أرشيف الوسم: ابن رشد

اللغة العربية بين المعنى والتكلف اللفظي، في رأي توفيق الحكيم

توفيق الحكيم ٢

توفيق الحكيم (1898-1978) كاتب وأديب مصري، من رواد الرواية والكتابة المسرحية العربية ومن الأسماء البارزة في تاريخ الأدب العربي الحديث. في كتابه (زهرة العمر) والذي يقول عنه:

هذه رسائل حقيقية كُتبت بالفرنسية في ذلك العهد الذي يسمونه “زهرة العمر”، وهي موجهة إلى مسيو (أندريه) الذي جاء وصفه في كتابي (عصفور من الشرق). وقد بدأنا نتراسل بعد مغادرته (باريس) للعمل في مصانع (ليل) بشمال فرنسا. ولبثنا على ذلك ما بعد عودتي إلى مصر، والتحاقي بالسلك القضائي.

وهذه أحد رسائله إلى صديقه (أندريه)، الذي حمل اسم (إيڤان) في روايته (عصفور من الشرق). في رسالته هذه تحدث عن الأدب العربي، وبعض أفكاره في تراثها، يقول:

عزيزي (أندريه)،

إني الآن غارق في الأدب العربي .. أريد أن أدرس قضيته من أساسها .. أريد أن أعيد النظر في أمر اللغة العربية -لغتي- وأكشف أسرارها وأضع أصبعي على مواطن ضعفها وقوتها .. هذا الوقت هو خير وقت أستطيع في أن أرى وأميز وأحسن الحكم فلي عينان قد طافتا -منذ أمد ليس بالبعيد- بمختلف الآداب العالمية. ولقد نجحت فكرتي حقًا! .. إني أقرأ نصوص هذا الأدب في عصوره المتعاقبة بعين جديدة، عين عامرة بالصور، حافلة بالمقارنات، وبنفس رحيمة عادلة صابرة، تلتمس العلل والأسباب، وتطيل التريث والبحث، قبل أن تصدر الأحكام.

قبل كل شيء أحب أن أقول لك إن أولئك الذين علمونا اللغة العربية، في المدارس الابتدائية والثانوية، كانوا يجهلون لا معنى اللغة العربية وحدها. بل معنى اللغة على الإطلاق .. إنك لن تجد مستنيرًا في مصر لا يقول لك إن اللغة العربية -للأسف- قاصرة على التعبير في شتى ضروب العلوم والفلسفة والتفكير العالي، بل منهم من يقول أنها ليست لغة تفكير، إنما هي لغة بهرج وتنميق. لماذا؟ السبب بسيط: هو أن النماذج التي وضعت بين أيدينا -ونحن صغار- للبلاغة في اللغة العربية كانت كتبًا غثة المعنى متكلفة المبنى، لو كتب بها شخص اليوم لأثار سخرية الناس! .. نعم .. إنهم يعلموننا في المدرسة لغة إذا ما استعملناها في الحياة ضحك منا الناس! .. من ذا يستطيع بعد انتهاء دراسته أن يكتب رسالة على نمط (عبدالحميد الكاتب)، أو مقالًا أو بحثًا أو تقريرًا على طريقة (الحريري) دون أن يتعرض لسخرية الساخرين؟

ليس من اليسير أن أطلعك أو أترجم لك مثل هذا الأسلوب “النموذجي” .. ولكني أقول لك إنه أسلوب يستخدم اللغة استخدام الجواري للعود في مجالس الأنس والسكر.

أسلوب غايته قبل كل شيء أن يبهر السمع النائم ويطرب الأذن المسترخية! .. لست أدري! .. أيجوز أن تجعل لغة من اللغات وسيلة لهو وأداة براعة؛ كفنون المغنيين، وألعاب الحواة، أم أن اللغة أداة يسيرة لنقل الأفكار النبيلة؟ .. إني أفهم أن يضرب مثل هذا الأسلوب مثلا للضعف والسقم، لا للسلامة والبلاغة، فإن التكلف أبرز عيوب الفن، كان (جويو) يقول: “إن الرشاقة في فن الرقص هي أداة الحركة الجثمانية العسيرة، دون تكلف يشعرك بما بذل فيها من مجهود” .. تلك أولى خصائص الأسلوب السليم في كل فن .. حتى الحاوي الماهر هو ذاك الذي يخفي عن الأعين مهارته، ويحدث الأعاجيب في جو البساطة والبراءة .. لعل الكاتب الوحيد الذي ضربوه للطلاب مثلًا  فصدقوا هو (ابن المقفع) هي ترجمته (كليلة ودمنة). هذا الكاتب تصنع في أسلوبه هو الآخر ولكن بخفة ومهارة، وطلاه وجمّله ولكن بذوق وكياسة، فلم يبد عليه سماجة التكلف ولا ثقل الصناعة!

إنه ذلك الحاوي البارع! .. أو تلك الحسناء الذكية التي تطلي وجهها بالأصباغ، ثم تمسح أثرها الصارخ، فتظهر وكأن نضارتها نضارة الأصل والفطرة.

ثم يقول بعد ذلك:

على أنك إذا أردت أن تعرف حقًا جلال اللغة العربية ؛ في بساطتها وسيرها قدمًا نحو الغرض: فاقرأ عند الفلاسفة والمؤرخين العرب! .. أولئك عندهم حقيقة ما يقولون ؛ فهم لا يضيعون أوقاتهم وأوقاتنا في العبث اللفظي والطلاء السطحي ؛ إنما هم يحدثوننا في شؤون فكرية واجتماعية وأخلاقية دينية في لغة سهلة مستقيمة، لا لعب فيها ولا لهو ولا ادعاء.

وإني لأدهش كيف أن مؤلفين مثل (ابن خلدون) و(الطبري) و(ابن رشد) و(الغزالي) لم يعرضوا علينا قط في دراستنا للأدب العربي بالمدارس؟! […] لو أنه عرضت علينا صفحة واحدة مع شرحها، لكل فيلسوف بارز أو مؤرخ مشهور من فلاسفة العرب ومؤرخيهم ؛ لتغير رأي أكثر المستنيرين عندنا في اللغة العربية، وقدرتها على التعبير عن أدق الأفكار وأعلاها وأعمقها وأنبلها. أو ليس بهذه اللغة نقل (ابن رشد) و(ابن سينا) أعمق آراء فلاسفة الإغريق إلى أوروبا المتعطشة للمعرفة؟! .. أنتم معشر الفرنسيين فعلتم ذلك في تدريس الأدب الفرنسي!

ما من كتاب مدرسي -صغر أو كبر- لا يذكر فيه نماذج من أسلوب (مونتابي) الفلسفي، وأسلوب (روسو) الاجتماعي و(بوسويه) الديني و(فولتير) التاريخي ؛ بل حتى أسلوب (موليير) الفكاهي أحيانًا إلى حد التهريج!

ذلك أن المدارس الفرنسية أدركت أن تدريس اللغة يجب أن يشمل كل نواحي التعبير بها .. أما قصر تعليمها على نماذج البلاغة اللفظية الجوفاء ؛ فهو امتهان لكرامة اللغة، وانتقاص من قدرتها على الأداء!

الاستنباط عند الصوفية

iruxzzm

أورد عبدالوهاب عزام (1894-1959) في كتابه: التصوف و فريد الدين العطار (تحميل) – ويُعد الكتاب نفيسة من نفائس المذهب الصوفي – فصلاً عن تصوّف العطار والإسلام، والعطار من كبار المتصوّفة الفارسيين وقد نظم زُهاء أربعين منظومة في التصوف و أشهرها: منظومة منطق الطير.

يُوجز عزام طريقة الصوفية في الاستنباط فيقول:

” إن الصّوفية حينما استوى مذهبهم رجعوا إلى الإسلام يُفتشون عمّا يُواتي طريقتهم من الآيات، و يستخرجون ما يُلائم تفكرهم من الدقائق، ويؤولون آياتٍ تأويلاً يُحيلها عن معانيها الظاهر إلى معانٍ باطنة.”

و قبل تبيين طريقتهم في التأويل و الاستنباط نُقدم هذه الكلمة في التأويل عامة:

قد أوّل اليهود و النصارى التوراة و الإنجيل تأويلًا يُلائم بينها و بين العقائد الدينية التي اعتقدوها، و المذاهب الفلسفية التي ذهبوا إليها، وطرق التنسّك التي سلكوها، ومن نساكهم المؤولين إسحاق النينوي.

و كذلك فعلت فرق من المسلمين: فعله الفلاسفة و الشيعة و الصوفية.

و حسبنا من الفلاسفة ابن رشد في كتابه ” فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال “،

ففي هذا الكتاب يرى ابن رشد أن القرآن يُخاطب طبقات مختلفة من الناس؛ منهم من لايفهم إلا الظواهر و الأمور الخطابية، ومنهم الخاصة الذين يفهمون الحقائق و الأمور البرهانية، فوجب أن يلتمس معانٍ باطنة وراء المعاني الظاهرة في بعض الآيات!

و قد احتجّ لرأيه بالآية الكريمة:

( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) الآية.

أما الشيعة؛ فقد توسع بعضهم في هذا توسعاً و لاسيّما الباطنية؛ جعلوا لكل آية ظاهراً و باطناً، وأتوا ببواطن زعموها لاعلاقة بينها و بين الظواهر.

و أما الصّوفية؛ فقد ذهبوا في ميلهم المعروف إلى تجاوز الصور إلى الحقائق، و النفور من الظواهر و الأشكال، ذهبوا إلى تأويل يرد الأمور المحسوسة إلى المعنوية، أو أخذوا منها إشارات إلى أمور روحيّة.

و قد بلغ بهم التدقيق في المعاني القرآنية و الاستنباط منها أن اجتمع لهم جملة كبيرة من التفسير كما في تفسير سهل بن عبدالله التستري، بل كان من تدقيقهم و تلمّسهم الإشارات و المناسبات بين المعاني الظاهرة في الآيات و غيرها أن فهموا من الحروف المفردة دلالات، فكان فهمهم الآيات شبيهاً بالتفكير في موضوعها، والمفكّر يخرج من موضوع إلى آخر يُناسبه فيتسلسل الفكر إلى غير حدّ.

 

في كتاب ” اللمع ” لأبي نصر السراج باب للمستنبطات قال فيه:

المستنبطات ما استنبط أهل الفهم من المتحققين بالموافقة لكتاب الله – عزوجل – ظاهراً و باطناً، و المتابعة لرسول الله صلى الله ظاهراً و باطناً، والعمل بها بظواهرهم و بواطنهم.

فلما علموا من ذلك ورثهم الله – تعالى – علم مالم يعلموا، و هو علم الإشارة و علم مواريث الأعمال التي يكشف الله تعالى لقلوب أصفيائه، من المعاني المذخورة و اللطائف و الأسرار المخزونة و غرائب العلوم و طرائف الحكم في معاني القرآن و معاني أخبار رسول الله ….

 

و قال السراج في باب كيفية الاختلاف في مستنبطات أهل الحقيقة:

” إن اختلاف أهل الظاهر في الاستنباط يؤدي إلى الغلط، و الاختلاف في علم الباطن لا يؤدي إلى ذلك؛ لأنها فضائل و محاسن و مكارم، و أحوال و أخلاق و مقامات و درجات “

و معنى هذا: أن اختلاف الفقهاء – مثلاً – يؤدي إلى إصابة واحد و خطأ الآخر؛

لأنهم يبحثون عن أحكام ثابتة لأعمال معينة،

أما استنباط الصوفية فهو: أن يفهم أحدهم من أيّة إشارة إلى فضيلة أو خلق، ويفهم غيره إشارة أخرى إلى فضيلة أو خلق، وليس بين الإشارتين تعارض؛ لأن كل مافهمه المختلفون من هذه الإشارات مطلوب محبوب.

 

و ذكر السراج في باب آخر أمثلة من خطأ المستنبطين و صوابهم،

فذكر ممن أصابوا أبا بكر الشبلي: سُئل عن قوله تعالى: ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم )

فقال: ” أبصار الرؤوس عن محارم الله تعالى و أبصار القلوب عمّا سوى الله تعالى “

 

و يُعقّب السراج بقوله:

فأنت ترى أنه ذكر المعنى المقصود من الآية و تجاوزه إلى المعنى الثاني؛ و هو في نفسه حسن، ولكن لاتتضمنه الآية بالحقيقة أو المجاز، بل تدقيق الصوفية و التماسهم كل مناسبة؛ لبيان مقاصدهم أخرج من الآية هذا المعنى.

و هذا التفسير من طريق الفهم،

أما من طريق الإشارة ففي تفسير القرآن للتستري أمثلة كثيرة من تفسير الصوفية .

نورد منها على سبيل المثال لا الحصر :

 

1) في تفسير الآية: ( و اتّخذ قوم موسى من حُليّهم عِجلاً جسداً له خُوار )

” عجل كل إنسان ما أقبل عليه فأعرض به عن الله من أهلٍ وولد، ولايتخلّص من ذلك إلا بعد إفناء جميع حظوظه من أسبابه؛ كما لم يتخلص عبدة العجل من عبادته إلا بعد قتل النفوس.”

 

2) في تفسير الآية في قصة إبراهيم عليه السلام: ( و فَديْناه بذبحٍ عظيم )

” إبراهيم عليه السلام لما أحب ولده بطبع البشرية تداركه من الله فضله وعصمته حتى أمره بذبحه؛ إذ لم يكن المراد منه تحصيل الذبح، و إنما كان المقصود تخليص السر من حب غيره بأبلغ الأسباب، فلما خلص السر له و رجع عن عادة الطبع فداه بذبحٍ عظيم “