أرشيف الوسم: البحث العلمي

الجمل والأسد والطفل .. التحولات الثلاثة للعقل، كما يذكرها نيتشه في تشبيهه عن رحلة الوعي

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. وباحث في اللاتينية واليونانية. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. وكان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا. بلغة ألمانية بارعة.

يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء. وللاستزادة في مقالات نيتشه، هنا (أسئلة نيتشه للضمير)، (تساؤل نيتشه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي)، (عن القراءة والكتابة في ديوان نيتشه)، (الفن والجمال عند نيتشه). وفي كتابه الشهير (هكذا تكلم زرادشت)، والذي نقله إلى العربية الأستاذ (علي مصباح)، تحدث نيتشه عن ثلاثة تحولات للعقل، في أحد خطب شخصيته الأشهر (زرادشت). فيقول مستفتحًا حديثه:

أذكر لكم ثلاث تحولات للعقل: كيف يتحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية.

فيبدأ حديثه عن التحول إلى الجمل فيقول:

أثقال كثيرة هناك بالنسبة للعقل القوي المكابد، العقل الممتلئ احترامًا؛ إلى الثقيل والأكثر ثقلًا ترنو قوته.

ما الثقيل؟ هكذا يسأل العقل المكابد، وهكذا يجثو على ركبتيه مثل الجمل ويطلب حملًا جيدًا.

ما هو الأكثر ثقلًا أيها الأبطال؟ يسأل العقل المكابد، كي أحمله وأغبط لقوتي.

أليس هذا ما يعني أن يحط الواحد من نفسه كي يكسر شوكة غروره؟ وأن يدع حمقه يشع كي يسخر من حكمته؟

أم ترى: أن نتخلى عن قضيتنا في اللحظة التي نحتفل فيها بانتصارها؟ أن نتسلق جبالًا شاهقة من أجل أن نجرب المجرَّب؟

أم هو هذا: أن نتغذى من عروق وأعشاب المعرفة، ونجعل الروح تكابد الجوع من أجل الحقيقة؟

أم هو هذا: أن تكون مريضًا تصد المواسين وتعقد صداقة مع الصم الذين لن يسمعوا أبدًا ما الذي تريده؟

أم هو هذا: أن يلج الواحد المياه القذرةإن كانت تلك ماء الحقيقة، وأن لا يدفع عنه الضفادع الباردة والعلاجيم السامة؟

أم هو هذا: أن تحب أولئك الذين يحتقروننا، وأن نمد يدنا إلى الشبح عندما يريد أن يرعبنا؟

بكل هذه الأثقال يأخذ العقل المكابد على عاتقه، وكما الجمل الذي يسعى حثيثًا بأثقاله عبر الصحراء، كذلك يسعى هو حثيثًا في صحرائه.

ينتقل بعد ذلك (نيتشه) من وصف “العقل المكابد”، أو ما شبهه بالجمل، إلى التحول التالي للعقل، فيقول:

لكن في الصحراء الأكثر خلاء ووحدة يحدث التحول الثاني: أسدًا يستحيل العقل، يريد انتزاع الحرية، وسيدًا يريد أن يكون في صحرائه الخاصة. هنا يبحث عن آخر أسياده: عدوًا يريد أن يصير لآخر أسياده ولآخر آلهته، ومن أجل النصر يريد الاشتباك مع أعظم تنين.

ما هو هذا التنين الأكبر الذي لم يعد يرغب فيه العقل سيدًا وإلهًا؟

“ينبغي عليك” يُدعى التنين الأكبر. لكن عقل الأسد يقول: “أريد”.

“ينبغي عليك” تسد عليه الطريق ملتمعة ببريق الذهب؛ حيوان حرشفي، وفوق كل حرشفة تلتمع مقولة “ينبغي عليك” ببريق ذهبي.

قيم آلاف السنين تلتمع فوق تلك الحراشف، وهكذا يتكلم التنين الأشد قوة: “قيمة الأشياء بكليتها تلتمع فوق جسدي”.

كل القيم التي قد تم خلقها، وكل القيم التي تم خلقها هي: أنا. حقًا، لم يعد هناك من مكان لأي “أريد”! هكذا يتكلم التنين.

لكن ما ضرورة الأسد للعقل يا إخوتي؟ ما الذي ينقص دابة الحمل والمكابدة المتبتلة والمفعمة احترامًا؟

خلق قيم جديدة، ذلك ما لا يقدر عليه الأسد بعد ؛ أما اكتساب الحرية من أجل إبداع جديد، فلذلك ما تقدر عليه قوة الأسد.

اكتساب الحرية وإعلان الـ”لا” المقدسة تجاه الواجب أيضًا، ذلك هو ما يحتاج إليه الأسد.

اكتساب حرية ابتداع قيم جديدة، إنه الكسب الأكثر فظاظة بالنسبة لعقل مكابد ومفعم بالاحترام. لكنه في الحقيقة مجرد صيد وعمل حيوان مفترس.

في ما مضى كان العقل يحب “ينبغي عليك” ويجلها كأرقى مقدساته؛ أما الآن فلا بد أنه واجدٌ جنونًا واستبدادًا في أكبر المقدسات أيضًا، كي ينزع إلى افتكاك حريته من حبه هذا؛ إنه بحاجة إلى الأسد من أجل هذه الغنيمة المنتزعة.

فالعقل المكابد كما يقول (نيتشه) هو العقل الذي يحمل المعلومات والأفكار. أما ما يحتاجه الأسد فهو الحرية للإبداع، ضد جميع الموروثات وواجبات الإنسان. ينتقل بعد ذلك (نيتشه) إلى التحول الأخير من العقل، فيقول:

لكن قولوا لي يا إخوتي، ما الذي يقدر عليه الطفل مما لا يقدر عليه حتى الأسد؟ ولمَ ينبغي على الأسد المفترس أن يتحول أيضًا إلى طفل؟

براءةٌ هو الطفل ونسيان. بدء جديد، لعب، دولاب يدفع نفسه بنفسه، حركة أولى، “نعم” مقدسة.

أجل، إن لعبة الابتكار يا إخوتي تتطلب “نعم” مقدسة: إرادته الخاصة، يريد العقل الآن؛ والذي يكون غريبًا في العالم يكسب عالمه الخاص.

فالمرحلة الأخيرة للعقل هي “العقل المريد”، ذلك الذي يزيح “التنين” والمقدسات الموروثة عن معادلته، في سبيل أن يصنع طريقه الخاصة، بعيدًا عن الخصام مع ما يختاره العالم والمجتمع.

ثلاث تحولات للعقل ذكرت لكم: كيف تحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية.

هكذا تكلم (زرادشت). وكان آنذاك مقيمًا في المدينة التي تدعى “البقرة المرقطة”.

تساؤل فريدريش نيتشه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. وكان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا، بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء، وللاستزادة في مقالات نيتشه، هنا (التحولات الثلاث للعقل)، (عن القراءة والكتابة في ديوان نيتشه).

أما في كتابه (ما وراء الخير والشر) يتساءل عن حقائق البحث العلمي والفلسفي، فنشارككم بعضًا من أقواله:

هل كل ما خرج به الفلاسفة والعلماء من حقائق، هي حقيقة بحد ذاتها؟

نظرًا لأنني تأملت الفلاسفة على مهلٍ، قرأت بين سطورهم وراقبت طريقة تعبيرهم عن أفكارهم، قلت لنفسي يجب أن يعدّ التفكير الواعي من ضمن الأنشطة الفكرية، والتفكير الفلسفي أيضًا؛ إن التفكير الواعي لفيلسوف ما، يوجّه في معظمه بشكل خفي من قبل ميولاته الفطرية ويصب بالضرورة في مذاهب محددة. وراء كل المنطق والسيادة الظاهرة في خطوات تفكيره، نعثر على تقييمات ما، أو بشكل أوضح، على مطالب فيسيولوجية تفرضها ضرورة الحفاظ على نمط حياة معيّن.

ويظن (نيتشه) أن الإنسان مفطور على الميل إلى الأحكام الخاطئة والأوهام بقوله:

وأن الإنسان لا يمكن أن يحيا دون أن يقرّ بالأوهام المنطقية، دون أن يقيس الواقع بالعالم اللامشروط والمماثل، الخيالي تمامًا، دون أن يزيف العالم باستمرار، إلى درجة الاستغناء عن الأحكام الخاطئة سيعني استغناء عن الحياة، نفيًا للحياة.

ويرى من هذا المنطلق أن الفلسفة التي تؤكد هذا الميل وتشجعه؛ “تضع نفسها مسبقًا وانطلاقًا من هذا، فيما وراء الخير والشر“. وباعتبار أن أية فلسفة يسعى ورائها هدف خفي، يقول:

لقد اكتشفت شيئًا فشيئًا أن كل فلسفة عظيمة حتى الآن، كانت اعترافًا ذاتيًا لصاحبها ونوعًا من مذكراته، من حيث لا يدري أو ينتبه. مثلما تحققت من أن النوايا الأخلاقية أو اللاأخلاقية شكّلت في كل فلسفة البذرة الحقيقية التي تولد منها النبتة كلها. من هنا، اذا اردنا أن نفسر كيف ولدت في الواقع كل التأكيدات الميتافيزيقية الأكثر تعاليًا لدى هذا الفيلسوف أو ذاك، فمن الحكمة أن نتساءل أولاً: أية أخلاق يريد هو؟

ولكن مالذي يحاول (نيتشه) أن يشجعه؟ حين يكفّ الإنسان عن اللهث وراء الحقائق ومحاولة إسقاط تصنيفات محددة على تصرفات البشر أو إيجاد تفسيرات واضحة لكل ما يدور في الحياة؟ حسنًا، يبدو أن الحل الوحيد هو الاستقلالية، على الرغم من المخاطرات وما ستدفعه ثمنًا لها، فيقول:

الاستقلالية أمر متعلق بأصغر فئة من الناس، إنها امتياز الأقوياء، ومن يحاول ذلك حتى وان كان على حق دون أن يجبر عليه، سيبرهن ليس فقط على انه قوي، بل يمتلك مع كل احتمال جرأة فائضة. يدخل إلى متاهة ما، يضاعف آلاف المرات الأخطار الملازمة مسبقًا لحياته، وأدناها أن لا احد يرى بأم عينه لا أين ولا كيف يتيه وينعزل ويهب نفسه للتمزق إربا إربا. عندما يهلك إنسان مماثل -يقصد المستقل- فإن ذلك سيتم بعيدًا عن فهم الناس بحيث لا يشعرون به ولا يتأثرون لحاله. فهو لا يستطيع أبدًا أن يعود إلى الوراء كما لا يستطيع أبدا أن يعود إلى رحمة الناس.

أخيرًا، ما هو دافعنا الحقيقي للبحث عن الحقيقة، إذا كان دافعنا خيرًا فيراهننا (نيتشه) أن لا حقيقة وراء هذا الدافع بقوله:

أيتها الإنسانية، أيتها الحماقة! إن الحقيقة والبحث عن الحقيقة، ليسا شيئين متلائمين، وعندما ينكبّ الإنسان عليهما بإنسانية مفرطة، عندما لا يبحث عن الحقيقة إلا من أجل فعل الخير، أراهن على أنه لن يعثر على شيء.