أرشيف الوسم: الإنسانية

ليس العقل هو ما يميّز الإنسان، كما يقول طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن، من مواليد عام 1944. وهو فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. ويُعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينات من القرن العشرين.

هنا يبيّن الدكتور (طه عبدالرحمن) الفرق بين الإنسان والحيوان، ويجيب على من قال بأن العقل هو الذي يمتاز به الإنسان عن غيره من المخلوقات. هذا المفهوم يتردد على الألسنة، وكأنها إحدى المسلمات التي لا يمكن الحيدة عنها، فيقول الدكتور في كتابه (سؤال العمل):

إن فكرة أن الانسان تميّز عن الحيوان بعقله ، فكرة تلقاها علماء المسلمين بالقبول جيلا إثر جيل حتى أصبحت من الحقائق الثابتة، وهو أن الإنسان حيوان ناطق، أي قائل عاقل، هذا التعريف للإنسان غير مسلّم، فلِم لا يجوز أن تكون القوة العقلية من قوى الإنسان من جنس قوة الادراك التي يملكها الحيوان والتي يهتدي بها إلى مراعيه وموارده، ويميّز بها بين المضار والمنافع، متجنّبا للمضار ومقبلا على المنافع، كما يتعرف بها على أقرب المسالك التي توصّله إلى حضيرته ولو بعد محاولات متتالية يخطئ فيها بقدر ما يصيب.

غريب حقا أن يرتضي علماء المسلمين تخصيص الإنسان بالعقل دون غيره، وأن لا يساورهم شك في صحته، ولا يُحتج علينا بالآية الكريمة:
{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} أو بالآية: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}. فيقال إن ذكر الأنعام جاء في سياق نفي العقل عنهم بالكلية، فيكون المراد بتشبيه الغافلين بهم نزول رتبتهم عن رتبة العاقلين، لكن هذا التأويل يقع في خطأين:
أحدهما: أنه يتجاهل أن الأنعام في الواقع، تُبصر وتسمع وتفقه (أي تعقل)، وأن القرآن لاينفي عنها وجود هذه الادراكات الظاهرة، وإنما الذي ينفيه هو وجود إدراكات أخرى من جنسها تعلو عيها وتليق برتبة الإنسان، وهي التي أشبه الغافلون الأنعام في الخلو منها، وإلا فهم يبصرون ويسمعون ويفقهون كما تبصر وتسمع وتفقه الأنعام.
الثاني: أن هذا التأويل يُغفل الأهميّة التي يكتسيها أحد اللوازم المترتّبة على وصف الغافلين بأنهم أضل من الأنعام، وهذا اللازم هو بالذات ” أن الأنعام أهدى سبيلا “، والواقع أنه لا هادي لها إلا ما جُعل فيها من عقل يُرشدها إلى مأكلها ومشربها ومربضها ولو كان عقلا أدنى من عقل الانسان والانسان الغافل أي غير العاقل، لا هادي له ولو كان عقله أعلى من عقل الأنعام، فتكون رتبته دون رتبتها.
إذا بطل أن العقلانية هي الحد الفاصل بين الانسان والحيوان، وجب أن يكون الحد الفاصل بينهما في شيء يُثبت به تفوّق الانسان ويتحقق به كماله، وما هذا الشيء الفاصل إلا الأخلاق، فالأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلا عن أفق الحيوان.

يتابع بعد ذلك حديثه قائلًا:

ومن الأدلة على أن الأخلاقية هي التي تميّز الانسان عن الحيوان، طلب للانسان للكمال، وذلك أن يكون السعي إلى الصلاح يقتضي أن يكون الساعي قادرا على استحضار في نفسه القيم المثلى، والحيوان ليس بمقدوره أن ينفصل عن واقعه المادي، متطلعا إلى واقع أفضل منه ماديا أو معنوي.

وأخيرا ألا ترى كيف أن أيّ تصرّف تثبت “لا أخلاقيته” يصير معدودا في التصرّفات “اللاإنسانية“، بينما التصرف الخالي من العقلانية لا يعدّ خلوا من الإنسانية !

وهكذا، يتبيّن أن الإنسانية لا تتحدد، كما اشتهر بالعقلانية، وإنما تتحدد بالأخلاقية، بحيث يكون للإنسان من الإنسانية على قدر ما يكون له من الأخلاقية.

أيهما يسبق الآخر، الوطنية أم الإنسانية؟ تودوروف يجيب

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي، بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام حتى وفاته، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

ضمن كتابه (نحن والآخرون)، تساءل (تودوروف)؛ أيهما يُقدّم على الآخر، الوطنية أم الإنسانية؟ فيتحدث مستفتحًا عن “محبة الوطن”، أهي في علاقتها مع القيم، مطلقة أم نسبية؟

هل تعتبر محبة الوطن، ضمن علاقتها مع القيم، مطلقة أم نسبوية؟ يفضل المحب لوطنه، دون شك، بعض القيم على بعضها الآخر، لكن ذلك لا يحدث باسم نظم مطلق. قد يتوجب على محب الوطن المنطقي قبول أن لكل واحد الحق في تفضيل القيم التي اختارها بلده. فمحبة الوطن هي نسبوية، ولكنها نسبوية معتدلة. يتخلّى النسبوي الأصلي تمامًا عن إصدار أحكام تقويمية، ويتفق المحب لوطنه معه في رفض كل إرجاع إلى معايير مطلقة وشمولية، لكنه يعتمد أساسًا آخرًا للأحكام.

ربما نستطيع أن نقول، مقلدين ومفسرين ما قاله (باسكال)، إن ولادة المرء في هذه الجهة من جبال البيرينيه، توجب عليه أن يقدّم الولاء المطلق للقيم الفرنسية، وولادته في الجهة الأخرى توجب عليه الولاء المطلق للقيم الاسبانية.


ثم يسترسل بعد ذلك في تساؤله؛ ما هو المفضل بين عاطفتي الوطنية والإنسانية؟ فيقول مستعرضًا فكر (هيلفسيوس) أولًا:

ينفي (هيلفسيوس) وجود الحق الطبيعي، بما أن العدالة ليست سوى ما يناسب على الوجه الأفضل جماعة ما، أو دولة. “في كل العصور وفي كل البلدان المختلفة، لا يمكن للنزاهة أن تكون إلا عادة الأفعال المفيدة للأمة”. تظهر النزاهة الشمولية إذًا كتناقض في الإصلاحات؛ لا يسعنا تصوّر أن فعلًا ما قد يكون مفيدًا، بصورة متماثلة لكل الأمم، فالفضيلة الإنسانوية، مثلها في ذلك مثل كل الكليات، ليست حتى الآن إلا وهمًا أفلاطونيًا.

لا تتطابق محبة الوطن مع الحب الشمولي إذًا: “من البديهي أن الشغف بمحبة الوطن، وهو شغف مرغوب به جدًا، فاضل جدًا، ومحترم جدًا عند مواطن ما، يستبعد حتمًا، الحب الشمولي. ربما ينبغي […] أن تخضع مصلحة الأمم لمصلحة أكثر عمومية، وأن يشعل حب الوطن في القلوب أخيرًا، وهو يطفئ نار حب شمولي؛ وهذه فرضية لن تتحقق قبل وقت طويل”.

فـ(هيلفسيوس) بهذا، يقدِّم المشاعر الوطنية، على مشاعر الحب الشمولية، أو المشاعر الإنسانية بكلمات أخرى. وهو يعتقد بأنه من المستحيل التوفيق بين هذين الشعورين، إذ أنهما متضادان.


ينتقل (تودوروف) بعد ذلك إلى (ڤولتير) ليشرح آراؤه في هذا الخصوص، فيقول:

أما (ڤولتير) فهو يتخذ موقفًا معاكسًا في هذا الخصوص. هو أيضًا يعتقد بأن حب الوطن وحب الإنسانية متعارضان، وهذا يحزنه: “من المحزن أنه لكي يكون المرء وطنيًا صالحًا، لا بد له من أن يكون عدوًا لباقي البشر. […] ذلك هو الشرط الإنساني، الذي يجعل تمني المرء العظمة لبلده، تمنيًا للشر لجيرانه. ذلك الذي يريد ألا يكون وطنه أكبر ولا أصغر، ولا أغنى ولا أفقر، على الإطلاق، قد يكون مواطن الكون”. ولكن، ومن بين هذين الاصطلاحين، يقدِّر (ڤولتير) الشمولي أكثر، رغم معرفته بأنه، لا سيما عند تقدمه بالعمر، يرق قلب الإنسان على وطنه ويفضل الخبز في بلده على الحلوى في الغربة.

(ڤولتير) هنا يتفق مع (هيلفسيوس) في كون المشاعر الوطنية والإنسانية متضادتين، إلا أنه يقدّم المشاعر الإنسانية، على عكس (هيلفسيوس) كما يقول (تودوروف).


وأخيرًا، ينتقل (تودوروف) في استعراضه للأجوبة، إلى (جان جاك روسو)، فيقول:

أما (روسو)، الذي قرأنص (هيلفسيوس) وتأمل فيه، فيستحق أن نتوقف عنده لوقت أطول. يتمفضل التعارض في كتاباته حول اصطلاحي “مواطن” و”إنسان”. ويدل هذا الاصطلاح الأخير، بطريقة مبهمة أحيانًا، على الكائن الإنساني كساكن للكون، تمامًا كما يدل على الفرد بعينه. لا تتطابق سُبُل المواطن والإنسان، وذلك لأسباب بديهية: “فهدف جهودهما ليس واحدًا، إنه سعادة المجموعة هناك، وسعادة الشخص هنا”.

فبرأي (روسو) أن الإنسانية والوطنية، هما شعورين مختلفين. يستكمل (تودوروف) شروحاته:

لا يكتفي (روسو) بالإشارة إلى الاختلاف بين هذين السبيلين؛ بل ويؤكد على تعارضها الجذري؛ هذا على الأقل ما اعتقده في عهد كتابه (إميل): “لأننا مجبورون على مصارعة الطبيعة أو الاأنظمة الاجتماعية، يجب الاختيار بين صنع الإنسان أو صنع المواطن، إذ أنه من غير الممكن صنع الاثنين في الآن نفسه”. ويتناسب نجاح الوطنية عكسًا مع نجاح الإنسانوية. “الأنظمة الاجتماعية الجيدة هي تلك التي تعرف على نحو أمثل كيف تفقد الإنسان طبيعته البشرية”.

 

ويستطرد قائلًا:

ما يزيد الأمور سوءًا هو أن (روسو) مقتنع بأنه في هذا التناقض، تمامً ككل تناقض آخر على كل حال، مصدرًا للتعاسة لا يمكن استدراكه، يقدّم عنده الحنين الذي يثيره فقدان الوحدة كمسلّمة دون إقامة براهين؛ بل إن هذا التناقض هو المصدر الرئيسي لتعاسة البشر. “ما يصنع البؤس الإنساني هو التناقض […] بين الطبيعة والأنظمة الاجتماعية، بين الإنسان والمواطن”.

كونديرا في حديثه عن أسباب وأخلاقيات الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. قام سنة ١٩٨٣ بكتابة مقالة، حملت عنوان: “تراث سرفانتس المغبون”، قال عنها بأنها “تحمل مفهومي الشخصي عن الرواية الأوروبية“، ووضعها مع عدد من المقالات واللقاءات الصحفية، في كتاب حمل اسم (فن الرواية).

ابتدأ (ميلان كونديرا) مقالته بالحديث عن (إدموند هوسرل) (1859-1938) الفيلسوف الألماني، وخطبته الأخيرة التي ألقاها في (فينا) عاصمة النمسا، و(براغ) عاصمة التشيك. يقول:

في عام ١٩٣٥، وقبل ثلاثة أعوام من وفاته، ألقى (إدموند هوسرل) محاضرته الشهيرة في (فينا) و(براغ) عن أزمة الإنسانية الأوروبية.

الحقيقة أن ما كان يعنيه (هوسرل) بصفة “الأوروبية” هو الهوية الروحية التي تتجاوز حدود أوروبا الجغرافية، إلى أمريكا مثلًا، والتي ولدت مع الفلسفة الإغريقية القديمة. فهو يعتقد أن هذه الفلسفة قامت بفهم العالم وكأنه سؤال يجب أن يلتقي بإجابته. لهذا تجدها تستجوب العالم، وليس إرضاءً للحاجة العملية، لكن لأن رغبة المعرفة سيطرت على الإنسان.

بدت الأزمة التي يتحدث عنها (هوسرل) عميقة لدرجة أنه تساءل إن كانت أوروبا ستستطيع تجاوزها. فجذورها تبدأ تاريخيًا مع بداية هذا العصر، عند (غاليليو) و(ديكارت)، في الطبيعة ذات البُعد الواحد للعلوم الأوروبية التي اختزلت العالم إلى مجرد موضوع بحث تقني ورياضي، وأخرجت بذلك الحياة الحقيقة من تلك الأفق.

دفعت نهضة العلوم بالإنسان إلى غياهب المعارف المتخصصة، فكلما ازدادت معرفة الإنسان، قلّ وضوح رؤيته للعالم ككل، أو حتى لذاته، غارقًا أكثر فيما وصفه (هيدغر)، تلميذ (هوسرل)، بتعبير جميل وساحر بأنه “نسيان الكينونة”.

يتطرق بعد ذلك إلى الرواية، وظهورها التاريخي، والحاجة إليها:

رافقت الرواية الإنسانَ دومًا وبإخلاص منذ بداية العصر الحديث. كانت “رغبة المعرفة“، والتي عدّها (هوسرل) جوهر الروحانية الأوروبية، هي التي سيطرت عندئذ على الإنسان، وقادته إلى دراسة الحياة الحقيقية للإنسان وحمايته ضد “نسيان الكينونة“، للتمسك بـ”عالم الحياة“، ووضعته تحت التنوير الدائم. هذا هو المعنى الذي أفهمه، وأشارك (هيرمان بروخ) الحاجة في تكرار مقولته: “إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه“. إن الرواية التي لا تكتشف عنصرًا مجهولا في الوجود، هي رواية لا أخلاقية. فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة في الرواية.

يتكلم بعد ذلك عن (هوسرل) مرة أخرى، وعن الأزمة الأوروبية، والتحول في عالم الروايات بعد الحرب العالمية الأولى:

كانت محاضرات (هورسل) حول الأزمة الأوروبية، وحول الاختفاء المحتمل للإنسان الأوروبي هي وصيته الفلسفية. لقد ألقى هذه المحاضرات في عاصمتين من عواصم أوروبا الوسطى. لهذه الواقعة دلالة عميقة: في أوروبا الوسطى هذه، وللمرة الأولى في تاريخه الحديث، استطاع الغرب أن يرى موت الغرب، أو بتر جزء منه -بشكل أوضح- عندما التهمت الإمبراطورية الروسية (وارسو) و(بواديست) و(براغ). هذه الكارثة سببتها الحرب العالمية الأولى، والتي تسبب فيها انهيار (امبراطورية هابسبورغ)، وأدت إلى نهاية هذه الإمبراطورية، وفقدت بذلك أوروبا المتهكة توازنها إلى الأبد.

انتهى الزمن الذي كان فيه الإنسان يشتبك مع وحش نفسه، زمن أمان (جويست) و(بروست). في روايات (كافكا) و(هاسيك) و(موزيل) و(بروخ)، يأتي الوحش من الخارج، ويُدعى التاريخ، لم يعد له علاقة بقطار اعتاد المغامرون ركوبه، فهو ليس شخص، صعب السيطرة عليه، لا يمكن حصره، غامض، ولا مفر منه. كانت تلك اللحظة -بعد الحرب العالمية الأولى- التي رأى فيها مجموعة كبار روائيي أوروبا الوسطى وأدركوا المفارقات النهائية للعصر الحديث.

على إنه من الخطأ قراءة رواياتهم كتنبؤات سياسية واجتماعية، وكأنها حدوتات (أورويل)، إن ما قاله لنا (أورويل) يمكن أن يُقال -وربما على نحو أفضل- في مقالة أو بحث. على العكس من ذلك، اكتشف هؤلاء الروائيون “ما يمكن أن تكتشفه الرواية فقط“. فهم يسجلون كيفية تبدّل المقولات الوجودية تحت الظروف “المفارقات النهائية”.

يتطرق بعدها إلى الحديث عن الروايات “الأكثر مبيعًا والأكثر انتشارًا”، وتلك الكتب التي انتشرت في فترة زمنية ما، وماتت بعد ذلك، ألا يتم نشر مثل تلك الكتب بشكل كبير؟ يجيب:

طبعًا، لكن هذه الروايات لا تضيف شيئًا إلى استعادة الكينونة. إنها لا تكتشف أي جديد في الوجود، إنما تؤكد ما سبق قوله، بل تأكيد ما قاله الجميع. (…) بعدم اكتشافها لأي شيء تفشل في المشاركة في تتالي الاكتشافات التي أطلق عليها “تاريخ الرواية“. إنها تصنع نفسها خارج ذلك التاريخ، وإذا رغبت، يمكنني تسميتها بأنها: روايات ما بعد تاريخ الرواية.

هل تسيطر هذه الروايات على المستقبل؟ يجيب (كونديرا):

لا أريد التنبؤ بدروب الرواية المستقبلية، فلن أستطيع الإجابة بشكل صحيح تمامًا، كل ما أود قوله هو: “إذا كان ينبغي للرواية أن تختفي، فليس لأنها استنفذت قواها، لكن لأنها وجدت في عالم أصبح غريبًا عنها”.

ثم يتابع عن حاجتنا الماسة في عصرنا الحالي إلى روايات عظيمة، يقول:

والآن إذا كان مبرر وجود الرواية وهدفها هو إبقاء “عالم الحياة” تحت النور دومًا، وحمايتنا ضد “نسيان الكينونة” أفليس وجود الرواية في يومنا هذا أشد ضرورة من أي وقت مضى؟ نعم، كما يبدو لي، لكن للأسف فالرواية أيضًا عرضة لنخر سوس الاختزال والتقليص الذي لم يكتف باختزال معنى العالم فحسب بل مدلولات الأعمال الإبداعية أيضًا. كغيرها من الثقافات توجد الرواية بين يدي وسائل الإعلام، وكوسيلة لتوحيد تاريخ الكوكب، فإنها تضخم وتوجه عملية الاختزال هذه، إنها توزع في كل مكان في العالم التبسيطات نفسها والصيغ الجاهزة والتي يمكن أن تكون مقبولة لدى أكبر عدد، كل فرد وكل البشرية.

يتابع بعد ذلك:

إن روح الرواية هي روح التعقيد ؛ فكل رواية تقول لقارئها “إن الأشياء ليست سهلة كما تبدو لك“، وهذه هي الحقيقة الأبدية للرواية. إلا أنه من الصعوبة سماع ذلك وسط لغط الأجوبة السريعة والبسيطة التي تسبق السؤال وتحجبه.

إن روح الرواية هي روح الاستمرارية ؛ فكل عمل روائي هو جواب لسابقه، وكل عمل يحمل خبرة الرواية السابقة. لكن روح عصرنا تركز بشدة على حاضر من الاتساع والوفرة بحيث يدفع الماضي بعيدًا عن أفقنا، ويقلص الزمن إلى اللحظة الراهنة.

ولكن وبسبب هذه السيطرة للقيمة الشرائية على عالم الروايات، تم إنتاج العديد من الروايات غير المهمة، كما يقول:

في مثل هذا النظام لم تعد الرواية عملًا  -شيئًا صنع ليدوم، لربط الماضي بالمستقبل- بل أصبحت حدثًا عرضيًا من بين الأحداث وإيماءة بدون غد.

إسبينوزا وحرية الإرادة

Spinoza

باروخ إسبينوزا (1632-1677) هو فيلسوف هولندي من أهم فلاسفة القرن 17. بالرغم من أن تأثيره في معاصريه كان ضئيلًا. لم تبدأ أهميته الحقيقية تقدر حق التقدير إلا في السنوات الأخيرة من القرن 18، عندما عرف (لسنج) و(ياكوبي) و(غوته)، وغيرهم من الباحثين الألمان أهمية إسهاماته. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، قام الأخير بشرح أهم أفكار (اسبينوزا)، اخترنا لكم منها فكرته عن الحرية، والتي يقول فيها:

لم يعتقد (اسبينوزا)، من حيث أنه فيلسوف آلي دقيق، في حرية الإرادة بمعنى اللحتمية. فكل حدث يقع يحدث بضرورة رياضية. وعندما لا نعي الظروف الخارجية ونعي فقط حالاتنا العقلية والجسمية، فإننا نتخيل أن أفعالنا تكون حرة، كاحجر، إذا كان لا يعي إلا حالاته الداخلية فحسب، فإنه يفترض أنه يحدد بإرادته الخاصة المجرى الذي يتبعه عندما يُلقى إلى الأعلى في الهواء.

ثم يشرح مقولته قائلًا:

وهناك، من ناحية أخرى، تمييز هام للغاية عند (اسبينوزا) بين العبودية البشرية والحرية البشرية. فطالما أن رغباتنا توجه في اتجاه الأشياء المتناهية والطارئة التي لا يمكن أن تشبع على الدوام فإننا نكون عبيدًا للظروف الخارجية ونكون ضحايا الأحداث. إننا نكون عبيد الانفعالات ودوافعنا وأفكارنا الغامضة، التي تدين بأصلها إلى علل لا نستطيع التحكم فيها.

أما عن كيفية التحرر من ذلك:

وفي إمكاننا أن نحرر أنفسنا من هذه العبودية عن طريق التفكير بصورة واضحة ومميزة. ودعنا نرى كيف يمكننا أن نفعل ذلك. لا شيء يسبب لنا الكآبة إذا عرفنا حتميته، وذلك أمر يمكن أن نفعله إذا فكرنا بطريقة عقلية، أعني بوضوح وتمييز. وإذا استخدمنا مثالنا لما يعنيه (اسبينوزا) لقلنا: إذا كان محتمًا على صديقك أن يموت، ومرضه لا يمكن الشفاء منه، فلا شيء يمكن أن تفعله أنت أو أي شخص آخر من أجل إنقاذه ؛ فمتى رأيت أن نتيجة هذا الحدث هي مسألة ضرورية مثل نتيجة 2+2=4، فإنك لن تحزن عليه بعد ذلك. وإذا استطعت أن تتأمل كل حدث من منظور الأزل (من حيث إنه يكون من منظور الأزل)، وتدرك أنه جزء من نسق لأحداث محددة بصورة مطلقة بوصفها نتاجات في جدول الضرب، فإنك لن تقلق عليه بعد ذلك، وسوف تتخلص من الألم الانفعالي.

يلخص ذلك بمقولته:

إن حرية الإنسان، من ثم، هي ببساطة مسألة قبول الكون، لأنك تفهم ضرورته الرياضية. ومتى تم ذلك، ستحصل على سلام العقل، ستتحرر من الانفعالات، وتكون قادرًا على أن ترد الشر إلى الخير.

د.علاء جواد والعلاقة بين الفن وماهية الإنسان

علاء جواد كاظم

د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية. في كتابه (الفرد والمصير) حاول تتبع تطور مفهوم الفرد والإنسان عبر التاريخ، وفي أفكار الفلاسفة والمثقفين. فيقول في أحد الفصول الأخيرة بنهاية الكتاب، كان عنوانها “أسئلة الفرد أو عوالم الرواية من منظور سوسيولوجي“:

يبدو أن السؤاال: عن ماهية الإنسان؟ أكثر أهمية من السؤال عن حقيقته؟ لكن كلا السؤالين تهربت العلوم الإنسانية من البت فيهما وهي المعنية بهما فعلًا.

وبحسب رأيه فإن كلًا من هذه السؤالين تم التنازل عنهما لصالح الفن والأدب:

ثم ألحقا -أقصد السؤالين- نهائيًا بفضاءات الفن والأدب والأشكال الفنية الأخرى، لذا تم ترحيل السؤال حول حجم أصالتنا والمعنى من وجودنا إلى عمق الموجود الرمزي، وتحطم الفرد في المجتمع في (الحياة في مكان آخر) لـ(ميلان كونديرا)، و(المكعبات اللونية) في لوحة (مودلياني) لـ(بيكاسو)، ومساحات الضباب والحلم والعمق الوجداني في سوناتات البيانو الخاصة بـ(بيتهوفن) أو (شوبان)؛ بوصفها أفعال إبداعية أو العوالم التي “تحاول وتعمل على إعادة تعريف الإنسان“. لكن هذا لا يعني أننا في مشكلة أو في قبو مظلم بلا مخارج أبدًا .. لأن في عوالم الأدب هنالك دائمًا متسع للتأمل في حال الدنيا وأحوال الإنسان. وإذ ذهبنا وراء سحر هذه التأملات فلأننا على يقين أن هؤلاء الذين يبحثون عن المعنى هم الذين اكتشفوا مقولات الفن والتوصيفات السايكو-سوسيولوجية التي تعمل اليوم داخل النص والنماذج الأدبية.

ثم يخصص حديثه عن الرواية فيقول:

الرواية كما ظهرت في تفصيلات هذا البحث ليست إلا شكلًا من أشكال تأمل هؤلاء، الساعين والباحثين عن المعنى، كما أن جنس الرواية وهذه إحدى معضلات (سوسيولوجيا الرواية) اليوم لم يتح له أو يولد لولا تصاعد سخط فردي انفعالي على بنى اجتماعية لم يصغ مفاهيم عامة محددة أو “نمو تطلع انفعالي نحو التحقيق المباشر لقيم كيفية سواء تصاعد هذا السخط أو نما هذا التطلع في المجتمع كله، أو حدث ذلك فقط بين الفئات الوسطى التي خرج من ظهرانيها أغلب الروائيين“.

ويقول في ختام هذا الفصل:

لقد انشغلت أعمال الكثيرين من الروائيين في الإجابة عن ناهية الإنسان وحقيقته وحالة المصير المرتقب. (رينيه جيرار) بحث عن محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة في أغلب دراساته، فخلص في قراءاته لنصوص خمس من أكبر روائيي العالم -(ثيربانتس)، (ستندال)، (فلوبير)، (بروست)، (دستويفسكي)- وهم جميعًا بالرغم من الاختلافات التي توجد بينهم، إلا أنهم جميعًا كشفوا عن حقيقة قلقة، صاغوا بالاستناد إليها إجابة احتجاجية مفادها: عدم أصالة الكائن الإنساني. وأكذوبة العالم ووهميته وتوصلوا أخيرًا إلى أن تحديات المصير تفوق قدرة الإنسان على الاستمرار.

ثم يكمل الحديث عن الروايات في فصل آخر، حمل عنوان “الرواية: بوصفها أنموذجًا جماليًا لأنثروبولوجيا المصير“:

تعد الرواية وفق تنظير (سوسيولوجيا الأدب الحديث) محاولة تراجيدية لفرد إشكالي، خلاق لاجتياز الحواجز والقفز على جدران الذات، الجسد، المجتمع، الدولة، الجغرافيا، محاولة فردية مأساوية لكسر حواجز البنية والنسق، كما أنها لا تخرج أبدًا عن كونها سيرة الذات المعذبة، وسيرة الفرد الإشكالي.

مما يجعل الفن وعلاقته بالفرد:

إن عملية تشكيل المتخيل الجمالي: [النص – الألوان – الموسيقى] في نظام جمالي إبداعي. تمر من هنا بوصفها فعالية فردانية احتجاجية ترفض وتنقض مبهمات المصير، مشحونة بدوافع سايكولوجية محضة، لكنها تدعم ويتم تصعيدها بفعاليات سوسيولوجية تظهر إبداعيًا من خلال مواجهة الفرد (المشكِل للنص) للعوائق الاجتماعية التي تضعها قوى التاريخ والمجتمع في طريقه والتي يحاول جاهدًا اجتيازها، القفز والاتفاف عليها في نصوصه الإبداعية من خلال لغة وأبطاله، حواراته وتقنيات السرد التي يوظفها في تأسيسه للنص المتضمن بالضرورة على [مجتمع متخيل] يشغله الفرد الذي يصارع تساؤلات المصير فينقض عليه الواقع. ما يدفعه إلى الالتفاف عليه إبداعيًا .. إن التشابك الأساسي بين البطل والعالم، والإخفاق الناجم عن هذا التشابك هو شرط أساس لكل شكل روائي إبداعي، أما الانقطاع بينهما فلا يمكن تجاوزه.

ثم يكمل، فيقول عن الروايات:

إن ظهور الرواية كجنس أدبي يرتبط إلى حد كبير بتحول مجتمع ما من مجتمع ذي طابع جماعي (ترتبط به الملحمة) إلى مجتمع فردي النزعة، نستطيع هنا التأكيد على هذه الفرضية من خلال تقديم الملاحظة الأساسية التي وردت في أعمال (غولدمان) على أن الأعمال الروائية والأدبية والفنية الأصيلة هي “تلك التي تعكس ذاك الانتقال بين فترتين أو عالمين؛ تعكس صيرورة عالم تهاوت فيه كونية القيم القديمة، وأحذت قيم جديدة تبزغ إلى الوجود. وإذا ما بحثنا عن دلالة هذه الأعمال سنجد بأن هؤلاء الكتاب أو الفنانين، مع تقبلهم للقيم الجديدة وتمثلهم لها، يحاولون العثور على الكونية المفقودة بعد انهيار العالم القديم”. بعد أن يكوّن الفنان رؤيته إلى العالم تأتي المهمة الأكثر صعوبة: وهي خلق الأشكال الأكثر انسجامًا مع تلك الرؤية للعالم.