أرشيف الوسم: ابن حزم

فلسفة الوصال عند ابن حزم

من قرأ رسالة (طوق الحمامة)، لعدّ صاحبها من فلاسفة الحب، فقد ضمّن المفكر والفقيه (ابن حزم) [994-1064] تلك الرسالة ملاحظات نفسية دقيقة وآراء فلسفية عميقة، فضلا عن تناوله أدبيا وشعريا، وقد استخلص (زكريا إبراهيم) خاتمة كتابه (مشكلة الحب) كثيرا من أفكاره. وننقل فلسفة (ابن حزم) في الوصال، فيقول:

لولا أن الدنيا دار ممر ومحنة وكدر، والجنة دار جزاء وأمان من المكاره؛ لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه، والفرح الذي لا شائبة ولا حزن معه، وكمال الأماني ومنتهى الأراجي. ولقد جرّبت اللذات على تصرّفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان، ولا المال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن بعد الخوف، ولا التروّح بعد المال، من الموقع في النفس ما للوصل…وما أصناف النبات بعد غِبّ القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع السحاب الساريات في الزمان السجسج [أي المعتدل]، ولا خرير المياه المتخللة لأفانين النوار، ولا تأنّق القصور البيض قد أحدقت بها الرياض الخضر؛ بأحسن من وصل حبيب قد رُضيت أخلاقه، وتقابلت بالحسن أوصافه.

‏ومن الناس من يقول: ‏“إن دوام الوصل يُودي بالحب”
‏وهذا هجين من القول، إنما ذلك لأهل المَلَل، بل كلما زاد وصلًا زاد اتصالًا…
‏‏ولقد بلغتُ من التمكّن بمن أحب أبعد الغايات التي لا يجد الإنسان وراءها مرمى، فما وجدتني إلا مستزيدا، ولقد طال بي ذلك، فما أحسست بسآمة ولا رهقتني فترة.
وما في الدنيا حالة تعدل محبّين إذا عُدما الرقباء، وأمنا الوشاة، وسلما من البين، ورغبا عن الهجر، وبعدا عن الملل، وفقدا العذّال، وتوافقا في الأخلاق، وتكافيا في المحبة، وأتاح الله لهما رزقا دارّا وعيشا قارّا، وزمانا هاديا، وكان اجتماعهما على ما يرضي الرب من الحال.

هل عرف الفكر الإسلامي علم “مقارنة الأديان” أو علم “الدين المقارن” ؟ 


محمد الشرقاوي، أستاذ ورئيس قسم الفلسفة الإسلامية ومقارنة الأديان بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وله مجهود متميز في مجالي مقارنة الأديان والفلسفة الإسلامية، ويعتبر من أوائل الأكاديميين الذين أعادوا تقديم علم مقارنة الأديان في الجامعات المصرية والعربية.

يقول أ.د. محمد الشرقاوي :
إن مصطلح مقارنة الأديان أو الدين المقارن Comparative Religion قد صكّه علماء الغرب في نهاية القرن التاسع عشر، ليدل عندهم – على الدراسة العلمية للأديان، للتفريق بين هذا النوع الجديد من الدراسة و بين الدراسات اللاهوتية التي عرفتها المسيحية منذ نشأتها و حتى اليوم، و قد اتّسع نطاق علم مقارنة الأديان في القرن العشرين ليشمل: “تاريخ الأديان” و “فلسفة الدين” و “علم الاجتماع الديني” و “علم نفس الدين” و “فييومولوجيا الدين” وهذه ليست علوماً مساعدة لكنها أقسام أو حقول لعلم “الدين المقارن“.
إذا كان علم “مقارنة الأديان” يعني في التحليل الأخير – في رأي أ.د محمد – :
أن تتخذ الأديان بعامة – كتابية ووضعية – و العقائد الدينية، أو الملل و النحل موضوعاً للدراسة العلمية بمناهج موضوعية لها أصولها و خصائصها و ضوابطها التي اصطلح عليها أهل هذا الحقل، فإن الفكر الإسلامي منذ القرن الثاني للهجرة قد انفتح على أديان العالم و جعلها موضوعاً مستقلاً للدراسة و البحث، ووضع العلماء لذلك مناهج علمية سديدة؛ فوصفوا أديان العالم و حلّلوها و قارنوا بينها و أرّخوا لها و انتفدوا بعضها، و كانوا يستمدون أوصافهم لكل ديانة من مصادرها الموثوق بها، ويستقونها من منابعها الأولى. و هكذا فإنهم – كما يذكر العلامة (محمد عبدالله دراز) – بعد أن أن اختطّوه علماً مستقلاً، اتخذوا له منهجاً علمياً سليماً.”

لقد كان للفكر الإسلامي شرف التنشأة الأولى لعلم الدين المقارن، و من ثم فإن الأبوّة الشرعية لهذا العلم تكمن في الفلسفة الإسلامية، ولقد فطن لهذه الحقيفة كثير من علماء الأديان في الغرب و أقرّوا بها في أكثر من مناسبة.
ويُشير الشرقاوي إلى رأي (إيريك شارب) حيث يقول:
أما الأستاذ (شارب) فيرى أن شرف كتابة أول تاريخ للأديان في العالم يختص به (الشهرستاني) الذي وصف و صنّف أديان العالم العشرة المعروفة في العالم آنئذٍ إلى حدود الصين اعتماداً على منهج تاريخي سديد لم يكن لأي كاتب مسيحي في عصره أن يكتب مثله.
و لاينبغي أن نغفل قول (فرانز روزنتال):
أن الغرب يعترف اليوم صراحة بأن الدراسة المقارنة للأديان تعتبر واحدة من الإنجازات العظيمة للحضارة الإسلامية أسهمت في التقدم الفكري للإنسانية كلها.
و لكن الأستاذ الدكتور لا يقف فحسب على الاعترافات الغربية الصريحة بنشأة علم مقارنة الأديان ليُبرهن على صحة دعواه بل يأخذنا إلى ماهو أعمق من ذلك حيث يقول:
الطريق المنهجي للجواب على سؤالنا هو قراءة الفكر الإسلامي في هذا الحقل قراءة فاحصة واعية.
ويخلص بذلك بالنتيجة الآتية:
لم يظهر علم مقارنة الأديان في الفكر الإسلامي حقلاً علمياً مستقلاً بذاته مثل أصول الفقه أو الحديث أو التاريخ مثلاً، لكنه ظهر على تخوم حقول علمية أخرى، فهو بطبيعته من العلوم البينية التي تشتبك في الموضوع و القضايا مع غيرها و إن استقل عنها في مناهج الدرس و المعالجة، و من ثم يتميز عنها في الوظيفة و الغاية.
و يُمكن أن نسوق أسماء بعض العلماء الذين كثبوا في هذا الحقل مثل (واصل بن عطاء)، و (القاسم الرسّي)، و (الجاحظ)، و (الجبائيين)، و (أبي عيسى الوراق)، و (الطبري)، و (الكندي) الفيلسوف، و(النوبختي)، و(ابن ربّن الطبري)، و (الحسن بن أيوب)، و (القاضي عبدالجبار)، و(ابن حزم الأندلسي)، و (أبي الوليد الباجي)، و (أبي الحسن الأشعري)، و (الباقلاني)، و (أبي المعالي الحسيني العلوي)، و (أبي الحسن العامري)، و (البيروني)، و (الجويني)، و(السكسكي)، و (الطوفي الفقيه)، و (السموأل بن يحيى المغربي)، و(نصر بن يحيى المتطبب)، و(عبدالله الترجمان)، فضلاً عن (المسعودي) و (اليعقوبي)، و (المقريزي)، و(رحمة الله الهندي)، وخلق كثير يصعب حصرهم.
و هو بتعداده لمن تناول هذا العلم يجعلنا نتساءل مجدداً:
من يتأمل هذه القائمة يجد فيها المؤرخين و المفسّرين و الفقهاء و المترجمين, لكننا نجد أكثرها من المتكلمين.
هل يُعطي ذلك مشروعية للقول بأن علم: مقارنة الأديان جزء من علم الكلام في الإسلام؟ 
كيف نميّز خاصة و أن كثير ممن كتبوا في أصول الفقه كانوا من المتكلمين, فهل نازع أحد في استقلال أصول الفقه عن علم الكلام!
يقول الشرقاوي:
إننا نميّز بين علم و آخر عن طريق أمور ثلاثة هي: الموضوع، و المنهج، و الوظيفة أو الغاية.
و من المقبول بين أهل الاختصاص اليوم، أن وظيفة علم الكلام تتحدد في البرهنة العقلية على صحة العقائد أو أصول الدين، والحجاج العقلي عنها ضد المخالفين، وموضوع العلم ووظيفته يحددان منهج البحث فيه كما هو معروف.
يلتقي علم الكلام مع علم الدين المقارن في جانب من موضوعه وهو درس موضوعات أو جوانب من أديان المخالفين، لكن يبقى أن علم الكلام يحتفظ باستقلال وظيفته و منهجه في البحث عن علم الكلام أن يؤرخ للديانة الجينية، أو أن يرصد و يصف التطور الذي لحق بديانة زن Zen البوذية مثلاً. و إن اتفق و درس المتكلم جانباً في الديانة الهندوسية مثلاً، فهو يدرسه بمنهج جدلي، أعني محاجة المخالفين بمقتضيات العقل و براهينه. وذلك يدفعني إلى القول بأن علم دراسة الأديان أو علم الدين المقارن مثله مثل علم الكلام يشكل حقلاً متميزاً من حقول الفلسفة الإسلامية، و إن من طبيعة العلوم الإسلامية أن تتشابك و تتلاقى دونما غضاضة، و أن تتعانق و تتساند في أداء دورها في منظومة الفكر الإسلامي.
و للاستزادة ثمّة دراسة للشرقاوي بعنوان: بحوث في مقارنة الأديان

التعريف الجمالي عند ابن عقيل الظاهري

ابن عقيل الظاهري، من مواليد 1938 بمدينة شقراء بمنطقة نجد. وهو عالم سلفي ظاهري، وأديب سعودي.

يقول (ابن عقيل الظاهري) في تعريف الجمال:

تعريف الجمال (مُمْتَنِع) بالنسبة للكسول المُسْتسلمِ لشتاتِ معاني المُفْردات اللغوية التي في كل واحد منها معنى مُرادفٌ معنى الجمال.. والتعريف سهلٌ غيرُ ممتنع على الجادِّ الصبور المُتَأنيِّ، وصِفَتُه أنه يُنسِّق المُفْردات الاصطلاحية ومرادفاتها ترادفَ مطابقة جزئية، وَيَسْتيقظ فِكْرُه عند تَلَقِّيهِ معاني أضدادها ومرادفات أضدادها ترادفَ مطابقةِ أو جزئية مع ضرب الأمثلة،وتجسيد الفوارق وأوجه الشبه؛ وهذا يُكلِّف رَصْدَ كلِّ الألفاظ الدائرة في دنيا الأدب خاصة، ودنيا الفنون الجميلة بصفة عامة.. وهناك مصطلحات لا تُحقِّق مفهوماً جمالياً إلا عن طريق التشبيه كالحلاوة؛ فليس في الفن ما يتصف بحلاوةٍ تُذاق بطرف اللسان، وإنما تجوَّزوا في التعبير على التشبيه.. أي تشبيه أثر الفن الجميل في النفس بأثر ما كان مذاقُه حلواً، وقل مثل ذلك عن البرودة والعذوبة..

ثم يقول في موضع آخر، للتفريق في ما بين القبح والجمال:

حسبي ههنا أن معنى (القُبْح) في اصطلاح (الاستاطيقا) – وهي مُسَلَّمٌ بها في الاصطلاح العربي – مُحدَّدٌ جداً بما هو نقيض (الجمال) الذي هو لذة وسرور وبهجة (وهكذا كلُّ ما يرادف ذلك): تأتَّى من موجود خارجيٍّ بالنظر أو السماع لا غير؛ فالنظرية الجمالية لها هذا المقدار مِن نقيض معنى الجمال سماعاً أو رؤية، ويبقى في مادة القاف والباء الموحَّدة من تحت والحاء المهلمة (القبح) معانٍ أخرى تُحْمَل معانيها على دلالتها غيرِ المناقضةِ معنى الجمال؛ لأن القبح من جهات أُخَرَ نقيض (الحُسْنِ)؛ فلا تتصور معاني القبح الاصطلاحية إلا بعد العلم بالمعاني الجامعة للحسن، وهي باستقرائي ثلاثة لا رابع لها: المعنى الجامع الأول بمعيار الحق، وهو مجازي قليل؛ فالخطأُ مُسْتَقْبَحٌ مجازاً؛ لأن النفس ترتاح وتستقرُّ إذا كان الصوابُ وِجْدانَـها، وهكذا كل ما خالف معيار الحق فهو خطأ مَعِيب يوصف بالقبح تجوُّزاً؛ لأن النفس لا تَسْتَقِرُّ على وِجدانه كما ترتاح وتُسَرُّ بالجميل من وِجدانها.. والمعنى الثاني الجامع بمعيار الخير والشر اللذين مصدرهما الدين والعقل (العقل العَمَلي)؛ فهذا ألصق بالنظرية الجمالية؛ لأن الجلال والكمال المانعَ من الذم والعيب والمهالكَ، الجالبَ المدح والسلامة: هو الشرط للجمال الأسمى كما بينت ذلك آنفاً.. والمعنى الثالث الجامعُ كلَّ ما هو نقيضُ الحُسْن بمعايير الوجود الثلاثة مجتمعةً (الحق، والخير، والجمال)؛ فالحسن في معناه الحقيقي هو الإتقان وَفْق مُراد صاحب الإحسان بمعيار الحق..ألا ترى أن الفُويسقة الفأرة قبيحة المَنظر، ولكنها إتقانٌ وَفْق مرادِ خالقها من الحكمة.. هي قبيحة المنظر ويشتد قبحها بقبح صوتها، ويكون القبحُ أشدَّ من جهة ارتباطِها، بما في ذاكرتنا من نجاستها، وما فيها من الداء.. وبمعيار الحق (العقل العلمي) فهي حَسنة؛ سواء أظهر ذلك من علم الأحياء، أو كان ذلك مُغيَّباً في حكمة الله، أو ما ظهر في تجربتنا العادية كالانتفاع بها في بعض هِواياتنا وحاجاتنا كتدريب الطير الجارح الوحش على اصطيادها؛ فذلك من تعليم الجوارحِ الصيدَ، أو إجراء التجارب العلمية عليها.. وأما المِعيار الجمالي فقد أسلفتُه.. وهكذا صوت الحمير؛ فهو أنكر الأصوات، ونكارته قبحٌ في إحساس النفس، وبالمعيار الخُلقي ففيه منفعة في حكمة الله ظهر لنا منها من ظاهرة الإتقان [التي هي من قيمة الحقِّ] مناسبةُ صوتِه لبشاعة ما رآه؛ ولهذا أَمَرنا الشرع بالتعوُّذ عند سماع صوته.. وبالمِعْيار الجمالي فأَمثلته كثيرة في المَسْموع والمُبصر؛ فَبهاءُ العافية والإيمان في الوجه حُسنٌ، وهو الجمال بعينه؛ ولهذا قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في مداواة النفوس/ ضمن رسائل ابن حزم/ 1/375: «الحسن هو شيئ ليس له في اللغة اسم يُعَبَّر به غيرُه؛ ولكنه محسوس في النفوس باتِّفاق كل من رآه، وهو بُردٌ مكسوٌّ على الوجه، وإشراقٌ يستميل القلوب نحوَه؛ فتجتمع الآراء على استحسانه وإن لم يكن هنالك صفات جميلة».

المصدر