أرشيف الوسم: الألم

الألم .. في فن اللامبالاة عند مارك مانسون

مارك مانسون هو مؤلف ومدوِّن أمريكي مواليد 1984. له ثلاثة كتب Models: Attract Women through Honest و فن اللامبالاة وأيضاً خراب: كتاب عن الأمل.

بدأ مارك مانسون أول مدونة له في عام 2009 كقناة تسويقية لأعماله في مجال استشارات المواعدة (dating advice business)، ثم انتقل بعد ذلك إلى العمل المستقل.

مما يميز كتابي مارك مانسون الأخيرين -والذَين حققا مبيعات كبرى-، هو كتابة مارك مانسون الصريحة والواقعية، فبالرغم من تكرار مواضيع تطوير الذات والسعادة التي يكتب عنها مانسون والتي كُتب عنها من قبل، إلا أن مانسون يذكرنا بها بطريقة فريدة ويعيد تركيب المشهد لترى الصورة بشكل أوضح.

ظل يُقال لنا طيلة عشرات السنوات إن التفكير الإيجابي هو المفتاح إلى حياة سعيدة ثرية. لكن (مارك مانسون) يشتم تلك “الإيجابية” ويقول: “فلنكن صادقين، السيء سيء وعلينا أن نتعايش مع هذا”.

لا يتهرّب (مانسون) من الحقائق ولا يغفلها بالسكّر، بل يقولها لنا كما هي: “جرعة من الحقيقة الفجِّة الصادقة المنعشة هي ما ينقصنا اليوم”.

في كتاب (فن اللامبالاة) المترجم إلى العربية بإخراج ّالحارث النبهانّ. وتحديدًا في الفصل الثاني بعنوان: السعادة مشكلة. يروي (مانسون) قصة قصيرة تخصه، فيبدأها متسائلًا: السؤال الذي يلفت النظر أكثر ويجعلك تفكر، السؤال الذي لا ينتبه إليه أكثر الناس، هو: “ما الألم الذي تريده في حياتك؟ وما الذي تظن أنك مستعد للكفاح من أجله؟”إن ما يقرر نجاحك ليس “ما تريد أن تستمتع به؟” بل إن السؤال الصحيح هو: “ما الألم الذي أنت راغب في تحمله أو قادر على تحمّله؟”

إن الطريق إلى السعادة دربٌ مفروشة بالأشواك والخيبات.عليك أن تختار شيئًا! لا يمكنك أن تحظى بحياة لا ألم فيها. لا يمكن أن تكون الحياة كلها مفروشة بالورود طيلة الوقت: السعادة هي السؤال السهل! وتكاد الإجابة على هذا السؤال تكون متماثلة عندنا جميعًا.السؤال الأكثر إثارة للإهتمام هو سؤال الألم.

ما الألم الذي أنت راغب في عيشه؟ هذا هو السؤال الصعب الذي له أهمية، السؤال الذي سيوصلك إلى مكانٍ ما في حقيقة الأمر. إنه السؤال الذي يمكنه تغيير نظرتك، وتغيير حياتك.إنه السؤال الذي يجعلني ما أنا عليه ويجعلك ما أنت عليه. إنه يحددنا ويحدد الفروق بيننا وما يجمعنا معًا في آخر المطاف.

خلال معظم فترة مراهقتي وشبابي، كنت أحلم بأن أكون موسيقيًا .. نجمًا من نجوم الروك تحديدًا. وكلما سمعت أغنية جيدة على الغيتار، كنت أغمض عيني وأتخيل نفسي واقفًا على المسرح أعزف الغيتار أمام جمهور يزعق جنونًا، أمام أناس فقدوا عقولهم تمامًا وهم يستمعون إلى الروعة التي تخلقها أصابعي من تلك الأوتار. كان من الممكن أن يجعلني هذا الحلم أتمرَّن على عزف الغيتار ساعات لا نهاية لها. وفي نظري، لم يكن مطروحًا أبدًا السؤال عما إذا كنت سأقف على المسرح يومًا ما وأعزف أمام ذلك الجمهور المذهول، بل متى يحدث ذلك.

ويكمل (مانسون):  

على الرغم من أحلامي كلها التي استمرت نصف فترة حياتي تقريبًا لم تثمر تلك الأحلام شيئًا في الواقع. ثم كان لا بد لي من وقت طويل وصراع كثير حتى أتوصل إلى السبب: أنا لا أريد هذا في حقيقة الأمر!

كنت أعيش “حالة حب” مع النتيجة التي أتخيلها؛ صورتي على خشبة المسرح، والناس يهللون لي، وأنا أعزف وأسكب قلبي في ما أعزفه. لكني لم أكن أعيش حالة الحب نفسها مع العملية التي يمكن أن توصلني إلى تلك النتيجة. وقد فشلت لهذا السبب.

فشلت مرة بعد مرة. بل إنني لم أكد أبذل في تلك المحاولات جهدًا كافيًا لأن أعتبر ما حدث لي فشلًا. حقيقة الأمر هي أنني لم أحاول محاولة جدّية أصلًا !سوف تخبرني الأدبيات الثقافية الشائعة بأنني خذلت نفسي على نحو ما، وبأنني شخص منسحب أو فاشل، وبأنني “لا أملك ما يلزم” للأمر، وبأنني تخليت عن حلمي.. ربما لأنني تركت نفسي أرضخ أمام ضغط المجتمع.

لكن الحقيقة مدهشة مثيرة للاهتمام أكثر من هذه التفسيرات كلها.الحقيقة هي: ظننت أنني أريد شيئًا، لكن اتضح لي أنني لا أريده. انتهت الحكاية. لقد أردت النتيجة ولم أرد الصراع من أجلها. أردت النتيجة ولم أرد العملية المفضية إليها.

لم أكن واقعًا في حب الكفاح من أجل تلك الغاية، بل كنت أحب النصر فقط. لا تسير الحياة على هذه الشاكلة.

تتحدد الإجابة على السؤال “من أنت؟” بما أنت مستعد للصراع من أجله. فالناس الذي يستمتعون بالصراع في ميادين التمرينات الرياضية هم الأشخاص القادرون على المشاركة في المسابقات الثلاثية، الجري والسباحة وركوب الدراجات، والذي يمتلكون أجسامًا منحوتة نحتًا، يستطيعون رفع أثقال ضخمة. كما أن الناس يستمتعون بساعات العمل الطويلة وبسياسات السلم الوظيفي في المؤسسات، هم الأشخاص الذين يطيرون إلى أعلى ذلك السلم طيرانًا. والناس الذين يستمتعون بتوترات الحياة الفنية وحالات الجوع وعدم اليقين فيها هن من يعيشونها حقًا ويتوصلون إلى النجاح فيها آخر الأمر.

لا علاقة لهذا الكلام بقوة الإرادة ولا بالمثابرة والجَلَد. وما أقوله هنا ليس نصيحة جديدة من نوع “لا فوز من غير مشقة”. هذه أبسط مكوّنات الحياة وأكثرها أساسية: صراعاتنا تحدد نجاحاتنا. ومشاكلنا تلد سعادتنا، وإلى جانبها تلد أيضًا مشكلات أفضل قليلًا.إنه مسار حلزوني صاعد لا ينتهي. وإذا ظننت في أي نقطة من ذلك المسار أن في وسعك أن تتوقف عن تسلقه، فأخشى أنك لم تفهم شيئًا.

أقول هذا لأن المتعة الحقيقية كامنة في التسلق نفسه.  

ختامًا؛ يرى (مانسون) أن الألم بإختصار هو سر الوجود.
فإن كنت تتألم لآجل شيءِ ما .. إذاّ أنت موجود!

فيكتور فرانكل، وحديث عن حرية الإرادة، المعاناة، والموت

 

Viktor Frankl

 

فيكتور فرانكل (1905-1997)، هو طبيب نفسي نمساوي و مؤسس علم العلاج بالمعنى (Logotherapy)، وأحد الناجين من معسكرات الاعتقال النازية إذ أنه في سبتمبر 1942، ألقي القبض على (فرانكل) و عائلته، وتم ترحيلهم إلى معسكر اعتقال Theresienstadt فقد خلالها (فرانكل) زوجته، (تيلي)، ووالديه و شقيقه في أهوال معسكرات الاعتقال النازية، كما وصل إلى حافة الموت بدوره.

في الحرية

كيف ينظر الطبيب النفسي (فرانكل) في مسألة حرية الإرادة وهل حرية الإنسان مقيدة ام مطلقة؟ يرد على ذلك قائلا:

الحرية التي يمتلكها الإنسان وتميزه عن سائر الكائنات ليست نهائية أو مطلقة، ولكنها محدودة بعوامل كثيرة. فالإنسان ليس حرًا أو منفصلاً عن عوامل معينة سواء كانت هذه العوامل بيولوجية، أو سيكولوجية، أو اجتماعية، و لكنه سيظل الإنسان حراً في اتخاذ موقفًا تجاه هذه العوامل و الظروف. كما لديه حرية الاختيار و مسئولاً عن هذه الاختبارات التي يراها مناسبة.

في معنى المعاناة

كيف نستطيع ان نجد المعنى في أحلك الظروف أو عند مواجهتنا لقدراً محتوم غير قابل للتغيير؟ يجيب د. (فرانكل) عن ذلك قائلاً:

أن يسمو الفرد بنفسه و يحول المأساة الشخصية إلى إنجاز أو انتصار. المعاناة سمة أساسية مميزة للحياة؛ فلا توجد حياة خالية من المعاناة، ولا يوجد فرد لم يعان من الصدمات الانفعالية و من الظلم أو الأذى أو من الإحباطات أو الصعوبات المادية أو الجسدية، أو الحزن و الأسف نحو شخص محبوب.

أما الموت

ينظر د. (فرانكل) للموت نظرة إيجابية على أنه الشيء الوحيد المؤكد و الحقيقة العامة للحياة ولايمكن تجنبه، وحيث إن الموت هو النهاية فإنه يمكن أن يكون حافز للحياة. كيف يعطي الموت معنى للحياة؟ يجيب على ذلك

ما الذي كان يمكن حدوثه إذا لم تكن حياتنا محددة و منتهية؟ فلو كنا مخلدين فسوف نجد تبريراً لتأجيل كل شيء وأي شيء ولن يوجد شيء نتم عمله اليوم لأننا سنؤجله للغد أو الأسبوع القادم أو العام القادم … ومن ناحية ثانية فلكون حياتنا محددة فإننا نحاول بذل الجهد و عمل أفضل ما يمكننا عمله من أجل تخليد ذكرانا. فليس طول الحياة هو الذي يعطيها المعنى و القيمة، فنحن لا نحكم على السيرة الذاتية من طولها ولكن من ثرائها.

فن التصوير و علاقة الصورة بالحقيقة عند سوزان سونتاغ

(سوزان سونتاغ) 1933 – 2004 ناقدة ومخرجة وروائية أميركية، في كتابها الأخير (الالتفات إلى آلام الآخرين)، الصادر بنسخته العربية بترجمة مجيد البرغوثي، تحدثت فيه عن فن التصوير وعلاقة الصورة بالحقيقة، وما تُضيفه اللقطة المأخوذة لمشهد الألم الإنساني على الشخص المتألم، وما تُحدثه الصورة، من ثم، في الناظر إليها.

تقول (سونتاغ):

إنّ الصور لا تُظهر في الواقع ماتفعله الحرب كحرب. إنها تُظهر طريقة محددة لشنّ الحرب، طريقة كانت توصف بأنها ” بربريّة ” يكون فيها المدنيّون هم الهدف.
إن صور الجثث المقطعة يمكن أن تستخدم لتفعيل إدانة الحرب، و قد توضح جزءاً من واقعها لأولئك الذين ليست لديهم خبرة في الحرب على الإطلاق.
وعن علاقة الصور بالصحافة تقول:
 إن كون المرء متفرّجاًً على الفواجع التي تقع في بلد آخر، تجربة جوهرية حديثة، و هي حصيلة تراكمية لما قدّمه خلال أكثر من قرن و نصف هؤلاء السياح المحترفون المتخصصون المعروفون باسم “الصحفيين”.    والحروب الآن هي مشاهد و أصوات توجد داخل غرفة المعيشة.
والمعلومات عما يحدث في مكان آخر والتي تسمّى “الأخبار” تبرز الصراع و العنف. وإذا كان هناك نزيف، فإنه يتصدر تلك الأخبار – كما يقول التوجيه المعتبر لدى صحف المجدولة و لدى العروض الإخبارية التي تستمر على مدى 24 ساعة يومياً- وتكون الاستجابة إما بالتعاطف أو السخط أو الدغدغة أو الاستحسان كلما ظهر بؤسٌ للعيان.
و في موضع آخر تقول:
فالصور مجنّدة كجزء من الصحافة و يُتوقع منها أن تأسر الانتباه، أو تفزِع أو تُدهِش. و قد عبّر عن هذا المعنى الشعار الإعلاني القديم لصحيفة باري ماتش الفرنسية التي تأسست في عام 1949: “ثقل الكلمات و صدمة الصور“. إن السعي لاصطياد صور أكثر إثارة  -كما توصف غالباً- هو مايحرك المشروع المتعلق بالتصوير، وهو جزء من الطبيعة العادية للثقافة التي أصبحت الصدمة فيها مثيراً رئيسياٍ للاستهلاك و مصدراً للقيمة.
الجمال إما أن يكون صاخباً أو لايكون” كما قال (أندريه بريتون). و قد وصف هذا المثال الجمالي بأنه “فوق واقعي-سريالي” و لكن ضمن إطار الثقافة التي تم تنقيحها جذرياً إثر صعود القيم التجارية، فإن المطالبة بأن تكون الصور مستفزة، صاخبة، وحتى مذهلة يبدو كأنه نوع من الواقعية المبدئية. كما أنه نوع من الحس التجاري الجيد.
و في أثر الصورة تقول:
 إن الصور المتواصلة بدون توقف في -التلفاز و المقاطع والأفلام- تحيط بنا، و لكن عندما يتعلق الأمر بالتذكر، فإن الصورة لها الأثرُ الأعمق. فالذاكرة تجمّد الصور. ووحدتها الأساسية هي الصورة المنفردة. وفي الحقبة المكتظة بالمعلومات؛ توفر الصورة أسلوباً سريعاً لفهم شيء مّا و شكلاً محدداً لحفظه، فالصورة تشبه القول المأثور أو الحكمة أو المثَل، و كل منا يخزن عقلياً مئات الصور القابلة للاستعادة بشكل فوري.
ماذا يعني إظهار الألم، كشيء مختلف عن الاعتراف به؟ تجيب:
إن تمثيل الألم من خلال التصوير الفني له تاريخ طويل. فالآلام التي يُنظر إليها في أغلب الأحيان على أنها جديرة بالتصوير هي التي تفهم على أنها ناجمة عن الغضب، سواءً كان إلهياً أو إنسانياً. فالمعاناة لأسباب طبيعية، كالمرض أو الولادة، نادراً ما جرى تمثيلها عبر تاريخ الفن، والمعاناة من الحوادث العرضية، لم تمثل على الإطلاق – كأنه ليس هناك ألم ينجم عن الإهمال أو سوء المغامرة.
و تتابع:
يبدو أن الشهية لرؤية الصور التي تُظهر الأجساد في حالة الألم تكاد تكون شبيهة في قوتها بالرغبة في رؤية الصور التي تظهر الأجساد و هي عارية.
من له الحق إذاً ؟ تقول:
ربما كان الأشخاص الوحيدون الذين لهم الحق في النظر إلى صور المعاناة من هذا المستوى المتطرف هم أولئك الذين بمقدورهم أن يقدموا شيئاً لتخفيف تلك المعاناة – كالأطباء الجراحين في المشفى العسكري الذي التقطت فيه الصورة – أو أولئك الذين يمكن أن يتعلموا منها. أما البقية منا فمتلصصون، سواءً قصدنا ذلك أو لم نقصد.
 وتكمل في موضع آخر:
إن الصور تُشيِّئ: أي انها تحول حادثةً ما إلى شيء يمكن امتلاكه. و الصور نوع من الكيمياء أيضًا، ولذلك كله تلقى التقدير كتعبير شفاف عن الواقع.
وتقول أيضًا:
إن ألفة صور معينة تبني إحساسنا بالحاضر و الماضي القريب. فالصور تضع أمامنا خطوطاً مرجعية.   وتخدمنا كرموز أو تمائم للأسباب. فتبلور العاطفة حول صورة ما أكثر احتمالاً من تبلورها حول شعار لغوي. و الصور تساعد في تركيب ومراجعة إدراكنا لماضٍ بعيد جداً، مع تحريك صدمات لاحقة بواسطة توزيع صور لم تكن معروفة آنذاك. إن الصور التي يتعرف عليها الجميع الآن جزءٌ لا يتجزآ مما يختار المجتمع أن يفكر فيه أو يصرح بأنه احتار التفكير فيه. وهو يسمي هذه الأفكار بـ”ذكريات”. و في ذلك على المدى البعيد، نوع من الوهم. و بتعبير أدق، لا يوجد شيء اسمه “الذاكرة الجماعية” فذلك ليس جزء من نفس عائلة الأفكار الزائفة كالإحساس الجماعي بالذنب. و لكن هناك وعي جماعي.
إن الذاكرة شأنها شأن فردي، لا يمكن إعادة إنتاجه، إنها تموت مع كل شخص. و مايُسمى بذاكرة جماعية ليس تذكراً و إنما نصاً: بأن هذا الأمر مهم، وهذه هي القصة عن كيفية حدوثه، مع صور تثبِّت القصة في أذهاننا، إن الأيدلوجيات تخلق مخزوناً محسوساً من الصور، الصور المعبرة عن التي تختزن الأفكار العامة الهامة، وتطلق أفكاراً و مشاعر يمكن التنبؤ بها.
ماذا نفعل بمثل هذه المعرفة حول الألم البعيد عنا كما تأتي بها الصور؟ توضح:
إن الناس يمكن أن ينغلقوا ليس لمجرد أنهم رأوا وجبة ثابتة من صور العنف جعلتهم لا مبالين، و لكن لأنهم خائفون. و كما يلاحظ الجميع، هناك مستوى من العنف و السادية اللذين يمكن قبولهما في الثقافة الجماعية في التلفاز، الأعمال الكوميدية، وألعاب الحاسوب.
فالصور التي كانت ستجد جمهوراً منكمشاً ومنزوياً باشمئزاز قبل أربعين عاماً، تشاهد الآن بطرفة عين من قبل كل شاب، وبشكل مضاعف. و بالفعل، إن الأذى يُمتع كثير من الناس في معظم الثقافات المعاصرة بدلاً من أن يصدمهم. و لكن لا يُشاهد العنف كله بدرجات متساوية من التباعد عنه، إن بعض الكوارث تعتبر موضوعات مناسبة للسخرية أكثر من سواها.
و تُورِد السبب لذلك، بقولها:
لأن الحرب، أي حرب، إذا لم يَبدُ أنه يمكن وقفها، فإن الناس يصبحون أقل استجابة لأهوالها.
إن التعاطف مع الآخرين عاطفة غير مستقرة. تحتاج إلى ترجمتها إلى فعل، و إلا ستذوب.
ثم تقول :
إن الناس لايعتادون على مايُعرض عليهم -إذا كان هذا هو الأسلوب الصحيح لوصف ما يحدث- بسبب كمية الصور التي تلقى عليهم. بل إنها السلبية التي تبلّد الأحاسيس.
وتكمل مقولتها:
طالما أننا نشعر بالتعاطف، فإننا نحس بأننا لسنا شركاء في أسباب الألم. إن تعاطفنا ينم عن براءتنا كما ينم عن عجزنا. إلى ذلك الحد، يمكن أن يكون تعاطفنا رغم نوايانا الطيبة. -استجابة وقحة – إن لم تكن غير مناسبة.
لنترك التعاطف الذي نقدمه للآخرين الواقعين في الحرب والسياسة الإجرامية جانباً، ولنتأمل كيف تقع امتيازاتنا على نفس الخارطة كآلامهم، قد نفضل على نحو ما عدم التخيل و ربط امتيازاتنا بآلامهم. تماما كما أن غنى البعض قد يعني ضمناً فقر آخرين – تبدو مهمة لا تقدم لنا الصور المؤلمة، المثيرة، إلا أنها شرارة البداية فقط.

تأمل فكرتين شائعتين – تقتربان الآن بسرعة من حالة التسطيح – حول تأثير فن التصوير. الفكرة الأولى: هي أن الاهتمام الشعبي موجّه بواسطة اهتمامات وسائل الإعلام  مما يعني، بشكل أكثر حسماً، الصور. فعندما تكون هناك صور، تصبح الحرب “واقعية”.

الفكرة الثانية:- قد تبدو عكس -ماوصفته للتو- تقول إنه في عالم مشبّع، بل مفرط في تشبعه بالصور، فإن تأثير الصور التي يجب أن تثير الاهتمام يتلاشى بالتدريج: فنصبح متبلدين.

وفي نهاية المطاف، تجعلنا مثل هذه الصور أقل قدرة على الإحساس، وعلى جعل ضمائرنا تشرئب.

وتطرح تساؤلاً حول ماهية المطلوب؟ هل نخفض صور المجازر إلى مرة أسبوعياً مثلاً؟ تجيب على ذلك:
لن تكون هناك لجنة من الحماة لتقنين الرعب، أو لتبقي قدرة دماثنا طازجة على الدوام.
والفظائع المرعبة نفسها لن تنقص.إن قدرتنا على الاستجابة لخبراتنا بنقاء عاطفي و ارتباط جمالي تصاب بالوهن من جراء النشر المتواصل للصور الفظة والمروعة – يمكن أن يسمى نقداً محافظاً لنشر مثل هذه الصور.
توصَف هذه الفكرة بأنها محافظة لأن الحس الواقعي هو الذي تآكل، و هناك واقع لايزال موجوداً بشكل مستقل عن محاولات إضعاف سلطانه. إن الفكرة تمثل دفاعاً عن الواقع و المعايير المعرضة للخطر والمتعلقة بالاستجابة على نحو أكمل لهذا الواقع.
و في خاتمة كتابها تُذكرنا:
أن لانتغير كلياً، وأن يكون في استطاعتنا أن نبتعد، نقلب الصفحة، ونغير قناة تلفازٍ لا تنفي القيمة الجمالية لهجوم تشنه الصور. و لا يُفترض في الصورة أن تصلح جهلنا بالتاريخ و أسباب المعاناة التي تلتقطها و تؤطرها. إن مثل هذه الصور لا يمكنها أن تكون أكثر من دعوة للانتباه، للتآمل، للتعلم، لفحص مبررات المعاناة التي تقدمها القوى الراسخة.
ليس هناك خطأ في الوقوف بعيداً و التفكير. وهنا أعيد صياغة أقوال عدة حكماء: ” لا أحد يستطيع أن يفكر و يضرب أحداً في نفس الوقت.
و في سطورها الأخيرة تقول:
نحن حقيقةً لا نستطيع أن نتخيل كم هي الحرب مخيفة، مرعبة، وكيف تصبح شيئاً عادياً. لا نستطيع أن نفهم، ولا نستطيع أن نتخيل.

عن مغزى الألم، عند جبران خليل جبران

في تحفته الفنية (النبي)، والمدرجة في (موسوعة جبران خليل جبران المعربة)، يصف أديب المهجر اللبناني (جبران خليل جبران) الألم فيقول:

“إن ما تشعرون به من الألم هو انكسار الشرة التي تغلف إدراككم.

وكما أن قشرة النواة الصلدة يجب أن تحطم تحطم الآلام قشوركم قبل أن تعرفوا معنى الحياة.

لأنكم لو استطعتم أن تعيروا عجائب حياتكم اليومية حقها من التأمل والتفكير، لما كنتم ترون آلامكم أقل غرابة من أفراحكم.

بل كنتم تتقبلون فصول قلوبكم، كما قد قبلتم في مدى حياتكم الفصول التي مرت على حقولكم.

وهذا الكثير من آلامكم هو الجرعة الشديدة المرارة التي بواسطتها يشفي الطبيب الحكيم الساهر في أعماقكم أسقام نفوسكم المريضة.

لذلك آمنوا بطبيب نفوسكم وثقوا بما يصفه لكم من الدواء الشافي، وتناولوا جرعته المُرة بسكينة وطمأنينة.

لأن يمينه، وإن بدت لكم ثقيلة قاسية، فهي تتحرك مقودة بيد غير المنظور اللطيفة.

والكأس التي يقدمها إليكم، وإن أحرقت شفاهكم، فهي مصنوعة من الطين الذي جلبته يدا الخزاف الأزلي بدموعه المقدسة.”

جبران خليل جبران – النبي


المصدر:

عباس العقاد عن الإحساس بالسرور والألم

270px-7457549364_e1d0847d9c

لماذا الألم أسهل من السرور؟ عن هذا السؤال يتحفنا الأديب المعروف عباس العقاد بإجابته.

كل حي يستطيع أن يشعر بشوكة الوردة ،لأن الشعور بها لا يحتاج إلى أكثر من جلد وأعصاب. ولكن الجلد والأعصاب لا تكفي للشعور بجمال الوردة ونضرتها ومعاني الصباحة والحسن التي تتراءى بها للعيون والأذواق، وتتمثل بها في عالم الخيال. وكل حي يستطيع أن يرى ظواهر الأشياء ويسمع ظواهر الأصوات، فإذا دخل هذا الحي دار الآثار أو دار الفنون الموسيقية، رأى وسمع كل ما يرى بالعيون ويسمع بالآذان. ولم يجد فيما رآه أو سمعه مدعاة إلى السرور أو مدعاة إلى تكرر الزيارة باختياره.

ولكن إذا ملك من أدوات النفس حاسة فوق حاستي البصر والسمع – وهي حاسة الذوق – عرف مواضيع الفرح فيما رآه وسمعه. ونظر في دار الآثار إلى جمال الصناعة ودلالة المعاني التاريخية الخالدة، وسمع في دار الفنون الموسيقية آيات التعبير المنسق وأسرار العاطفة الخفية التي تترجم عن نفسها بلغة الألحان.