أرشيف الوسم: البرتو مانغول

آلبيرتو مانغويل وحديثه عن المكتبة بوصفها منزلًا

مانغويل

للعلاقة مع الكتاب والمكتبة فنون ومذاهب شتى، كيف تنشئ المكتبة؟ ومتى؟ لكل  قارئ وصاحب مكتبة، سيرته الخاصة مع الكتاب والمكتبة .(ألبرتو مانغويل)، الكاتب، والناشر، والروائي أيضاً، يجيب عن ذلك في كتابه (فن القراءة)، في مقالته المعنونة “المكتبة منزلاً”.

يقول (مانغويل):

انقضت سبع سنين وأنا أقيم في منزل حجري قديم كان صاحبه كاهن كنيسة، في قرية تعداد بيوتها أقل من عشرة، جنوب وادي اللوار في فرنسا. اخترت المكان لأن هناك حظيرة تجاور المنزل نفسه، تداعت أجزاء منها منذ قرون، كبيرة بما فيه الكفاية لتستوعب مكتبتي التي تناهز كتبها ثلاثين ألف كتاب لملمتها على امتداد ستة عقود من الترحلات. كنت أعلم أنني سأعثر على مكاني حالما تجد الكتب مكاناً لها.

ليست مكتبتي (في هذه الحظيرة) بهيمة واحدة بل هي هجين من البهائم أخرى كثيرة، حيوان فانتازي يتركب من المكتبات العديدة التي بنيتها ثم هجرتها، المرة تلو الأخرى، طوال حياتي. لا أستطيع أن أتذكر وقتاً لم تكن لدي فيه مكتبة ما. مكتبتي الحالية نوع من السيرة الذاتية عديدة الطبقات، كل كتاب محتفظ باللحظة التي قرأتها فيه للمرة الأولى. الخربشات على الهوامش، تاريخ لقاء عابر على ورقة فارغة في بداية الكتاب، تذكرة الباص الحائلة التي أشرت بها إلى صفحة معينة لسبب أجهله في الوقت الراهن، جميعها تحاول أن تذكرني بمن كنته حينذاك. لكنها تخفق في معظم الأحوال. اكتراث ذاكرتي بي أقل من اكتراثها بكتبي، وتذكر القصة التي قرأتها ذات مرة أسهل علي من تذكر الشاب الذي قرأها وقتذاك.

إحدى أولى ذكرياتي (لا بد أن عمري وقتذاك كان سنتين أو ثلاثاً) هي رف كامل من الكتب على الحائط يعلو سرير طفولتي كانت مربيتي تختار منه قصة قبل النوم. كانت هذه هي مكتبتي الأولى، وعندما تعلمت القراءة بنفسي، بعد نحو سنة من ذلك، أصبح ذلك الرف ملكا لي عقب نقله الآن إلى ارتفاع آمن عن الأرض. أتذكر ترتيبي كتبي وإعادة ترتيبها بحسب قواعد سرية اخترعتها لنفسي: يجب وضع سلسلة الكتب الذهبية كلها في مجموعة وحدة، لا يسمح لمجموعات الحكايات الخرافية السميكة بملامسة الكتب بالغة الضآلة لـ(بياتريكس بوتر) يمنع جلوس الحيوانات المحنطة على الرف نفسه مع الكتب. قلت لنفسي إن أموراً رهيبة سوف تحدث إذا انتهكت هذه القواعد. التطير وفن المكتبات يتضافران في آصرة متينة.

تأسست مكتبتي الأولى في بيت في تل أبيب حيث كان أبي سفير الأرجنتين، مكتبتي الثانية كبرت في بوينس آيرس خلال مراهقتي. قبل العودة إلى الأرجنتين طلب أبي من سكرتيرته أن تشتري عدداً كافياً من الكتب لملء رفوف مكتبته في بيتا الجديد، نفذت أمره، فأرسلت في طلب صناديق كاملة من المجلدات لدى بائع كتب مستعملة، وعندما حاولت ترتيبها اكتشفت أن الكثير من المجلدات أكبر حجماً من الرفوف. لم تتورع عن قصقصتها لتصل إلى الحجم المناسب، ومن ثم تجليدها بجلد أخضر غامق أضفى لونه على المكان، مع اللون الغامق لخشب البلوط، أجواء غابة ناعمة. اختلست كتباً من تلك المكتبة لأوسع مكتبتي التي كانت تغطي ثلاثة جدران في غرفة نومي. كانت قراءة هذه الكتب المختونة تستلزم جهداً إضافياً للعثور على بديل للجزء المفقود في كل صفحة، وهو تمرين دربني من دون شك لكي أقرأ في وقت لاحق روايات (وليم بوروز) “المقطعة“.

مكتبة مراهقتي احتوت تقريباً كل كتاب لا أزال على اهتمامي به اليوم، أضيفت إليها بضعة كتب أساسية. أعانني على بنائها معلمون كرماء، وباعة كتب شغوفون، وأصدقاء كان إهداء كتاب بالنسبة إليهم تعبيراً بالغاً عن الحميمية والثقة. أطيافهم تخيم بلطف على رفوفي، ولا تزال الكتب التي أعطوني إياها محتفظة بأصواتهم، وهكذا حين أفتح الآن (حكايات قوطية) لـ(إبيساك دينيسن) أو (القصائد الأولى) لـ(بلاس دي  أوتيرو) ينتابني انطباع بأنني لا أقرأ الكتاب بنفسي وإنما أسمعه يلقى على مسامعي. هذا واحد من الأسباب التي تفسر عدم شعوري بالوحدة أبداً في مكتبتي.

تركت كتبي ورائي عندما أبحرت إلى أوروبا 1969، قبل فترة من حكم الدكتاتورية العسكرية. وعلى ما أظن، لو كنت قد بقيت في الأرجنتين، كما  فعل الكثير الكثير من أصدقائي، لتعين علي إتلاف مكتبتي خوفاً من مداهمات البوليس. ففي تلك الأيام الرهيبة كانت تهمة التخريب واردة لأتفه الأسباب، حتى إذا شوهد المرء ومعه كتاب مشبوه؛ اعتقل شخص أعرفه، بتهمة الشيوعية، لأنه كان يحمل معه رواية (الأحمر والأسود) لـ(ستاندال). اكتشفت السمكريون الأرجنتينيون أن هناك إقبالاً غير مسبوق على خدماتهم، لأن قراء كثراً حاولوا إحراق كتبهم في أحواض مراحيضهم فتصدع بورسلانها.

أينما استقر بي المطاف راحت مكتبة تكبر من تلقائها. في باريس وفي لندن، في قيظ تاهيتي الرطب، حيث عملت كناشر خمس سنين طوالاً (لا تزال آثار التراب البولينزي واضحة على نسختي من أعمال ملفيل)، في تورونتو وكالياري، كنت أجمع الكتب ثم أوسدها الصناديق عندما تأزف ساعة المغادرة، لتنتظر بفارغ الصير داخل المخازن الأشبه بالقبور يحدوها أمل بالقيامة لا يعول عليه. وكنت في كل مرة أسأل نفسي كيف حدث ذلك، كيف تكدس هذا الركام من الورق والحبر الذي  سيغطي جدراني كاللبلاب مرة أخرى.

المكتبة القائمة الآن، بين جدران طويلة تحمل أحجارها في بعض المواضع تواقيع بنائي منازلها الفارهة في القرن الخامس عشر، آوَت، تحت سقف من عوارض خشبية تعرضت لتقلبات الطقس، بقايا تلك المكتبات السابقة كلها، بما فيها كتب من أولى مكتباتي تتضمن الحكايات الخرافية لـ(الأخوين غريم) في مجلدين، مطبوعين بأحرف قوطية الطراز تقبض النفس، ونسخة مليئة بالخربشات من (خياط غلوسستر) لـ(بياتريكس بوتر). ثمة بضعة كتب فقط سيعتبرها المولع الجاد بالكتب جديرة بالاهتمام: نسخة من الكتاب المقدس مزينة بالرسوم نسختها رهبان دير ألماني في القرن الثالث عشر، هدية من الروائي (يهودا إيلبرغ)، بضعة من كتب معاصرة معدة ككتب فنانين، بضع نسخ موقعة وأخرى من الطبعات الأولى. لكني لا أملك المال ولا المعرفة لأغدو مقتنياً محترفاً، وفي مكتبتي تجلس كتب (بنغوين) غضة الإهاب بريقها عائد إلى فرط الاستخدام، مسرورة جنباً إلى جنب مع كتب مخضرمة عابسة فاخرة التجليد.

ولأن مكتبتي, خلافاً للمكتبات العامة، لا تستلزم قواعد عامة يجب أن يفهمها القراء الآخرون ويتشاركوها، فقد رتبتها ببساطة تبعاً لما تقتضيه احتياجاتي وتصوراتي. ثمة منطق مضحك يحكم جغرافيتها. تتحدد أقسامها الرئيسة بحسب اللغة التي كتبت بها الكتب: أي من دون تمييز بين الأنواع، فجميع الكتب المكتوبة أصلا بالإسبانية، أو الفرنسية أو الإنكليزية أو العربية، تجتمع معاً على نفس الرفوف. أسمح لنفسي باستثناءات كثيرة على أية حال. بعض الموضوعات مثل الكتب عن تاريخ الكتاب، دراسات الكتاب المقدس، الروايات المختلفة لـ(أسطورة فاوست)، فلسفات عصر النهضة وآدابها، دراسات المثليين، كتب الحيوان القروسطية، لها أقسامها المستقلة. ثمة أفضلية لكتاب معينين: لدي آلاف من الروايات البوليسية مقابل قصص معدودة جداً من أدب الجاسوسية، مؤلفات (أفلاطون) أكثر من (أرسطو)، أعمال (زولا) الكاملة ويكاد يغيب (موباسان)، الأعمال الكاملة لـ(سينثيا أوزيك) و(جون هوكس) ولا شيء تقريباً لأي من المؤلفين على قائمة الأكثر مبيعاً في النيويورك تايمز. لدي العشرات من كتب رديئة جداً لا أتخلص منها، فقد تعينني ذات يوم إذا احتجت إلى مثال عن كتاب أحسبه رديئاً. الكتاب الوحيد الذي حظرت دخوله إلى مكتبتي كان رواية (بريت إيستون إيليس) مجنون أمريكي التي أحسست أنها قد أمرضت الرفوف بتوصيفاتها المهووسة بتعمد إيلام الآخرين. وضعته في سلة القمامة، لم أعطه لأحد لأنني لا أعطي كتاباً لا أحبه. كما أنني لا أعير الكتب. وإذا أردت من أحد أن يقرأ كتاباً اشتريت نسخة وأهديته إياها. في اعتقادي، إن إعارة كتاب تحريض على سرقته.

إن مكتبتي في نهاية الأمر، ككل المكتبات، ستفيض عن المساحة المخصصة لها. فبعد انقضاء قرابة سبع سنين على إنشائها وصل امتدادها إلى صدارة المنزل التي كنت آمل بإبقائها خالية من رفوف الكتب. كتب الرحلات، وكتب عن الموسيقى والأفلام، وكتب مختارات متنوعة الأشكال تغطي الآن جدران غرف عديدة. رواياتي البوليسية تملأ واحدة من غرف نوم الضيوف، وتعرف الآن  باسم مألوف هو غرفة الجريمة. ثمة قصة لـ(خوليو كورتاثار) هي (المنزل السليب)، وفيها يضطر أخ وأخت إلى الانتقال من غرفة إلى أخرى لأن هناك شيئاً لا يسمى يحتل منزلهم برمته شبراً بعد شبر، ويرغمهم في النهاية على الخروج إلى الشارع. أتكهن بأن كتبي، على غرار ذلك الغازي المجهول الاسم، ستتم اجتياحها التدريجي ذات يوم. سأكون آنئذ مطروداً إلى الحديقة، ولأنني أعرف مسلك الكتب، فما أخشاه هو أن ذلك المكان بأمانة الظاهري قد لا يأمن طموح مكتبتي الجائعة.

ألبرتو مانغويل : ملاحظات نحو تعريف المكتبة المثالية

مانغويل

ألبرتو مانغويل، من مواليد 1948. الكاتب والروائي والمترجم والمحرر الارجنتيني/الكندي المعروف الذي عنيَ بالإطلاع الواسع على أهم الأعمال الأدبية العالمية وجمعِها. تناول موضوع القراءة الحيّز الأكبر والرئيسي في أبرز أطروحاته ومؤلفاته الأدبية كـ : (تاريخ القراءة)، (المكتبة في الليل) و (يوميات القراءة). في كتابه الآخر (فن القراءة) يقوم مانغويل بسرد ملاحظات هامة حول تعريف ما أسماه “المكتبة المثالية” محاولا الإلمام بكل التفاصيل المكتبية المثالية من منظور فني وأدبي واسع.

المكتبة المثالية مصممة من أجل قارئ واحد معين، يجب أن يحس كل قارئ، أو قارئة، بأنه القارئ المختار.

كُتب فوق باب المكتبة المثالية مرادفٌ لشعار (رابليه): “إقرأ ما شئت”.

المكتبة المثالية افتراضية ومادية في آن واحد. إنها توفر النصوص بكافة الأشكال والتجليات والتقنيات المتاحة.

المكتبة المثالية مكتبةٌ يسهل الوصول إليها، لا ينبغي أن تحول بين القارئ والكتب أدراجٌ عالية، أو أرضيات زلقة أو أبوابٌ متعددة مشوّشة أو حراسٌ مخيفون.

للمكتبة المثالية مقاعد وثيرة مدعمة بمسندين الذراعين وظهر مقوّس، كتلك المقاعد في قاعة لابروست المأسوف عليها في المكتبة الوطنية الفرنسية، للمكتبة المثالية مناضد فسيحة، حبَّذا سطوحها من جلد أملس، ومآخذ كهربائية للأجهزة الإلكترونية “شريطة تشغيلها بمطلق الصمت” ومصابيح فردية خافتة الإنارة تذكرك بمصابيح القراءة الزجاجية الخضراء في الثانوية الوطنية في” بوينس آيرس”.
سنة ١٢٥٠، قارن (ريشار دو فورنيفال) المكتبة المثالية بحديقةٍ مسوّرة.

المكتبة المثالية تحتوي الكتب بشكل رئيسي، لكنها لا تقتصر عليها، إنها تجمع أيضاً الخرائط والرسوم والحواسيب والموسيقى والتسجيلات الصوتية والأفلام والصور الفوتوغرافية. المكتبة المثالية مكان للقراءة، بكل ما يشير إليه هذا التعبير في أوسع معانيه.
رفوف المكتبة المثالية مفتوحة أمام كل قارئ.
يجب منح فرصة الحرية إلى القارئ لملاقاة ما لا يتوقع.
لا رفَّ في المكتبة المثالية أعلى أو أخفض مما تطاله يد القارئ. لا تحتاج المكتبة المثالية إلى حركات بهلوانية.
ليس الجو في المكتبة المثالية مسرفاً في التدفئة أو مسرفاً في التبريد.
المكتبة المثالية تنظم محتوياتها دون إصابات في التصنيف على كتبها.
ليس هناك أيُّ قسم ذو ترتيب نهائي في المكتبة المثالية.
خريطة المكتبة المثالية هي فهرسها.
في المكتبة المثالية وفرةٌ من الطعام والشراب وآلات التصوير الضوئي،
والحصول عليها يسير.
المكتبة المثالية منعزلة ومشاعٌ للجميع في آنٍ معاً، حميمة ومفتوحة للتواصل الاجتماعي، مصممة للتأمل والحوار، للتبحر والتساؤل، تضنُّ وتجود، ملأى باليأس من كثرة ما ينبغي قراءته وبالرجاء المتطلع إلى ما لم يُقرأ بعد.

المكتبة المثالية تحمل وعد كل كتابٍ ممكن.
لكل كتابٍ في المكتبة المثالية صداه في كتابٍ آخر.
المكتبة المثالية مقتطفات مختارة سرمدية ودائمة التجدد.
ليس للمكتبة المثالية ساعة محددة تغلق فيها أبوابها.
المكتبة المثالية تسمح بالخربشة على كتبها.

المكتبة المثالية عامة وسرية في آنٍ معاً. إنها تحتوي كل الكلاسيكيات المجمع عليها وكل الكلاسيكيات التي لا تعرفها إلا قلّة قليلة من القرّاء.
في المكتبة المثالية تتجاوز (الكوميديا الإلهية) لـ(دانتي) مع الكلمات الاخيرة للموتى لـ(فيل كوزينو)، ومقالات (مونتنيي) مع (مونتنيي) أو (الحياة المكتوبة) لـ(إدواردو لورنتسو)، (مدام بوفاري) لـ(فلوبير) مع قصص (عروس الأوديسة) لـ(إدغاردو كوزارينسكي)، (الأخوة كارامازوف) لـ(دوستويفسكي)، مع (دوستويفسكي) يقرأ (هيغل) في سيبيريا ويجهش بالبكاء لـ(لازلو فولدينيي).

مهمة القارئ، في المكتبة المثالية، هي قلب النظام الراسخ.

يتباين عدد الكتب في المكتبة المثالية، يُقال إن مكتبة الإسكندرية احتوت سبعمائة ألف لفافة مخطوطة؛ لم يتجاوز عدد الكتب على رفوف (خورخي لويس بورخيس) خمسمائة مجلّد؛ كان للأطفال في معسكر الإعتقال النازي بيركناو مكتبةٌ سرية تتألف من ثمانية كتب ثمينة كان إخفاؤها واجباً في مكان مختلف كل ليلة.
تقع المكتبة المثالية في العقل، حتى عند تشييدها من الجدران والرفوف والكتب. المكتبة المثالية هي المكتبة المستعادة عبر الذاكرة.

توحي المكتبة المثالية بنص واحد مستمر ليس له بدايةٌ واضحة المعالم ولا نهايةٌ يمكن التكّهن بها.

ليس هناك في المكتبة المثالية كتبٌ ممنوعة لا كتبٌ يوصى بها.

المكتبة المثالية أليفةٌ لدى كل من سان جيروم ونعوم تشوميسكي،

في المكتبة المثالية ما مِن قارئ يراوده الشعور بأنه شخصٌ غير مرغوب فيه.

كل صفحة في المكتبة المثالية هي الأولى. لا صفحة أخيرة بين صفحاتها.
كمثل فكرة بول فاليري عن( عقلٍ يتألف من صناديق)، ثمة أقسام في المكتبة المثالية تتوالى لافتاتها على هذا النحو : للدراسة في فرصة مؤاتية أنسب. ما لا يخطر على بال. لا جدوى من التعمّق أكثر. محتوياتٌ لم يتفحصها أحد، أشغالٌ بلا طائل. كنز معروف يتعذّر تفحُّصه إلا في حياة ثانية.عاجل.خطير.رهيف. مستحيل .مهمل.محجوز، دعه للآخرين! نقطة قوّتي. صعب. إلخ.

المكتبة المثالية تُبطل مفعول لعنة بابل.

ترمز المكتبة المثالية إلى كلِّ ما يمثّل المجتمع. يعتمد المجتمع على مكتباته ليعرف مَن هو لأن المكتبات هي ذاكرة المجتمع.

تستطيع المكتبة المثالية أن تكبر إلى ما لا نهاية من دون حاجة إلى مكان مادي إضافي. وتستطيع أن تقدم معرفةً بكل شيء من دون حاجة إلى المزيد من الوقت المادي. المكتبة المثالية موجودةٌ كمستحيلٍ جميل، خارج الزمان وخارج المكان.

كانت مستودعات القدماء لحفظ عظام الموتى منقوشة بالكلمات التالية : “ما أنتم عليه، كنّاه فيما مضى؛ ما نحن عليه، أنتم إليه صائرون”. قد تُقال الكلمات نفسها في كتب المكتبة المثالية وقرائها.
المكتبة المثالية ليست مستودعاً لحفظ عظام الموتى.
بعضٌ من أقدم المكتبات صانها الكهنةُ المصريون القدماء الذين أمدّوا الأرواح الراحلة بالكتب لترشدهم عبر مملكة الموتى. تحافظ المكتبة المثالية على وظيفة إرشاد الروح هذه.
المكتبة المثالية تجدد مجموعتها وتحافظ عليها في آن واحد. المكتبة المثالية مطواعة.
ثمة كتب معينة كُلَّ منها، بحد ذاته، مكتبةٌ مثالية. أمثلة : (موبي ديك) لـ(ملفيل)، (الكوميديا الإلهية) لـ(دانتي)، (مذكرات ما وراء القبر) لـ(شاتوبريان).

ما من حاجة إلى بوصلة في المكتبة المثالية، فـ مظهرها المادي وبنيتها الذهنية متطابقان.

المهندس المعماري للمكتبة المثالية هو ، أولا وأخيراً، قارئ مثالي.
المهمة المستحيلة لكل طاغية هي تدميرُ المكتبة المثالية.
المهمة المستحيلة لكل قارئ هي إعادةُ بناء المكتبة المثالية.
تحتوي المكتبة المثالية -كأي مكتبة أخرى- سطراً واحداً على الأقل كُتبْ خصيصاً من أجلك.

ألبرتو مانغويل عن أساليب القراءة

Img_Art_46a98e01-caf6-4d96-87be-7cc2d0a8835e_alberto-manguel

ألبرتو مانغويل، ولد عام 1948. ارجنتيني المولد، كندي الجنسية. يعمل كجامع للأعمال الادبية الهامة، مترجم، محرر، روائي، وكاتب مقالات. يقول (مانغويل) عن القراءة بالعينين، في كتابه (تاريخ القراءة):

تبدأ القراءة أولاً بالعينين. “أكثر حواسنا حدّة هو نور العين“، كتب (شيشرون)، الذي كان يظنّ أنّ رؤية النصّ تجعلنا نحفظه بصورة أفضل مما لو سمعناه فقط. كان القديس (أغسطينوس) يمتدح العينين كثيراً (لعنهما في وقت لاحق) ويصفهما بأنهما بوّابة الدخول إلى العالم. وكان القديس (توما الأكويني) يقول عن البصر: “إنه أهم الحواس التي نستطيع الحصول عبرها على المعرفة“. هناك ناحية بديهية جداً للقارئ: نرى الأحرف بواسطة حاسة البصر. لكن عبر أي عملية كيميائية تتحوّل فيها هذه الأحرف إلى كلمات ذات معانٍ؟ ماذا يحدث في داخلنا عندما نُواجّه بنصّ؟ وكيف تصبح الأشياء المرئية “الجوهر” الذي يصل عبر أعيننا إلى مختبرنا الداخلي، إلى جانب ألوان و أشكال و مرئيات أخرى و الأحرف قابلة للقراءة؟ من أي شيء يتكون إذن ما نطلق عليه فعل القراءة؟

القراءة ليست عملية أوتوماتيكية، يكمل قائلًا:

إذن، فالقراءة ليست عملية أوتوماتيكية لحصر النص، مقارنة بانتقال الصورة إلى الفيلم عند إجراء عملية التحميض الضوئي، بل إنها عملية استنساخ معقدة و محيّرة ومذهلة تحدث بصورة متشابهة عند جميع الناس، والتي تحتفظ، مع ذلك، بميزة خصوصية عالية تختلف من إنسان إلى آخر، أما إذا كانت القراءة تحدث بعيداً عن السمع، أو أنها تحدث داخل مجموعة واحدة من العمليات السيكولوجية، أو من العديد من مثل هذه العمليات، فناحية لا يعرفها العلماء بعد. بيد أنّ العديد منهم يظنون بأنّ عملية القراءة معقدة مثل التفكير. وحسب نظرية وتروك، فإن القراءة ليست “ظاهرة خصوصية في البنية أو المزاج وهي ليست فوضوية أبداً. إلاّ أنها أيضاً عملية غير متناغمة و متراصة يكون فيها معنى واحد هو الصحيح. كلا، إنّ القراءة عملية خلاّقة إبداعية تعّبر عن محاولة القارئ المنتظمة لإنشاء وتكوين معنى واحد أو أكثر ضمن أحكام اللغة و قواعدها“.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن القراءة بصمت، فيقول:

لقد مكنت القراءة بصمت القارئ في نهاية المطاف من إقامة علاقة غير مضطربة مع الكتاب و الكلمة، مما جعله يدخر المجهود و الوقت اللذين كان يحتاج إليهما في النطق. إنها تنتشر في مكان داخلي، تسبح داخل القارئ، أو أنها تجثم في موقع ما. و ما إن تراها العين أو يبدأ اللسان بنطقها، حتى تطلق العنان لتصورات القارئ، أو أنه يتعمق في قراءة كتاب آخر موضوع أمامه. هكذا أخذ القارئ الصامت يكسب وقتاً للتمعن بالكلمات و التلذذ بها، و الإنصات إلى إيقاعاتها في داخله. إن النص المحروس من أعين الدخلاء المتطفلين بالغلافين أصبح ملك يد القارئ، كنز معلوماته السري، بغض النظر إن كان يجلس في غرفة النسّاخين المملوءة بالأصوات، أو في ساحة السوق، أو في مخدعه المنزوي.

لماذا نقرأ ؟ الإجابة لدى مانغول

Img_Art_46a98e01-caf6-4d96-87be-7cc2d0a8835e_alberto-manguel

ألبرتو مانغول – الكاتب الارجنتيني- معروف بشغفه الواسع بالقراءة. لديه العديد من الكتب الهامة التي تؤرخ للمكتبة وللقراءة مثل “تاريخ القراءة” و”المكتبة في الليل” وغيرها. بعد أن استعرضنا سابقاً الغاية الحقيقية من القراءة عند مصطفى ناصف، يستعرض مانغول في كتابه “تاريخ القراءة [تحميل]” نفحة من تأملاته وتجاربه الأولى مع القراءة فيقول

إننا نقرأ كي نفهم أو من أجل التوصل إلى الفهم. إننا لانستطيع فعل أي أمر مغاير. القراءة مثل التنفس ؛ إنها وظيفة حياتية أساسية.. إن تعلم القراءة كان المستهل الذي بدأت فيه حياتي، وبمجرد أن تعلمت فك رموز الأحرف بدأت أقرا كل ماكانت تقع عليه يدي: الكتب، العناوين، الإعلانات، الكلمات الصغيرة المكتوبة على تذاكر وسائط النقل، الرسائل المرمية، الغرافيتي، صفحات الجرائد المهترئة الملقاة تحت المصاطب في الحدائق العامة. كنت استرق النظر في باصات نقل الركاب وأحاول معرفة مايقرؤه الركاب، وعندما قرأت في أحد الأيام أن سرفانتس كان يطالع -من فرط حبه للقراءة- حتى قصاصات الورق المرمية على قارعة الطريق، أحسست بشعور جميل لأنني كنت أعرف ماذا يعني هذا.

إن احترام الكتابة (في الكتب أو على الشاشات) ناحية تتميز فيها كل الثقافات التي تعرف الكتابة. ويتميز الإسلام عن بقية الأديان الأخرى في هذه الناحية بالذات: فهو لايرى في القرآن كتابا منزلا من الله وحسب، بل صفة من صفات الله، تماما مثل حضوره في كل زمان ومكان ومثل رحمته.

استقيت تجاربي الأولى من الكتب ، عندما كنت مثلا أواجه حدث ما أو أرى مشهدا من المشاهد، أو أتعرف على شخص معين، فإن جميع تلك الأشياء كانت تذكرني بأمر كنت قد قرأت عنه ، مما كان يولد عندي على الفور الإحساس بأنني كنت أعرف كل ذلك نظرا لأنني كنت أرى الحدث الحاضر -كالشئ المقروء- كان قد صادفني مرة من المرات، وبأن إشارة معينة كانت قد أتت على ذكره في موضوع ما.

تشير الوثيقة العبرية القديمة عن التفكير النظامي والموجودة حتى يومنا هذا سفر الجزيرة (sefr yezirah) التي نشات في فترة ما من القرن السادس الى أن الله خلق العالم من اثنين وثلاثين سراطا من الحكمة، الأسفار أو الأرقام العشرة واثنين وعشرين حرفا.

فمن الأسفار خلق الأشياء المجردة، ومن الأحرف الاثنين والعشرين خلق جميع الكائنات والأشياء الواقعية للأطوار الثلاثة لمنشأ الكون : العالم ، الزمن والجسم البشري ،. ويتمثل عالم التقاليد اليهودية المسيحية في مخطوطة من الأحرف والأرقام ؛ يكمن مفتاح فهم العالم في قدرتنا على قراءة هذه الأحرف والأرقام بصورة صحيحة والتحكم في المؤالفات القائمة فيما بينها من أجل بعث الحياة في قسم صغير من النص الجبار محاكاة لخالقنا (على حد أسطورة تعود إلى القرن الرابع الميلادي كان عالما التلمود حناني وهوشايا يدرسان مرة واحدة في الاسبوع سفر الجزيرة، حيث تمكنا بعد مؤالفة الأحرف بصورة صحيحة، من خلق عجل عمره ثلاث سنوات تعشيا به).

نعرف لماذا نقرأ حتى عندما لا نعرف كيف نقرأ، في الوقت نفسه نحتفظ في عقولنا بالعالم الظاهري للنص ونتمسك بفعل القراءة. إننا لا نقرأ لأننا نريد العثور على النهاية، فقط لأننا نريد مواصلة القراءة، نحن نقرأ كالكشافة الذين يقتفون الخطى ناسين كل ماحولهم من أشياء، نقرأ شاردي الذهن متجاوزين بعض الصفحات نقرأ باحتقار، بإعجاب ، بملل، بانزعاج بحماسة بحسد وشوق. في بعض الأحيان تعترينا فرحة غامرة مفاجئة دون أن نستطيع القول ماهو السبب “بحق السماء ماهي هذه العاطفة ؟ ” سألت ربيكا وست بعد الانتهاء من قراءة الملك لير. “ماذا تتميز به أعمال الفن العظيمة التي تمارس علي هذا التاثير الباعث على السعادة؟”. إننا لانعرف ذلك.. عند القراءة نحن سذج. نحن نقرأ بحركات بطيئة وطويلة كما لو كنا نسبح في الفضاء، نحن ممتلئون أحكاما مسبقة وأحقادا أو أننا كرماء نغفر للنص عيوبه ونتغافل عن ضعفه ونصحح أخطاءه. في بعض الأحيان، عندما تكون السماء صحوة صافية نقرأ بأنفاس محبوسة بارتجاف ، كما لو أن أحدهم قد “سار على قبرنا”، كما لو أن ذكرى قديمة منسية عثر عليها فجأة في داخلنا . التعرف على شئ ماسبق أن عرفنا أنه كان موجودا أو على شيء لم نشعر به إلا كوميض أو ظل، الذي ينطلق منا ويعود إلى داخلنا قبل أن نعرف ماذا حدث.. بعدئذ نكون قد تقدمنا في السن وأصبحنا أكثر حكمة.

لا تنس مشاهدة كلمة ألبرتو مانغول في فعالية “إقرأ” والتي ألقاها على مسرح أرامكو في مدينة الظهران بعنوان “بهجة القراءة“.