أرشيف الوسم: اقتصاد

التعددية الثقافية تعني موت اليوتوبيا

راسل جاكوبي

ظهر مصطلح التعددية الثقافية في الولايات المتحدة خلال الثمانينيات للإشارة إلى مجتمع مثالي مبني على ثقافات متنوعة قائمة على الاعتراف والتعايش فيما بينها. المفكر الأميركي (راسل جاكوبي) 1945. أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا. في كتابه (نهاية اليوتيوبيا) يقول أن اختفاء الإيمان الطوباوي يفسد الحياة الشخصية والسياسية. في فصل خرافة التعددية الثقافية يقول:

إن التعددية الثقافية تقوم أيضاً بسد ثغرة ثقافية، فالليبراليون واليساريون قد جُردوا من اللغة الراديكالية، والأمل اليوتيوبي، وتراجعوا باسم أنهم يتقدمون للاحتفال بالتنوع. ولأن لديهم أفكار قليلة حول الكيفية التي يتشكل بها المستقبل، فقد احتضنوا كل الأفكار، زمن ثم يصبح التعدد هو السلة التي تحتوي كل شيء بداية الفكر السياسي ونهايته، وحين يلبس ثياب التعددية الثقافية يصبح أفيون المثقفين الواهمين، أيديولوجية عصر بلا أيديولوجية.
والمسألة ليست التعددية الثقافية ذاتها، فأفكار التنوع، وأقاربها: التعددية، والاختلاف، والكثرة الثقافية، والتعددية الثقافية، ليست أفكارا خاطئة ولا هي محل اعتراض، على العكس، هي أفكار صحيحة وذات جاذبية، والاختلاف والتنوع يميزان العوالم الطبيعية والفيزيقية والثقافية، ونحن عادة ما نبتهج للاختلافات أكثر من التماثل، ومعظم الناس، وربما معظم الفلاسفة كذلك، يفضلون التعدد والاختلاف على الكلية والإطلاقية.

ويبين إشكالية المصطلح فيقول:

من السهل أن تفقد التعددية الثقافية مدلولاتها. مدفوعة بفهم تجريدي “للثقافة” وفهم “شكلاني” للتعدد، تؤدي التعددية الثقافية إلى نشوء برامج وأفكار تقع بعيداً كل البعد وراء التطورات الاجتماعية والاقتصادية. مئات المقالات عن “الهوية الثقافية” تطرح إحالات إلى (دريدا) و(فوكو)، ومردودها محدود حول موضوعها، ومناقشات لا تنتهي حول التعددية الثقافية تنطلق من افتراض يفتقد الإثبات بإن ثقافات عدة متميزة تكوِّن المجتمع الأمريكي.
وقلة من المؤرخين والمراقبين فقط هم الذين يفكرون بأن العكس يمكن أن يكون صحيحا، بإن العالم والولايات المتحدة يمضون من دون توقف نحو التماثل الثقافي، لا الاختلاف. وعلى التفكير الجاد في قضية التعدد الثقافي أن يضع في اعتباره -على الاقل- تلك القوى التي تدفع -دون هوادة- نحو التجانس الثقافي، وأن يطرح الأسئلة “كيف يمكن أن يوجد التعدد في إطار التماثل؟”، “ما إمكان قيام ثقافات متعددة داخل مجتمع استهلاكي واحد؟” وأن تطرح السؤال يعني -جزئياً- أن تجيب عنه، لأن من الممكن أن يكون التنوع الثقافي والتجانس الاجتماعي مرتبطين على نحو معكوس. وقد تنشأ الدعوة إلى الهوية الثقافية كردة فعل لانطفائها.
أعان المفهوم المرن للثقافة على تقويض التعصب والتركز حول العنصر […] لكن الجدوى الاجتماعية لا تعادل الحقيقة. وثمة صك نظري لم يُدفع، وعلى مر السنين تصاعدت تكلفته. إن الرجوع إلى مفهوم تراتبي للثقافة أمر غير مطلوب، لكن التقدم نحو شيء من الدقة والتحديد قد يكون مطلوبا. مالم نضع في الاعتبار ما يميز ثقافة عن اخرى، سيهوي الحديث عن التعددية إلى مهاوي الخرافات والأوهام، وإذا كنا لا نستطيع أن نحدد ما يميّيز ثقافة ما، فكيف يمكننا أن نفهم العلاقة بين ثقافتين أو أكثر، أو التعددية الثقافية؟ ولنضع الأمر على وجهه الصريح: إن التعددية الثقافية تقوم على أصل ثقافي، هو الرفض أو العجز عن تحديد ما الذي يشكل الثقافة.
في ظل هذه الهزيمة النظرية، اتسمت الثقافة بطابع ذاتي أو شخصي، أصبحت الثقافة هي ما تريد أي جماعة أو أي باحث أن تكون. ولا أحد يجادل في أي جماعة من الناس تشكل ثقافة مستقلة. في الوقت ذاته، فإن الرطانة حول التنوع الثقافي تؤدي إلى تعتيم الحقائق الاجتماعية والاقتصادية، بإن تجعلها إما غير ذات دلالة وإما غير مهمه. فالقائلون بالتعددية الثقافية ينظرون إلى الثقافة وحدها، ولا يكادون يلقون بالا للحاجات والشؤون الاقتصادية. وكيف يمكن للثقافة أن تتغذى وتبقى بعيدا عن العمل وإنتاج الثروة؟ وإذا كان هذا غير ممكن: كيف يمكن فهم الثقافة دون أن نضع في الإعتبار تشابكها والحقائق الاقتصادية؟
إذا وضع الهيكل الاقتصادي للثقافة على الطاولة فربما توقفت الثرثرة حول التنوع، فسوف يتضح أن الثقافات المتنوعة تعتمد على البنية التحتية نفسها. فماذا يعني أن ثقافتين مختلفتين تتشاركان في أنشطة اقتصادية متطابقة؟ وما الذي يعنيه أن تكون نفس الوظائف والمساكن والمدارس وطرائق الترفية والحب تغذي ثقافتين في غياب التعدد الاقتصادي؟
إن البناء الاقتصادي للمجتمع الصناعي المتقدم او الرأسمالي أو القائم على اقتصاد السوق، هو العامل الثابت غير المتغير، فقلة هم القادرون على تخيل مشروع اقتصادي آخر، والموافقة الصامتة على هذا تقول الكثير عن التعددية الثقافية، وليس ثمة رؤية سياسية أو اقتصادية أخرى تغذي التنوع الثقافي. من أكثر المدافعين صلابة عن الأفارقة، إلى أكثر المدافعين صلابة عن حقوق المرأة، كل الفرقاء لديهم معتقدات متشابهة فيما يتعلق بالعمل والمساواة والنجاح. إن سر التنوع الثقافي كامن في التماثل السياسي والاقتصادي. والمستقبل مثل الحاضر مع مزيد من الاختيارات، والتعددية الثقافية تعني موت اليوتوبيا.

ويقول بما أن التعددية الثقافية مصطلح يمكن توجيهه من أيا كان في خدمة مصالحهم فإنها قوة سياسية لا تعني التعايش بل الهيمنة أو الانصهار ضمن ثقافة مهيمنة. ومدى الدمج السياسي الذي يتجاوز الحدود الوطنية ومن اشكال عولمة الاقتصاد.

واضح أن التعددية الثقافية شأن سياسي، ولكن… كيف على وجه التحديد؟ بشكل أساسي، وكما ذكر الراديكاليون والأكاديميون، فإن السياسة -ببساطة- سلسلة من الشعارات حول التهميش والسلطة والخطاب والتمثيل. هذه المصطلحات تشير إلى مشكلات حقيقية، ولكنها تفشل في تحديد أي سياسات معينة. الجماعات الهامشية والمهمشة تطالب بالسلطة أو التمثيل، ولكن كيف يعكس هذا الأمر اختلافا ثقافيا أو رؤية بديلة؟

ما هو سبب التعصب الديني المعاصر؟ جلال أمين يجيب

جلال أمين

جلال الدين أحمد أمين عالم اقتصاد وأكاديمي وكاتب مصري، تعد سلسلة “ماذا حدث للمصريين” من أشهر كتبه وأكثرها انتشارًا. في الكتاب الأول من هذه السلسلة، تناول فيه إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع المصري بالخصوص، والمجتمع البشري ككل. من هذه التغيرات التي تطرق إلى كان التعصب الديني، والذي يقول بأنه كان ظاهرة فردية بالسابق، إلا أنه والآن صار ظاهرة مجتمعية تستحق الدراسة، ولذا أفرد فصلًا في كتابه للحديث عنها. يقول مبتدئًا حديثه:

إن مطلبًا أساسيًا من مطالب الإنسان، في كل زمان ومكان، وأيًا كان جنسه أو لونه أو سنّه، ومهما كانت درجة “تقدمه” أو “تخلفه“، الشعور بأنه “ذو قيمة” أو الشعور باحترام الذات. إنه مطلب يكاد يعادل إشباع حاجته الجنسية أو حاجته إلى الغذاء. وهو يبدو مستعدًا للذهاب إلى أبعد مدى لتحقيقه، وأن يضحي بأغلى الأشياء من أجله. وإنه قد يشقى العمر كله من أجل أن يشعر بأنه “ذو قيمة“، ومن أجل هذا الشعور، ولا لسبب غيره، قد يدخر الإنسان ويجمع الثروات، ويحرم نفسه من متع الحياة، ويسافر إلى أقصى أطراف الأرض، وقد يتزوج أو يمتنع عن الزواج بسببه، ينجب الأطفال أو يتبناهم، ويسعى لوظيفة أو يرفضها .. إلخ. ومن أجل هذا الشعور يرتدي الإنسان رداء دون غيره، ويتزين أو لا يتزين، ويبالغ في هذا أو لا يبالغ. بل إنه قد يضرب أو يقتل أقرب الناس إليه إذا كان هذا يقربه من الشعور بأنه “ذو قيمة“، وقد يلجأ إلى خلق الأوهام لنفسه وقد يعيش طول حياته في عالم موهوم تمامًا، لا علاقة له بالحقيقة، بل قد يجنّ ويفقد عقله كلية إذا فقد الشعور بأنه ذو قيمة، بل قد يكون الجنون نفسه هو وسيلته الوحيدة للحصول على هذا الشعور.

أما بالنسبة إلى هذا الشعور، فهو شعورٌ يعتمد على الآخر بشكل كبير، ويستمد وجوده من الآخرين بشكل كبير، يقول:

فالشعور بأني “ذو قيمة” يفترض وجود شخص واحد غيري على الأقل، أي وجود مجتمع (إذ نادرًا ما يعتمد الإنسان في الحصول على هذا الشعور على الحيوان، وإن كان تعلق البعض بحيواناتهم الأليفة وسرورهم الشديد بأن حيواناتهم تميّزهم عن بقية الناس وتفتقدهم وتسرّ برؤيتهم يستند على الأرجح إلى هذا الشعور نفسه). إني أستمد شعوري بأنني “ذو قيمة” من نظرة الناس إليّ، ورأيهم فيّ، وموقفهم مني، ومن ثم فنجاحي أو فشلي في الحصول على هذا الشعور يتوقف على نجاحي أو فشلي في إقناع الناس بأني ذو قيمة، ومن ثم يتوقف أولًا وأخيرًا على سلوك اجتماعي.

ينتقل بعد ذلك إلى محور حديثه الأساسي، ألا وهو التعصب الديني، فيتساءل بدايةً معلقًا على بعض الأحداث التي كانت في تلك الفترة:

ما الذي يجعل مجموعة من الناس تسير في الشوارع وهي تهتف بأن أفراد طائفة أخرى، مخالفة لها في الدين، هم “أعداء الله“؟ ثم يهاجمون دور العبادة لهذه الطائفة المخالفة فيشعلون فيها النار، ويبعثون الخوف في هؤلاء إلى درجة تدفع امرأة منهم إلى أن تلقي بنفسها من ارتفاع عشرة أمتار، أو أن يلقوا هم بها من هذا الارتفاع، كما روت بعض الصحف؟

الأمر يصل إلى درجة الهوس الحقيقي، وهو يحمل في طياته درجة لا يستهان بها من الغضب أو الحقد أو الكراهية المستمدة في رأيي من هذا الشعور الذي وصفته في البداية، تلك الحاجة الماسة لدى المرء إلى الشعور بأنه ذو قيمة: حاجة استبدت به إلى تأكيده أو خوف مستطير من أن يفقده.

يبتدئ هذا التعصب -كان دينيًا أو غير ذلك- من لغة الخطاب، وطريقة نظرة الإنسان إلى غيره، وتحول فكرته عن غيره من المخالفين. وبذلك يستمد الإنسان هويته وتقديره الذاتي من الانتقاص من غيره. يقول د. (جلال أمين):

قد يلجأ المرء لاكتساب هذا الشعور أو تأكيده، إلى ارتكاب كثير من الصغائر. فكثير جدًا من ميلنا إلى التقليل من شأن الآخرين، بما في ذلك الإمعان في انتقاد الناس من وراء ظهورهم، والمبالغة في تضخيم أخطائهم الصغيرة، والتغاضي عن حسناتهم، والميل إلى رؤية عيوب الآخرين بدلًا من حسناتهم، كل هذا يؤكد لنا شعورنا بأننا “ذو قيمة“، وذلك عندما يعز علينا أن نكتسب هذا الشعور من أي طريق آخر غير التقليل من قيمة الآخرين. قد يكون هذا بالضبط أحد المشاعر الأساسية وراء هذا الحماس المفرط لدى المتعصب لإهانة أفراد الطوائف الأخرى والتقليل من شأنهم، ووصفهم بأنهم “أعداء الله“، فهنا يستمد المتعصب شعوره بأنه ذو قيمة في الإمعان في تقليل قيمة الآخرين. والتجاؤه إلى ذلك هو التجاء اليائس إلى التعلق بآخر طوق للنجاة يمكن أن ينقذ به نفسه، إذ قد يبدو غريبًا أن يكون المصدر الأساسي أو الوحيد لشعور المرء بأنه ذو قيمة ليس التدين نفسه، ولا رؤية الآخرين له وهو “يتدين“، بل مجرد انتسابه اسمًا إلى دين يختلف عن دين بعض الناس الآخرين، مع أن مجرد انتسابه إلى هذا الدين لا يرجع إلى فضل خاص له هو شخصيًا، أو إلى أي جهد أو عمل قام به، بل لقد وُلد عليه لأن أباه كان كذلك.

يتساءل بعد ذلك: ما هي الظروف الاجتماعية التي قد تساعد على انتشار هذا التدني من محاولة إثبات الذات، ومحاولة اكتساب الرضا عن النفس عن طريق تحقير الآخرين وإذلالهم إلى هذا الحد؟

وبحكم تخصصه، فيميل تفسيره إلى الجانب الاقتصادي-الاجتماعي أكثر. فيقتبس د. (جلال أمين) بدايةً من دراسة اجتماعية عن الجماعات المتطرفة، قام بها د. (سعد الدين إبراهيم)، خلصت في النهاية إلى أنه “من الممكن أن نقول باطمئنان أن معظم أفراد هذه الجماعات المتطرفة ينتسبون إلى الطبقة الوسطى، أو المتوسطة الصغيرة“، كما تشير إلى أنه “من الواضح تمامًا أن المستوى التعليمي لأفراد هذه الجماعات هو أعلى من المستوى التعليمي الذي حققه آباءهم“، أي أنهم من الشرائح التي حققت درجة من الصعود الاجتماعي في غمار عملية الحراك الاجتماعي.

يعلق د. (جلال أمين) على تلك المقولات بنظرته الاجتماعية-الاقتصادية:

إن هذه الشرائح الاجتماعية من الطبقة المتوسطة، لا تتمتع بالرضا عن النفس الذي تتمتع به الطبقة الجالسة على قمة الهرم الاجتماعي، أو تلك الشرائح العليا من الطبقة الوسطى الفخورة بما حققته من صعود حديث، والسعيدة بما حققته من نجاح سريع، ولا تتمتع بشعور الطمأنينة والرضا الذي تشعر به الطبقات القابعة في أسفل السلم الاجتماعي لأنها تتطلع كثيرًا إلى أعلى، وتستمد رضاها عن نفسها من أشياء أخرى ليس من بينها تحقيق مركز نسبي معين في السلم الاجتماعي.

فالطبقة الغنية برأيه معتزة بغناها ومكانتها الاجتماعية، وعلى الجهة الأخرى فالفقراء لا يطيلون النظر فيما ليس بين يديهم. وفي النهاية، فالطبقة الوسطى في ظل العولمة والتسويق المبالغ فيه للأشياء وتوسيع دائرة الاحتياجات، هي الأسهل لأن تصاب بعدم الرضا عن النفس، نتيجة كل ما تعتقد بأنه ينقصها، ولذلك فهي الطبقة الأقل تماسكًا من هذه الناحية. يتابع كلامه عن الرضا الذاتي وعن علاقته بالتشدد، فيقول عن حال الفقراء والطبقة الوسطى مع الإيمان:

إن من بين مصادر الرضا عن النفس لدى تلك الطبقات الدنيا، التدين والإيمان بالله، وإني لأزعم أن تديّن هذه الطبقات الأخيرة هو أصدق وأكثر عمقًا وأقل نفاقًا، بصفة عامة، من تديّن الكثيرين من أفراد تلك الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى التي ارتكز الحديث عليها، والتي تشعر بسخط شديد على المجتمع وعلى نفسها في نفس الوقت لعجزها عن اللحاق بمن لا تعتبرهم أفضل منها، وتفزع أشد الفزع من احتمال سقوطها إلى مستويات دنيا كانت تطمح إلى تمييز نفسها عنها.

إني أزعم أن هذا الاهتزاز العميق للثقة بالنفس، والضعف الشديد الذي أصاب شعور المرء بأنه “ذو قيمة“، وما أصاب أعدادًا غفيرة من الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى من ذعر من أن يكونوا قد فقدوا أي اعتبار في نظر الآخرين، كما فقدوه في نظر أنفسهم، أزعم أن هذا قد يكون السبب الداخلي الأساسي وراء ما يُسمى في مصر بـ”الفتنة الطائفية“.

يختتم حديثه، باقتباس أخير عن الفيلسوف الفرنسي (باسكال)، يقول فيه:

إن هذا الإنسان إذ يود لو كان عظيمًا، ويرى نفسه ضئيلًا، ويود لو كان سعيدًا، ويرى نفسه شقيًا، ويود لو كان كاملًا، ويرى نفسه مليئًا بالنقائص، ويود لو حصل على حب الناس وتقديرهم، ويرى أن نقائصه وأخطاءه لا تستحق منهم إلا الامتعاض والاحتقار، يعاني الشعور بالإحباط والحرج مما يولّد فيه عواطف ومشاعر بها من الحقد والظلم والإجرام ما لا يمكن تخيله، إذ أنه يشعر بكراهية قاتلة إزاء تلك الحقيقة التي اكتشفها، والتي تخبره بأنه هو الملوم، والتي لا تفتأ تذكره بنقائصه.

 

سر فقر الدول الفقيرة عند تيم هارفورد

philosophy

تيم هارفورد إقتصاد و صحفى إنجليزى مؤلف كتاب (المخبر الإقتصادى) الذى بيعت منه ملايين النسخ و حقق نجاحاً كبيرًا، و فى هذا الجزء يتحدث عن سر فقر الدول الفقيرة و قد اتخذ دولة الكاميرون كمثال و يقول  :

لماذا لا نرى الشعب الكاميرونى يحاول أن يفعل شيئاً حيال ذلك ؟ ألا تستطيع المناطق الكاميرونية تحسين مدارسها ؟ ألا تزيد المنافع عن التكاليف ؟ ألا يقدر رجال الأعمال الكاميرونيين على بناء المصانع و إستيراد التكنولوجيا و البحث عن شركاء أجانب .. و جنى الثورة من كل هذا ؟!
من الواضح أن الإجابة لا . أوضح مانكور أولسون أن حكم اللصوص يعوق النمو فى الدول الفقيرة . فإذا كان الرئيس لصاً ، فقد لا يسبب الهلاك بالضرورة لشعبه ، بل إنه قد يفضل دفع عجلة الإقتصاد حتى يحصل على نصيب كبير من كعكة أكبر . و لكن بوجه عام فإن أعمال السلب و النهب سوف تنتشر ، إما لأن الدكتاتور غير متأكد من طول الفترة التى سيظل فيها فى الحكم ، أو لأنه يبغى السماح لأتباعه بالسرقة لكى ينعم بتأييدهم المستمر .
و تحت سفع هرم الثروة ، تفشل التنمية لأن قواعد المجتمع و قوانينه لا تشجع المشروعات أو الأعمال التجارية التى ستكون للصالح العام . فإن أرباب العمل لن يمارسوا أعمالهم التجارية بشكل رسمى – لصعوبة ذلك – و بالتالى لا يدفعون الضرائب ، و مسئولو الحكومة يطلبون تنفيذ مشروعات لا معنى لها ، إما بهدف الوجاهة أو بهدف إثراء أنفسهم ، و تلاميذ المدارس لا يمانعون من الحصول على مؤهلات غير مفيدة .
وليس من الجديد أن نسمع عن الدور المهم عن الفساد و الدوافع الغير مناسبة ، و لكن ربما من الجديد أن نكتشف أن مشكلة الأنظمة و القوانين الملتوية لا تشرح فقط بعضاً من السبب وراء الهوة بين الكاميرون و الدول الغنية ، و إنما تشرح السبب بأكمله .
فالدول أمثال الكاميرون تجد حالتها أقل بكثير من إمكانياتها و طاقاتها ،  حتى لو أخذنا فى الإعتبار بنيتها التحتية الضعيفة أو إستثماراتها الضئيلة أو حدها الأدنى من التعليم . و لكن الأسوأ من هذا أن شبكة الفساد تحيط بكل جهد لتطوير تلك البنية و جذب الإستثمار و الإرتقاء بمستوى التعليم .

و حول تحديد حقيقة ما ينقص الكاميرون  خاصة – و الدول الفقيرة عامة – لتحقيق التقدم يقول :

لم نصل بعد إلى رأى مناسب يمكنه تحديد ما ينقص الكاميرون أو ماينقص فى الحقيقة الدول الفقيرة فى العالم . ولكن بدأت تلوح لنا فكرة عنه ، إذ يسميه البعض ” رأس المال الإجتماعى ” و أحياناً ” الثقة ” و يسميه آخرون ” حكم القانون ” أو ” الأعراف ” . و لكن ليست كلها إلا مجرد مسميات . فما يزيد مشكلة الكاميرون تعقيداً هو أن حالها مقلوب رأساً على عقب – مثلها فى ذلك العديد من الدول الفقيرة – حيث أن معظم مواطنيها يحبون القيام بالأعمال التى تسبب الضرر للآخرين سواء بشكل مباشر أو غير مباشر .
لقد أصيبت الحكومة بإنهيار المعايير ثم أصيب بها المجتمع بأسره .
و الآن ها قد بدأنا نفهم قدر أهمية المشكلة ، و يمكننا البدء فى دفع الأمور نحو الأفضل . و لكن مقاومة الحلول متأصلة فى طبيعة المشكلة ، و لهذا فإن معالجتها عملية شاقة بطيئة . لا يستسيغ عقلنا فكرة فرض الديمقراطية بالقوة ، و حتى إذا فعلنا ذلك ، فستتولد أنظمة لن تٌكتب لها الإستمرارية .
بالتأكيد لا يمكن حل هذه المشاكل بين عشية و ضحاها ، ولكن بعض الإصلاحات البسيطة – التى يصاحبها قدر يسير من الإرادة من رجال السياسة – يمكنها تحويل الدول الفقيرة مثل الكاميرون للسير فى الإتجاه الصحيح .