أرشيف الوسم: الإنسانية

ليس العقل هو ما يميّز الإنسان، كما يقول طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن، من مواليد عام 1944. وهو فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. ويُعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينات من القرن العشرين.

هنا يبيّن الدكتور (طه عبدالرحمن) الفرق بين الإنسان والحيوان، ويجيب على من قال بأن العقل هو الذي يمتاز به الإنسان عن غيره من المخلوقات. هذا المفهوم يتردد على الألسنة، وكأنها إحدى المسلمات التي لا يمكن الحيدة عنها، فيقول الدكتور في كتابه (سؤال العمل):

إن فكرة أن الانسان تميّز عن الحيوان بعقله ، فكرة تلقاها علماء المسلمين بالقبول جيلا إثر جيل حتى أصبحت من الحقائق الثابتة، وهو أن الإنسان حيوان ناطق، أي قائل عاقل، هذا التعريف للإنسان غير مسلّم، فلِم لا يجوز أن تكون القوة العقلية من قوى الإنسان من جنس قوة الادراك التي يملكها الحيوان والتي يهتدي بها إلى مراعيه وموارده، ويميّز بها بين المضار والمنافع، متجنّبا للمضار ومقبلا على المنافع، كما يتعرف بها على أقرب المسالك التي توصّله إلى حضيرته ولو بعد محاولات متتالية يخطئ فيها بقدر ما يصيب.

غريب حقا أن يرتضي علماء المسلمين تخصيص الإنسان بالعقل دون غيره، وأن لا يساورهم شك في صحته، ولا يُحتج علينا بالآية الكريمة:
{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} أو بالآية: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}. فيقال إن ذكر الأنعام جاء في سياق نفي العقل عنهم بالكلية، فيكون المراد بتشبيه الغافلين بهم نزول رتبتهم عن رتبة العاقلين، لكن هذا التأويل يقع في خطأين:
أحدهما: أنه يتجاهل أن الأنعام في الواقع، تُبصر وتسمع وتفقه (أي تعقل)، وأن القرآن لاينفي عنها وجود هذه الادراكات الظاهرة، وإنما الذي ينفيه هو وجود إدراكات أخرى من جنسها تعلو عيها وتليق برتبة الإنسان، وهي التي أشبه الغافلون الأنعام في الخلو منها، وإلا فهم يبصرون ويسمعون ويفقهون كما تبصر وتسمع وتفقه الأنعام.
الثاني: أن هذا التأويل يُغفل الأهميّة التي يكتسيها أحد اللوازم المترتّبة على وصف الغافلين بأنهم أضل من الأنعام، وهذا اللازم هو بالذات ” أن الأنعام أهدى سبيلا “، والواقع أنه لا هادي لها إلا ما جُعل فيها من عقل يُرشدها إلى مأكلها ومشربها ومربضها ولو كان عقلا أدنى من عقل الانسان والانسان الغافل أي غير العاقل، لا هادي له ولو كان عقله أعلى من عقل الأنعام، فتكون رتبته دون رتبتها.
إذا بطل أن العقلانية هي الحد الفاصل بين الانسان والحيوان، وجب أن يكون الحد الفاصل بينهما في شيء يُثبت به تفوّق الانسان ويتحقق به كماله، وما هذا الشيء الفاصل إلا الأخلاق، فالأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلا عن أفق الحيوان.

يتابع بعد ذلك حديثه قائلًا:

ومن الأدلة على أن الأخلاقية هي التي تميّز الانسان عن الحيوان، طلب للانسان للكمال، وذلك أن يكون السعي إلى الصلاح يقتضي أن يكون الساعي قادرا على استحضار في نفسه القيم المثلى، والحيوان ليس بمقدوره أن ينفصل عن واقعه المادي، متطلعا إلى واقع أفضل منه ماديا أو معنوي.

وأخيرا ألا ترى كيف أن أيّ تصرّف تثبت “لا أخلاقيته” يصير معدودا في التصرّفات “اللاإنسانية“، بينما التصرف الخالي من العقلانية لا يعدّ خلوا من الإنسانية !

وهكذا، يتبيّن أن الإنسانية لا تتحدد، كما اشتهر بالعقلانية، وإنما تتحدد بالأخلاقية، بحيث يكون للإنسان من الإنسانية على قدر ما يكون له من الأخلاقية.

أيهما يسبق الآخر، الوطنية أم الإنسانية؟ تودوروف يجيب

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي، بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام حتى وفاته، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

ضمن كتابه (نحن والآخرون)، تساءل (تودوروف)؛ أيهما يُقدّم على الآخر، الوطنية أم الإنسانية؟ فيتحدث مستفتحًا عن “محبة الوطن”، أهي في علاقتها مع القيم، مطلقة أم نسبية؟

هل تعتبر محبة الوطن، ضمن علاقتها مع القيم، مطلقة أم نسبوية؟ يفضل المحب لوطنه، دون شك، بعض القيم على بعضها الآخر، لكن ذلك لا يحدث باسم نظم مطلق. قد يتوجب على محب الوطن المنطقي قبول أن لكل واحد الحق في تفضيل القيم التي اختارها بلده. فمحبة الوطن هي نسبوية، ولكنها نسبوية معتدلة. يتخلّى النسبوي الأصلي تمامًا عن إصدار أحكام تقويمية، ويتفق المحب لوطنه معه في رفض كل إرجاع إلى معايير مطلقة وشمولية، لكنه يعتمد أساسًا آخرًا للأحكام.

ربما نستطيع أن نقول، مقلدين ومفسرين ما قاله (باسكال)، إن ولادة المرء في هذه الجهة من جبال البيرينيه، توجب عليه أن يقدّم الولاء المطلق للقيم الفرنسية، وولادته في الجهة الأخرى توجب عليه الولاء المطلق للقيم الاسبانية.


ثم يسترسل بعد ذلك في تساؤله؛ ما هو المفضل بين عاطفتي الوطنية والإنسانية؟ فيقول مستعرضًا فكر (هيلفسيوس) أولًا:

ينفي (هيلفسيوس) وجود الحق الطبيعي، بما أن العدالة ليست سوى ما يناسب على الوجه الأفضل جماعة ما، أو دولة. “في كل العصور وفي كل البلدان المختلفة، لا يمكن للنزاهة أن تكون إلا عادة الأفعال المفيدة للأمة”. تظهر النزاهة الشمولية إذًا كتناقض في الإصلاحات؛ لا يسعنا تصوّر أن فعلًا ما قد يكون مفيدًا، بصورة متماثلة لكل الأمم، فالفضيلة الإنسانوية، مثلها في ذلك مثل كل الكليات، ليست حتى الآن إلا وهمًا أفلاطونيًا.

لا تتطابق محبة الوطن مع الحب الشمولي إذًا: “من البديهي أن الشغف بمحبة الوطن، وهو شغف مرغوب به جدًا، فاضل جدًا، ومحترم جدًا عند مواطن ما، يستبعد حتمًا، الحب الشمولي. ربما ينبغي […] أن تخضع مصلحة الأمم لمصلحة أكثر عمومية، وأن يشعل حب الوطن في القلوب أخيرًا، وهو يطفئ نار حب شمولي؛ وهذه فرضية لن تتحقق قبل وقت طويل”.

فـ(هيلفسيوس) بهذا، يقدِّم المشاعر الوطنية، على مشاعر الحب الشمولية، أو المشاعر الإنسانية بكلمات أخرى. وهو يعتقد بأنه من المستحيل التوفيق بين هذين الشعورين، إذ أنهما متضادان.


ينتقل (تودوروف) بعد ذلك إلى (ڤولتير) ليشرح آراؤه في هذا الخصوص، فيقول:

أما (ڤولتير) فهو يتخذ موقفًا معاكسًا في هذا الخصوص. هو أيضًا يعتقد بأن حب الوطن وحب الإنسانية متعارضان، وهذا يحزنه: “من المحزن أنه لكي يكون المرء وطنيًا صالحًا، لا بد له من أن يكون عدوًا لباقي البشر. […] ذلك هو الشرط الإنساني، الذي يجعل تمني المرء العظمة لبلده، تمنيًا للشر لجيرانه. ذلك الذي يريد ألا يكون وطنه أكبر ولا أصغر، ولا أغنى ولا أفقر، على الإطلاق، قد يكون مواطن الكون”. ولكن، ومن بين هذين الاصطلاحين، يقدِّر (ڤولتير) الشمولي أكثر، رغم معرفته بأنه، لا سيما عند تقدمه بالعمر، يرق قلب الإنسان على وطنه ويفضل الخبز في بلده على الحلوى في الغربة.

(ڤولتير) هنا يتفق مع (هيلفسيوس) في كون المشاعر الوطنية والإنسانية متضادتين، إلا أنه يقدّم المشاعر الإنسانية، على عكس (هيلفسيوس) كما يقول (تودوروف).


وأخيرًا، ينتقل (تودوروف) في استعراضه للأجوبة، إلى (جان جاك روسو)، فيقول:

أما (روسو)، الذي قرأنص (هيلفسيوس) وتأمل فيه، فيستحق أن نتوقف عنده لوقت أطول. يتمفضل التعارض في كتاباته حول اصطلاحي “مواطن” و”إنسان”. ويدل هذا الاصطلاح الأخير، بطريقة مبهمة أحيانًا، على الكائن الإنساني كساكن للكون، تمامًا كما يدل على الفرد بعينه. لا تتطابق سُبُل المواطن والإنسان، وذلك لأسباب بديهية: “فهدف جهودهما ليس واحدًا، إنه سعادة المجموعة هناك، وسعادة الشخص هنا”.

فبرأي (روسو) أن الإنسانية والوطنية، هما شعورين مختلفين. يستكمل (تودوروف) شروحاته:

لا يكتفي (روسو) بالإشارة إلى الاختلاف بين هذين السبيلين؛ بل ويؤكد على تعارضها الجذري؛ هذا على الأقل ما اعتقده في عهد كتابه (إميل): “لأننا مجبورون على مصارعة الطبيعة أو الاأنظمة الاجتماعية، يجب الاختيار بين صنع الإنسان أو صنع المواطن، إذ أنه من غير الممكن صنع الاثنين في الآن نفسه”. ويتناسب نجاح الوطنية عكسًا مع نجاح الإنسانوية. “الأنظمة الاجتماعية الجيدة هي تلك التي تعرف على نحو أمثل كيف تفقد الإنسان طبيعته البشرية”.

 

ويستطرد قائلًا:

ما يزيد الأمور سوءًا هو أن (روسو) مقتنع بأنه في هذا التناقض، تمامً ككل تناقض آخر على كل حال، مصدرًا للتعاسة لا يمكن استدراكه، يقدّم عنده الحنين الذي يثيره فقدان الوحدة كمسلّمة دون إقامة براهين؛ بل إن هذا التناقض هو المصدر الرئيسي لتعاسة البشر. “ما يصنع البؤس الإنساني هو التناقض […] بين الطبيعة والأنظمة الاجتماعية، بين الإنسان والمواطن”.

كونديرا في حديثه عن أسباب وأخلاقيات الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. قام سنة ١٩٨٣ بكتابة مقالة، حملت عنوان: “تراث سرفانتس المغبون”، قال عنها بأنها “تحمل مفهومي الشخصي عن الرواية الأوروبية“، ووضعها مع عدد من المقالات واللقاءات الصحفية، في كتاب حمل اسم (فن الرواية).

ابتدأ (ميلان كونديرا) مقالته بالحديث عن (إدموند هوسرل) (1859-1938) الفيلسوف الألماني، وخطبته الأخيرة التي ألقاها في (فينا) عاصمة النمسا، و(براغ) عاصمة التشيك. يقول:

في عام ١٩٣٥، وقبل ثلاثة أعوام من وفاته، ألقى (إدموند هوسرل) محاضرته الشهيرة في (فينا) و(براغ) عن أزمة الإنسانية الأوروبية.

الحقيقة أن ما كان يعنيه (هوسرل) بصفة “الأوروبية” هو الهوية الروحية التي تتجاوز حدود أوروبا الجغرافية، إلى أمريكا مثلًا، والتي ولدت مع الفلسفة الإغريقية القديمة. فهو يعتقد أن هذه الفلسفة قامت بفهم العالم وكأنه سؤال يجب أن يلتقي بإجابته. لهذا تجدها تستجوب العالم، وليس إرضاءً للحاجة العملية، لكن لأن رغبة المعرفة سيطرت على الإنسان.

بدت الأزمة التي يتحدث عنها (هوسرل) عميقة لدرجة أنه تساءل إن كانت أوروبا ستستطيع تجاوزها. فجذورها تبدأ تاريخيًا مع بداية هذا العصر، عند (غاليليو) و(ديكارت)، في الطبيعة ذات البُعد الواحد للعلوم الأوروبية التي اختزلت العالم إلى مجرد موضوع بحث تقني ورياضي، وأخرجت بذلك الحياة الحقيقة من تلك الأفق.

دفعت نهضة العلوم بالإنسان إلى غياهب المعارف المتخصصة، فكلما ازدادت معرفة الإنسان، قلّ وضوح رؤيته للعالم ككل، أو حتى لذاته، غارقًا أكثر فيما وصفه (هيدغر)، تلميذ (هوسرل)، بتعبير جميل وساحر بأنه “نسيان الكينونة”.

يتطرق بعد ذلك إلى الرواية، وظهورها التاريخي، والحاجة إليها:

رافقت الرواية الإنسانَ دومًا وبإخلاص منذ بداية العصر الحديث. كانت “رغبة المعرفة“، والتي عدّها (هوسرل) جوهر الروحانية الأوروبية، هي التي سيطرت عندئذ على الإنسان، وقادته إلى دراسة الحياة الحقيقية للإنسان وحمايته ضد “نسيان الكينونة“، للتمسك بـ”عالم الحياة“، ووضعته تحت التنوير الدائم. هذا هو المعنى الذي أفهمه، وأشارك (هيرمان بروخ) الحاجة في تكرار مقولته: “إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه“. إن الرواية التي لا تكتشف عنصرًا مجهولا في الوجود، هي رواية لا أخلاقية. فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة في الرواية.

يتكلم بعد ذلك عن (هوسرل) مرة أخرى، وعن الأزمة الأوروبية، والتحول في عالم الروايات بعد الحرب العالمية الأولى:

كانت محاضرات (هورسل) حول الأزمة الأوروبية، وحول الاختفاء المحتمل للإنسان الأوروبي هي وصيته الفلسفية. لقد ألقى هذه المحاضرات في عاصمتين من عواصم أوروبا الوسطى. لهذه الواقعة دلالة عميقة: في أوروبا الوسطى هذه، وللمرة الأولى في تاريخه الحديث، استطاع الغرب أن يرى موت الغرب، أو بتر جزء منه -بشكل أوضح- عندما التهمت الإمبراطورية الروسية (وارسو) و(بواديست) و(براغ). هذه الكارثة سببتها الحرب العالمية الأولى، والتي تسبب فيها انهيار (امبراطورية هابسبورغ)، وأدت إلى نهاية هذه الإمبراطورية، وفقدت بذلك أوروبا المتهكة توازنها إلى الأبد.

انتهى الزمن الذي كان فيه الإنسان يشتبك مع وحش نفسه، زمن أمان (جويست) و(بروست). في روايات (كافكا) و(هاسيك) و(موزيل) و(بروخ)، يأتي الوحش من الخارج، ويُدعى التاريخ، لم يعد له علاقة بقطار اعتاد المغامرون ركوبه، فهو ليس شخص، صعب السيطرة عليه، لا يمكن حصره، غامض، ولا مفر منه. كانت تلك اللحظة -بعد الحرب العالمية الأولى- التي رأى فيها مجموعة كبار روائيي أوروبا الوسطى وأدركوا المفارقات النهائية للعصر الحديث.

على إنه من الخطأ قراءة رواياتهم كتنبؤات سياسية واجتماعية، وكأنها حدوتات (أورويل)، إن ما قاله لنا (أورويل) يمكن أن يُقال -وربما على نحو أفضل- في مقالة أو بحث. على العكس من ذلك، اكتشف هؤلاء الروائيون “ما يمكن أن تكتشفه الرواية فقط“. فهم يسجلون كيفية تبدّل المقولات الوجودية تحت الظروف “المفارقات النهائية”.

يتطرق بعدها إلى الحديث عن الروايات “الأكثر مبيعًا والأكثر انتشارًا”، وتلك الكتب التي انتشرت في فترة زمنية ما، وماتت بعد ذلك، ألا يتم نشر مثل تلك الكتب بشكل كبير؟ يجيب:

طبعًا، لكن هذه الروايات لا تضيف شيئًا إلى استعادة الكينونة. إنها لا تكتشف أي جديد في الوجود، إنما تؤكد ما سبق قوله، بل تأكيد ما قاله الجميع. (…) بعدم اكتشافها لأي شيء تفشل في المشاركة في تتالي الاكتشافات التي أطلق عليها “تاريخ الرواية“. إنها تصنع نفسها خارج ذلك التاريخ، وإذا رغبت، يمكنني تسميتها بأنها: روايات ما بعد تاريخ الرواية.

هل تسيطر هذه الروايات على المستقبل؟ يجيب (كونديرا):

لا أريد التنبؤ بدروب الرواية المستقبلية، فلن أستطيع الإجابة بشكل صحيح تمامًا، كل ما أود قوله هو: “إذا كان ينبغي للرواية أن تختفي، فليس لأنها استنفذت قواها، لكن لأنها وجدت في عالم أصبح غريبًا عنها”.

ثم يتابع عن حاجتنا الماسة في عصرنا الحالي إلى روايات عظيمة، يقول:

والآن إذا كان مبرر وجود الرواية وهدفها هو إبقاء “عالم الحياة” تحت النور دومًا، وحمايتنا ضد “نسيان الكينونة” أفليس وجود الرواية في يومنا هذا أشد ضرورة من أي وقت مضى؟ نعم، كما يبدو لي، لكن للأسف فالرواية أيضًا عرضة لنخر سوس الاختزال والتقليص الذي لم يكتف باختزال معنى العالم فحسب بل مدلولات الأعمال الإبداعية أيضًا. كغيرها من الثقافات توجد الرواية بين يدي وسائل الإعلام، وكوسيلة لتوحيد تاريخ الكوكب، فإنها تضخم وتوجه عملية الاختزال هذه، إنها توزع في كل مكان في العالم التبسيطات نفسها والصيغ الجاهزة والتي يمكن أن تكون مقبولة لدى أكبر عدد، كل فرد وكل البشرية.

يتابع بعد ذلك:

إن روح الرواية هي روح التعقيد ؛ فكل رواية تقول لقارئها “إن الأشياء ليست سهلة كما تبدو لك“، وهذه هي الحقيقة الأبدية للرواية. إلا أنه من الصعوبة سماع ذلك وسط لغط الأجوبة السريعة والبسيطة التي تسبق السؤال وتحجبه.

إن روح الرواية هي روح الاستمرارية ؛ فكل عمل روائي هو جواب لسابقه، وكل عمل يحمل خبرة الرواية السابقة. لكن روح عصرنا تركز بشدة على حاضر من الاتساع والوفرة بحيث يدفع الماضي بعيدًا عن أفقنا، ويقلص الزمن إلى اللحظة الراهنة.

ولكن وبسبب هذه السيطرة للقيمة الشرائية على عالم الروايات، تم إنتاج العديد من الروايات غير المهمة، كما يقول:

في مثل هذا النظام لم تعد الرواية عملًا  -شيئًا صنع ليدوم، لربط الماضي بالمستقبل- بل أصبحت حدثًا عرضيًا من بين الأحداث وإيماءة بدون غد.

إسبينوزا وحرية الإرادة

Spinoza

باروخ إسبينوزا (1632-1677) هو فيلسوف هولندي من أهم فلاسفة القرن 17. بالرغم من أن تأثيره في معاصريه كان ضئيلًا. لم تبدأ أهميته الحقيقية تقدر حق التقدير إلا في السنوات الأخيرة من القرن 18، عندما عرف (لسنج) و(ياكوبي) و(غوته)، وغيرهم من الباحثين الألمان أهمية إسهاماته. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، قام الأخير بشرح أهم أفكار (اسبينوزا)، اخترنا لكم منها فكرته عن الحرية، والتي يقول فيها:

لم يعتقد (اسبينوزا)، من حيث أنه فيلسوف آلي دقيق، في حرية الإرادة بمعنى اللحتمية. فكل حدث يقع يحدث بضرورة رياضية. وعندما لا نعي الظروف الخارجية ونعي فقط حالاتنا العقلية والجسمية، فإننا نتخيل أن أفعالنا تكون حرة، كاحجر، إذا كان لا يعي إلا حالاته الداخلية فحسب، فإنه يفترض أنه يحدد بإرادته الخاصة المجرى الذي يتبعه عندما يُلقى إلى الأعلى في الهواء.

ثم يشرح مقولته قائلًا:

وهناك، من ناحية أخرى، تمييز هام للغاية عند (اسبينوزا) بين العبودية البشرية والحرية البشرية. فطالما أن رغباتنا توجه في اتجاه الأشياء المتناهية والطارئة التي لا يمكن أن تشبع على الدوام فإننا نكون عبيدًا للظروف الخارجية ونكون ضحايا الأحداث. إننا نكون عبيد الانفعالات ودوافعنا وأفكارنا الغامضة، التي تدين بأصلها إلى علل لا نستطيع التحكم فيها.

أما عن كيفية التحرر من ذلك:

وفي إمكاننا أن نحرر أنفسنا من هذه العبودية عن طريق التفكير بصورة واضحة ومميزة. ودعنا نرى كيف يمكننا أن نفعل ذلك. لا شيء يسبب لنا الكآبة إذا عرفنا حتميته، وذلك أمر يمكن أن نفعله إذا فكرنا بطريقة عقلية، أعني بوضوح وتمييز. وإذا استخدمنا مثالنا لما يعنيه (اسبينوزا) لقلنا: إذا كان محتمًا على صديقك أن يموت، ومرضه لا يمكن الشفاء منه، فلا شيء يمكن أن تفعله أنت أو أي شخص آخر من أجل إنقاذه ؛ فمتى رأيت أن نتيجة هذا الحدث هي مسألة ضرورية مثل نتيجة 2+2=4، فإنك لن تحزن عليه بعد ذلك. وإذا استطعت أن تتأمل كل حدث من منظور الأزل (من حيث إنه يكون من منظور الأزل)، وتدرك أنه جزء من نسق لأحداث محددة بصورة مطلقة بوصفها نتاجات في جدول الضرب، فإنك لن تقلق عليه بعد ذلك، وسوف تتخلص من الألم الانفعالي.

يلخص ذلك بمقولته:

إن حرية الإنسان، من ثم، هي ببساطة مسألة قبول الكون، لأنك تفهم ضرورته الرياضية. ومتى تم ذلك، ستحصل على سلام العقل، ستتحرر من الانفعالات، وتكون قادرًا على أن ترد الشر إلى الخير.

د.علاء جواد والعلاقة بين الفن وماهية الإنسان

علاء جواد كاظم

د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية. في كتابه (الفرد والمصير) حاول تتبع تطور مفهوم الفرد والإنسان عبر التاريخ، وفي أفكار الفلاسفة والمثقفين. فيقول في أحد الفصول الأخيرة بنهاية الكتاب، كان عنوانها “أسئلة الفرد أو عوالم الرواية من منظور سوسيولوجي“:

يبدو أن السؤاال: عن ماهية الإنسان؟ أكثر أهمية من السؤال عن حقيقته؟ لكن كلا السؤالين تهربت العلوم الإنسانية من البت فيهما وهي المعنية بهما فعلًا.

وبحسب رأيه فإن كلًا من هذه السؤالين تم التنازل عنهما لصالح الفن والأدب:

ثم ألحقا -أقصد السؤالين- نهائيًا بفضاءات الفن والأدب والأشكال الفنية الأخرى، لذا تم ترحيل السؤال حول حجم أصالتنا والمعنى من وجودنا إلى عمق الموجود الرمزي، وتحطم الفرد في المجتمع في (الحياة في مكان آخر) لـ(ميلان كونديرا)، و(المكعبات اللونية) في لوحة (مودلياني) لـ(بيكاسو)، ومساحات الضباب والحلم والعمق الوجداني في سوناتات البيانو الخاصة بـ(بيتهوفن) أو (شوبان)؛ بوصفها أفعال إبداعية أو العوالم التي “تحاول وتعمل على إعادة تعريف الإنسان“. لكن هذا لا يعني أننا في مشكلة أو في قبو مظلم بلا مخارج أبدًا .. لأن في عوالم الأدب هنالك دائمًا متسع للتأمل في حال الدنيا وأحوال الإنسان. وإذ ذهبنا وراء سحر هذه التأملات فلأننا على يقين أن هؤلاء الذين يبحثون عن المعنى هم الذين اكتشفوا مقولات الفن والتوصيفات السايكو-سوسيولوجية التي تعمل اليوم داخل النص والنماذج الأدبية.

ثم يخصص حديثه عن الرواية فيقول:

الرواية كما ظهرت في تفصيلات هذا البحث ليست إلا شكلًا من أشكال تأمل هؤلاء، الساعين والباحثين عن المعنى، كما أن جنس الرواية وهذه إحدى معضلات (سوسيولوجيا الرواية) اليوم لم يتح له أو يولد لولا تصاعد سخط فردي انفعالي على بنى اجتماعية لم يصغ مفاهيم عامة محددة أو “نمو تطلع انفعالي نحو التحقيق المباشر لقيم كيفية سواء تصاعد هذا السخط أو نما هذا التطلع في المجتمع كله، أو حدث ذلك فقط بين الفئات الوسطى التي خرج من ظهرانيها أغلب الروائيين“.

ويقول في ختام هذا الفصل:

لقد انشغلت أعمال الكثيرين من الروائيين في الإجابة عن ناهية الإنسان وحقيقته وحالة المصير المرتقب. (رينيه جيرار) بحث عن محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة في أغلب دراساته، فخلص في قراءاته لنصوص خمس من أكبر روائيي العالم -(ثيربانتس)، (ستندال)، (فلوبير)، (بروست)، (دستويفسكي)- وهم جميعًا بالرغم من الاختلافات التي توجد بينهم، إلا أنهم جميعًا كشفوا عن حقيقة قلقة، صاغوا بالاستناد إليها إجابة احتجاجية مفادها: عدم أصالة الكائن الإنساني. وأكذوبة العالم ووهميته وتوصلوا أخيرًا إلى أن تحديات المصير تفوق قدرة الإنسان على الاستمرار.

ثم يكمل الحديث عن الروايات في فصل آخر، حمل عنوان “الرواية: بوصفها أنموذجًا جماليًا لأنثروبولوجيا المصير“:

تعد الرواية وفق تنظير (سوسيولوجيا الأدب الحديث) محاولة تراجيدية لفرد إشكالي، خلاق لاجتياز الحواجز والقفز على جدران الذات، الجسد، المجتمع، الدولة، الجغرافيا، محاولة فردية مأساوية لكسر حواجز البنية والنسق، كما أنها لا تخرج أبدًا عن كونها سيرة الذات المعذبة، وسيرة الفرد الإشكالي.

مما يجعل الفن وعلاقته بالفرد:

إن عملية تشكيل المتخيل الجمالي: [النص – الألوان – الموسيقى] في نظام جمالي إبداعي. تمر من هنا بوصفها فعالية فردانية احتجاجية ترفض وتنقض مبهمات المصير، مشحونة بدوافع سايكولوجية محضة، لكنها تدعم ويتم تصعيدها بفعاليات سوسيولوجية تظهر إبداعيًا من خلال مواجهة الفرد (المشكِل للنص) للعوائق الاجتماعية التي تضعها قوى التاريخ والمجتمع في طريقه والتي يحاول جاهدًا اجتيازها، القفز والاتفاف عليها في نصوصه الإبداعية من خلال لغة وأبطاله، حواراته وتقنيات السرد التي يوظفها في تأسيسه للنص المتضمن بالضرورة على [مجتمع متخيل] يشغله الفرد الذي يصارع تساؤلات المصير فينقض عليه الواقع. ما يدفعه إلى الالتفاف عليه إبداعيًا .. إن التشابك الأساسي بين البطل والعالم، والإخفاق الناجم عن هذا التشابك هو شرط أساس لكل شكل روائي إبداعي، أما الانقطاع بينهما فلا يمكن تجاوزه.

ثم يكمل، فيقول عن الروايات:

إن ظهور الرواية كجنس أدبي يرتبط إلى حد كبير بتحول مجتمع ما من مجتمع ذي طابع جماعي (ترتبط به الملحمة) إلى مجتمع فردي النزعة، نستطيع هنا التأكيد على هذه الفرضية من خلال تقديم الملاحظة الأساسية التي وردت في أعمال (غولدمان) على أن الأعمال الروائية والأدبية والفنية الأصيلة هي “تلك التي تعكس ذاك الانتقال بين فترتين أو عالمين؛ تعكس صيرورة عالم تهاوت فيه كونية القيم القديمة، وأحذت قيم جديدة تبزغ إلى الوجود. وإذا ما بحثنا عن دلالة هذه الأعمال سنجد بأن هؤلاء الكتاب أو الفنانين، مع تقبلهم للقيم الجديدة وتمثلهم لها، يحاولون العثور على الكونية المفقودة بعد انهيار العالم القديم”. بعد أن يكوّن الفنان رؤيته إلى العالم تأتي المهمة الأكثر صعوبة: وهي خلق الأشكال الأكثر انسجامًا مع تلك الرؤية للعالم.

حرية الإنسان عند جان جاك روسو

arton12646

جان جاك روسو (1712 – 1778) هو كاتب وفيلسوف جنيفي، يعد من أهم كتاب عصر التنوير، وهي فترة من التاريخ الأوروبي، امتدت من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلاديين، وهي حركة سياسية، اجتماعية، ثقافية وفلسفية واسعة، اشتهرت فترة التنوير بكل أشكال الفكر الذي يريد تنوير عقول من الظلام والجهل والخرافة، مستفيدا من نقد العقل ومساهمة للعلوم. الجدير بالذكر أن فلسفة (روسو) قد ساعدت في تشكيل الأحداث السياسية، التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب والسياسة. يقول (جان جاك روسو) في كتابه الشهير (دين الفطرة):

الإنسان فاعل حر. فعله إذن منه، ومايفعله بإرادة حرة لايدخل في النظام الذي اختاره الخالق بتدبيره وحكمته، فلا يجب إضافته إليه. الرب، المدبر للكون والساهر عليه، لايريد الشر الذي يقترفه الإنسان بالإسراف في استغلال الحرية المخولة إليه. لايمنع حدوثه، إما لأنه بلا تأثير نظراً لتفاهة فاعله، وإما لأن منع الشر لا يتم إلا بنفي حرية البشر وهو شر أكبر إذ يطعن في قيمة الإنسان الذي أوجده الرب لا ليفعل الشر بل ليُقبل على الخير مختاراً. ولكي يختار وفر له القوى الضرورية لذلك، مع وضع حد لها حتى لا يُخل الإفراط في الحرية بتوازن الكون. الشر الذي يفعله الإنسان يعود عليه بالضرر بدون أن يؤثر سلباً على النظام العام وبدون أن يمنع الجنس البشري من أن يواصل، مهما فعل، مسيرته. من يتذمر من أن الرب لا يثني الإنسان عن فعل الشر يعترض في الواقع على أنه حاباه بطبيعة ممتازة وأضفى على أفعاله صفة الأخلاق التي تزيدها شرفاً و تكريماً، إذ بها ندبه إلى التحلي بالفضيلة. أيه سعادة أكبر من الشعور بالرضى على النفس؟ وحتى نستحق تلك الغبطة وضعنا فوق هذه الأرض أحراراً لنختار، وبلانا بالشهوات ليمتحننا ووهبنا الضمير لنقاومها. هل كان في وسع القدرة الربانية نفسها أن تهب لنا أكثر مما فعلت؟ أكان وارداً أن تضع الصراع والتناقض في قلب طبيعتنا وتجازي على الخير من لا يقوى على الشر؟ ويحك أيها المتذمر! حتى لا يكون الإنسان شريراً أكان على الباري أن يسجنه في حدود الغريزة ويجعل منه بهيمة؟ جاشاك ربي ومالك روحي أن ألومك أبداً إذ جعلتني على صورتك لأكون مثلك حراً وخيراً وسعيداً.

 

الفن والجمال عند نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. وكان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا، بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء، وللاستزادة في مقالات نيتشه، هنا (تساؤل نيتشه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي)، (التحولات الثلاث للعقل)، (عن القراءة والكتابة في ديوان نيتشه). أما في كتابه (غسق الأوثان) أو كيف نتعاطى الفلسفة قرعًا بالمطرقة، كما وصف العنوان، يتكلم عن الفن والجمال بدايةً فيقول:

لكي يكون هناك فن، ولكي يكون هناك عمل جمالي ما ونظرة جمالية، لا بد من توفر شرط فزيزلوجي لا محيد عنه: النشوة.

فالنشوة هي أساس كل عمل ونظرة جمالية برأي نيتشه، فيقول مؤكدًا بعد ذلك:

لا بد أن تكون النشوة قد رفعت من وتيرة استثارة الآلة بكليتها؛ من دون ذلك لا يمكن إنجاز أي فن.

فعلاقة النشوة بالجمال كما يقول نيتشه:

إن الأمر الأساسي في النشوة هو ذلك الشعور بتفاقم الطاقة وزخم الامتلاء. وبدافع من هذا الشعور نضفي من أنفسنا على الأشياء؛ نجبرها على أن تتسلم منا، بل نغتصبها – وتُسمى هذه العملية مثْلنة. ولندع عنا فكرة مسبقة متداولة؛ إن المثلنة لا تتمثل كما يظن الاعتقاد الشائع في أننا ننقّي الأشياء ونخصم منها كل صغير وثانوي، بل إن التركيز بصفة هائلة على إبراز الخاصيات الأساسية هو العامل الحاسم في جعل غيرها من الخاصيات يتوارى ويضمحل.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

يُثري المرء في هذه الحالة كل شيء من زخمه الخاص: كل ما يرى، وكل ما يريد، يراه مكتنزًا، محتقنًا، قويًا، ممتلئًا بفائض من الطاقة. يُجري المرء، وهو في هذه الحالة، تحويلًا على الأشياء إلى أن تغدو مرآة لقوّته؛ -إلى أن تصبح انعكاسات لكماله. هذا التحول المرغَم إلى صورة للكمال- إنما هو الفن. وكل شيء، بما في ذلك ما ليس هو، يصبح ذلك موضوع متعة يجدها في نفسه: في الفن يستمتع الإنسان بنفسه ككمال.

أما بالنسبة للجمال فيقول:

ليس هناك ما هو أكثر نسبية وأكثر محدودية من إحساسنا بالجمال.

“الجمال في ذاته” كلمة خاوية لا غير، وليست حتى مجرد فكرة. في الجمال يتخذ الإنسان نفسه معيارًا للكمال، وهو لا يفعل في الحالات الجمالية المنتقاة سوى عبادة نفسه.

وعن علة الجمال يقول:

يعتقد الإنسان أن العالم يفيض جمالًا، وينسى نفسه كعلة لذلك الجمال. فهو وحده الذي منح العالم جمالًا؛ جمالًا إنسانيًا فحسب، جمالًا إنسانيًا مفرطًا في الإنسانية… وفي الحقيقة يعكس الإنسان نفسه في الأشياء، ويجد جميلًا كل ما يعيد إليه صورته الخاصة: حكمه بصفة “جميل” هو غرور النوع الذي ينتمي إليه.

ويتابع رأيه عن الجمال وعن علاقته بالقبح:

ليس هناك من شيء جميل ؛ الإنسان وحده هو الجميل: علم الجَمال بكليته يرتكز على هذه المقولة ؛ إنها حقيقته الأولى. ولنضف إليها حقيقة ثانية: ليس هناك من شيء قبيح سوى الإنسان في طور الفساد، -بهذا نكون قد رسمنا حدود حقل الحكم الجمالي-. ومن وجهة نظر العلوم الفيزيولوجية، كل قبيح يضعف ويفكر صفر الإنسان. إنه يذكره بالانهيار، وبالخطر، والعجز ؛ وبالفعل فهو يدفع ثمنًا لذلك خسارة في قواه.

فالقبح كما يقول نيتشه هو:

وبإمكاننا أن نقيس بالديناموميتر (مقياس الديناميكية) مفعول القبح. فحيثما يغدو المرء منهارًا، يستشعر حتمًا قرب شيء “قبيح”. فإحساسه بالقوة، وإرادة القوة لديه، وشجاعته ونخوته كلها تنهار مع القبح، وتعرف ارتفاعًا مع الجمال… وفي كلتي الحالتين نستطيع أن نستنتج الأمر نفسه: تكون بواكير الحالة (النذائر والإرهاصات) متراكمة بكمية هائلة داخل الغريزة.

وباختصار عن القبح يقول:

يتم إدراك القبيح كإشارة وعرض انحلال؛ وكل ما يذكّر عن قرب أو عن بعد بالانحلال يستدعي في ذهننا حكم “قبيح”.

وينهي كلامه قائلًا عن علة الشعور بالقبح:

وكل علامة انهاك، وثقل، وشيخوخة وإعياء، وكل ضرب من الإكراه المتجسد في هيأة تشنج عضلي أو شلل، وبصفة خاصة الرائحة واللون، ومظاهر الانحلال والتعفن، حتى في حالة اختزالها القصوى في هيئة رمز، -كل ذلك يستدعي نفس ردة الفعل: الحكم القيَمي “قبيح”. هناك حقد ينفجر ههنا: لكن، على من يحقد المرء؟ ليس هناك من مجال للشك هنا: إنه يحقد على انحطاط نوعه. يحقد هنا من عمق أعماق غريزة النوع ؛ وفي هذا الحقد رعدة، وحذر، وعمق رؤية، وبُعد نظر، -إنه الحقد الأكثر عمقًا على الإطلاق. وبسببه يكون الفن عميقًا.

لماذا نجح العالم الجديد في غزو القديم، وليس العكس ؟

jared-diamond

“لا إنعزالية في الفن” جُملة قرأتها مُنذ فترة في كتاب فن الواسطي لدكتور ثروت عُكاشة، وأُفكر أن الحضارة أيضًا نوع من أنواع الفن يستمر بقدر انفتاحك على الآخر وكم أنك تؤثر فيه وتأخذ عنه وتتطلع بإعجاب لإختلافك عنه وإختلافه عنك، وبقدر ما كُنت مُنفتحًا على العالم وعلى حقيقة أنك جزء من هذا العالم.
في كتابه الحاصل على جائزة البوليتزر، يخبرنا جارد دايموند عن محادثة له مع أحد سكان نيو غينيا الأصليين، والذي سأله “لماذا لديكم أيها الغربيون الكثير من الشحنات – Cargos هي جمع شحنة، وهي الكلمة التي استخدمها الرجل ليعني بها لمَ لديكم كل هذه المخترعات؟ – وليس لدينا نحن مثلها؟”، هذا السؤال لم يجب عليه دايموند وقتها ولكنه شغله لسنوات طويلة تالية وكان هذا الكتاب الذي تحول إلى فيلم وثائقي (مرفق أدناه) أيضاً هو الجواب.

وقد لخص دايموند جوابه في عنوان الكتاب (أسلحة، جراثيم وفولاذ)، حيث يستفتح بذكر اللقاء الشهير بين فرانشيسكو كورتيز وموكتيزوما إمبراطور الأزتيك، وكيف استطاع كورتيز برجاله القلائل القضاء على إمبراطورية كاملة، ويتخذ من هذه الحادثة التاريخية مدخلاً، ليشرح لمَ كان هناك فارق تقني هائل ما بين الغربيين والأزتيك، شارحًا عوامل تطور الحضارات، وعلاقة البيئة النباتية والحيوانية بهذا التطور، وكيف تصنع فروقات كبيرة على المدى الطويل، وكيف أن تعايش الحضارات وتقاربها يمنحها فرصة الاستفادة من بعضها البعض، بينما عزلتها تجعلها منكمشة، ضعيفة، كما يشرح بعد ذلك أهمية ودور الأسلحة والحديد كأدوات للإنسان في الحرب والسلم، وكذلك دور الجراثيم وكيف كان الأوربيون محصنين ضدها لأنهم كونوا مناعة، بينما قضت على السكان الأصليين بشكل مفجع، بحيث مات ملايين البشر بسبب أوبئة وأمراض جاءت مع الأوربيين.

للاستزادة: مراجعة موسعة من الجزيرة نت / الفليم الوثائقي من ناشونال جيوغرافيك

عن حماية تنوع الهويات البشرية والانقراض المحتمل لبعض الثقافات .. أمين معلوف يكتب

ما الذي يجعل مجموعة من الناس رُغم اختلاف توجهاتهم وأطباعهم ونظرتهم للحياة، واختلاف مراحلهم العُمرية ومستويااتهم الثقافية، ما الذي يجعلهم يجتمعون مُتماسكي الإيدي تحت مظلة واحدة؟ أعتقد أن الإجابة هي الهوية، شعورهم بأنهم يتجهون جميعًا لوجهة ينتمون إليها مهما اختلفت الطرق، في الوقت الذي يستطيع كل فرد منهم أن يسير في تلك الحياة مُمارسًا لفردانيته من خلال نفس الانتماء الذي يمنحه روحه وكيانه، يمنحه وجوده كله.

الهوية نوع من (الطريقة) لها مُمثلين ومُريدين وأتباع، يُعرِفون بها، ويُمارسون الحياة أحيانًا من خلالها، ومن جمالية الهويات أنها مُختلفة، متنوعة بتنوع الإنسان ومكانه في هذا العالم.

هذا التنوع الذي يُعد سفرًا في الإنسان إن جربنا في لحظات من التأمل وصفاء التقبًل أن نستكشف هويات الآخرين، وأن نستكشفها بعين المعرفة لا بعين المًقارنة أوالتعالي وبدون مُحاولة طمس الآخر والتغيير من هويته وفقًا لمعايير هويتنا لأنها المُهيمنة بحُكم أننا الأقوى، أن نُعدل أو نطمس أو نُغير في هويات الآخرين هو نوع من قتل الإنسان عن عمد، إخراس صوته، الذهاب بتنوعه وفردانيته ووجهة نظره واعتقاداته تجاه الفناء، العالم يتسع، لماذا لا يفعل الإنسان؟

أمين معلوف، كاتب وصحافي لبناني مُقيم في فرنسا، له العديد من المؤلفات التي نستطيع القول بأنها وبشكلٍ ما تبحث في أصل الأصل، في التاريخ ودور الإنسان فيه، كان قد تحدث سابقًا عن معنى الهوية وتحوّله بفعل الظروف، وكيف أنها كانت فعلًا نُقطة تحول في حياته هو الشخصية من خلال كتابه “الهويات القاتلة”.

وهنا يتحدث -في كتابه “الهويات القاتلة” كذلك- عن إمكانية انقراض الثقافات بفعل غفلة البشر..

يمكن أن تكرس القوة الهائلة التي يتيحها العلم والتقانة الحديثان للبشرية لأغراض متعارضة، بعضها خيّر والآخر مدمر. فلم تُعانِ الطبيعة من الإساءة أكثر مما تعانيه الآن. إلا أننا في موقف أفضل بكثير مما سبق لحمايتها، ليس لقدرتنا على التأثير في المشكلات البيئية فحسب، ولكن أيضا لأن وعينا بهذه المشكلات أقوى مما كان في الماضي.

ولا يعني هذا أن قدرتنا على الإصلاح تتفوق دائما على قدرتنا على الإضرار، كما يظهر من أمثلة أكثر من أن تحصى. ولنذكر مثلاً استنفاد شريحة الأوزون، والأنواع الطبيعية التي ما زالت مهددة بالانقراض.

وكان يمكن أن أشير إلى مجالات غير البيئة، ولكني اخترتها لأن المخاطر التي تواجهنا فيها تماثل ما تشتمل عليه في العولمة. في كلتا الحالتين، هناك تهديد للتنوع. فكما تنقرض أنواع نباتية وحيوانية أمام أعيننا الآن بعد أن عاشت لملايين السنين، فقد نشهد -إن لم نتوخ الحذر- انقراض ثقافات عديدة تمكنت أن تبقى حية لمئات أو آلاف السنين.

رسالة إلى البشرية.. ريمكس مبدع لخطاب تشارلي تشابلن

dictator
في خطابه المشهور المُقتطع من فيلم “الدكتاتور العظيميوجّه تشارلي تشابلن كلمة مؤثرة وخالدة فيها الكثير من العبر التي نبعت من رحم فترة الحروب العالمية في أربعينيات القرن العشرين. أحد فناني الريمكس المبدعين دمج مع الفيلم مشاهد من أكثر اللحظات التاريخية عظمة وبؤساً تتراوح من الوصول إلى الفضاء إلى حركات “احتلوا” المشهورة، مصاحبة لخلفية ملحميّة من إنتاج (هانز زيمر)، ومُترجمة إلى العربية في نسختين إحداها من قناة (ترجمة) والأخرى من قناة مايند ووركنج.

أنا آسف. لا أريد أن أكون امبراطوراً فهذه ليست وظيفتي. لا أريد أن أحاول أو أخضع أي أحد. أود مساعدة الجميع بقدر المستطاع؛ اليهود وغير اليهود، السود والبيض. جميعنا نريد مساعدة البعض هذه هي طبيعة البشر. نريد أن نعيش على سعادة الآخرين وليس على شقائهم. لا نريد أن نحقد أو نحتقر بعضنا البعض. هذا العالم يتسع للجميع وهذه الأرض غنية بالخيرات ويمكنها أن توفر للجميع الحياة الحرة والجميلة… ولكننا ضللنا الطريق.

لقد سمم الطمع أرواح البشر، وأحاط العالم بالكراهية، ودفعنا نحو البؤس وسفك الدماء. لقد دخلنا عصر السرعة ولكننا أغلقنا على أنفسنا فيه. تلك الآلات التي توفر احتياجاتنا قد تركتنا في احتياج. المعرفة جعلتنا متشائمين، وذكاؤنا صار وحشياً وقاسياً. كثيرا ما نفكر وقليلاً مانشعر. أكثر من الآلات، نحتاج إلى الإنسانية. وأكثر من العبقرية والذكاء، نحتاج إلى الطيبة والأخلاق. من دون هذ المبادئ ستكون الحياة مليئة بالعنف وسنهلك جميعا. الطائرات والراديو قد قربتنا من بعضنا أكثر، هدف هذه الاختراعات كان من أجل مصلحة البشر ومن أجل وحدتنا جميعا باسم الانسانية.

صوتي الآن يصل إلى ملايين الأشخاص حول العالم ملايين الرجال والنساء والأطفال البائسين الذين هم ضحايا لأنظمة تزج بالأبرياء في السجون تحت سطوة التعذيب. أقول لجميع من يسمعني: لا تيأسوا. هذا الشقاء الذي نعيشه الآن ليس إلا نتيجة للجشع ونتيجة الوحشية في قلوب أشخاص يخشون تقدم البشرية. الكراهية بين البشر ستختفي. والطغاة سيهلكون. والسلطة التي أخذوها من الشعوب ستعود إلى الشعوب. وطالما يموت الرجال فإن الحرية لن تموت أبداً.

أيها الجنود. لا تسلموا أنفسكم إلى أولئك المتوحشين، أولئك الذين يحتقرونكم ويستعبدونكم . ويفرضون عليكم طريقة عيشكم.. ويسيطرون على أفكاركم وأحساسيسكم.. يفرضون عليكم أوامرهم، يعاملونكم كالقطيع ويجعلونكم وقوداً لمدافعهم. لا تسلموا أنفسكم إلى هؤلاء أشباه البشر.. إلى هؤلاء الآلات عديمي الإنسانية. أنتم لستم آلات، ولستم بهائم.. أنتم بشر، وتملكون محبة وإنسانية في قلوبكم.. أنتم لا تكرهون. فقط غير المحبوبين وغير البشريين هم الذين يكرهون.

أيها الجنود ، لا تكافحوا من أجل العبودية، بل من أجل الحرية.. فقد ورد في الإنجيل “ملكوت الله في داخلكم”.. ليست بداخل شخص واحد أو جماعة واحدة بل في داخلكم جميعاً.. أنتم من تملكون القوة. القوة التي تصنع الآلات، القوة التي تصنع السعادة، أنتم تملكون القوة لأن تجعلوا هذه الحياة حرة ورائعة، ولأن تجعلوا من هذه الحياة مغامرة رائعة.. فلنستعمل جميعا هذه القوة من أجل الديموقراطية.

فلنتحد جميعا، ولنكافح من أجل عالم جديد، عالم لائق، يعطي البشرية فرص العمل، يمنح أمان المستقبل للجميع. لقد سيطر علينا الطغاة بعد أن وعدونا بذلك، لكنهم يكذبون، لم ينفذوا تلك الوعود ولن ينفذوها أبدا. الطغاة يحررون أنفسهم ولكنهم يستعبدون الشعوب. والآن فلنكافح من أجل تحقيق تلك الوعود. فلنكافح من أجل تحرير العالم ومن أجل التخلص من الحواجز الوطنية ومن أجل التخلص من الجشع والتعصب والكراهية. فلنكافح من أجل عالم العقل. من أجل عالم يحقق فيه العلم والتقدم السعادة لكل البشر. أيها الجنود فلنتحد جميعا باسم الديموقراطية.