن الزلة، ونسيان الأذية. ونسيان الأذية فهو بأن تنسى أذية من نالك بأذى، ليصفو قلبك له، ولا تستوحش منه. وهناك نسيان من نوع آخر، وهو نسيان إحسانك إلى من أحسنت إليه، حتى لكأنه لم يصدر منك، وهذا النسيان أكمل من الأول.

ثم إن من مظاهر هذه الفتوة (أن تقرب من يقصيك، وتكرم من يؤذيك، وتعتذر إلى من يجني عليك، سماحة لا كظما، ومودة لا مصابرة) بأن يكون الإحسان والإساءة بينك وبينه خطين، فخطتك الإحسان، وخطته الإساءة. ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي، فلينظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس، يجدها هذه بعينها. ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه. ثم إن للورثة منها بحسب سهامهم من التركة..

حقيقة التوكل عند ابن القيم

 

الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه “مدارج السالكين” يتحدث عن التوكّل الحقيقي كما يراه.

وكثير من المتوكلين يكون مغبونا في توكله، وقد توكل حقيقة التوكل وهو مغبون. كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، ويمكنه نيلها بأيسر شيء. وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم خيرا. فهذا توكل العاجز القاصر الهمة. كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء، أو جوع يمكن إزالته بنصف رغيف، أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين وقمع المبتدعين وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين. وحال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه محك الأحوال وميزانها، بها يعلم صحيحها من سقيمها، فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم. فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب، وأن يعبد الله في جميع البلاد، وأن تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد، فملأوا بذلك التوكل القلوب هدى وإيمانا، وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان. وهبت روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقينا وإيمانا. فكانت همم الصحابة رضي الله عنهم أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعي، فيجعله نصب عينيه، ويحمل عليه قوى توكله، ويظن أنه يبلغ بذلك المراتب العالية.

حظوظ النفس وأثرها الخفي عند ابن القيم

aa6dc3984fe653ae56fd415354a4ef40

يشرح ابن القيم في “مدارج السالكين” الأثر الخفي للغاية لحظوظ النفس على العمل.

وأما الاستقصاء في رؤية علل الخدمة: فهو التفتيش عما يشوبها من حظوظ النفس، وتمييز حق الرب منها من حظ النفس. ولعل أكثرها – أو كلها – أن تكون حظا لنفسك وأنت لا تشعر.

فلا إله إلا الله. كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة، وأن تصل إليه؟ وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر البتة، وهو غير خالص لله، ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقا، وهو خالص لوجه الله، ولا يميز هذا إلا أهل البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدوائها وعللها.

فبين العمل وبين القلب مسافة. وفي تلك المسافة قًطَّاع تمنع وصول العمل إلى القلب. فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء، ولا زهد في الدنيا ولا رغبة في الآخرة، ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه، وبين الحق والباطل، ولا قوة في أمره. فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق، ورأى الحق والباطل، وميز بين أولياء الله وأعدائه وأوجب له ذلك مزيد من الأحوال.

ثم إن بين القلب وبين الرب مسافة. وعليها قُطَّاع تمنع وصول العمل إليه، من كبر وإعجاب وإدلال، ورؤية العمل، ونسيان المنة، وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرأى العجب. ومن رحمة الله تعالى سترها على أكثر العمال، إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها، من اليأس والقنوط والاستحسار وترك العمل وخمود العزم وفتور الهمة.

كيفية اكتساب مكارم الأخلاق عند ابن القيم

aa6dc3984fe653ae56fd415354a4ef40

ابن القيم يشرح في كتابه “مدارج السالكين” معنى المروءة وكيفية اكتساب الأخلاق الحميدة.

المروءة مع الخلق؛ بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء، والخلق الجميل، ولا يظهر لهم ما يكرهه هو من غيره لنفسه. وليتخذ الناس مرآة لنفسه. فكل ما كرهه ونفر عنه، من قول أو فعل أو خلق، فليجتنبه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله. وصاحب هذه البصيرة ينتفع بكل من خالطه وصاحبه من كامل وناقص، وسيء الخلق وحسنه، وعديم المروءة وغزيرها. وكثير من الناس يتعلم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها كما روي عن بعض الأكابر: أنه كان له مملوك سيء الخلق، فظ غليظ، لا يناسبه، فسئل عن ذلك؟ فقال: أدرس عليه مكارم الأخلاق. وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق في ضد أخلاقه. ويكون هذا بتمرين النفس على مصاحبته ومعاشرته والصبر عليه.

التواضع الحقيقي عند ابن القيم

aa6dc3984fe653ae56fd415354a4ef40

الإمام ابن القيم يتحدث في كتابه “مدارج السالكين” عن أعلى درجات التواضع عند الإنسان.

ولا تصح لك درجة (التواضع) حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض، فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك. وإذا لم ترد عليه حقه، فكيف تمنعه حقا له قبلك؟ بل حقيقة التواضع أنه إذا جاءك قبلته منه، وإذا كان له عليك حق أديته إليه، فلا تمنعك عداوته من قبول حقه، ومن إيتائه إياه.