أرشيف الوسم: الأخلاق

جاك دريدا وفلسفته عن الكذب

دريدا

جاك دريدا (1930-2004)، فيلسوف فرنسي من مواليد الجزائر، صاحب نظرية التفكيك.

في محاضرة ألقاها (دريدا) في الجامعة الدولية للفلسفة بالعاصمة الفرنسية باريس، تحدث (دريدا) عن الكذب من منظور فلسفي. وقد تُرجمت هذه المحاضرة إلى العربية في كتاب حمل عنوان (تاريخ الكذب)، من ترجمة الأستاذ (رشيد بازي).

يقول (دريدا) في محاضرته:

فالكذب لا يعني على العموم الخطأ والغلط، فبإمكاننا أن نخطئ أو نغلط دون أن نكون قد كذبنا، وقد يحدث أن نمدّ الآخرين بمعلومات خاطئة، دون أن يعني ذلك أننا قد كذبنا عليهم. فعندما ننطق بأقوال خاطئة أو مغلوطة ونحن نعتقد أنها صحيحة، ونوصلها إلى الآخرين دون أن نقصد خداعهم، فنحن لا نكذب. فلا يكفي أن نصرح بأقول أو نعبر عن أفكار وآراء خاطئة نعتقد على الأقل، في قرارة أنفسنا أنها صحيحة لنكون كاذبين.

ومن ثمة يجب علينا التطرق إلى مسألة النية أو النية الحسنة، والتي سبق لـ(القديس أغسطين) أن أشار إليها في افتتاحيته لرسالته المعنونة بـ(في الكذب). فهو يقترح التمييز بين الاعتقاد والاقتناع، وهذا التمييز يكتسب بالنسبة لنا اليوم وبصفة متجددة أهمية قصوى. الكذب على الآخرين يتضمن الرغبة في خداعهم، وذلك حتى إذا كانت أقوالنا حقة. والحال أنه بإمكاننا أن ننطق بأقوال خاطئة، دون أن نكون كاذبين، وأن نقول أقوالًا  حقّة الهدف منها خداع الآخرين ونكون آنذاك كاذبين.

وعندما نعتقد أن ما نقول صحيح ونؤمن به، فلا يمكن أن نكون كاذبين، حتى في حالة كون أقوالنا خاطئة. فعندما يؤكد (القديس أغسطين) بأنه “إذا قال أحد قولًا  يعتقد أنه صحيح، أو هو على اقتناع بأنه حق، فهو لا يكذب حتى في حال ثبوت خطأ ذلك القول”.

ثم يقول في موضع آخر:

ففعل الكذب يعني أننا نتوجه بالكلام إلى الآخرين، لكي نسمعه قولًا  أو مجموعة من الأقوال الإنجازية Performatifs أو أقوال المعاينة Constatits، نعرف وفق وعي بيّن وهادف وحالي بأنها ادعاءات خاطئة جزئيًا أو ربما كليًا. هذه المعرفة وهذا العلم وهذا الوعي ضروريين لفعل الكذب. وحضور هذه المعرفة لا يتعلّق فقط بمحتوى ما يُقال، بل كذلك بمحتوى ما نحن ملتزمين به تجاه الآخرين، بحيث أن فعل الكذب يبدو للكاذب كليًا على أنه خيانة وأذى وتقصير في رد دين أو قيام بواجب. 

[…] هذه الأفعال المقصودة يُقام بها دائمًا اتجاه الآخرين قصد أولا وقبل كل شيء خداعهم، أو إلحاق الأذى بهم، أو تضليلهم، وذلك بمجرد دفعهم إلى اعتقاد أشياء يعرف الكاذب أنها خاطئة.

ثم يستشهد مرة أخرى بمقولة أخرى لـ(القديس أغسطين):

نحن لا نكذب عندما نزعم أشياء خاطئة نعتقد أنها صحيحة […] ونكون كاذبين عندما نزعم أشياء صحيحة، نعتقد أنها خاطئة. وذلك لأنه لا يمكن الحكم على مدى مطابقة الأفعال للأخلاق إلا من خلال المقاصد.

فالكذب هو نوع من الخداع، وخيانة لاتفاق ضمني بين المتحدث والمستمع على قول الحقيقة. يقول (دريدا) في هذا:

الكذب يتخذ طابعًا انحيازيًا، وذلك لأنه يتضمن في الوقت نفسه وعدًا بقول الحقيقة وخيانة لذلك الوعد، ويرمي إلى خلق الحدث والدفع إلى الاعتقاد، في حين أنه لا يوجد أي شيء قابل للمعاينة، أو على الأقل بإمكان المعاينة احتواءه بصفة شاملة، إلا أن هذه الإنجازية تقتضي في الوقت نفسه الإحالة على القيم كالواقع والحقيقة والخطأ، وإن كان يفترض أنها لا تخضع لأي قرار إنجازي.

كما أن شرطًا آخر للكذب، هو الدراية بالتضليل، أي النطق بخلاف الواقع، أو ما يُعتقد بأنه واقع. يقول (دريدا) في موضع آخر من محاضرته:

من البديهي أن الكاذب يعرف الحقيقة، وإن كان لا يعرف كل الحقيقة فهو على الأقل يعرف حقيقة ما يفكر فيه، ويعرف ما يعزم على قوله، ويعرف كذلك الفرق الموجود بين ما يفكر فيه وما يقوله، أي أنه يعرف بأنه يكذب.

كافكا عن الحب والصبر

كافكا

الصبر هو المفتاح. على المرء أن تكون لديه العاطفة تجاه كل شيء، وأن يسلّم بكل شيء أيضا، لكن عليه أن يُبقى على الصبر والتحمل.

في إحدى صباحات مارس من سنة 1920، زار التشيكي (غوستاف جانوش) مؤسسة للتأمين حيث كان يعمل والده. وقد كان الهدف من زيارته تلك هو الالتقاء بزميل أبيه، الشاعر ذو السبعة عشر عاما، مؤلف رواية (المسخ): (فرانز كافكا)، والذي عمل في تلك الشركة مدة اثنتي عشرة سنة.

هكذا بدأت صداقة الرجلين التي توصف بأنها غير متوقعة وغريبة نوعا ما. قضى الصديقان السنوات الأربع الأخيرة من حياة كافكا في السير لمسافات طويلة عبر المدينة، جاعلان حديثهما عن الأدب والحياة. وبعد فترة طويلة من وفاة صديقه قام (جانوش) بنشر مجموع تلك المحادثات عام 1951 تحت عنوان (محادثات مع كافكا) . ما جعل هذه المحادثات مميزة هو أن معظم ما قيل فيها يتعارض مع الصورة المألوفة لـ(كافكا) كشخص ارتبط اسمه بالسوداوية والكآبة.  يعلل (جانوش) ذلك بقوله : “لعل ذلك يرجع إلى أن كلينا كان مستمتعا بحديثه مع الآخر”. لقد أيقظ القلب المتفائل للشاب (جانوش) أجزاء خامدة في روح (كافكا)، الأمر الذي أضفى كثيرا من الرونق والبهاء على نقاشاتهم.

الفن صلاة، هو يد ممدودة في الظلام، تبحثُ عن نفحة رحمة تحولها إلى يد تهب النعم، أما الشعر والحب فكما يقول (غوته): “هو كل يعنينا نحن البشر”.

وعن شقاءات الحب المشؤومة ، يقدم (كافكا) تعريفا رائعا للحب ومجازفاته، ويقول:

هو خافض ورافع في آن معاً. وهو بالرغم من كل شيء بسيط جدا، فالحب هو كل ما يقوي، ويُوسع، ويثري حياتنا. في أوجه وفي أعماقه، ليس للحب معضلات جمة، شأنه كالسيارة، المشاكل الوحيدة هي السائق، أو الركاب، أو الطريق. وكما نعلم، فلا شيء غير هذه الثلاثة يمكن أن يتسبب في حادث.

وبشهادة ما كتبه من رسائل حب جميلة مليئة بالعذابات فقد كان لـ(كافكا) علاقة حميمة مع الأسى والحسرة، ولعل سبب ذلك هو أن “الحسرة هي ما تجعلنا ناضجين” كما يقول. فالتجربة الفريدة لـ(كافكا) هي ما سمحت له أيضا بأن يكون الناصح الأمين لـ(غوستاف) بعد طلاق والديه الذي سبب له الضيق وأرداه بقلب ممزق يائس من إمكانية وجود سعادة في الحب. مرددا اعتقادا لـ(نيتشه) بأن الحياة الرغدة تتطلب قبول الصعوبات، حثّ (كافكا) الشاب (غوستاف) أن يبقي على عواطفه حاضرة قائلاً:

“كن هادئا وحليما، دع الشر والبغض يمر خلالك بهدوء، ولا تحاول تجنبهما. ولكن في المقابل، تأملهما بعناية وأعمل ذكائك بدل ردود الفعل الهوجاء، وسوف تتغلب على مشاكلك. ليس بإمكان الرجل أن يحقق العظمة إلا إن تغلب على ضعفه”

ووجهة نظر (كافكا) هذه تذكرنا بما قاله (جون ستينبك) عن الحب ناصحاً ابنه المراهق:”إذا كان حقيقيا، فسوف يكون” ويضيف: ” احذر أن تتعجل،  فالشيء الجيد لا يبتعد

يخبر (كافكا) الشاب (غوستاف) أيضا ويقول:

الصبر هو المفتاح. على المرء أن تكون لديه العاطفة تجاه شيء، وأن يسلّم بكل شيء أيضا، لكن عليه أن يُبقى على الصبر والتحمل فلا شيء أفظع من الانكسار. إنها مسألة غَلَبة، وهي تبدأ من أن يتغلب واحدنا على نفسه. وهذا أمر لا يمكن تجنبه، لأن تجاوز هذا الطريق يتطلب قطعه. يجب على المرء أن يقبل كل شيء بصبر، وأن يترك الصبر يكبر داخله. فلا يمكن كسر حواجز الأنا إلا من خلال الحب. الإنسان وهو محاط بحفيف الأوراق الميتة، عليه أن يرى لون الربيع الأخضر الطري، أن يعوّد نفسه على الصبر، وينتظر. فالصبر هو الأساس الحقيقي الوحيد الذي يوصل الأحلام للحقيقة.

يضم (محادثات مع كافكا) مجموعة أحاديث قيمة، قاتمة في كثير من الأحيان، وساطعة في أخرى، وعميقة للغاية في كل أجزائها، فهي تنبع من أكثر العقول المعقدة والمقنعة التي أفرزتها البشرية.

[المصدر]

حديث أرسطو عن الوسطية كطريق إلى السعادة

تمثال أرسطو

أرسطو (٣٨٤ق.م – ٣٢٢ق.م) فيلسوف يوناني، تتلمذ على يد (أفلاطون)، وقام بتعليم (الاسكندر الأكبر) ابن الملك المقدوني (فيليب). وأنشأ مدرسة (اللوقيون) التي قام فيها بتدريس الأحياء والعلوم الطبيعية. كما كتب (أرسطو) في مواضيع متنوعة ومن كتبه العلمية: (الطبيعيات)، (علم الظواهر الجوي)، (أجزاء الحيوان). ومن كتبه الفلسفية: (الاخلاق)، (السياسة)، (العلم الإلهي).

يقول عنه (ويل ديورانت) في كتابه: (قصة الفلسفة): “إن من مآثر (أرسطو) أنه قام بوصل خطين من الفكر وهما الفيزيائي والأخلاقي. حيث أمسك مرة ثانية بحبل التطور العلمي الذي اتخذ طريقه باليونان في الفترة السابقة لأيام (سقراط)، وجمع النتائج المتراكمة وواصل أعماله بتفصيل أكثر حزما ً، وملاحظات واستقصاء أكثر تعدداً، وجمع كل النتائج المتراكمة في مجموعة هامة من العلم المنظم.

ينقل لنا (ديورانت) حديث أرسطو إلى تلاميذه عن الأخلاق والطريق إلى السعادة. حيث أنه لما كَثُر التلاميذ الشباب حول (أرسطو)، بدأ بالاتجاه إلى المسائل الأخلاقية، ورأى بأن السؤال الأكثر أهمية هو ما هو الطريق الموصل إلى الفضيلة والسعادة؟

تميزت نصائح (أرسطو) بالواقعية حيث، لم يكن يبحث مُثل الكمال العليا الغير قابلة للتطبيق. ولما كان مدركا ً بطبيعة البشر كان يقول:

هدف الحياة ليس الخير في حد ذاته، بل السعادة، لأننا نختار السعادة لذاتها لا لشيء أخر، ونحن نختار الشرف، والسرور، والادراك لأننا نعتقد اننا نصل عن طريقها الى السعادة.

ويأمل (أرسطو) بأن الطريق الموصل للسعادة يكمن في إجابة سؤال ما الذي يميز الانسان عن غيره من المخلوقات الحية؟ فهو يعتقد بأن الانسان يبلغ السعادة عندما يتحلى بصفته الخاصة المميزة له عن بقية الكائنات.

يمتاز الانسان عن غيره بقوة فكره التي بفضلها يتفوق ويحكم جميع اشكال الحياة الأخرى، وبما ان نمو وتطور هذه المقدرة على الفكر مكنته من السيادة، لذلك يمكننا ان نفترض ان تطور هذه المقدرة الفكرية سيحقق له السعادة.
عندئذ يكون العقل شرطا ً للسعادة باستثناء قضاء بعض اللوازم الجسدية.

ثم يكمل بالحديث عن الوسطية كطريق الى الفضيلة والسعادة:

تتوقف الفضيلة أو بالأحرى الفضل على الرأي الواضح وضبط النفس وتناسق الرغبات وفن الاعتدال، وهي ليست ملكا ً للإنسان البسيط أو هبة للقصد البريء ولكنها نتيجة خبرة الانسان المتطور تطورا ً كبيرا ً.

ومع ذلك هناك طريق لبلوغ السعادة، ومرشد لبلوغ الفضل قد يوفر علينا الكثير من التأخير والعناء. وهو الطريق الوسط، أو الوسط الذهبي، حيث تُنَظم الأخلاق في شكل ثلاثي يكون الطرفان الأول والأخير فيه تطرفاً ورذيلة. والوسط فضيلة أو فضل. وهكذا يكون بين التهور والجبن فضيلة الشجاعة، وبين البخل والاسراف فضيلة الكرم، وبين الكسل والجشع فضيلة الطموح، وبين البخل والإسراف فضيلة الكرم، وبين الكتمان والثرثرة فضيلة الأمانة، وبين الكآبة والمزاح فضيلة البشاشة، وبين محبة الخصام والتملق فضيلة الصداقة. عندئذ لا يختلف الصواب في الأخلاق والسلوك عن الصواب في الرياضيات والهندسة، حيث يعني الصحيح والمناسب وأفضل عمل لأفضل نتيجة، على كل حال فإن الوسط الذهبي ليس كالوسط الرياضي، أي متوسط محكم النقيضين محسوبين بدقة. ولكن يتذبذب مع الظروف المحاذية لكل وضع، ويبدي نفسه للعقل الناضج المرن فقط. إن الفضيلة فن يمكن كسبه بالمران والعادة.

ويضيف (أرسطو) أن التحلي بالفضيلة كأسلوب حياة هو شرط للسعادة:

هذه الفضائل تتشكل في الإنسان بعمله لها. إننا عبارة عن عما نفعله دائما ً. إن الفضل أو الخير بالإنسان هو عمل النفس بالطريق إلى الفضيلة طيلة حياته. وكما أن ظهور عصفور الجنة أو السنوفو أو وقوع يوم صحو من الأمطار لا يعني أننا في فصل الربيع، لذلك لا يكفي يوم واحد أو زمن قصير لجعل الانسان صالحاً أو سعيداً.

ثم يعلق (ديورانت) بأن التفريط أو الإفراط قد يصدر من الإنسان نتيجة سوء فهمه للفضيلة بمعناها الصحيح، فيقول:

عندما يرتكب الشباب خطاً فإن هذا الخطأ يجنح إلى التطرف والمبالغة وبهذا فإن الصعوبة في موقف الشباب هي في الخروج من تطرف والوقوع في تطرف معاكس له، وقد رأينا وسمعنا مثل هذه المواقف تحدث بكثرة في مجتمعنا هنا. فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون المرور بالوسط الذهبي إلا قليل منهم وبعد خوض تجارب مريرة وانكسارات روحية ومعنوية لأن التطرف الواحد يؤدي بسهولة إلى الآخر سواء بسبب زيادة التقويم أو غيره.

أولئك الذين يشعرون بتطرفهم في أمر من الأمور لا يطلقون اسم “الفضيلة” على الوسط ولكن على الطرف المقابل لتطرفهم وقد يكون هذا أمراً حسناً في بعض الأحيان لأننا إذا كنا نشعر بأخطائنا في أمر واحد متطرف ينبغي أن نوجه هدفنا إلى الآخر وبهذا قد نصل إلى الموقف الوسط كما يفعل الناس في تقويم جذع الشجرة المنحني، ولكن المتطرفين الذين لا يشعرون بتطرفهم ينظرون إلى الوسط الذهبي على أساس كونه رذيلة فيتقاذفون الإنسان المعتدل كما يتقاذفون الكرة فالجبان على سبيل المثال يعتبر الشجاعة تهوراً واندفاعاً وينظر المتهور للشجاعة على أنها جبن وضعف وقس على ذلك بقية الأمور

ستيوارت ميل، في حديث عن المُتع الدنيا والعليا

جون ستيوارت مل (1806-1873) هو فيلسوف واقتصادي بريطاني. في كتابه الشهير (النفعية)، والذي يُعد أساسًا لفهم النظرية الأخلاقية المعاصرة، تحدث عن الكائن الحي، والمتعة، فيقول:

لا نزاع حول الحقيقة المفيدة أن الكائن الذي قدرات تمتعه منخفضة، له الحظ الأعظم بتحقيقها وإشباعها بشكل كامل. والكائن ذو القدرات العالية سيشعر، وبشكل دائم، بأن أي سعادة يتمكن من طلبها هي ناقصة، كما هو تركيب العالم. غير أنه غير قادر على أن يتعلم وأن يتحمل عيوبه وشوائبه، إذا أمكن تحملها، وهي لن تجعله يحسد الكائن الذي ليس واعيًا بالعيوب والشوائب، فالأفضل أن يكون إنسانًا مستاءً وغير راض لا خنزيرًا راضيًا. الأفضل أن يكون سقراط المستاء ولا يكون مغفلاً راضيًا. وإذا كان للمغفل أو الخنزير رأي مختلف، فمرد ذلك أنهما لا يعرفان سوى ناحيتهم من المسألة. أما الطرف الآخر فهو، بالمقارنة معهم، يعرف الناحيتين.

وقد يُعترض بالقول، إن كثيرين قادرين على اللذات العليا وقد يؤجلونها أحيانًا من أجل الدنيا. غير أن هذا يتسق مع تقدير كامل للعلو الحقيقي للذات العليا. وغالبًا مايختار الناس، لعيب في الشخصية، الخير القريب، بالرغم من معرفتهم أنه الأقل قيمة. وهذا لا يحصل عندما يكون الخيار بين لذتي جسديتين بأقل مما يحصل عند الخيار بين لذة جسدية ولذة عقلية. فهم يسعون وراء الانغماسات الحسية لحد الأذية بصحتهم، مع وعيهم الكامل بأن الصحة هي الخير الأعظم.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

وقد يُعترض باعتراض إضافي بالقول، إن الكثيرين الذين يبدأون بحماس شبابي لكل شيء نبيل، يغرقون مع تقدم الزمن في الكسل والأنانية. غير أني لا أظن أن أولائك الذين يمرون بذلك التغيير العام يختارون طوعيًا الوصف الأدنى للذات بدلاً من الوصف الأعلى لها. وأعتقد أنهم قبلوا تكريس أنفسهم، حصريًا، لإحداهما، ذلك أنهم صاروا عاجزين عن الآخر. فالقدرة على المشاعر النبيلة هي عند معظم الطبيعيات كنبته سريعة العطب، وقتلها سهل، ولا يكون ذلك مقتصرًا على المؤثرات المعادية، وإنما للحاجة إلى التغذية والإعالة وهي تموت بسرعة عند أكثرية الشبان، إذا كانت الوظائف التي وضعهم فيها مركزهم في الحياة، والمجتمع الذين رموا فيه غير صالحين للحفاظ على تلك القدرة العليا على التمرين. فالبشر يفقدون مطامحهم العليا حالما يفقدون ميولهم الفكرية، لعدم وجود وقت أو فرصة لديهم للانغماس فيها، ويكرسون نفوسهم للذات الدنيا، ولا يكون ذلك لأنهم يفضلونها عن قصد، وإنما لأنها تكون الوحيدة المتاحة لهم، أو لأنها الوحيدة التي لم يبق لهم سواها ليتمتعوا بها.

الفلسفة و الأخلاق من منظور د.طه عبدالرحمن

1329261627

طه عبد الرحمن، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة  والأخلاق. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينات من القرن العشرين.

 

كيف ينظر الدكتور طه عبدالرحمن في مسألة الفلسفة والأخلاق من حيث أن الفلسفة هي في أصلها نظرية أقرب ماتوصف بأنها عمليه، وهذا قد لا ينطبق على الأخلاق من حيث أنها سلوك والسلوك أمر لا يفسر لمجرد النظر بل أقرب ما يكون بالعمل، يرد على ذلك قائلاً:

بدون شك هيمن على الفلسفة تصور ما، كان هذا التصور هو أن الفلسفة نظر استدلالي، بحيث لا نحتاج إلا لاستخدام العقل والنظر للوصول إلى الحقائق سواء بالكونيات أو الغيبيات أو السلوكيات. لكن لو نظرنا لهذا التصور، لوجدناه يخل بمقتضى منطقي وهو أن النظر المجرد لايمكن أن يحكم على السلوكيات، لأنه يحتاج أن يتحقق بخصائص السلوكيات لكي يتمكن من الحكم عليها. أي لابد للفسفة أن تكون مصحوبة بالعمل، حتى تفتح في العمل أفاق جديدة لم تكن فيه لما كانت الفلسفة نظراً مستقلاً عن العمل. لأن العمل يؤثر في النظر، من حيث أنه ينشئ استدلالاً جديداً في النظر واستشكالات في القضايا. وحين يكون النظر أخ العمل ولا ينفك عنه عند ذلك نقول أن الفيلسوف له الحق أن يحكم في السلوكيات وأن يحكم كذلك على الغيبيات.
لذلك لا نستغرب أن العالم الاسلامي لما تلقى الفلسفة أسماها الحكمة لأن الحكمة مخروطة بالعمل بشكل كامل بل تعد مرتبة،و ليست فقط مرتبة يتأطر فيها النظر بالعمل، بل يصبح العمل هو الذي يوجه النظر وليس العكس.
ونستطيع أن نقول بأن العمل هو ليس إلا جملة سلوكيات وهذه السلوكيات يمكن أن تكون موصوفة بالخير أو الشر أو الحسن أو القبح. وحين ذاك فإنها تعتبر داخلة في باب الأخلاق. إذن فكل سلوك يخضع أو يكون محط الحكم عليه بالخير أو الشر يعد خلقاً من الأخلاق. بمعنى آخر، أن الأفكار لابد أن تكون مصحوبة بالأخلاق حتى تحقق الفلسفة كما عاشها التراث الاسلامي، بل أقول أن بعض المدارس اليوناينة كالرواقيين كان تصورهم للفلسفة تصوراً عملياً، ونحن اليوم أحوج مانكون إلى استحضار هذا التصور العملي للفسفة لأسباب موضوعية موجودة في واقعنا، أي لايمكن أن ننشئ فلسفة بالنظر المجرد والواقع أمامنا يتحدانا بإشكالات وعوائق كبيرة ملموسة واقعية. بل نحتاج تجاوزها، ولايمكن تجاوزها بالفكر المجرد بل لابد من فكر قد انطبع وتشكل بالعمل تشكلاً كاملاً.

فالأخلاق على هذا الأساس ينبغي فيها مراجعة المسلمات التي بنيت عليها، لأن التصور للفلسفة كان تصوراً نظرياً والأخلاق كانت تعتبر لمحة نظرية، فإذا اعتبرنا أن الفلسفة من مقتضاها المنطقي أن تجمع بين العمل والنظر فمن الواجب مراجعة مسلماتها التي انبنت عليها الأخلاق، ومن هذه المسلمات:

أولاً: أن الأخلاق هي صفات كمالية يعني لا يضر فقدها الإنسان بل يمكن أن يستغنى عنها أحياناً بل هي بمنزلة ترف لا ننضر بعدم حصوله. ولكن الواقع ليس كذلك، لأن الأخلاق هي صفات ضرورية جوهرية يختل بفقدها ليس فقط نظام السلوك بل نظام الحياة، فلو تصورنا أن مجتمعا ليس فيه تمسك بالأخلاق والقيم سنعتبره مجتمع غير حي،أي لا حياة فيه.

ثانياً: تصور الأخلاق أنها صفات محدودة وأنها تشكل فقط جزء من السلوك الانساني، أن هناك أفعال نصفها بالأخلاق وأفعال لا نطبق عليها وصف الأخلاق وهذا كذلك غير مسلم ومعترض عليه. الأخلاق تشمل جميع أفعال الإنسان ابتداء من الفعل النظري; الفعل النظري فعل خلقي من حيث أنه يقتضي بموجب أن لنا بصر، فإذن يقتضي أن ننظر في المصلحة التي يجلبها لنا أو المفسدة التي يدفعها عنا، إنه بذلك الاعتبار يعتبر فعلا خُلقيا دافع للمصلحة.

كيف نستطيع أن نعتبر أفعال العقل هي أفعال خُلقية؟ يجب د. طه عبدالرحمن عن ذلك قائلا:

مادامت جميع أفعال الإنسان بما فيها أفعال العقل أفعال خلقية، فيلزم أن يكون العقل جزء من الأخلاق، بحيث يصبح العقل تابع للأخلاق. أي أن قابلية الأفعال النظرية والفكرية للتقويم الخُلقي هي مايجعل العقل تابعاً لمجال الأخلاق. بل أكثر من هذا، حيث أن التصرفات التي تعد تصرفات لا أخلاقية هي لا توصف على أنها تصرفات لاعقلانية بل توصف بأنها لا إنسانية، حين نقول بأنه تصرف لا أخلاقي فإنه يعتبر تصرف لا إنساني. أما حين نقول أنه تصرف لاعقلاني لا يلزم عنه أنه تصرف لا إنساني. فمثلا قد نقول هذا “إنسان” تصرف تصرفاً لا عقلانياً وليس هذا “إنسان” تصرف تصرفاً لا أخلاقياً. أي كلما زاد الإنسان أخلاقية اعتبرناه زيادة في انسانيته لكن لا نقول أنه كلما زاد في تقدم العقل زادت انسانيته، لأن زيادة تقدم العقل قد يضر بالإنسانية متى دمر هذا العقل الإنسان.

على ماذا يستند د.طه عبدالرحمن ليثبت أن الأصل في الأخلاق هو الدين، يجيب عن ذلك قائلاً:

أن ايمانويل كانت (كانط) علمن الأخلاق، أي فصلها عن الدين وأدخل عليها التعقيل -التحليل والتنظير- العقلي. وهذا لا يمنع أن الأصل في كثير من المفاهيم أن تكون دينية. ونحن نستطيع أن نجد ذلك -أي عقلنة الأخلاق- حياً اليوم في حياتنا مثلا: مفهوم ( التضامن) هو مفهوم أخلاقي ديني ولكنه الأصل فيه (الإحسان) عند المسيحين و (آلتراحم) عند المسلمين. فمبدأ (التراحم) أدخلت عليه الصفة العقلية ليصبح هو (التضامن). ومثال آخر: وهو مفهوم (المواطنة) هذا المفهوم هو علمنة لمفهوم (الأخوة). كانت هو في الحقيقة فصل الأخلاق عن الدين وهي موصولة أصلاً وفصلاً ليستجيب لمقتضى الحداثة و الأنوارية و مقتضى فكّر بنفسك ولا تنتظر وصاية أحد عليك. هي مسألة استيلاء العقل على أمور دينية وصرفها صرفاً عقلانياً.
لكن في الحقيقة هو أن الدين الأصل، لأن القيم الأخلاقية هي مُثل لاوجود لها في الواقع. لا هي وقائع ولا هي مجردات من الوقائع كما تجرد الكليات من الجزئيات. ولا أكتفي بالقول بأنها مُثل، بل هي معاني مشخصة في داخل الإنسان ليست مُثل في عالم خارج الواقع ومن هنا أقول بأن وظيفة الوحي كانت لخبرنا بوجود هذه المعاني وكيفية التصرف وفق هذه المعاني. ولماذا نقول أن هذه هي وظيفته بالضبط؟  لأن الوحي لم ينزل إلينا ليخبرنا عما يستطيع العقل أن يصير إليه مثلاً من حقائق كونية بل جاء ليخبرنا بالحقائق المعنوية التي فُطرنا عليها والتي ينبغي أن نسلك حياتنا وفقها، حيث أن وظيفته ليست التعريف بالكونيات -الملكيات- بل التعريف بالآيات -الملكوتيات- يعني القيم الأخلاقية التي هي آيات أُودعت في نفس الإنسان بإرادة الله سبحانه وتعالى.

للإستزادة:
مسارات:في الفلسفة والأخلاق
سؤال الأخلاق – طه عبدالرحمن