أرشيف الوسم: الأدب

نجوم العصر الفضي الروسي في قبو “الكلب الضّال”

كان الربع الأول من القرن العشرين في روسيا، عصر ازدهار ثقافي مبهر، فقد برز خلال تلك الحقبة القصيرة عدد كبيرمن العباقرة في الأدب والفن والفلسفة والموسيقي والمسرح والباليه، الذين كانوا ينتمون الى اتجاهات حداثوية – تجريبية مختلفة، تتنافس فيما بينها في صخب. وكان القاسم المشترك لكل هؤلاء هو الاهتمام الشديد بالقضايا الروحية والإجتماعية، والبحث المكثف عن وسائل جديدة للتعبير الفني.

وقد اصطلح على تسمية تلك الحقبة بـ“العصر الفضي”، تمييزا له عن “العصر الذهبي” للأدب الروسي في القرن التاسع عشر، الذي يرمز إلى إبداع الشعراء والكتّاب الروس الكبار؛ (ألكسندر بوشكين)، و(نيكولاي غوغول)، و(فيودور دوستويفسكي)، و(ليف تولستوي) و(إيفان تورغينيف)، و(أنطون تشيخوف).


كباريه “الكلب الضّال”

في ذروة العصر الفضي، في أواخرعام 1911، طرأت فكرة مدهشة في ذهن المخرج والممثل المسرحي الروسي (بوريس بونين) [1875-1946]، وهي جمع نجوم الثقافة الروسية في العاصمة سان بطرسبورغ في مكان واحد ـ أشبه بالمقهى أو النادي الإبداعي – يقضون فيه أوقاتاً ممتعة بعيدا عن عيون المتطفلين، يتبادلون خلالها وجهات النظر والآراء، أو يقدمون نتاجاتهم الجديدة، أو يشاهدون عروضا مسرحية، أو موسيقية، أو غنائية، وغيرها من الفعاليات الثقافية.

وقد تحمس لفكرته بعض أصدقائه الفنانين والشعراء، وأخذوا يجوبون معا أنحاء مدينة بطرسبورغ بحثا عن مكان ملائم لتأسيس المفهى المنشود، ولكنهم لم يعثروا على منزل يصلح لهذا الغرض. وعندما هدّهم التعب قال أحد الشعراء: “نحن أشبه بالكلاب الضالة التي تبحث لها عن مأوى”. وقد راقت العبارة لفنان تشكيلي وقال: “لنسمي مكان لقاءاتنا؛ كباريه الكلب الضّال”. وقد عثروا في نهاية المطاف على قبو فارغ في فناء جانبي لأحدى العمارات في وسط المدينة، وكان موقعا مثاليا، من دون أية نوافذ على الشارع، حيث لا يمكن للشرطة أن تلتفت إلى الضجيج الصادر عنه.

كان القبو في السابق مخزنا للخمور، وهواؤه مشبعا بروائح الخمور العتيقة، مما ألهب خيال الشعراء والفنانين الذين أسهموا في تأسيس المقهى.

وقد قام كل من الفنانين، (سيرغي سوديكين) [1882-1946]، و(نيكولاي سابونوف) [1880–1912] برسم لوحات فنية رائعة على جدران القبو: أجساد نسائية، وأقنعة، وزهور برية، مستوحاة من قصائد “ازاهير الشر” لـ(بودلير). وطيور خيالية، وشخصيات حكايات (كارلز غوتسي) الكاتب والمسرحي الايطالي [1720-1806]، ومؤلف مسرحيات خرافية، باستخدام عناصر الفولكلور الايطالي. كانت هذه الرسوم الفنية تنقل الحاضرين إلى عالم خيالي.

أصبح حفل افتتاح المقهى في ليلة رأس السنة الجديدة 1912، الذي جمع بين عدد كبيرمن أبرز نجوم الأدب والفن في العاصمة بطرسبورغ، وحضره عدد من أعضاء مجلس الدوما (النواب)، حدثا مشهودا في حياة بطرسبورغ الثقافية؛ الرجال في بدلات السموكنك، والسيدات في فساتين السهرة (الديكولتيه)، نلتمع في اعناقهن قلادات ثمينة مرصعة بالأحجار الكريمة.

وكان سعر بطاقة الدخول إلى مقهى “الكلب الضّال” ثلاث روبلات لمن لديه توصية خطية من أحد أعضاء مجلس الإدارة، و25 روبلا للآخرين – وكان هذا مبلغا كبيراً نسبياً في ذلك الوقت، ويعادل الراتب الشهري لموظف عادي، وذلك لتغطية نفقات الحفل، ولمنع أي طاريء على الأدب والفن، أو فضولي من حضور حفل الافتتاح.

وضعت إدارة المقهى سجلا كبيرا مغلفا بالجلد الأزرق في المدخل يوقع عليه الحضورعند قدومهم، وقد يكتب فيه الشعراء آخر ما جادت به قرائحهم من أبيات شعرية.

 لم يكن لـ“كباريه الكلب الضّال” أية صلة بما تقدمه الكباريهات من عروض إثارة رخيصة ومبتذلة، بل كان أقرب الى المقهى الأدبي والمسرح الفني معا، ويتكون من قاعتين تتسعان لحوالي 200 شخص، قاعة للمسرح واخرى للكافتيريا. ومفتوحا في الليل فقط من الساعة الحادية عشرة ليلا الى الثامنة صباحا، وربما لهذا سماه صاحبه بالكباريه.


فعاليات ادبية وفنية متنوعة

شهد المقهى خلال عمره القصير، الذي لم يتجاوز ثلاث سنوات ونصف السنة، حفلات تكريم الشعراء والفنانين، وعروضا مسرحية رائدة،  ومعارض تشكيلية، وحفلات موسيقية وغنائية، ومحاضرات أدبية وفكرية، واحتفالات رأس السنة الميلادية، وحفلات تنكرية وراقصة، ولقاءات مع كبار الشعراء الأجانب من زوار العاصمة بطرسبورغ.

القبو مليء بدخان السكائر والغليونات، وهواؤه مشبع بروائح الخمور والعطور، رغم وجود ساحبة هواء لا يسمع طنينها في صخب المقهى. ولكن الجو كان ممتعا للغاية. الضحكات تتعالى، وبين حين وآخر يصعد احد الشعراء على خشبة المسرح، ليلقي قصيدة جديدة له، فيعارضه في الحال شاعر بقصيدة ارتجالية.

هنا تفتحت مواهب شعراء شباب أصبحوا لاحقا مفخرة الأدب الروسي؛ (آنّا أخماتوفا)، و(نيكولاي غوميليف)، و(فلاديمير ماياكوفسكي)، و(أوسيب ماندلشتام). وكان الشعراء (خليبنيكوف) و(أندريه بيلي)، (كونستانتين بالمونت)، (ايغور سيفيريانين). والكاتبة والشاعرة (زينائيدا غيبوس)، والكاتبة (الكساندرا تافّي) أيضاً، من رواد المقهى الدائميين. وقد لا يعني ذكر أسمائهم – باستثناء (ماياكوفسكي)، و(أخماتوفا)، و(ماندلشتام) – شيئا للقارئ، الذي ليس له اطلاع واسع على الأدب الروسي الكلاسيكي، ولكنها أسماء كبيرة في عالم الأدب، وفي ذاكرة القراء في روسيا، حيث دخلت أعمالهم الأدبية الى المقررات الدراسية في المرحلة الثانوية، وإلى المناهج الجامعية للتخصصات الأدبية واللغوية.

وكان للمقهى شعار رسمه فنان شهير من رواد المقهى، ونشيد خاص كتبه الشاعر (ميخائيل كوزمين) [1872- 1936] تحت عنوان “لكي ننجو من النسيان” وذلك لمناسبة مرور عام واحد على تأسيس المقهى.

كان عمالقة المسرح الروسي (يفغيني فاختانكوف)، (فسيفولد ميرخولد)، (الكساندر تاييروف)، يسهرون في هذا المقهى إلى وقت متأخر من الليل، بل أن بعض الأدباء كانوا يسهرون فيه حتى الصباح الباكر، ومنه يتوجهون الى أعمالهم أو منازلهم. ويخيل إليهم أن كل الحياة متركزة هنا، في هذا المكان تحديداً، ولا توجد حياة أخرى يماثلها. وأصبح المقهى البيت الأول للعديد من المبدعين.


محاضرات أدبية

وشهد المقهى إلقاء محاضرات لألمع النقاد والمفكرين. هنا ألقى (فيكتور شكلوفسكي) [1893 – 1984]، رائد المدرسة الشكلانية في الأدب الروسي والعالمي – محاضرة تحت عنوان “الآفاق المستقبلية لتأريخ اللغة”، كما ألقى الشاعر (سيرغي غوروديتسكي) [1884 – 1967]  محاضرة عن تيار“الذروة” في الشعر الروسي، صاغ فيها لأول مرة المبادئ النظرية لهذا التيار الصاعد، الذي حل محل المدرسة الرمزية. وأعقبت المحاضرة مداخلات لـ(أخماتوفا)، و(غوميليف) وشعراء آخرين.

وفي أبريل 1914 أقام المقهى أسبوع “الثقافة القفقازية” ألقى خلاله العديد من الأدباء الروس محاضرات عن زياراتهم إلى منطقة القفقاز، وانطباعاتهم عن ثقافات شعوب المنطقة، وقد أقيم ضمن فعاليات الأسبوع معرض للمنمنمات الفارسية، التي اقتناها أحد الأدباء في منطقة القفقاز.


شعراء عالميون من زوار المقهى

 وكان المقهى يستضيف كبار الأدباء الأجانب، عند زيارتهم لبطرسبورغ. فقد استضاف الشاعر الايطالي الشهير (فيايب مارينيتي) [1876- 1944]، الرائد المؤسس للمدرسة المستقبلية في الشعر، الذي القى محاضرة قيمة عن المستقبلية أثارت دهشة الحضور، وترحيبهم، وخاصة (فلاديمير ماياكوفسكي) الذي جلس يستمع إلى أستاذه الإيطالي مذهولا. كما ألقى الشاعر الفرنسي، (بول فورت) [1872-1960]، محاضرة عن الشعر الفرنسي. وهذا الشاعر الذي يكاد يكون مجهولا للقاريء العربي، تم اختياره –بعد استطلاع للرأي جرى عام 1912 – أميرا للشعراء الفرنسيين.

كما زار المقهى الشاعر البلجيكي، فرنسي اللغة، (أميل فيرهارن) [1855- 1916]، والعديد من الأدباء الأوروبيين، زوار العاصمة بطرسبورغ.


قصص حب لا تنتهي

لم يقتصر هذا المقهى الإبداعي على الذكور فقط، فقد كان عدد لافت من الكاتبات والشاعرات يحرصن على التردد إلى هذا المقهى الإبداعي. كما كان كثير من رواد المقهى يصطحبون معهم زوجاتهم أو صديقاتهم. وقد ولدت هنا، والتهبت قصص حب لأشهر أدباء وفناني العصر الفضي، بينهم (فلاديمير ماياكوفسكي)، وأدت إلى تغيير حيواتهم ومصائرهم. ومن الأحداث الدراماتيكية المرتبطة بتأريخ “الكلب الضّال” أن الشاعر (فسيفولد كنيازوف) انتحر بعد خيبة أمله في كسب ود فنانة أحبها إلى حد الوله.

كانت هذه الحياة الفنية الساخنة جانبا واحدا من جوانب الحياة في القبو، أما الجانب الآخر، وربما الأهم، فهو ذلك التحرر الروحي الذي ظل عالقا بذاكرة رواده طوال حياتهم. وكانوا يتذكرون القبو بحنين جارف ولوعة محرقة، كما جاء في مذكراتهم الشخصية.


(آنّا أخماتوفا) في مقهى “الكلب الضّال”

 كانت (آنّا أخماتوفا)، في الثالثة والعشرين من عمرها. امرأة جذّابة، وشاعرة رقيقة، ذات موهبة عظيمة، مفعمة بالأنوثة، والبراءة، والرومانسية، ونشرت قصائد تنم عن ولادة شاعرة واعدة. وذاع صيتها، حتى قبل ان تجمع قصائدها المنشورة في المجلات الأدبية المرموقة بين دفتي ديوان صدر في آذار عام 2012 تحت عنوان؛ “المساء”.

وكانت (اخماتوفا) وزوجها الشاعر (نيكولاي غوميليف) [1886-1921] يشكلان ثنائيا مبهرا. وكان الأخير ضابطاً في الحرس الإمبراطوري، وشاعرا ذاع صيته وهو في مقتبل الشباب.

وكان كثير الأسفار، يجوب البلدان التي تختلف ثقافتها كثيراً عن الثقافة الروسية، فقد قضى فترة من الزمن في مجاهل افريقيا، ونشر عنها بعض الكتب. أما (أخماتوفا) فقد كانت تسهر في هذا المقهى حتى الفجر بجوار الموقد شتاءً، شاحبة الوجه، ترشف القهوة السوداء، وتدخن سجائر نسائية رقيقة، وترتدي تنورة حريرية سوداء ضيقة لتبدو – كما تقول في قصيدة لها مكرسة للقبو  – أكثر رشاقةً، وتشد خصرها بحزام جلدي عريض، وتجلس مع سيدات ذوات عيون وسيعة، يرتدين قبعات عريضة الحوافي، يحيط بهن جمهور من المعجبين بشعر (أخماتوفا). كانت الشاعرة الشابة مرحة دائما، تتعالى ضحكاتها في ارجاء القاعة، فيقترب منها شاعر متمرس، ويطلب منها هامساً، أن تخفض صوتها، كما يليق بشاعرة معروفة. وعندما يطلبون منها إلقاء أبيات من شعرها، يرتسم على وجهها تعبير جاد، وتتوجه إلى خشبة المسرح، وتلقي ببراعة ممثلة مقتدرة، شعرا حداثبا بإيقاعه الجميل وصوره المجازية المبتكرة.


العاصفة

كان هذا في زمن الازدهار الثقافي، قبل النكبات التي حلت بروسيا في السنوات اللاحقة. ورغم أن الوضع السياسي كان مشحونا بنذير أحداث عاصفة، الا أن ذلك لم يمنع من مواصلة الحياة الإبداعية الصاخبة في هذا المقهى الفريد من نوعه في روسيا والعالم. فقد كانت الأحلام الجميلة ما زالت ممكنة التحقيق، وأصبحت (أخماتوفا) معبودة الشعراء من مدرسة الذروة “الأكميزم” – الذين شكلوا تجمعا أطلقوا عليه اسم “ورشة الشعراء” بمبادرة من الشاعر (غوميليف) – وتثير قصائدها رغبات حسية دفينة وموجعة لدى الجيل الجديد. ولم يدر بخلدها في ذلك الحين، أن المستقبل محمّل بالمصائب.

وفي هذا المقهى توثقت علاقة (أخماتوفا) بواحد من اعظم الشعراء الروس في القرن العشرين وهو (أوسيب ماندلشتام) [1891- 1938]. ذات مرة عندما انهت (اخماتوفا) إلقاء قصيدتها صعد (ماندلشتام) إلى خشبة المسرح، وارتجل إحدى روائعه التي يصف فيها الشاعرة الموهوبة (آنّأ) وشالها الكلاسيكي، المزيف على حد تعبيره. وبعد أيام كانا يتجولان في شوارع بطرسبورغ، عندما دخلت (آنّا) إلى كابينة التلفون، وبعد ان أنهت مكالمتها، ارتجل (ماندلشتام) قصيدة في وصف جمالها، وكيف تبدو وراء زجاج الكابينة وهي تتحدث في التلفون.


(فلاديمير ماياكوفسكي): إليكم يا من تحبون النساء والعربدة!

ظهر الشاعر (فلاديمير ماياكوفسكي) في “الكلب الضّال” لأول مرة في خريف عام 1913، وكان عمره عشرين عاماً  ولم يكن يرتدي قميصه الأصفر المخطط الشهير، بل بدلة عادية ويعتمر قبعة عالية.

هنا وعلى مسرح المقهى ألقى الشاعر الشاب قصيدته الطويلة الشهيرة “غيمة في بنطلون”. أثارت القصيدة هيجانا لم يسبق له مثيل. كانت أصوات الشجب والإستنكار تتعالى في أرجاء المقهى، فطلب الكاتب الروائي (ميخائيل فولكوفسكي) – وكان شبخاً مهيباً بلحيته البيضاء الكثة – الكلام للتعقيب وقال: “أنا عندكم هنا لأول مرة، ولم ألتق بكم سابقا. لقد ألقى الشاعر الشاب قصيدة غير تقليدية. ولولا بعض الكلمات الخادشة في نهايتها لكانت قصيدة رائعة. هذا شعر جديد وأصيل، وغير مألوف، لذا فأنه أثار غضبكم. ولكن مهلا، إنه شاعر موهوب وستتعودون على مثل هذا الشعر، وكل جديد يثير لغطا في البداية لينتهي إلى الأعتراف بموهبة شعرية أصيلة”.

ومع بداية الحرب العالمية الأولى، واشتراك روسيا فيها كتب (ماياكوفسكي) قصائد تدين الحرب بكل صورها. وفي أوائل عام 1915، وفي ذروة الزمهرير الروسي، جاء (ماياكوفسكي) من الجبهة تواً – وكان قد استدعي للخدمة العسكرية الإجبارية – وحضر إلى “الكلب الضّال” وطلب من (بونين)، صاحب المقهى السماح له بإلقاء قصيدة جديدة له بعنوان “إليكم”، قائلا له: “دعني أتحرش بالبورجوازيين قليلا”. وكان (بونين) من المعجبين بشعر (ماياكوفسكي)، كما يقول في مذكراته عن القبو. وقف الشاعر المثير للجدل على خشبة المسرح بقامته المديدة، وألقى قصيدته الشهيرة “إليكم” بصوته الجهوري. وكانت قصيدة هجاء لاذعة، يسخر فيها من هؤلاء السادة الذين يعيشون في منازل مدفأة، تتوافر فيها كل وسائل الراحة، ويقضون أوقاتهم في المغامرات العاطفية، والسكر والعربدة، وأكل ما لذ وطاب، في وقت تخوض فيه روسيا حربا دامية، وتخسر كل يوم عددا من خيرة شبابها. أثارت القصيدة غضبا عارما، ونقاشات حامية داخل المقهى، وانتقل النقاش في اليوم التالي إلى إحدى كبريات صحف بطرسبورغ (بيرزفوي فيدومستي). وظهرت في الصحيفة مقالة وصفها (بونين) بأنها قذرة. مقالة تحريضية ضد المقهى، بقلم صحفي كان يرتاد المقهى بانتظام، ويسكر فيه أكثر من أي زائر آخر. لفتت المقالة انتباه الشرطة، التي داهمت المقهى، ولم تجد فيه مخالفة تذكر، سوى عدم الالتزام تماماً بالقرار الحكومي الذي صدر في أوائل الحرب بمنع تقديم الخمور في المطاعم والحانات والمقاهي، حيث عثرت الشرطة على بعض القناني الفارغة تحت الأرائك، فتم غلق المقهى في 3-3-1915.

خلال الحرب العالمية الثانية تحول القبو إلى ملجأ آمن من الطائرات الألمانية المغيرة. وصادف وجود (أخماتوفا( خلال إحدى الغارات بالقرب من القبو، فلجأت إليه مع أناس آخرين. ولا أحد يدري، ما الذي كان يدور في خلد الشاعرة العظيمة في تلك الدقائق، التي لجات فيها إلى المكان الذي شهد أجمل ايام حياتها. وقالت فيه قصائد مرحة، وتحدثت عنه في مذكراتها، وفي قصيدتها الطويلة “ملحمة بلا بطل”.


استغلال اسم “الكلب الضّال” تجارياً

أما اليوم فإن البعض يحاول استغلال اسم وشهرة “الكلب الضّال” تجاريا، فقد تم إعادة ترميم وتجميل القبو، ليس من أجل تأسيس مركز ثقافي فيه، بل تحويله إلى (ريستوران) يحمل اسم “الكلب الضّال”. يقدم فيه – إلى جانب الأكلات الروسية – فعاليات مسرحية، وغنائية بأسعار باهظة. ويحاول صاحب الريستوران أو القاعة عبثا، تقليد الجو الذي كان سائدا في القبو في أوج ازدهاره وشهرته في العصر الفضي. ورغم الدعاية الهائلة، إلا ان االمكان اليوم يفتقد روح مقهى “الكلب الضّال”، وأجوائه الإبداعية، وعباقرته الذين تحولوا إلى أساطير جميلة في ذاكرة الأجيال الروسية المتعاقبة. وإذا كان من الممكن انتحال اسم المقهى القديم، وتقليده في كل شيء  فمن يعيد إليه عباقرته، وروحه، والأجواء الإبداعية التي كانت سائدة فيه ؟

ما هو الأدب؟ أرنولد بينيت يجيب

أرنولد بينيت (18671931) هو صحفي، وروائي، وكاتب في مختلف مجالات الأدب، وناقد أدبي، من المملكة المتحدة.

في كتابه (الذوق الأدبي؛ كيف يتكون؟)، والذي نقلته إلى اللغة العربية الأستاذة (دلال الرمضان)، تحدث (بينيت) عن هدف الأدب وماهيته، وانعكاساته على الحياة اليومية، يقول مستفتحًا:

في بادئ الأمر، ثمة مفهوم خاطئ فيما يتعلق بالذوق الأدبي علينا توضيحه؛ وهو أن كثيرًا من الناس، بل الغالبية العظمى منهم، يعتقدون أن الذوق الأدبي موهبة راقية تضفي عليهم مزيدًا من الكمال لدى بلوغها، وتجعلهم أكثر توافقًا مع المجتمع الذي ينتمون إليه. فهم يشعرون بالخجل إزاء إهمالهم للجانب الأدبي، بالطريقة ذاتها التي يشعرون فيها بذلك حيال جهلهم بقواعد الإتيكيت والذوق العام، أو على سبيل المثال، تجاه عدم مقدرتهم على ركوب الخيل حين يُطلب منهم ذلك. 

فالفكرة السائدة لدى البعض؛ هي أن هنالك أشياء محددة ينبغي على المرء معرفتها والإلمام بها، وأحد هذه الأشياء هو الأدب.

إذ تعلّموا كيفية الأناقة في الملبس، واللباقة في التصرف في كافة المواقف، وكانوا على حد ما قادرين على تسيير المسائل الحياتية اليومية، وبالمثابرة والجرأة نجحوا أيضًا في حياتهم المهنية، مما يحتم عليهم عندئذ أن يضعوا نصب أعينهم أن الإلمام بالأدب جزء لا يتجزأ من احترام الشخص لذاته. فالاهتمام بالرسم والموسيقى ليس بتلك الأهمية، بينما يتوجب على الجميع الإلمام بالأدب، فهو نوع من أنواع التسلية الراقية. وعليه فإن الذوق الأدبي يؤدي إلى غرضين؛ الأول هو كونه شهادة أو دليل على ثقافة الفرد السليمة، والثاني هو أنه يقدم للقارئ نوعًا من المتعة الخاصة.

يقول (بينيت) في ذلك الفهم للأدب:

إن سلوكًا كهذا في التعاطي مع الأدب، أو أي سلوك آخر مشابه له، هو سلوك خاطئ. وهو ببساطة أمر مضحك جدًا بالنسبة لأولئك الذين يدركون ماهية الأدب، ويعرفون وظيفته تمامًا، ناهيك عن عواقبه الوخيمة في عملية تكوين الذوق الأدبي.

بالنسبة لأولئك الذين يعتبرون أن الذوق الأدبي موهبة، وأن الأدب نوع من أنواع التسلية؛ لن ينجحوا حتمًا في اكتساب هذه الموهبة، أو في استخدامها كنوع من أنواع التسلية والترفيه، بالرغم من كون الأدب التسلية الأمثل، وبالرغم أيضًا من كون الذوق الأدبي الموهبة التي لا نظير لها من حيث الأناقة أو القوة في التأثير على المرائين من أبناء العالم المحتضر. وبرأيي فإن الأدب ليس أمرًا مكملًا كما هو متعارف عليه، بل هو شيء أساسي لا غنى عنه لتحقيق العيش المتكامل لحياة الإنسان.

للإجابة عن سؤال ماهية الأدب، ينتقل (بينيت) في حديثه إلى صانعي الأدب، فيقول:

إن صانعي الأدب هم أولئك الأشخاص الذين شهدوا وشعروا بالمتعة الرائعة لهذا الكون، وأعظمهم هم ذوو الرؤية الأشمل والإحساس الأقوى والأعمق. وحياة هؤلاء هي عبارة عن نشوة طويلة ومستمرة من إنكار لعتمة هذا العالم إذا ما قورنت برؤيتك التي جاءت عرضية ومؤقتة. ألا يعنيك أن تتعلم كيف تشعر بأن هذا العالم ليس مضجرًا؟ ألا يعنيك أيضًا أن تخرج من هذا النفق المظلم إلى العالم الرحب لتتسارع جميع حواسك وتستمتع بالنكهة الحقيقية للحياة، ولتشعر بنبضات قلبك تخفق تحت ربطة عنقك؟ صانعوا الأدب هؤلاء يجعلونك تشعر بكل ذلك، فهم يجعلونك تنظر بأعينهم فترى الأشياء بطريقتهم.

يختتم (بينيت) حديثه، فيقول:

ليس الهف من الدراسة الأدبية ملء أوقات الفراغ، بل إيقاظ النفس البشرية ودب الحياة فيها وتعزيز القدرة على الاستمتاع والعطف والإدراك، فالهدف الأساسي للأدب هو تغيير علاقة الفرد بالعالم بشكل كامل، ليدوم تأثيره هذا على مدى الأربع وعشرين ساعة، وليس لمدة ساعة واحدة فقط. ففهم وتقدير قيمة الأدب ليس سوى فهم وتقدير للعالم بأسره، هو الحياة بأكملها ممزوجة ببعضها البعض ضمن خارطة مركبة وليس بأجزاء مفككة من هذه الحياة. إن روح الأدب روح توحيدية، تشمل ضوء الشمعة وسطوع النجم معًا، وبسحر صورة ما ترينا أن عظمة الجمال تكمن في وجوده في أبسط الأشياء. كما أنها لا تحبذ كشف الجمال وجمع الأشياء المختلفة سويًا، فهي تضفي نوعًا من الحكمة الأخلاقية عبر تتبعها للأسباب والنتائج في كل مكان. إذ تعزز ذلك بطريقتين؛ الأولى عبر إظهار الجمال غير المتوقع. أما الثانية، فهي عن طريق البرهنة أننا نمتلك مصيرًا مشتركًا. إنها الصرخة العظيمة لمكتشفيها الذي يبدي التعاطف ويطلبه في الإيماءة ذاتها.

فرناندو بيسوا وحديثه عن النثر

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب كما كتب في سطور  كتابه  الاشهر (كتاب اللاطمأنينة) فقال:

أنني أفضل النثر على الشعر حيث أن الشعر شيء وسطياً، خطوة  من الموسيقى باتجاه النثر الشعر، مثل الموسيقى محكوم بقوانين إيقاعية محددة، وحتى لو لم تكن من نمط القوانين الصارمة للشعر المنظوم فهي قائمة، ومع ذلك، كدفعات، كإكراهات كأجهزة أوتوماتيكية للضغط والعقاب إما في النثر فنحن نتحدث أحرار بإمكاننا أن نضمن إيقاعات شعرية، وأن نوجد خارجها، مع ذلك إن تسرب إيقاع  شعري معين بصفة عرضية إلى النثر لا يعوق النثر ؛ لكن تسرب إيقاع نثري عرضا إلى الشعر يفسد الشعر.

وعن علاقة الفن بالنثر يقول (بيسوا):

الفن كله متضمن في النثر من جهة لآنه في الكلمة، الكلمة الحرة يتركز العالم بكامله. ومن جهة ثانية لأنه في الكلمة الحرة توجد الامكانية الكاملة لكي نعبر عن العالم ونفكر فيه في ان واحد في النثر نمنحه كل شيء، بواسطة التحويل نمنحه اللون والشكل اللذين ليس بمقدور الرسم منحه إياهما الا على نحو مباشر وبدون أي بعد حميم ؛ ونمحنه الايقاع الذي لا تمنحه الموسيقى إلا مباشرة أيضاً، وبدون شكل مُجسدن، ومجرداً من ذلك الجسد الثاني الذي هو الفكرة ؛ ونمنحه البنية التي إذا كان على المعماري أن يشكلها من مواد صلبة، معطاة وخارجية فإننا نصنعها من إيقاعات و ترديدات من متتاليات وانسيابات ؛ ثم نمنحه الواقعية التي على المثال أن يخالفها في العالم بلا ليونة ولا استحالة ؛ وأخيرا نمنحه الشعر ؛ الشعر الذي دور الشاعر في شبيه بدور المبتدئ في محفل سري هو عبد، وإنه طوعاً، لمقامات وطقوس معينه.

ويكمل قائلاً:

إنني على يقين من أنه، في عالم متحضر تماماً لن يوجد فن اخر غير النثر حتى الفنون الدنيا، أو تلك التي يمكن تسميتها كذلك، تظهر وشوشتها في النثر فثمة نثر يرقص، نثر يغني، نثر ينشد بذاته لذاته ثمة ايقاعات شفهية هي بحد ذاتها رقصات تتعرى فيها الفكرة ملتوية بشهية وحسويه نصف شفافة ومتقنة، ثمة في النثر أيضاً خبايا مرتعشة يبث فيها ممثل كبير هو الفعل، بجوهره المُجسدْن، عبر الايقاع، سر الكون المتعذر على الإدراك المحسوس.

عن حبسة الكاتب، من رسائل درويش وسميح

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني [2] التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب حمل اسم (الرسائل)، جُمعت تلك الرسائل التي تبادلها كلًا من (درويش) وصديقه (سميح القاسم) (1939-2014)، وأحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، رئيس التحرير الفخري لصحيفة كل العرب، عضو سابق في الحزب الشيوعي. 

في رسالة أرسلها (درويش) إلى (سميح) بالخامس من أغسطس، عام 1986 من العاصمة الفرنسية (باريس)، شكى (درويش) من حبسة الكاتب، كما كتب عن بعض من عاداته في الكتابة، فقال في رسالته:

عزيزي (سميح)،

[…] لقد انقطعت شهيتي عن الكتابة فجأة، لا لأن جدران المراحيض العامة هي صحافة المستقبل الحرة، بل لأنني لم أحترف الكتابة بعد كما لم آلف الزواج، فهل ينبغي عليّ أن أخاف هذا الصيف الذي يدفع النفس إلى الخمول، ويطلق أفاعي الذكرى من أوكارها؟ أم ينبغي عليّ أن أغتصب الكتابة؟

منذ شهور، وأنا أروض عاداتي. أصحو لأكتب. أصحو من أجل أن أكتب، وأنقح حياتي من عبث كان ضروريًا حين كان يبدو لي أن في العمر متسعًا لنضج فواكه اللغة. ولكن، أليست الكتابة عبثًا أقسى في هذا الصراع الضاري مع بياض لا ينتهي؟ فكلما كتبنا أحسسنا بأننا لم نكتب بعد. وكلما قرأنا شعرنا بأننا لم نبدأ القراءة.

ومن مشاكلي أنني لا أكتب في الليل. لا أحب الليل ولا أطمئن إلى الليل. والصباح هنا قصير. والفجر رصاصيّ موشح بحمام أسود. الحمام هنا أسود. ومن مشاكلي المهنية أيضًا أنني لا أعرف الإجازة، لا أعرف ماذا أصنع بالإجازة التي يقدسها الناس هنا. لذلك، اختلف مع الصيف ولا أتفق مع الليل. تعال .. تعال إذا استطعت لنواصل هجاء الزمان والمكان ولنلعب الطاولة، ولنطهو مذاق الطعام القديم.

هل يصيبك هذا العقم المفاجئ؟ هل يجتاحك الإحساس بالهزيمة النهائية إذا توقفت أسبوعًا واحدًا عن الكتابة إلى درجة تنسى معها أنك قد أنتجت كثيرًا هذا العام؟ قد علمتني تجربتي المتكررة، في هذا الإحباط، أن أبتعد عن المحاولة، فالكتابة حرون لا تنفع معها وسائل الإغراء إن عصت. سترضخ، سترضخ. تبًا لهذا الصيف. تبًا للجرائد.

قلت لي إنك تخاف كتابة النثر. لماذا تخاف؟ يبدو لي، يا عزيزي، أن النثر هو ديوان هذا العصر، إذا أبقى له التلفزيون له باقية! وماذا لو سرق النثر شيئًا من الشعر. أليس النصّ نصّك؟ لا أظن النثر هو استراحة الشاعر، أو فضيحته كما يقولون. فقد تتحقق الشاعرية في النثر أكثر من تحققها في القصدة المشروطة بشكل قد يكبح جماح الجنون، هناك دائمًا فائض شعري ينبجس من مكان آخر. المهم هو ألا نؤجل هذا الانبجاس، فليس من الصواب أن ندخر الشعر إلى أن تأتي قصيدته التي قد لا تأتي.

إياك، يا عزيزي، إياك أن تغربل النثر لتفصل ما يصلح منه للقصيدة القادمة، فالشعر لا يسقط في النثر، بل يولد معه، وأنت أدرى من سواك بأن الشاعرية شهوة تصعب إعادة إنتاجها في شروط توتر محسوب. الرغبة تصبح وتنفجر ولا تُنقل إلى موعد آخر.

ضع نفسك في الريح والجنون، فليس في وسع الشاعر إلا أن يكون شاعرًا.

[…]

أخوك محمود درويش

(باريس – 5 / 8 / 1986)

وجاء الرد من (سميح) بعد أسبوع، والذي يقول فيه:
سميح القاسم

العزيز (محمود)،

[…] لا يقلقني تحفظي من النثر، فهو كما يبدو تحفظ ذهني يشكل تساؤلًا أكثر مما يشكل موقفًا. وهو قائم على القناعة بأن عملية الكتابة، أية كتابة؛ القصيدة، الرسالة، الخبر الصحفي، المقالة، الإهداء الخاص على كتاب تهديه إنسانًا عزيزًا عليك، كلها تستهلك طاقة ما من المخزون المتراكم في حالة الكتابة وأعني بحالة الكتابة، تلك الحالة التي يتغير فيها وضعك النفسي والجسدي معًا، تنتابك غيبوبة ما، ترتفع حرارتك قليلًا، ترى ولا ترى، تسمع ولا تسمع، ولا ينقذك من اختلال التوازن الطارئ سوى ذلك الاندغام الكامل بين روحك وجسدك وقلمك والورقة الساحرة المستلقية بين يديك مثل امرأة وآلهة تصيح: “خذني”.

بلى، يصيبني “العقم المفاجئ” أحيانًا. ذات مرة استمر شهورًا بكاملها. استحوذ عليّ رعب لا يُوصف. لعله الرعب الذي يكتسح إنسانًا كاشفه الطبيب بأن داء السرطان لن يمهله طويلًا. لم أجد السلوى إلا في حكمة تلك النبعة الجبلية في كرم الزيتون الذي أشارت إليه إحدى رسائلك السابقة. أنها تحتبس عامًا وأكثر لتعود وتتدفق من جديد في موعد غير متوقع ولا يقدر إنسيّ على حسبانه.

[…]

أخوك سميح القاسم

(الرامة – 12 / 8 / 1986)

أنواع الاقتباسات والسرقات الشعرية عند الكاتب أسامه بن منقذ

unnamed

 

أسامة بن منقذ (1095-1188) فارس وشاعر، وأحد قادة (صلاح الدين الأيوبي). ولد في شيرز لينو منقذ، قضى أسامة آخر حياته في حصن كيفا منفياً فأقبل على التصنيف وصنف كتبا عديدة بلغت 13 كتابا من ضمنها (تاريخ القلاع والحصون) و (أزهار الأنهار).

يقسِّم الكاتب (آسامه بن منقذ) في كتابهِ أنواع السَّرقات الشعرية؛ وبهذا يضع أسماءً محدَّدة لأمور هلامية تشعُر بها لكنك لا تستطيع تعريفها بدقَّة. يمكنك أن تقابل أمورًا مماثلة في كل أنواع الفنون.

الاصطراف

أن يُعجَب الشاعر ببيت شاعر آخر فيستعمله، هنا قد يعترف بأنه ليس من شعره هو، يسمُّون هذا “الاجتلاب”. هذا يشبه أن تستعمل عبارة لـ(برنارد شو) في كلامك وتعترف أن العبارة لـ(برنارد شو). قد يدَّعي الشاعر أن البيت من تأليفه، هذه سرقة كاملة، ويطلقون عليها “الانتحال”. المثال هو قول (جرير):

إنَّ الذين غَدَوْا بلُبِّكَ غادرُوا *** وشلًا بعينِكَ لا يزالُ معينَا
غيَّضنَ من عبراتهِنَّ وقلنَ لي: *** ماذا لقيتَ منَ الهوى ولقينَا؟

فإن الرواة مجمعون على أن البيتين لـ(المعوط السعدي).

الشاعر (عبد الله بن الزبير) دخل على (معاوية) فأنشد بيتَي الشعر:

إِذَا أَنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أَخَاكَ وَجَدْتَهُ *** على طَرَفِ الهِجْرَانِ إنْ كانَ يَعْقِلُ
ويَرْكَبُ حَدَّ السَّيْفِ مِنْ أَنْ تَضِيمَهُ *** إِذا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَفْرَةِ السَّيْفِ مَزْمَلُ

راق البيتان لـ(معاوية) جدًا، راقا له إلى أن دخل شاعر آخر اسمه (معن بن أوس) وأنشد قصيدة أخرى لـ(معاوية)، فاكتشف هذا الأخير أن فيها نفس البيتين! لمَّا واجه (عبد الله بن الزبير) بهذا لم يُنكِر الشاعر أنه انتحل البيتين، وقال: “المعنى لي، واللَّفْظُ له، وبَعْدُ فهو أخي من الرضاعة، وأنا أحقُّ بشِعْره”.

هناك انتحال أقرب إلى النَّصب العلني. أنت شاعر شهير قوي؛ لذا تسطو على أشعار من هم أصغر منك فلا يستطيعون إثبات ذلك. نعرف قصصًا شهيرة عن كُتَّاب استولوا على قصص شبابٍ أدباء، ثم نشروا الأعمال ولم يجسر الكاتب الشاب ولم يستطع أن يثبت السرقة. هناك شعراء مغمورون يحاولون أن يثبتوا أنهم مؤلِّفو دواوين ناجحة لشعراء فائقي الشهرة، وبالطبع لا أحد يصدِّقهم. صديقي فنان الكاريكاتور اشترك في مسابقة أدبية نظَّمها كاتب كبير، ثم فوجئ بأن القصة التي قدَّمها للمسابقة منشورة باسم الكاتب الكبير، ولم يستطع إثبات حقه. هذا النوع من الانتحال اسمه “الإغارة”.

هناك نوع انتحال أقرب للبلطجة اسمه “الغصب”؛ أي إنك تأخذ البيت من صاحبه سواء أراد أو لم يُرِدْ، هناك بيت شعر لـ(الشمردل اليربوعي) يقول:

فَما بَينَ مَن لَم يُعطَ سَمعًا وطاعةً *** وبَين تَميمٍ غَيرُ حَزِّ الحَلاقِمِ

سمع (الفرزدق) هذا البيت فقام بممارسة ما نطلق عليه “التثبيت”، وقال للشاعر: “والله لتدعَنَّه أو لتدعنَّ عِرضك”.

فخاف (الشمردل) وتنازل عن بيت الشعر بنفس الطريقة التي تتنازل فيها عن الهاتف الجوال تحت تهديد السلاح، وقال: “خذه، لا بارك الله لك فيه”.
بصراحة لا أذكر حادثة أدبية مماثلة عندنا. لم أُشهِر سكينًا على عنق أديب لآخذ قصته لنفسي حتى هذه اللحظة. وعلى عكس الإغارة والغصب، هناك من يعطيك أبيات الشعر برضًا تام لتستعملها، وهذا ما يُطلقون عليه “المرادفة”؛ سمع (جرير) بيت الشعر الذي أنشده (ذو الرمة):

نَبَتْ عيناكَ عن طَللٍ بحُزْوَى *** عَفَتْه الريحُ وامْتُنِحَ القِطارَ
فقرَّر أن يساعده ببيتين قويين من تأليفه؛ هما:
يَعُدُّ الناسبون إلى تَميم *** بيوتَ المجدِ أربعةً كِبارَا
يَعُدُّون الرَّباب وآلَ سَعْدٍ *** وعَمْرًا ثم حَنْظلةَ الخِيارَا

وبما أن هؤلاء القوم شعراء فعلًا، فقد شمَّ (الفرزدق) رائحة شعر (جرير)، وأدرك أنه صاحب البيتين الأصليُّ.

أحيانًا يقتبس الشاعر نصف البيت ثم يُكمله بألفاظه هو … كأنك ترى قصة (هاري بوتر) فتبدأ بطفل يتيم يتربَّى مع أسرة قاسية، ثم يصير هذا الطفل طبيبًا بارعًا. أي إنك بدأت مع (راولنج) ثم انطلقت مبتعدًا. يطلقون على هذا “الاهتدام”. وهناك نوع اقتباس اسمه النظر والملاحظة والإلمام … أي إنك تستوعب فكرة البيت ثم تكتبه بلغتك أنت … هناك أعمال أدبية كثيرة بهذه الطريقة.

الاختلاس

هو أن تسرق فكرة من شاعر آخر وتستخدمها في غرض آخر. كقول (عبد الله بن مصعب):

كَأَنَّكَ كُنتَ مُحتَكِمًا عَلَيهم *** تُخَيَّرُ في الأُبُوَّةِ ما تَشاءُ

اختلسه من قول أبي نواس:

خلَّيتَ والحسنَ تأخذهُ *** تنتقي منه وتنتخِبُ

من الممكن للشاعر أن يعكس بيت شاعر آخر ويستعمله. فبيت شعر (حسان بن ثابت):

بيض الوجوهِ كريمةٌ أحسابهم *** شُمُّ الأنوفِ من الطِراز الأوَّلِ

يعكسه (ابن أبي قيس) بالضبط وبدقَّة:

سودُ الوُجوهِ لَئيمةٌ أحسابهمْ *** فُطْسُ الأُنوفِ من الطرازِ الآخِرِ

هناك توارد خواطر يجعل الشاعرَيْن بريئَيْن لم يسرق أحدهما عن الآخر، اسم هذا “المواردة”؛ فـ(ابن الأعرابي) و(الحطيئة) كلاهما قال بيت الشعر:

مُفِيدٌ ومِتْلافٌ إِذا مَا أتَيْتَهُ *** تَهَلَّلَ واهْتَزَّ اهْتِزَازَ المُهَنَّدِ

وقد تاه (ابن الأعرابي) فخرًا لأنه قال هذا البيت كما فعل شاعر عظيم مثل (الحطيئة) قبله.

من الممكن أن يجمع الشاعر عدة أبيات لغيره فيضعها في خليط واحد … مثل قول (يزيد بن الطَّثَريَّة):

إذا ما رآني مقبلًا غضَّ طرفه *** كأنَّ شعاعَ الشمسِ دوني مقابله

فهو “كوكتيل” متجانس من بيت شعر لـ(جميل) وبيت شعر لـ(جرير) وبيت شعر لـ(عنترة الطائي):

إِذا ما رَأَوني طالعًا من ثَنيةٍ *** يقولون: مَن هذا؟ وقد عَرَفوني

فَغُضَّ الطَّرفَ إِنَّكَ مِن نُمَيرٍ *** فَلا كَعبًا بَلَغتَ ولا كِلابا

إِذا أَبصَرتَني أَعرضتَ عَني *** كَأَنَّ الشَّمسَ مِن حَولي تَدورُ