أرشيف الوسم: علم الأخلاق

قواعد السلوك عند أندريه جيد الشاب

يجب أن نسعى كبشر لتحقيق غاية واحدة فقط، وأن نستمر في هذا المسعى بلا توقف. فمن المؤكد عند ذلك أننا سنحصل على ما نريد.

يُعد المؤلف الفرنسي (أندريه جيد) (1869 – 1951) أحد الكتاب الأكثر تأثيرًا في القرن العشرين، ويرجع ذلك إلى حدٍ كبير وعلى نحو يدعو إلى المفارقة، إلى إيمانه الراسخ بأن الكاتب الكبير يجب عليه دومًا أن يسبح ضد تيار عصره. لقد كرّس حياته لمشكلة الحرية الشخصية، وأصبح نصيرًا مخلصًا للمضطهدين. ولطالما كانت أعماله بمثابة الإلهام للإصلاحات القضائية في “الكونغو” كما ساعدت في تخفيف قبضة الاستعمار، وكانت تدعم عملية إصلاح السجون، وتحقيق ظروف أكثر آدمية للمسجونين، ووضعت الأساس الفلسفي للمساواة في الزواج قبل قرنٍ من تحقق تلك المساواة قانونيًا. وكانت ضريبة ذلك الإخلاص الذي تمتع به (أندريه جيد) في قول الحقيقة بشجاعة في وجه السلطة هو تعرضه المستمر وعلى نحوٍ ممنهج لازدراء المؤسسة الأدبية، فكان بعيدًا كل البعد عن ترشيحات الجوائز المختلفة، ولكن  حدث وقبل وفاته بفترة قصيرة أن قامت الأكاديمية السويدية بمنحه جائزة نوبل في الآداب لما أبداه من “حب شجاع للحقيقة وفهم نفسي عميق لها”، ولكن حتى بعد تسلمه لتلك الجائزة أعلن جيد الذي كان يبلغ من العمر الثامنة والسبعين حينها وبفخر لأحد الصحفيين أنه لو طُلب منه التنازل عن أيًا من أعماله التي كانت تقوّض السلطة حتى يتأهل للحصول على هذا الوسام المرموق لكان غض الطرف بسعادة “عن جائزة نوبل”.

لكننا لا نجد هذا “الحب الشجاع للحقيقة والفهم النفسي العميق لها” على نحوٍ أكثر وضوحًا ودقةً منه في تلك العقود الستة من حياة جيد التي كرسها لكتابة يومياته التي خطّها وسردها في إطار نظرة داخلية متعمقة لذاته تعكس على نحوٍ رائع الفكرة التي تقول “كلما زادت رغبة الشخص في التطرق إلى أدق تفاصيل حياته زاد انتشاره على المستوى العالمي”، ولا يمكننا أن نجد هذه الحياة التي تدّب في أعمق أعماق جوهر شخصية جيد وفهمه الأكثر عالمية للخبرة البشرية بشكل كامل و أكثر ثراءً إلا في كتابه: يوميات أندريه جيد.ففي ذلك الكتاب وجدت الكاتبة الشابة سوزان سونتاغ ما اسمته “تلك المشاركة الفكرية المثالية” كما كتبت في يومياتها الخاصة“انتهيت من قراءة هذا الكتاب في الثانية والنصف صباحًا من اليوم ذاته الذي حصلت عليه فيه، كان عليّ أن أقرأه ببطء أكثر، ويجب أن أقرأه مجددًا عدة مرات.”، ولم تكن سونتاغ الوحيدة في ذلك الشعور، فلا يمكن التوقف عن تكرار قراءة يوميات جيد باستمرار مثلما لا يمكن إنهاؤها دون الشعور بالتحوّل التام.

في إحدى اليوميات الأولى من يوميات شهر نوفمبر من عام 1890 نجد المؤلف البالغ من العمر 21 عاماً فقط يتصارع مع تلك المهمة التي ستصبح فيما بعد مهمة البحث المميزة في حياته بوصفه مفكرًا وكاتبًا: إنها السعي نحو وضع إطار أخلاقي يجمع بين الحرية وضبط النفس، فنجد جيد يحدد بشكل مفصل ما يطمح إليه لتحقيق السلوك القويم فيكتب:

لا أزال أخرقًا، فيجب أن يكون هدفي ألا أكون أخرقًا إلا عندما أريد ذلك، فيجب أن أتعلم أن أظل صامتًا…يجب أن أتعلم أن أتعامل مع ذاتي بجدية، وألا أنظر إلى نفسي بغطرسة، وأن يكون لدي عينين أكثر تنقلاً ووجه أقل تنقلاً، يجب أن أكبت ضحكتي عندما ألقي النكات، وألا أصفق لكل النكات التي يلقيها الآخرون عليّ، وألا أبدي الود للجميع دون تحيز، يجب عليّ أن أربك غيري في اللحظة المناسبة و بتعبيرات جامدة، وعلى وجه الخصوص يجب عليّ ألا امتدح شخصين بالطريقة ذاتها، يجب عليّ أن استخدم طريقة مختلفة تجاه كل فرد ولا أخالف تلك الطريقة إلا عندما أريد ذلك.

ويقدم لنا جيد تحت عنوان “قواعد السلوك” موجزًا لتلك الالتزامات الأخلاقية التي فرضها على نفسه:

النقطة الأولى هي: ضرورة وجود القاعدة.

ثانياً: تتوقف الأخلاق على وضع ترتيب هرمي للأشياء، ومن ثم استخدام الأقل منها للحصول على الأعلى، وهذه هي الاستراتيجية المثالية.

ثالثاً. لا تفقد غايتك مطلقًا، ولا تفضّل وسيلتك دائماً.

رابعاً. أنظر إلى نفسك على أنك وسيلة، وبالتالي لا تفضّل نفسك مطلقًا بوصفك الغاية المختارة على العمل.

(وعند تلك المرحلة سيكون هناك فراغًا سيثور فيه السؤال عن طريقة اختيار العمل وحرية اختيار ذلك العمل. ولكن… هل يمكن للشخص الاختيار؟)

كما يضيف جيد تحذيرًا آخر ضد التركيز على الذات بوصفها الوسيلة:

التفكير في خلاص الذات: أنانية.

يجب على البطل ألا يفكر حتى في خلاصه الذاتي. وذلك لأنه قد نهض طوعًا و على نحوٍ مهلك ليكرّس نفسه للآخرين وليتحمل اللعنات من أجل الآخرين، وكل ذلك فقط لكي تنجلي الحقيقة وتظهر.

وبعد عدة أشهر وفي ربيع عام 1891 يعود (أندريه جيد) إلى مسألة الانضباط في إظهار الغاية عن طريق الوسيلة فيضيف:

يجب أن نسعى لتحقيق غاية واحدة فقط، وأن نستمر في هذا المسعى بلا توقف. ومن المؤكد عند ذلك أننا سنحقق ما نريد، لكني كنت أرغب في كل شيء وبالتالي لم أحصل على شيء، وفي كل مرة كنت أكتشف ـــــ وبعد فوات الأوان ــــ أن شيئًا ما كان يجيئ إليّ بينما كنت أركض وراء شيء آخر.

ثم يقرر:

ليست هناك حلول وسط (سواءً أخلاقية أو فنية)، ولعل من الخطير للغاية بالنسبة لي أن أستمر في رؤية الآخرين، وذلك لأن لدي دائمًا رغبة هائلة لإرضاء الآخرين، ربما أني في حاجة إلى الخلوة… (ولكن يجب ألا تكون ثمة “ربما” في مسائل السلوكيات. فلا حاجة لعلامات الاستفهام.أن أجيب على كل شيء مقدمًا، يالها من مهمة مضحكة! ياله من طيش!).

وياله من إنذار شخصي يقدمه لنفسه أخيراً بين قوسين ويمثل فكرة “الاحتمالات” في دلالة على رغبة جيد المستمرة في زيادة فكره تعقيدًا وتناقضًا، وهي موهبته الأعظم في يومياته التي تُعد كنزًا أبديًا في فهم النفس البشرية والثقة الإبداعية.


[المصدر]

روسو: أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر!

جان جاك روسو (1712-1778) هو كاتب وأديب وفيلسوف من سويسرا، يعد من أهم كتّاب عصر التنوير في القرن الثامن عشر. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب، وألهمت أجيالًا من الإصلاحيين لإحداث تغييرات في النظم السياسية لبلدانهم. 

في كتابه (عقيدة قس جبال السافوا) أو (دين الفطرة)، تحدث بصيغة خطاب “يلقيه قس من جبال السافوا على مسامع شاب فقد الإيمان وكاد يتحول إلى صعلوك زنديق بسبب المآسي التي عاشها“.

عرض (روسو) في كتابه “ثنائية الخير والشر”، وكيف أن من طبيعة الإنسان أن يكون في حالة تذبذب بين عنصرين مختلفين “الخير والشر“، فهو إما مقيدٌ بأغلال الشهوات، أو حرٌ طليق بانجذابه لصوت الضمير:

أتأمل طبيعة الإنسان أنه ينطوي على عنصرين مختلفين. أحدهما يجذبه نحو الحقائق الأزلية، يدعوه إلى حب العدل والفضيلة، إلى اقتحام العالم العلوي الذي يبهج قلب الحكيم، والثاني يربطه بذاته السفلى، يجعله أسير حواسّه، مطاوعًا لأدواتها، أي الشهوات، معاكسًا بذلك كل مايلهمه العنصر الأول.
كنت أقول في نفسي وأنا أشعر بتجاذب وتصارع هاتين الحركتين المتعاكستين: لا وحدة في الإنسان، أريد ولا أريد، أشعر في آن أني حرّ وأني مقيّد، أرى الخير، أحبّه ثم أفعل الشرّ، متحمس نشيط عندما أنصت للعقل، متخاذل ضعيف عندما انصاع للشهوة. وما يحزّ في قلبي عند الانزلاق هو أني أعلم أني كنت قادرًا على الصمود.

يذكر (روسو) الحكمة الإلهية في أن يكون للإنسان حرية الإختيار بين طريق الشر أو الخير بكامل إرادته:

من يتذمر من أن الرب لايثني الإنسان عن فعل الشر يعترض في الواقع على أنه حاباه بطبيعة ممتازة وأضفى على أفعاله صفة الأخلاق التي تزيدها شرفًا وتكريمًا، إذ بها ندبه إلى التحلّي بالفضيلة. وضعنا فوق هذه الأرض أحرارًا لنختار، وبلانا بالشهوات ليمتحننا ووهبنا الضمير لنقاومها.
ولأن منع الشر لايتم إلا بنفي حرية الشر وهو شر أكبر إذ يطعن في قيمة الإنسان الذي أوجده الرب لا ليفعل الشر بل ليُقبل على الخير مختارًا.

وعن أصل الشر يقول (روسو):

أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر، فاعله أنت لا أحد سواك. لا شر في الكون إلا ما تفعل أو ما تتحمل، هذا وذاك صادر عنك. شر عام ينشأ حتمًا عن فوضى شاملة، ولا أرى في الكون سوى النظام. شر خاص هو الذي يشعر به كائن يتألم، وهذا شعور لم يتسلمه الإنسان من الطبيعة، بل جرّه الإنسان على نفسه.
من يدّعي أنه ارتكب الجريمة مُكرهًا كذاب بقدر ماهو شرير. هلا رأى أن الضعف الذي يشكو منه متأصل فيه، أن مبدأ السوء من الجسد الفاني الذي هو مصدرها.

يتساءل (روسو) بعد ذلك” كيف تتوقف نفوسنا عن مواصلة الشر؟ ويجيب:

حيثما تتوقف حاجاتنا الزائلة، حيثما تختفي تطلعاتنا السخيفة، تضمحلّ فينا الشهوات، وتنعدم الجرائم.
النفوس الزكية هل يحتمل أن يلحقها انحراف من أي نوع كان؟ لا ينقصها شيء، فلماذا ترتكب الشر ؟ بعد أن تُجرد النفس من الحواس الخسيسة، وتعود سعادتها تتلخص في تأمل الكائنات، لم تعد تتطلع إلا للخير.
حتى أحقق الغاية من إيجادي على الأرض تماشيًا مع مشيئة من أسكنني فيها. أستشير قلبي في كل نازلة: ما استشعرته خيرًا فهو خير و مابدا لي شرًا فهو شر. أصدق دليلٍ  هو الضمير. الضمير هو صوت الروح والشهوة صوت الجسد. أي عجب أن يتعارض الاثنان؟ إلى أيهما يجب أن نصغي؟ كثيرًا ما يخدعنا العقل، فوجب الاحتراز منه، أما الضمير فلا يخدع أبدًا. هو الدليل الأمين. مقامه من النفس مقام الغريزة من الجسد. من يستنير به يطيع الطبيعة، ولا يخاف أبدًا أن يتيه.

الخير غريزة فطرية في ذات الإنسان، تغريه ولا شيء يحجب ضميره عنها، غير أنه يحتاج إلى جهد لتذوق حلاوتها:

هل تعتقد أنه يوجد في الدنيا فرد فاسد الخلق إلى حدّ أنه لم يغرِه قط فعل الخير؟ هذا الإغراء فطري حلو إلى درجة أن لا أحد يصمد له في كل مناسبة، واللذة التي يخلفها في النفس فعل الخير تكفي للإغراء به مرة بعد أخرى.
الصعوبة كلها في الاستجابة له أول مرة. هناك ألف عارض يمنع من الإصغاء لنداء القلب. حذرٌ خادع يحصر مفهوم الخير في نطاق الذات فيلزم القيام بألف جهد شاق لتجاوز هذا الحاجز. متعةُ الإحسان في إتيانه. لا يتذوقها إلا المحسن بعد أن يكون يستحقها. لا شيء أحبّ إلى النفس من الفضيلة، لكن لا يحبها إلا من تحلّى بها.

لنلق نظرة على شعوب الأرض ولنتصفح أخبارهم.
كم مختلفة شعائرهم الدينية! بعضها وحشي صادم. كم متباينة أعرافهم وعاداتهم! رغم هذا نجد عند الجميع وفي كل مكان، المفاهيم نفسها عن العدل والمرؤة، التعريف نفسه للخير والشر.

 

ليس العقل هو ما يميّز الإنسان، كما يقول طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن، من مواليد عام 1944. وهو فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. ويُعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينات من القرن العشرين.

هنا يبيّن الدكتور (طه عبدالرحمن) الفرق بين الإنسان والحيوان، ويجيب على من قال بأن العقل هو الذي يمتاز به الإنسان عن غيره من المخلوقات. هذا المفهوم يتردد على الألسنة، وكأنها إحدى المسلمات التي لا يمكن الحيدة عنها، فيقول الدكتور في كتابه (سؤال العمل):

إن فكرة أن الانسان تميّز عن الحيوان بعقله ، فكرة تلقاها علماء المسلمين بالقبول جيلا إثر جيل حتى أصبحت من الحقائق الثابتة، وهو أن الإنسان حيوان ناطق، أي قائل عاقل، هذا التعريف للإنسان غير مسلّم، فلِم لا يجوز أن تكون القوة العقلية من قوى الإنسان من جنس قوة الادراك التي يملكها الحيوان والتي يهتدي بها إلى مراعيه وموارده، ويميّز بها بين المضار والمنافع، متجنّبا للمضار ومقبلا على المنافع، كما يتعرف بها على أقرب المسالك التي توصّله إلى حضيرته ولو بعد محاولات متتالية يخطئ فيها بقدر ما يصيب.

غريب حقا أن يرتضي علماء المسلمين تخصيص الإنسان بالعقل دون غيره، وأن لا يساورهم شك في صحته، ولا يُحتج علينا بالآية الكريمة:
{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} أو بالآية: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}. فيقال إن ذكر الأنعام جاء في سياق نفي العقل عنهم بالكلية، فيكون المراد بتشبيه الغافلين بهم نزول رتبتهم عن رتبة العاقلين، لكن هذا التأويل يقع في خطأين:
أحدهما: أنه يتجاهل أن الأنعام في الواقع، تُبصر وتسمع وتفقه (أي تعقل)، وأن القرآن لاينفي عنها وجود هذه الادراكات الظاهرة، وإنما الذي ينفيه هو وجود إدراكات أخرى من جنسها تعلو عيها وتليق برتبة الإنسان، وهي التي أشبه الغافلون الأنعام في الخلو منها، وإلا فهم يبصرون ويسمعون ويفقهون كما تبصر وتسمع وتفقه الأنعام.
الثاني: أن هذا التأويل يُغفل الأهميّة التي يكتسيها أحد اللوازم المترتّبة على وصف الغافلين بأنهم أضل من الأنعام، وهذا اللازم هو بالذات ” أن الأنعام أهدى سبيلا “، والواقع أنه لا هادي لها إلا ما جُعل فيها من عقل يُرشدها إلى مأكلها ومشربها ومربضها ولو كان عقلا أدنى من عقل الانسان والانسان الغافل أي غير العاقل، لا هادي له ولو كان عقله أعلى من عقل الأنعام، فتكون رتبته دون رتبتها.
إذا بطل أن العقلانية هي الحد الفاصل بين الانسان والحيوان، وجب أن يكون الحد الفاصل بينهما في شيء يُثبت به تفوّق الانسان ويتحقق به كماله، وما هذا الشيء الفاصل إلا الأخلاق، فالأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلا عن أفق الحيوان.

يتابع بعد ذلك حديثه قائلًا:

ومن الأدلة على أن الأخلاقية هي التي تميّز الانسان عن الحيوان، طلب للانسان للكمال، وذلك أن يكون السعي إلى الصلاح يقتضي أن يكون الساعي قادرا على استحضار في نفسه القيم المثلى، والحيوان ليس بمقدوره أن ينفصل عن واقعه المادي، متطلعا إلى واقع أفضل منه ماديا أو معنوي.

وأخيرا ألا ترى كيف أن أيّ تصرّف تثبت “لا أخلاقيته” يصير معدودا في التصرّفات “اللاإنسانية“، بينما التصرف الخالي من العقلانية لا يعدّ خلوا من الإنسانية !

وهكذا، يتبيّن أن الإنسانية لا تتحدد، كما اشتهر بالعقلانية، وإنما تتحدد بالأخلاقية، بحيث يكون للإنسان من الإنسانية على قدر ما يكون له من الأخلاقية.

جاك دريدا وفلسفته عن الكذب

دريدا

جاك دريدا (1930-2004)، فيلسوف فرنسي من مواليد الجزائر، صاحب نظرية التفكيك.

في محاضرة ألقاها (دريدا) في الجامعة الدولية للفلسفة بالعاصمة الفرنسية باريس، تحدث (دريدا) عن الكذب من منظور فلسفي. وقد تُرجمت هذه المحاضرة إلى العربية في كتاب حمل عنوان (تاريخ الكذب)، من ترجمة الأستاذ (رشيد بازي).

يقول (دريدا) في محاضرته:

فالكذب لا يعني على العموم الخطأ والغلط، فبإمكاننا أن نخطئ أو نغلط دون أن نكون قد كذبنا، وقد يحدث أن نمدّ الآخرين بمعلومات خاطئة، دون أن يعني ذلك أننا قد كذبنا عليهم. فعندما ننطق بأقوال خاطئة أو مغلوطة ونحن نعتقد أنها صحيحة، ونوصلها إلى الآخرين دون أن نقصد خداعهم، فنحن لا نكذب. فلا يكفي أن نصرح بأقول أو نعبر عن أفكار وآراء خاطئة نعتقد على الأقل، في قرارة أنفسنا أنها صحيحة لنكون كاذبين.

ومن ثمة يجب علينا التطرق إلى مسألة النية أو النية الحسنة، والتي سبق لـ(القديس أغسطين) أن أشار إليها في افتتاحيته لرسالته المعنونة بـ(في الكذب). فهو يقترح التمييز بين الاعتقاد والاقتناع، وهذا التمييز يكتسب بالنسبة لنا اليوم وبصفة متجددة أهمية قصوى. الكذب على الآخرين يتضمن الرغبة في خداعهم، وذلك حتى إذا كانت أقوالنا حقة. والحال أنه بإمكاننا أن ننطق بأقوال خاطئة، دون أن نكون كاذبين، وأن نقول أقوالًا  حقّة الهدف منها خداع الآخرين ونكون آنذاك كاذبين.

وعندما نعتقد أن ما نقول صحيح ونؤمن به، فلا يمكن أن نكون كاذبين، حتى في حالة كون أقوالنا خاطئة. فعندما يؤكد (القديس أغسطين) بأنه “إذا قال أحد قولًا  يعتقد أنه صحيح، أو هو على اقتناع بأنه حق، فهو لا يكذب حتى في حال ثبوت خطأ ذلك القول”.

ثم يقول في موضع آخر:

ففعل الكذب يعني أننا نتوجه بالكلام إلى الآخرين، لكي نسمعه قولًا  أو مجموعة من الأقوال الإنجازية Performatifs أو أقوال المعاينة Constatits، نعرف وفق وعي بيّن وهادف وحالي بأنها ادعاءات خاطئة جزئيًا أو ربما كليًا. هذه المعرفة وهذا العلم وهذا الوعي ضروريين لفعل الكذب. وحضور هذه المعرفة لا يتعلّق فقط بمحتوى ما يُقال، بل كذلك بمحتوى ما نحن ملتزمين به تجاه الآخرين، بحيث أن فعل الكذب يبدو للكاذب كليًا على أنه خيانة وأذى وتقصير في رد دين أو قيام بواجب. 

[…] هذه الأفعال المقصودة يُقام بها دائمًا اتجاه الآخرين قصد أولا وقبل كل شيء خداعهم، أو إلحاق الأذى بهم، أو تضليلهم، وذلك بمجرد دفعهم إلى اعتقاد أشياء يعرف الكاذب أنها خاطئة.

ثم يستشهد مرة أخرى بمقولة أخرى لـ(القديس أغسطين):

نحن لا نكذب عندما نزعم أشياء خاطئة نعتقد أنها صحيحة […] ونكون كاذبين عندما نزعم أشياء صحيحة، نعتقد أنها خاطئة. وذلك لأنه لا يمكن الحكم على مدى مطابقة الأفعال للأخلاق إلا من خلال المقاصد.

فالكذب هو نوع من الخداع، وخيانة لاتفاق ضمني بين المتحدث والمستمع على قول الحقيقة. يقول (دريدا) في هذا:

الكذب يتخذ طابعًا انحيازيًا، وذلك لأنه يتضمن في الوقت نفسه وعدًا بقول الحقيقة وخيانة لذلك الوعد، ويرمي إلى خلق الحدث والدفع إلى الاعتقاد، في حين أنه لا يوجد أي شيء قابل للمعاينة، أو على الأقل بإمكان المعاينة احتواءه بصفة شاملة، إلا أن هذه الإنجازية تقتضي في الوقت نفسه الإحالة على القيم كالواقع والحقيقة والخطأ، وإن كان يفترض أنها لا تخضع لأي قرار إنجازي.

كما أن شرطًا آخر للكذب، هو الدراية بالتضليل، أي النطق بخلاف الواقع، أو ما يُعتقد بأنه واقع. يقول (دريدا) في موضع آخر من محاضرته:

من البديهي أن الكاذب يعرف الحقيقة، وإن كان لا يعرف كل الحقيقة فهو على الأقل يعرف حقيقة ما يفكر فيه، ويعرف ما يعزم على قوله، ويعرف كذلك الفرق الموجود بين ما يفكر فيه وما يقوله، أي أنه يعرف بأنه يكذب.

حديث أرسطو عن الوسطية كطريق إلى السعادة

تمثال أرسطو

أرسطو (٣٨٤ق.م – ٣٢٢ق.م) فيلسوف يوناني، تتلمذ على يد (أفلاطون)، وقام بتعليم (الاسكندر الأكبر) ابن الملك المقدوني (فيليب). وأنشأ مدرسة (اللوقيون) التي قام فيها بتدريس الأحياء والعلوم الطبيعية. كما كتب (أرسطو) في مواضيع متنوعة ومن كتبه العلمية: (الطبيعيات)، (علم الظواهر الجوي)، (أجزاء الحيوان). ومن كتبه الفلسفية: (الاخلاق)، (السياسة)، (العلم الإلهي).

يقول عنه (ويل ديورانت) في كتابه: (قصة الفلسفة): “إن من مآثر (أرسطو) أنه قام بوصل خطين من الفكر وهما الفيزيائي والأخلاقي. حيث أمسك مرة ثانية بحبل التطور العلمي الذي اتخذ طريقه باليونان في الفترة السابقة لأيام (سقراط)، وجمع النتائج المتراكمة وواصل أعماله بتفصيل أكثر حزما ً، وملاحظات واستقصاء أكثر تعدداً، وجمع كل النتائج المتراكمة في مجموعة هامة من العلم المنظم.

ينقل لنا (ديورانت) حديث أرسطو إلى تلاميذه عن الأخلاق والطريق إلى السعادة. حيث أنه لما كَثُر التلاميذ الشباب حول (أرسطو)، بدأ بالاتجاه إلى المسائل الأخلاقية، ورأى بأن السؤال الأكثر أهمية هو ما هو الطريق الموصل إلى الفضيلة والسعادة؟

تميزت نصائح (أرسطو) بالواقعية حيث، لم يكن يبحث مُثل الكمال العليا الغير قابلة للتطبيق. ولما كان مدركا ً بطبيعة البشر كان يقول:

هدف الحياة ليس الخير في حد ذاته، بل السعادة، لأننا نختار السعادة لذاتها لا لشيء أخر، ونحن نختار الشرف، والسرور، والادراك لأننا نعتقد اننا نصل عن طريقها الى السعادة.

ويأمل (أرسطو) بأن الطريق الموصل للسعادة يكمن في إجابة سؤال ما الذي يميز الانسان عن غيره من المخلوقات الحية؟ فهو يعتقد بأن الانسان يبلغ السعادة عندما يتحلى بصفته الخاصة المميزة له عن بقية الكائنات.

يمتاز الانسان عن غيره بقوة فكره التي بفضلها يتفوق ويحكم جميع اشكال الحياة الأخرى، وبما ان نمو وتطور هذه المقدرة على الفكر مكنته من السيادة، لذلك يمكننا ان نفترض ان تطور هذه المقدرة الفكرية سيحقق له السعادة.
عندئذ يكون العقل شرطا ً للسعادة باستثناء قضاء بعض اللوازم الجسدية.

ثم يكمل بالحديث عن الوسطية كطريق الى الفضيلة والسعادة:

تتوقف الفضيلة أو بالأحرى الفضل على الرأي الواضح وضبط النفس وتناسق الرغبات وفن الاعتدال، وهي ليست ملكا ً للإنسان البسيط أو هبة للقصد البريء ولكنها نتيجة خبرة الانسان المتطور تطورا ً كبيرا ً.

ومع ذلك هناك طريق لبلوغ السعادة، ومرشد لبلوغ الفضل قد يوفر علينا الكثير من التأخير والعناء. وهو الطريق الوسط، أو الوسط الذهبي، حيث تُنَظم الأخلاق في شكل ثلاثي يكون الطرفان الأول والأخير فيه تطرفاً ورذيلة. والوسط فضيلة أو فضل. وهكذا يكون بين التهور والجبن فضيلة الشجاعة، وبين البخل والاسراف فضيلة الكرم، وبين الكسل والجشع فضيلة الطموح، وبين البخل والإسراف فضيلة الكرم، وبين الكتمان والثرثرة فضيلة الأمانة، وبين الكآبة والمزاح فضيلة البشاشة، وبين محبة الخصام والتملق فضيلة الصداقة. عندئذ لا يختلف الصواب في الأخلاق والسلوك عن الصواب في الرياضيات والهندسة، حيث يعني الصحيح والمناسب وأفضل عمل لأفضل نتيجة، على كل حال فإن الوسط الذهبي ليس كالوسط الرياضي، أي متوسط محكم النقيضين محسوبين بدقة. ولكن يتذبذب مع الظروف المحاذية لكل وضع، ويبدي نفسه للعقل الناضج المرن فقط. إن الفضيلة فن يمكن كسبه بالمران والعادة.

ويضيف (أرسطو) أن التحلي بالفضيلة كأسلوب حياة هو شرط للسعادة:

هذه الفضائل تتشكل في الإنسان بعمله لها. إننا عبارة عن عما نفعله دائما ً. إن الفضل أو الخير بالإنسان هو عمل النفس بالطريق إلى الفضيلة طيلة حياته. وكما أن ظهور عصفور الجنة أو السنوفو أو وقوع يوم صحو من الأمطار لا يعني أننا في فصل الربيع، لذلك لا يكفي يوم واحد أو زمن قصير لجعل الانسان صالحاً أو سعيداً.

ثم يعلق (ديورانت) بأن التفريط أو الإفراط قد يصدر من الإنسان نتيجة سوء فهمه للفضيلة بمعناها الصحيح، فيقول:

عندما يرتكب الشباب خطاً فإن هذا الخطأ يجنح إلى التطرف والمبالغة وبهذا فإن الصعوبة في موقف الشباب هي في الخروج من تطرف والوقوع في تطرف معاكس له، وقد رأينا وسمعنا مثل هذه المواقف تحدث بكثرة في مجتمعنا هنا. فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون المرور بالوسط الذهبي إلا قليل منهم وبعد خوض تجارب مريرة وانكسارات روحية ومعنوية لأن التطرف الواحد يؤدي بسهولة إلى الآخر سواء بسبب زيادة التقويم أو غيره.

أولئك الذين يشعرون بتطرفهم في أمر من الأمور لا يطلقون اسم “الفضيلة” على الوسط ولكن على الطرف المقابل لتطرفهم وقد يكون هذا أمراً حسناً في بعض الأحيان لأننا إذا كنا نشعر بأخطائنا في أمر واحد متطرف ينبغي أن نوجه هدفنا إلى الآخر وبهذا قد نصل إلى الموقف الوسط كما يفعل الناس في تقويم جذع الشجرة المنحني، ولكن المتطرفين الذين لا يشعرون بتطرفهم ينظرون إلى الوسط الذهبي على أساس كونه رذيلة فيتقاذفون الإنسان المعتدل كما يتقاذفون الكرة فالجبان على سبيل المثال يعتبر الشجاعة تهوراً واندفاعاً وينظر المتهور للشجاعة على أنها جبن وضعف وقس على ذلك بقية الأمور

تساؤل فريدريش نيتشه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. وكان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا، بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء، وللاستزادة في مقالات نيتشه، هنا (التحولات الثلاث للعقل)، (عن القراءة والكتابة في ديوان نيتشه).

أما في كتابه (ما وراء الخير والشر) يتساءل عن حقائق البحث العلمي والفلسفي، فنشارككم بعضًا من أقواله:

هل كل ما خرج به الفلاسفة والعلماء من حقائق، هي حقيقة بحد ذاتها؟

نظرًا لأنني تأملت الفلاسفة على مهلٍ، قرأت بين سطورهم وراقبت طريقة تعبيرهم عن أفكارهم، قلت لنفسي يجب أن يعدّ التفكير الواعي من ضمن الأنشطة الفكرية، والتفكير الفلسفي أيضًا؛ إن التفكير الواعي لفيلسوف ما، يوجّه في معظمه بشكل خفي من قبل ميولاته الفطرية ويصب بالضرورة في مذاهب محددة. وراء كل المنطق والسيادة الظاهرة في خطوات تفكيره، نعثر على تقييمات ما، أو بشكل أوضح، على مطالب فيسيولوجية تفرضها ضرورة الحفاظ على نمط حياة معيّن.

ويظن (نيتشه) أن الإنسان مفطور على الميل إلى الأحكام الخاطئة والأوهام بقوله:

وأن الإنسان لا يمكن أن يحيا دون أن يقرّ بالأوهام المنطقية، دون أن يقيس الواقع بالعالم اللامشروط والمماثل، الخيالي تمامًا، دون أن يزيف العالم باستمرار، إلى درجة الاستغناء عن الأحكام الخاطئة سيعني استغناء عن الحياة، نفيًا للحياة.

ويرى من هذا المنطلق أن الفلسفة التي تؤكد هذا الميل وتشجعه؛ “تضع نفسها مسبقًا وانطلاقًا من هذا، فيما وراء الخير والشر“. وباعتبار أن أية فلسفة يسعى ورائها هدف خفي، يقول:

لقد اكتشفت شيئًا فشيئًا أن كل فلسفة عظيمة حتى الآن، كانت اعترافًا ذاتيًا لصاحبها ونوعًا من مذكراته، من حيث لا يدري أو ينتبه. مثلما تحققت من أن النوايا الأخلاقية أو اللاأخلاقية شكّلت في كل فلسفة البذرة الحقيقية التي تولد منها النبتة كلها. من هنا، اذا اردنا أن نفسر كيف ولدت في الواقع كل التأكيدات الميتافيزيقية الأكثر تعاليًا لدى هذا الفيلسوف أو ذاك، فمن الحكمة أن نتساءل أولاً: أية أخلاق يريد هو؟

ولكن مالذي يحاول (نيتشه) أن يشجعه؟ حين يكفّ الإنسان عن اللهث وراء الحقائق ومحاولة إسقاط تصنيفات محددة على تصرفات البشر أو إيجاد تفسيرات واضحة لكل ما يدور في الحياة؟ حسنًا، يبدو أن الحل الوحيد هو الاستقلالية، على الرغم من المخاطرات وما ستدفعه ثمنًا لها، فيقول:

الاستقلالية أمر متعلق بأصغر فئة من الناس، إنها امتياز الأقوياء، ومن يحاول ذلك حتى وان كان على حق دون أن يجبر عليه، سيبرهن ليس فقط على انه قوي، بل يمتلك مع كل احتمال جرأة فائضة. يدخل إلى متاهة ما، يضاعف آلاف المرات الأخطار الملازمة مسبقًا لحياته، وأدناها أن لا احد يرى بأم عينه لا أين ولا كيف يتيه وينعزل ويهب نفسه للتمزق إربا إربا. عندما يهلك إنسان مماثل -يقصد المستقل- فإن ذلك سيتم بعيدًا عن فهم الناس بحيث لا يشعرون به ولا يتأثرون لحاله. فهو لا يستطيع أبدًا أن يعود إلى الوراء كما لا يستطيع أبدا أن يعود إلى رحمة الناس.

أخيرًا، ما هو دافعنا الحقيقي للبحث عن الحقيقة، إذا كان دافعنا خيرًا فيراهننا (نيتشه) أن لا حقيقة وراء هذا الدافع بقوله:

أيتها الإنسانية، أيتها الحماقة! إن الحقيقة والبحث عن الحقيقة، ليسا شيئين متلائمين، وعندما ينكبّ الإنسان عليهما بإنسانية مفرطة، عندما لا يبحث عن الحقيقة إلا من أجل فعل الخير، أراهن على أنه لن يعثر على شيء. 

ستيوارت ميل، في حديث عن المُتع الدنيا والعليا

جون ستيوارت مل (1806-1873) هو فيلسوف واقتصادي بريطاني. في كتابه الشهير (النفعية)، والذي يُعد أساسًا لفهم النظرية الأخلاقية المعاصرة، تحدث عن الكائن الحي، والمتعة، فيقول:

لا نزاع حول الحقيقة المفيدة أن الكائن الذي قدرات تمتعه منخفضة، له الحظ الأعظم بتحقيقها وإشباعها بشكل كامل. والكائن ذو القدرات العالية سيشعر، وبشكل دائم، بأن أي سعادة يتمكن من طلبها هي ناقصة، كما هو تركيب العالم. غير أنه غير قادر على أن يتعلم وأن يتحمل عيوبه وشوائبه، إذا أمكن تحملها، وهي لن تجعله يحسد الكائن الذي ليس واعيًا بالعيوب والشوائب، فالأفضل أن يكون إنسانًا مستاءً وغير راض لا خنزيرًا راضيًا. الأفضل أن يكون سقراط المستاء ولا يكون مغفلاً راضيًا. وإذا كان للمغفل أو الخنزير رأي مختلف، فمرد ذلك أنهما لا يعرفان سوى ناحيتهم من المسألة. أما الطرف الآخر فهو، بالمقارنة معهم، يعرف الناحيتين.

وقد يُعترض بالقول، إن كثيرين قادرين على اللذات العليا وقد يؤجلونها أحيانًا من أجل الدنيا. غير أن هذا يتسق مع تقدير كامل للعلو الحقيقي للذات العليا. وغالبًا مايختار الناس، لعيب في الشخصية، الخير القريب، بالرغم من معرفتهم أنه الأقل قيمة. وهذا لا يحصل عندما يكون الخيار بين لذتي جسديتين بأقل مما يحصل عند الخيار بين لذة جسدية ولذة عقلية. فهم يسعون وراء الانغماسات الحسية لحد الأذية بصحتهم، مع وعيهم الكامل بأن الصحة هي الخير الأعظم.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

وقد يُعترض باعتراض إضافي بالقول، إن الكثيرين الذين يبدأون بحماس شبابي لكل شيء نبيل، يغرقون مع تقدم الزمن في الكسل والأنانية. غير أني لا أظن أن أولائك الذين يمرون بذلك التغيير العام يختارون طوعيًا الوصف الأدنى للذات بدلاً من الوصف الأعلى لها. وأعتقد أنهم قبلوا تكريس أنفسهم، حصريًا، لإحداهما، ذلك أنهم صاروا عاجزين عن الآخر. فالقدرة على المشاعر النبيلة هي عند معظم الطبيعيات كنبته سريعة العطب، وقتلها سهل، ولا يكون ذلك مقتصرًا على المؤثرات المعادية، وإنما للحاجة إلى التغذية والإعالة وهي تموت بسرعة عند أكثرية الشبان، إذا كانت الوظائف التي وضعهم فيها مركزهم في الحياة، والمجتمع الذين رموا فيه غير صالحين للحفاظ على تلك القدرة العليا على التمرين. فالبشر يفقدون مطامحهم العليا حالما يفقدون ميولهم الفكرية، لعدم وجود وقت أو فرصة لديهم للانغماس فيها، ويكرسون نفوسهم للذات الدنيا، ولا يكون ذلك لأنهم يفضلونها عن قصد، وإنما لأنها تكون الوحيدة المتاحة لهم، أو لأنها الوحيدة التي لم يبق لهم سواها ليتمتعوا بها.

الفلسفة و الأخلاق من منظور د.طه عبدالرحمن

1329261627

طه عبد الرحمن، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة  والأخلاق. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينات من القرن العشرين.

 

كيف ينظر الدكتور طه عبدالرحمن في مسألة الفلسفة والأخلاق من حيث أن الفلسفة هي في أصلها نظرية أقرب ماتوصف بأنها عمليه، وهذا قد لا ينطبق على الأخلاق من حيث أنها سلوك والسلوك أمر لا يفسر لمجرد النظر بل أقرب ما يكون بالعمل، يرد على ذلك قائلاً:

بدون شك هيمن على الفلسفة تصور ما، كان هذا التصور هو أن الفلسفة نظر استدلالي، بحيث لا نحتاج إلا لاستخدام العقل والنظر للوصول إلى الحقائق سواء بالكونيات أو الغيبيات أو السلوكيات. لكن لو نظرنا لهذا التصور، لوجدناه يخل بمقتضى منطقي وهو أن النظر المجرد لايمكن أن يحكم على السلوكيات، لأنه يحتاج أن يتحقق بخصائص السلوكيات لكي يتمكن من الحكم عليها. أي لابد للفسفة أن تكون مصحوبة بالعمل، حتى تفتح في العمل أفاق جديدة لم تكن فيه لما كانت الفلسفة نظراً مستقلاً عن العمل. لأن العمل يؤثر في النظر، من حيث أنه ينشئ استدلالاً جديداً في النظر واستشكالات في القضايا. وحين يكون النظر أخ العمل ولا ينفك عنه عند ذلك نقول أن الفيلسوف له الحق أن يحكم في السلوكيات وأن يحكم كذلك على الغيبيات.
لذلك لا نستغرب أن العالم الاسلامي لما تلقى الفلسفة أسماها الحكمة لأن الحكمة مخروطة بالعمل بشكل كامل بل تعد مرتبة،و ليست فقط مرتبة يتأطر فيها النظر بالعمل، بل يصبح العمل هو الذي يوجه النظر وليس العكس.
ونستطيع أن نقول بأن العمل هو ليس إلا جملة سلوكيات وهذه السلوكيات يمكن أن تكون موصوفة بالخير أو الشر أو الحسن أو القبح. وحين ذاك فإنها تعتبر داخلة في باب الأخلاق. إذن فكل سلوك يخضع أو يكون محط الحكم عليه بالخير أو الشر يعد خلقاً من الأخلاق. بمعنى آخر، أن الأفكار لابد أن تكون مصحوبة بالأخلاق حتى تحقق الفلسفة كما عاشها التراث الاسلامي، بل أقول أن بعض المدارس اليوناينة كالرواقيين كان تصورهم للفلسفة تصوراً عملياً، ونحن اليوم أحوج مانكون إلى استحضار هذا التصور العملي للفسفة لأسباب موضوعية موجودة في واقعنا، أي لايمكن أن ننشئ فلسفة بالنظر المجرد والواقع أمامنا يتحدانا بإشكالات وعوائق كبيرة ملموسة واقعية. بل نحتاج تجاوزها، ولايمكن تجاوزها بالفكر المجرد بل لابد من فكر قد انطبع وتشكل بالعمل تشكلاً كاملاً.

فالأخلاق على هذا الأساس ينبغي فيها مراجعة المسلمات التي بنيت عليها، لأن التصور للفلسفة كان تصوراً نظرياً والأخلاق كانت تعتبر لمحة نظرية، فإذا اعتبرنا أن الفلسفة من مقتضاها المنطقي أن تجمع بين العمل والنظر فمن الواجب مراجعة مسلماتها التي انبنت عليها الأخلاق، ومن هذه المسلمات:

أولاً: أن الأخلاق هي صفات كمالية يعني لا يضر فقدها الإنسان بل يمكن أن يستغنى عنها أحياناً بل هي بمنزلة ترف لا ننضر بعدم حصوله. ولكن الواقع ليس كذلك، لأن الأخلاق هي صفات ضرورية جوهرية يختل بفقدها ليس فقط نظام السلوك بل نظام الحياة، فلو تصورنا أن مجتمعا ليس فيه تمسك بالأخلاق والقيم سنعتبره مجتمع غير حي،أي لا حياة فيه.

ثانياً: تصور الأخلاق أنها صفات محدودة وأنها تشكل فقط جزء من السلوك الانساني، أن هناك أفعال نصفها بالأخلاق وأفعال لا نطبق عليها وصف الأخلاق وهذا كذلك غير مسلم ومعترض عليه. الأخلاق تشمل جميع أفعال الإنسان ابتداء من الفعل النظري; الفعل النظري فعل خلقي من حيث أنه يقتضي بموجب أن لنا بصر، فإذن يقتضي أن ننظر في المصلحة التي يجلبها لنا أو المفسدة التي يدفعها عنا، إنه بذلك الاعتبار يعتبر فعلا خُلقيا دافع للمصلحة.

كيف نستطيع أن نعتبر أفعال العقل هي أفعال خُلقية؟ يجب د. طه عبدالرحمن عن ذلك قائلا:

مادامت جميع أفعال الإنسان بما فيها أفعال العقل أفعال خلقية، فيلزم أن يكون العقل جزء من الأخلاق، بحيث يصبح العقل تابع للأخلاق. أي أن قابلية الأفعال النظرية والفكرية للتقويم الخُلقي هي مايجعل العقل تابعاً لمجال الأخلاق. بل أكثر من هذا، حيث أن التصرفات التي تعد تصرفات لا أخلاقية هي لا توصف على أنها تصرفات لاعقلانية بل توصف بأنها لا إنسانية، حين نقول بأنه تصرف لا أخلاقي فإنه يعتبر تصرف لا إنساني. أما حين نقول أنه تصرف لاعقلاني لا يلزم عنه أنه تصرف لا إنساني. فمثلا قد نقول هذا “إنسان” تصرف تصرفاً لا عقلانياً وليس هذا “إنسان” تصرف تصرفاً لا أخلاقياً. أي كلما زاد الإنسان أخلاقية اعتبرناه زيادة في انسانيته لكن لا نقول أنه كلما زاد في تقدم العقل زادت انسانيته، لأن زيادة تقدم العقل قد يضر بالإنسانية متى دمر هذا العقل الإنسان.

على ماذا يستند د.طه عبدالرحمن ليثبت أن الأصل في الأخلاق هو الدين، يجيب عن ذلك قائلاً:

أن ايمانويل كانت (كانط) علمن الأخلاق، أي فصلها عن الدين وأدخل عليها التعقيل -التحليل والتنظير- العقلي. وهذا لا يمنع أن الأصل في كثير من المفاهيم أن تكون دينية. ونحن نستطيع أن نجد ذلك -أي عقلنة الأخلاق- حياً اليوم في حياتنا مثلا: مفهوم ( التضامن) هو مفهوم أخلاقي ديني ولكنه الأصل فيه (الإحسان) عند المسيحين و (آلتراحم) عند المسلمين. فمبدأ (التراحم) أدخلت عليه الصفة العقلية ليصبح هو (التضامن). ومثال آخر: وهو مفهوم (المواطنة) هذا المفهوم هو علمنة لمفهوم (الأخوة). كانت هو في الحقيقة فصل الأخلاق عن الدين وهي موصولة أصلاً وفصلاً ليستجيب لمقتضى الحداثة و الأنوارية و مقتضى فكّر بنفسك ولا تنتظر وصاية أحد عليك. هي مسألة استيلاء العقل على أمور دينية وصرفها صرفاً عقلانياً.
لكن في الحقيقة هو أن الدين الأصل، لأن القيم الأخلاقية هي مُثل لاوجود لها في الواقع. لا هي وقائع ولا هي مجردات من الوقائع كما تجرد الكليات من الجزئيات. ولا أكتفي بالقول بأنها مُثل، بل هي معاني مشخصة في داخل الإنسان ليست مُثل في عالم خارج الواقع ومن هنا أقول بأن وظيفة الوحي كانت لخبرنا بوجود هذه المعاني وكيفية التصرف وفق هذه المعاني. ولماذا نقول أن هذه هي وظيفته بالضبط؟  لأن الوحي لم ينزل إلينا ليخبرنا عما يستطيع العقل أن يصير إليه مثلاً من حقائق كونية بل جاء ليخبرنا بالحقائق المعنوية التي فُطرنا عليها والتي ينبغي أن نسلك حياتنا وفقها، حيث أن وظيفته ليست التعريف بالكونيات -الملكيات- بل التعريف بالآيات -الملكوتيات- يعني القيم الأخلاقية التي هي آيات أُودعت في نفس الإنسان بإرادة الله سبحانه وتعالى.

للإستزادة:
مسارات:في الفلسفة والأخلاق
سؤال الأخلاق – طه عبدالرحمن

 

ألبير كامو، وأحاديثه عن ثنائية الحب والموت

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. انتقينا لكم هنا من مذكراته أفكاره حول ثنائية الحب والموت، علنا بذلك نصل إلى صورة كاملة عن نظرته الفريدة. يقول (كامو) في بداية أحاديثه:

لو كان عليّ تأليف كتاب عن الأخلاق، لجعلته من ١٠٠ صفحة، ٩٩ منها بيضاء. وكتبت في الأخيرة: “لا أعرف سوى واجب واحد، ألا وهو الحب”. [١٩٣٧]
فحالة الحب، كما يقول، تساعد المرء على المضي في حياته ضد اليأس، والعالم العبثي برأيه:
يجب أن يكون لدى المرء حُب – حب كبير في حياته، لأنه ضد حالات اليأس غير المبرر التي تضنينا. [١٩٣٧]
فهذا العالم العبثي، ليس له أي حقيقة، وكل من يعتقد بأنه وصل إلى الحقيقة، فهو واهم:
بؤس هذا العالم وعظمته، في كونه لا يهب الحقائق أبدًا، وإنما الحب. فالعبثية تسود، والحب ينقذنا منها. [١٩٣٨]
الغرور الفريد للإنسان الذي يود أن يقنعنا، ويقنع ذاته، في أنه يطمح إلى الحقيقة، بينما هو يطالب العالم بشيء من الحب والتقدير. [١٩٣٨]
ومن تلك النقطة ينطلق إلى ثنائية الحب والموت، فكلاهما ضروري لتعريف الآخر:
في لحظة ما، سنفقد الإحساس بمشاعر الحب. فلا يبقى إلا ما هو مأساوي. والعيش من أجل شخص ما، أو فكرة ما، يفقده معناه. فلا نجد من معنى إلا لفكرة الموت من أجل شيء ما. [١٩٤١]
الموت هو ما يعطي للحب شكله مثلما يعطي للحياة شكلها، محوّلًا كل ذلك إلى قدر. فإذا ماتت المرأة التي تحبها فحبك لها سيبقى ثابتًا إلى الأبد، ولولا تلك النهاية لتلاشى. ولولا الموت لكانت الحياة سلسلة من الأشكال المتلاشية، والمبعثة هربًا وقلقًا. ولحسن الحظ، هناك ما هو ثابت، الموت. [١٩٤١]
ويصل بذلك إلى نقطة يلخص فيها نظرته بين المعرفة والحب:
الحب، والمعرفة، مترادفتان للمعنى ذاته. [١٩٤١]
ثم ينتقل إلى الأخلاق وعلاقتها بالحب، فيقول:
لا يمكن المحافظة على مشاعر الحب، إلا لأسباب خارجية. كالأخلاق مثلًا. [١٩٤٣]
فالأخلاق ضرورة للحفاظ على المشاعر. والحب هو الآخر ضرورة أخلاقية:
علينا أن نلتقي بالحب، قبل أن نلتقي بالأخلاق، وإلا تمزق الأخير. [١٩٤٩]
وفي النهاية، فالحب سبب رئيسي للحياة ومعناها، وللفن والإبداع أيضًا:
لا اكتمال من غير حب، أي التخلي عن الذات والموت في العالم، حتى النهاية. في حالة الذوبان في الحب، ستكون قوة الحب هي ما يبدع، ليس أنا. [١٩٥٠]
من غير المنطقي في الحب، أن نرغب في تسريع أيامنا وتبديدها. وكأننا هكذا نرغب بالاقتراب من النهاية، ويلتقي بذلك الحب مع الموت. [١٩٥٠]
يقتبس بعد ذلك مقولة للفنان الشهير (فان كوخ):
يقول (فان كوخ): “إذا ما استمررنا في الحب بإخلاص، لكل ما هو جدير بالحب، ولم نهدر مشاعرنا على ما هو سخيف وتافه وغير ممتع، سنحيى -نتاجًا لذلك- في النور، ونصبح أكثر قوة”.
 ويعقب قائلًا:
من لا يعطِ شيًئا، لا يحصل على شيئ. ليس الشقاء الأكبر ألا تكون محبوبًا، وإنما ألا تحب. [١٩٥٢]
فالحب عطاء، لا يتعلق بالآخر، وإنما بقدرتنا على الحب:
حب لا يحتمل مواجهة الواقع ليس حُبًا. وإذًا، فعدم القدرة على الحب هو امتياز خاص بالقلوب النبيلة. [١٩٣٩]
لا أحد يستحق الحب، لا أحد على مستوى هذه الهبة غير المحدودة. [١٩٥٣]

الأخلاق والفلسفة الاجتماعية في فكر هيوم

هيوم

ديفيد هيوم (1711 – 1776)، فيلسوف واقتصادي ومؤرخ اسكتلندي وشخصية مهمة في الفلسفة الغربية وتاريخ التنوير الاسكتلندي. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) قام الفيلسوف (ويليم كيلي رايت) بتلخيص محاور الفكر عند (هيوم)، ومنها أفكاره الأخلاقية والاجتماعية. فيقول في شارحًا هذا الفرع من أفكار (هيوم):

لم يعتقد (هيوم) أن هناك أي مبادئ أبدية وثابتة بصورة مطلقة للأخلاق يمكن معرفتها عن طريق الحدس والبرهان. فالأخلاق تختلف عن الرياضيات من هذه الزاوية. ومع ذلك فإن (هيوم) يعتقد في علم تجريبي للأخلاق. وترتبط معالجة (هيوم) للأخلاق، كما قد نتوقع، ارتباطًا وثيقًا بالسيكلوجيا الموجودة عنده.

لإيضاح الارتباط السايكولوجي بالأخلاق عند (هيوم)، يقول:

يوجد من بين انطباعات الفكر عندنا انطباعات عن اللذة والألم، يصاحبان بصورة مباشرة كل إدراكاتنا الأخرى. وتأتي العواطف والانفعالات في الأهمية بعد اللذات والآلام، وتلي ظهور الأفكار. (لا تختلف الانفعلات عن العواطف عند (هيوم) إلا في كونها أكثر شدة، وهو يستخدم مصطلح “الانفعالات” ليعني ما يتحدث عنه علماء النفس اليوم باسم “العواطف”).

فهو يقسم العواطف إلى قسمين ؛ العواطف المباشرة وغير المباشرة.

وتنشأ العواطف المباشرة بصورة مباشرة من انطباعات اللذة والألم، مثل: الرغبة، النفور، الحزن، السرور، الأمل، الخوف واليأس. أما العواطف غير المباشرة فهي أكثر تعقيدًا، وتتضمن ارتباط كيفيات “صفات” أخرى متنوعة، مثل الاعتداد بالذات، والضعة، والطموح، والزهو، والحب، والكراهية، والحقد، والشفقة، ،الضغينة، والكرم. وتحليل (هيوم) للعواطف كثيرًا ما يكون دقيقًا، فقد قدّم إسهامات دائمة لما نسميه اليوم بـ(سيكولوجيا السلوك) أو (سيكولوجيا العواطف).

يستكمل بعد ذلك كلامه قائلًا:

والإرادة البشرية هي باستمرار محصّلة الانفعالات والعواطف. ولا يمكن لشيء أن يعارض أو يعوق دافع الانفعال أو العاطفة سوى دافع مضاد. “والذهن لا يكون، ولا ينبغي له أن يكون سوى عبد للعواطف، ولا يمكن أن يزعم على الإطلاق أي عمل سوى أن يخدمها ويطيعها”. وهناك معنيان فقط يمكن أن يكون بهما الفعل غير معقول: أولهما أنه قد يُؤسس على وجود افتراض لموضوعات غير موجودة فعلًا، وثانيهما أنه قد يستخدم وسيلة غير فعالة من أجل غاية مدبرة ومخططة، بسبب الحكم الخاطئ على الأسباب والنتائج.

قد يمكن تصنيف (هيوم) بأنه فيلسوف لذِّي أحيانًا، أي يميل إلى تفسير الدوافع البشرية من ناحية اللذة المضافة، وقد يشرح الخير والشر أحيانًا كمرادفتين للذة والألم، إلا أنه لم يصل إلى اللذّية التي كان عليها (هوبز) كما ذُكر في تدوينة سابقة.

إن ما يجلب اللذة على المدى البعيد، سواء للفرد أو للآخرين، له منفعة، عند (هيوم). والمنفعة تسبب لنا لذة بطريقة معينة وخاصة، باستقلال عن – وبالإضافة إلى – أي تجربة مباشرة عن نتائجها السارة. ويفسر (هيوم) أحيانًا الاستحسان المحايد لأفعال مفيدة عن طريق وجود حاسة خلقية، يطورها تداعي الأفكار، تلجأ إليها المنفعة. فالفضائل خيرة بسبب منفعتها ؛ فإذا لم تحقق الفضائل الرخاء العام، فإنها لا تكون خيرة. وبعض الفضائل، مثل محبة الآباء، والإريحية هي فضائل طبيعية، طالما أنها تتطور تلقائيًا، وتلجأ مباشرة إلى الحاسة الخلقية، بينما العدالة هي – من ناحية أخرى – نتاج اصطناعي للوسائل البشرية الواعية، على الرغم من أنها غير مرغوبة على نحو أقل نتيجة لهذا السبب.

أما عن نظريات العقد الاجتماعي (يمكنك القراءة عن العقد الاجتماعي في مقالتنا السابقة)، فـ(هيوم) غير مؤمن تمامًا بها، يقول (ويليم كيلي رايت):

والدولة السياسية – كما يراها (هيوم) – هي نتيجة لتطور تدريجي يمكن مقارنته بنمو اللغة ؛ فليست أي منهما نتاج اتفاق اجتماعي متعمد. ومع ذلك فإن القصة المختلقة عن العقد الاجتماعي أفادت في توجيه الانتباه إلى واقعة مؤداها أن الدولة، ومعها فضيلة العدالة، وتأسيس الملكية الخاصة، والاعتراف بالإلزام الأخلاقي لحفظ العهود والعقود، قد تطورت جميعها من غرائز وحاجات بشرية، وأن التأمل الفطن ساعد في نموها.

ولدى (هيوم) معنى للتطور التاريخي للمؤسسات الاجتماعية يندر أن يوجد عند مفكري التنوير الآخرين. فلقد أدت الوقائع التي تقول أن الموجودات البشرية بطبيعتها أنانية إلى حد كبير، ومع ذلك فهي قادرة على كرم محدود، وأن الطبيعة تقدم زادا طفيفًا للاحتياجات البشرية – نقول أدت تلك الوقائع بالناس بصورة تدريجية إلى أن يعترفوا بأن تأسيس الملكية الخاصة أمر مرغوب فيه، ومعه فضيلتا العدل والأمانة اللتان تدعمانه. ومن هنا كان الالتزام الطبيعي أو الذي يحث على العدالة هو مصلحة مشتركة للمحافظة على الملكية والقواعد العامة للسلوك، أما الإلزام الأخلاقي فهو مستمد من التعاطف ؛ وهما معًا تدعمهما التربية الخاصة والعامة.