أرشيف الوسم: باروخ اسبينوزا

لوك فيري يبحث في معنى السعادة والإرادة الحرة

نتيجة بحث الصور عن لوك فيري

في بحث الإنسان عن معنى الحياة وسعيه لإدراك النفس البشرية تتطور الاسئلة حول الشعور بالسعادة في مساعي من المُفكرين والفلاسفة لالتقاط هذا الشعور وإيجاد سُبل تحقيقه. وهذه الرفاهية الذهنية تتجاوز كافة الكائنات الحية فالحيوانات سعيدة باتباعها غرائزها الأساسية والتي تدفعها للشعور بالأمان والطمأنينة، بخلاف الإنسان فتلك التلقائية بعيدة عنه، وكما يقول (كانط): “لو أرادت العناية الإلهية لنا السعادة لما منحتنا الذكاء”.

نتيجة بحث الصور عن لوك فيري مفارقات السعادة

(لوك فيري) -وهو فيلسوف فرنسي مُعاصر- يبحث في كتابه (مفارقات السعادة)، ويقارن ويقارب بين مختلف أقوال الفلاسفة والكتّاب في شأن السعادة. فالسعادة هدف متقلب وأيضًا هش. فبقدر ما أنه شعور فردي إلا أنه لا يرتبط بالفرد وحدة، بعيدًا عن البيئة المحيطة والآخرين. ويفنّد قول أن السعادة تنبع من الداخل فقط وأنه ليس ثمه سعادة في مجتمع تعس. 

نلاحظ أولاً أن السعادة مؤقتة وهشّة في الوقت ذاته، لأنه وبعيدًا عن أن السعادة تتوقف على اشتغالنا على أنفسنا وعلى انسجامنا الداخلي المفترض، هي ترتبط بشكل وثيق، على الأقل لو لم نكن متمركزين حول ذواتنا، بموقف الآخرين وخاصة بالظروف التي يحيا فيها مَن نحبّهم، وعلى حالة العالم الخارجي كذلك. وبالنسبة لغير المؤمن تتقيّد السعادة بالضرورة بحقيقة فناء البشر، وبالحقيقة التي لا مجال لإنكارها بشأن حتمية الانفصال والموت. فمهما فعلنا، سننفصل في يوم أو آخر عمن نعزّهم، وعن كلّ ما تعلقّنا به، والتوصية لأجل تجنّب مثل هذا التمزق بعدم الارتباط بأيّ شيء وتطبيق فكرة”عدم التعلق” تشبة إلقاء أنفسنا في الماء كي نتجنب المطر. وليس المقصود نفي الفضائل المحتملة لـ”الاشتغال على الذات”، وللقيام بتحليل ما، ولفهم أفضل للنفس وللعالم عبر الفلسفة والعلوم والأدب والفن، فمن المحتمل جدًا بل حتى من المؤكّد أنّ ذلك ينتج فهما ووعيًا أكثر بالذات، ويُفضي إلى حالة من الصفاء، ولكن هل بوسعه أن يحقق السعادة؟ أشكّ كثيرًا.

ويقول أيضًا أن السعادة ليست بعيدة المنال لكنها متعلقه برغباتنا المتناقضة والمتغيّرة، فلا يمكن -في كل الأحوال- الاتفاق على تعريفها بطريقة مُرضية دائمًا. وقد ذكر أبرز سبع نشاطات يجد الناس السعادة من خلالها ويبحثها في ضوء خطابات متعددة وهي أن تُحب، وأن تعجب بشيء ما -الدهشة، وأن تتحرر، وأن يتسع أفقك، وأن تتعلم وتبدع، وأن تعمل.

وفي تفكيكه لـ”الإرادة الحرة” والتي لا تنافي القَدر بل هي ما يفعله الفرد بالهبات والإمكانيات التي حازها منذ بداية وجوده، يذكر هنا في تعبير لما قاله (كانط) في تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق

سيستحيل علينا تقريبًا التفكير في الهبات والمواهب الطبيعية بوصفها تحمل في ذاتها قيمة أخلاقية ما، كما لو أنّ حقيقة كونك ذكيًا، أو ضخمًا، أو قويًا، أو جميلًا، أو ماهرًا في ما يخص النشاطات الجسدية أو حتى الذهنية تمثل في حد ذاتها فضيلة، بغض النظر عن قدرة هذه الصفات على إغوائنا أحيانًا على مستوى لا يرتبط بالأخلاق، مثل الأنشطة الرياضية والعلوم والفنون على سبيل المثال. بالنسبة لنا، نحن الجمهوريين المحدثين بموقفنا النقدي من الأخلاق الأرستقراطية، لا علاقة لهذا الإغواء بالأخلاق لأنه يرتبط بمجالات أخرى. حجة كانط هنا، التي تشغل بعض السطور فقط، تعبر فعلًا عن قطيعة حقيقة مع أفكار العالم الأرستقراطي: من البديهي أن القوة والذكاء والجمال صفات محايدة، فهي ليست جيدة ولا سيئة في ذاتها، لأن كل واحد يقرّ، لو أعمل تفكيره لحظة، أنّ بوسع الجميع استخدامها في فعل الخير أو إتيان الشر! […] إذا ليست الصفات الطبيعية للإنسان ما يُمثل الفضيلة، لكن ترتبط الفضيلة بما نصنعه نحن بهذه الصفات، بالحرية والعمل، أو كما قال (كانط) عن حق في النص الذي سنشرع في ذكره بـ“الإرادة الخيّرة”. ولهذا السبب وحده توصف هذه الإرادة بأنها “خيّرة”.

الحرية والتي تعني إمكانية الاختيار بين بدائل متنوعة تُضلل الفرد كما لم يكن (كانط) متفائلًا بشأن علاقتها بالسعادة ومن بعده (فرويد) و(نيتشه)، فيقّرون بأن فكرة حرية الإرادة مُضللة وتتسبّب فعليًا في تعاستنا.

فبعيدًا عن أن تكون عنصرًا يساعد على تحقيق السعادة، لا تكف فكرة الحرية عن إفساد الحياة بداخلنا وتغمرنا باستمرار في ما أطلق عليه (سبينوزا) “الأهواء الحزينة”: الأسف، والندم، ومشاعر الحزن، والمخاوف، والإحساس بالذنب، وكل المشاعر المرتبطة بمفهوم المسؤولية، والاعتقاد أنّه كان بوسعنا وربّما كان علينا أن نفعل ما فعلناه لكن بشكل مختلف، واتّخاذ قرار آخر واختيار بدائل أُخرى طالما كنا أحرارًا وبالتالي مسؤولين عن أفعالنا. ومن هنا نرى كيف أنّ الشيء الذي بمقدوره أن يسعدنا، وهو في هذه الحالة تمتّعنا بالحرية، هو ما يُحيلنا تُعساء أيضًا -وهي الفكرة التي أعتبرها، كما تفهمون الآن، المنطق وراء كل تفكير جاد نوعًا ما في مسألة السعادة.

وأخيرًا يقول أن الحرية اختبارًا لمسؤولية الفرد وفي معنى أن يكون إنسانًا.

من هنا ربما نشرع في فهم أنّه لو كان الحرمان من الحرية شراً، فتطبيقها لا يضمن تحقيق السعادة، وهي الفكرة التي اقترحتها في الصفحات الأولى من هذه الكتاب. وأن تكون حراً يعني أن تتحمل مسؤولية اختياراتك، وأن تأخذها على محمل الجد، وأن تشعر أنك مسؤول أكثر مما تشعر أنك بريء، ويقودنا ذلك أحيانًا، وهو ماتتطلبه التراجيديا، إلى التضحية براحتنا باسم القيم التي تفوق السعادة: الكرامة الإنسانية، ومقاومة القمع، ومقاومة الشمولية، والبربرية أو حتى وببساطة الالتزام بالدفاع عمّن نحب. وكما هو واضح دومًا، ما يجعلنا سعداء بوسعه أن يحيلنا تعساء أيضًا – لهذا، تغرق فلسفات السعادة حتمًا في نهاية المطاف، في سلمية زائفة بسبب افتقادها الحس التراجيدي.

بقلم: زينب الحربي
مراجعة: أحمد بادغيش

الخوف، الأمل والحنين، كأعداء للحياة الطيّبة، برأي لوك فيري

لوك فيري

لوك فيري، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(جيل دولوز) و(ميشال فوكو) وغيرهم، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة. في كتابه (أجمل قصة في تاريخ الفلسفة)، كتب  بأن كل الفلسفات تهدف إلى رسم “حياة طيّبة” كما اختار أن يعبّر. يقول:

أؤكد هذا الأمر لأنه هو الأساس بحق: كل الفلسفات الكبرى، بلا استثناء، لديها اهتمام بمسألة الحياة الطيّبة، المرتبطة دومًا، صراحة أو ضمنًا، بمسألة التغلب على ضروب الخوف، ولا سيما مسألة الموت والتناهي الإنساني. وبالفعل، قد لا يكون للمرء، من منظور شخصي، طبعٌ قلق. ولكن يبقى أن العمر قصير، وأنه إن تصورنا مع (اسبينوزا) أن الفلسفة هي “تأمل في الحياة، لا في الموت“، فلابد لنا من التساؤل، مهما يكن الأمر، عما يجدر بنا صنعه بحياتنا ما بين بدايتها ونهايتها، وكيف نُسيّر حياتنا على أفضل وجه في علاقة بالآخرين، ولاسيما بمن نحبهم ومن هم مثلنا فانون.

ثم يتطرق إلى أعداء تلك الحياة الطيّبة في فلسفته، فيقول:

لابد هنا من التذكير بأن الماضي والمستقبل في نظر اليونانيين يبدوان وكأنهما شرّان كبيران يٌثقلان على الحياة البشرية.

ثم يقول عن الماضي بأنه دائمًا ما يخلق واحة من الحنين، تبعدنا عن الحاضر، وتشوه نظرتنا إليه وإلى فهمه ومعايشته:

فالماضي يمنعنا من الإقامة في الحاضر، إما لأنه كان سعيدًا ويشدّنا في شباك الحنين، وإما لأنه كان شقيًا ويغرقنا في ما يسميه (اسبينوزا) بتعبير جميل “الأهواء الحزينة“، وفي ضروب الأسف والندم والخجل والشعور بالإثم، التي تصرفنا عن الفعل وتلجم مبادراتنا وتضعف قدرتنا على اغتنام الوجود والعيش في اللحظة الراهنة.

وعلى صعيد آخر، فالمستقبل هو الآخر يشدنا إلى حالة من الأمل، والتعلق بعالم خيالي، غير واقعي:

وعندئذ تساورنا الرغبة في الارتماء بين أحضان خيال وهمي آخر متجه هذه المرة نحو المستقبل: وهو الأمل. بيد أنه من وجهة نظر الفلسفة اليونانية الرومانية، ولا سيما من وجهة نظر الرواقية، لا يملك الأمل إلا أن يقودنا إلى الهلاك: إنه لا يزيف علاقتنا بالواقع الراهن فقط، وإنما يفرغه من قيمته المباشرة لفائدة تخمينات حول مستقبل غير مضمون. فإنه يظن المرء أنه سيصبح على حال أفضل حين يكون قد غيّر سيارته أو تسريحة شعره أو حذاءه أو أصدقاءه، أو سائر ما يريد، فذاك في نظر اليونانيين أكبر وهم.

فالحنين والأمل عدوّان للحاضر، يبعداننا عن الحياة الطيّبة التي نسعى إليها:

وبالفعل، فالحنين كما الأمل، والماضي كما المستقبل، كلها إن هي إلا عدم لأن الماضي زال والمستقبل لم يحِن بعد. فلا يمثلان إلا تقديرات خيالية تفقدنا البعد الواقعي الوحيد للزمن، وهو الحاضر، فنكاد لا نُقيم فيه أبدًا. وعلى حد تعبير (سينيك)، وهو أحد الرواقيين الكبار، فإننا من فرط العيش في الماضي أو المستقبل، “نفتقد الحياة“. وهنا نلتقى بمقولة (هوراس) الشهيرة: “اقطف يومك الحاضر، دون أن تتلهى عنه بمشاعر الغم على الآتي من الأيام أو الحنين إلى الماضي“. هذا ما يسميه (نيتشه): حب ما هو موجود، حاضر أمامنا، “حب المصير“.

من الحكمة إذًا معايشة الحاضر، بدلًا من الأمل المتعلق بالمستقبل، ومن الحنين أيضًا الذي يأخذنا إلى الماضي. فبمعايشة الحاضر نغدو قادرين بشكل أكبر على التصالح مع محدودية أعمارنا. فالموت بذلك يغدو مجرد حالة عبور من حالة إلى أخرى كما يقول:

فالموت ليس إلا حالة عبور، وانتقال من حالة إلى أخرى. فالحكيم الذي يفهم ذلك، يصبح قادرًا على التغلب على ضروب الخوف، بدءًا من الخوف من الموت. وتبعًا لذلك، لا شيء يمنعه من الإقامة في الحاضر بنفس مطمئنة.

والخوف هو العدو الأول للحياة الطيّبة، العدو الأول للحكمة، وهو المسبب الرئيسي لأن يغدو الناس حبيسين بين الماضي والمستقبل، بين الحنين والأمل:

وبهذا المعنى، يكون الخوف في نظر اليونانيين هو العدو الأول للحكمة. فهو، بتعبير بسيط، يحوّلنا إلى أغبياء وخبثاء ؛ أغبياء لأن دواعي خوفنا لا عقلانية في أغلب الأحيان، إن لم تكن حمقاء، فعندما تستبد بنا الحيرة، يشتد بنا ما يطلق عليه علماء علم النفس التحليلي “الرّهاب“، من البديهي أن هذا الرعب غير متناسب ويؤدي بنا إلى ردود فعل عبثية. إن الخوف، في الصيغة المتعارف عليها، هو “ناصح تعيس“. ولكنه يجعلنا أيضًا متمركزين حول ذواتنا، منغلقين تجاه الآخرين، إذ تحت وطأة الخوف، لا يفكر المرء إلا في ذاته، وهو على استعداد لأن يفعل أي شيء ليتقي الخطر الذي يهدده، إلى درجة ترك الآخرين في المواجهة، وحتى التضحية بهم. أما الحكيم، فهو نقيض المتخوف: إنه ذلك الشخص القادر على التغلب على ضروب الخوف، وبالتالي على التفكير بحرية، وعلى حب الآخرين والانفتاح عليهم. وهكذا تدركون أننا هنا نمسك بعدُ بإجابة رائعة عن مسألة الحياة الطيّبة.

إسبينوزا وحرية الإرادة

Spinoza

باروخ إسبينوزا (1632-1677) هو فيلسوف هولندي من أهم فلاسفة القرن 17. بالرغم من أن تأثيره في معاصريه كان ضئيلًا. لم تبدأ أهميته الحقيقية تقدر حق التقدير إلا في السنوات الأخيرة من القرن 18، عندما عرف (لسنج) و(ياكوبي) و(غوته)، وغيرهم من الباحثين الألمان أهمية إسهاماته. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، قام الأخير بشرح أهم أفكار (اسبينوزا)، اخترنا لكم منها فكرته عن الحرية، والتي يقول فيها:

لم يعتقد (اسبينوزا)، من حيث أنه فيلسوف آلي دقيق، في حرية الإرادة بمعنى اللحتمية. فكل حدث يقع يحدث بضرورة رياضية. وعندما لا نعي الظروف الخارجية ونعي فقط حالاتنا العقلية والجسمية، فإننا نتخيل أن أفعالنا تكون حرة، كاحجر، إذا كان لا يعي إلا حالاته الداخلية فحسب، فإنه يفترض أنه يحدد بإرادته الخاصة المجرى الذي يتبعه عندما يُلقى إلى الأعلى في الهواء.

ثم يشرح مقولته قائلًا:

وهناك، من ناحية أخرى، تمييز هام للغاية عند (اسبينوزا) بين العبودية البشرية والحرية البشرية. فطالما أن رغباتنا توجه في اتجاه الأشياء المتناهية والطارئة التي لا يمكن أن تشبع على الدوام فإننا نكون عبيدًا للظروف الخارجية ونكون ضحايا الأحداث. إننا نكون عبيد الانفعالات ودوافعنا وأفكارنا الغامضة، التي تدين بأصلها إلى علل لا نستطيع التحكم فيها.

أما عن كيفية التحرر من ذلك:

وفي إمكاننا أن نحرر أنفسنا من هذه العبودية عن طريق التفكير بصورة واضحة ومميزة. ودعنا نرى كيف يمكننا أن نفعل ذلك. لا شيء يسبب لنا الكآبة إذا عرفنا حتميته، وذلك أمر يمكن أن نفعله إذا فكرنا بطريقة عقلية، أعني بوضوح وتمييز. وإذا استخدمنا مثالنا لما يعنيه (اسبينوزا) لقلنا: إذا كان محتمًا على صديقك أن يموت، ومرضه لا يمكن الشفاء منه، فلا شيء يمكن أن تفعله أنت أو أي شخص آخر من أجل إنقاذه ؛ فمتى رأيت أن نتيجة هذا الحدث هي مسألة ضرورية مثل نتيجة 2+2=4، فإنك لن تحزن عليه بعد ذلك. وإذا استطعت أن تتأمل كل حدث من منظور الأزل (من حيث إنه يكون من منظور الأزل)، وتدرك أنه جزء من نسق لأحداث محددة بصورة مطلقة بوصفها نتاجات في جدول الضرب، فإنك لن تقلق عليه بعد ذلك، وسوف تتخلص من الألم الانفعالي.

يلخص ذلك بمقولته:

إن حرية الإنسان، من ثم، هي ببساطة مسألة قبول الكون، لأنك تفهم ضرورته الرياضية. ومتى تم ذلك، ستحصل على سلام العقل، ستتحرر من الانفعالات، وتكون قادرًا على أن ترد الشر إلى الخير.