أرشيف الوسم: ابن خلدون

الرافعي، ورأي جديد في كتب الأدب القديمة

الرافعي

مصطفى صادق الرافعي (1880 – 1937) ولد في بيت جده لأمه في قرية بهتيم بمحافظة القليوبية في أول يناير وعاش حياته في طنطا. ينتمي إلي مدرسة المحافظين وهي مدرسة شعرية تابعة للشعر الكلاسيكي. لُقّب بمعجزة الأدب العربي.

لم تحمل كلمة ” أدب” [i] في اللغة العربية دومًا معناها الذي نعرفه اليوم ونفهمه من هذه الكلمة؛ يسري عليها في ذلك ما يسري على ألفاظ اللغة جميعًا من التبدّل والتحوّل وحمل المعاني المختلفة باختلاف العصر والسّياق وموضع الاستعمال؛ وعلّة ذلك هي حاجة الإنسان إلى الإبانة عمّا يقابله من شؤون الحياة المتجدّدة أبدًا، والعبارة عمّا يتخلّق في ذات نفسه هو من خواطر ومشاعر وأفكار تحمله على أن يتوسّع في البيان بطرق أبواب المجاز وغيره من فنون الكلام المختلفة؛ فمن هذا وذاك يكتسب اللفظ معنى لم يكن له من قبل.

هذا؛ وإنّ إنزال معاني اللفظ كلّها مُنزلًا واحدًا على ما بينها من تفاوت، وتجاهل ما يفترق به كل منها عن الآخر، ثم قياس بعضها على بعض فيما لا يصحّ القياس فيه= يؤدي لا محالة إلى اضطراب في معرفة العلاقة الصحيحة بينها، كمعرفة أوجه التشابه وأوجه الاختلاف، ثم ما عساه يتبع ذلك من سوء تصوّر لمفاهيم بأكملها لها تقاطعاتها بهذه المعاني.

وفي هذا المعنى كتب (الرافعي) مقدّمته لـ(شرح الجواليقي) على (أدب الكاتب) لـ(ابن قتيبة)، وافتتحها بكلمة (ابن خلدون) الذائعة حول الأدب العربي، والتي يُقرر فيها أنّ “أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين: وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرّد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي”

فيشير (الرافعي) إلى موقف بعض أدباء عصره من مضمون هذه الكلمة إذ “يظنون أن كلمة (ابن خلدون) هذه كانت تصلح لزمنه وقومه (…) ولكنها لا تستقيم في آدابنا ولا تعد من آلاتنا ولا تقع من معارفنا”

ثم يُبيّن مبلغ أهميّة ما ذكر (ابن خلدون) فيقول:

أما تلك الكتب فأنا أحسبها لم توضع إلا لزمننا هذا ولأدبائه وكتابه خاصة، وكأن القدر هو أثبت ذلك القول في (مقدمة ابن خلدون) لينتهي بنصه إلينا فنستخرج منه ما يُقيمنا على الطريقة في هذا العصر الذي وقع أدباؤه في متسع طويل من فنون الأدب ومضطرب عريض من مذاهب الكتابة وأفق لا تستقر حدوده من العلوم والفلسفة … فإن هذه المادة الحافلة من المعاني تُحيي آداب الأمم في أوروبا وأمريكا، ولكنها تكاد تطمس آدابنا وتمحقنا محقًا تذهب فيه خصائصا ومقوماتنا، وتحيلنا عن أوضاعنا التاريخية، وتفسد عقولنا ونزعاتنا، وترمي بنا مراميها بين كل أمة وأمة، حتى كأن ليست منا أمة في حيزها الإنساني المحدود من ناحية بالتاريخ ومن ناحية بالصفات ومن ناحية بالعلوم ومن ناحية بالآداب؛ ومن ذلك ابتلي أكثر كتابنا بالانحراف عن الأدب العربي أو العصبية عليه أو الزراية له.

ويفصّل في تحديد الخلط بين معاني الأدب الذي وقع فيه أولئك الأدباء بقوله:

إن أدب الكاتب وشرحه هذا لـ(الإمام الجواليقي) وما صُنّف من بابهما على طريقة الجمع من اللغة والخبر وشعر الشواهد والاستقصاء في ذلك والتبسّط في الوجوه والعلل النحوية والصرفية والإمعان في التحقيق، كل ذلك عمل ينبغي أن يعرف حقه في زمننا هذا؛ فهو ليس أدبًا كما يُفهم من المعنى الفلسفي لهذه الكلمة، بل هو أبعد الأشياء عن هذا المعنى؛ فإنك لا تجد في كتاب من هذه الكتب إلا التأليف الذي بين يديك، أما المؤلف فلا تجده (…) وما أخطأ المتقدمون في تسميتهم هذه الكتب أدبًا، فذلك هو رسم الأدب في عصرهم، غير أن هذا الرسم قد انتقل في عصرنا نحن (…) ومن هذا الخطأ في التسمية ظهر الأدب العربي لقصار النظر كأنه تكرار عصر واحد على امتداد الزمن، فإن زاد المتأخر لم يأخذ إلا من المتقدم (…) الحقيقة التي يعينها الوضع الصحيح أن تلك المؤلفات إنما وضعت لتكون أدبًا، لا من معنى أدب الفكر وفنه وجماله وفلسفته، بل من معنى أدب النفس وتثقيفها وتربيتها وإقامتها، فهي كتب تربية لغوية قائمة على أصول محكمة في هذا الباب (…) والقارئ في كل ذلك مستدرج إلى التعريب في مدرجةٍ مدرجةٍ من هوى النفس ومحبتها، فتصنع به تلك الفصول فيما دُبّرت له مثلما تصنع كتب التربية في تكوين الخُلق بالأساليب التي أديرت عليها والشواهد التي وضعت لها والمعالم النفسية التي فُصّلت فيها.


 

[i] انظر في ذلك تمهيد (شوقي ضيف) لكتابه (العصر الجاهلي) فقد أشار في إيجاز شديد إلى التطور الدلالي لكلمة أدب منذ عصور العربية الأولى وحتى وقتنا هذا.

ابن خلدون و العرب: مفهوم الأمة العربية

 

عبد العزيز عبد الكريم طه الدّوريّ (1919-2010)، مؤرخ عراقي يعد شيخ المؤرخين وإمام التاريخيين. أغنى بعطائه التراث التاريخ العربي والإسلامي.

في الأعمال الكاملة له التي نشرها مركز دراسات الوحدة العربية و تحديداً الكتاب الثامن (أوراق في علم التأريخ) وهو مجموعة من مقالاته، تنتظم في باب البحث في التاريخ كعلم و مفهوم. و قد كان جهده منصبّاً على التاريخ العربي، ليُبرز خصوصية هذا التاريخ في مضامينه و في مصادره. بالإضافة لوقفته الجادة مع العلامة (ابن خلدون) في بعض القضايا كموقف (ابن خلدون) من العرب في مقالته: “ابن خلدون و العرب” و التي وطّد في مقدمتها مدخلاً لدراسة (ابن خلدون) فقال:
و أيّة دراسة لابن خلدون حريّ بأن تلاحظ أمرين: أولهما أن (ابن خلدون) استوعب التراث العربي الإسلامي و تمثّله. و الثاني أنه ابن عصره القلِق، اكتوى بمشاكله و حاول أن يقهمه و أن يعِي التحوّلات التي أدّت إليه.
و(ابن خلدون) (732هـ/1332م – 808هـ/1406م) مؤرخ أولاً، يبدأ بتعريف التاريخ و يُندد بقلة النقد فيه و ضعف أسلوبه لدى أسلافه ليضع قواعد النقد الدقيق.
و لاحظ (ابن خلدون) انقلاب أحوال المغرب في أواخر المئة الثامنة. و أثّر الطاعون الجارف في أواسط تلك المئة، مما أدى إلى انتقاص عمران الأرض في المشرق و المغرب، ولعله أدرك أفول الحضارة الإسلاميّة، فقال: “ و إذا تبدّلت الأحوال فكأنما تبّدل الخلق من أصله و تحوّل العالم بأسره، و كأنه خلق جديد و نشأة مستأنفة و عالم محدث، فاحتاج إلى هذا العهد من يُدون أحوال الخليقة و الآفاق و أجيالها و العوائد و النحل التي تبدّلت لأهلها
و ينتقل الدّوري لتقسيم كتب (ابن خلدون) بقوله:
وقد قسّم (ابن خلدون) تاريخه العبر إلى ثلاثة كتب: الأول هو (المقدمة)، و مقدمته الحقيقية هي التمهيد ( في فضل علم التاريخ و تحقيق مذاهبه و الإلماع لمغالط المؤرخين ) و الكتاب الثاني في أخبار العرب منذ بدء الخليقة إلى زمنه مع الإلماح إلى بعض من عاصرهم من الأمم، و الكتاب الثالث في أخبار البربر و من إليهم.
و إذا كان الكتاب الأول في فلسفة التاريخ و الاجتماع – فإن كتابيه الثاني و الثالث في التاريخ. لذا وصف الكتاب الأول بأنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم و مايعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، في حين إنه في بقية مؤلفه بتمثل الغكرة التاريخية الإسلامية التي ترى الهدف من التاريخ ” فائدة الاقتداء لمن يرومه في أحوال الدين و الدنيا “. و هو مفهوم يتفق في الأساس مع وجهة الطبري (الذي أفاد منه ابن خلدون في تاريخه) في الغرض من الكتابة التاريخية.
و يستطرد الدوري:
و من المتعذّر أحياناً فهم تفكير (ابن خلدون) التاريخي بالاقتصار على المقدمة، فقد أورد الكثير من الأمثلة التاريخيّة في المقدمة من دور العصبية أساسًا لتوضيح الفتنة الكبرى و لتطور مؤسسة الخلافة بعدها حتى تدهور السلطة العباسية.
كما أن فهم نظرته للأمة، و بالأخص الأمة العربية، لا يتضح دون الإفادة من تاريخه، فالتاريخ بنظره يوثقنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم و الأنبياء في سيرهم و الملوك في دولهم و سياساتهم.
فلئن ركز الطبري على تاريخ الرسل و الملوك، فقد أضاف (ابن خلدون) تاريخ الأمم.
و الأمّة عند (ابن خلدون) ترِد بمفهوم بشري في تصنيفه للبشر ( في تاريخه ) و في إطار تحليله لطبيعة العمران في ( مقدمته)، و يميزها من الملة التي تجمعها رابطة الدين أساساً. وهذا لا ينفي استعمالات قليلة لكلمة ” الأمة” : إشارة إلى الأمة الإسلامية.
و هو يُعطي الانطباع في مقدّمته بأن مفهوم الأمة واضح لا يحتاج إلى تحديد. و لكنه من ناحية أخرى، يشعر بأن مقومات الأمة نسبية و تحتاج إلى تحليل و متابعة.
و يُلاحظ (ابن خلدون) اختلاف الأمم في السمات و الشعائر ( الخصائص ) و يُورد رأي النسّابين في أن ذلك يعود إلى اختلاف الأنساب، و لكنه يرفض هذا المفهوم ليقرر أن تميّز الأمة قد يكون بالنّسب مرة كما للعرب و الفرس، و يكون بالجهة ( البيئة ) و السّمة كما للزنج و الصقالبة، أو يكون بالعوائد و الشعائر ( الخصائص ) و النسب كما للعرب، أو يكون بغير ذلك.
و أما في حديث (ابن خلدون) عن العرب فيُكمل بقوله:
فيعتبرهم أمة لها روابط أو مقومات. و مع أن هذه الفكرة تمثلت في الفكر العربي الإسلامي منذ القرن الثالث الهجري و تركزت حول اللغة و الطباع و السجايا، إلا أن (ابن خلدون) نظر إليها نظرة تاريخية و تتبع روابطها في إطار التطورات التاريخية ( سياسية، اجتماعية، اقتصادية) و قدّم نظرة شاملة.
و عن نظرة ابن خلدون في تكوين الأمة فهو يلاحظ ابتداءً أثر البيئة الطبيعية في كسب المعاش و في أسلوبه، و في الألوان و السّمات ( أو الصفات ) و في الأخلاق و العوائد بل و يمتد أثرها إلى الشؤون الدينية.
و قد تحدّث المسعودي قبله عن أهمية العوامل الجغرافية في التاريخ، و لاحظ أن السمات الطبيعية و الإمكانيات الفكريّة تتأثر بالأوضاع الجغرافية، و أعطاها الأثر الأول في الشّيم و الخلق. و لكن (ابن خلدون) ينتقده بأنه مجرد ناقِل لآراء جالينوس و يعقوب الكندي.
و يُؤكّد الدوري بأن آراء (ابن خلدون) في الأمة العربية يتبين أن نظرته ليست راكدة، بل تتصل بالحركة التاريخية للعرب، ابتداءً بالبداوة و امتداداً إلى الاستقرار فالحضارة و بخاصّة في إطار الإسلام و قيام الدولة الإسلامية و انحدارها.
و قد سُبِق (ابن خلدون) في كثير مما أورد من آراء. ففكرة انقسام البشر إلى أمم، و منها الأمة العربية، معروفة قبله توسّع فيها المسعودي . وتكوين الأمة العربية من شعوب و قبائل و طبقاتها أو أجيالها في التاريخ فكرة سبق إليها النسابون و المؤرخون. و تأكيد العربية و اعتبارها أساس النسبة إلى العرب فكرة بدأت بالإسلام واستقرّت منذ القرن الثالث الهجري. كما أشار البعض إلى أثر الاستقرار و التحضّر في ظهور لغات ( أو لهجات ) محلية قبله.
و لكن (ابن خلدون)، الذي استوعب التراث العربي الإسلامي، تميّز بنظرته التاريخية الشاملة و لذا نظر إلى مقوّمات الأمة العربية أو روابطها في إطار الحركة التاريخية، فلم يقرر مقومات واحدة ثابتة لها بل درس هذه الروابط و تتبّعها تاريخياً ليتبيّن الثابت و المتغيّر.
و تبدو النسب واضحة حين يعتبر روابط الأمة العربية النسب مرة والنسب و العوائد و الخصائص أخرى، فالحالة الأولى تشير إلى مرحلة البداوة و الحالة الثانية تصدق على مرحلة الاستقرار في صدر الإسلام ثم أتى إلى دور العربية، فأكد ارتباط العروبة بالإسلام، و رأى في العربية ( لغة و ثقافة ) رابطة تاريخية عبر العصور.