أرشيف الوسم: الأدب الروسي

نجوم العصر الفضي الروسي في قبو “الكلب الضّال”

كان الربع الأول من القرن العشرين في روسيا، عصر ازدهار ثقافي مبهر، فقد برز خلال تلك الحقبة القصيرة عدد كبيرمن العباقرة في الأدب والفن والفلسفة والموسيقي والمسرح والباليه، الذين كانوا ينتمون الى اتجاهات حداثوية – تجريبية مختلفة، تتنافس فيما بينها في صخب. وكان القاسم المشترك لكل هؤلاء هو الاهتمام الشديد بالقضايا الروحية والإجتماعية، والبحث المكثف عن وسائل جديدة للتعبير الفني.

وقد اصطلح على تسمية تلك الحقبة بـ“العصر الفضي”، تمييزا له عن “العصر الذهبي” للأدب الروسي في القرن التاسع عشر، الذي يرمز إلى إبداع الشعراء والكتّاب الروس الكبار؛ (ألكسندر بوشكين)، و(نيكولاي غوغول)، و(فيودور دوستويفسكي)، و(ليف تولستوي) و(إيفان تورغينيف)، و(أنطون تشيخوف).


كباريه “الكلب الضّال”

في ذروة العصر الفضي، في أواخرعام 1911، طرأت فكرة مدهشة في ذهن المخرج والممثل المسرحي الروسي (بوريس بونين) [1875-1946]، وهي جمع نجوم الثقافة الروسية في العاصمة سان بطرسبورغ في مكان واحد ـ أشبه بالمقهى أو النادي الإبداعي – يقضون فيه أوقاتاً ممتعة بعيدا عن عيون المتطفلين، يتبادلون خلالها وجهات النظر والآراء، أو يقدمون نتاجاتهم الجديدة، أو يشاهدون عروضا مسرحية، أو موسيقية، أو غنائية، وغيرها من الفعاليات الثقافية.

وقد تحمس لفكرته بعض أصدقائه الفنانين والشعراء، وأخذوا يجوبون معا أنحاء مدينة بطرسبورغ بحثا عن مكان ملائم لتأسيس المفهى المنشود، ولكنهم لم يعثروا على منزل يصلح لهذا الغرض. وعندما هدّهم التعب قال أحد الشعراء: “نحن أشبه بالكلاب الضالة التي تبحث لها عن مأوى”. وقد راقت العبارة لفنان تشكيلي وقال: “لنسمي مكان لقاءاتنا؛ كباريه الكلب الضّال”. وقد عثروا في نهاية المطاف على قبو فارغ في فناء جانبي لأحدى العمارات في وسط المدينة، وكان موقعا مثاليا، من دون أية نوافذ على الشارع، حيث لا يمكن للشرطة أن تلتفت إلى الضجيج الصادر عنه.

كان القبو في السابق مخزنا للخمور، وهواؤه مشبعا بروائح الخمور العتيقة، مما ألهب خيال الشعراء والفنانين الذين أسهموا في تأسيس المقهى.

وقد قام كل من الفنانين، (سيرغي سوديكين) [1882-1946]، و(نيكولاي سابونوف) [1880–1912] برسم لوحات فنية رائعة على جدران القبو: أجساد نسائية، وأقنعة، وزهور برية، مستوحاة من قصائد “ازاهير الشر” لـ(بودلير). وطيور خيالية، وشخصيات حكايات (كارلز غوتسي) الكاتب والمسرحي الايطالي [1720-1806]، ومؤلف مسرحيات خرافية، باستخدام عناصر الفولكلور الايطالي. كانت هذه الرسوم الفنية تنقل الحاضرين إلى عالم خيالي.

أصبح حفل افتتاح المقهى في ليلة رأس السنة الجديدة 1912، الذي جمع بين عدد كبيرمن أبرز نجوم الأدب والفن في العاصمة بطرسبورغ، وحضره عدد من أعضاء مجلس الدوما (النواب)، حدثا مشهودا في حياة بطرسبورغ الثقافية؛ الرجال في بدلات السموكنك، والسيدات في فساتين السهرة (الديكولتيه)، نلتمع في اعناقهن قلادات ثمينة مرصعة بالأحجار الكريمة.

وكان سعر بطاقة الدخول إلى مقهى “الكلب الضّال” ثلاث روبلات لمن لديه توصية خطية من أحد أعضاء مجلس الإدارة، و25 روبلا للآخرين – وكان هذا مبلغا كبيراً نسبياً في ذلك الوقت، ويعادل الراتب الشهري لموظف عادي، وذلك لتغطية نفقات الحفل، ولمنع أي طاريء على الأدب والفن، أو فضولي من حضور حفل الافتتاح.

وضعت إدارة المقهى سجلا كبيرا مغلفا بالجلد الأزرق في المدخل يوقع عليه الحضورعند قدومهم، وقد يكتب فيه الشعراء آخر ما جادت به قرائحهم من أبيات شعرية.

 لم يكن لـ“كباريه الكلب الضّال” أية صلة بما تقدمه الكباريهات من عروض إثارة رخيصة ومبتذلة، بل كان أقرب الى المقهى الأدبي والمسرح الفني معا، ويتكون من قاعتين تتسعان لحوالي 200 شخص، قاعة للمسرح واخرى للكافتيريا. ومفتوحا في الليل فقط من الساعة الحادية عشرة ليلا الى الثامنة صباحا، وربما لهذا سماه صاحبه بالكباريه.


فعاليات ادبية وفنية متنوعة

شهد المقهى خلال عمره القصير، الذي لم يتجاوز ثلاث سنوات ونصف السنة، حفلات تكريم الشعراء والفنانين، وعروضا مسرحية رائدة،  ومعارض تشكيلية، وحفلات موسيقية وغنائية، ومحاضرات أدبية وفكرية، واحتفالات رأس السنة الميلادية، وحفلات تنكرية وراقصة، ولقاءات مع كبار الشعراء الأجانب من زوار العاصمة بطرسبورغ.

القبو مليء بدخان السكائر والغليونات، وهواؤه مشبع بروائح الخمور والعطور، رغم وجود ساحبة هواء لا يسمع طنينها في صخب المقهى. ولكن الجو كان ممتعا للغاية. الضحكات تتعالى، وبين حين وآخر يصعد احد الشعراء على خشبة المسرح، ليلقي قصيدة جديدة له، فيعارضه في الحال شاعر بقصيدة ارتجالية.

هنا تفتحت مواهب شعراء شباب أصبحوا لاحقا مفخرة الأدب الروسي؛ (آنّا أخماتوفا)، و(نيكولاي غوميليف)، و(فلاديمير ماياكوفسكي)، و(أوسيب ماندلشتام). وكان الشعراء (خليبنيكوف) و(أندريه بيلي)، (كونستانتين بالمونت)، (ايغور سيفيريانين). والكاتبة والشاعرة (زينائيدا غيبوس)، والكاتبة (الكساندرا تافّي) أيضاً، من رواد المقهى الدائميين. وقد لا يعني ذكر أسمائهم – باستثناء (ماياكوفسكي)، و(أخماتوفا)، و(ماندلشتام) – شيئا للقارئ، الذي ليس له اطلاع واسع على الأدب الروسي الكلاسيكي، ولكنها أسماء كبيرة في عالم الأدب، وفي ذاكرة القراء في روسيا، حيث دخلت أعمالهم الأدبية الى المقررات الدراسية في المرحلة الثانوية، وإلى المناهج الجامعية للتخصصات الأدبية واللغوية.

وكان للمقهى شعار رسمه فنان شهير من رواد المقهى، ونشيد خاص كتبه الشاعر (ميخائيل كوزمين) [1872- 1936] تحت عنوان “لكي ننجو من النسيان” وذلك لمناسبة مرور عام واحد على تأسيس المقهى.

كان عمالقة المسرح الروسي (يفغيني فاختانكوف)، (فسيفولد ميرخولد)، (الكساندر تاييروف)، يسهرون في هذا المقهى إلى وقت متأخر من الليل، بل أن بعض الأدباء كانوا يسهرون فيه حتى الصباح الباكر، ومنه يتوجهون الى أعمالهم أو منازلهم. ويخيل إليهم أن كل الحياة متركزة هنا، في هذا المكان تحديداً، ولا توجد حياة أخرى يماثلها. وأصبح المقهى البيت الأول للعديد من المبدعين.


محاضرات أدبية

وشهد المقهى إلقاء محاضرات لألمع النقاد والمفكرين. هنا ألقى (فيكتور شكلوفسكي) [1893 – 1984]، رائد المدرسة الشكلانية في الأدب الروسي والعالمي – محاضرة تحت عنوان “الآفاق المستقبلية لتأريخ اللغة”، كما ألقى الشاعر (سيرغي غوروديتسكي) [1884 – 1967]  محاضرة عن تيار“الذروة” في الشعر الروسي، صاغ فيها لأول مرة المبادئ النظرية لهذا التيار الصاعد، الذي حل محل المدرسة الرمزية. وأعقبت المحاضرة مداخلات لـ(أخماتوفا)، و(غوميليف) وشعراء آخرين.

وفي أبريل 1914 أقام المقهى أسبوع “الثقافة القفقازية” ألقى خلاله العديد من الأدباء الروس محاضرات عن زياراتهم إلى منطقة القفقاز، وانطباعاتهم عن ثقافات شعوب المنطقة، وقد أقيم ضمن فعاليات الأسبوع معرض للمنمنمات الفارسية، التي اقتناها أحد الأدباء في منطقة القفقاز.


شعراء عالميون من زوار المقهى

 وكان المقهى يستضيف كبار الأدباء الأجانب، عند زيارتهم لبطرسبورغ. فقد استضاف الشاعر الايطالي الشهير (فيايب مارينيتي) [1876- 1944]، الرائد المؤسس للمدرسة المستقبلية في الشعر، الذي القى محاضرة قيمة عن المستقبلية أثارت دهشة الحضور، وترحيبهم، وخاصة (فلاديمير ماياكوفسكي) الذي جلس يستمع إلى أستاذه الإيطالي مذهولا. كما ألقى الشاعر الفرنسي، (بول فورت) [1872-1960]، محاضرة عن الشعر الفرنسي. وهذا الشاعر الذي يكاد يكون مجهولا للقاريء العربي، تم اختياره –بعد استطلاع للرأي جرى عام 1912 – أميرا للشعراء الفرنسيين.

كما زار المقهى الشاعر البلجيكي، فرنسي اللغة، (أميل فيرهارن) [1855- 1916]، والعديد من الأدباء الأوروبيين، زوار العاصمة بطرسبورغ.


قصص حب لا تنتهي

لم يقتصر هذا المقهى الإبداعي على الذكور فقط، فقد كان عدد لافت من الكاتبات والشاعرات يحرصن على التردد إلى هذا المقهى الإبداعي. كما كان كثير من رواد المقهى يصطحبون معهم زوجاتهم أو صديقاتهم. وقد ولدت هنا، والتهبت قصص حب لأشهر أدباء وفناني العصر الفضي، بينهم (فلاديمير ماياكوفسكي)، وأدت إلى تغيير حيواتهم ومصائرهم. ومن الأحداث الدراماتيكية المرتبطة بتأريخ “الكلب الضّال” أن الشاعر (فسيفولد كنيازوف) انتحر بعد خيبة أمله في كسب ود فنانة أحبها إلى حد الوله.

كانت هذه الحياة الفنية الساخنة جانبا واحدا من جوانب الحياة في القبو، أما الجانب الآخر، وربما الأهم، فهو ذلك التحرر الروحي الذي ظل عالقا بذاكرة رواده طوال حياتهم. وكانوا يتذكرون القبو بحنين جارف ولوعة محرقة، كما جاء في مذكراتهم الشخصية.


(آنّا أخماتوفا) في مقهى “الكلب الضّال”

 كانت (آنّا أخماتوفا)، في الثالثة والعشرين من عمرها. امرأة جذّابة، وشاعرة رقيقة، ذات موهبة عظيمة، مفعمة بالأنوثة، والبراءة، والرومانسية، ونشرت قصائد تنم عن ولادة شاعرة واعدة. وذاع صيتها، حتى قبل ان تجمع قصائدها المنشورة في المجلات الأدبية المرموقة بين دفتي ديوان صدر في آذار عام 2012 تحت عنوان؛ “المساء”.

وكانت (اخماتوفا) وزوجها الشاعر (نيكولاي غوميليف) [1886-1921] يشكلان ثنائيا مبهرا. وكان الأخير ضابطاً في الحرس الإمبراطوري، وشاعرا ذاع صيته وهو في مقتبل الشباب.

وكان كثير الأسفار، يجوب البلدان التي تختلف ثقافتها كثيراً عن الثقافة الروسية، فقد قضى فترة من الزمن في مجاهل افريقيا، ونشر عنها بعض الكتب. أما (أخماتوفا) فقد كانت تسهر في هذا المقهى حتى الفجر بجوار الموقد شتاءً، شاحبة الوجه، ترشف القهوة السوداء، وتدخن سجائر نسائية رقيقة، وترتدي تنورة حريرية سوداء ضيقة لتبدو – كما تقول في قصيدة لها مكرسة للقبو  – أكثر رشاقةً، وتشد خصرها بحزام جلدي عريض، وتجلس مع سيدات ذوات عيون وسيعة، يرتدين قبعات عريضة الحوافي، يحيط بهن جمهور من المعجبين بشعر (أخماتوفا). كانت الشاعرة الشابة مرحة دائما، تتعالى ضحكاتها في ارجاء القاعة، فيقترب منها شاعر متمرس، ويطلب منها هامساً، أن تخفض صوتها، كما يليق بشاعرة معروفة. وعندما يطلبون منها إلقاء أبيات من شعرها، يرتسم على وجهها تعبير جاد، وتتوجه إلى خشبة المسرح، وتلقي ببراعة ممثلة مقتدرة، شعرا حداثبا بإيقاعه الجميل وصوره المجازية المبتكرة.


العاصفة

كان هذا في زمن الازدهار الثقافي، قبل النكبات التي حلت بروسيا في السنوات اللاحقة. ورغم أن الوضع السياسي كان مشحونا بنذير أحداث عاصفة، الا أن ذلك لم يمنع من مواصلة الحياة الإبداعية الصاخبة في هذا المقهى الفريد من نوعه في روسيا والعالم. فقد كانت الأحلام الجميلة ما زالت ممكنة التحقيق، وأصبحت (أخماتوفا) معبودة الشعراء من مدرسة الذروة “الأكميزم” – الذين شكلوا تجمعا أطلقوا عليه اسم “ورشة الشعراء” بمبادرة من الشاعر (غوميليف) – وتثير قصائدها رغبات حسية دفينة وموجعة لدى الجيل الجديد. ولم يدر بخلدها في ذلك الحين، أن المستقبل محمّل بالمصائب.

وفي هذا المقهى توثقت علاقة (أخماتوفا) بواحد من اعظم الشعراء الروس في القرن العشرين وهو (أوسيب ماندلشتام) [1891- 1938]. ذات مرة عندما انهت (اخماتوفا) إلقاء قصيدتها صعد (ماندلشتام) إلى خشبة المسرح، وارتجل إحدى روائعه التي يصف فيها الشاعرة الموهوبة (آنّأ) وشالها الكلاسيكي، المزيف على حد تعبيره. وبعد أيام كانا يتجولان في شوارع بطرسبورغ، عندما دخلت (آنّا) إلى كابينة التلفون، وبعد ان أنهت مكالمتها، ارتجل (ماندلشتام) قصيدة في وصف جمالها، وكيف تبدو وراء زجاج الكابينة وهي تتحدث في التلفون.


(فلاديمير ماياكوفسكي): إليكم يا من تحبون النساء والعربدة!

ظهر الشاعر (فلاديمير ماياكوفسكي) في “الكلب الضّال” لأول مرة في خريف عام 1913، وكان عمره عشرين عاماً  ولم يكن يرتدي قميصه الأصفر المخطط الشهير، بل بدلة عادية ويعتمر قبعة عالية.

هنا وعلى مسرح المقهى ألقى الشاعر الشاب قصيدته الطويلة الشهيرة “غيمة في بنطلون”. أثارت القصيدة هيجانا لم يسبق له مثيل. كانت أصوات الشجب والإستنكار تتعالى في أرجاء المقهى، فطلب الكاتب الروائي (ميخائيل فولكوفسكي) – وكان شبخاً مهيباً بلحيته البيضاء الكثة – الكلام للتعقيب وقال: “أنا عندكم هنا لأول مرة، ولم ألتق بكم سابقا. لقد ألقى الشاعر الشاب قصيدة غير تقليدية. ولولا بعض الكلمات الخادشة في نهايتها لكانت قصيدة رائعة. هذا شعر جديد وأصيل، وغير مألوف، لذا فأنه أثار غضبكم. ولكن مهلا، إنه شاعر موهوب وستتعودون على مثل هذا الشعر، وكل جديد يثير لغطا في البداية لينتهي إلى الأعتراف بموهبة شعرية أصيلة”.

ومع بداية الحرب العالمية الأولى، واشتراك روسيا فيها كتب (ماياكوفسكي) قصائد تدين الحرب بكل صورها. وفي أوائل عام 1915، وفي ذروة الزمهرير الروسي، جاء (ماياكوفسكي) من الجبهة تواً – وكان قد استدعي للخدمة العسكرية الإجبارية – وحضر إلى “الكلب الضّال” وطلب من (بونين)، صاحب المقهى السماح له بإلقاء قصيدة جديدة له بعنوان “إليكم”، قائلا له: “دعني أتحرش بالبورجوازيين قليلا”. وكان (بونين) من المعجبين بشعر (ماياكوفسكي)، كما يقول في مذكراته عن القبو. وقف الشاعر المثير للجدل على خشبة المسرح بقامته المديدة، وألقى قصيدته الشهيرة “إليكم” بصوته الجهوري. وكانت قصيدة هجاء لاذعة، يسخر فيها من هؤلاء السادة الذين يعيشون في منازل مدفأة، تتوافر فيها كل وسائل الراحة، ويقضون أوقاتهم في المغامرات العاطفية، والسكر والعربدة، وأكل ما لذ وطاب، في وقت تخوض فيه روسيا حربا دامية، وتخسر كل يوم عددا من خيرة شبابها. أثارت القصيدة غضبا عارما، ونقاشات حامية داخل المقهى، وانتقل النقاش في اليوم التالي إلى إحدى كبريات صحف بطرسبورغ (بيرزفوي فيدومستي). وظهرت في الصحيفة مقالة وصفها (بونين) بأنها قذرة. مقالة تحريضية ضد المقهى، بقلم صحفي كان يرتاد المقهى بانتظام، ويسكر فيه أكثر من أي زائر آخر. لفتت المقالة انتباه الشرطة، التي داهمت المقهى، ولم تجد فيه مخالفة تذكر، سوى عدم الالتزام تماماً بالقرار الحكومي الذي صدر في أوائل الحرب بمنع تقديم الخمور في المطاعم والحانات والمقاهي، حيث عثرت الشرطة على بعض القناني الفارغة تحت الأرائك، فتم غلق المقهى في 3-3-1915.

خلال الحرب العالمية الثانية تحول القبو إلى ملجأ آمن من الطائرات الألمانية المغيرة. وصادف وجود (أخماتوفا( خلال إحدى الغارات بالقرب من القبو، فلجأت إليه مع أناس آخرين. ولا أحد يدري، ما الذي كان يدور في خلد الشاعرة العظيمة في تلك الدقائق، التي لجات فيها إلى المكان الذي شهد أجمل ايام حياتها. وقالت فيه قصائد مرحة، وتحدثت عنه في مذكراتها، وفي قصيدتها الطويلة “ملحمة بلا بطل”.


استغلال اسم “الكلب الضّال” تجارياً

أما اليوم فإن البعض يحاول استغلال اسم وشهرة “الكلب الضّال” تجاريا، فقد تم إعادة ترميم وتجميل القبو، ليس من أجل تأسيس مركز ثقافي فيه، بل تحويله إلى (ريستوران) يحمل اسم “الكلب الضّال”. يقدم فيه – إلى جانب الأكلات الروسية – فعاليات مسرحية، وغنائية بأسعار باهظة. ويحاول صاحب الريستوران أو القاعة عبثا، تقليد الجو الذي كان سائدا في القبو في أوج ازدهاره وشهرته في العصر الفضي. ورغم الدعاية الهائلة، إلا ان االمكان اليوم يفتقد روح مقهى “الكلب الضّال”، وأجوائه الإبداعية، وعباقرته الذين تحولوا إلى أساطير جميلة في ذاكرة الأجيال الروسية المتعاقبة. وإذا كان من الممكن انتحال اسم المقهى القديم، وتقليده في كل شيء  فمن يعيد إليه عباقرته، وروحه، والأجواء الإبداعية التي كانت سائدة فيه ؟

ثنائية الحياة والموت في قصص إيفان بونين

إيفان بونين (1870 ـ 1953) أحد الأعلام البارزين في الأدب الروسي الكلاسيكي، وقد بدأ حياته الأدبية شاعراً، ولم يكن قد تجاوز العشرين من عمره حين نشرت مجموعة أشعاره الأولى، التي نال من أجلها “جائزة بوشكين“، ثم منح الجائزة ذاتها للمرة الثانية حين ترجم عن الشاعر الأمريكي (لونغفيلو) ملحمته الشعرية (هياواثا).

بيد أن (بونين) معروف في المقام الأول ككاتب نثر ممتاز، ويعد أهم كاتب للقصة القصيرة بعد (تشيخوف). ويتميز أسلوبه بالثراء اللغوي والعمق السيكولوجي. (بونين) شأن (تشيخوف) يأسر القارىء في قصصه بوسيلة أكثر من أي متعة أخرى، إن قصصه مواقف آسرة وشخوص فريدة، فالكاتب يجذب إنتباهنا فجأة لما هو عادي تماماً ومألوف عندنا في خبرتنا اليومية والحياتية، ولما مررنا به في الماضي مرات عدة دون أن تصيبنا الدهشة لولا ذاكرته الفنية.

في عام 1909، عندما كان في التاسعة والعشرين من العمر، منحته أكاديمية العلوم الإمبراطورية الروسية لقب “أكاديمي” تقديراً لإبداعه الأدبي، وهو شرف لا يحظى به، إلا القلة من العلماء والمبدعين.

نال (بونين) “جائزة نوبل في الآداب” لعام 1933، عقب صدور روايته (حياة ارسينيف). و كان أول كاتب روسي يحصل على هذه الجائزة. وجاء في نص قرار منح الجائزة ما يلي: “بقرار من الأكاديمية السويدية تمنح جائزة الآداب لـ(إيفان بونين) لقاء الموهبة الفنية الحقة التي تمكن بواسطتها من إعادة خلق الشخصية الروسية بقالب نثري جميل“.

عندما تقرأ قصص (بونين) لا يمكنك إلا أن تفكر في لغز الوجود الإنساني ومواجهة الإنسان لمصيره المحتوم.


ثنائية الحياة والموت في قصص إيفان بونين

ثنائية الحياة والموت، كانت واحدة من اهم الثيمات الرئيسية في ابداع (ايفان بونين). وقد عالجها الكاتب بطرق مختلفة، ولكنه في كل مرة توصل الى إستنتاج مفاده أن الموت جزء لا يتجزأ من الحياة، وليس للإنسان عزاء أو سلوى، لا في العمل، ولا في الحياة الأسرية. الحياة اليومية روتينية ومملة، والعمل مرهق، والناس غرباء بعضهم عن بعض. عندما يأتي الإنسان الى الحياة، فأنه يندفع على الفور الى نهايته. العالم هاوية، مستنقع، والموت مسألة صدفة. حياة الأنسان لا شيء بالمفارنة مع العالم. والانسان نفسه عاجز وضعيف بصرف النظر عن موقعه في السلم الاجتماعي. كل شيء في العالم زائف ووهمي، والحقيقة الوحيدة هي الموت. ويرى (بونين) ان الحب هو مقاومة للموت وتجسيد للحياة. ولكننا اذا تمعنا عن كثب في قصصه عن الحب، نجد مفارقة واضحة، وهي ان الحب السمة الرئيسية للحياة: من يحب، يعيش حقاً. ولكن الموت يترصد للإنسان دائما في كل لحظة، وفي كل مكان. ويرى (بونين) ان الحب العميق الجارف كونه تركيز للحياة واللحظة الاكثر توترا في الوجود الانساني ينتهي بالموت في أكثر الأحيان.

يأتي الإنسان الى هذا العالم، عالم الفوضى، لفترة جد قصيرة من الزمن، والحياة توهب له لأسباب غير مفهومة لا يعلمها، الا الله. والموت ينهي هذه الحياة على نحو مأساوي. وكل شيء يحدث مصادفة. وثمة ارتباط وثيق بين الحياة والحب والموت.

في مجموعة قصص (بونين) الرائعة (الدروب الظليلة)، والتي اطلق عليها النقاد اسم “موسوعة الحب”، نجد إن النهاية التراجيدية امر طبيعي، لأن الحب الحقيقي الجارف يقتل العشاق حتماً، مما ينقذهم من خيبة الأمل. ولهذا لا نجد في (الدروب الظليلة) قصة واحدة تنتهي بالزواج. الزواج يحمل معه العادة التي تقتل الحب عاجلا ام آجلاً.

في العالم الذي صوره (بونين) في اقصوصة “اسطورة” شخصان: هو وهي. هي ميتة، وهو على قيد الحياة، ولكنه يعرف أنه سيموت أيضا في يوم ما. و سيأتي آخرون الى هذا العالم، وهو يأمل أن يعد هؤلاء بدورهم الزمن الذي عاش فيه، اسطورياً.

وتعد هذه الأقصوصة، التي ترجمناها عن الأصل الروسي، نموذجاً لنظرة بونين الى العلاقة، التي لا تنفصم بين الحياة والموت.


أسطورة

على أنغام الأورغ والغناء، كان الكل يغني على وقع الأورغ أغنية حلوة، حزينة، ومؤثرة تقول: “ما أطيب الوقت معك يا الهي!“. على ايقاع الأورغ والغناء رأيتها فجأةً بجلاء واحسست بها. لا أدري من أين انبثق طيفها في خيالي بشكل مباغت وغير متوقع، شأن كل ما يفاجئني  به خيالي في الحالات المماثلة، على نحو يجعلني أفكر في الأمر طوال اليوم.

أعيش حياتها وزمانها. لقد عاشت في تلك الأيام الغابرة التي نسميها العصور القديمة. ولكنها رأت هذه الشمس ذاتها التي أراها الآن، وهذه الأرض التي أعشقها، وهذه المدينة القديمة، وهذه الكاتدرائية، والصليب الذي ما زال يسبح بين الغيوم، كالعهد به في العصور القديمة. وسمعتْ الغناء نفسه الذي اسمعها الآن. كانت فتية، تأكل، وتشرب. وتضحك وتثرثر مع جاراتها، وتعمل، وتغني. كانت فتاة شابة، فعروساً، ثم أماً. ماتت قبل الأوان، مثلما تموت النساء الرقيقات المرحات في ريعان الشباب غالباً. في هذه الكاتدرائية أقيم القداس على روحها. وها قد مرت قرون عديدة على رحيلها عن العالم الذي شهد منذ ذلك الحين كثيراً من الحروب الجديدة، والبابوات الجدد، والملوك والتجار والقساوسة والفرسان. في حين ان عظامها النخرة، جمجمتها الصغيرة الفارغة راقدة تحت الأرض، كما رفات الآخرين. كم عددها في الأرض هذي العظام وهذي الجماجم؟ ان كل الماضي البشري وكل التأريخ الإنساني حشود غفيرة من الموتى! وسيأتي يوم سأنضم فيه الى جموعهم. وسأبث أنا أيضاً الرعب بعظامي وجثتي في مخيلة الأحياء، كما فعلت تلك الحشود الغفيرة من الجيوش التي ستغرق الأرض يوم الحشر .. ومع ذلك سوف يعيش أحياء جدد بأحلامهم عنا نحن الموتى، وعن حياتنا القديمة وزماننا القديم الذي سوف يبدو لهم رائعاً، وسعيداً، واسطورياً ..

هل مات الأدب الروسي؟

dstofsky

 

تراجع الأدب الروسي – بعد تفكك الاتحاد السوفيتي – عن موقعه المتقدم في العالم عموما، وفي العالم الناطق بالإنجليزية خصوصاً. ويُقال ان القارئ الأميركي – من الجيل الجديد – يكاد يجهل هذا الأدب تماماً، ولا يستطيع أن يذكر اسم كاتب روسي معاصر واحد. والسبب الرئيسي لهذا التراجع هو ان الادب الروسي اصبح اليوم ادباً محلياً بكل معنى الكلمة. 
الأدب المحلي الذي يكون مفهوما وقريبا من شعب واحد فقط، وغير ممتع بالنسبة الى بقية االشعوب، يتحول – في أفضل الأحوال – الى مجرد مصدر لعلماء الأنثروبولوجيا ولا يهم القاري الأجنبي. أما الأدب المحلي، الإنساني الطابع، الذي بعبر عن روح العصر، ويثير أحاسيس مشتركة بين البشر وتجاوباً فكرياً يتفاعل في كل بيئة مجردة من المكان والزمان، فهو الذي بجذب انتباه القارئ بصرف النظر عن العرق والمعتقد واختلاف الثقافات.

نتائج غير متوقعة لإلغاء الرقابة

مما يثير الدهشة حقاً، ان الغاء الرقابة واطلاق حرية التعبير والنشر، في اواخر حقبة (البريسترويكا ) لم يؤد الى ازدهار الأدب الروسي المعاصر، كما كان متوقعاً، بل على النقيض من ذلك أدى الى شيوع أدب التسلية الجماهيري الإستهلاكي، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الرقابة أمر مفيد، لأن ثمة أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية، وراء ظاهرة الأدب المحلي الأستهلاكي وفي مقدمتها عزوف السواد الأكبر من الشباب عن قراءة الكتب الجادة المطبوعة وتفضيل الكتب الألكترونية أو سماع تسجيلها الصوتي عبر الأجهزة الذكية، فالسماعات لا تفارق الشباب الروس حتى في عربات المترو في موسكو وسان بطرسبورغ.
الأدباء الذين كانوا ينشرون نتاجاتهم سراً داخل البلاد “أدب الأندر غراوند” كما  يسميه الروس، لم يعد لديهم ما يعارضون به العهد الجديد، وأدب “الواقعية الأشتراكية” عفا عليه الزمن، وطوى النسيان أغلب كتّابه البارزين، الذين كانوا نخبة صغيرة مرفهة في العهد السوفيتي، تتمتع بامتيازات شبيهة بامتيازات القادة السياسيين في المكافآت والسكن والمعالجة في مستشلفيات خاصة، وارتياد المنتجعات الجميلة على البحر الأسود صيفا، ودور الراحة في المناطق المشمسة ذات المناخ المعتدل في جنوب البلاد شتاءاً. وكانت كتبهم المنشورة بأعداد هائلة تدر عليهم عائدات كبيرة. وبعد تعويم “الروبل” في عام 1992 فقدوا كل مدخراتهم التي تحولت الى أوراق لا قيمة لها. فعلى سبيل المثال كان الشاعر السوفيتي الشهير (يغور إيسايف) (1926 – 2013 ) – الحائز على أرفع جائزة أدبية سوفيتية لمرتين، وهي جائزة (لينين)، وعلى وسام بطل العمل الإشتراكي –له نفوذ كبير في اتحاد الكتّاب السوفيت، وعضوا في هيئات تحرير كبريات المجلات الأدبية، ولكنه وجد نفسه على حين غرة من دون عمل في العهد الجديد، ومرّ بضائقة مالية شديدة، بعد انهيار سعر الروبل ورفض دور النشر الخاصة الجديدة – التي حلت محل دور النشر الحكومية السوفيتية – نشر أي ديوان جديد له. كما أن المكافآت لقاء نشر قصائده في المجلات الأدبية أصبحت ضئيلة وتافهة، لا تكفي لشراء كغم واحد من اللحم، وعانى الأمرين في تحصيل لقمة العيش، فلجأ الى تربية الدجاج في مزرعته في إحدى ضواحي موسكو لكسب ما يمسك عليه حياته وحياة اسرته. وتوقف عن كتابة الشعر.
ان مصير أغلب كتّاب الواقعية الأشتراكية لا يختلف كثيراً عن مصير الشاعر (إيسايف)، وقد طواهم النسيان، وأصبحوا في ذمة التاريخ.
 الادباء المهاجرون اخذوا ينشرون نتاجاتهم داخل روسيا ايضا، وعاد العديد منهم الى الوطن بعد غيبة طويلة، ومنهم الأدباء الذين اسقطت عنهم الجنسية السوفيتية. ولكن سرعان ما  زال سحرهم في العهد الجديد، فإلإمبراطورية، التي كانوا يحاربونها، لم تعد لها وجود.
وجاء جيل جديد من الأدباء الشباب، ضائع لا يعرف ماذا يريد، وتحولت مهنة الكتابة الأستهلاكية الخفيفة الى تجارة رابحة، لأولئك الذين يبحثون عن اسهل الطرق للحصول على المال، و كانوا في السابق يمارسون مهناً اخرى، ولا يفكرون يوما في إتخاذ الكتابة الأدبية مهنة لهم. ونزل الى الميدان الأدبي ضباط بوليس ورجال مخابرات متفاعدون، يستمدون من خبراتم الوظيفية وتجاربهم الحياتية، حبكات رواياتهم البوليسية والتجسسية، ولم يقتصر الأمر على الجنس الخشن، بل اقتحمت صحفيات ونساء من شرائح ومهن شتى، وحتى ربات بيوت مجال الادب بسلاسل من الروايات الغرامية والبوليسية والخيالية، التي لقيت رواجاً كبيرا لدى الجمهور الباحث عن ادب اللذة.
وفي الوقت الذي كان فيه الجمهور القاريء في الحقبة السوفيتية يتابع الإصدارات الجديدة لعدد محدود من الأدباء المعروفين، ثمة اليوم مئات الأدباء من الجنسين – معظمهم في مدينتي موسكو و سان بطرسبورغ – وقد تحوّل كل منهم الى آلة لأنتاج رواية كل شهر أو شهرين للحصول على أكبر قدر من المال. وهم أعضاء في عدة  إتحادات جديدة للأدباء تشكلت بعد إلغاء اتحاد الكتاب السوفيت. وهي “الإتحادات الجديدة” تتناحر اليوم فيما بينها على ممتلكات الإتحاد السابق من بنايات ودور سكن في قرية الكتّاب (بريديلكينا) في ضواحي موسكو .

أدب الـ(غرافومانيا)  

لم يعد للأدب الروسي صلة بالواقع ويتسم بطابع  شديد الغرابة بالنسبة الى القاريء الأجنبي، وتسود فيه ما تسمى الـ(غرافومانيا)، أي هوس الكتابة السطحية التي غالبا ما تكون فضفاضة ومملة، حول أحداث عادية وأبطال لا يتميزون بشيء.
البعض من اشهر الكتاب الأستهلاكيين الروس المعاصرين لا يجيدون حتى اللغة الأدبية الروسية، ونتاجاتهم مكتوبة بلغة سوقية أسوأ من لغة الصحافة الصفراء، مما ينم عن ذوق فاسد. ولولا البهارات الأيروتيكية مثل الوصف التفصيلي للعلاقات الحميمة وشتى أنواع التجارب الرذيلة لما قرأ أحد كتاباتهم.
أما الأدب الروسي الخالي من البهارات الأيروتيكية والعبارات الفاحشة – الذي يمكن إعتباره إمتداداً للتقاليد الأدبية الروسية –  فإنه يتناول عددا من القضايا، التي لم تعد تهم القاريء الغربي. مثل التعصب القومي الروسي، أو العيش وفق معايير الكنيسة الأرثوذكسية ، أو الإنسان في مواقف استثنائية؛ الحرب، والمعتقل. ويقصد بالحرب هنا المعارك الطاحنة التي جرت بين الجيشين الأحمر والهتلري خلال الأعوام الأربعة الأخيرة (1941-1945) من الحرب العالمية الثانية، التي يطلق عليها الروس اسم “الحرب الوطنية العظمى”. وقد كتب عنها عدد لا يحصى من الروايات والدواوين الشعرية في العهد السوفيتي. أما وصف جحيم المعتقلات، ومعسكرات العمل الأجباري الشاق فلم يعد فيه أي جديد بعد روايات (سولجنتسن) و(حكايات كوليما) لـ(فرلام شالوموف).
وتحتل موضوعة تفكك الإتحاد السوفيتي والحنين الى المجد الأمبراطوري الغابر مساحة واسعة في الأدب الروسي الجديد – فما زالت الإمبراطورية حية في الأذهان، وحتى في الروايات الخيالية – لأن روسيا مرّت في العقدين الأخيرين بسنوات عصيبة، تغيرت فيها، ليس اسلوب الحياة فقط، بل المعايير الأجتماعية والقيمية والجمالية أيضاً. ولا أحد اليوم يعرف بمن يثق، وبماذا يتفاخر، وماذا يفعل، وكيف يحيا لاحقاً. وثمة ثلاثة إتجاهات في هذا المجال :
  • محاولة فهم ووصف ما حدث وما يحدث الآن، على أنقاض الإمبراطورية المنهارة.
  • التعبير الفني عن مجتمع استهلاكي وضياع المثل العليا التي كانت تستشرفها النخب المثقفة.
  • الإنسان الروسي الجديد، الذي يتعلق بأذيال المطامع المادية و لديه المال ووسائل الترفيه، ولكن حياته كئيبة. وأخذ يتساءل من جديد – السؤال الروسي التقليدي – ما العمل ؟

تراجع وانعزال

تشير الأحصاءات الحديثة  الى أن ما يترجم من الأدب الروسي الى اللغة الإنجليزية لا يتجاوز 3% من اجمالي الأعمال الآدبية الأجنبية المترجمة الى هذه اللغة الأساسية في عالمنا المعاصر. ويكفي أن نقول أنه خلال العقدين الأخيرين لم يدخل أي كتاب روسي الى قائمة جائزة  افضل كتاب أجنبي مترجم.
في حين حصل عليها اعمال ادبية مترجمة الى الانجليزية من آداب بلدان اوروبا الشرقية الأخرى التي تحتل مكانة متواضعة في الأدب العالمي.  
وعموما فإن نصيب الأعمال الأدبية الروسية من الجوائز الأدبية العالمية والأوروبية – منذ انهيار الإمبراطورية – جد قليل، رغم ان مشاهير الأدباء الأستهلاكيين الروس يحصلون بإستمرار على الجوائز الأدبية الروسية المتعددة، التي يصعب حصرها لكثرتها، وتتحكم فيها دور النشر والإشهار الروسية الكبرى.
الروايات الروسية المعاصرة تنشر في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بأعداد قليلة من قبل دور النشر الصغيرة أوالجامعية، وليس دور النشر الشهيرة، مثل (بنجوين) أو (راندوم هاوس)، أو (فارار وجيرو)، ولا تعرض في المكتبات والمتاجر الشهيرة– ما عدا بعض روايات لـ(ودميلا اوليتسكايا) و(ميخائيل شيشكين) – والأخير يقيم بشكل دائم في سويسرا – بل في المكتبات الجامعية او على مواقع الأنترنيت، مثل موقع (امازون).
أحياناً يمكن العثور على بعض روايات الخيال العلمي للكاتبين الروسيين (بوريس اكونين) و(فيكتور بيليفين) في هذه المكتبة او تلك، ولكن ليس ثمة رواية روسية واحدة ضمن قوائم الكتب الأكثر رواجاً. والعالم لا يتابع نتاجات الكتاب الروس المعاصرين – كما كان الأمر في الماضي –  ولا يسوق كل النسخ المطبوعة منها رغم محدوديتها.
يقول اصحاب دور النشر  الروسية، والكتاب الروس انفسهم ان ذلك ناجم عن ضعف الدعاية والترويج للأدب الروسي المعاصر في الدول الغربية. ولكن هذا الزعم غير دقيق بدليل ان الكتاب الروس الأستهلاكيين يقومون بتكليف المترجمين الغربيين بترجمة نتاجاتهم الى الأنجليزية، كما يقومون بحملات دعائية مكثفة في الدول الغربية لترويج وتسويق نتاجاتهم، ولم يبق في جعبتهم من سبيل الا وسلكوه لأغراء القاريء الغربي، دون ان يحرزوا تقدما كبيرا في هذا المجال، لأنهم يلحون عليه اقتناء وقراءة ما لا يحتاج اليه .
النقاد الروس – الذين يدورون في فلك دور النشر الروسية الكبرى – يعزون سبب ذلك الى السياسة، ويقولون أن روسيا لم تعد عدوة أو منافسة للغرب، ولهذا فالأدب الروسي المعاصر لا يحظى بإهتمام كبير في الغرب، ولكن هذا تضليل متعمد، الغرض منه الأيحاء بأن الأدب الروسي اليوم بخير، وان السياسة الغربية الحالية ازاء روسيا هي التي تمنع انتشار الأدب الروسي في الغرب، ولكننا نعلم أنه لا توجد أي رقابة على الأعمال الأدبية في الغرب، لا يالنسبة الى الأدب الروسي ولا أي أدب آخر. فمن يرتاد متاجر الكتب في العواصم الغربية يجد الكثير من الطبعات الحديثة للأعمال الأدبية لعمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي (تولستوي)، (دوستويفسكي)، (تشيخوف)، (تورغينيف). وكذلك العديد من الكتب المكرسة لتحليل الوضع السياسي الراهن في روسيا البوتينية. وهذا يقودنا الى استنتاج جلي وهو أن القاريء الغربي ما يزال مهتما بما يحدث في روسيا اليوم، ولكنه لم يعد يهتم بالادب الروسي الإستهلاكي، الذي لا يعبر عن الواقع الروسي الراهن.
بعد (برودسكي) و(سولجنتسن) لا يوجد كاتب أو شاعر روسي واحد يحظى بنفس القدر من أعجاب القراء في الغرب. الجمهور الذي يقرأ الأدب الروسي، حتى اليوم، يتألف أساساً من المهاجرين والمغتربين الروس في الدول الغربية، وحفنة من المهنيين في كل بلد غربي، ومعظمهم من أساتذة وطلاب أقسام اللغة الروسية أو الأدب الروسي، وكذلك الأجانب من خريجي الجامعات والمعاهد الروسية.
يقول اصحاب دور النشر الغربية أنهم يريدون روايات روسية عن الواقع الروسي، ولكن مثل هذه الروايات نادرة في الأدب الروسي المعاصر. ولم يظهر في روسيا خلال العقدين الأخيرين أي عمل أدبي ممتع ورفيع المستوى فناً وفكراً، يمكن أن يجذب انتباه القاريء الغربي العادي، ويثير اهتمام النقاد الغربين ويدخل ضمن قائمة الكتب الأكثر رواجاً، كما هو الحال مع الأعمال الأدبية الخالدة  لعمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي.

مائة صنف من السجق وفكرة واحدة

اجرت الصحفية والمترجمة الفنلندية (كريستينا روتكيرش) – التي تكتب باللغتين السويدية والفنلندية – لقاءات صحفية مع احد عشر كاتبا روسيا مشهورا تحدثوا خلالها عن سيرهم الذاتية واعمالهم واساليبهم وتجاربهم في الكتابة (بوريس اكونين)، (يفجيني غريشكوفيتش)، (أدوارد ليمونوف)، (يوري ماملييف)، (فيكتور بيليفين)، (لودميلا بيتروشيفسكايا)، (نينا سادور)، (فلاديمير سوروكين)، (تاتيانا تولستايا)، (لودميلا اوليتسكايا)، (ميخائل شيشكين). وقد جمعت (روتكريش) نصوص هذه اللقاءات في كتاب صدر قبل بضع سنوات في ستوكهولم باللغة السويدية بعنوان (لقاءات مع أحد عشر كاتبا روسياً)، ثم قامت بترجمة الكتاب الى اللغة الفنلندية ونشره تحت عنوان (مائة صنف من السجق وفكرة واحدة). ان عنوان هذا الكتاب هو (باروديا) أي محاكاة ساخرة وتهكم على روسيا، التي تسعى لبناء اقتصاد السوق. حيث تجد في متاجرها اليوم أصنافاً كثيرة من السجق، الذي كان شحيحاً في الحقبة السوفيتية. ولكن الأدب الروسي يعاني اليوم من ظاهرة الـ(غرافومانيا)، وشحة الأفكار الملهمة .. وبين احد عشر كاتبا لا يوجد من يكتب الأدب الحقيقي سوى (شيشكين)، و(اوليتسكايا)، التي يعرفها القاريء العربي بعد ترجمة روايتها الممتعة (سونيشكا) الى اللغة العربية. وهي روايتها الأولى التي نشرت في موسكو عام 1992 وترجمت الى العربية بعد حوالي ربع قرن. ولـ(أولتسكايا) روايات وقصص كثيرة، وتحظى أعمالها بشعبية واسعة في روسيا والعالم حيث ترجمت الى أكثر من 25 لغة أجنبية، وحصلت على عشرات الجوائز الروسية والأوروبية، بينها جائزة (البوكر) في عام 2001. 
شحة الأفكار والبؤس الإبداعي لنجوم الأدب الأستهلاكي هي نتيجة طبيعية لأنعزالهم عن الواقع الأجتماعي. هذا الواقع الحافل بالتناقضات الحياتية والإنسانية التي يمكن أن يستمد منها الكاتب الروائي والقصصي آلاف الحبكات الممتعة. ولكن للسوق قوانينها، وهذا هو الحال في كل بلد يتحول فيه الأدب الى سلعة في السوق، ولا يقتصر الأمرعلى روسيا وحدها. 

الجيل الضائع في الأدب الروسي الحديث .. الأدباء الشباب، ضحايا الأدب المستعاد

بعد تخفيف الرقابة على المطبوعات في فترة البيريسترويكا (وهي كلمة روسية بمعنى إعادة الهيكلة، أو إعادة البناء)، شهدت روسيا بين عامي (1986 – 1989) انفجاراً ثقافياً حقيقياً، تمثّلت في نشر كم هائل من الأعمال الأدبية والفكرية المحظورة طيلة الحقبة السوفيتية السابقة لطائفة كبيرة من أشهر الكتّاب الرّوس الذين ينتمون إلى عدة أجيال متعاقبة. والكثير من هذه الأعمال تم كشف النقاب عنها لأول مرة. وهذه ظاهرة فريدة، أُطلِق عليها اسم “الأدب المستعاد” الذي أقبل عليه القاريء الروسي بنهم شديد، لنهل النصوص الإبداعية التي تكشف الحقيقة عن الثورة البلشفية (ثورة أكتوبر 1917) والحرب الأهلية وأحداثهما الدراماتيكية، والأساليب التي اتبعها البلاشفة لبناء “العالم الجديد” المزعوم .

وقد تسابقت المجلات الأدبية المركزية -التي يسميها الروس بـ”المجلات السميكة “- في نشر “الأدب المستعاد“، وامتنعت تماماً عن نشر نتاجات الجيل الجديد من الكتّاب والشّعراء الرّوس. وقد يستغرب القارئ إذا قلنا أن تلك المجلات هي التي تقرر مصير أي موهبة أدبية جديدة في روسيا، بصرف النظر عن النظام القائم، هكذا كان الأمر في كل العهود منذ صدور أول مجلة من هذا النوع في روسيا وهي مجلة (بيبليوتيكا دليا جتينيا) أو “مكتبة للقراءة” في عام 1834.

إن نشر أي نص إبداعي في مجلة أدبية مركزية يعد إشهارا للمبدع الناشيء، واعترافا بموهبته في الوسط الأدبي والثقافي، ولدى دور النشر، أما النشر في المجلات الهامشية فإن مصيره الإهمال والنسيان، وإن كان المبدع ذا موهبة. هذا تقليد أدبي راسخ في روسيا. كل الكتّاب الكلاسيكيين الروس، والكتاب السوفيت ظهروا لأول مرة على صفحات مثل هذه المجلات.

 سجلت المجلات “السميكة” أرقاماً قياسية في مبيعاتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر بلغ عدد النسخ المطبوعة من مجلة (يونست) في تلك الفترة حوالي خمسة ملايين نسخة. وهذا رقم قياسي في تاريخ الصحافة الأدبية الروسية والعالمية. كانت هذه المجلة المتخصصة في نشر أعمال الأدباء الشباب، والمنبر الرئيسي دائماً لنشر وإشهار الأعمال الأدبية المتميزة للجيل الجديد، من الكتّاب والشّعراء والنّقاد. أما في فترة “البيريسترويكا” فقد توقفت تماما عن نشر مثل هذه الاعمال، وكرّست صفحاتها لـ”الأدب المستعاد“. وربما كانت المجلة محقّة في ذلك. فقد كان القاريء الروسي متشوّقا لقراءة الروائع الأدبية، التي دفع مبدعوها حياتهم من أجلها، وليس الاطلاع على نتاجات الأدباء  الشباب الذين يحاولون شق طريقهم في عالم الأدب.

كان البلاشفة في العهد القيصري ينادون بحرية التعبير والعدالة الاجتماعية، ولكنهم بعد وصولهم إلى السّلطة شَرَعوا تدريجيّاً بالقضاء على كلِّ الحرِّيَّات العامَّة والخاصَّة، ومنها حرية التعبير عن الرأي بشتى أشكاله، وفرضوا رقابةً صارمةً على المطبوعات، التي أصبحت كلها حزبية وحكومية، بعد إلغاء دور النشر والصحف والمجلات الخاصة، ومنعوا نشر أو عرض أي نتاج إبداعي لا يتوافق مع الأيديولوجية الشيوعية. الرقابة البلشفية كانت أكثر قسوة بكثير من الرقابة القيصرية.

أثارت الأساليب البلشفية المتطرفة في استئصال “البورجوازية” ومصادرة أموالها وممتلكاتها، استياء معظم الكتّاب والشعراء المعروفين، وقد فضّل الكثير منهم الهجرة إلى العواصم الغربية. أما الأدباء الذين ظلوا في داخل روسيا، فقد انقسموا بين مؤيد ورافض للنظام البلشفي. وأدرك الرّافضون بعد حين، أن ما يكتبونه قد لا يَرى النور في روسيا أبداً. وصدق ظنهم، فقد امتنعت المجلات “السميكة” ودور النشر السوفيتية عن نشر نتاجاتهم، أو ظلت حبيسة الأدراج المخفية عن أنظار المخبرين لدى الأقارب أو الأصدقاء الحميمين أو تم تهريبها لنشرها في الخارج. وكان كل عمل أدبي روسي ينشر في الخارج، يعتبر عملاً معاديا للثورة، و للنظام الجديد في نظر قيادة الحزب الحاكم، ويحظر نشرها أو تداولها في داخل البلاد.

يتضمن “الأدب المستعاد” عدداً كبيراً من الأعمال الإبداعية، لطائفة من خيرة الأدباء الروس من كتّاب وشعراء، الذين أعدموا أو سجنوا لسنوات طويلة، بعد انتزاع اعترافات كاذبة عنهم وإدانتهم في محاكمات صورية بتهم ملفقة. وكان الحكم عليهم ينص أيضاً على إزالة أسمائهم ومؤلفاتهم أينما وردت، في الموسوعات والكتب والبحوث والمقالات، ومنع أي إشارة إليهم في المناسبات الثقافية. وكانت “جريمتهم” أنهم لم يكونوا يكتبون كما يشتهي القسم الأيديولوجي في الحزب، بل يكتبون الحقيقة، ويصوّرون الواقع فنيا دون تزييف أو تلميع. ومن هؤلاء (إسحاق بابل) (1894- 1941)  . وتعد مجموعة قصص (حكايات من أوديسا) [1925]، ورواية (سلاح الفرسان) [1931]، من أهم أعماله الإبداعية. وبعد اعتقاله في عام 1939 اختفت أعماله وكتاباته، ومات في المعتقل في ظروف غامضة.

أما أعمال (أندري بلاتونوف) (1899 – 1951) الروائية بأجوائها التشاؤمية،  فقد ظلت ممنوعة من النشر حتى عام 1987. ومنها  (الحفرة) و(تشيفنغور)، و(بحر الصبا) التي تعد من أهم أعماله الإبداعية.

تروي (الحفرة) [1931] قصة عمل فريق من العمّال في إقامة مبنى سكني يخصص للبروليتاريا، وكان هؤلاء العمّال يتوجّهون بين فترات العمل إلى القرية المجاورة لتطهيرها من الفلّاحين الأغنياء أو الملّاك ثمّ يرمون جثامينهم في عرض البحر. هكذا يُصوِّر المؤلِّف بداية العمل الجماعي في روسيا.

لم يُنجز من المشروع سوى الحفرة، التي تحوّلت في نهاية المطاف إلى مقبرة جماعية. ومعنى القصّة واضح وهو استحالة بناء الجنّة الشِّيوعيّة على معاناة الضحايا الأبرياء.

أمّا الشّاعر (أوسيب ماندلشتام) ( 1891- 1938 ) -وهو أحد أعظم الشُّعراء الرّوس في القرن العشرين- فقد ضحّى بنفسه من أجل قصيدة تهكّميّة بستالين بعنوان “جبلي الكرملين” لم تر النور إلا في في عام 1986، وترجمت على الفور إلى عشرات اللغات الأجنبية من قبل شعراء غربيين معروفين. وهي أشهر قصيدة تهكمية في القرن العشرين.

أما (ميخائيل بولغاكوف) (1891 – 1940)  فقد شجب الثورة في روايته القصيرة (قلب كلب) التي كتبها في عام 1925، ونشرت في الخارج في الستينات، بعد وفاة الكاتب بحوالي عشرين عاماً، ولم تنشر في روسيا إلا في عام  1987، فقد كان من الكتّاب المغضوب عليهم، ومنع من النشر تماماً في السنوات الأخيرة من حياته. القارئ يعرف (بولغاكوف) من خلال روايته الرائعة (المعلم ومرغريتا). ومن أهم أعماله الأخرى رواية (الحرس الأبيض)، و مسرحية (أيام آل توربين) وهو يعد من أهم الكتّاب الروس في النصف الأول من القرن العشرين.

لم يقتصر الحظر والتضييق على هؤلاء المبدعين فقط، بل شمل مبدعين روس آخرين من ألمع الشعراء والكتّاب، ومنهم أهم شاعرتين روسيتين في القرن العشرين وهما (تسفيتايفا) و(أخماتوفا) اللّتان منعتا من نشر العديد من  أعمالهما، والشاعر (بوريس باسترناك) الذي تمّ حظر نشر روايته (دكتور جيفاكو) في داخل روسيا حتى عام 1987. وشمل الحظر حتى بعض أعمال (مكسيم غوركي). والقائمة طويلة. ولا نرى جدوى من ذكر أسماء الكتّاب والشعراء، الذين تعرّضوا للاضطهاد، ممن لم يترجم أي عمل من أعمالهم الإبداعية إلى اللغة العربية.  

أدب المعتقلات:

ثَمَّة العديد من أهل الفكر والقلم، الذين قضوا سنوات طويلة في معتقلات العمل القسري الشاق، لعل أشهرهم (فارلام شالاموف) (1907- 1982)، الذي صوّر بعمق معاناة المعتقلين في مجموعته القصصية  الشهيرة (حكايات كوليما). وكوليما شبه جزيرة تقع في أقصى حدود سيبيريا قضى فيها (شالاموف) سبعة عشر عاما ( 1936-1953). وقد لقيت (حكايات كوليما) عند نشرها لأول مرة خلال فترة “البيريسترويكا” رواجاً عظيما. (شالاموف) يعتقد أن الظروف اللاإنسانية في تلك المعتقلات الرهيبة لا تطهّر الإنسان، بل تفقده آدميته، وتحوله إلى كائن آخر فاقد لكل ما يميز الإنسان من قيم.

 أما (ألكسندر سولجينيتسن) (1918- 2008) فقد حكم عليه بالسجن ثمان سنوات مع الأشغال الشاقة، بتهم مفبركة، ولم تشفع له ميداليات الشجاعة التي نالها في حينه عن اشتراكه في معارك الحرب الوطنية العظمى ضد الجيش الهتلري. وأعيد إليه الاعتبار بعد وفاة (ستالين) حيث، عمل مدرّسا، وكتب روايته الشهيرة (يوم واحد من حياة ايفان دينيسوفيتش)، التي يصف فيها يوما واحدا من حياة بطل الرواية في المعتقل. وقد تدخل (خروتشوف) شخصيا للسماح له بنشر الرواية. أما رواياته اللاحقة ومنها رواية (أرخبيل غولاغ) فقد كتبها وبسريّة تامّة، ولم تنشر إلا في عام 1987. وكان (سولجينيتسن) على النقيض من (شالاموف) يرى أن المعتقل يسهم في تطهير الإنسان من النوازع الدنيوية، وقد دخل في سجال طويل مع (شالاموف) حول هذا الموضوع.

نتاجات الروس المهاجرين والأجانب:

كان  الإعلام السوفيتي يزعم أن الطاقة الإبداعية للكتاب والشعراء الروس المهاجرين قد خمدت، ولكن الحقيقة هي أنهم قد أبدعوا أعمالاً قيّمة نشرت في بلدان اللجوء، وظلّت محظورة في روسيا حتى منتصف الثمانينات من القرن العشرين. وعندما  أخذت أعمالهم طريقها إلى المجلّات الأدبية المركزية، أصيب القرّاء بدهشة كبيرة، حين اكتشفوا أنّ ثمّة أدباً روسيّاً في الخارج، متنوع الاتجاهات والأساليب، لا يقلّ روعة عن أعمال كبار الأدباء الروس المغضوب عليهم في الداخل. أعمال هؤلاء المبدعين المهاجرين سمحت بتكوين صورة كاملة للهزّات التّاريخيّة التي تعرّضت لها روسيا في النصف الأول من القرن العشرين. ونكتفي هنا بمثالين بارزين فقط من هذه الأعمال.

كتاب (الأيام الملعونة) لـ(أيفان بونين) (1870 – 1953) يتضمن يومياته عن أحداث عامي 1918- 1919، والكارثة القوميّة التي عصفت بروسيا في أعقاب ثورة 1917. وقد أجمعت الأوساط الثقافية في الدول الغربية على الإشادة بالكتاب عند نشره في باريس عام 1936، بل إن البعض من الباحثين الأجانب اعتبره ذروة إبداع (بونين).

كان  المثقّفون في الداخل يعرفون وجود هذا الكتاب. بعد أن ظهرت بعض التعليقات النابية عن الكاتب في الصحافة السوفيتية، ولكن الكتاب ظل ممنوعا من النشر والتداول في روسيا حتى عام 1987.

يصف (بونين) في هذا الكتاب الحياة المدمرة في المدن والقرى، حيث تركت الأراضي الزراعيّة مهملة ولم يزرع أو ينتج أي شيء طيلة خمس سنوات. ويتساءل الكاتب: “كم من النّاس يسيرون اليوم في ملابس منزوعة من جثامين الموتى؟”. (بونين) يصدر حكماً قاسياً ليس على الثوار فقط، بل على الشعب الروسي أيضاً، لأنه سمح لفئة من المتعصبين أن يتحكّموا في حياته ومصيره، وهو يندد في يومياته -التي كتبها  إثر الأحداث الساخنة يوماً بيوم-  باحتكار الحقيقة من قبل الثوار. ويصرخ: “نحن أيضاً بشر”، ويطالب بتطبيق معيار أخلاقي واحد على “نحن” و “هم” مدافعاً عن القيم الإنسانية المشتركة.

ويقول أن كل ما يقترفه الثّوّار من أفعال مسموح ومغفور لهم، في حين أنهم انتزعوا من “البيض” كل شيء: “الوطن، والآباء، والأخوات، والأقارب، والمهود، والمقابر”. لأنهم –حسب الثوار- ليسوا بشراً ولا يمكن أن يكون لهم رأي في ما يحدث في بلادهم.

في (الأيام الملعونة) يروي (بونين) قصة أثارت دهشته، حيث أقدم الثوار خلال نهب أحد المنازل، على نتف ريش الطواويس، وتركها مدماة تنتفض من الألم في الفناء. “الطاووس المسكين لم يكن يعرف أنه طير بورجوازي”.

ويصف كاتب مغترب آخر هو (ايفان شميليوف) في رواية (شمس الموتى) المجاعة الرهيبة في شبه جزيرة القرم، حيث كان هو شخصيا شاهداً وضحية لها. شخصيات الرواية أناس حقيقيون، من سكان مدينة (آلوشتا) الساحلية. ويمتد زمن الرواية عاماً واحداً، من الربيع إلى الربيع التالي. وهي وثيقة فنية–تأريخية مدهشة لتلك الحقبة.

في ظل النظام الجديد تحولت أراضي القرم الخصبة إلى صحراء محروقة. البلاشفة الذين نجحوا في انتزاع السلطة، لم يحاولوا تنظيم الناس للعمل المنتج، ولم يكن لهم همّ سوى فرض العقوبات على السكان، وسلب ما لديهم من مال وممتلكات. اسم الرواية يشير إلى الانتصار التام للموت على الحياة. الناس يترنحون من الجوع عند المشي. المجاعة دفعت الناس إلى أكل كل ما تقع في أيديهم من حيوانات وطيور ونباتات. السُلطة الجديدة لا تلتفت إلى معاناة السكان ولا تهتم بمصائرهم وتركتهم يموتون من الجوع. (شميليوف) يصور كيف أن الجوع يدمر أخلاق الإنسان. الجيران الآن يكره بعضهم البعض الآخر، وبوسعهم سرقة آخر قطعة خبز. إنه زمن الجنون بعينه.

ولم يقتصر الحظر في الحقبة الستالينية على الأدباء الروس المغضوب عليهم، بل شمل أيضاً نشر أو تداول الأعمال الأدبية والفكرية لعدد كبير من الكتاب والمفكرين والفلاسفة الأجانب، بذريعة أنها مضرة، وتتنافى مع الأيديولوجية الماركسية. ومنها نتاجات (جيمس جويس) و(أورويل) و(كافكا)، وكتب (فرويد)، و(نيتشه)، و(سارتر)، وغيرهم، التي اطلع عليها القارئ الروسي بعد عشرات السنين من صدورها.

ونرى على هذا النحو، كيف أن الحرية لها بعض الجوانب السلبية أحياناً، مثلما حدث في روسيا خلال سنوات البيريسترويكا، عندما حجب “الأدب المستعاد” النصوص الإبداعية للأدباء الشباب، وحرمتهم من النشر لسنوات عديدة. ولم تبدأ المجلات الأدبية المركزية ودور النشر بالاهتمام بإبداعاتهم إلا منذ أوائل التسعينات من القرن العشرين.

وصفة القارئ والكاتب المُبدعَيْن عند نابوكوف

فلاديمير نابوكوف كاتب وروائي روسي أمريكي. له العديد من الروايات المشهورة والعالمية ولعل أشهرها هي رواية “لوليتا” والتي ترجمت إلى لغات عالمية عديدة. جُمعت محاضراته التي ألقاها بجامعة كورنيل في الخمسينات الميلادية في كتاب “محاضرات حول الأدب“. في هذه المقالة القصيرة والممتعة يستعرض نابوكوف مواصفات القارئ أو الكاتب الجيد وبقليل من التفصيل حول مايجعل العمل الأدبي ممتعاً وساحراً.

القرّاء الجيدون والكتَّاب الجيدون.
ترجمة: راضي الشمري.

تعتبر مادتي، وبمساعدة أشياء أخرى، نوعًا من تحقيق استقصائي حول لغز الشكل الأدبي.

قد تفيد عناوين مثل «كيف تكون قارئًا جيدًا» أو «اللطف مع المؤلفين» بتقديم ترجمة لتلك المناقشات العديدة حول مؤلفين كثر، وذلك لأجل خطتي وهي أن نتعامل بحب وبشكل حميمي وبالتفاصيل مع عدة روائع أوروبية. قبل مائة عام، كتب غوستاف فلوبير رسالة تضمنت الملاحظة التالية: “كفى بالمرء حكمة لو عرف جيدًا نصف دزينة من الكتب.”

على المرء في القراءة أن يلاحظ التفاصيل ويعاملها برفق. لا بأس بالحكم عندما تستكشف كل أغوار الكتاب الواضحة بحب. إذا بدأ القارئ وفي باله حكم مسبق، سيبدأ بالنهاية الخاطئة وسيهرب من الكتاب قبل أن يفهمه حتى. فلا يوجد شيء أكثر مللًا وظلمًا من قراءة كتاب، ولنقل «مدام بوفاري»، بتصور مسبق أنها شجب للبورجوازية. يجب علينا أن نتذكر دائمًا أن العمل الفني ليس سوى خلق عالم جديد دومًا؛ ولذلك يجب أن نتفحص ذلك العالم الجديد قدر المستطاع، أي أن نصل إليه وكأنه شيء خلق للتو، وليس له صلة بالعوالم التي نعرفها حاليًا. عندما يُدرس ذلك العالم بقرب، عندها، وعندها فقط، فلنختبر ما يربطه بالعوالم الأخرى، وبالفروع الأخرى من المعرفة.

يبرز سؤال آخر: هل نستطيع التوقع بأننا سننال قدرًا من المعرفة عن الأماكن والتاريخ من رواية ما؟ هل يستطيع أن يكون أحدنا بهذه السذاجة ليعتقد بأنه يستطيع تعلم أي شيء عن الماضي من تلك الروايات المترهلة “الأفضل مبيعًا” والتي تلتقطها أندية الكتب بوصفها روايات تاريخية؟ لكن ماذا عن نيل المعرفة من الروائع الأدبية؟ هل نستطيع الاعتماد على صورة جاين أوستن لإقطاعيي إنجلترا وملاك الأراضي فيها وتلك المساحات الشاسعة، بينما كل ما كانت تعرفه هي صالة استقبال لأحد القساوسة؟ وهل نستطيع القول بأن رواية البيت المتوحش الرومانسية الرائعة لديكنز، والتي جرت أحداثها في مدينة لندن الخلابة كانت دراسة تاريخية للندن قبل مائة عام؟ بالتأكيد لا. وهذا الشيء ينطبق على العديد من الروايات الأخرى في تلك السلسلة. الحقيقة هي أن كل الروايات العظيمة هي في المقام الأول حكايات عظيمة، والروايات في هذه السلسلة «سلسلة الروائع» هي حكايات في قمة الروعة في المقام الأول.

المكان والزمان، ألوان فصول السنة، خلجات العقل وحركات الجسد؛ كل هذه بالنسبة للكاتب العبقري – بما استطعنا تخمينه، وأنا واثق أن تخميننا صائب – ليست ملاحظات عادية يمكن التقاطها من خزنة الحقائق العامة، بل هي سلسلة من المفاجآت الفريدة التي تَعلمها الفنانون العظام ليعبروا بطريقتهم الخاصة. بالنسبة لمؤلفين أقل شأنًا، فتُترك لهم الكتابات المبتذلة للأماكن المعتادة والشائعة، لأنهم لا يهتمون بإعادة تكوين العالم؛ هم ببساطة يفعلون أقصى ما لديهم لكي يخرجوا عن ترتيب معين من الأشياء وعن الأنماط التقليدية للكتابة القصصية. ما يستطيع كتابته أولئك المؤلفون العاديون هو بضع تراكيب معقدة تضع حدًا مسليًا بطريقة معتدلة عابرة، لأن القرّاء العاديّين يحبّون أن يتعرفوا على أفكارهم خلف قناع ظريف يمكن كشفه بسهولة. لكن الكاتب العظيم، ذلك الشخص الذي يرسل كواكبًا دوارة، ويخلق شخصًا نائمًا ويعبث بأضلعه وأحشائه بكل شغف، لا يهمل أي قيْمة، ويجب عليه أن يخلق قيَمه بنفسه. فن الكتابة هو عمل عقيم إن لم يعْنِ بالمقام الأول أنه فن إمكانية التخيل. قد تكون مادة هذا العالم واقعية بما يكفي – بعيدًا حيثما ترنو الواقعية –، لكنها لا توجد أبدًا كوحدة كاملة. هي محض فوضى، والكاتب يقول لها “انطلقي!” سامحًا لهذا العالم أن يومض ويندمج ببعضه ليظهر بشكله الناتج أخيرًا. تمت إعادة دمج هذا العالم بكل ذراته عن طريق ذلك الكاتب، وليس بشكل سطحي عبر ما هو مرئي ومحسوس. الكاتب هو أول من يلمع هذا العالم ويخلق العناصر الطبيعية التي يحتويها هذا العالم. يجب أن يكون التوت الموجود في ذلك العالم صالحًا للأكل، ويمكن ترويض ذلك المخلوق الأرقط الذي اعترض طريقي. ستُسمَّى تلك البحيرة بين الأشجار بحيرات العقيق، أو بشكل فني أكثر، بحيرة مياه الغسيل. وذلك الضباب عبارة عن جبل، وهذا الجبل يجب أن يُحتل. يصعد الكاتب العظيم في منحدر ذلك الجبل غير المطروق؛ وحين يصل القمة، على تلة عاصفة، من سيواجه؟ سيواجه ذلك القارئ السعيد الذي يتنفس بصعوبة، وبكل عفوية سيتعانقان ويرتبطان للأبد، إذا قُدر للكتاب أن يخلد.

في إحدى الليالي، وفي كلية تتبع إحدى المحافظات النائية، حيث كنت ألقي محاضرة مطولة، اقترحت اختبارًا صغيرًا: طلبت عشرة تعاريف للقارئ، ومن هذه العشرة يجب على الطلاب أن يختاروا منها أربعة تختلط لتكون التعريف الأمثل للقارئ. للأسف أضعت القائمة، لكن ما أستطيع تذكره أن التعريفات كانت شيئًا من هذا القبيل. اختر أربعة إجابات للسؤال عما يجب على القارئ فعله ليكون قارئًا جيدًا:

  • يجب على القارئ أن ينضم لنادي كتاب.
  • يجب على القارئ أن يجد نفسه في شخصية روائية.
  • يجب على القارئ أن يركز على الزاوية الاجتماعية-الاقتصادية حينما يتعامل مع الكتاب.
  • يجب على القارئ أن يفضل قصة مليئة بالأحداث والحوارات على قصة لا تملك شيئًا.
  • يجب على القارئ أن يشاهد كتابه في فيلم.
  • يجب على القارئ أن يكون كاتبًا ناشئًا.
  • يجب على القارئ أن يملك خيالًا جامحًا.
  • يجب على القارئ أن يمتلك ذاكرة جيدة.
  • يجب على القارئ أن يملك مفردات كثيرة.
  • يجب على القارئ أن يكون لديه حس فني.

مال الطلاب بشكل كبير للتعريف العاطفي، الصورة المتحركة، والزاوية الاجتماعية-الاقتصادية أو التاريخية. بالطبع، كما خمنتم، القارئ الجيد هو من يملك الخيال، الذاكرة، المفردات، وبعض الحس الفني.. والذي أود تطويره في نفسي والآخرين متى ما سنحت الفرصة.

بالمناسبة، أنا أستعمل كلمة “قارئ” بشكل فضفاض جدًا. الغريب بما فيه الكفاية، أن الشخص لا يستطيع قراءة كتاب، بل يستطيع فقط إعادة قراءته. القارئ الجيد، القارئ العظيم، القارئ النشط والخلاق هو قارئ يعيد ما يقرأ، وأود أن أخبركم عن السبب. عندما نقرأ كتابًا للمرة الأولى ونحن نحرك أعيننا بمشقة من اليسار لليمين، سطرًا إثر سطر وصفحة إثر صفحة، فإن هذا العمل الجسماني المعقد على الكتاب، والذي يجعلنا نتعرف عليه في حدود الزمان والمكان، يقف بيننا وبين التقدير الفني. عندما نطالع لوحة فنية فنحن لا نحتاج أن نحرك أعيننا بطريقة خاصة، حتى لو كانت مثل الكتاب في عمقه وبما ترمي إليه. نحن نحتاج وقتًا عندما نقرأ أي كتابٍ لنتآلف معه. لا نملك عضوًا حسيًا – كالعين مع اللوحة – يمكن أن يأخذ الصورة بأكملها ويستمتع بتفاصيلها. لكن عندما نقرأ للمرة الثانية، الثالثة، الرابعة، فإنا بشكل ما نتعامل مع الكتاب كما لو كان لوحة.

على كل حال، دعونا لا نخلط بين العين المحسوسة، ذلك الانجاز المهول للتطور، مع العقل، ذلك الانجاز الأكثر تطورًا. أول ما يجذبه الكتاب، مهما يكن، سواءً رواية أو كتاب علمي – والخط الفاصل بينهما ليس واضحًا كما يعتقد العامة – هو العقل. يجب أن يكون العقل، الدماغ، ما هو أعلى العمود الفقري، الأداة الوحيدة التي نتعامل بها مع الكتاب.

والآن، وهذا يحدث كذلك، يجب علينا تأمل السؤال التالي: ما الذي يفعله العقل عندما يواجه القارئ النكد كتابًا جميلًا؟ أولًا، سيذهب المزاج المتجهم بعيدًا، وبشكل أفضل أو أسوأ سيدخل القارئ في روح اللعبة. الجهد المبذول لبدء قراءة كتاب – خصوصًا إذا مُدح من قِبل أناس يعتبرهم القارئ الناشئ جادين أو متابعين للكتب الكلاسيكية – حتى هذا الجهد يصعب تحقيقه، لكن حينما يبذل الجهد، ستكون المنح متعددة ومميزة.

بما أن الكاتب العظيم يستخدم خياله أثناء الكتابة، من الطبيعي والعدل أن يستخدم القارئ خياله أيضًا.

هناك بطبيعة الحال صنفان من الخيال على الأقل في حالة القارئ، ولنرَ أي حالة منهما يجب استعمالها عندما نقرأ كتاباً. أولًا، هناك المتخيل المتواضع، والذي يجنح إلى المشاعر البسيطة، وتلك المشاعر ذات طابع شخصي بالتأكيد. (هناك عدة أصناف تدرج تحت هذا الصنف، في هذا النوع من القراءة العاطفية). قد يغمر أي موقف في الكتاب هذا القارئ بالمشاعر لأنه يتذكر موقفًا حصل له أو شخصًا يعرفه أو تعرف عليه مسبقًا. أو قد نجد أن هناك قارئًا يحتفي بكتاب لأنه يتذكر بلدًا، أو منظرًا، أو طريقة عيش يتذكرها بحنين كجزء من ماضيه. أو، وهذا أسوأ ما قد يفعله قارئ من هذا النوع، أن يعرّف نفسه كإحدى شخصيات الكتاب. لا أود من القراء أن يستخدموا هذه النوعية المتواضعة من الخيال.

إذًا ما هي الأداة الأصلية، والتي يجب أن يستعملها القارئ؟ إنها الذائقة الفنية بالإضافة للخيال المجرد. ما أعتقد أنه يجب أن يؤسس، هو مقياس جمالي متناغم بين عقل القارئ وعقل الكاتب. يجب علينا أن ننعزل ونستمتع بذلك الانعزال، بينما في نفس الوقت نستمتع بشغف بالموجة الداخلية لتحفة ما. من المستحيل أن تكون محايدًا في مثل هذه المواضيع. كل شيء يجلب الاهتمام يكون إلى حد ما غير موضوعي. على سبيل المثال، قد تكون أنت الجالس هناك مجرد حلم بالنسبة لي، بينما أكون كابوسك الدائم. ما أعنيه هو أن القارئ يجب أن يعرف متى وأين يكبح خياله، وهذا يتحقق بأن نفهم ذلك العالم الخاص الذي صاغه المؤلف في منعزله. يجب علينا أن نسمع أشياءً ونراها، أن نتخيل الغرف، الملابس، وأخلاق الشخصيات التي صاغها المؤلف. كما في رواية مانسفيلد بارك وهي الرواية الثالثة للكاتبة الإنجليزية جاين أوستن. نشرتها سنة 1814. حيث كان لون عيني فاني برايس وأثاث غرفتها الصغيرة الباردة، تفاصيل مهمة لا غنى عنها.

كلنا بطبيعة الحال نملك أمزجة مختلفة نتعامل بها مع النصوص، وأستطيع أن أقول بأن أفضل مزاج للقارئ يجب أن يحظى به ويطوره هو خليط من الحس الفني والعلمي. الفنان الشغوف وحده سيتعامل بموضوعية حادة في سلوكه مع الكتاب، والحكم بشكل علمي بارد على الكتاب ليس إلا تدميرًا لحرارة البديهة والحدس. إن كان القارئ – على أية حال – يخلو من العاطفة والصبر، صبر العالم وشغف الفنان، من الصعب عليه أن يستمتع بقراءة الأدب العظيم.

لم يوجد الأدب حين كان يصرخ الطفل باكيًا “ذئب، ذئب!”، وكان الذئب خارجًا من الوادي على إثره. وُجد الأدب حينما كان يصرخ الولد “ذئب، ذئب!” ولم يكن هناك ذئب خلفه أصلًا. أن يأكل الذئب صاحبنا المسكين بسبب كذبه المتوالي هو أمرٌ عرضي تمامًا، لكن هناك ما هو أهم. ما بين الذئب الذي يجري في الأحراش، وذلك الذئب في تلك القصة الطويلة، هناك وميض بينهما. ما يومض بينهما، ذلك المنشور الذي يعكس الضياء، هو فن الأدب.

الأدب عبارة عن ابتكار، والكتابة القصصية تنبع من الخيال وحده. أن يُقال عن قصة ما أنها حقيقية لَهُوَ إهانة للفن وللحقيقة في نفس الوقت. كل كاتب عظيم هو مخادع كبير، لكنه يواجه في غشه الطبيعة. الطبيعة أيضًا تخادعنا. من أصغر إشاعة تجري بيننا إلى الألوان المعقدة التي تحمي الطيور والحشرات، هناك في الطبيعة نظام مذهل من الأشياء الساحرة والخدع. الكاتب فقط يتبع إشارة الطبيعة.

لنعد لحظة إلى صديقنا الهارب من الذئب. نستطيع أن نرتب الأمور بالشكل التالي: سحر الفن كان في ظل الذئب الذي اختُرع عمدًا. أما أحلام الصبي حول الذئب، وبعد ذلك قضية خداعه للناس فقد صنعت قصة جيدة. حينما لقي حتفه في النهاية، أعطت القصة مغزى ودرسًا جيدًا فيما وراء النص. لكن الطفل كان الساحر الذي أضاف للقصة طعمها، كان هو المبتكر.

هناك ثلاث وجهات للنظر نستطيع أن نرى بها الكاتب: قد نراه حكّاءً، وقد نراه كمعلم، أو قد نراه كساحر. الكاتب العظيم يحتوي هؤلاء الثلاثة، لكن الساحر بداخله هو من يتحكم به ويجعله كاتبًا عظيمًا.

نحن نبحث لدى الحكاء عن الترفيه، عن المتعة العقلية بأبسط صورها، عن المشاركة العاطفية، عن متعة الارتحال إلى مناطق نائية في الزمان والمكان. بينما لدى المعلم نحن ننظر بطريقة مختلفة ترتبط بالعقل، وليس من الضرورة بطريقة أرقى. نحن نذهب للمعلم الموجود بداخل الكاتب ليس فقط للتربية الأخلاقية، بل حتى للمعرفة المباشرة والمعلومات البسيطة. للأسف، عرفت أناسًا كان الغرض من قراءتهم للرواية الفرنسية والرواية الروسية مجرد التعرف على الحياة في باريس السعيدة أو روسيا الكئيبة. أخيرًا، وما يجب أن نضعه فوق كل شيء، الكاتب العظيم هو دائمًا ساحر عظيم، وهنا نأتي إلى الجزء الممتع.. حينما نحاول أن نتشرب ذلك السحر الشخصي لعبقريته، وأن ندرس شكل رواياته وأشعاره والخيال المتقد فيهما والنمط التي تتركب منه.

تختلط الأوجه الثلاثة للكاتب العظيم – السحر والقصة والمغزى –لتجتمع في نقطة واحدة هي الأكثر إشراقًا وفرادة من نوعها، بما أن سحر الفن قد يوجد في أعمق نقطة من القصة، في أكثر الزوايا احتواءً للفكر. هناك روائع لا تحتوي سوى فكر جاف توقظ فينا الحس الفني كما توقظه رواية «مانسفيلد بارك» أو أي رواية لديكنز مليئة بالصور والأحاسيس. يبدو لي أن التركيبة الجيدة لتقييم رواية ما هي، وعلى طول الرواية، مجرد دمج بين دقة الشعر والحدس العلمي. فمن أجل أن نستلقي في ذلك السحر، يجب أن نرى القارئ المميز. فهو لا يقرأ الكتاب بقلبه، ولا بدماغه، بل بعموده الفقري. هناك تحدث تلك الرعشة المنبهة على الرغم من أننا نجعلها بمنأى أثناء القراءة. عندها، نستمتع حسيًا ومعنويًا ونحن نرى ذلك الفنان يبني قلعة أفكاره بالحديد الجميل، والزجاج الأجمل.